 أقلام ثقافية

السماوة.. فصل آخر لصداقات الأمكنة (1)

جمال العتابيودَّعَنَا أهل الغازية بموكب ضمّ العشرات من أبنائها، بعد صدور أمر إبعاد الوالد (المعلم الفنان)، إلى مدينة السماوة، عام 1959، بإعتباره يشكل خطراً على أمن (لواء) الناصرية، في لحظة التوديع تحدث أبي مع أولئك الذين يتساقون الدموع: شكراً لكم أهلي وأخوتي، سأكون معكم مهما تباعدنا، ومهما أحاطت بنا الظلمات المسدلة!

تبدأ الرحلة بصرير محرك السيارة الخشبية (أم ضلوع دگ النجف)، مثل ريح تئن في القفار، أو صوتاً يرشح حزناً، كما لو كان لازمة نشيد أبدي التردد، يا حادي العيس، إلى أين تمضي بنا؟ والطريق إلى مدن ٍ لا نعرفها، صعب وشاق، واللوعات معلقة على نهايات أعمدة التلغراف الممتدة على طول الطريق الواصل بين الناصرية والسماوة، والتراب المتصاعد من بطء المسير ينتهك العيون والصدور، إنطلق إن شئت وإجتز المسافات، وإذا طوّفت بعيداً وإشتقت لتلقى مدناً أخرى، ما كان سوى هذا العراق قبل أن يكتسح الطوفان وجه الأرض، ما أوحش الطريق الذي وطأته أقدام السومريين قبل آلاف السنين، ماذا يبيته لنا هوس الزمان؟ تعبت خطانا، نغفو ونصحو، ننتظر ان يهدأ اللهب، لكي ننام، ولا ننام، وإن أحتفت بنا المدينة اليوم، ستظل العيون ترنو لمرابع الطفولة، فكل نخل السماوة لن يستطيع أن يسلب  من ذاكرتنا ربيع الغازية ونهرها الوديع، يستقبلنا أهلها بحفاوة وإهتمام : ادخلوها بسلام آمنين، ودخلنا في ملاذ مفعم بالسعادة والامتلاء، والصداقات غير القابلة للإستبدال والمراهنة،

لم تمض سوى بضعة أيام أضافت لنا شعوراً بالإطمئنان والإستقرار، لم يدم طويلاً، فتقارير المخبرين وأجهزة الأمن تلاحقنا، ولو طلبنا العلم في الصين:

برقية عاجلة..... المعلم... مدرسة الرشيد الابتدائية/ قضاء السماوة

إقتضى حضورك في مديرية أمن الناصرية يوم.... من شهر... للتحقيق في الدعوى المسجلة ضدك، حسب المادة......

مرّ وقت ثقيل قبل موعد السفر الى (اللواء)، وأثقل منه في الترقب والإنتظار لساعة العودة، قلق سرق منا نعاس الليالي، وأطعمنا للأرق ليومين متتاليين، نلتم حول (المتهم المطلوب)، نغرق في الضحك، لتفاهة الدعوى، وغباء المشتكين، انت يا سيد... متهم بقضية هي  انك ودّعت اهل الغازية بخطبة من أعلى سطح (دگ النجف)، ختمتها بالقول: إسألوني قبل أن تفقدوني!!، دوّن إفادتك، وذيلها بتوقيعك!!!

هكذا كانوا يغرقون البلاد بضلالات وأوهام، وتتحول الأكاذيب إلى أصفاد ومعتقلات، لم ترف نجوم السماء، ولا بكى نخل السماوة! سرقونا وضيعونا، والنهايات بلاد خربة (يتبع)

 

جمال العتابي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5286 المصادف: 2021-02-24 00:53:35


Share on Myspace