 أقلام ثقافية

عينية الوجع

صالح الطائيكنا قد أطلقنا في بداية عام 2020 مشروعاً لبناء قصيدة عربية مشتركة من بحر الوافر، يسهم في كتابتها شعراء من جميع بلداننا العربية بعد أن وضعتُ لها مطلعا غير مصرَّعٍ، قلتُ فيه:

حذار من الهدوء إذا تفشى               فعند الفجر قارعة تثور

ومع كل الإحباط الذي يشعر به العرب من جراء ما يمرون به من تشظ وتفرق وتباغض وتباعد، كانت النتائج اعجازية بحق بعد أن اشترك شعراء من الأعم الأغلب من أقطار الوطن الكبير، زاد عددهم على ستمائة مشارك، تراوحت مشاركاتهم بين القوية جدا والقوية والمتوسطة والضعيفة، وبعد الفحص والتدقيق وحذف المتشابه خرجنا بمحصلة هي الأولى من نوعها في التاريخ كله، تمثلت باشتراك (139) شاعراً بكتابة قصيدة من الوافر وقافية الراء كادت أن تكون خالية من الإيطاء (*) رغم طولها، وكان قفلها وخاتمتها بقلمي أيضا، وقلت فيه:

ألا فأحذر هدوء قد تفشى                غداة الفجر قارعة تثور

ونظرا لنجاح المشروع بكل مفاصله، حولنا القصيدة ومقدماتها الطويلة التي كتبتها بقلمي وإحصاءاتها إلى كتاب، طبع في طبعته الأولى في دار الوطن للطباعة والنشر في المملكة المغربية الشقيقة، وفي طبعته الثانية في دار المتن في بغداد، وقد نال الكتاب استحسان الأدباء والنقاد على حد سواء.

ثم لما عادت التفجيرات الإرهابية تشوه وجه بغدانا الحبيبة وتروع أهلها، أطلقنا في بداية عام 2021 مشروع بناء قصيدة جديدة مقاربة في مواصفاتها العامة للقصيدة الأولى، ولكنها من بحر البسيط وقافية العين الممدودة، وضعتُ مطلعها، وقلتُ فيه:

يا قلبَ بغدادَ يا من تنزفُ الوجعا      ما حال بغدادنا؛ والجرحُ هلْ هجعا

وكانت غايتنا النجاح في بناء قصيدة عربية مشتركة تدين العنف والإرهاب والطائفية والكراهية، وتدعو إلى احترام الإنسان ونصرته، وزرع المحبة في الكون، ومثلما انتخى شعراء الأمة في المشروع الأول، كانت نخوتهم لا تقل روعة عن سابقتها، بل فاقتها عدة وعدداً وتنوعا وجغرافية، إذ وصلتنا لحد الآن مشاركات من أغلب الأقطار العربية، ووعود بالمشاركة من أقطار أخرى مثل موريتانيا وأرتيريا والصومال، ولا زالت المشاركات تنهال علينا من كل أرض العرب باستثناء البلدان نفسها التي أبت أن تشترك في المشروع الأول لغاية في نفس شعرائها.

إن اشتراك العرب بعمل أدبي كبير لا شبيه له في التاريخ الإنساني كله، ولا سابق له، لا يأتي لتأكيد هويتهم الجمعية فحسب، فذلك أمر مفروغ منه، وإنما يؤكد أيضا أن كل التخريب الذي مورس لم ينجح في فصل العرب عن بعضهم ووقف اهتمامهم بقضاياهم المصيرية المشتركة، وقد أثبت شعراء الأمة هذه الحقيقة المغيبة من خلال كم المشاركات ونوعيتها ومدى جديتها. ونحن هنا لا نعتب على من أبى وامتنع بقدر كوننا نرغب بحثهم للتنازل عن القناعات الموروثة المبتدعة بسبب حماقات الحكام، وندعوهم إلى العمل ضمن الفريق الواحد، لا سعيا وراء القطعنة، بل سعيا وراء التجمع والمحبة والوئام، فالعالم غير مستعد الآن لقبول ثقافة الكراهية حتى ولو على مستوى الأفراد، وهو غير مستعد لنشر ثقافة القطيع وسلب الإرادة أيضا، فالحرية هي الخيار الأمثل للآدمي.

وبعد اكتمال عدد المشاركات سنقوم بمهمة التدقيق والفحص والانتقاء والربط، لنصنع أجمل قصيدة مشتركة في التاريخ، ولاسيما وأن هناك دراسة بقلمي تحدثتُ فيها عن: شعر القضية وقضية الشعر، الأسس التراثية للاشتراك، مشروع مجازف، شراكة الشعر والقصيدة المشتركة، لماذا المشاريع المشتركة؟، آلية بناء القصيدة، آلية العمل بالمشروع، سوف تتصدر هذه الدراسة كتاب القصيدة؛ الذي سيطبع في طبعته الأولى في المملكة المغربية أيضاً، وفي طبعته الثانية في سوريا، وقد أبدى الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق رغبته في المشاركة بالمشروع وطبع كتاب القصيدة في بغداد وتوزيعه على فروعه.

مع كل هذا، هناك مشكلة عانينا منها في مشروعنا الأول، ونعاني منها الآن في مشروعنا هذا وهي قلة الدعم الذي نتلقاه، ولاسيما الدعم الإعلامي والترويج للمشروع لتتاح الفرصة للشعراء أن يطلعوا عليه، ولذا نأمل أن نحظى منكم جميعا بأي نوع من أنواع الدعم ممكن أن تقدموه لنا عسى أن ننجح في مشروعنا ونحقق أمنية على مستوى أمتنا بأن تتوحد القلوب والعقول لتصنع مشروعا مشتركا تتركه لأولادها وأحفادها، يُكذِّب مزاعم الفرقة التي يروج لها الأعداء في الداخل قبل الخارج.

ولمن يحب الاشتراك من إخوتنا شعراء الأمة، يمكنكم إرسال مشاركاتكم على عنواني البريدي الظاهر أسفل الموضوع مع التفضل بذكر اسم البلد ليدخل ضمن الإحصاءات، أو وضعها هنا في حقل التعليقات.

ننتظر منكم الكثير ونراهن على كرمكم ونبل أخلاقكم

 

الدكتور صالح الطائي

...........................

(*) الإيطاء: هو تكرار القافية، وهو أمر يجيزه المتخصصون بشرط ان يكون التكرار بعد سبعة أبيات من الأول وليس قبلها.

الايميل

salih_alabid@yahoo.co.uk

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الدكتور صالح الطائي المحترم
تحية و اعتزاز
مباركة تلك الجهود ومثمرة تلك الافكار
كما تمنينا في السابقة نتمنى هنا ان يساهم كل من يستطيع بما يستطيع
الاهمية الاولى للتلاقي ومن ثم تعميقه باتجاه تجذيره ليتواصل في قادمات معتمداً على جذورتمد الساق الباسق و الاغصان والاوراق لتثمر ثمراً طيباً .
امنياتي بالتوفيق لكم ايها الكريم
رافقتكم السلامة

عبد الرضا حمد جاسم
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي المبجل الأستاذ عبد الرضا أكرمك الله تعالى حتى ترضا
كنت سندا وعونا لنا في مشروعنا الأول ولنا الفخر أن يكون اسمك قد ادرج في كتاب القصيدة الورقي مع أسماء الداعمين للمشروع ولذا لا غرابة أن تقف اليوم الموقف النبيل نفسه فهذا ليس غريبا عليك
تقبل خالص شكري وجزيل امتناني ولك الود

صالح الطائي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5272 المصادف: 2021-02-10 07:40:42


Share on Myspace