 أقلام ثقافية

عمار عبد الكريم: امنحوا أولادكم التفويض بالوكالة

عمار عبدالكريم البغداديشهرزاد: فلنسلم بما وصلنا اليه في الحديث السابق وبأن "الحتميتين الوراثية والنفسية تصنعان مزيدا من التطابق  الخَلقي والأخلاقي لكنهما لا تكونان أبدا  سببا في تطابق الأحلام والتجارب والطموح،  لكن ماالذي يمنع الوالدين من الوصول الى مايدور في أذهان أبنائهم وبناتهم؟، وحينها سيكون سهلا، على ما أعتقد، أن يمنحوهم فرصة تحقيق الذات بعيدا عن تجارب وأحلام الأباء والأمهات !.

شهريار: إنه خلل عميق بالثقة بين الوالدين وأولادهم، هل تذكرين ياشهرزاد حين تحدثنا عن الإنصات ؟، وقلنا: إن  "أعظم أبواب الثقة الى النفس البشرية أن نحقق للمتحدث عن همومه ومشاكله فرصة التعبير بلا مقاطعة، وهو مايسمى (الهواء النفسي) الذي يشعره بأهمية مايقول وبوجود من يستمع أليه من أجل أن يفهمه لا من أجل أن يرد عليه، أو أن يبدي له النصائح، الأنصات بصيغة (التقمص العاطفي) لايعني التعاطف مع صاحب الشكوى فإن التعاطف يعني الإتفاق، بينما نحن نحاول أن نفهم حقيقة الأمر لنكون طرفا أصيلا في حل المشكلة". 

إن النَزْر القليل من الناس عبر الأزمنة البعيدة والقريبة،وحتى يومنا هذا، هم من يجيدون الإنصات بصغية التقمص العاطفي، واذا تمكن الناس من خلع قبعة الخبير بنية الإصغاء لصاحب الهم او الشكوى، لكنهم  لا يستطيعون فعل ذلك اذا كان المتحدث أحد ابنائهم أو بناتهم، كيف لهم أن يتخلّوا عن هذه الصفة وهم يعيشون دور المسؤول والرقيب؟ .

وعلى كل واحد منهم أن يجيب نفسه بالقول: اذا كنتُ لا اصغي لولدي المراهق  او ابنتي الصغيرة وهما يحاولان مد جسور الثقة معي، فكيف لهما أن يقبلان مني قولا او نصحا؟ .

إنَ للثقة المتبادلة  أشد الفعل في العلاقة مابين الآباء والأبناء، وإن الطريق الأمثل لمد جسورها أن نكون مبادرين بالإستماع الى هموم أولادنا ومشاكلهم، وتقمص شخصياتهم، وهم يحلمون بتحقيق ذواتهم، وخوض تجاربهم الخاصة بما يتناسب مع تطلعاتهم، علينا نحن الآباء والأمهات أنْ لا نلتفت الى ماضينا العتيد، وأن ننظر الى مستقبلهم بأعينهم هم، لا بعيون أحلامنا وتجاربنا القديمة .

شهرزاد: وماذا إنْ استطاع أحدنا أن يتجاوز (قبعة الخبير) وينصت بتقمص عاطفي، ويمد جسور الثقة مع أولاده؟ .

شهريار: ذلك مفتاح المحبة، في تلك اللحظات تتجسد أعظم عاطفة بين الطرفين، ويصير الوالدان مشكاة  تنير دروب المستقبل،نحن نمنح أولادنا الثقة لندخل قلوبهم،  فإن دخلناها منحناهم مفاتيح الأبواب المغلقة لتحقيق ذواتهم وطموحاتهم من خلال تجاربهم الخاصة .

شهرزاد: لكن ألا ترى أن الثقة المطلقة مع قلة الخبرة قد تكون سببا في إخفاقات عظيمة، وربما يلوم الوالدان نفسيهما على عدم الإرشاد والتصويب، ويندمان على تجاهل الخبرة المتراكمة؟ .

شهرزاد: ذلك يعتمد على التفويض الذي نمنحه لهم، ويقول أهل التنمية البشرية : إن التفويض نوعان الأول ما يسمى بـ(التفويض الساعي)،  وهذا ما يسير عليه معظم الأباء والأمهات بوصفهم مسؤولين على كل صغيرة وكبيرة، وعلى قاعدة (أفعل ولا تفعل)، وفي هذه الحالة سيفرضون تجاربهم وأحلامهم على مستقبل أولادهم شاءوا أم أبوا، أنصتوا أم لم ينصتوا، وفي ذلك مهلكة للجيل الجديد، وضياع للثقة، وتلاشٍ للمحبة، نحن بهذا التفويض نبعث برسالة دائمة مفادها: (أنتم بحاجة إلينا دائما، لا يمكنكم النجاح بدوننا).

وعلى هذا الأساس ستتشتت طموحات أولادنا فينشأوا مبعثرين ما بين أحلامنا وأحلامهم، مابين ما نرسمه لهم وما يطمحون إليه، وثقتهم بأنفسهم مهزوزة بقدر هوانها نحونا .

ولو منحناهم النوع الثاني من التفويض (التفويض بالوكالة) الذي يعتمد على النتائج وليس على المنهاج الذي نفرضه نحن، فسنهبهم القوة لإكتشاف مواهبهم وقدراتهم على النجاح، فكما يعتقد الآباء والأمهات أنهم أصحاب خبرة ونجاح،فإن عليهم أن يمنحوا أولادهم أسباب القدرة على النجاح بالإعتماد على ذواتهم في خوض تجاربهم الخاصة .

الآن أستطيع أن إجيبك عن سؤالك بوضوح: إن التفويض بالوكالة بحاجة الى صبر على تنمية مهارات الجيل الجديد، على أن تكون الثقة حاضرة بين الطرفين من خلال ماذكرنا آنفا،علينا أن نعلمهم القواعد العامة لكل تجربة، وننبه الى المخاطر المحيطة بها، ونبدي إستعدادنا للمساعدة إنْ طلبوها، ونترك لهم حرية المنهج والتنفيذ .

كأننا نقف معهم في قاعة واسعة، لها عدد كبير من الأبواب،فننبهم الى أبواب الشر،ونشير الى أبواب الخير، ثم نسلمهم كل المفاتيح ليختاروا،بملء إرادتهم، الباب الذي سيعبرون منه .

ولنأخذ مثلا بسيطا من الواقع: إبني (محمد) مولع بالكهرباء وأسلاكها ونقاط توصيلها منذ سن المراهقة، وبطبيعة  الحال كنت أخشى عليه من التعرض لصدمة كهربائية قد تنهي حياته، وأزجره كلما اقترب من ذلك الخطر، وعلى هذا الأساس أصابته رهبة، ولم يعد يهتم بهذا العالم .

حينما بلغ السابعة عشرة كنت أطلب منه المساعدة، أحيانا، وأنا أقوم بإصلاح عطل كهربائي، لكن تلك الرهبة مازالت تلازمه،وكان يتحجج بانشغاله بالدراسة او أي شأن آخر .

أدركت خطأي،وسعيت جاهدا لمنحه الثقة بقدرته على إنجاز المهمات المقبلة فأعطال الكهرباء لا تنتهي في منزلنا .

بدأت بتشجيعه وذكرته بقدرته على التعلم، ثم طلبت منه مراقبتي وأنا أشرح له في كل مرة شأن من شؤون هذه المهمات الخطرة، وعلى مدى أشهر تمنيت أعطالا  أخرى قبل أن ينخفض حماس ابني .

ومرةً بعد أخرى صار يجادلني في طرق إصلاح العطل، وحين أمسك بمفاتيح (اللعبة)، منحته التفويض بالوكالة، وعرضت عليه المساعدة إنْ إحتاج إليها .

لم يطل بنا المقام حتى ظهرت لنا مشكلة جديدة في أنارة إحدى الغرف، وكان الأمر يتطلب تغيير مكونات ما في السقف الثانوي لتعود الإنارة، وأكذب عليك ياشهرزاد إن قلت أنني كنت أعرف طريقة إصلاح ذلك العطل، لقد أدهشني محمد وهو يشرح لي كيف أن العطل لم يكن في المصباح، وإنما في قاطع الدورة الذي يمر عبره التيار الى المصباح .

اليوم وبعد أن أصبح شابا قويا لبس قبعة الخبير، ولم يعد يطلب مساعدتي في إصلاح أي عطل كهربائي، لكنه يجاملني أحيانا ويذكّرني (بأسرار المهنة) التي تعلمها  مني، وكأنه يشكرني على ثقتي به بشكل غير مباشر.

 

بقلم: عمار عبد الكريم البغدادي

...........................

* من وحي شهريار وشهرزاد (44)

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5609 المصادف: 2022-01-13 03:19:08


Share on Myspace