 أقلام ثقافية

مشكلة الشعر

يسري عبد الغنيأذكر الشاعر الكبير عبد الفتاح مصطفى (رحمه الله) بعد أن دخل إلى عالم كتابة الأغاني والبرامج الغنائية لم يعد يكتب الشعر، بل أصبح مجرد مؤلف أغان، مع أنه لو كان قد انصرف إلى الإبداع الشعري لاستطاع كتابة روائع تغنى، ولكن ما باليد حيلة، فقد أصبح الجو العام هو تأليف الأغاني بالعامية في الأعم الأغلب، وبالفصحى في بعض الأحيان النادرة.

ثم جاءنا شعراء التجديد، الذين كسروا عامود الشعر، وألقوا بالقوافي في غياهب الجب وبحور النسيان، وبعض هؤلاء يكتب نثرًا مشعورًا يقول لنا: إنه شعر، وآخرون يكتبون مقالات قصيرة تحمل بعض الصور والأنغام اللفظية ويزعمون أنها شعر، وأكثرهم قدرة يستخدم بعض تفعيلات العروض في نظم كلمات مبتورة لا يكمن بها وزن، ولا تنتهي إلى قافية .

إن مشكلة الشعر في وقتنا الراهن، ليست عربية، بل هي مشكلة عالمية، تسببت في خلقها وسائل الاتصال الجماهيري الحديثة، وأخطرها شأنًا وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك اختراع الأقراص الممغنطة والفلاشات بأنواعها المختلفة كوسائل للتسجيل .

في العالم المتحضر أصبحت قصائد عمالقة الشعر العالمي تسجل على أقراص ممغنطة وتباع في الأسواق، وأنت تستطيع شراء قرص ممغنط مسجل في لندن عليه قصائد لكيتس أو بايرون أو مقاطع من مسرحيات شكسبير، كما تجد مثل هذا في ألمانيا، حيث سجلت بعض قصائد جوته وشيللر على أقراص ممغنطة .

وهذه الظاهرة تدل على أن الشعر أصبح فنا مسموعًا وغير مقروء، وبذلك تعود البشرية إلى عصر جاهلية العرب واليونان، حيث كان الشعراء يلقون قصائدهم، ثم يرويها عنهم الرواة، فأصبح الراوية في عصرنا الأقراص الممغنطة وأخواتها ...

ولكن الشعر المسموع من هذه الأقراص ليس شعرًا حديثًا، بل هو شعر قديم رصين، ونحن لم نعد نعرف شاعرًا مشهورًا ذائع الصيت في بريطانيا بعد (ت . س . إليوت) أو شاعرًا في ألمانيا بعد (برتولت بريشت)، ويأتي بعد ذلك مجهولون، أو محليون ...

ويبدو أن الشعر أصبح في أزمة عالمية، وليس الأمر قاصرًا على الشعر العربي، لأن روح العصر في تقدمه التكنولوجي الرهيب لم تعد تطيق القصائد والملاحم التي تربينا عليها، وأكثر ما يمكن تقديمه هو أغنية في ثلاث دقائق، تكتب كلماتها لتوافق لحنًا موسيقيًا .

إن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ومستوى التعليم المنحدر المتخلف واضمحلال الثقافة في بلادنا كل ذلك كان له أكبر الأثر على فن الشعر عندنا، وعليه فالحياة المادية المعاصرة توشك أن تقنعنا بأن عصر العواطف الملتهبة والمشاعر الراقية والعلاقات الودية بين الأفراد والجماعات قد انتهى إلى غير رجعة، وأن (روميو وجوليت) و (قيس وليلى) و غيرهما من ثنائيات العشاق أصبح شيئًا من تاريخ مضى أو بات نسيًا منسيًا .

ولكن : لماذا يعود الناس إلى هذا الماضي؟! .. إنهم في العالم المتحضر، يستمعون إلى أشعار الشعراء لديهم، ولكنهم لا يجدون بينهم شعراء يقولون شعرًا راقيًا جميلاً عذبًا مثل أشعار شكسبير وبايرون وجوته وشيللر وإليوت وبريشت .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5251 المصادف: 2021-01-20 02:41:45


Share on Myspace