 أقلام ثقافية

يسري عبد الغني: عجيب..غريب أنت أيها الحب.!!!

يسري عبد الغنيالأديبة المبدعة مي زيادة لم تتزوج، وإن أحبها مشاهير عصرها من الأدباء والمبدعين .

 لقد كانت مي في صالونها الثقافي، أنموذجًا جديدًا لم يعهده أصحاب الفكر والقلم في مجتمعاتنا الشرقية، تتحدث، تناقش، تحاور، تنشد الشعر بالفرنسية، تعزف بمهارة على البيانو، تعامل الجميع أحسن وأرقى معاملة، ولعل ذلك ما جعل الجميع يحبها، ويظن أنها تحبه هو فقط لا غير، وتمنى كل واحد منه أن تكون له .

 ولكن قلب الأديبة اللبنانية الرقيقة / مي زيادة، كان مع ابن بلدها (لبنان)، الشاعر المهجري المبدع / جبران خليل جبران، في مهجره الأمريكي الشمالي بالولايات المتحدة الأمريكية .

 والعقاد أحب سارة، وكتب عنها روايته الفلسفية الشهيرة، وإن كنا لا نعرف حتى وقتنا هذا ما هو اسمها الحقيقي؟ .. وقد طلب العقاد من الفنان     الكبير / صلاح طاهر، أن يرسم لها صورة زيتية، ودهنها بالعسل، ليعف عليها الذباب، انتقامًا من خيانتها له، ثم مزق الصورة .

 وقيل أن سارة هي (هنومة خليل) الممثلة المصرية / مديحه يسري، وقيل أنه أحب مديحه يسري قبل أو بعد قصته مع سارة، وقيل: إن العقاد أحب ابنة الجيران، وأنه أحب الأديبة / مي زيادة، وقيل: إنه أحب امرأة، وتزوجها، وأنجب منها ابنة، وقد طالبت هذه السيدة بميراثها وميراث ابنتها بعد وفاة العقاد .

 ولكن قيل بعد ذلك من أسرة العقاد وبعض الأصدقاء المقربين: إنها امرأة كان العقاد يعطف عليها هي وابنتها، لفقرها الشديد، فأرادت الاستفادة طامعة، وعلى كل حال فرغم كل ما قيل، فإن هذه القصة لم تتأكد رسميًا حتى الآن.

 والشاعر والكاتب والصحفي الرقيق والمبدع الكبير / كامل الشناوي، الذي عرف بخفة الظل، كان يحب كل يوم امرأة، ويعيش قصة الحب بكل جوارحه وخوالجه وأحاسيسه، وقالوا: إنه من المحال أن يعيش كامل الشناوي بدون حب !! .

 وقيل: إن الشناوي تيم عشقًا بالمطربة الفنانة / نجاة الصغيرة، وقيل: إن نجاة خانته مع القاص / يوسف إدريس، وقيل: الروائي / يوسف السباعي، وإن رجح البعض الأول .

 وقالوا: إن الشناوي كتب قصيده (لا تكذبي) تعبيرًا عن هذا الموقف، وللروائي الكبير الأستاذ / إحسان عبد القدوس أقصوصة، يقال أنها تناولت هذه المسألة، اسمها (وسقطت بين أصابعه) .

 والشاعر الكبير / عزيز أباظة، تزوج زواجًا تقليديًا، وعندما انتقلت  السيدة / زوجته إلى رحاب الله، كتب فيها أجمل أشعاره، ورثاها في صدق منقطع النظير .

 وقلت لك من قبل: إن العقاد كان يرى دائمًا أن المرأة ما هي إلا متاع للرجل، وليست صانعة لعبقرية المبدع الفذ .

 وأعتقد أن الأمر ليس خاصًا بالرجل أو المرأة، ولكنه خاص بالعبقرية الأدبية أو الفنية، ولعل هذا ما يدعونا إلى التقريب بين أبي الطيب المتنبي، شاعر العربية الأكبر، وأحمد شوقي أمير شعراء عصرنا الحديث، في مسألة الحب والعشق والهيام، لماذا؟! .

 لأن ينابيع العبقرية لا ترتبط بهذا الينبوع العادي الذي يربط بين رجل وامرأة، ولكنها تربط العبقري بينبوع آخر هو العبقرية نفسها، وقد قلت لك من قبل: إن أمير الشعر الألماني / جوته تزوج من خادمته، وجائز جدًا أن يكون قد أحبها حبًا صادقًا، ومن الجائز جدًا أن يكون قد وجد عندها من العطف، والحب، والحنان، والاحترام، والصدق الذي لم يجده عند الأميرات الفاتنات الحسناوات، اللائي رفض الزواج منهن ..

 زوجة الأديب الروسي الكبير / تولستوي، كانت ابنة من بنات الطبقة الراقية الأرستقراطية، ولكنها حولت حياته كلها إلى جحيم لا يطاق، لأنها لم تكن تفهمه أو تشعر به .

 وقالوا: عن زوجة الفيلسوف اليوناني المشهور / سقراط، كانت من عائلة كبيرة ولكنها كانت تسخر منه ليل نهار، وتسفه أفكاره، وتطرده هو وتلاميذه إلى الشارع، بل تلقي عليهم الماء غير النظيف .

 وزوجة موسيقار الشعب / سيد درويش الأولى، كان لا يحلو لها الكنس، والمسح، والغسيل، وطلب مصروف البيت، إلا وهو جالس إلى عوده، يبدع أروع ألحانه ..

 أعود بك إلى جوته، الذي تزوج خادمته، وقد قال البعض مدافعًا عن ذلك: أنه تزوج في لحظة إحساس جنسي عابر .. !!، ولعل نفس الإحساس الحيواني قد تلبسه عندما عاشر زوجة ابنه، وأنجب منها ولدًا (والعياذ بالله) .!!!

وقالوا: إن ابن الخادمة التي  تزوجها جوته كان تافهًا، لا وزن له، ولا قيمة، ولم يفلح في التعليم، أو في أي عمل

 أقول لكم: نعم، الحب لا سلطان عليه، بل هو في كثير من الأحيان السلطان الأكبر الذي يجب أن يطاع، الحب لا يعرف أي فروق طبقية، لا يعرف مسالة الغنى أو الفقر، لا يعرف الدمامة أو الجمال، الحب هو الحب، الذي لا تحكمه أي تفسيرات منطقية أو فلسفية، أو نظريات علمية، فما بالك بحب الأدباء والشعراء والعباقرة الذين هم دائمًا وأبدًا كتلة من المشاعر والأحاسيس؟! .

 ولكنك تتفق معي كل الاتفاق أن الحب الصادق العظيم الرائع هو ما كللته الشرعية، هنا تكون المودة، وتكون الرحمة، الحب الرائع هو النابع من القلوب والعقول، وليس من الغريزة البهيمية، فحب الغرائز مصيره الغثاء والزوال، أما حب العقول والقلوب فهو في بقاء أبد الآبدين، لأن الأرواح خالدة .

 اعلم ـ أيها القارئ الكريم ـ أنه عندما تنجذب روح الشاعر أو الأديب المبدع إلى روح السماء، يحدث ما يسمى بالنور الأعظم، النور الأروع، النور الأسمى، النور الأنبل، النور الذي يشعل عبقرية الوجد والوجدان والشعور .

 وقد حدث هذا الانجذاب الروحاني في روح أمير الشعراء / أحمد شوقي، كما حدث لغيره من أهل الإبداع، فكانت اللذة عنده لذة مختلفة، عن اللذة الحسية المادية العابرة، إنها لذة اللقاء بين الأرض التي عليها الإنسان المبدع، والسماء التي يستمد منها وحي إبداعه  .

 وقد تكلم معاصروا أحمد شوقي عن هذه الجذبة، وهذا الانجذاب الإلهامي، إنها لحظة الإيحاء الصادق عند أصحاب الفنون الجميلة، الفنون الراقية الرفيعة من: الشعراء، والموسيقيين، والرسامين، والنحاتين، والكتاب، وغيرهم من المبدعين الذين يرتقون بأذواق الناس ومشاعرهم وأحاسيسهم .

 كان أحمد شوقي من أصحاب الإيحاء، شأنه في ذلك شأن غيره من عباقرة الفن الصادق، وليس لأي دارس أن ينظر إليه وفقًا لمقاييس التطور، أو التغير، أو التحول في الآداب وتاريخها، فهذا حديث ممل يعرفه النقاد المدرسيون من محترفي التعقيد والتنظير في النقد الأدبي .

 أقول لكم: في أوربا يأخذون أمخاخ العباقرة، ويجرون عليها البحوث العلمية المعملية بعد وفاتهم، وكذلك في أمريكا، وقد فعلوا ذلك مع عقل (أينشتين) عالم النسبية الشهير، وخرجوا من دراسة عقله بأمور كثيرة مهمة، يقولون أنها أفادتهم وستفيدهم في علم الهندسة الوراثية، والآن وبعد أن توصلوا إلى خريطة الجينوم البشري، يقولون: إن هذه الخريطة ستسهل لهم معرفة أهل النبوغ والعبقرية في المستقبل .

 والاستنساخ وتطوره المبهر، أكدوا أنهم سوف يضعون في اعتبارهم استنساخ العباقرة أولاً، من أجل إفادة البشرية في مستقبلها .

 في الغرب يدرسون العباقرة في كل المجالات، يدرسون كل صغيرة وكبيرة، كل شاردة وواردة في حياتهم، يحللون، يجربون، يدرسون أولادهم وأولاد أولادهم، ويرفعون عباقرتهم إلى أعلى عليين .

 أما تحن ـ فلله درنا ـ نحن نتمتع بأمور عجيبة غريبة لا مثيل لها، إننا نقتل العباقرة، نقتل الأفذاذ قتلاً بطيئًا، وهم أحياء يرزقون بين ظهرانينا، نهملهم، لا نهتم بهم، نزهق أرواحهم في تلذذ غريب، نتجاهلهم كل التجاهل، وبعد رحيلهم عنا نبكي عليهم بضعة أيام بعد رحيلهم، ونكتب عنهم كلامًا فارغًا ساذجًا، وندعي كذبًا أننا نكرمهم، فيقوم إعلامنا بزفة وقتية، ثم ننساهم أبد الآبدين بعد أن قتلناهم بإهمالنا لهم، وإحباطنا إياهم ... !!

 في بلادنا نختص بخاصية قلما أن تجدها في بلاد الله وفي خلق الله، إننا نسوق باقتدار أهل التفاهة والغباء والجهل والسماجة، ونجعل منهم نجومًا أو من المقررين علينا صباحًا ومساءً في إعلامنا العجيب الغريب الذي تخلى عن دوره في الاستنارة والتعليم والإرشاد والتوجيه والتثقيف، منذ أكثر من 60 عامًا، ناسيًا أو متناسيًا، جاهلاً أو متجاهلاً، البحث عن أهل العلم والفكر الحقيقيين الذين يمكن أن يفيدوا المجتمع والناس، ويكونوا بمثابة نبراسًا أو مثلاً أعلى لشبابنا الذي افتقد القدوة والمثل الأعلى في زمن الرداءة الذي نعيشه .

 في بلادنا طالما لا تصفق أو تنافق، أو يكون لك شلة أو جماعة أو وساطة أو محسوبية، أو تحمل المباخر مطبلاً مزمرًا، بدون ذلك لن يعرفك أحد حتى لو كنت من العباقرة، لن تفتح لك أية وسيلة إعلام أبوابها، وستعيش وتموت دون أن تدخل عتبة مؤتمر أو ملتقى أو حتى ندوة، ولن تسكن إلا الحضيض الأسفلي، وبعون الله ستموت بغيظك، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

 عفوًا لهذا الاستطراد، ولكن كما يقولون الشيء بالشيء يذكر، قالعبقرية ياسادة لا تخرج من الزمان والمكان، وهي لا تقاس بهما، العقرية ذات متفردة، لها صفاتها، وأنماطها، وتكوينها .

 وإذا حاولنا دراسة العبقرية فيما سبقها، أو فيما يلحقها، فإننا نبحث عن جوهرها في الزمان والمكان، نعم، الزمان والمكان عاملان مهمان أساسيان في قياس العبقرية، والتعرف على مقوماتها، ومكوناتها، ولكنهما ليسا بقادرين على بناء العبقرية الذاتية التي تتفجر من الإنسان، بل أنهما يساعدان فقط مجرد مساعدة على تكوين أو بناء أساس العبقرية .

 والبحوث التي أجريت على عقول العباقرة أحياء وأموات، أكدت على أن العبقرية هي نوع من التفرد، يتفرد به المبدع عن غيره، عن سواه من البشر، العبقرية منحة إلهية يعطيها المولى ـ جل علاه ـ لنفر من عباده دون سواهم .

 وعليه فالعبقرية لا يصنعها الزمان، ولا يصنعها المكان، ولا العلم، ولا الثقافة، ولا الوراثة، من الممكن جدًا أن يؤثر فيها كل هذه العوامل مجتمعة، ولكن محال أن تصنعها .

 وكما قلنا لك فإنه بالأولى أن الضجيج الإعلامي الزائف، ولا الواسطة، ولا المحسوبية، يمكن لهم أن يصنعوا العبقرية، أرجوكم أن تضعوا ذلك في الحسبان، وفي الاعتبار، وأنتم تتكلمون عن العباقرة والمبدعين .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5406 المصادف: 2021-06-24 02:52:29


Share on Myspace