 أقلام ثقافية

جواد غلوم: السيرة البشرية لكائن اسمه الرجل

جواد غلوماعتاد الانسان منذ أول ظهوره على هذه الارض البسيطة ان يتكئ على الحيوان عائنا له في تلبية متطلبات بقائه خاصة اذا كان هذا الحيوان بكامل عنفوانه وقوته في اول حياته، وحالما يعجز هذا الحيوان الذي يشاركنا العيش ؛ يطمع البشر في أخذ ماتبقى من عمره ليتوق البقاء في الحياة على شدة انهاكها وويلاتها في مراحل العمر الاخيرة.

ومن حكايا آبائنا وأجدادنا؛ فقد قيل لصديق الإنسان الكلبِ الوفيّ: ستحرس منازل بني البشر بأمانةٍ ووفاء دون مقابل سوى فضلة طعام يتركها لك مع وعاء ماء بجانبك، وستكون أفضل صديق للإنسان، وسنعطيك حياة طولها ثلاثون عاماً.

قال الكلب رافضا:

ثلاثون سنة كثيرة عليَّ، يكفيني فقط خمسة عشر عاما... وهكذا عمّر هذا الوفيّ خمس عشرة سنة وفق ما تمنّى.

وقيل للقرد الشبيه الأقرب للإنسان: ستتأرجح من غصن لغصن تضاهي حركات البهلوان، وتقوم بعمل الخدع لإضحاك الآخرين، وسوف تعيش حياة طولها عشرين سنة بالتمام والكمال.

قال القرد متعجبا:

عشرون سنة كثيرة، أريد فقط عشر سنوات... فتمّ تلبية طلبهِ.

وقيل للحمار عائن الانسان بحمله وثقاله:

ستعمل دون تذمّر من طلوع الشمس لمغربها وستحمل فوق ظهرك أحمالاً ثقيلة، وستأكل الشعير وما بقي من فضلات الموائد وقشور فواكه الطعام، ولن تتمتع بأي ذكاء سوى معرفة طريق الذهاب والإياب بمهارة، وستعيش حياة طولها خمسين سنة.

قال الحمار: سأكون حماراً لا أتعب من حمل كل ما يريده مالكي الانسان، ولكن خمسين سنة كثيرٌ جداً، أريد فقط عشرين سنة... فكان له ما يريد من سنيّ الحياة وفق ما رغب.

وقيل للإنسان الشّرِه الطامع بعمر الحياة مهما تفاقمت شرورها وقلّت مسرّاتها:

أنت المخلوق الأكثر ذكاءً على وجه الأرض وستستعمل ذكاءك لتجعل منك سيداً على باقي المخلوقات، وتعيش حياةً جميلة لعمارة الأرض وسوف تعيش حياة طولها عشرين سنة كلها طفولة مدللة وفتوّة وشباب يانع بلا مسؤوليات وأشغال شاقّة.

فقال الإنسان محتجّا وطامعاً بسنوات أخر:

هل سأكون إنساناً لأعيش عشرين سنة فقط ؟ ولمَ الاجحاف بي وتقصير عمري الى هذا الحدّ، هذا قليل جداً !! أريد الثلاثين سنة التي لم يرغب بها الحمار، والخمسة عشر سنة التي رفضَها الكلب، والعشر سنوات التي عزف عنها القرد.

فتمّ تلبية طلبه، وكان له ما أراد.

ومنذ ذلك الزمان والإنسان يعيش عشرين سنة كإنسان طليق وسعيد في طفولته وصباه وفتوته وقبيل زواجه.... حتى يتزوج بعدها... يعيش ثلاثين سنة كالحمار... يكدّ و يعمل من طلوع الشمس لمغربها ويحمل الأثقال على ظهره.

وعندما يكبر الأبناء يعيش خمسة عشر عاماً كالكلب؛ يحرس المنزل ويغلق الأبواب ويراقب الكهرباء ويأكل أقل الطعام أو من الفضلات التي يتركها أبناؤه بعدها؛ وعندما يشيخ ويتقاعد يعيش عشر سنوات كالقرد؛ يتنقل من بيت لبيت ومن إبن لآخر أو من بنت لأخرى ويتحيّن الفرص القليلة ليزور صديقته الوحيدة الجميلة ببدانتها المحببة العائشة بمفردها بعد ان تركها نسلها واقترنوا بعوائلهم.

 وحينما يتحلق نسل أولاده حوله تراه يعمل الخدع ويسرد الحكايات لإضحاك أحفاده وحفيداته ويلاعبهم بعد ان تغيب عنه رفيقة العمر الى مثواها الاخير بانتظار ان يلحقها بعد فترة وجيزة.

تلك هي سيرة حياة الرجل في حياته وأولهم انا الذي اكتب هذه الحالات والظواهر التي مررت بها.

هو ذا عمري الطويل الان الذي تمنيته وقد سلبتُه من تلك الحيوانات التي تشاركني الحياة، فهي رحلت عني وودّعت هذا الشيخ العجوز الذي يكتب سيرته الذاتية في أذيال العمر الأخيرة.

 

جواد غلوم

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

استاذي العزيز الشاعر المبدع جواد غلوم
ودّاً ودّا

مبدع في كل لون وجنس حين يكتب الأستاذ جواد .
لا أدري لماذا نشر الأستاذ جواد هذه السردية الجميلة
بوصفها مقالةً أو ما يشبه ذلك , انها عمل إبداعي بكل
ما لكلمة إبداع من معنى .
اتفهّم الباعث الى كتابة هذه السردية ويسعدني أن أقرأ
ما يكتبه الأستاذ من مقالات رائعة ومن جانبي كقارىء أجد
في معظمها يتجاوز المقالات الى ما هو ابداع فني خالص .
دمت في أحسن حال يا استاذ جواد .

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

سلاما ومحبة وافرة صديقي الشاعر جمال
هي مقالة يمكن تسميتها بالسهلة الهضم للقارئ
لكنها عسيرة الهضم بالنسبة لي ، فهي دورة حياتي اليومية المضنية
كما أعيشها الان
لو تدري كم اسعدتني بمرورك وقراءتك الحصيفة
تقديري واعتزازي

جواد غلوم
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5483 المصادف: 2021-09-09 01:51:11


Share on Myspace