 أقلام ثقافية

عمار عبد الكريم: الأمانة سبيل المحبة والنجاح

عمار عبدالكريم البغداديمن وحي شهريار وشهرزاد (8)

قالت شهرزاد: هل تعتقد أنّ المحبة والثناء المحمود مع عين الملاحظ وبعضا من صفات القيادة أسباب كفيلة بأن نكون مؤثيرين على الناس من حولنا؟، أجد ذلك في غاية الصعوبة لا سيما وأن الكثيرين لا يمتلكون قدرة التحرر من الأطر الفكرية القديمة ! .

شهريار: أنوار المحبة كثيرة ومن أخيرها الأمانة في العطاء، وذلك ضياء لا تحتجب دونه الأطر الفكرية المغلقة، والقلوب المشفقة، وإن الحديث في معاني الأمانة يطول، لكننا سنتحدث عن جانب له كل الأثر في تحرر النفوس، وتمتين الثقة حتى تكون لأفعالنا وكلماتنا أثر المطر النافع في الأرض الجرداء .

وقد ذكرنا فيما سبق أن الثناء والحمد من قلب محب لا يكونان إلا لعمل صالح، او إبداع وتميز، وهو أول معاني الأمانة، ومن أحوالها أن نكون مؤتمنين على إصلاح الطالح من الأفعال، وعلى افتراض أن قلوب أولئك الناس متفتحة لنا كاشفة لأسرارها مستعينة بنا لتحسين أحوالها، فنحن مدينون لهم بالأمانة وعدم المهادنة في بيان أخطائهم وتقويم أفعالهم .

لكن أعمق معاني الأمانة ان نحفظهم في غيابهم، وليس بمقبول أن نتلذذ بالإستماع لانتقادٍ، او كشف عيب أحدهم بقصد دعم متحدث قد أصابه آذى من الغائب، وإن المتفكر في هذا الموقف يعلم علم اليقين أن المنتقد او الكاشف لعيوب الغير يقول في قرارة نفسه: (سيقبلُ أن أتعرض للإنتقاد في غيابي كما قَبِلَ بانتقادي لأحدهم في غيابه)، هنا يضيع معنى الأمانة، وتتلاشى ثقة الناس بنا .

 قمة الأمانة أن نسعى الى جميع الأثنين، والتحدث بصراحة، وإصلاح الخطا بدون مجاملة .

في إحدى المؤسسات التي أعمل فيها بصفة مدير قسم الأخبار أتعرض الى مواقف متكررة من هذا النوع، وكنت منتبها لضرورة المحافظة على الأمانة والمحبة، وما أن ينطلق لسان أحد المنتقدين لزميله او زميلته من الغائبين حتى أقف كحد السيف، ولا أرضى بذكرهم بأي سوء، وإنني لاسعى الى مواجهة الإثنين معا بصراحة شديدة مع التحفظ على أي لفظ جارح، وفي يوم سادت فيه البغضاء بين إثنين منهم أخذت المواجهة معنى التدافع، وكل يرمي بالتقصير في إنجاز عمل ما على الآخر، وكاد الأمر يخرج عن السيطرة حين قلت بصوت هادئ: "ليس المهم من كان سببا في التقصير، المهم أن نكون متكاتفين أكثر لإنجاز العمل، حينما يكون هدفنا واحدا فإننا نحمل أعباءنا سوية،  ونلتمس العذر للغائب، ونحل محله بكل خير".

حينها أحس الإثنان (كما أظن) أنهما خارج دائرة الإتهام المباشر بالتقصير، ثم أثنيت عليهما بما يحققان من نجاح مشترك في العمل، واستنهضت روح المحبة والتكاتف بينهما من جديد .

بعد نحو عام على العمل المتواصل لم أعد أسمع، إلا ما ندر، إنتقادا للغائبين، وصرنا نحقق نجاحات بتكاتفنا تحسدنا عليها بقية أقسام المؤسسة التي ربما غاب عن مديريها حفظ الأمانة للغائب، والتماس المحبة في قلوب العاملين قبل توجيه أوامر العمل .

ومن الأمانة ياشهرزاد أن نكون على طبيعتنا مع من نحب، وننزع عن وجوهنا أقنعة الرياء، والإبتسامة الزائفة، والصبرالمتكلف، والرضا المصطنع، ولتكنْ ملامحنا صورة لنبض قلوبنا ومكامن نفوسنا، إننا بالابتسامة الزائفة نرحل الازمات بقصد المحافظة على مشاعر الآخرين، ونضحي بأواصر المحبة، فوراء الرضا المتكلف بذرة سوداء تنغرس في قلوبنا، ومع تكرار المشهد يحيط بالمحبة ظلام دامس تضمحل بين أسواره معاني المودة، وتتكسر تحت وطأته جسور الثقة، وتختفي بين طبقات عتمته ملامح الأمانة .

 

بقلم : عمار عبد الكريم البغدادي

.......................

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5386 المصادف: 2021-06-04 03:19:10


Share on Myspace