 أقلام ثقافية

ناجي ظاهر: جنكيز ايتماتوف.. هل خسرته جائزة نوبل؟

ناجي ظاهراعتقد أن الكاتب الروائي القرغيزي الخالد جنكيز أيتماتوف (12 كانون الأول 1928 - - 10حزيران 2008)، احد كتاب الاتحاد السوفيتي سابقًا، وصاحب المؤلفات الروائية المقروءة في 165 لغة من لغات العالم، رغم ما حظي به في حياته من أمجاد أدبية، قد مات وفي قلبه حسرة لأنه لم يحصل على جائزة نوبل الأدبية.

وفي ظني أن ايتماتوف، وهو من الكتاب الأثيرين على نفسي القريبين منها، بذل جهدًا ليس قليلًا للحصول على هذه الجائزة رغم انه حصل على اكبر جائزتين في بلاده وهما جائزة لينين وجائزة الدولة السوفيتية، وأشير مما بذله هذا الكاتب الهام إلى أمرين قام بهما ونفذهما في أخريات أيامه في عالمنا، احدهما انه خصص رواية للعنة الإرهاب والإرهابيين، والأخرى انه قام قبل وفاته بفترة بزيارة إلى إسرائيل.. ربما اعتقادًا منه ان جائزة نوبل قد تصل إليه عبرها.

لقد خصص ايتماتوف إحدى رواياته الأخيرة "الجبال تتداعى- أو العروس الخالدة"، لمعالجة موضوع الإرهاب وما يُخلّفه على الحياة المعاصرة من الأم وأحزان، وقد وظف في هذه الرواية كل ما لديه من خيال ثري لإعلان الحرب الأدبية على ما أوحى انه إرهاب، ربما لاعتقاده أن المقياس الإنساني الذي تضعه لجنة جائزة نوبل هو محاربة الإرهاب ورسالة تدعو للسلام بالأساس، أما زيارته لإسرائيل فقد قام بها رغم انف الكثيرين من محبيه، طموحًا في نيل جائزة حلم ويحلم بها معظم كتاب كرتنا الأرضية.. إذا لم يكن كلهم.

في رأيي المتواضع أن ايتماتوف استحق جائزة نوبل الأدبية منذ بداياته الكتابية الأولى وهو في الثلاثين من عمره، فقد أصدر في تلك الحقبة الخصبة من حياته روايته "جميلة" التي ستتحول فيما بعد لتصبح فيلمًا سينمائيًا إنسانيًا يهز مشاعر الناس في معظم أنحاء العالم، ويدفع واحدًا من أهم شعراء القرن العشرين لويس اراغون لان يقول بملء فمه إن " جميلة" هي أجمل قصة حب في العالم.

لمزيد من التعريف بايتماتوف نقول انه أصدر خلال حياته التي قاربت الثمانين حولًا، إضافة إلى روايتيه الآسرتين جميلة وعندما تتداعى الجبال- او العروس الخالدة، عددًا من الروايات الهامة نذكر منها: المعلم الأول، ويطول اليوم أكثر من قرن، طريق الحصاد، النطع، السفينة البيضاء، ووداعًا ياغولساري، الغرانيق المبكرة، شجيرتي في منديل أحمر، طفولة في قرغيزيا، نمر الثلج، الكلب الأبلق الراكض عند حافة البحر.

اتصفت روايات ايتماتوف بالعديد من الصفات التي كرسته كاتبًا يتعدى النطاق المحلي إلى العالمي، اعتقد أن أبرزها تمثل بحس إنساني رفيع وفي استلهام للروح الشعبية عميقة الأغوار وتمكنه من التعبير عنها بسحر نادر، إضافة إلى انه لم يتردد في نقد الظواهر السلبية في بلاده، وبإمكان من يقرأ روايته الفاتنة " وداعًا غولساري"، ان يلمس جرأته في النقد المجتمعي السياسي.. لمس اليد.

طبع من روايات ايتماتوف هذه بلغات مختلفة أكثر من ستين مليون نسخة، قرأها الناس في انحاء مختلفة من عالمنا وبهروا بها، ومما يُذكر له ان ايتماتوف كان كاتبًا حقيقيًا.. عمل في مراحل حياته الأولى في مهن عديدة منها في تربية الدواجن وقيادة جرّار، فقد اضطر بعد إعدام والده في عاما 1937 في موسكو، للعمل باكرًا ابتداء من عمر 14 عامًا ويشار انه أوصى بان يدفن بعد رحيله الأبدي إلى جانب والده الذي اعدم ظلمًا.

اهتم ايتماتوف في رواياته بالجانب الروحي والنفسي للإنسان، كما يبرز في مجمل رواياته اهتمامه الشديد بالبيئة والطبيعة، وحظيت رواياته بالكثير من الإطراء والتقدير. وقد ترجمت رواياته هذه إلى اللغة العربية وبإمكان الإخوة القراء العربي ممن لم يحالفهم الحظ لقراءته أن يفعلوا،.. وعلى مستوى شخصي عمل ايتماتوف سفيرًا للجمهورية القيرغيزية في بلجيكا، الإتحاد الأوروبي، حلف الناتو واليونيسكو. وكان ايتماتوف عضوًا في مجلس السوفييت الأعلى ورئيس تحرير مجلة "الآداب الأجنبية" في موسكو وشغل خلال السنوات الأخيرة من حياته منصب سفير قيرغيزيا لدى دول البيلونكس.

لقد لعب ايتماتوف دورًاً كبيرًا في الثقافة العالمية واعتبر الرئيس القيرغيزي كرمان بك باكييف في كلمة تأبينيه  له، أن رحيل ايتماتوف خسارة كبيرة لقيرغيزيا والعالم بأسره. لقد بلغ ايتماتوف ذرى المجد الأدبي السامقة، وتمكن من أن يحقق أحلامه الأدبية من طفل يتيم إلى واحد من أهم كتاب القرن العشرين، إلا أن حلمه في نوبل الأدبية اخفق، في رأيي، مما أضاف إلى أحزانه الإنسانية المتجلية في العديد من أعماله الروائية.. أحزانًا أخرى إضافية.

ويبقى سؤال ملح.. أيهما خسر جنكيز ايتماتوف أم جائزة نوبل؟.

 

بقلم: ناجي ظاهر

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

صباح الخير بتوقيت شرق المتوسط.
إيتماتوف و لا شك رمز أدبي لفترة انتقالية و نضالية من تاريخ السوفييت و شعوب أوراسيا.
لكن دائما و أنا أقرأه كانت لي عدة ملاحظات.
1- المعلم الأول رواية حزبية عن لينين. و يغلب عليها التسليح العقائدي أكثر من العاطفة الحقيقية.
2- يستعمل لغة إشراقات رومنسية أحيانا تخترق الهدف المرجو من السرد القصصي و الروائي و تثقله بما هو من خصوصيات الشعر.
3- لا أستطيع أن أفهم كيف كتب عن التجربة السياسية للدولة التي أعدمت والده. ألا يوجد تناقض يدل على سياسة مزدوجة.
4- أخيرا نوبل لم تعد مقياسا للجودة و لكنها تساعد على الشهرة و النجومية. و باعتقادي إن زيارته لإسرائيل بعد انفتاح غورباتشوف على العالم تدل على طبيعته القلقة و الغامضة و على ما في أعماقه من سجال نفسي و اضطرابات حزبية. بالمناسبة لا يزال الجدل حول كاتب سوفييتي آخر محتدما و أقصد بذلك شولوخوف. و هل هو كاتب الدون الهادئ أم أنه اختلس الرواية بكاملها من كاتب عسكري مغمور. (وأحيل لكتابات جودت هوشيار بهذا الخصوص. و نقاش الروسية أولغا زلبربورغ لأرشيف أدب بلادها).
شكرا لهذه الفرصة ..

صالح الرزوق
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5424 المصادف: 2021-07-12 03:36:19


Share on Myspace