 أقلام ثقافية

مينا راضي: لمسات الجمال

عندما نُشاهِدُ فيلمًا منَ الأفلامِ القَديمة، نَرى أنَّ كُلَّ مُمَثِّلةٍ تَعرِضُ جَمالَها بطَريقَتِها الخاصّة، كُلَّ واحِدةٍ تَتَمَتَّعُ بلَمَساتٍ إلَهيّةٍ فَريدةٍ عن قَريناتِها، نُلاحِظُ أنَّ ذَوَبانَ التَفاصيلِ في السَوادِ والبَياضِ لا يُثني تَجَلّي جَمالَ مُمَثِّلاتِ ذلكَ العَصر. مَن مِنّا لم يُشاهِد سُعاد حُسني بابتِسامَتِها العَذبةِ ورُموشِها السَوداءِ المُتَراصّةِ بِنِظامٍ في مَدرَسةِ الفِتنة؟ مَن مِنّا لَم يَرَ المُمَثِّلةَ شويكار بِخَطِّ الكُحلِ الرَفيعِ المُتَوازي معَ مسلَكِ جُفونِها، والمارِّ رُغمَ قِصَرِهِ عَبرَ ساحاتِ الذاكِرة؟ وبالتأكيدِ رأينا تَداخُلَ الشَرقِ والغَربِ في جَمالِ هند رُستُم، وغيرُهُنَّ كثيراتٌ ممَن استَحوَذنَ على عُروشِ الفَنِّ آنَذاك، وغَرَسنَ بَصَماتِهِنَّ الناعِمةِ في عالَمِ الجَمال. لم تَكُن أيٌّ منهُنَّ تُشبِهُ الأخرى، على خِلافِ سياسةِ الوُجوهِ المُتَناسِخةِ التي يَتِمُّ تَطبيقُها في هذا العَصر. إذ أنَّ قَناطيرَ الفتَياتِ والنِساءِ الواقِفاتِ أمامَ أبوابِ عياداتِ التَجميلِ في تَمَدُّدٍ مُستَمِر، كلُّهُنَّ ضَحايا لقَوانينِ المُجتَمَعِ الصارِمة، كُلُّهُنَّ في رِحلةِ بَحثٍ مُستَمِرّةٍ عن تلكَ الصورةِ المِثاليّةِ، الشِفاهُ المُنتَفِخةُ والرُموشُ الطَويلةُ والحَاجِبينِ الكَثيفين، والأنفِ الصَغيرِ النَحيف، ولا نَنسى عَظمَتَي الَخَد المُرتَفِعَتَين. أصبَحَ الجَمالُ مُقَنَّنًا بِمَعاييرٍ خارِجةٍ عن الطَبيعةِ الخَلقيّة، وباتَت الإيناثُ تَتَسارَعُ إلى أن تَكونَ طِبقًا لهذهِ الصورةِ المُفَبرَكة. أصبَحَت الشاشاتُ ومَواقِعُ التَواصُلِ تَعُجُّ بالوُجوهِ المُكَرَّرةِ والمَلامِحِ المُستَنسَخةِ بالمَشارِطِ والإبَر. متى نَعودُ إلى عَصرٍ كانَ فيهِ الاختِلافُ ميزة؟ متى سنَتَقَبَّلُ حقيقةَ التَقَدُّمِ بالعُمرِ بعُيونس راضية؟ متى سنَسمَحُ لسُنّةِ التَغييرِ أن تَأخُذَ مَجراها على خُطوطِ وُجوهِنا؟ الحَقيقةُ هيَ أنَّ الجَمالَ لا يَنحَصِرُ في قَواعِدَ ولا يَتَّخِذُ شَكلًا مُعَيَّنًا، بَل يُوَزِّعُ ذاتَهُ على جميعِ الأشكال، أمّا تلكَ المَعاييرُ الكاذِبةُ فَما هيَ سِوى قَواعِدَ صنَعَها البَشَرُ لجَعلِ الحياةِ أكثَرَ تَعقيدًا، تَداوَلناها في أعيُنِنا وعُقولِنا حتّى أصبَحنا نُصَنِّفُ بعضَنا بِنائًا عليها. لماذا لا نَسمَحُ لاختِلافاتِنا بالظُهور؟ لماذا لا نُرَحِّبُ بالأنوفِ الكَبيرةِ في وُجوهِنا؟ في رأيي، حانَ الوقتُ لكَسرِ الصورِ النَمَطيّةِ والخُروجِ مِن حُفرةِ الوَعيِ الجَمعي، فَما مِن داعٍ لمُحارَبةِ الزَمَنِ بزَرقِ الإبَرِ في وُجوهِنا، ولا داعِ لبَذلِ مَزيدٍ منَ المُحاوَلاتِ المُستَميتةِ للبَقاء. فلنُعِد إلى الوُجوهِ تَفَرُّدَها واختِلافَها حتّى لا يتَحوَّلَ العالَمُ إلى قَطيعٍ منَ الوُجوهِ في مَزرَعةِ المُجتَمَع.

 

مينا راضي

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5561 المصادف: 2021-11-26 00:48:10


Share on Myspace