 أقلام ثقافية

شفق حسن: شجرة ياسمين واحدة

شفق حسنقبل سنوات من الان كنت مسافرة الى ايران في رحلة سياحية، وكانت وجهتي الى مدن شمال طهران التي تطل على بحر قزوين.. ولمن لا يعرف فأن ايران تمتلك شريطا ساحليا طويلا على بحر قزوين تمتد على طوله عدة مدن تتميز بجمال طبيعتها من جبال وانهار وشلالات وينابيع كبريتية بالاضافة الى المرافق السياحية وقبلها ساحل البحر نفسه..

وان تلك المدن تشكل قبلة سياحية هامة في ايران خصوصا لمن يعرف الوقت المناسب لشد الرحال اليها. فالمدن الساحلية تتميز عادة بأجواءها الحارة الخانقة صيفا بسبب ارتفاع الرطوبة فيها والتي تعمل على حبس الحرارة وزيادتها، لذلك تعتبر نهاية الصيف وبداية الخريف افضل اوقات السفر اليها.

وبالعودة لذلك الساحل فهو ليس مفتوحا للناظر باستمرار، وقد يسير الراكب في السيارة لمسافة طويلة احيانا دون ان يلمح البحر الذي يقع على يمينه او يساره -حسب وجهة سيره- وذلك لان الشريط الساحلي مملوك لسكان المدن المطلة عليه وتم بناء بيوت وفلل وبنايات تغطي البحر والساحل المنخفض عن مستوى الناظر..مع ذلك يسهل الوصل الى ساحل البحر من خلال طرق تقع بين هذه البيوت والابنية الساحلية.

في تلك المرة كنت اسكن في مدينة ساحلية اسمها نشتارود اظنها تابعة لمدينة او محافظة اكبر، وتتميز هذه المدينة بهدوئها وبعدها عن الاسواق والاماكن السياحية المكتضة بالناس. كما ان بيوتها توحي ان سكانها من الميسورين او من طبقة المتعلمين والمثقفين، وكانت تظم جامعة تقع غير بعيد عن الساحل.

في تلك الايام لم تكن ايران تعاني حصارا وتدهورا في قيمة عملتها، وكانت السياحة فيها تعتبر مكلفة نوعا ما بالنسبة للقادم من العراق حيث ان المائة دولار كانت تحول الى تسعين او خمسة وتسعين الف تومان ايراني، وهذا المبلغ يسد تكاليف سكن وطعام وتنقل سائح واحد لمدة يومين..

ولاني كنت احتفظ بالمال المخصص للسفرة بشكل دولارات كان عليّ ان اقوم بالتحويل الى العملة الايرانية كل ثلاث او اربعة ايام.. لكن نشتارود لم يكن فيها محل صرافة فمثل هذه المحلات ليست منتشرة هناك كما هي عندنا في العراق، وكان عليّ الذهاب الى مدينة "تنكابن" التي تبعد عن نشتارود مسافةِ ربع ساعة تقريبا بالسيارة وعلى نفس الشريط الساحلي، حيث يقع محل الصرافة قرب ساحة وسطها ومجاور لسوق شعبي كبير فيها.

كنت قد ذهبت الى سوق تنكابن هذا مرات عدة لغرض التسوق وشراء الطعام والخبز، وهو سوق مكتظ بالمتسوقين والناس والسيارات ويحتوي عددا كبيرا ومتنوعا من المحلات التي تعرض كل انواع البضائع، غير ان زياراتي للسوق كانت تاتي بعد المغرب حين اكون عائدة من احدى رحلاتي الى مدن الساحل الاخرى..

وذات مساء وحين كنت عائدة من رامسار التي تعد واحدة من اجمل مدن ساحل بحر قزوين، كنت قد استنفذت كل العملة الايرانية ولأن الوقت كان متأخرا قررت الذهاب الى تنكابن صباح اليوم التالي لشراء العملة..

وهكذا انطلقت في الصباح الباكر على طول الطريق الساحلي المفتوح امام السيارات فوصلت تنكابن بحدود السابعة والنصف صباحا، وعندها عرفت ان عليّ الانتظار ساعة اخرى فمكتب الصرافة يفتح بحدود الثامنة والنصف ، ولاني لم اكن املك مالا يغريني بقضاء وقت الانتظار في سوق المدينة قررت ان اتجه الى ساحل البحر الذي لا يبعد عن ساحة تنكابن اكثر من عشرة دقائق سيرا على الاقدام .

اخذت طريقا جانبيا خاليا بين البيوت رحت اسير فيه وحدي ببطئ مستمتعتا بجمال الاشجار ونباتات الحدائق التي كانت تفيض من فوق جدران البيوت الخارجية وتطغى على المساحات الطينية الصغيرة امام البيوت.. وبالحقيقة ان جُل المنظر بين تلك البيوت كان مغطاً بالاخضر وان اول انطباع للناظر ان الطبيعة هناك لا تجهد كثيرا في التغلب على كل ما هو من صنع البشر. فبعض البيوت تكاد لا تبان جدرانها بسبب كثافة اوراق المتسلقات عليها، وحتى تلك المساحات القريبة من اقدام المارة او عوامل الطبيعة الاقوى لم تسلم من تسلق الطحالب والحلزونات الصغيرة .

لكن تلك اللوحة الخلابة التي شهدتها ذلك الصباح لن تكتمل عند المتلقي ان اغفلت ذكر البرودة المعتدلة لذلك الصباح الخريفي، حيث اشعة الشمس لم تنتشر بعد وهذا ما جعل الشارع مضاءا بذلك الضوء الصباحي البارد..

غير ان ذلك المنظر لم يكن ليصبح فريدا- فكل مدن ساحل بحر قزوين وشوارعها تعجّ بمناظر الطبيعة الطاغية- لولا شجرة ياسمين في وسط بيوت ذلك الشارع..

كانت قد تسلقت جدار البيت المزروعة في حديقته وفاضت باغصانها واوراقها وازهارها البيضاء نحو الشارع، وصار يكفي اي مار ان يجلس على الرصيف تحتها لتمطره بزهور وبتلات بيضاء معطرة ...

جلست تحت اغصان تلك الياسمية  ورحت اجمع ازهارها المتناثرة على الارض وكأنها كانت تلقي سحرا فوقي يلاشي الزمان والمكان وينقلني الى عوالم احلامي وخيالاتي التي بدأت ادرك في ذلك الوقت بعدها واستحالتها.. الضوء والالوان ورائحة البحر الممتزجة براحة الياسمين تظافرت في تلك اللحظات لتمنحني سعادة روحية غير مشروطة، وذكرى تضيء لي بين الحين والاخر غياهب الندم والحسرات..

اكملت الطريق نحو البحر لاكتشف انه ينتهي بجرف صخري اصطناعي تم انشاءوه ليبنى فوقه احد البيوت وكان هناك مساحة صخرية كافية بين سياج البيت الخارجي وبين الماء تكفي للجلوس فأكملت تلك المتعة البصرية بالجلوس امام البحر، وكان للقائي بتلك الروح الزرقاء الهائلة في ذلك الصباح شعورا اعظم من ان يوصف، اما البحر فله قصة عشق اخرى تشبه قصص الخيال ربما ارويها يوما ما..!!

 

شفق حسن

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5512 المصادف: 2021-10-08 03:20:04


Share on Myspace