ناجي ظاهريمكن اعتبار رواية "ظل الريح"، للكاتب الاسباني كارلوس زافون (25 كانون الاول 1964 – 19 حزيران 2020)، واحدة من روايات البحث المُضني عن الذات والآخر. الكاتب في هذه الذات. وهي رواية حافلة بالغموض المحبب والتشويق الجذاب، حتى ان وزير خارجية المانيا الاسبق يوشكا فيشر، قال عنها مخاطبًا قارئها. ستقرأ الرواية في جلسة واحدة ولن تنام الليل وانت تتعقب ظل الريح.. لن يسمح لك زافون. مؤلفها. ان تتركها قبل ان تبلغ نهايتها. (ملاحظة: يبلغ عدد صفحاتها 550 صفحة).

مؤلف هذه الرواية. كارلوس زافون كاتب وسنارست اسباني من مواليد مدينة لشبونة (وهي ايضا.. المسرح الاساسي لأحداث روايته هذه) 1964. اقام منذ عام 1993 في لوس انجلوس الامريكية وتوفاه الله قبل فترة عن عمر صغير نسبيا. نشر روايته هذه عام 2001 ترجمها إلى العربية السوري معاوية عبد المجيد. وصدرت عن دار الجمل في بيروت وبغداد عام 2016. كتبت عنها صحيفة "لافيجارو" الفرنسية.. انها رواية لا تقاوم. حصلت خلال فترة قصيرة على ثناء شامل في جميع أنحاء العالم وتضمنت من الاسرار والخفايا ما جعلها مغوية مثل دمى "الماتريوشكا" الروسية. ترجمت الى اكثر من ثلاثين لغة.. منها العربية كما سلف.

تقدم هذه الرواية صورة طريفة للبحث الانساني المثابر والمصر. ويرافق قارئها بطلها دانيال في فترات مختلفة من حياته. ابتداء من مرافقته لوالده الى مقبرة الكتب المنسية. واختياره رواية "ظل الريح"، لكاتب يدعى خوليان كاراكس، مرورًا بقصص حب متشابهة بين الاثنين، واسرار تتكشف رويدًا رويدًا قد يكون ابرزها ما يتعلق بمحقق الشرطة ميرور الفظ العنيف ومساعده بلاثيوس. انتهاء بانكشاف اسرار مؤلف ظل الريح عبر كتاب/ مخطوط مذكرات نوريا مونفورت. ومصائر الشخصيات الروائية المثير للاسى حينًا والمحبة حينًا آخر.

2697 ظلال الريحمن الصعب تقديم ملخص واف لهذه الرواية التي قالت عنها مجلة "ذي نيويورك تايمس"، ان مؤلفها كارلوس زافون تمكن فيها من الجمع بين جارسيا ماركيز وامبرتو ايكو وخورخي لويس بورخس في مشهد ساحر ومعقد يغص بالبراعة الثاقبة والكتابة العجيبة!!..

لفت اهتمامي في هذه الرواية غير العادية، امران اساسيان. احدهما يتعلق بالأسلوب السردي. والآخر يتعلق بالعوالم السحرية الواقعية والمتخيلة في آن واحد. فيما يتعلق بالأسلوب السردي. يقدم القاص الروائي شخصياته النسائية والرجالية ببراعة وحذق مُعرفًا اياهم اولا بأول ومقدمًا وجودهم بحميمية تجعل القارئ. انا مثلًا. يشعر بالقرب منهم. محبة ونفورًا. في نفس الوقت. اما فيما يتعلق بعوالم الرواية المتخيلة فان القاص الروائي يتفوق في تقديمها لقارئه. غير عابئ بان بعضها خرج من رواية ظل الريح. ليحرق يعاقب ويعلن غضبه ومحبته.

انها رواية حياة وبحث، لا يكل ولا يمل، عن الهدف والمعنى.. بحث عنيد يقدم لقارئ الرواية درسًا في الاصرار والمثابرة لتحقيق الهدف والمعنى... الذات والوجود. انها رواية مميزة وتستحق القراءة. وتحتاج إلى تركيز خاص في قراءتنا لها. وقد اصابت صحيفة "الواشنطن بوست"، كبد الحقيقة. عندما كتبت عنها تقول... من الصعب على القاري ان يعثر على رواية تحتوي على هذا القدر من العواطف والمآسي والاثارة.. مثل رواية "ظل الريح".

 

ملاحظات: ناجي ظاهر

 

 

مجاهد منعثر الخفاجيالروائي الروسي الكونت ليف نيكولايافيتش تولستوي (1828- ت 1910) كان يعتنق الديانة المسيحية و يعود نسب عائلته الارستقراطية إلى رجل نبيل أسطوري يُدعى إندريس.

أشهر أعماله روايتي (الحرب والسلم) و(أنا كارنينا) وهما يتربعان على قمة الأدب الواقعي، فهما يعطيان صورة واقعية للحياة الروسية في تلك الحقبة الزمنية. وكل مؤلفاته عن الحرب جاءت إدانة لها وهجوما عليها.

إن رواية الحرب والسلم التي تدور أحداثها قبل 60 عامًا من الزمن الذى كتبت فيه تقريبا في ستينيات القرن التاسع عشر، كان لها أثر واضح في مفهوم الكتابة فى العالم , فهي إحدى أطول الروايات التي كتبت عبر التاريخ، وتضم أربعة مجلدات. وتُعَد واحدة من عيون الأدب العالمي الحديث.

هذه الرواية الملحمية تتناول مراحل الحياة المختلفة وتصف الحوادث السياسية والعسكرية التي حدثت في أوروبا في الفترة ما بين 1805 و1820م, لا سيما أثناء غزو نابليون لروسيا عام 1812م. وملخصها  البحث عن  الإنسان الذي ضيَّعته الحروب والتفرقة الطبقية.

قدم فيها الروائي فنا أدبيا يصور تاريخ أمته من خلال الجمع بين الرواية والقصيدة والتاريخ فمزج هذه الأشكال السردية ليظهر الحياة المغيبة في سجلات التاريخ.

وجهد الكاتب واضح من خلال جعله كل ما في الرواية يبدو منطقيا، ففي إطار متناسق دمج  الكثير من الأحداث والشخصيات، الحقيقية منها والخيالية، ومن خلال الوصف الدقيق يجعل القارئ شاهد عيان لأحداث حقيقية تماما.

وصل عدد الشخصيات إلى المئات بينها مائة وستون شخصية حقيقية في عمل ضخم خارق للأساليب والأنماط الكتابية المتعارف عليها , عبر عنه تولستوي بقوله: (ما كتاب الحرب والسلام برواية، ولا هو بقصيدة، ولا هو بسجل وقائع تاريخية. إن الحرب والسلام هو ما أراد المؤلف وما استطاع أن يعبّر عنه في هذا الشكل الذي عبّر به عنه).

كانت رؤية بعض النقاد لهذه الرواية على إنها عملا تاريخيا, وهذا بسبب انقطاع الكاتب عن سرده الروائي نحو التأمل في قضايا فلسفية شائكة.

فكان يطرح إجابة على سؤال من خلال مئات الصفحات عن دوافع أبطال ذلك الحدث من نابليون إلى ألكسندر الأول, مراقبًا مبادراتهم الفردية ومحاولاتهم العبثية في التحكم بمسار التاريخ, كما تهكم على نابليون حين قال ساخرًا: ألم يكن يعتقد بكل حزم أن كل مافي الكون يتوقف على مشيئته وحده؟ بينما كان نابليون في الحقيقة ليس أكثر من أداة لا معنى لها في يد التاريخ.

أما متن الرواية  الذي ضمن  تولستوي رؤاه الفلسفية والفكرية حول جملة من المسائل والقضايا الشائكة فكان أكبر من مجرد سرد روائي أو مؤلَّف تاريخي أو حتى عمل فلسفي .وهذا ما جعل النقاد في حيرة أثناء تقييمهم العمل.

ولكن الإبداع واضح في الخيط السردي من خلال الربط  بين شخوص الرواية العديدة والشديدة الثراء, فهناك مباحث اجتماعية وسياسية جمع فيها تولستوي بين المقالية واللغة الأدبية.

فالروائي من ناحية أدبية ارتقى بأسلوب واقعي معبر ضمن التحليل النفسي والصياغة الإبداعية.

اختار تولستوي حياة خمس أسر؛ من مختلف طبقات المجتمع الروسي: عائلات أرستقراطية. (آل بزوخوف، آل بولكونسكى، آل روستوف، آل كوراجين، آل دروبيتسكوى), فحبك أفكاره من خلال هذه العوائل فقسمها إلى (واقعية) و (تاريخية)و(خيالية) هذه (الأسر الخمسة) تختلف كل واحدة منها عن الأخرى من حيث ما أفرزته تفاصيل حياتها وطريقة تفاعلها مع أحداث الرواية، فبين (الأسر) ذات الثراء، وبين (الأسر) الإقطاعية، وبين (الأسر الفقيرة) التي تعيش في ضيق حال؛ ولكن أصولها العائلية تعود من أصول نبيلة.

فنجد معالجات الروائي لبعض العادات السيئة في المجتمع الروسي, إذ كانت العوائل الأرستقراطية الروسية تتكلم اللغة الفرنسية التي أدخلتها ملكة روسيا كاترين (1729 ـ 1796) إلى روسيا، وجعلتها لغة البلاط الروسي، إلى درجة أن كل فرد من الأرستقراطيين أجادها، وأحيانا أفضل من الروسية نفسها، ولم يخف الكثيرون إعجابهم بالثقافة الفرنسية، بل بنابليون نفسه. ولكن الأمر تغير بعد نهاية الحرب، وأخذت العوائل تستخدم مدرسي اللغة الروسية لتحسين لغتها، كي تواكب الاتجاه السياسي والثقافي الجديد في روسيا.

وبينت الرواية نفاق بعض القادة، حيث يطلب أحد القادة الروس من سكان موسكو التحلي بالإيمان والدفاع عن المدينة، بكل ما لديهم من وسائل وحتى أدوات الزراعة، ولكنه ما أن أصبح الخطر وشيكا حتى أمر ذلك القائد بحرق المدينة وفرّ هاربا.

يصف تولستوي الحرب كمشاهد القتل والدمار والموت الذي تجره الحروب، ويتساءل: لماذا يقتل الإنسان أخاه الانسان؟ لماذا يتعين علي ملايين الناس الذين يتخلون عن مشاعر الإنسانية وعقلها أن يسيروا من الغرب إلى الشرق ليقتلوا بشرا مثلهم؟.. ورغم أن رواية تولستوي مكرسة بالدرجة الأولي لوصف الحرب إلا أن موضوع السلام يخترق نسيج الرواية ويتقاطع مع موضوع الحرب ويصبح المعادل البديل له, إذن الحرب ظاهرة معادية للطبيعة الإنسانية.

وأخيرا فإن هذا العمل القيم والممتع يمثل صورة عن تحوُّلات المجتمع الروسي إبَّان الغزو الفرنسي.

 

 بقلم: مجاهد منعثر منشد

 

 

2678 كفاح الغصينالدكتورة كفاح الغصين شاعرة وكاتبة فلسطينية من مواليد مخيم النصيرات للاجئين الفلسطينيين في قطاع غزة، تنحدر من جذور بدوية وتنتمي لعائلة بالأصل من بئر السبع، حاصلة على شهادة الدكتورة في الصحافة الأدبية، وهي عضو في اتحاد الكتاب الفلسطينيين، ومعدة ومقدمة برامج أدبية سابقًا.

اقتحمت كفاح الغصين عالم الكتابة وسطعت في مجال الشعر النبطي والفصيح، وحققت حضورًا لافتًا ومكانة رفيعة في المشهد الأدبي الفلسطيني تحت حراب الاحتلال. تتنوع كتاباتها بين الشعر والأغنية والقصة والرواية والمسرحية والمسلسل وأدب الأطفال، وترتدي الكتابة لديها أثواب خاصة بها هي تنتقيها. كما أنها تهوى العزف على العود، الذي تعلمته في الأردن بدورات مكثفة في العام 1993.

كرمتها الشاعرة الكبيرة الراحلة فدوى طوقان وسلمتها جائزة المرتبة الأولى في مسابقة الإبداع النسوي التي نظمتها وزارة الثقافة الفلسطينية، ونالت جائزة أفضل قصيدة اجتماعية في مسابقة دول حوض البحر الأبيض المتوسط في إيطاليا، وجائزة المرتبة الأولى في مسابقة ابداع الشباب العربي في القاهرة.

وهي صاحبة أكبر رصيد في أغاني انتفاضة الأقصى، بلغت حوالي 370 أغنية وطنية ، أهمها وأشهرها أغنية "شدي حيلك يا بلد من شيخك حتى الولد" التي ينشدها أطفال غزة، وأغنية "ارمي علي من السما"، التي يعتبرها أعل غزة من أفضل أغاني الانتفاضة.

صدر لها في العام 2000 عن وزارة الثقافة العامة في غزة ديوانها الشعري الأول "على جبين بدوية"، ثم ديوان " عرفت اللـه من أمي"، و"شدي حيلك يا بلد"، و"حصان الوقت"، و"الفتى الشجاع" للأطفال، أضافة إلى ديوان "عساك بخير" المطبوع في الشارقة، ورواية تحت الطبع الآن بعنوان "حنكش مذكرات خيال حقل" "، فضلًا عن مجموعة من الأعمال المخطوطة والناجزة التي تنتظر الطباعة.

تأتي كتابات كفاح الغصين في مسار الهم الوطني وعذابات الإنسان الفلسطيني، وتتناول فيها الوجع اليومي، والحال الاجتماعي، وقضايا الوطن بكل تكويناته المكانية ممثلة بالمدينة والقرية والمخيم والبادية.

وفي أشعارها وأغانيها نجد الوطن الجريح بأبهى صوره، ونراها صوتًا فلسطينيًا وإنسانيًا رهيفًا تتلمس معاناة شعبها وعذاباته وآلامه وأحلامه.

تقول كفاح في نص لها:

في كل ليلة تمر لا أكتب ذاتي فيها على خارطة الورق..

أشعر تمامًا بأنني كوريقة الخريف

حتمًا سيلقي بها الريح لحافة البحيرة لذا..

أجدني أتشبث باليراع

أتوسد ذراع المفردات

أتكئ على زند المسافات

أعارك أحرفي المتمردة،

كي لا يسقطني الريح على حافة البحيرة

من يتابع ويواكب كتابات مفاح الغصين تشدنا بقوة هذه التجربة الثرية بمنجزاتها الشعرية الفنية والجمالية، فنصوصها تعبق بالعشق الوطني والحرية والثورة والنقمة على الظلم والقهر والانسحاق والاحتلال والطغاة، وعلى الوضع الاجتماعي الذي يكتنفه الفقر والجوع والبؤس الإنساني. ويمكن القول إنها شاعرة الوطن والشعب والبداوة المسكونة بالهم اليومي وتفاصيل الحدث، ولسان حال المهمشين والمقهورين والمضطهدين.

من أشعارها هذه القصيدة التي وجهتها للشاعر السوري نزار قباني، أثارت في حينه أصداء واسعة، وتقول فيها:

يا سيـــدي….

أنا لستُ من جيشِ النساء

الدائراتِ مع الأســــــاور….

أنا لا يثرثرُ عن قدومي… موكبي

أو نفخُ عطري

والسجائر….

وستائري…

وغطاءُ مهدي.. لم تكنْ

يوماَ موشاةً.. ولا حتى

حرائر….

يا سيدي….

أنا لستُ أرقصُ مثلَ نسوةِ "برشلونه"

أو.. أقيسَ الفرقَ ما بين

المخالبِ والأظافر ….

أنا لم يكن مشطي من العاجِ المرصعِ.. لا …..

ولا أحتاجَ لؤلؤَ للدبابيسِ التي

في المستعارِ من الضفائر….

أنا لستُ ممن تصرخُ الألوانُ في وجهي

ولا من… تشتكي أذناي

من ثقلِ الجواهر…..

أنا لم أفكرْ..

لو كحلمٍ..

أرتدي ثوبَ الفرح

أعتلي قوسَ قزح…..

وترابي في المقابر …..

وخبائي رهنُ قيدٍ

ونسائي قيدُ كافر…..

أنا لستُ من قوسِ قزح….

أنا لا أجيءُ مع الرياحِ..

ولم أكن بنتَ المباخر….

أنا لا أطيرُ مع اليمام..

ولا أنامُ على ذُرى ريشِ النعامِ..

ولا يُطارحني الغرامَ ضياغمُ العشقِ الكواسر….

أنا لستُ ممن يعشقُ الياقوتُ عنقي

أو تصادقُني المظاهر..

ولحاظُ عيني لم تكن سبباً لمدِّ البحرِ

أو غرقِ البواخر…..

يا سيــدي..

أنا فلسطينيةُ الأعطافِ

شرقيٌ دمي

حرةُ الكعبينِ

عصماءُ النواظر…..

عن ميادينِ الفوارسِ دائماً أغدو بعيداً

لا أشاركُ

لا أعاركُ

لا أخربشُ

لا أناور …..

دمعتي لا افتعلها كي أنلْ منها التعاطفَ

بل أنا في الحزنِ أقوى

أمتطي جرحي

المكابر…..

ليس لي ألفي ثوبٍ

ليس لي عشرونَ شاعر….

لا تعربدُ حين أمضي..

لا الخيولُ..

ولا الحوافر…..

لا ولا حراس قصري ألف ألفٍ

من عساكر….

لم يلج صمتي دخيلٌ ٌ..

لم يفتْ حصني..

مغامر…..

لم يهادنْ سورَ عرضي لا الملوكُ

ولا الأباطر…..

لي وجهٌ بدويً..

ضُمّخَتْ فيهِ

المشاعر…..

وردائي ثوبُ حرة…

ووشاحي سترُ قادر….

أعشق الناي الذي يبكي معي

وتغازلُ مسمعي تلك المواويلُ

السواحر….

إنني حواءُ من طينٍ وروحٍ

هذه بعض صفاتي..

فابتعد يا ابن مساحيقِ التمدنِ

ابتعد عني..

وسافر…..

أنت لا تعرفَ أن تحيا كمثلي

وانا أرفضُ أن أحيا بلا

أي مشاعر…..

وهنيئاً لك بالعصيانِ

وأهنأ بالطقوسِ المائديةِ

واحترس مني

احترس…..

يا ابن الأكابــــر ……

كفاح الغصين شاعرة مجيدة متميزة بخصوصية شعرية، حققت وجودًا وحضورًا في الساحة الأدبية والمشهد الشعري والإبداعي الفلسطيني، تتسم أشعارها بتفاعلات الانساق الأدبية اللغوية في إطار حساسيتها الشعرية المرهفة ورؤيتها البناءة الخلّاقة وفق رؤيتها القائمة على قاعدة خلفيتها الثقافية والفكرية المسكونة بهويتها الكنعانية والبدوية، ويغلب على أسلوبها القوة ووحدة النسج، واما مضامينها فسمتها الصدق والشفافية والواقعية، والتعبير عن عالمها النفسي والإنساني والفلسطيني، وهي صوت شعري واضح بتجلياته، وثري بصوره الفنية الجمالية.

ألف تحية للصديقة الشاعرة والكاتبة د. كفاح الغصين، متمنيًا لها المزيد من النجاح والعطاء والتألق الدائم.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

  

عبده حقيترجمة: عبده حقي

يُشار عادةً إلى التخلص من السموم الرقمية بتقليل استخدام التكنولوجيا - مثل إيقاف تشغيل الإشعارات والكف عن تشغيل هاتفك أثناء العمل ووضع حدود لمقدار الوقت الذي تقضيه في استخدام الآلات التكنولوجية.

وعلى الرغم من أن التخلص من السموم الرقمية هو أمر رائع، وأنا أؤيد استخدام هذه التقنيات يوميًا، إلا أنني أوصي أيضًا بسرعة رقمية - أخذ فترات راحة طويلة من استخدام أي نوع من الأدوات التكنولوجية . فأنت سوف لن تتخلص من السموم الرقمية فحسب بل ستستفيد أيضًا من الصيام الرقمي.

إن الصيام من أي نوع مفيد لك – فهو يعلمك أن تخرج من بيتك بدون هاتف ذكي. وكيف تكون سعيدًا حتى في حالة غيابه حيث يمكن أن يكون الصوم ممارسة روحية بشكل لا يصدق.

لماذا الصوم الرقمي مهم جدا؟ إنك بإغراق الجسد بالطعام فإنك تخنق روحك وتجعلها أقل نشاطًا.

يمكن قول هذا عن أي شيء - إن إثقال جسدك بأي شيء سيخنق روحك. سواء كان ذلك الشيء طعامًا أو كحولًا أو تقنية أو عملًا. نحن بالطبع بحاجة إلى أخذ فترات راحة هادفة من كل شيء - الامتناع عن وعي - من العمل، من الطعام، من تشغيل التكنولوجيا. هذا هو الفضاء الذي يمكن أن نرى فيه الفوائد الصحية والنفسية.

يمكن أن توفر لك هذه الممارسة الكثير من الوضوح. ستكون قادرًا على رؤية ما يحدث بالفعل في جسمك وعقلك. هل عضلاتك متوترة ؟ هل تشعر بألم في أي مكان من جسمك ؟ في ماذا يجب أن تفكر ؟ ما الذي يخبرك به عقلك الباطن؟ إن هذه الممارسة تتيح لك مساحة مريحة للاستماع إلى جسدك وعقلك.

ستتمكن أيضًا من مراجعة أهدافك وتطويرها بالوضوح الأمثل. كيف تسير حياتك؟ ماذا تريد من الأشياء أكثر؟ أو ماذا تريد منها أقل ؟ ما الذي يمكنك فعله بشكل أفضل؟

سيوفر لك الصوم الرقمي كذلك الوضوح للانخراط في بعض المراجعات في الفترات الماضية – في الأسبوع، والشهر، والسنة، بالإضافة إلى التخطيط للمستقبل. ستكون قادرًا على النظر إلى المكان الذي كنت فيه والمكان الذي تتجه إليه بوضوح تام.

إن التفكير والتخطيط أمران رائعان للتعافي من الإدمان الرقمي. لكن الصيام الرقمي سيسمح لك أيضًا بالتعافي جسديًا ونفسيا . سوف يمنحك استراحة من نمط الحياة المحموم الذي يقودك حتما نحو مزيد من الضرر.

سيسمح هذا بالاستراحة لعقلك وجسمك بالتعافي. وأيضًا بالاستماع بشكل أفضل إليهما لفهم ما يحتاجانه إليه للراحة. في نهاية فترة صومك الرقمي، ستشعر طبعا بالراحة والتعافي.

إن قضاء الوقت بعيدًا عن التكنولوجيا سيجعلك أكثر تحفيزًا وإنتاجية عند العودة. لن تخشى فتح الكمبيوتر المحمول الخاص بك للقيام بالعمل ولن تشعر بالإرهاق والاستنزاف.

لن يكون لديك دافع أكبر فقط عندما تعود إلى الآلات التكنولوجية، ولكن خلال فترة الراحة، ستجد على الأرجح مستويات أعلى من الحافز للقيام بأشياء أخرى - للتمرين، للذهاب في نزهة، للقراءة، لتنظيف المنزل. سيكون لديك الكثير من الوقت للتفكير في نفسك وحاجياتك.

إننا نفعل أي شيء لتجنب الشعور بالملل. وعادة ما تكون الهواتف أو التقنيات الأخرى لدينا رائعة في وقايتنا من الملل. لكن من جانب آخر إن تعلم قبول الملل أحيانا يمكن أن يكون مفيدًا جدا وهو شيء يجب أن نعتز به.

في الواقع، إن تجنب الملل يعيد تنشيط عقلك . فبدون تعلم كيفية فطم عقلك عن الانخراط المستمر في عادة ما، فإنك تؤثر على قدرتك على تحقيق التركيز المناسب عندما تحتاج إليه بالفعل. يقول أحد المتخصصين : "بالطريقة ذاتها التي يجب أن يعتني بها الرياضيون بأجسادهم خارج حصص التدريب الخاصة بهم، ستكافح لتحقيق أعمق مستويات التركيز إذا قضيت بقية وقتك في الهروب من أدنى تلميح للملل."

لا يمكنك أن تتوقع أن تشتت انتباهك باستمرار ثم تجلس للقيام بعمل مركز وتتوقع فعلا أن يكون عقلك قادرًا على الحفاظ على هذا المستوى من التركيز. هذا يشبه محاولة إجراء ماراثون عندما تكون معتادًا على القيادة في كل مكان.

خلال صومك الرقمي، حاول أن تتقبل الملل. لا تقاومه بل تقبله كما هو . استند عليه بل أكثر من ذلك كن أنت الملل.

إننا نفقد قدرتنا على تجربة العزلة. أينما ذهبنا، إما أن يكون لدينا أشخاص أو هاتف أو كتاب أو كتاب مسموع أو موسيقى. إننا لسنا وحدنا حقا. إننا نكافح لكي نكون وحدنا مع أفكارنا. لذلك نحن نعمل على إلهاء أنفسنا.

لكن إن تعلم تجربة العزلة أمر حيوي. نحن بحاجة إلى القدرة على أن نكون بمفردنا. لنتعلم الاستماع إلى أفكارنا. لكي نكون على علم بما يجري في أنفسنا.

 لقد أظهرت الأبحاث أن المشي في العزلة يمكن أن يعزز قدرتنا على الإبداع. العزلة هي إقصاء كل العوامل الخارجية، على غرار ما يتم تحقيقه أثناء الصوم الرقمي. هذا النوع من العوامل يفضي إلى تعتيم أفكارنا وخصوصا أفكارنا الإبداعية. امسح كل العوامل الخارجية، وسترى زيادة كبيرة في شعورك بالراحة.

استخدم سرعتك في الانخراط في أنشطة إبداعية مثل الكتابة، الرسم، والعزف على آلة موسيقية، فكر في ممارسات تجارية بسيطة . ذلك هو الوقت المثالي لكي تكون مبدعًا.

إن الكثير مما قيل حول التخلص من السموم الرقمية والصيام الرقمي يتعلق بالتحكم - ما الذي يتحكم فيك؟ الصوم أكثر من أي نظام آخر، يكشف الأشياء التي تتحكم فيك . فهو يعلمك أن تكون بخير بدون أشيائك التي تدمن عليها يوميا. تتعلم أن تكون سعيدًا بدونها في داخلك، دون الحاجة إلى أي شيء خارجي. لأنك تستعيد السيطرة على نفسك وتحافظ على توازنها.

 

ترجمة بتصرف   

 

 

 

ضياء نافعيبدو للوهلة الاولى انهما (ماياكوفسكي وتشيخوف) بعيدان جدا عن بعضهما، وبالتالي، فان الكتابة عنهما معا غير واردة في اطار   الخطوط الاساسية لعلم الادب المقارن، فماياكوفسكي ولد عام 1893، عندما كان تشيخوف في قمّة مجده الادبي، وتوفي تشيخوف عام 1904، عندمت كان عمر ماياكوفسكي (11) سنة، ورغم انهما عاشا معا في روسيا القيصرية احدى عشر سنة مشتركة، الا ان العصر الذي تألّق فيه ماياكوفسكي (وهو بداية القرن العشرين) يختلف جذريا وكليّا عن العصر الذي تألّق فيه تشيخوف (وهو نهاية القرن التاسع عشر)، وباختصار، فان الصورة الفنيّة المتكاملة لماياكوفسكي قبل كل شئ في وعينا تقول، انه كاتب ثوري مندفع و بحماس هائل في مسيرته الابداعية، أما الكاتب تشيخوف، فانه بعيد جدا جدا عن اي ثورة وعن اي اندفاع و عن اي حماس .لكنني اكتشفت صدفة (اثناء اطلاعي الدائم على مصادر الادب الروسي)، ان ماياكوفسكي – مع ذلك - قال عنه مرة، ان تشيخوف – (...واحد من سلالة ملوك الكلمة ...)، وهذا موقف واضح المعالم جدا للكاتب ماياكوفسكي تجاه (صاحب الجلالة !) الكاتب تشيخوف، وهذه الكلمة، او هذا الموقف الصريح والواضح بتعبير ادق، هو الذي جعلني افكّر بالكتابة حول ماياكوفسكي وتشيخوف معا في مسيرة الادب الروسي رغم كل هذا التباعد الفكري والتباين الواضح في المفاهيم بينهما (بما فيها القضية المركزية، وهي - عن دور الادب والفن في الحياة)، اذ اني اعتقدت جازما، ان هذا الموقف الصريح والواضح  لماياكوفسكي تجاه (صاحب الجلالة !) تشيخوف لم يأت من فراغ حتما، وهكذا بدأت فكرة هذه المقالة عن ماياكوفسكي و تشيخوف معا.

حاولت قبل كل شئ ان أجد المصدر لكلمة ماياكوفسكي عن تشيخوف، ووجدت تلك الكلمة فعلا في مقالة كتبها ماياكوفسكي ونشرها عام 1914 بعنوان – (تشيخوفان) في مجلة (الحياة الجديدة) الروسية بمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة تشيخوف . لم يكن ماياكوفسكي آنذاك شهيرا جدا في الاوساط الادبية الروسية (ظهر اسمه في النشر لاول مرة عام 1912 فقط ليس الا، وصدر ديوانه الاول بعنوان (أنا) عام 1913)، ولكن تلك المقالة كانت تحمل كل سمات ماياكوفسكي، التي ستتبلور بعدئذ، وقد أشارت مجلة (الحياة الجديدة) الى انها لا تتفق مع بعض طروحات هذه المقالة، رغم انها تنشرها باكملها على صفحاتها . مقالة ماياكوفسكي عن تشيخوف ليست قصيرة، وشغلت في المجلة حيّزا كبيرا، وكذلك في المؤلفات الكاملة له (المؤلفات الكاملة في 13 مجلّدا / موسكو 1958 - 1961) . مقالة ماياكوفسكي عن تشيخوف فريدة في تراث ماياكوفسكي، اذ اننا لا نجد عنده مقالات مشابهة لها عن ادباء روس كبار آخرين من السابقين او المعاصرين له، رغم ان علاقات ماياكوفسكي بهم كانت واسعة جدا، اذ ان افكاره عنهم انعكست في قصائده او رسائله او في أقواله للمحيطين به، والذين كتبوا ذكرياتهم عنه، اي انه لم يكتب مقالات محددة عن الادباء الآخرين مثل تلك المقالة عن تشيخوف (انظر مقالتينا، مثلا، بعنوان – ماياكوفسكي وبوشكين، و، ماياكوفسكي وغوركي).

تبدأ المقالة بشكل غير اعتيادي جدا، اذ يكتب ماياكوفسكي رأسا  وبهذا الترتيب للكلمات بالضبط، واقدمها للقارئ حسب الترجمة الحرفية قلبا وقالبا، وكما جاءت عند ماياكوفسكي –

(طبعا، ستنزعجون، اذا سأقول -

- انتم لا تعرفون تشيخوف !

- تشيخوف؟)

 وهكذا تسير بنية المقالة وكأنها قصيدة من قصائد ماياكوفسكي، قصائده التي تثير القارئ رأسا، او بتعبير أدق، تستفزّ هذا القارئ رأسا، اذ ان ماياكوفسكي هنا يستفز القّارئ فعلا في مقالته عن تشيخوف  منذ السطور الاولى، ويصيغ مقالته على شكل حوار مباشر مع هذا القارئ، ويسخر من اجاباته، التي يكرر فيها تعريفه لتشيخوف على انه – نصير المذلين والمهانين، او، مغنّي العتمة والغسق، او، الساخر اللاذع، او..او..او..، ويصرخ ماياكوفسكي بهؤلاء القراء قائلا لهم – (...اسمعوا ..اني اريد ان اتكلم عن تشيخوف الآخر ...عن تشيخوف الكاتب ..واود ان احييه باعتباره  واحدا من سلالة ملوك الكلمة ..)

مقالة ماياكوفسكي عن تشيخوف لا يمكن تلخيصها بعدة كلمات، ولا أدري اذا كانت هذه المقالة مترجمة الى العربية (شخصيا لم أطلع عليها بالعربية)، ولكني أرى – حسب رأي المتواضع – بضرورة ذلك لانها مهمة جدا. لقد اراد ماياكوفسكي ان يقول فيها، ان تشيخوف اعطانا صيغة جديدة في الادب، صيغة الافكار القصيرة المضغوطة دون استخدام الكلمات الفائضة، ويرى ماياكوفسكي (وهو على حق)، ان هذه هي صيغة الفن المستقبلي، ولهذا فان تشيخوف من وجهة نظر ماياكوفسكي هو استاذ الكلمة وفنّانها .....

 

أ.د. ضياء نافع

 

عمار عبدالكريم البغداديحينما نبتسم بمحبة ياشهرزاد فإننا نختصر المسافات الى القلوب،ونتحدث بلغات العالم أجمع من غير الحاجة الى النطق بكلمة واحدة.

-هل تعرف ياشهريار إني أجد صعوبة بالحديث حتى مع بعض المقربين حينما أكون متجهمة الوجه .. كأنهم لا يفهمون ما أقول، وإنْ كان في غاية البساطة .

- نعم ذلك يحدث مع الجميع تقريبا، نحن في لحظات التجهم نوصل رسائل خاطئة الى قلب المستمع قبل أذنيه، كأننا بذلك التجهم نغلق مسامعه،ونحجب ذهنه عنّا، ذلك أن الأبتسامة أول الغيث في حديث يلامس القلوب والأرواح قبل العقول .

شهرزاد : لكننا لا نستطيع أن نكون مبتسمين دائما .. هموم الحياة تسرق الأبتسامة من وجوهنا في كثير من الأحيان ألا ترى ذلك ؟.

- مفارقة عجيبة تلك التي تتحدثين عنها ياشهرزاد،نحن نؤمن بعدم قدرتنا على التبسم بسبب الهموم والأحزان، لكننا مقتنعون تماما بأن علينا أن نواصل الحياة، ونحاول أن نقنع من حولنا بما نقول، بل إننا نطلب منهم أن يكونوا واثقين بصدق مانقوله،ونحن عاجزون عن أيصال أول رسائل الثقة في أبتسامة متواضعة .

حقا إنها مفارقة، نحن نحرك 14 عضلة حينما نبتسم وعلى أرجح الأقوال 17  حينما نضحك، ونحتاج الى 43 للتعبير عن الغضب أو التجهم، وذلك يعني ياشهرزاد أنك تبذلين جهدا أكبر لتكوني متجهمة الوجه، بل إنك تبذلين جهودا مضاعفة لإقناع الطرف الآخر بما تقولين، من غير الوصول الى نتيجة مقنعة ؟.

يقول إبراهيم الفقي : إن في الوجه 80 عضلة، وعندما نبتسم فنحن نستخدم 14 عضلة منها فقط، ولايؤثر ذلك على شكل الوجه، ولكن اذا ماكان الوجه عبوسا فإن الناس تستخدم تقريبا كل عضلات الوجه مما يسبب له التجاعيد .

شهرزاد : لكن هل تعرف أحدا يكون مبتسما حينما يكون حزينا،أو غاضبا،أو خائفا من شيء ما؟.

- نحن نبحث عن السعادة في كل الأوقات، حتى قبل أن ننام نتمنى أن نرى حلما جميلا يجعلنا سعداء حين نسترجع تفاصيله في الصباح، وإذا أدركنا أنّ الأبتسامة هي التي تولد السعادة في صدورنا وليس العكس إستطعنا أن نطبع ابتسامة رقيقة على وجوهنا في كل الأحوال إنْ لم يكن من أجل التواصل مع الآخرين بمودة فمن أجلنا نحن، وحينما نكون سعداء برغم أحزاننا وأتراحنا فإننا نمتلك زمام الأمور، وكأن الدنيا كرة صغيرة نداعبها بين أصابعنا كيفما نشاء .

يقول عالم النفس الأميركي المشهور وليم جيمس: ( إن التغيرات الجسمية التي تحصل في مناسبات معينة، كإرتعاد المفاصل عن رؤية وحش مفترس، أو احمرار الوجه أمام موقف مربك، تُسبق ببرهة زمنية وجيزة، بل تسبب من ذاتها الشعور الناتج عن هذه المناسبات كالخوف والخجل).

وهذا ياشهرزاد عكس الشائع تماما .. نحن نبتسم لنكون سعداء ولا ننتظر حظا وافرا من السعادة يجعلنا نبتسم، هل سمعتِ يوما عن رجل غاضب أو عبوس الوجه يشعر بالسعادة ؟ .. بالتاكيد لا، علينا أن نعيَ عظمة هذا التعبير الميسر لنا بلا جهد، فهو بكل تأكيد مفتاح لإسعاد قلوبنا وقلوب الآخرين معا .

ورب قائل : هل يجرؤ أحد على القول لشخص حزين : عليك أن تبتسم؟

والجواب : ليس علينا أن نقول له ذلك .. فقط علينا أن نبتسم في وجهه ولو بابتسامة تعاطف، ستوصل له تلك الابتسامة العفوية أرق معاني الإحساس بألمه،والتعاطف معه، ودعوته الى تجاوز محنته، ولعلك تذكرين مواقف في حياتك شبيهة بذلك، كيف أنك رسمت - بإبتسامة من هذا النوع- ابتسامة على وجه شخص حزين وإنْ كان باكيا من حزن شديد، او متالما من مرض ما .

شهرزاد : لا أظنه خافيا عليك الأثر السلبي لتجهم أول وجه نقابله في الصباح على نشاطنا وإحساسنا بالتفاؤل والسعادة ؟، فإنْ تحملنا أول صدمة من وجه عبوس في البيت، فلن نقوى على تحمل الصدمة الثانية في غرف العمل المغلقة .

شهريار : هل تعرفين ياشهرزاد لماذا نتحمل الصدمة الأولى؟، نحن نبعث برسالة سريعة الى عقلنا اللاواعي بان ذلك المشهد لن يمكث طويلا، فنحن خارجون الى العمل، وفي الثانية نستسلم لإحساس المشهد المستمر لـ8 ساعات متواصلة على أقل تقدير، في بداية يومنا نكون قادرين على إبتسامة خفيفة مع تحية الصباح، وهذا يخفف وطأة الصدمة الأولى، كما تسميها أنتِ،ولو عدنا الى دائرة التاثير حين تحدثنا عن محبة الناس لوجدنا أننا نعيش بين عمقين، إمّا أن نؤثر فنطفو على السطح، أو نتأثر فنزداد غرقا، لحظات حاسمة تلك التي نجابه فيها المتجهم الثاني، لا نمتلك وقتا لنختار بين التأثير والتأثر لاسيما إذا كان الموقف غير مألوف في الأيام السابقة، إنهما رسالتان متضادتان الأولى قادمة من صاحبنا المتجهم مفادها : لن يكون يومكِ سعيدا، والثاني منكِ انتِ ياشهرزاد، فإمّا أن تبتسمي إبتسامة مازوخي راضخ لقرار السادي غير المعهود الذي ظهر فجأة،فتعيشين يوما تعيسا مضطربا تواسين فيه العبوس، وتبادلينه إحساس الحزن والألم لسبب مجهول، وإمّا أن تاخذي نفسا عميقا، وتبعثي برسالة مضادة ( إبتسامة نابعة من القلب ) مفادها : "أنا سعيدة فابتسمْ ربما يكون يومك سعيدا أيضا ".

وانا اقر بأن الوقت حرج جدا،ولامجال للتفكير واتخاذ القرار والصدمة صادمة كما يقولون، لكن النفس العميق في لحظة الصدمة كفيل باتخاذ القرار المناسب، ولا بأس أن تخلو وجوهنا من التعبير لحظة إتخاذ القرار، بل لا باس في مظهر جمود عن الحركة تنطلق بعده ابتسامتنا المتحدية، هنيئا لمن أمتلك لحظة تامل قبل الخضوع .. سكونه هذا سيجعل المتجهم المطل علينا بجميع أحزان الدنيا، وبمظهر غير المبالي بنا في حيرة من امره، إنه لا يكتفي بتجهمه، ولن يشعر براحة آنية الا إذا خيم الحزن على جميع المحيطين به، ذلك أنه يشعر بمواساة كاذبة لحالته الغامضة التي ظهر بها فجأة، أنه ينتظر ان يقال له : "خيرا نراك متجهما حزينا ؟ "، وحينها سيبتسم على الغالب ويكتفي بالقول : "لا شيء" .. بعد أن ينفث في صدورنا خيبة الأمل الصباحية .

إن لحظة التأمل تلك قبل اتخاذ القرار من أبسط دروس الحكمة التي تعلمها الحياة، لكنها أكثرها عمقا، حينما نتعلم التأمل في لحظة تجهم صادمة، قبل أن نرد عليها بابتسامة حالمة، فنحن قادرون بكل تاكيد على التأني باتخاذ قرارات حاسمة، حتى في ميدان المعركة .

 

بقلم : عمار عبد الكريم البغدادي

......................

* من وحي شهريار وشهرزاد (20)

مقتبسات من مؤلفي : شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

صادق السامرائيسدسد الدين إبن رقيقة أبو الثناء محمود بن عمر بن محمد بن إبراهيم بن شجاع الشيباني الحانوي.

طبيب وأديب وشاعر، ولد ونشأ في في مدينة (حينى) بإقليم ديار بكر وتوفى في دمشق (564 - 635) هجرية، برع بطبابة العين وعملياتها الجراحية، وله إلمام بعلم النجوم.

دخل في خدمة نجم الدين الأيوبي (569 - 607) هجرية، ثم عمل في البيمارستان النوري الكبير في دمشق حتى وفاته.

"طبيب كالنسيم في لطف العلاج، والصباح الوسيم عند الإنبلاج، وكان لا يبارى في خفة يد، ولعب أنامل في جد، مهما تقدم له مما تقدم به في ذوي الحظوظ، فما قاوى جدول تياره، ولا طاولت الحباحب ناره، وكان يستحق هذا في أيامه الذاهبة، وفي زمانه وعطايا إنعامه الواهية". (من كتاب مسالك الأبصار في ممالك الأنصار).

وذكره إبن أبي أصيبعة: " ذو النفس الفاضلة والمروءة الكاملة، جمع من الطب ما فاق به أقوال المتقدمين، وتميز على جميع نظرائه من الحكماء والمتطببين، هذا مع الفطرة الفائقة والألفاظ الرائقة، والنظم البليع والترسل البديع"

أساتذته: إبن عبد السلام المارديني وأخذ عنه الطب والحكمة.

ومن شعره: "لا يغرنك من زمانك بشره...فالبشر منه لا محالة حائل، فقطوبه طبع وليس تطبعا....والطبع باقٍ والتطبع زائل".

"يا ناظرا فيما قصدت لجمعه...أعذر فأن أخا الفضيلة يعذر، علما بأن المرء لو بلغ المدى...في العمر لاقى الموت وهو مقصر"

مؤلفاته: "لطف السائل وتحف المسائل، أرجوزات كليات إبن سينا في قانونه بالطب، موضحة الإشتباه في أدوية الباه، قانون الحكماء وفردوس الندماء، أرجوزة في الفصد، الغرض المطلوب في المأكول والمشروب، مقالة فيها مسائل وأجوبتها في الحميات"

وقد جمع بين الطب والأدب وبرع فيهما، وأبدع بيراعه ومشرطه، وحكمته وتطبيبه لعاهات الأبدان، فكان عنوانا للسلوك العلمي الفتان!!

 

د. صادق السامرائي

2668 ظمياء ملكشاهيظمياء ملكشاهي شاعرة كردية عراقية موهوبة، تمنحنا في نصوصها دفء كلماتها وحروفها الشفيفة، وتراتيلها الحزينة المعذبة، ولغتها الحية النابضة بالجمال والدهشة والإبداع الحقيقي. إنها صوت شعري حداثي صدّاح فتّان في السردية التعبيرية الشعرية، عرفناها من خلال كتاباتها الشعرية والنثرية المنشورة في عدد من الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية العراقية والعربية، ومن إصداراتها "ذاكرة الظّلال" و"تراتيل فيلية".

وفي قصائد ظمياء نلتقي مع الحب والفجيعة والألم والاغتراب، ونلمس حبها الكبير للعراق، وتمسكها بهذا العشق السرمدي.

وهذه القصائد متناغمة ومتكاملة، تفيض لوعة وحسرة ووجعًا، ومميزة بأسلوبها وطريقة حياكة القضايا الحياتية والواقعية، ونسجها رؤى عميقة لمسائل ومواقف إنسانية واجتماعية وسياسية.

وبالرغم من شعورها بالقلق والاضطراب، فظمياء ملكشاهي تحرص على أن تعبر عن إحساسها الفني باستخدام بساطة المعاني واقتناص فني للصورة وللمشهد الشعري المراد التعبير عنه، ومن خلال تعبيرها عن قلقها الوجودي وحزنها الذاتي تتطرق وتتناول موضوعات تهم هموم الأنسان والوطن العراقي والقضية الكردية وهموم الناس البسطاء والمعذبين في الوطن العربي، تاركة العنان لانفعالاتها وأحاسيسها تتدفق بشكل عفوي دون تكلف وتجسيد للحالة الشعورية والواقع الحياتي.

وغني عن القول، أن قصائد ظمياء ملكشاهي لوحات شعرية تعبيرية وصور إبداعية تعرض فيها معاناتها الذاتية والمها الشخصي وما يعتصر قلبها من أسى ومعاناة في الأعماق وهي تشاهد في كل زاوية من زوايا وطنها الخراب والدمار والتشرد والغربة.

وفي قصائدها الحرة يتجلى البعد الإنساني، والقلق الوجودي، والمشاعر المتأججة، والأحاسيس المرهفة، وجوهر الشعر الصادق، والانزياحات الدلالية واللغوية، واللغة المتموجة الواضحة في نسيجها الشعري، والصور المكثفة المركزة الصادرة من مخيالها الجموح، والمكتنزة بالحب والغربة والوجع والهم الإنساني.

ومن قصائدها اخترت هذا النموذج بعنوان "أقبية الحب"، حيث تقول:

أقبية الحب

الفراشات تحت ظل سباتها

حلقت روحي هناك…

ألثمها ولا أدري هل يلثم البعض بعضه

هي مني امتداد لامتداد

وبقايا من وريقات عبثت بها الريح

هي قلبي ونبض من شتات…

قد تناثر بين أصداء الدموع

وأطلال الأسى…

ليورق زهرة التوليب

ليندس كرائحة الندى

بين روحي وروحي

كم أينعت ضحكاتها فوق مروج الأمنيات

فوق سهوب الآه المفترشة أصداء المدى

أقتات على غربتك

أيتها المقيمة في تلافيف الوحدة

أعانق أنفاسك لأغتذي وأفيق عبقا

كم تداعبني أطيافك ترنو للبعيد

كم تهمسين للعيد أن تعال

قبل أن تشيخ الحكاية…

قبل أن يأكلك سكر التلبد والغباء

هذا الذي أستعمر مملكة الندى

أطاح بالزنابق ليهدر بالآه

كم أبتعت لك أقراطا من الشمس

وأحجية من الشوق

ولا تزالين ثغرا يورق بالرضاب

يعتق خمرة دافقة…

من ألف عام أرمم ما خربوه في خمائلك

أشيد أسيجة وعبور

أتلفع وحدتك والدمية التي تقول ماما

كم أخبرتني عيناك جذوة التشبث

كم تمدد أرقك الصغير فوق سطوري

فراشة روحي…

يراعات حزني المضيئة في جدب ضمير

أتوسد ضياءك لأوقد الفرح المستحيل

أحبكم….

أرنو بعين الى الله يعلمها…

أخفق كطائر مكسور الجناح….

وافيق كليلة أحمل سلال الشعر

أبتاع أغنية للقناديل المعتمة

أفترش أرصفة الصحو لأنجو…

مناجاة تتسمر على أزيز الثورات

وحدنا نعلم سر التشبث بموجة هاربة

يهزأ بنا الشراع فنكون فنارا…

تسحقنا مرارا وتكرارا آلهة التشظي

نراود الحياة عن كذباتها البغيضة

ونلون ما تبقى من رمادنا في اللوحة

لم يزل يفتر ثغرك عن رضا

لم تزل أهدابك توحي بالصحو للسماء

أيقونة الندى السرمدي

تعويذة الفرح…

لا تأبهي ليد مكسورة وعمرا تجاوز الخمسين…

لازلت أطارد العصافير…

وأشتري لك أطواقا من ياسمين

أعانق جدائل الشمس…

أغزل من أفتناني بك مرايا الغربة

اتدلى من سقوف المستحيل

وأعبث بكل قوانين العمر وساعات الانتهاء

أحب الجبال الشاهقة

أغازل الشمس والنوارس

وأبدا لا أنحني للموت قبل أن يسحقني

سنسير معا…الثلاثة

نوثق بالطيارات الورقية عهود الغيمات

نمطر فقاعات ملونة…

نتناثر فوق سطوح مسراتنا السرية

ونلتحف بعضنا في أبدية غامضة

ليس لنا ألا الريح…

تكنس عناء المشافي….

تحول السكر في دمنا الى ومضات سحرية

سنصنع ملاذنا…

أعدكم بالحب المطلق….

بحنان لا يملك غير دموعي…

أعدكم بكل القطط البرية والفراشات

بكل عصافير المسافات المغتربة

أعدكم بكل الحروف التي لم تكتب

عسى أن تقرأوها يوما…

بعد رحيل النبوءات

وعودة يوسف الى حضن يعقوب

ألقي عليكم قميصي المزخرف بالشعر

لتبصروا آيات حبي الكبيرة

تسابيح عشقي البكر

رذاذ الموجات الصغيرة في كتبي التافهة

اترك لكم كل أرصدتي المخبأة

في حنايا كتب الجنيات

في رداء ليلى وذئبها المخبول

في أقبية الحب …

ظمياء ملكشاهي شاعرة أنيقة في بوحها وتعبيراتها، ومبدعة مختلفة، تمتلك أدوات الشعر وناصية اللغة، وكتاباتها تنفذ مؤثرة في أعماق القارئ والمتلقي دون عناء ومشقة، وهي توظف المحسوسات المختلفة لرسم لوحاتها السّردية، والتعبير عن الذات المبعثرة والمتشظية. وبالرغم من عناوينها الرقيقة إلا أن ألفاظ القهر والوجع والتمرد تتسرب داخل نصوصها بكل الألم الذي يظهر جليًا مكوناتها، ومدى عباراتها الممتدة إلى مسافات واسعة وأنساق مختلفة.

أحيي الصديقة الشاعرة الكردية ابنة العراق، ظمياء ملكشاهي، متمنيًا لها المزيد من التألق والسطوع والتجدد الشعري، مع دوام الصحة والعافية.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

صادق السامرائيأمة الواحد بنت القاضي أبي عبدالله الحسين بن إسماعيل المحاملي الضبي، إسمها ستيتة ولقبها بنت المحاملي، وكنيتها أم عبد الواحد، فقيهة، ومفتية، وعالمة رياضيات ومحدّثة توفت سنة (377) هجرية في بغداد.

من عائلة مشهورة بالفقه والحديث والعمل بالقضاء، فنشأت في بيئة تزدحم بالعلماء.

أبوها كان إماما وقاضيا من قضاة بغداد، وجدها محدث بغداد، ومن كبار علمائها.

حفظت القرآن، وتفقهت على يد والدها، وبرزت في مجال الحديث.

أساتذتها: والدها، إسماعيل بن العباس الوراق، عبد الغافر بن سلامة الحمصي، أبة الخسن المصري، الإمام حمزة الهاشمي.

تلامذتها: أبرزهم الحسن بن محمد الخلال

وكان لها حضور متميز في علم الرياضيات، وتركت مجموعة من المسائل الرياضية والحلول المبتكرة لها، والتي لا تخلو من أصالة علمية.

"من النساء المسلمات اللواتي كانت لهن إسهامات في علم الرياضيات"

إنها إمرأة عربية عراقية بغدادية، بنت قاضي وأم قاضي وحفيدها قاضي، عبّرت عن دور المرأة الحرّة المتنورة، القادرة على صناعة الحياة الإنسانية الأفضل.

وتقدم لنا صورة واضحة عن بغداد، وما وصلت إليه من إزدهار علمي، فبرزت في ربوعها وتفاعلت معها بسلوك حضاري سبّاق للعديد من الأمم.

فهي إمرأة عالمة فقيهة من نساء بغداد في القرن الرابع الهجري، فأين كانت أوربا وغيرها من أمم الأرض آنذاك؟!

فلو بحثتم في تأريخ الأمم والشعوب فلن تجدوا كمثلها في ذلك الزمان!!

إن الإنتباه إلى الرقي الحضاري البغدادي ودور المدينة في التنوير العلمي الإنساني،  يمدنا بطاقات إبداعية أصيلة تبني الثقة في نفوس الأجيال، فتتباهى بتراثها العلمي، ونكون كالأجداد رواد إبداع وإبتكار أصيل.

فتحية للفقيهة العالمة بنت المحاملي السيدة الفاضلة، التي أسهمت في تقدم علوم الرياضيات، وكانت ذات موهبة ساطعة.

 

د. صادق السامرائي

 

لطفي شفيق سعيدهذه اللوحة لا تصور شخصا معينا أو مكانا أو أي شيء آخر في عالمنا الطبيعي بل اعتمد في بنائها على اللون وسرعة حركة الفرشاة وما لتلك الألوان من تأثير على المشاهد ومدى تأثره فيها وما تحدثه من تباين على العواطف بدرجة تختلف من واحد لآخر وتفسيره لمعنى كل عمل فني بطريقته الخاصة ومثال على ذلك فإن اللون الأحمر يكون مفعما بالحيوية والثقة والأخضر يبعث على الهدوء لارتباطه بالطبيعة وتأثير الأزرق يكون عميقا كعمق السماء والبحر والأصفر يبعث للدفيء ومثيرا أحيانا واللون الأبيض صامتا ومفتوحا على إمكانيات عديدة.

يبدو هذا العمل للوهلة الأولى لدى البعض بأنه لا يحتاج إلى مهارات فنية ولكنه في الحقيقة ليس سهلا إذ يحتاج إلى إلمام في استخدام الرسم ودراية واسعة بأساليبه وحساسية الفنان العالية في اختيار التشكيل إضافة لاستخدام الألوان وكيفية مزجها للحصول على اللون المطلوب وبالتالي على الفنان أن يكون شاعرا إضافة لكونه رساما.

إن هذا الفن واقصد منه التجريدي لم يكن مبنيا على الأدراك البصري ولكنه موجود في حياتنا جميعا ويشير إلى أشياء غير مرئية كالعاطفة والصوت والهواء ويجري تحريكها بالاتجاه المطلوب عند مشاهدة اللوحة.

2661 لوحة لطفي

إن هذه اللوحة قد خضعت لعدة تعديلات ومحاولات وخلالها جرى استخدام مجموعة من التقنيات شملت التنقيط والركام والتلطيخ ولتحقيق ذلك تم استخدام الألوان الفاتحة مقابل الداكنة والخشنة مقابل السلسة والأشكال الكبيرة مقابل الصغيرة والأبيض مقابل الألوان الحارة مع التركيز على مبدأ التباين من أجل الحصول على الاتزان وتوازان مساحتها لذلك فقد اخترت شكل المستطيل  وبقياس 75سم×60 سم وهو ما يحقق ذلك التوازن ويقترب من مبدأ النسبة الذهبية التي اعتمدها اكثر الفنانين وخاصة القدماء منهم أمثال ليوناردو دافنشي في لوحتيه العشاء الأخير والموناليزا وبيكاسو في لوحته نساء أفنيون والنسبة الذهبية هي حاصل قسمة الأشكال بعضها على بعض وهي مكافئة للرقم 1,618 وقد ظر إن قسمة  مساحة المستطيل السطحية على مساحة  المربع السطحية  ينتج عنها عديد من مستطيلات ومربعات بمتوالية عددية لانهائية وكيفية وضع تلك العناصر داخل قطعة فنية بأكثر الطرق جمالية ويمكن العثور عليها في العديد من الأعمال الفنية  ولأجل إيجاد ادق حالة من التوازن تربط تلك المستطيلات والمربعات بلولب حركي الشكل اطلق عليه اللولب الذهبي كما هو موضح باللوحة وقد شملت تلك النسبة الذهبية جميع الأعمال الفنية والهندسية والعمرانية قديما وحديثا وحتى الأجسام البشرية أيضا ومدى علاقة أجزاء الجسم بعضها بالبعض ولهذا اطلق على هذه النسبة التي تخص الكائنات  الحية النسبة الإلهية.

في هذه اللوحة قمت بمحاولة للجمع ما بين الفن التجريدي وما تعنيه النسبة الذهبية واللولب الذهبي في تشكيل فني واحد أتمنى أن تروق لمن سيشاهدها من الاخوة القراء وابداء آراءهم المفيدة حول هذه التجربة المتعلقة بالفن التشكيلي وابعاده المختلفة.

 

لطفي شفيق سعيد

رالي في الخامس والعشرين من تموز 2021

 

صادق السامرائيبديع الزمان أبو العز إسماعيل بن الرزاز الجزري (1136 - 1206) ميلادية، أعظم المهندسين والمخترعين في التأريخ، ويمكن القول أنه (تيسلا) الأمة!!

ولد في جزيرة (إبن عمر) في شمال سوريا، وعمل رئيس مهندسين (ديار بكر)، وإعتنى به حكامها من بني أرتق، فخدم ملوكهم لربع قرن أو يزيد.

وتأثر ببني موسى، وهبة الله بن الحسين، وهم مهندسون عرب ومخترعون.

وتركيا سمت السيارة الطائرة التي إخترعتها مؤخرا  (جزري).

درس الرياضيات والفيزياء، وكان يعتمد على التجارب والخبرة التكنولوجية والحقائق العلمية المجربة، وإنجازاته آلات وإختراعات ميكانيكية غير مسبوقة.

بعض مخترعاته:

مضخة ذات إسطوانتين متقابلتين، نواعير رفع الماء، مضخة الزنجير والدلاء، آلات ذاتية الحركة، ساعات مائية، آلات هيدروليكية، عمود الكامات، العمود المرفقي، عجلة التدوير، وغيرها.

  وقد برع بصناعة الساعات  ومن ساعاته (ساعة القرد، الرامي البارع، الطبال، الكاتب، القلعة،  وساعة الفيل من أشهر مخترعاته وأبهرها وأعجبها).

آلة التروس القطاعية (إنتقلت إلى أوربا)، ذراع الكرنك، إستفاد من الطاقة الكامنة في المياه بطريقة علمية

مؤلفاته:

"الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل"، وهو كتاب في الهندسة الميكانيكية، وقد صنفه بتكليف من الملك ناصر الدين محمود بن محمد بن قرا (1181)، وإستغرق في كتابته (25) عاما.، وتوجد نسخ منه في متاحف الدنيا.

"لقد صنعت أشكالا عديمة المثال، واخرجتها من القوة إلى الفعل، فلا تضيع ما تعبت فيه، وشيدت مبانيه، وأحب أن تصنف كتابا ينتظم وصف ما تفردت بتمثبله وإنفردت بوصف تصويره وتشكيله"

وذلك لتخليد الآلات التي صنعها وحتى تعرفها الأجيال اللاحقة فتستفيد منها.

وإشتمل الكتاب على (50) آلة مرفوقة بصور مع شرح وافي لكيفية عملها.

وساعة الفيل المذهلة ذات معاني فلسفية حضارية عميقة، ويمكن البحث عنها والتعرف عليها في شبكات الإنترنيت.

ويُعد الجزري رائد علم الروبوت، فقد صنع آلات ذاتية الحركة أو أوتوماتيكية، ومن مخترعاته (نادلة) (روبوت) آلية تقدم الشاي والماء ومختلف المشروبات، حيث كانت الآلة تخزن المشروب في خزان معين ثم يقطر منه المشروب في وعاء يحتفظ بالمشروب لمدة سبع دقائق، بعدها يتم صب المشروب في الكأس لتظهر النادلة بعدها من باب آلي لتقوم بتقديم المشروب!!

وعلى ذات الفكرة صنع جهاز الطواوويس المتحركة  والعديد من الساعات الآلية أي الأوتوماتيكية.

كما أنه مخترع روبوت موسيقي، (آلة موسيقية ذاتية التشغيل)، عبارة عن قارب يحوي أربعة عازفين آليين يطوف بهم القارب في بحيرة خلال العزف للتسلية والترفية لضيوف المحافل الملكية.

والتأريخ يذكر أن الخليفة هارون الرشيد قد أهدى ملك فرنسا شارلمان ساعة عجيبة، وحقيقة تلك الساعة أن نماذجها يمكن مشاهدتها في عدد من أبراج الكنائس في أوربا حيث تنفتح أبواب الساعة ويخرج منها فرسان وغيرهم في حركة إنسيابية جميلة ثم يعودون فتغلق الأبواب لتبدأ من جديد بعد ساعة، وهذا مخترَع روبوتي عربي سبق به العلماء العرب الدنيا بقرون، ولا توجد نماذج منه في بلاد العُرب أوطاني!!

ومعظم مختراعات إبن الجزري ذاتية الحركة روبوتية المواصفات، وقد برع فيها فوضع الأسس الحقيقية لعلم الروبوت!!

مَن يطلع على مخترعات الجزري، يُصاب بالدهشة والذهول، ويتعجب من أمةٍ سبقت الدنيا بعدة قرون في رؤاها العلمية وأفكارها النوعية، وترامت في قيعان الرقود المعيب، الذي ينسف جوهرها ويرعب حقيقتها، ويهين دورها وقيمتها الحضارية والإنسانية، فهي الأمة التي فتحت آفاق المجد العقلي، وعلى منطلقاتها وبداياتها الإبداعية تأسست إمبراطوريات المدنية المعاصرة، التي تريد أن تجحد دورها ومآثرها وأنوارها، التي بددت ظلمات العصور بفتراتها الحالكة العاصفة بأرجاء الدنيا آنذاك.

الجزري يمثل البطولة الحقيقية للأمة، التي نغفلها ونوهم الأجيال بأن البطولة حرب وسفك الدماء.

فكيف لأمة فيها الجزري وأمثاله، تصاب بالعجز والخمول، وتقف على التل كالحسيرالكسير؟

فهل من بصير للخروج من سوء المصير؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

عمار عبدالكريم البغداديشهريار: وعدتك في المرة السابقة أن اضرب لك مثلا حيا لعلاج أحد الساديين المترنح تحت عباءة المازوخية، فإن لي مع البيروقراطيين صولات وجولات، وهذا هو حال المراجعين للدوائر الحكومية في المنطقة العربية عامة، إلا ما رحم ربي، فقد قضيت عاما تقريبا في إنجاز معاملة القسام الشرعي بعد وفاة أبي رحمه الله، وكان شرا لابد منه كخطوة أولى لاستحصال الراتب التقاعدي لإمي، في آخر المطاف رمى بي القدر أمام بيروقراطي عتيد في هيئة التقاعد العامة ببغداد، ولأنني مضطر الى اصطحابها معي في كل يوم، وبسبب خطواتها المثقلة بهموم العقود الطويلة كنت أصل متاخرا الى الدائرة، وأقف في آخر الطابور الممتد لأكثر من 30 مترا، أجْلِسُها على مقعد قريب قبل أن ابدأ بعدّ الساعات علّني أصل الى الشباك المنشود لأكحل عينَي بطلعته البيروقراطية، كنت أسترق النظر إليه عن بعد، وقد علا التجهم وجهه، ومن خلفه باب يدخل منه مراجعون قد من الله عليهم بتهميش من (السادي الكبير)، فيترك المراجع الذي يحدثه عبر (شباك المظالم) ويتهلل وجهه بتمشية معاملة القادم من الخلف، الذي أعاده الى خانة المازوخي المطيع، وبعد ربع ساعة أو أكثر يلتفت الى المراجع مرة أخرى ليتجهم وجهه من جديد ويقول للمتشبث بالشباك، المعترض على عدم إحترام الطابور: المعاملة مرسلة من المدير لا أستطيع تاخيرها .

 في اليوم الأول كان بيني وبين (شباك الأحلام) 3 مراجعين قبل أن ينظر إلينا بابتسامة لئيمة ملؤها السعادة وهو يقول: تعالوا غدا إنتهى وقت الدوام.

في اليوم الثاني تكرر المشهد وكان بيني وبينه 5 أشخاص، ولم يبقَ على الوقت الفعلي للدوام إلا 15 دقيقة، أطلت النظر إليه من فوق الرؤوس المطرقة من تعب الإنتظار، وهو ينظر الى ساعته بانتظار اللحظة المناسبة للإبتهاج بانتصار جديد على ضحايا الطابور اليومي، في حينها إرتسمت أمام عيني القبعة العسكرية لهاينرش هلمر قائد القوات الخاصة في جيش هتلر والأب الروحي لمحرقة الهولوكوست حينما كتب رسالة لأحد القادة النازيين وهو دالبرت غراف كوتولينسكي جاء فيها:

(الحبيب كوتولينسكي لقد كنتَ مريضا وقد عانيتَ كثيرا من مرض القلب، من أجل صحتك أحظر عليك ولمدة سنتين ممارسة التدخين، بعد سنتين يتوجب عليك تقديم تقرير طبي، وبناءً عليه أتخذ قراري في رفع حظر التدخين، او أقوم بتمديده .. يعيش هتلر).

إحمرّ وجهي آلما، وتسارعت نبضات قلبي وأنا اتذكر ذلك الإذلال العظيم لقائد عسكري كبير في معركة طاحنة، في تلك اللحظة وقعت عينا (هلمر الصغير) عليَّ، ولم ير مني الا وجها متجهما فاقت ملامحه ساديته المجيدة، إنتبهت الى الشباك وهو يُغلقُ في وجهي لكنني دفعته في اللحظة الإخيرة، ابتسمتُ بإعجوبة وقلت: مازال هنالك 10 دقائق.

بازدراء وابتسامة متعجرف أجابني: معاملتك تتحتاج الى أكثر من نصف ساعة إرجع غدا، ثم أغلق الشباك بقوة .

في صباح اليوم الثالث وصلت مبكرا بعض الشيء، وأنا أحمل في جوفي إبتسامة أقسمتُ ألا تتوقف حتى أصل الى البيروقراطي المتحامل عليّ منذ الأمس، تلك الإبتسامة كانت حصيلة ساعات من السهر والتفكير، قلت لنفسي وأنا أتقلب في فراشي: لو كان كوتولينسكي حاذقا لتحامل على جراحاته، وتجرأ على محاكاة عقلية هلمر في زيارة خاطفة، كان بإمكانه أن يصل إليه بزعم مراجعة خطط عسكرية او أية ذريعة أخرى، وأن يبدي قوة مصطنعة تدرب عليها النازيون كثيرا، وهو يؤدي التحية العسكرية، ويرسم ابتسامة ثقة على وجهه ويقول: سيدي لقد تركتُ التدخين قبل أن تصلني رسالتكم العزيزة، وكنت أود لو أنني مازلت أدخن السجائر حتى أمتثل لأوامركم.

ربما كان هلمر سيشعر بخيبة أمل لضياع معنى التحكم والسيطرة، ويسمح له بالتدخين ولو لإسبوع واحد قبل أن يعلن كوتولينسكي الإقلاع عنه مجددا خضوعا وإذعانا لهلمر .

ذلك الأسبوع هو الأعز في حياة كوتولينسكي لأنه كسب المزيد من الوقت للتدخين وهو الأسعد لهلمر ليعيش التحكم والسيطرة من جديد .

كنت أميل برأسي يمينا ويسارا وسط الطابور بين الحين والأخر ليراني (هلمر الصغير) وأنا مبتسم الوجه ولسان حالي يقول: أحيي فيك إخلاصك في تطبيق القانون، وفي مداخلة سريعة قلت لأحد المراجعين المعترضين على البيروقراطي بعد أن طلب منه مستمسكا (قانونيا) لم يكنْ بحوزته: يارجل أطيعوا القانون .. الموظف يقوم بواجبه وحسب .

رمقني (هلمر) بنظرة ماأذكر أنني رايت مثلها قط، وابتسم برضاً وهو يقول: بارك الله فيك .

ماهي إلا سويعة وكانت هوية التقاعد في يدي، ومازالت الإبتسامة على وجهي حتى غادرت مع أمي منتصرَينِ الى البيت .

شهرزاد: عذرا لكن هل كان ذلك موقف خضوع منك أم خدعة لتمشية الأمور؟

- حينما ابتسم كوتولينسكي في وجه هلمر كان يدرك في قرارة نفسه أنه يكسب وقتا قبل أن يخضع من جديد، وحينما ابتسمتُ أنا شعر هلمر الصغير بالأمن الداخلي وهو أكثر ما يفتقد اليه البيروقراطي السادي، فهو (يطبق القانون) وحسب، وبين الحالتين فرق عظيم لا يغيب عنك ياشهرزاد، فالابتسامة التي رافقتني في اليوم الثالث كانت نابعة من قلبي، لقد إستحضرت، في الليلة الماضية، صفة في البيروقراطي لاغبار عليها إنه يحب تطبيق القانون، ولأنني أدرك أن (هلمر العصر) يتقلب بين السادية والمازوخية ليشعر بالأمان، ولو استحصل على ابتسامة مَحبة واحترام طلما افتقدَ إليها تهاوت لديه الصفتان في لحظة طمأنينة نادرة، ذلك الإحساس الرقيق بددَ رغبته العارمة بممارسة السادية الباردة، وأغلق شباكه وهو يشعر بالرضا لأدائه الواجب، وإنجاز معاملة آخر مراجع في ذلك اليوم، تلك النظرة الممتلئة بالإحترام والمحبة الصادقة أوصلت إليه رسالة مفادها: " نعم أنت تؤدي الواجب فلا تقلق"، أظن أنه عاش يوما نادرا حتى صباح اليوم التالي حينما جاءه إشعار من السادي الكبير أعاده الى المازوخية من جديد.

 

بقلم: عمار عبد الكريم البغدادي

..................................

من وحي شهريار وشهرزاد (19)

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

 

محسن الاكرمينباقة ورد: في نفس الحافلة وطيلة سنين ممتدة من العمر، كان ذاك الرجل الهرم يواظب على حمل باقة أزهار متفتحة تغري الناظر بملاطفتها بالشم والتفحص الجمالي ولو من بعيد. كانت تلك الباقة المرتبة بالشكل الاحترافي تحمل تنوعا من ألوان ورد زاهية تفوح عطرا ممتدا مع مشية الرجل الحثيثة والمتأنية على طول. باقة تتحرك بخفة الأزهار وبقلة سرعة حاملها ، حتى أن سائق الحافة منذ عشرين سنة وهو يألف التوقف بمهل أمام تلك المحطة القصية كل صبح أحد ليحمل راكبا لا يزيد عن كلامه المختصر إلا أهلا، وعند النزول والترجل يستدير بمهل وبتحية يواكبها قول: استودعكم برحمة الرب.

لم يخلف هذا الرجل موعد الحافلة لما يزيد عن خمس قرن، لم يتأت له نسيان تلك الباقة المزهرية المصففة برونق الذوق الباريسي كل يوم أحد حتى ولو كان الجو ممطرا وباردا، لم يقدر السائق أن يستفزه بالحديث يوما لمن يقدم تلك الأزهار الأنيقة دون إخلافه للموعد الدقيق بالساعة والزمن المضبوط. كل التكهنات كان تلف تخمينات السائق والراكبين الدائمين في ذاك الخط الآتي من منطقة لا تبعد عن دوشة المدينة مسافة، كل من جلس بجانب الرجل الذي دخل عقده السابع كان يستمتع ولو لمحطات قصيرة من السير بريحان الزهر وتنوع الألوان ولو بسرقة الرؤية الخاطفة .

المحطة:

في تلك المحطة غير النائية بالبعد عن دوشة المدينة صعد الرجل ببطء حركة سنه، صعد إلى الحافلة والابتسامة الخفيفة لا تخفيها نظارته السميكة. كان ذاك المكان الفارغ للجلوس من حسن الصدفة الباسمة بجوار شابة متفتحة في سنها العمري مثل الزهر الذي تحمله ذراعه اليمنى. جلست الباقة البهية بجوار الجمال الأشقر، جلس الرجل وقد بات عظمه يحمل عودة الحياة من رميم العظام بقدرة ربانية، جلس بعد أن ابتسم في وجه شابة زينة الحياة، فكانت التحية مماثلة بين العيون المخفية من وراء النظارة السميكة، والنظارة الشمسية الشبابية.

من حسن التناظر الناظم والسريع بين القلوب والإحساسات ولو بحد المفارقة العمرية بالتباعد، أن تلك النظارات المعبرة عن السدود التفاوتية في سن العمر لم تعد تخفي تلك العيون الزرقويتن، لم تعد حائلا سميكا بين فوارق الأجيال، كانت الشابة الوسيمة تلامس الزهر برفق، ومرات عديدة آثرت على أن تتذوق شم ريحان كل زهرة على حدا، لم يكن يمانعها من ملامسة تلك الزهرات المصففة بانتظام، بل كان هو منشغلا في تأمل عشق الحياة، كان يتفحص من داخله زينة الحياة الشقراء، والحلم الباسم بانطلاقة مستقبل متجدد ومفرح.

شقراء الحافلة:

لم تطل المحطات بالركض وسرعة الحافلة المحدودة، وإلا وقد توقف السائق بنفس المحطة التي ألف الرجل أن تكون آخر محطة له بالنزول وبانتظار العودة مساء. لأول مرة لم يسرع الرجل الخطى نحو الترجل من الحافلة، بل وضع تلك النظارة السميكة بعينيه و ألقى ابتسامة نحو الشابة الشقراء ثم انحنى برفق السن، وقبل أن يغادر الحافلة قدم لها باقة الورد مع ابتسامة تفيض حبا، وهو يقول: تفضلي شابتي الأنيقة، هذه الأزهار ربما أعجبتك لقد اشتريتها من أجل زوجتي، لكني لحظتها واثق من أنها تريد منك أن تأخذيها. كل من في الحافلة بقي مشدودا لفعل الرجل العجوز وهو يتابع المشاهد المتحركة برفق، وكيف تخلى عن أزهاره التي ألف أن يحملها لزوجته منذ عشرين سنة!!! ومن شدة الملامح المتغيرة عند كل من امتطى الحافلة، كان لمحات السائق أكثر حدة وتعجبا، ولم يستطع أن يوفي الرجل تحية الوداع المألوفة، وبقي مشدودا لفعل رجل السن المتقدم.

مجاملة:

استقبلت الشابة الحسناء التي يماثل جمالها زينة باقة الورد البهية بفرحة تنط من ملامح خدودها المحمرة بالخجل، وهي لا تعير ملمح عيون الركاب الحائرة و المستطيلة اهتماما. لم تنته المواقف داخل ركح حافلة وثقل سرعة الحياة، بل آثر السائق أن يتمهل عن الدوس على مضخة البنزين للتحرك، كل من كان في الجهة اليسرى نهض من مكانه ليتمم آخر فصل من مسرحية حياة الحافلة، كان ينتظر من زوجة الرجل السبعيني أن تعاتبه بحد لطمه على خده الأيمن ثم الأيسر عن عدم إحضار الباقة المعتادة بتراتبية عشرين سنة خلت.

الكل بدا مشدودا وقد نهض من مقاعده ينتظر النهاية السيئة للرجل الذي يمكن أن المراهقة المتأخرة قد نالت منه شدا إلى العيون الزرق والشعر المتموج الأشقر. في قلة سرعة تحرك الرجل يزيد الشوق إلى معرفة النهايات، من فرح الشابة بباقة زينة الحياة لمت بيدها كمشة من ألوان أوراق الزهر وألقت بها في سماء الحافلة بهجة.

علامة تشوير:

حين تمكن الرجل من اجتياز الطريق كانت علامة التشوير قد كتب عليها باتجاه المقبرة، حينها شد الألم كل من في الحافلة حين تيقنوا أن زوجة الرجل تسكن المقبرة، وبدت بعيون الشابة دموعا نازلة برفق على خدها الأيمن، هنا علم الجميع أن الرجل بقي طيلة حياته وفيا لروح زوجته التي ترقد تلك المقبرة، بقي وفيا حتى في نوعية الزهر والورود الذي كان يقطفها من حديقة زوجته الباقية حياة وإزهارا بفسحة المنزل الأمامية، بقي على الوعد خدوما وعلى حبه لرفيقة عمره صادقا. حينها علم الجميع عند تحرك الحافلة أن الرجل احتفل بالحياة لا بالموت، علم الجميع أن الحياة زينة ومن بهائها الأمل والحلم في الأفق الآتي، علم الجميع حكمة الاحتفاء بالحياة و أن لا ننسى من نحب في قلوبنا.

(فكرة مقتبسة)

 

محسن الأكرمين

 

يحيى علوانكُنّا " ثالوثاً " منذ ما يزيدُ على نصف قرنٍ . ومُذ رحلَ " ثالث الأثافي "- صادق البلادي- مُستعجلاً، قبل أربع سنوات، غدونا " ديو"! نحرص على إدامة ما تبقى لنا من عيشٍ، نسقي زهورَ الوصل والودّ...

صاحبي يُتابعني في كلِّ نصٍّ أنشره، وإنْ سكَتُ، يلاحقني .. وأنا مُمتنٌّ له في ذلك .

أقولُ له، أحياناً، أنني منشغلٌ بشحن " بطارية الكتابة " قراءةً، حتى لا تَترهّل مفردتي ..

فيردُّ عليَّ بـشيءٍ من" التقريعٍ الشفيف " بأنَّ لغتي ما تزالُ " مُترفِّعَةٌ "! غيرَ سَلِسَةٍ، تستعصي

على " غالبية القرّاء "!!

لستُ هنا في مَعرضِ الجدل حولَ مصدر أو مصادرِ ما توصَّلَ إليه من رأيٍ !

لكنني أقولُ له أنها مُقايسةٌ قد تكون مُتعجّلة بعض الشيء، كي لا أقول شيئاً آخر! لأنني أعرفُ كلَّ الحُجَجِ التي دَرَجَ صاحبي يرشقني بها ! فقد تَرَيبّنا سويةً في " المدرسة " عينها .. وعلى" مَسطرة " مَن قبيل" مَنْ المسؤول عن الأوضاع، ومَن المُستفيد..إلخ ؟"

قد يكون " درسُ المسطرة "، الذي تعلّمناه سابقاً، ينطبق على المادة السياسية، والبرنامج السياسي والمادة " التعبوية "!، لكن الأمرَ يختلف في النشاط الثقافي - الإبداعي، لأنَّ للإبداع شروطه !!

وهذا الرأي ليسَ جديداً، أو من " عِنديّاتي "! بل واجهته البشرية منذ القِدَم، حتى قبلَ سقراط وإفلاطون وسينيكا، مروراً بالفارابي وإبن سينا وإبن عطاء وإبن النجّار وإبن رُشد وأبي تمّام وأبي نؤاس والمتنبي والمعرّي وملتون ... وحتى أوسكار وايلد واندريه بريتون :"الكتابة الإبداعية طريقٌ فَذٌّ لتحرير الإنسانِ من عبادة الله وعبادة المال .. فالأولى عبادةُ وهمٍ، والثانية وَحشٌ ..." ناهيكم عما أورده رولان بارت في " لذة النص " ... إلخ من العديد من النصوص والمقولات، التي غدت معروفةً، ولا حاجة لإيرادها، فلسنا في معرض السجال !!

 فللمفردة رنينٌ هاديءٌ يَهتِكُ خَرَسَ الخَؤون، وردحَ المرتدينَ الضِعاف، الذين هَتَكوا تأريخهم، كي يَنعموا بـ"دفء حُضن السلطانِ"!، أَيّاً كان !!

 أقولُ أَنَّ الكنايةَ والجِناسَ، وحتى الطِباقَ، تُغريني،

 لأنها تَترفّعُ على أُحادية المعنى ومباشرته ..!

ففي هذا الزمن " الحداثي وما بعده !" وإنْ كانت مجتمعاتنا العربية، لمّا تزل في طورِ ما قبل الحداثةِ، بإستثناء المؤسسة الأمنية والرقابية !! تحتاجُ الناسُ كما أظنُّ – وإنْ قيلَ أنَّ بعض الظن إثمٌ !! -

تحتاج نصٍّاً مشحوناً يُقطِّرُ الدلالةَ والمعنى، دون أنْ يستدعي مزيداً من وقتٍ يتسرَّبُ بين الأصابع في زحمة العيش" الحديث "!

وأضيفُ أنَّ مادتي هي الحياةُ كلّها ! فهي " مُلقاةٌ " في الشارع !! ما عليكَ إلاّ تناولها .. فطالما بقيتْ أرصفةُ المدن والبلدات تَعجُّ بالمُفقَرين والمهَمَّشين، وطالما بقيت زنزانةٌ لسجين رأيٍ، وطالما تَشَوّقَتْ زهرةٌ لَفَراشةٍ، وتَشَبّثت نبتةٌ بصخرةٍ شَبَقاً، ولم تَرتهب الشمسُ أنْ تُدحرجَ كُرتها خلف المدى .. هناكَ أجدُ ما يكفيني مادةً للكتابة، تَتَناغمُ مع إيقاعِ " أَنا "يَ بكَدَحٍ ذهنيٍّ، يبتعدُ عن المحكيِّ . فقد ذَهبَ إليه غير شخصٍ ممن وجدَ فيه ضالَّته، وأَبدعَ البعضُ فيه !!

وأُزيدُ فوقَ ذلك .. نقرأُ ونسمعُ في أحيانٍ، غير قليلةٍ، مَنْ يتحدَّثُ عن لغةٍ " بريئةٍ "! وتعاملٍ "بريءٍ " مع المفردة ! أقولُ أنا أتعامل معها بشكلٍ غائيٍّ (مُغرض) .. أستحلبُ معانيها، أُلقِّحُها بمضاداتها ونقائضها أحياناً، أصطادها من جُموعِ ما يهرَبُ جزعاً من سَقطِ المقيلِ والتَحبير، أجلوها من صَدَأ الصمت ومُكْرِ التورية ..! أرنو إلى ما سينتج عن ذلك من مجازٍ و" تناصٍّ" أو ما لمْ أخطِّطْ له أساساً .. فالمجازُ هنا ساحةُ الحياة والتأريخ كلِّه .. من فلسفةٍ وسياسة وتأريخ وأسطورة وخرافة وإبداع ... كلها " ملعبي "..!!

وأقولُ، زيادةً، أنَّ العالم الذي نحيا فيه مُعقّدٌ بما فيه الكفاية، يستلزمُ فهمه أَنْ يرتقي المُتلقّي فيه، لُغةً ومفاهيمَ وأفكاراً تستفزُّ كلَّ طاقاتِ حواسّه وخياله ليفهم العالم الذي يحيا فيه أولاً، ومن ثمَّ التفكير بتغييره "تطويره " .. هذا إنْ أرادَ أنْ ينسلخَ عن عالم الحيوان، ليَلِجَ عالم الثقافة والإنسان !

عليه فإنْ لم نستخدمَ العقلَ، لا " النقل "، أياً كانَ نوعه فكرياً، سيبقى الفردُ حيواناً غريزياً، بليداً ... فالجاهل إنْ لم يرتقِ بأفكاره ومفاهيمه، كيف يمكن للمبدعِ أنْ يتحاور معه ...؟!!

فالسؤال، الذي يطرحه صاحبي، يُغيِّبُ مسؤولية الفرد/ المتلقّي، يُرحّلها إلى عاتق " ظروفٍ موضوعية / إقتصادية " .. كذا!

...............

...............

كُنّا ندخلُ أحياناً، في "سِجالٍ" غيرَ ذي جدوى ..! لا هوَ أَقنعني برأيه، ولا إستطعتُ إقناعه برأيي .. بقينا هكذا ..! ففي مكانٍ ما من الوعي أدركتُ عدمَ إمكانية " التصالحِ "! بين موقفينا، لأسبابٍ مختلفةٍ، أَحجبُ عن ذِكرها وفاءً لعمر العلاقة، كي لا تنخدِشَ الآصرةُ ما بيننا، ونحن في عمرٍ لا يسمح لنا بتَرَفٍ كهذا !!

إذن، علينا أنْ نتعايشَ مع هذه الحالة، كلٌّ له رأيه . لكن ظلَّ سؤاله مِطرَقةً تَدُقُّ في يافوخي !!

طبيعيٌّ جداً، من حقِّ صاحبي، وكل قاريءٍ أنْ يرى في " النص " ما يراه، طبقاً لثقافته وخبرته.

وأُ ضيف أنَّ للمتلقّي حريةً أوسع من حرية المبدع المحكوم بشروط الإبداع !! عليه لا أجدني مُلزَماً، ولا اُلزمُ نفسي بالردِّ على كلِّ إجتهادٍ في هذا الصدد، أو الدخول في مساجلاتٍ لا طائلَ منها، حينَ تغيبُ مُشتركاتُ المفاهيم والمعاني، فتَتَمَنَّعُ على " التسامحِ " مع "الآخر" بهدف التصالحِ من أجل " الأعم " !!

* * *

أَزعمُ أَننا نَنَبري لمعالجة عَطَبِ الأوضاعِ بالكلماتِ .. هي سلاحنا، لا نَملِكُ غيره ..! نُشاغِبُ بها عَلَّها تُحرِّكُ المياهَ الراكدَةَ، لنَكشِفَ دَرَكَ " البهيميةِ "! التي أوصلنا إليها سَدَنَةُ الإستبداد والغيبِ والخرافة الكذّابونَ، الذينَ إنْ قالوا " صباح الخير"! يتحتَّمُ علينا أنْ نتَطلَّع من الشُبّاك كي نتأكَّدَ مما يقولون، وإنْ تَلفّعوا بأستار الكعبة !!

لذلك تراني أرفَعُ عقيرةَ السؤال، لأنَّ السؤالَ حاجةٌ معرفية .. مُتحرّراً من التكتيك السياسي المُتغيِّرِ. أَشتَبِكُ مع متواليةِ التحقُّقِ من مرجعياتِ الفَرَضيّةِ والمعلومة، كما تصِلُ إلينا إثرَ تراكمٍ تأريخي، لم تَثبُتْ براءتَه من التزوير ! طالما أنَّ التفكيرَ النقدِي يقتضي أولاًّ التشكيكَ في المفاهيمَ، كي نُغادرَ حالةَ السُبات اليقينيِّ ...!!

فأسئلةُ المعنى، خُلخالُ الثقافة وذاكرة الوعي المُجرّب !

فإنْ كُنّا نحنُ سليلونَ نَجيبونَ لِمَنْ أَتقَنَ صُنعَ الشعارات ! أَلا تَجدرُ بنا مساءلةَ ما، ومَنْ أَوصلَنا إلى

 ما نحنُ فيه من تيهٍ، نتيجةَ الإفراط في الإفتتانِ بماضٍ " ظنَّاً " أنه شكلٌ من أشكال " إستراتيجياتِ " الدفاع عن النفس ..؟!! بإعتبار أنَّ " الأحلام الكبيرة " لا وظيفةَ لها سوى توفيرِ المناخِ الملائم لإنسيابِ الأحلام الصغيرة، للعاديِّ، للبشريِّ فينا، وما وُعِدنا به وأمَّلنا النفس فيه، دونَ إحتسابٍ معقولٍ لمُمكناتِ الواقع المُتقلِّب، المُتغيِّر في عالمٍ دائم التحوُّل ...؟!!

أَقولُ ذلك لأؤكِّدَ حقنا في الحلم .. نُعلي فيه بسالةَ الصوتِ الشجاع .. حتى المنفردَ منه ![ ولا نُقلِّلُ من شأن مَنْ تحصَّنَ بشرنقة الصمت " تقيَّةً "!! حتى لا يبيع نفسه وشَرَفَ الكلمة للشيطان ..!] ضدَّ مَنْ هَيَّجَ قَمْلَ الخرافة " الخُردة " مما لا تَنفَعُ معه المصطلحاتُ والتوصيفاتُ، مهما إستنفَرَنا طاقةَ المعاني ومحمولاتها !!

الشجاعةُ بُعدٌ رؤيويٌّ، لا يتجلّى في النزالات وحدها،

بل في أنْ تَجرؤَ على البدء بشيءٍ تعرف مُسبقاً أنكَ الخاسر فيه !

فالحلم أنْ ترى الضوءَ في زُحامِ العتمة .. حتى بعدَ وصول الغُزاةِ الجَهَلة إلى غَدنا المُرتجى، حين أحرقوا وخرّبوا كلَّ شيءٍ .. حتى خيوطَ ثوبِ السراب، الذي كُنّا نَنْسِجُه !! ولم يتركوا لنا غير ذكرياتٍ تجوبُ واحات الفراغ بليلٍ وثنيٍّ نتَسلَّقُ فيه سفوح الخوف " مِعراجاً "! فقد قَتَلوا فينا القدرة على الفَرَح .. سرقوا تلألؤَ البهجة وفيضَ النور ..

.....................

ليقُلْ مَنْ يقول، ومَنْ شاء ما شاء !

لم أُولد في مكانين، لكن في وُسعي أنْ أموتَ في أكثر من مكانٍ . تلك هي حريتي ! فلماذا يكونُ مكانُ ولادتي الجغرافي نقيضاً لهذه الحرية ؟! وبعيداً عن شاعرية بلادي التأريخية، أرضاً وميثولوجيا ... ممراً لهوياتٍ وحضاراتٍ ... بعيداً عن كل هذا وذاك، هي نزوعُ إسطورة القِفار إلى شَبَقِ الإستقرار .

فهل في بلادي ما يُفقِرُ الشاعريةَ الإنسانية، أم فيها ما يُغنيها بتذكيرِ الإنسان بسيرته في تأريخ الكون والكلمة، وفي إنفتاح المعنى على معنىً آخر، وفي قُدرته على إنقاذِ الواقع بالإسطورة، وفي عودة الإسطورة إلى عناصرها وأهلها ؟! فلا حاضرَ للغةٍ إلاّ بماضيها ... وإلاّ سَنأتي إلى اللغة يتامى، من الفراغ !!

.................

لا أستطيعُ الإنتماءَ إلى جَسَد حداثةٍ مُشَوّهٍ، يُغيّرُ إسمَه وملامحه، كيفما شِيءَ له، وفي حالاتٍ غير نادرة، يُهدّدُ بفائض من التشابه والتقليد المُخلْ .. بل حتى بإغترابِ المبدعِ والإبداعِ معاً !

صحيحٌ أنَّ التحولات الإجتماعية المتسارعة بخطىً حثيثة، وهيمنة وسائل الإعلام ومواقع "التراشق" الإجتماعي ! وإنتهاك اللغة بتحويلها إلى مادة إستهلاكية، قد أسهمت في تراجع الإصغاء للإبداع .

بيد أنَّ الصحيحَ كذلك، أَنَّ غير قليلٍ من المبدعين قد ساهم في هذه الظاهرة، منذ أصبحَ مفتوناً،

إمّا بعزلته المُقَعّرَة، أو بجماهيريته المُبسَّطة ! ففي الحالة الأولى صيَّرَ الغموضَ صورةً لـ" أنا " لا تحتوي غيرَها، فلا تَخرجُ من الذات إلى العالم . وفي الحالة الثانية جعَلَ الوضوحَ رسالةً نهائية تقتلُ المتعة، التي نبحث عنها في الإبداع ! وبذلك يُترَكُ المُتلقّي عاطلاً عن العمل !! هناكَ إذاً ما هو أسوأ من الغموضِ المُعتِم، ألا وهو الوضوحُ التعليمي، الذي يَحرمُ المتلقّي من المشاركة في عملية الإبداع، بإعطاء العمل الإبداعي حياةً ثانية .

هكذا سيظلُّ سؤال الحداثة والإبداع عموماً في مجتمعاتنا المطحونة بأسئلة وجودها الأساسية، سؤالاً مأزوماً، ما لم يوضَعَ في سياقِ إنعتاقها ! وعليه لا يكون هناك، في هذا المجال تحديداً، ما هو أسوأ من قَسرِ السياسة على العملية الإبداعية بمعناها المباشر، إلاّ الإفراط في تعالي الإبداع عن قضاياه السياسية، بمعناها العميق .. أي الإصغاء إلى حركة التأريخ والمجتمع والمشاركة في صياغةِ مقترحاتٍ لصورة المستقبل . من دون ذلك يُغَيّبُ المبدع نفسه عن فضائه الجيو – سياسي ويعزله عن الكينونة المشتركة وعن المجتمع !

 

 يحيى علوان

 

ضياء نافعتستمر في روسيا الاتحادية ظاهرة اعادة قراءة التاريخ الروسي من وجهة نظر جديدة وموضوعية وهادئة، وهي ظاهرة واضحة المعالم بدأت واقعيا في الربع الاخير من القرن العشرين، عندما نضج المواطن الروسي الاعتيادي (او الطبقة الوسطى الروسية كما قال لي مرّة أحد ألاصدقاء الروس وهو يبتسم!)، وعندما اصبحت الشعارات المعلّبة الجاهزة عتيقة ومنسية، وقد شاهدت ذلك (بامّ عيني!) عند زيارتي لموسكو في نهاية التسعينيات، واستمعت – وبكل اندهاش – الى نقاشات الاساتذة الروس في الجامعات التي زرناها حول  ضرورة الحفاظ على معالم المدن ونُصبها وتماثيلها ورموزها المتنوعة (وعدم تكرار أخطاء الماضي المُخجلة ! كما قال أحدهم) بغض النظر عن المواقف السياسية المتناقضة جدا التي كانت سائدة بينهم آنذاك، مؤكدين، ان الذين حكموا روسيا قاطبة (من قياصرة وبلاشفة !) حاولوا، كل حسب مفهومه وافكاره واجتهاداته، ان يبني روسيا ويساهم بتطويرها، وبالتالي، فان الحفاظ على كل ما قام به هؤلاء الحكام هو دليل نضوج المواطن الروسي وعلامة صحيّة لا تقبل الشك لوطنيته واخلاصه لمفهوم المواطنة . لكن هذه العملية معقّدة جدا لأنها ظاهرة فكرية قبل كل شئ، وفي كل زمان ومكان، (ونحن في العراق نعرف حق المعرفة ماذا يعني ذلك!!!)، ولهذا فان هذه الظاهرة لا تسير بشكل سلس جدا وبسيط كما يبدو للبعض ظاهريا، اذ لا زالت هناك في روسيا عناصر معارِضة لتلك العملية تبرز هنا وهناك في دولة هائلة المساحة جغرافيا مثل روسيا ومتعددة التنوع في مكوناتها القومية رغم الاكثرية الروسية الساحقة، وتتكلم هذه العناصر عادة عن الادارة السيئة والفاسدة واعمالها المختلفة الرهيبة سواء في النظام القيصري او في النظام السوفيتي، الا ان هذه الاصوات – مع ذلك - اصبحت تمثّل الاقلية الضئيلة ليس الا، ولم تعد مؤثّرة ابدا على سير الاحداث اليومية في روسيا الاتحادية المعاصرة، ويمكن القول – وبكل ثقة – ان ظاهرة قراءة التاريخ في روسيا من جديد وبنظرة موضوعية هادئة قد انعكست بوضوح وسطوع عندما احتفلت روسيا عام 2017 في الذكرى المئوية الاولى لثورة اكتوبر 1917 الاشتراكية، والتي ادّت – كما هو معروف - الى تحويل دولة الامبراطورية الروسية الى دولة الاتحاد السوفيتي، ولا مجال هنا للحديث التفصيلي حول كل ذلك...

 الكساندر الثالث (الذي نود ان نكتب هنا قليلا عن تمثاله الجديد في روسيا حسب عنوان مقالتنا) هو القيصر ما قبل الاخير في تاريخ الامبراطورية الروسية، وقد جاء بعد القيصر الكساندر الثاني (والذي يسمونه القيصر المحرر لانه أصدر عام 1861 قانون الغاء حق القنانة (العبودية) للفلاحين الروس، وهي المسألة الكبرى في مسيرة روسيا وتاريخها)، والذي اغتالته حركة سياسية متطرّفة تسمى بالروسية (نارودنايا فوليا) اي (الارادة الشعبية) عام 1881، هذه الحركة التي كانت تعتقد (بشكل حازم وجازم وصارم ولا يقبل اي نقاش او اجتهاد!) ان اغتيال القيصر سيؤدي الى نهاية الخوف والتردد لدى الشعب، وبالتالي سيؤدي حتما الى انطلاق الجماهيرالمظلومة وتحقيق الثورة الشعبية العارمة، ولم يحدث ذلك بعد الاغتيال كما كانت تؤكّد وتجزم تلك الحركة السياسية في منشوراتها وأدبياتها، وانما جاء ابنه – ليس الا - وحلّ محله، وهو القيصر الكساندر الثالث، والذي حكم منذ عام 1881 والى حين وفاته عام 1894، واستطاع هذا القيصر ان يحافظ على السلام طوال الثلاث عشرة سنة، التي حكم فيها، ولذلك أطلقوا عليه تسمية – (حافظ السلام)، الا ان هذا القيصر قد حصل ايضا على تسمية اخرى بعدئذ، وهي - (القيصرالمنسي)، وقد جاءت هذه التسمية طبعا بعد مرور سنوات طويلة في تاريخ روسيا، اذ لم يعد يتذكره الناس وسط تلك الاحداث الجسام، التي مرّت منذ الحرب الروسية اليابانية 1904 وثورة عام 1905 والحرب العالمية الاولى عام 1914 وثورة شباط 1917 ثم ثورة اكتوبر الاشتراكية 1917، ثم المراحل المتنوعة لمسيرة الدولة السوفيتية في القرن العشرين من الصراع على السلطة ثم انتصار الستالينية ثم الحرب العالمية الثانية واحداثها الهائلة ثم مرحلة ذوبان الجليد ..و..و..و، وصولا الى عام 1991، عندما انهارت تلك الدولة...

التمثال الجديد للقيصر الكساندر الثالث جاء طبعا نتيجة القراءة الموضوعية الهادئة للتاريخ الروسي، والتي أشرنا اليها في مستهل هذه المقالة، وقد تم تدشين هذا التمثال في بداية شهر حزيران / يونيو من هذا العام (2021)، وافتتحه الرئيس الروسي بوتين نفسه في ضواحي بطرسبورغ، ووضع باقة من الزهور على منصته وهو جاثيا على ركبتيه امامه احتراما وتبجيلا (وهي حالة نادرة جدا جدا، وقلّما تحدث من قبل رؤساء الدول عندما يضعون باقات الزهور في مثل هذه المناسبات)، وعبّر بوتين عن اعجابه الشديد بالتمثال الهائل للقيصر (والذي كان جالسا وبشكل مهيب جداعلى كرسي العرش القيصري بزيّه العسكري)، وألقى الرئيس بوتين بعدئذ كلمة أشاد فيها بمكانة القيصر ألكساندر الثالث المتميّزة في التاريخ الروسي الحديث، وأشار الى حب هذا القيصر المتناهي لروسيا وعمله المخلص من اجل تطويرها والدفاع عن مصالحها وتعزيز مكانتها في اوروبا والعالم أجمع . 

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

جميل حسين الساعدي(يمكنك أن ترمي بمفتاحك في البحر، طالما أنّ القفلَ ليس في الباب، ولا الباب في البيت، ولا البيت هناك).

هذه الكلمات قالها الشاعر سركون بولص، بعد أن  غادر العراق في رحلة طويلة  شاقة  قاطعا ًمئات الكيلومترات مشياَ على الأقدام، قاصدا بيروت لينطلق من هناك إلى أثينا ولندن وبرلين وسان فرنسيسكو. هناك عند صخرة الروشة ــ صخرة الحب ـ كما يحلو للبنانيين أن يسمّوها ـ وقف الشاعر متأملا في الأمواج، ماذا كان يدور في رأسه في تللك اللحظات؟ هل كان يفكر بأن يرمي مفاتيح منزله في البحر؟ ولِمَ لا؟ فما معنى أن يحتفظ بمفاتيح منزل في وطنٍ تحوّل إلى سجنٍ كبير ! لقد طفح الكيل وبلغ السيل الزبى، ولم يعُدْ من وجود  لذلك المنزل،الذي يحنّ إليه ويواسي نفسه بأنّه ذات يوم سيعود إليه بعد أن اقتلعت العاصفة الهوجاء كلّ شئ وحلّ الخراب في الوطن من أقصاه إلى أقصاه. لا عليك أيّها البحر ! كلّ شئ في أوانه . اليوم ستخرج المفاتيح من مخبئها لتستقر في قاعك وغدا بعد أن تطأ الأقدام برّ الأمان سيقذف بالجواز  لتحمله أمواجك بعيدا عن أعين الرقباء  في المطارات والموانئ.. ما أثقلها على النفس هذه الأشياء الصغيرة؟ لا بدّ من التخلص منها !

كان على الشاعر أن يواصل سفره، وأنْ يغيّر المحطّات باستمرار ويجتاز الحدود تلو الحدود كان هنالك سؤال كثيرا ما كانت تطرحه عليه نفسه بإلحاح  كلما أحسّ بالتعب  والضيق وهو: إلى أين سيقودك الطريق؟، لم يكن بمقدور الشاعر أن يجيب على هذا السؤال، وهو ما زال في بداية الطريق، لكنه بعد سنين طويلة من حياة المنفى، تأكّدت له حقيقة عبّر عنها بوضوح  واختصرها في هذه الكلمات: (البدءُ نختاره، لكنّ النهاية تختارنا، وما من طريق سوى الطريق) .

الشاعر سركون بولص من الرموز الرائدة والمهمة في كتابة قصيدة النثر، التي لم تحل بينه وبين كتابة أشعار موزونة . فهو متمكن من بحور الشعر العربي وقوافية، لكنه وجد أنّ قصيدة النثر تفتح له آفاقا أرحب للتعبير عما يدور في ذهنه من أفكار وما يعتلج في نفسه من مشاعر وأحاسيس، خصوصا وأنه كان معاصرا لحركة حداثية في الشعر اتخذت من مجلة شعر منبرا لها، والتي كان من أبرز شعرائها أنسي الحاج .

في مجموعته الشعرية الصادرة بالإنكليزية في نيسان من العام 2007 بعنوان: knife Shapener، والتي تشتمل على مقالة ترجمها الى العربية خالد الجبيلي يفصح الشاعر عن مكان ولادته وأصله الآشوري بهذه الكلمات: (ولدت في بلدة صغيرة تدعى (الحبانية) في وسط صحراء لم يكن يعيش فيها إلا البدو والماعز لذلك كان للبحيرة الاصطناعية التي شيدت حولها البلدة تأثير كبير على حياة السكان الذين جلهم من الآشوريين الذين جلبهم البريطانيون إلى هذه المنطقة بعد أن ذبحت عائلاتهم وطردوا من ديارها) .

2655 سركون بولص 1

ثمّ يضيف في موضع آخر قائلا: (بعد فترة من الزمن غادرنا الحبانية وانتقلنا إلى كركوك المدينة التي تقع في شمال البلد والتي لم يكن يوجد فيها ماء تقريبا سوى نهر صغير يظلّ جافا طوال تسعة اشهر في السنة ثمّ تفيض ضفتاه فجأة)، ويضيف واصفا سكانها : (وكان جلُّ السكان الذين يعيشون في هذه المدينة من التركمان الذين كان يعيش العديد منهم في قلعة قديمة يلفها الغموض ـ كأنّك تواجه التأريخ هناك كلّ يوم. إنّ التأريخ الآشوري والأرمني والتركماني والكردي والعربي متداخل وقد صُبّ في قالب

واحد مثل برج بابل هائل. لذلك فإني عندما أكتب قصائدي باللغة العربية التي هي آشورية (آرامية وسريانية) بنسبة سبعين في المائة، اشعر بانني أردد كلّ هذه الأصوات، لأنني أعتقد بأنّ أيّ لغة تحتوي على جميع مسارب ذاكرة المجتمعات التي ساهمت فيها ولا يمكن أن يضيع أيّ شئ منها على الشاعر ـــ نفس المصدر السابق ترجمة خالد الجبيلي ــــ .

من المعروف عن الشاعر سركون بولص أنّه كان يتردد كثيرا على برلين وقد شاء القدر أن يتوفى فيها لا في المدينة التي حظّ فيها رحاله آخر المطاف وجعلها محل إقامته ـ سان فرنسيسكو ـ  المدينة التابعة لولاية كاليفورنيا الأمريكية والتي تمثل مركزها الثقافي والمالي والتجاري بعد أن طاف في مدن كثيرة يسامر الذكريات في ليالي المنافي الباردة.

2655 سركون بولص 2صورة نادرة للشاعر سركون بولص مع الشاعر البولوني الحاصل على جائزة نوبل جيسواف ميووش

في برلين جمعتني لقاءات عديدة بالشاعر الراحل سركون بولص أولها في العام 2002 على ما أتذكر في مقهى . كان في حوزتي آنذاك كتاب هو (مختارات شعرية مترجمة عن الإنجليزية) للأستاذ توفيق علي منصور من مصر، فتحت الكتاب فوقع بصري صدفة على قصيدة (رثاء الأبرياء) لوليم شكسبير، بدأت في القراءة فسرح سركون بأفكاره بعيدا وهو يتأمل في معاني القصيدة، وكأنّه كان هو المعنيّ بتلك القصيدة . لم أكن أعلم بعد أن مرّت سنوات على ذلك اللقاء، أنني سأرثي سركون بقصيدة على نفس الوزن والقافية، التي اعتمدها المترجم آنذاك في نقل قصيدة شكسبير إلى العربية.

اعتمد المترجم توفيق علي منصور بحر الرمل وقافية الهمزة في نقل النص الشعري، لكنه خلط بين تفعيلات بحر الرمل وتفعيلات بحور أخرى فجاءت أبيات كثيرة غير موزونة. وأدناه القصيدة كما وردت في الكتاب:

رثاء الأبرياء لوليم شكسبير

ترجمة توفيق علي منصور

لا تضقْ همّــاَ بلفحــــات ذكـــــــــاء

أو تخفْ بعدئذٍ عضّ الشتــــــــــــاء

فنهايــة عمــــرك اليــــــــــوم ثواب

إذْ هجرتَ الأرضَ من أجل السمــاءْ

سوفَ يدفنُ في الترابِ الأثريــــــاءْ

مــنْ شبـــــابٍ أو كهولٍ فقهــــــــاءْ

حيثُ يرقــدُ ذو الثيــــابِ الذهبيــــة

جنبَ صنـــــوٍ من شباب الفقـــــراء

***

لا تخــفْ من بعدُ سطوِ الأقويـــــاء

حينِ تنأى من عذاب الأشقيــــــــاء

لســــتَ محتاجاَ لثوبٍ أو طعـــــام

فهنــــاك يماثلُ القشّ اللحـــــــــــاء

صولان الملك رمــز العظمـــــــاء

والعلــــــــوم وكلّ ما يشفي البلاء

يحتويها الخلدُ حتمــــاً في النهــاية

حيــث تلقاهــــــا بدار الشهـــــداء

***

لنْ يخيف البرقُ إلّا الضعفـــــاء

لنْ يصمّ الرعـــدُ سمعَ الأذكيـاءْ

لنْ يضيــركَ أيُّ زجـرٍ وافتـراء

لنْ يفيـــــدكَ أيّ مدحٍ أو رثـــاء

كمْ حبيــبٍ مـن أناسٍ سعـــــداء

عشقــوا الدنيا كعشــق الأوفيـاء

ثمّـــَ عادوا للحيــاة السرمديّــــة

لبسوا تحت الثـــرى ثوب الفناءْ

***

لنْ يلاحقكَ المشعـــوذُ بالهـــراء!

أو يذيبُ السحرُ قلبكَ في الهباء!

أوْ تدورُ برأسكَ الأشباحُ حيرى !

فلتطبْ عيشاَ بدنيــا الرحمــــاء!

غاية حققتها فيهــــــا الهنــــــاء!

فليكنْ لحدكَ قصـــد الشرفـــاء !

فهوَ معـــــروفٌ لكلّ الأصدقاء

ينشدونَ له رثاء الأبريـــــــاء!

في الثاني والعشرين من تشرين الأول من العام 2007، وبعد صراعٍ طويلٍ مع المرض في أحد مستشفيات العاصمة الألمانية برلين، غادرنا الشاعر سركون بولص الى عالم الخلود . كان لرحيله أثرٌ بليغ في نفسي  فرثيته بقصيدة سميتها (وداعا أيتها البسمة)، ألقيتها في في الأمسية الأدبية ، التي أحياها ــ صالون حوارات برلين الأدبي ــ في مقر المعهد الثقافي العربي في برلين بمناسبة الذكرى الأولى لرحيل الشاعر وهذا هو نصّ القصيدة:

وداعا أيتها البسمة

سألتني ذات يــومٍ باستيــــــاء

أيّ شئ ٍ قـدجنـــــــاهُ الشـــــعراءْ

عشـــتمُ الآلام والفقــر ّ معـــــا ً

وسواكــــمْ عاش ّ في دنيــا الثراءْ

قلتُ مــَنْ تعنينهــمْ لــمْ يملكــوا

فعبيــــــد ُ المــالِ ليســـــوا أغنياءْ

أشكـــرُ اللهَ بأنَــــي شـــــــاعر ٌ

قدْ تقاسمــــتُ معَ الطيْـــرِ الغنــاءْ

وتعطّــرتُ بأزهــارِ الربـــــى

وتوهجتُ بنجمـــــاتِ المســـــــاءْ

كلّ ما حولـي َ حباني سحْـــرهُ

فجمـــالُ الأرضِ مُلكـــي والسماءْ

عمُــري شعري الذي أكتبـــــهُ

عِشــتُ أوْ متُّ همــا عنـدي سواءْ

شعـــــراءُالروحِ أحيــــاءٌ وإنْ

حُجبـــــــوا عنّا بأستارِ الخفــــــاءْ

نتغــذى نحنُ بالمـــوتِ الذي

لمْ يّزلْ يحسبنــــــا نخْنُ الغـــــذاءْ

***

أيّهــــا الشاعرُ ما أروعهـــا

بسْمـــــــة ً لم تنطفئْ رغْــمَ العناءْ

زمنٌ خلفــك َ قاسٍ مُتْعِـــب ٌ

وجــــــــراحٌ لمْ يلامسْــــها الشفاءْ

مدنٌ تسألُ عـــن أبنائــــــها

وقرىً تحلُمُ دومـــا ً دومــا ً باللقاءْ

والمحطّاتُ التي غصّت بنا

حمّلتْ أوجهنــــا ألف َ طــــــــلاءْ

ما عسى أكتبُ عنْ أحوالنا

أيّ وصـفٍ ســوف َ أُعطي للشقاءْ

عندمـــا تقذفـنـا أقدارنـــــا

كلّ حيـنٍ فـــي بــلادٍ وفضـــــــاءْ

تصبحُ الأوطانُ طيفا ً عابرا

ويصيـــرُ الأهلُ مثْـل َ الغربـــــاءْ

***

شــاعرٌ طافَ بعيـدا مثلمــا

يرحلُ الغيمُ بعيــــــدا ً في السمـاءْ

صامتــا ً تسكنُ فـي أعماقهِ

لغــــــــة ٌ أحرفُهـــا نورٌ ومــــــاءْ

شـــاعرٌ خبّأَ فــي معطفِـــهِ

صــــــورة ّ الأمّ وتبْغـــــا ً ودواءْ

زادهُ فــي سفرٍ لمْ يبْغِــــــه ِ

إنّمـــــا قرّرهُ حُكْــــــم ُ القضـاءْ

هلْ وفينا حقّهُ حيــن ّ مضى

آه ِ ما أنْدره ُ هــذا الوفـــــــــاءْ

لمْ يكنْ حين َ نعينـاه ُ ســوى

حامل النعْش ِ وبعض الأصدقاءْ

آهِ مــا أفظعّـــه ُ مِنْ زمــن ٍ

جِين َ لا تظفرُ حتّـــــى بالعزاءْ

***

جميل حسين الساعدي

 

شاكر فريد حسنجولييت انطونيوس شاعرة لبنانية مبدعة تتألق في عالم الشعر والثقافة، وتتوهج بالقصيدة، ورشاقة الحرف، وصدق الإحساس، وسعة الخيال، والمعاني العميقة. أثبتت حضورها البهي والمتميز في المشهد الثقافي اللبناني والعربي بجدارة وتميز من خلال قصائدها الرائعة المنشورة في الصحف والمجلات الورقية والمواقع الالكترونية المختلفة.

جولييت انطونيوس تستفز القارئ بنصوص وكلمات تحمل نفحات الأنثى، وما تعطر به قصيدتها من سمات الحب والغزل والجمال، وجمالية المفردة، والصور الشعرية الرقيقة، والخيال الرومانسي الواعي، والعاطفة الجياشة القوية، والايحاءات العميقة، والتغني بالياسمين واستيراد الزهور.

وما يميزها البوح الانثوي الدافئ الذي يختزل الواقع بين المرأة العاشقة، والأنثى العابرة شقوق الحنين بكلام رائع يحاك بيراع شاعرة موهوبة، ويتردد بإحساس أنثى عاشقة مدهشة.

تعرّف جولييت انطونيوس نفسها بأنها شاعرة وأم لبنانية الهوية، فينيقية الجذور، عريقة الانتماء، موطنها الإنسان أينما كان.

والشعر بالنسبة لها-كما تقول: "هو روح الكلمة التي كان بها البدء.. إنه نافذة الروح من خلاله نطل على الحياة ونسمو بها إلى فضاءات من النور والحق والحرية، وهو لطالما كان المؤثر الأبرز في تاريخ الشعوب وحضارتها وعنوان لرقيها أو انحطاطها ولسان حال الإنسان في كل زمان ومكان. في الشعر نستطيع أن نرتفع فوق الواقع ونخلق عالم أفضل تحكمه القيم ويسمو فيه الإنسان جسدًا وروحًا، إنه رسالة إنسانية جامعة بكل ما للكلمة من معنى، والتحليق في فضاء الشعر بعيد كل البعد عن منطق الإيحاء الجنسي الرخيص.

وفي رصيد جولييت انطونيوس ديوانين من الشعر هما:" خطيئتي"، و"أغمض عينيك لترى"، حظيا باهتمام نقدي واسع من قبل النقاد والدارسين في لبنان والوطن العربي.

قال عنها الشاعر الجريفاني: " إنها تكتب بسلاسة في المبنى والمعنى، تجد في شعرها صور الأرض والحبَ والجمال ممزوجة بروح التمرد على واقع يفرض على المرأة شروطًا أو اتجاهات قد لا تريدها.

قصائدها رقيقة حالمة فيها رقة متمازجة مع العاطفة الصادقة، تتسم بجرأة ورومانسية مرهفة، ولغة حية نابضة، محكمة التراكيب والمفردات، متناغمة ومتكاملة في موضوعاتها. وبالإضافة إلى ما تحمله نصوصها من بوح شفاف، نلحظ سيل الكلمات، وانسيابها كالموجة الواحدة، التي لا يتحقق وجودها إلا بموجات متتالية، وصورها مدهشة وعميقة ومؤثرة تتناسب مع المشهد والفكرة، وهي تمتلك قدرة فائقة في رسم المشاهد وتناول الفكرة بأسلوب عميق.

من شعرها، قولها في قصيدة "سيدة الأقدار":

كل ما تستطيعه هو لك

قمم الجبال المكسوة بالرغبة

شجر اللوز

والغبار الأصفر

الفراشات المضرجة بالموت

على سرير الضوء

الشارع الخلفي لأحلامك

خيالك المهمل على كرسي

منهمك بالملابس

أحمر الشفاه على

مرآة غرفة تائهة

في زوبعة الأرقام

وعطر الزيزفونة الهرمة

والظل الليلكي

لك.

جولييت انطونيوس مبدعة تراود سحر الكلمة الشاعرية، تتصف بقدرتها على التقاط اللحظات الجميلة في الحياة، ترتوي بماء المجاز والاستعارة والخيال الجموح، والانصياع لعوالم التخييل وتشييد شعرية بهية، وقد نجحت في جعل صوتها متفردًا بوضوح وعمق الرؤيا، هو صوت الأنوثة داخل القصيدة.

 ويمكن القول إن قصيدتها تتميز بالأناقة وانتقاء جميل لمفرداتها وتعابيرها، ما يجعل بنائها الهندسي متميز للغاية.

أجمل تحية للصديقة الشاعرة والإعلامية اللبنانية جولييت انطونيوس، وتمنياتي لها بمزيد من العطاءات والإبداع الراقي والنجاحات المتواصلة، ولها الحياة والمستقبل والغد الأجمل.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

يسري عبد الغنيلقد كان بين القبائل العربية في العصر الجاهلي تنافس وصراع، وكانت الحياة عندهم سلسلة لا تكاد تنقطع من الغارات والمعارك، وقد سجل التاريخ الجاهلي معارك مشهورة سميت (أيام العرب) .

 والأبيات التي سوف تطالعها بعد قليل تصور لك إحدى هذه المعارك، وتنفرد بتصوير مأساة مما كانت تنجلي عنه .

 وها هي جليلة بنت مرة بن ذهل من شيبان، والذي ينتهي نسبها إلى قبيلة بكر، وقد تزوجت من وائل بن ربيعة، المعروف بكليب، وكان كليب قد بلغ درجة كبيرة من الغنى، والقوة، والكبرياء؛ حتى لقد منع أن ترعى إبل غيره في أرض له، أو أن تشرب من الماء الذي ترده إبله، وحدث أن مرت هذه الإبل وهي في الطريق إلى الماء بناقة البسوس بنت منقذ التميمية، ورآها كليب فغضب ورماها بسهم فقتلها .

 ثارت ثائرة البسوس، وغضب لغضبها جساس ابن أختها، وأخو جليلة بنت مرة، فتحين فرصة من كليب، فقتله، ونشبت بذلك بين بكر وتغلب حرب ظلت فيما يقول الرواة أربعين سنة، وسميت (حرب البسوس) .

 ولما اجتمع نساء الحي في مأتم كليب ـ وفيهن جليلة زوجة القتيل وأخت القاتل ـ رأت أخت كليب في بقاء جليلة بينهن شماتة وعار، فقالت لها: يا هذه، اخرجي عن مأتمنا، فأنت أخت واترنا (الذي قتل قتيلاً منا)، فخرجت حزينة مهمومة، ويقال أن جليلة تقوض بيتها وسيادتها، وراحت تتنقل مع قومها من بكر مدة حربهم مع تغلب، وتوفيت سنة 538 م، ولنتأمل معًا أبيات جليلة بنت مرة الشاعرة التي تصور مأساتها تقول:  

يابنة الأقوام إن شئتِ فـلا

تعجلي باللوم حتى تسألي

فإذا أنت تبينت الــــذي

يوجب اللوم فلومي واعذلي

إن تكن أخت امرئ ليست على

شفق منها عليه ففـــعلي

جل عندي فعل جساس فيــنا

حسرتي عما انجلت أو تنجلي

فعل جساس على وجدي به

قاطع ظهري، ومدن أجلي

في هذه  الأبيات من المقطوعة الشعرية نستمع إلى الشاعرة، وهي تتحدث عن حقيقة موقفها، وتبذل غاية جهدها في تبرئة ساحتها مما وقع من أخيها، وتتوجه بالخطاب إلى أخت كُليب، وهي تقول لها:

ـ إن أردتي يا بنة الكرام أن تكوني عادلة منصفة فلا تتعجلي، وتريثي في حكمك؛ حتى تنكشف حقيقة موقفي، فإذا تبين ما استحق به اللوم والتأنيب فافعلي ما بدا لك، ولا تترددي .

ـ وإن كان في النساء من تلام على إشفاقها بأخيها في مثل هذا الموقف العصيب كنت أستحق اللوم منك .

ـ لقد بلغ فعل جساس ما بلغ من نفسي، ووقع عليها وقعًا أليمًا، فما أقسى ما أشعر به من فجيعة لهذه الكارثة التي نزلت بي وبزوجي، وما ينتظر أن تسفر عنه من مصائب وويلات !! .

ـ إن فعل جساس ـ مع شدة حبي له ـ قد هدَّ كياني، وحطم آمالي، وعجل نهايتي في الحياة .

 وفي الأبيات يبرز صوت العقل والتفكير، وتبدو الشاعرة وقد ملكت مشاعرها، فأخذت تطلب من أخت كُليب أن تتريث، و تقدر كل ما يحيط بالموقف .

 ولعلنا نقف عند قولها (يا بنة الأقوام) وهو نداء جميل، يحمل معنى التعظيم والعتب معًا، وهذا يذكرنا ما نقوله في البيئات الشعبية (يا بنة الناس) .

 ونقف كذلك أمام (إنجلت أو تنجلي)، فنرى طباقًا جمع بين الماضي والمستقبل، ومعاني الأبيات تتابع في رفق وأناة، وعاطفة الشاعرة جياشة بالألم والحزن والتخوف من القدر، وقد لجأت الشاعرة إلى التعبير بقولها (قاطع  ظهري)، لتدلل على شدة الكارثة التي حلت بها فحطمتها .

تقول جليلة:

يا قتيلاً قوض الدهر بــه

سقف بيتي جميعًا من عـل

هدم البيت الذي استحدثته

وانثنى في هدم بيتـي الأول

 في هذه الأبيات من المقطوعة تتفجر صيحة الحزن في قلب الزوجة المنكوبة، فتقول:

 أيها القتيل الذي كان قتله سببًا في القضاء على بيتيَّ معًا: بيت الزوجية، وبيت أهلي: هدم البيت الذي بنيته لنفسي، وجعلته عُش آمالي وأحلامي، ثم انقض على بيت أهلي ينذرهم بحرب مهلكة مدمرة .

 وفي البيتين  ـ كما نرى ـ صرخة زوجة فقدت الغد، وأوشكت أن تفقد الماضي، والتصوير على درجة كبيرة من الجودة حيث جعلها الدهر هدفًا لحربه ونزاله، فقوض بيتها تقويضًا تامًا، ويمكن أن نلمح دلالة استعارية رقيقة في كلمة (الدهر)، وجميل منها أنها صورت البيتين، وقد قوض فعلاً .

تقول جليلة:

يا نسائي دونكن اليـوم قد

خصني الدهر برزء معضـل

خصني قتل كليب بلـظى

من ورائي ولظى مســـتقبل

يشتفي المدرك بالثأر وفي

درك ثأري ثكل المثــــكل

إنني قاتلة مقتولـــــة

ولعل الله أن يرتاح لــــي

 ثم تتجه الشاعرة إلى قلب المرأة تلتمس العذر والتلطف بها في مصيبتها التي انفردت بها من دون النساء جميعًا، فتقول:

ـ إني لأنتظر منكن الإشفاق والتقدير ؛ فقد ابتلاني الدهر وحدي بمأساة لا حل لها: لقد أصبحت بين نارين، نار تطاردني ومعها الحزن والآلام لمقتل زوجي، ونار تنتظرني وتهدد أهلي بالهلاك والدمار .

ـ وليتني كنت ممن يشفيهم الأخذ بالثأر، إذن لأسرعت إليه، ولكن مصيبتي في أن أخي هو المطلوب للثأر، وفي قتله فاجعة جديدة، وبدءٌ بسفك الدماء  بين القبيلتين .

 إنني قاتلة مقتولة: قاتلة لأن القاتل أخي، ومقتولة ؛ لأن زوجي هو قتيل اليوم، وأخي سيكون قتيل الغد، ومن يكن في مثل حالي فلا ملجأ له إلا الله، وعسى أن يتداركني فأرى سبيلاً للراحة .    

 في الأبيات السابقة تتركز حقيقة المأساة التي لا ترى لها الشاعرة / جليلة بنت مُرة حلاً، والمعاني واضحة، وفيها تأكيد، وشيء من تكرار الفكرة .

 ولو عدنا إلى البيت الثاني من هذه القسم لوجدنا صورة رائعة معبرة، جعلتها ـ وهي في معضلة بين قتل زوجها، وما ينتظر من قتل أخيها ـ كمن وقعت بين نارين، كل تحيط بها وتطاردها .

 والبيت الأخير من هذا القسم جيد إلى حد كبير في فكرته وصياغته، ولا نبالغ إذا قلنا أنه لم يسبق إليه، وفي البيت الأخير نجد مقابلة بين قاتلة ومقتولة، زادت من إيضاح المعنى الذي أرادت جليلة التعبير عنها، وهو ما تعانية من صراع وتمزق .

***

 أقول لكم: إن القصيدة أو المقطوعة التي معنا لها منزلة خاصة لدى الأدباء ونقاد الأدب، فهي قصيدة تعبر تعبيرًا حيًا صادقًا عن عواطف امرأة ملتاعة، وجدت نفسها فجأة ضحية لنكبة من نكبات الاندفاع والتهور والطيش والحمق، قضت عليها وعلى آمالها، وأدت إلى دمار قبيلتين يربط بينهما رباط  القربى والصهر .

 وتتجلى لنا أفكار القصيدة مترابطة، تسلم فيها الفكرة إلى الفكرة، وكلها في موضوع واحد، كما نجحت الشاعرة في توضيح موقفها من الجريمة الشنعاء التي ارتكبها أخوها، وكذلك في تصوير رابطة الأخوة التي لم تستطع مقاومتها .

 والصور بوجه عام معبرة، والجميل فيها أنها وإن لم تلجأ إلى الخيال    كثيرًا، فقد أجادت في تصوير الواقع، والألفاظ لديها حلوة سهلة، معبرة عن روح المرأة ومشاعرها .

 ولعل القارئ الكريم يلاحظ في هذه الأبيات التي قالتها جليلة بنت مرة أنها تستخدم لغة عربية فصيحة وواضحة في نفس الوقت، ولا نبالغ إذا قلنا أنها تشبه لغتنا العربية المعاصرة، وما أقربها إلى الخطاب الأنثوي البليغ، لكل ما فيه من تأثر وعاطفة متحرقة على أخ لها في مأزق شديد، وحيرتها البالغة بين أخيها القاتل وزوجها القتيل .

والله ولي التوفيق،،،

 

بقلم / د. يسري عبد الغني

 

 

صادق السامرائيأبو القاسم عباس بن فرناس بن التاكرني، مخترع موسوعي، شاعر وعالم في الفلك والرياضيات والكيمياء والموسيقى والطب والصيدلة والفلسفة، من أصل أمازيغي، ولد في تاكرنا في منظقة رندة بالأندلس وتوفي في قرطبة (810 - 887) ميلادية.

ويشار إليه في المصادر الغربية (أرمن فيرمان)، ويُلقب (حكيم الأندلس).

وقد ألف العديد من الكتب في علم الفلك والفيزياء والهندسة، ويُذكر أن أعماله قد ألهمت (ليوناردو دافنشي) أفكارا هندسية وفنية أصيلة.

ويُقال أنه إستوحى فكرة الطيران من فهمه للآية: "أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيئ بصير".

وقام بتجربته سنة (875) ميلادية، ونجح في الطيران، لكنه فشل في الهبوط، لإغفاله ضرورة الذيل، فأصيب ببعض الرضوض والكسور.

وكان شاعرا متميزا ومن شعره الذي نقشه على الميقاتة التي أهداها للأمير محمد بن عبدالرحمن: "ألا إنني للدين خير أداةٍ...إذا غاب عنكم وقت كل صلاةٍ، ولم تُرَ شمسٌ بالنهار ولم تنر...كواكب ليلٍ حالك الظلمات، بيمين أمير المسلمين محمدٍ...تجلّت عن الأوقاتِ كلّ صلاة".

كما أنه يجيد العزف على العود، وله نشاطات في الصيدلة والطب وتحضير العلاجات من الأعشاب والنباتات، وكان طبيبا في قصور الأمراء، ويشرف على طعامهم والوجبات الغذائية.

اختراعاته:

قلم الحبر، النظارة الطبية، تطوير صناعة الزجاج الشفاف من الحجارة، ساعة مائية (الميقاتة)، ذات الحلق، طور تقطيع أحجار المرو، ورقاص الإيقاع، قبة سماوية (بلانتريوم)، إستخدامه جناحين في محاولة منه للطيران، والإسطرلاب الكروي.

سميت فوهة قمرية بإسمه (وهي فوهة صدمية قمرية ناتجة عن إصطدام جسم بسطح القمر ويبلغ عرضها 89 كم)، وله تمثال قرب مطار بغداد، وأطلق إسمه على معالم أخرى، وأفتتح جسر معاصر بإسمه في قرطبة.

إنه صاحب أول محاولة للطيران في تأريخ البشرية، إذ صنع لنفسه جناحين مقلدا الطيور وطار لمدة من الزمن قرب قصر الرصافة في قرطبة، لكنه أخفق في عملية الهبوط بسلام.

اتهامه بالزندقة:

وبسبب ما قدمه من حيل ومخترعات إتهموه بالشعوذة والجنون، وحيكت له المؤامرات، وذروتها إتهامه بالزندقة، وحوكم لأكثر من مرة وثبتت براءته، لكنه ضرب حتى أغمي عليه، وتلك حكاية كل نابغة وعالم أصيل.

وقد توفى في سنة (887) ميلادية، والبعض يرى أنه أول رائد فضاء، ومن بدأ سبر أغوار الفضاء.

وتجربة هذا العالم الألمعي الموسوعي الموهوب، ومعاناته في مجتمعات الأمة، تشير إلى أن هناك بشر سبّاق لعصره، ويحمل أفكارا تتجسد بعد قرون عديدة من محاولاته التعبير عنها بأدوات زمانه.

واليوم فكرته في الطيران أصبحت حقيقة، فالبشر إستطاع أن يطير بأجنحة، كما حاول عباس بن فرناس قبل أكثر من عشرة قرون وقرن.

فهل لنا أن نفخر بأنوارنا العلمية المتميزة!!

 

د. صادق السامرائي

 

صادق السامرائيأبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه، شاعر أندلسي وصاحب كتاب (العقد الفريد)، (246-328) هجرية، ولد وتوفي في قرطبة، وقد أصيب بالفالج، وتوفى عن عمر (82)

إمتاز بسعة الإطلاع والرواية والشعر، كتب الشعر في الصب والغزل، ثم تاب وكتب أشعارا في المواعظ والزهد سماها (الممحصات)، وكان يتكسب بالشعر، ومن رواد نشر الموشحات، وقد جلب له الأدب ثراءً.

أساتذته:

بقي بن مخلد، محمد بن عبدالسلام الحشني، محمد بن وضاح وغيرهم.

مؤلفاته:

 "العقد الفريد، أمثال العرب، سحر البيان، أبناء النور، طبائع النساء، الممحصات".

من شعره:

"ودّعتني بزفرةٍ واعتناقِ...ثم قالت متى يكون التلاقي، وبدت لي فأشرق الصبح منها...بين تلك الجيوب والأطواق".

" ولو أن موسى جاء يضرب بالعصا ...لما انبجست من ضربه البخلاء، بقاء لئام الناس موت عليهم....كما أن موت الأكرمين بقاء، عزيز عليهم أن تجود أكفهم...عليهم من العزيز عفاءُ".

وله شعر في الفخر والنسيب والمديح والمواعظ.

ودرته الخالدة اللامعة كتاب العقد الفريد، الذي في أصله (العقد)، ويقال أن النساخ أضافوا عليه (الفريد)، ويشتمل الكتاب على جملة الأخبار والأمثال والحِكم والمواعظ والأشعار وغيرها، وقد قسمه إلى أبواب عددها (14)، كل منها إسم حجر كريم (زبرجد، ياقوت، جمان، لؤلؤ) وغيرها.

ومن أبوابه (اللؤلؤة في السلطان، الجمانة في الوفود، الجوهرة في الأمثال، العسجدة في كلام العرب، المرجانة الثانية في النساء وصفاتهن، الدرة الثانية في أيام العرب ووقائعهم).

إنه خريدة الأزمان، وجمان العصور، ورائعة البديع الفتان، العقد الفريد ذو الدرر والألوان!!

وهكذا عاش جهبذنا في كتابه الدري الفِكَر!!

 

د. صادق السامرائي