 أقلام ثقافية

محسن عواد: رواية "وجوهٌ لتمثالٍ زائف".. إضافة مهمة لمسار الرواية العراقية

2355 حسين السكافمرة أخرى يطل علينا الروائي العراقي حسين السكّاف بعمل إبداعي آخر من خلال روايته "وجوه لتمثال زائف" الحائزة على جائزة كتارا للرواية العربية. سردية حسين السكّاف ترصد واقعاً صادماً في بلد اختار أن لا يسميه مباشرة، ولكنه لا يحتاج إلى جهد كي يعرف القارئ أنه يقصد بلده الأم، العراق.

المشهد المرعب للواقع الذي يسرده السكّاف بوصفية متقنة من كاتب محترف ومتمكن من  أدواته ومتقن لحرفة السرد القائم على تأثيث المشهد بتفاصيل تجبر القارئ على تصديق كل ما حدث، حيث تستفز ذاكرته كي يربط المشهد الروائي بالخبر الإعلامي وبأحداث كانت متداولة ولكن في المحصلة يُفلت الأمر لصالح السرد الروائي بسبب اللغة والمفردات والتوصيف الذي اعتمده المؤلف في إغناء المشهد والابتعاد عن طريق تحرير الأحداث صحفياً.

يسرد السكّاف سيرة قاتل محترف ونذل ووصولي وانتهازي بامتياز باعترافه الشخصي.

بطل الرواية هو "مرهون الصاحب" الصبي الذي تهجرهُ أمه ليكون تحت رحمة زوجها دون أن تترك أثراً أو سبباً لإختفاءها حتى يصبح قاتلاً منذ الصغر دفاعاً عن نفسه ضد الاغتصاب إلى أن يصبح قاتلاً محترفاً ومنفذ لمخططات السلطة عن طريق القتل، والتصفية والتفخيخ والكواتم.

بطل الرواية، نموذج أفرزته ظروف الحكم الدكتاتوري وما بعد الدكتاتورية، ليصبح نموذجاً لأدوات الأحزاب والعصابات والسلطة الجديدة.

ونموذج صارخ لانعدام القيم والثوابت في المجتمع الجديد "ما بعد الدكتاتورية" وكذلك نموذج لمثقف الصدفة الذي يحتمي بالثقافة السطحية ويمارس القتل والبشاعة بدم بارد وهو يستذكر أقوال كبار الكتّاب والفلاسفة.

أي رعب وبشاعة يعيشها العراقي؟ سؤال يطرحه المؤلف في روايته حيث يأخذنا إلى عالمٍ صادمٍ مهووس بالقتل!

عندما تُنتَج سلطة هجينة ليس لها مبادئ أو خط واضح أو ملامح كوريث مُنَصَّب لسلطة همجية المنهج، فإن أبطال حاضرها حتماً سيكونون على شاكلة "مرهون الصاحب" وكل الشخوص الذين من حوله ممن يتلقى منهم أوامر مهماته القذرة وكذلك سيكون هناك حتماً ضحاياها وأدواتها لتنفيذ أهدافها.

لقد استطاع حسين السكّاف التقاط تلك اللحظات الفاصلة في كل حدث ليرسم لوحة غنية التفاصيل حتى يكاد أن ينفذ تحت جلد كل شخصية من شخوص الرواية، حيث إننا نصادف في الرواية شخوصا متنوعة شكّلت نسيجاً منسجماً يعكس صفة المرحلة ويؤرخ لها بشكل الأفعال التي اقترفتها، سواء كانت خيرة أم شريرة ، من مفسدين وجلادين وسجانين، وأنذال، وساسة، ووزراء، ورئيس جمهورية، وقوادون، ومومسات ومثقفين وصناع قرار وباعة أعضاء بشرية وأطباء كفروا بقسم أبقراط، فنانون وضحايا مشاريع "التفصيح" البشري حيث المتاجرة بالأعضاء البشرية.

وتطول قائمة الشخصيات التي تركت بصمتها في العمل وإن كانت شخصيات عابرة، تختفي بفعل إجرام بطل الرواية "مرهون الصاحب" أو تؤدي دوراً صغيراً قد لا تنسجم الرواية بدونهم.

إن الحرفية في الكتابة التي أجادها حسين السكّاف والتي عززتها إمكانياته المتطورة في النقد الفني والأدبي وإمكانياته في الكتابة المسرحية وكلاهما يشترط الدقة والتفصيل والالتقاط الحاسم للحظة الفعل.

لقد استطاع الكاتب أن يوظف هواية البطل "مرهون الصاحب" الاحتفاظ بتذكار من كل ضحية- يحتفظ بشيء معدني كان بحوزة الضحية، حركة بارعة تتكرر مرات عديدة في مسار الرواية - للتذكير بأفعاله  "صحوت مبكراً كعادتي، وقررت الذهاب إلى غرفتي في بيت الندائي، لأودع كيس السجن هناك، وأُلحِقُ رموز وأشياء القتلى إلى أغراض من سبقوهم قبل دخولي السجن للمرة الثانية، وهناك جلستُ على الأرض وأفرغت الكيسين، ورحتُ أتذكر الأشخاص بدلالة أشياءَهم، بدءاً من مفاتيح مانع ونعاله البلاستيكية، وحقيبة نقوده التي لم تعد ذات قيمة تُذكر، وصولاً إلى فازة الضابط حاتم، ثم إسوارة وخاتم زوجة الدكتور كريم، وساعة الرجل العجوز الذي مات خوفا، ومن ثم مصاغ سهام الجميلة، وانتهاءً برمز آخر ضحية خدرتها وبعثتها إلى مستشفى التفصيخ..." صفحة 223، من خلال جمعها في أكياس ثم لتنتهي أخيراً قطعاً منصهرة في تمثال... "أفرغت أكياس الضحايا قطعة إثر قطعة في بوتقة المصهر الكبيرة، ومع كل قطعة، كانت ذاكرتي تعيدني إلى لحظات الموت، إلى العيون الشابحة صوب السماء، وأرواح تئن زافرة آخر أحلامها، كنت أشم رائحة الدم الساخن، واسمع آخر الكلمات، حتى شعرتُ بأنني أقتل ضحاياي مرة أخرى" صفحة 507.

بصهر التمثال استطاع الكاتب حسين السكّاف أن يؤرخ للمرحلة ويخلّد أحداثها المؤلمة كرموز لتلك الأحداث وما يدور في محيط شخوصها، مرحلة أنتجت نَماذِج فاقدة الجذور والمحتوى.

لقد أضاف الكاتب حسين السكاف عملاً إبداعياً إلى قائمة الأعمال التي سوف يكون لها  أثراً في مسار الرواية العراقية الحديثة .

 

قراءة: محسن عواد

مالمو/ السويد 02/04/2021

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (7)

This comment was minimized by the moderator on the site

محسن عواد قدمت نقد عميق برزت بيه جوهر الرواية بطريقة مشوقة تجعلنا تواقين لقراءة هذا الكتاب.

علي العامري
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لك صديقي علي.
ستكون الرواية عندك قريبا!
مودتي.

محسن عواد
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزي محسن قراءتك النقدية الرائعة للرواية تحرضني و بشوق على لقاء ( مرهون الصاحب) بالرواية طبعاً فكفاك وكفانا شرّ لقاءه في الواقع، أجدت في عرضك النقدي المشوّق فشكراً لك ودمت مبدعاً.

قصي الصافي
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزي قصي
شكرا لك!
سارسل لك نسخة من الرواية مع ولدي عندما يعود الى كاليفورنيا في شهر آب لمتابعة دراسته!
القاك على خير.... مودتي

محسن عواد
This comment was minimized by the moderator on the site

استحضار ومدخل موفق الى عالم السكاف الروائي !
تحياتي لك محسن عواد.

مهدي شاوي
This comment was minimized by the moderator on the site

يسعدني أن أتجول في صفحاتك وأتمتع بما يخطه قلمك بفن وإتقان ، كَتبت وأجزت فأبدعت .
تقبل مروري

Amal
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزي محسن
عرضك بهذا الشكل ستكون اضافة قوية
للرواية
التي ساسافر لقرأتها الاسبوع القادم بحجة تازم ظروفي
وسيكون العنوان رحلة
من اجل قرأة رواية وجوه لتمثال زائف

الزاير
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5325 المصادف: 2021-04-04 23:41:00


Share on Myspace