 أقلام ثقافية

صلاح حزام: هل تستطيع اللغة استيعاب كل المشاعر والمعاني؟

صلاح حزامعندما أقرأ للفيلسوف الفرنسي جاك دريدا (والذي رحل عام ٢٠٠٤)، والذي طالما ناقش فكرة الكتابة ومدى قدرة الكتابة على نقل الحقيقة، ترد في ذهني الكثير من الافكار والتساؤلات .

يعتقد بعض المفكرين، ان اللغة عبارة عن رموز صوتية او مرسومة، يتّفق الناس (يصطلحون) على انها تعني اشياء محددة لكي يمكن التفاهم من خلالها وتبادل الافكار.

ويجري ذلك سواء عن طريق الكلام (اطلاق رموز صوتية موسيقية) او عن طريق الكتابة (رسم رموز معينة تعني اشياء معينة)..

لذلك يقال ان هذا الشخص يعرف اللغة الفلانية، بمعنى يعرف ماتعنيه رموزها..

انا معجب باسلوب هذا المفكّر الكبير (جاك دريدا) لان كلامه يثير عدداً من القضايا التي تستحق الدراسة والتفكير..

هل ان كلمةً مثل كلمة: حب، لها معنى واحد وبمستوى واحد ودلالة واحدة؟

بمعنى آخر، عندما يقول الشخص لزوجته اني أحبك ويقول لأمه اني احبك ويقول ذلك لابنته ولصديقه العزيز ولنجمة سينمائية لاتعرفه لكنه معجب بها ويقول ذاك لله ايضاً، (ان تُحبّوا الله يحببكم)، هل انها تعني نفس الشيء كمضمون؟ بالتأكيد الجواب لا ..

لكنه لايملك غيرها ولايمكن ان يقول ؛ احب فلان بدرجة ١٠٠٪؜ وفلان ٧٥٪؜ وفلان٥٠٪؜ ... وهكذا ..

الكلمات فيها مقدار متوسط average من المعاني الشعورية للبشر تجاه قضية محددة مثل الحب والمرض والحزن الخ...لكن حساب المتوسط يختلف رياضياً عن قيمة كل مشاهدة على حدة ...والمشاهدات هنا هي احاسيس كل انسان فرد..

في نقاشي مع أحدهم قال لي جواباً على سؤالي اعلاه: ممكن ان يقول احبك جداً ..

فقلت له: ولكن هل ان كلمة جداً فيها دلالة كمّية على مقدار الحب؟؟

قال لي ذلك الشخص: ممكن ان يقول أنا متيّمٌ بفلانة، او شغوف بها او ولهان

بها، على اعتبار ان العربية فيها عدة مسميات للحب حسب درجاته!!

قلت له ببساطة: هل الشغف بشخصين يعني نفس الدرجة من الحب لكليهما حتماً؟

المشاعر والاحاسيس والمعاني العميقة لا يمكن التعبير عنها دائماً وبصدق..

بعض الناس احياناً يقول: الكلمات لاتستطيع ان تَصِف ما أنا فيه من فرح او حزن !!! وهو صادق حتماً ..

اللغة حلٌّ مؤقت واضطراري لمشكلة التفاهم بين البشر لانها لاتنقل كل شيء، اي انها لاتنقل الحقيقة كما يقول دريدا ..

وصلني قبل فترة، منشور يردُّ فيه دستوفيسكي على الفيلسوف سقراط عندما قال الأخير: تكلّم حتى اراك ..

يقول له دستوفيسكي، مامعناه: ومن قال لك ان الكلمات تستطيع ان تشرح كل مافي اعماقي حتى تعرفني وتراني عندما اتكلّم؟؟

(مناقشة قدرة اللغة على نقل الحقيقة موضوع قديم).

كلمة انا مريض او فلان مريض، لاتعني نفس الشيء وفي كل الاحوال ولكل الناس..

مامعنى الاحساس بالمرض؟ وهل هو واحد؟ وهل هنالك مقياس لاحتساب درجة المرض؟؟

هل ان نفس المرض عندما يصيب أشخاصاً متعددين، يسبب لهم نفس الألم الناتج عن ذلك المرض؟؟

عندما يقول الشخص،أنا سعيد أو انا حزين أو فرحان أو كئيب، هل ان هذه الكلمات تعني نفس الشيء بالنسبة لكل الناس؟

هل تعني هذه الكلمات نفس مقدار وطبيعة الفرح او الحزن او غيرها من المشاعر التي يملكها ويشعر بها الجميع؟

اذاً نحن امام حالات مجهولة الى حد كبير عندما نتحاور ونسأل بعضنا بعضاً عن امور عديدة !! ذلك يعني أن النفس الانسانية كلها مجاهيل !!!

مادرجة الايمان بشيء، عندما نقول اننا مؤمنون به؟؟

هل تعكس كلمة مؤمن، حجم الايمان لدى الجميع؟؟

نحن نعيش في عالم ليس فيه حقائق بل فيه مقاربات غير كاملة وغير دقيقة لتلك الحقائق...

الحقيقة الوحيدة هي مايشعر به الفرد فقط...

 

د. صلاح حزام

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الكاتب القدير دكتور صلاح حزام
مقال ممتاز وجميل بالفعل ويثير شجون القارئ
اللغة تعجز عحزاً مزرياً عن قول الحقيقة، ومع ذلك لا مفر منها:
1- فهي أكثر التصاقاً وتأثيراً لدرجة الامتزاج بما نقول ونعبر ونفكر.
2- اللغة هو الوجود البديل لما نعيش، لأنها تقريباً هي نافذتنا الأساسية في الحياة.
3- ما نشعر به هو كذلك لغة، لأننا سنعرفه بالإمكانية اللغوية المضمرة سلفاً في الثقافة والعقل.
4- اللغة هي الحاضنة المُبكرة لوجودنا بحكم كونها موروثة لنا ونحن ميراثها الذي تعطيه للأجيال القادمة بالمقابل.
5- اللغة مثل الحياة نتنفسها في الوقت ذاته الذي توجد حولنا دون أن ندركها وتكَّون مواقفنا تجاه العالم والأشياء.
لهذه الأسباب، قد نشعر بأشياء كثيرة ونحس بصور العالم من حولنا ونعتقد أن المشاعر هي كل الحقيقة، لكننا ندركها ونحيط بها عن طريق الأنظمة الدلالية والنفسية التي تجد تكوينها ( شبه الكامل ) بالتقريب في عمل اللغة وتأثيرها. وهذا ما يجعل اللغة من الأسرار الغامضة في حياتنا الإنسانية. فما هي كلمة ( الحب ) كما تفضلتم خارج اللغة؟!!، ربما لاشيء، وربما لا يستطيع الإنسان التعبير عنه للآخر ( عاطفة خرساء )، هي احساس غامض طاغ أو مبهم ، مع العلم بأن حتى ( كلمة الحب ) لغة، نحن انتبهنا إليها ورأيناها مهمة لأنها لغة.
خالص محبتي وتقديري

سامي عبد العال
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً لكم الدكتور سامي عبد العال الرائع في كتاباتك الجميلة..
بالغ الود
صلاح حزام

صلاح حزام
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5481 المصادف: 2021-09-07 03:03:20


Share on Myspace