 أقلام ثقافية

يسري عبد الغني: جليلة بنت مُرة.. شاعرة ومأساة

يسري عبد الغنيلقد كان بين القبائل العربية في العصر الجاهلي تنافس وصراع، وكانت الحياة عندهم سلسلة لا تكاد تنقطع من الغارات والمعارك، وقد سجل التاريخ الجاهلي معارك مشهورة سميت (أيام العرب) .

 والأبيات التي سوف تطالعها بعد قليل تصور لك إحدى هذه المعارك، وتنفرد بتصوير مأساة مما كانت تنجلي عنه .

 وها هي جليلة بنت مرة بن ذهل من شيبان، والذي ينتهي نسبها إلى قبيلة بكر، وقد تزوجت من وائل بن ربيعة، المعروف بكليب، وكان كليب قد بلغ درجة كبيرة من الغنى، والقوة، والكبرياء؛ حتى لقد منع أن ترعى إبل غيره في أرض له، أو أن تشرب من الماء الذي ترده إبله، وحدث أن مرت هذه الإبل وهي في الطريق إلى الماء بناقة البسوس بنت منقذ التميمية، ورآها كليب فغضب ورماها بسهم فقتلها .

 ثارت ثائرة البسوس، وغضب لغضبها جساس ابن أختها، وأخو جليلة بنت مرة، فتحين فرصة من كليب، فقتله، ونشبت بذلك بين بكر وتغلب حرب ظلت فيما يقول الرواة أربعين سنة، وسميت (حرب البسوس) .

 ولما اجتمع نساء الحي في مأتم كليب ـ وفيهن جليلة زوجة القتيل وأخت القاتل ـ رأت أخت كليب في بقاء جليلة بينهن شماتة وعار، فقالت لها: يا هذه، اخرجي عن مأتمنا، فأنت أخت واترنا (الذي قتل قتيلاً منا)، فخرجت حزينة مهمومة، ويقال أن جليلة تقوض بيتها وسيادتها، وراحت تتنقل مع قومها من بكر مدة حربهم مع تغلب، وتوفيت سنة 538 م، ولنتأمل معًا أبيات جليلة بنت مرة الشاعرة التي تصور مأساتها تقول:  

يابنة الأقوام إن شئتِ فـلا

تعجلي باللوم حتى تسألي

فإذا أنت تبينت الــــذي

يوجب اللوم فلومي واعذلي

إن تكن أخت امرئ ليست على

شفق منها عليه ففـــعلي

جل عندي فعل جساس فيــنا

حسرتي عما انجلت أو تنجلي

فعل جساس على وجدي به

قاطع ظهري، ومدن أجلي

في هذه  الأبيات من المقطوعة الشعرية نستمع إلى الشاعرة، وهي تتحدث عن حقيقة موقفها، وتبذل غاية جهدها في تبرئة ساحتها مما وقع من أخيها، وتتوجه بالخطاب إلى أخت كُليب، وهي تقول لها:

ـ إن أردتي يا بنة الكرام أن تكوني عادلة منصفة فلا تتعجلي، وتريثي في حكمك؛ حتى تنكشف حقيقة موقفي، فإذا تبين ما استحق به اللوم والتأنيب فافعلي ما بدا لك، ولا تترددي .

ـ وإن كان في النساء من تلام على إشفاقها بأخيها في مثل هذا الموقف العصيب كنت أستحق اللوم منك .

ـ لقد بلغ فعل جساس ما بلغ من نفسي، ووقع عليها وقعًا أليمًا، فما أقسى ما أشعر به من فجيعة لهذه الكارثة التي نزلت بي وبزوجي، وما ينتظر أن تسفر عنه من مصائب وويلات !! .

ـ إن فعل جساس ـ مع شدة حبي له ـ قد هدَّ كياني، وحطم آمالي، وعجل نهايتي في الحياة .

 وفي الأبيات يبرز صوت العقل والتفكير، وتبدو الشاعرة وقد ملكت مشاعرها، فأخذت تطلب من أخت كُليب أن تتريث، و تقدر كل ما يحيط بالموقف .

 ولعلنا نقف عند قولها (يا بنة الأقوام) وهو نداء جميل، يحمل معنى التعظيم والعتب معًا، وهذا يذكرنا ما نقوله في البيئات الشعبية (يا بنة الناس) .

 ونقف كذلك أمام (إنجلت أو تنجلي)، فنرى طباقًا جمع بين الماضي والمستقبل، ومعاني الأبيات تتابع في رفق وأناة، وعاطفة الشاعرة جياشة بالألم والحزن والتخوف من القدر، وقد لجأت الشاعرة إلى التعبير بقولها (قاطع  ظهري)، لتدلل على شدة الكارثة التي حلت بها فحطمتها .

تقول جليلة:

يا قتيلاً قوض الدهر بــه

سقف بيتي جميعًا من عـل

هدم البيت الذي استحدثته

وانثنى في هدم بيتـي الأول

 في هذه الأبيات من المقطوعة تتفجر صيحة الحزن في قلب الزوجة المنكوبة، فتقول:

 أيها القتيل الذي كان قتله سببًا في القضاء على بيتيَّ معًا: بيت الزوجية، وبيت أهلي: هدم البيت الذي بنيته لنفسي، وجعلته عُش آمالي وأحلامي، ثم انقض على بيت أهلي ينذرهم بحرب مهلكة مدمرة .

 وفي البيتين  ـ كما نرى ـ صرخة زوجة فقدت الغد، وأوشكت أن تفقد الماضي، والتصوير على درجة كبيرة من الجودة حيث جعلها الدهر هدفًا لحربه ونزاله، فقوض بيتها تقويضًا تامًا، ويمكن أن نلمح دلالة استعارية رقيقة في كلمة (الدهر)، وجميل منها أنها صورت البيتين، وقد قوض فعلاً .

تقول جليلة:

يا نسائي دونكن اليـوم قد

خصني الدهر برزء معضـل

خصني قتل كليب بلـظى

من ورائي ولظى مســـتقبل

يشتفي المدرك بالثأر وفي

درك ثأري ثكل المثــــكل

إنني قاتلة مقتولـــــة

ولعل الله أن يرتاح لــــي

 ثم تتجه الشاعرة إلى قلب المرأة تلتمس العذر والتلطف بها في مصيبتها التي انفردت بها من دون النساء جميعًا، فتقول:

ـ إني لأنتظر منكن الإشفاق والتقدير ؛ فقد ابتلاني الدهر وحدي بمأساة لا حل لها: لقد أصبحت بين نارين، نار تطاردني ومعها الحزن والآلام لمقتل زوجي، ونار تنتظرني وتهدد أهلي بالهلاك والدمار .

ـ وليتني كنت ممن يشفيهم الأخذ بالثأر، إذن لأسرعت إليه، ولكن مصيبتي في أن أخي هو المطلوب للثأر، وفي قتله فاجعة جديدة، وبدءٌ بسفك الدماء  بين القبيلتين .

 إنني قاتلة مقتولة: قاتلة لأن القاتل أخي، ومقتولة ؛ لأن زوجي هو قتيل اليوم، وأخي سيكون قتيل الغد، ومن يكن في مثل حالي فلا ملجأ له إلا الله، وعسى أن يتداركني فأرى سبيلاً للراحة .    

 في الأبيات السابقة تتركز حقيقة المأساة التي لا ترى لها الشاعرة / جليلة بنت مُرة حلاً، والمعاني واضحة، وفيها تأكيد، وشيء من تكرار الفكرة .

 ولو عدنا إلى البيت الثاني من هذه القسم لوجدنا صورة رائعة معبرة، جعلتها ـ وهي في معضلة بين قتل زوجها، وما ينتظر من قتل أخيها ـ كمن وقعت بين نارين، كل تحيط بها وتطاردها .

 والبيت الأخير من هذا القسم جيد إلى حد كبير في فكرته وصياغته، ولا نبالغ إذا قلنا أنه لم يسبق إليه، وفي البيت الأخير نجد مقابلة بين قاتلة ومقتولة، زادت من إيضاح المعنى الذي أرادت جليلة التعبير عنها، وهو ما تعانية من صراع وتمزق .

***

 أقول لكم: إن القصيدة أو المقطوعة التي معنا لها منزلة خاصة لدى الأدباء ونقاد الأدب، فهي قصيدة تعبر تعبيرًا حيًا صادقًا عن عواطف امرأة ملتاعة، وجدت نفسها فجأة ضحية لنكبة من نكبات الاندفاع والتهور والطيش والحمق، قضت عليها وعلى آمالها، وأدت إلى دمار قبيلتين يربط بينهما رباط  القربى والصهر .

 وتتجلى لنا أفكار القصيدة مترابطة، تسلم فيها الفكرة إلى الفكرة، وكلها في موضوع واحد، كما نجحت الشاعرة في توضيح موقفها من الجريمة الشنعاء التي ارتكبها أخوها، وكذلك في تصوير رابطة الأخوة التي لم تستطع مقاومتها .

 والصور بوجه عام معبرة، والجميل فيها أنها وإن لم تلجأ إلى الخيال    كثيرًا، فقد أجادت في تصوير الواقع، والألفاظ لديها حلوة سهلة، معبرة عن روح المرأة ومشاعرها .

 ولعل القارئ الكريم يلاحظ في هذه الأبيات التي قالتها جليلة بنت مرة أنها تستخدم لغة عربية فصيحة وواضحة في نفس الوقت، ولا نبالغ إذا قلنا أنها تشبه لغتنا العربية المعاصرة، وما أقربها إلى الخطاب الأنثوي البليغ، لكل ما فيه من تأثر وعاطفة متحرقة على أخ لها في مأزق شديد، وحيرتها البالغة بين أخيها القاتل وزوجها القتيل .

والله ولي التوفيق،،،

 

بقلم / د. يسري عبد الغني

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5433 المصادف: 2021-07-21 02:46:44


Share on Myspace