سارة طالب السهيلرغم الضعف الساري في جسد الوطن العربي من مشرقه ومغربه، وتراجعه العلمي مقارنة بدول العالم المتقدم، الا ان الصروح الثقافية العربية لا تزال تقف شامخة في مواجهة اعاصير التردي الاقتصادي والسياسي العربي، بل يكاد يكون العمل الثقافي هو المكون العربي الوحيد القوي في مواجهة ما يواجهه العالم العربي من تشظي.

تقف الأكاديمية المصرية بروما في صدارة هذه الصروح العربية  رافعة راية العروبة بحضارتها الزاخرة، وراية الحضارة المصرية التي أدهشت ولا تزال تدهش العالم بأسرارها وعلومها النادرة، وهذا ما تجسد أمامي عمليا خلال زيارتي  وشعوري بالفخر ككاتبة عربية لوجود هذا الصرح الثقافي المصري العربيّ المشرف والمشرق لوجه العرب الحضاري في اوروبا.

سعدت جدا بهذه الزيارة التي استقبلتني بها الدكتورة هبه يوسف، رئيسة الأكاديمية وبجولة حول المبنى كاملًا وبحب شديد تعرفت على الدور الثقافي الهام التي تقوم به الأكاديمية في ايطاليا و قد كانت الدكتورة هبه تشرح لي و كانها تتكلم عن جزء منها عن بيتها عن طفلها العظيم.

وكما تجسد حب الوطن والانتماء له في كلام د. هبة يوسف عن هذا الصرح الثقافي، سرى في داخل كلامها وكأنها تقول ما في قلبي وتعبر عن نفس مشاعري وانتمائي لمصر العزيزة، فحب مصر في قلب كل عربي لا سيما انني ابنة مصر انسانيا وثقافيا وروحانيا.

من خلال هذه الزيارة ازددت ثقه برعاية مصر لابنائها المبدعين في كل مكان فالمبنى يستقبل المثقفين والفنانين والفرق الشعبيه وغيرها في فعاليات ثقافية ويستضيفهم في مبنى مخصص للضيافة.

وتعد الاكاديمية المصرية بروما جسرا ثقافيا بين مصر والمشرق العربي واوربا، تتلاقح عبره الثقافات والافكار ويتحقق من خلاله التواصل الانساني في اسمى تجلياته.

تلعب الاكاديمية ادوار البطولة الرئيسية في تعزيز التواصل الثقافي الغربي و نظيره المصري والعربي، وتعمل على تعزيز الهوية العربية وترسخ منابتها في تربة الارض الغربية عبر العديد من البرامج الثقافية والمعرفية، لعل أخرها الجهد المشكور للدكتورة هبة يوسف وجهودها في تأصيل اللغة العربية للعرب والمصريين المقيمين بروما.

وبكل قلبي وعقلي وروحي أثمن هذه التي اطلقتها الاكاديمة تحت اشراف د. هبة يوسف، وهي مباردة "اتكلم عربي" والتي تتضمن دروسا تعريفية عن اللغة العربية تذاع مساء الجمعة أسبوعيا على الموقع الرسمي للأكاديمية.

وفي تقديري، ان تنفيذ هذه المبادرة بناء على توجيهات وزيرة الثقافة المصرية ايناس عبد الدايم لتعليم اللغة العربية، من أهم الادوار التي تؤديها الاكاديمية في وقتنا الحاضر لمواجهة تحديات العولمة وما بعدها، وما افرزته من تهميش للغات والحضارات والاديان اللغة العربية.

فتحية وتعظيم لهذه المبادرة، وتحية لكل جهد يبذل من أجل الحفاظ على الهوية العربية التي تسعى جحافل الظلام الى طمسها.

فهذه المبادرة  تمثل احياءا للغة والهوية العربية معا، وتبرز دور مصر الفاعل في تأكيد دور الحضارة العربية المصرية، وانها ستظل نابضة بعلومها ومعارفها وخصوصيتها.

وجاءت مبادرة اتكلم عربي طبقًا لتوجيهات وزيرة الثقافة الفنانة الدكتورة إيناس بهدف تعزيز الهوية للجالية المصرية وايضا العربية بروما.

ولا يغفل اي مثقف عربي عن قدرات مصر بل سبق مصر في توظيف قدراتها الدبلوماسية الناعمة في الاصطفاف حول مصر وينابيع حضارتها وحضارة العربي وجسورها الثقافية المضيئة التي تحملها عبر مشاعل لغتنا العربية الجميلة.

فتحية لوزيرة الثقافة المصرية على هذه الفكرة، وتحية خاصة جدا للدكتورة هبة يوسف على تطبيق هذه المبادرة بحرفية عالية، ولكل الانشطة الثقافية التي تقوم بها الأكاديمية المصرية بروما تحت اشرافها، وأتمنى مزيدا من النجاح والتألق في عملها ودورها الفاعل في نشر الثقافة والابداع لخدمة الانسانية.

لو عدنا قليلا الى التاريخ كما روت لي الدكتورة هبة تاريخ الاكاديمية المصرية في روما

كانت فكرة إنشاء الأكاديمية عام 1929)، على يد الفنان المصري راغب عياد. الذي كان يدرس الفن آنذاك في إيطاليا،و بعد مراسلات و مباحثات قررت إيطاليا انذاك متمثلة بجلالة الملك استعدادها لمنح مساحة من الأرض لبناء الأكاديمية المصرية، مقابل مساحة أرض تمنح من حكومة صاحب الجلالة ملك مصر انذاك لإقامة معهد لدراسة الحفريات في القاهرة. و في عام ١٩٦٥ انتقل مبنى الأكاديمية بعد انتهاء أعمال البناء في المقر الجديد ، بحدائق فيلا " بورجيزى " وهو من أرقي مناطق المدينة، حيث تم لاحقا تخصيص ميــدان صغـير بالقرب من الأكاديمية بتمثال يحمل اسم احمد شوقي.

ودعتني الدكتورة هبة سليلة الحضارة الفرعونية بدعوة جميلة لحضور فعالية كبيرة في مبنى الاكاديمية و هي اوبرا عايدة و ذلك بمناسبة مرور ١٥٠ عام على تأسيس اوبرا عايدة المصرية

سعدت بالدعوة التي سألبيها بقلب مليء بالفخر و المحبة لمصر العظيمة

 

سازة طالب السهيل

 

 

ناجي ظاهرقد يستغرب القراء أو بعضهم على الأقل لهذا العنوان، ذلك أن الناس اعتادوا على أن يستغربوا طرح أسئلة يعتقدون أن الإجابة عنها واضحة وضوح الشمس، إلا أن هؤلاء كثيرا ما يعيدون النظر حينما يطلعون على أجوبة واجتهادات جديدة فيما يعتقدون انه واضح ومفروغ منه.

حقا من هو قارئ القصص، وهل له مواصفات خاصة؟ هل هو يحتاج أصلا إلى مثل هذه المواصفات؟ ثم هل هو يختلف عن سواه من القراء؟ أسئلة وأسئلة أخرى اطرحها، بعد أن تبين لي من المعايشة اليومية لأصناف مختلفة من القراء، أننا يجب أن ننشغل بها قليلا.

اعتقد بداية أن قارئ القصة ينبغي أن تتوفر فيه صفة خاصة، هي ما تميز كاتب القصص عادة، وتمنحه الفرق بين غيره من كتاب النثر الأدبي، بمعنى أن المرسل- الكاتب، ينبغي أن يلتقي مع المرسل إليه- القارئ، في نقطة لقاء لا بد من الالتقاء فيها تحديدا، كي يكون اللقاء اغني وأكثر ثراء.

هذه الصفة هي الحساسية المفرطة تجاه الحياة والأشياء المحيطة به، إن هذه الصفة تجمع بين الاثنين، المرسِل والمرسَل إليه، جمعا لا بد منه لتكتسب القراءة أهميتها، ذلك أن الكاتب عادة ما يكون في ذروة تألقه الإبداعي حين إقباله على الكتابة القصصية، حتى انك لتخاله زاهدا في معبد أو راهبا في كنيسة أو شيخا في مسجد، أثناء معايشته للحظة اتصال بخالقه.

كل من القارئ والكاتب القصصيين، يحتاجان إلى نوع من العزلة، أثناء القراءة والكتابة، فالكتابة القصصية وكذلك القراءة القصصية، تحتاجان للتوحد بالكلمات، لمعايشتها، للإحساس بها، ولامتلاك القدرة، للإيغال فيما وراءها، إذا ما تطلب الأمر، وهو كثيرا، إذا لم يكن دائما، ما يتطلب هذه القدرة أو مثلها، بعيدا أو قريبا منها.

بدون هذه الحساسية لكل كلمة، نأمة وحركة، لا توجد كتابة قصصية، ولا توجد بالتالي قراءة قصصية ذات جدوى.

قارئ القصص والحالة هذه، لا بد من أن يمتلك حساسية من نوع ما، تجاه ما يقدمه إليه كاتب مرهف الإحساس، كاتب سبر غور الحياة، عبر تغلغله إلى أعماق ما تضمنته وقدمته إليه من تجارب، يمكن لنا إذا ما تمكنا كقراء، أن نتغلغل إلى أعماقها، وان نجعل لحياتنا بعدا أخر غير ذاك اليومي المعيش، بعدا يجعلنا نقلع إلى بحار ما كان بإمكاننا أثناء عمرنا المحدود القصير أن نقلع إليها، هذا البعد يمكننا من التعرف على أصناف وأصناف من الناس، سواء كان في زمننا الراهن، أو في الزمن الماضي الغابر.

القصص تجعل حياتنا أكثر ثراء، أخصب واقدر على التفاعل مع التجربة الإنسانية الشاملة، فهي تمكننا من أن نكون أناسا آخرين، أعمدة من دخان أو طيورا تحلق فوق محيطات بعيدة، هي تمكننا باختصار، في هذه النقطة، من أن نكون آخرين وغير من يشكلون انانا المحدودة مهما اتسعت أبعادها وآفاقها، أضف إلى هذا أنها تخرجنا من ذواتنا المحدودة، إلى ذوات أخرى قد تكون حجارة تنبض على شواطئ بحار بعيدة، بُعد الحلم، قريبة قرب النبض.

القصص هي عوالم الكتاب، وهي في الآن ذاته، عوالم الآلاف والملايين من القراء المشابهين لهم، ليس في الشكل والظروف، وإنما في العمق، في ماهياتهم كأناس، يمتلكون طموحات فائقة عصية ترفض أن تحدها حدود، وترنو لان يكون العالم حركتها، وفي تطلعاتهم للتمرد على العادي، الساكن والمستسلم، بَلَه في تشوفهم إلى أن يكونوا محبين أو قادرين على الحب، رغم ما يملأ العالم من كراهية يصنعها البشر لاغتيال أحلام اخوان آخرين لهم.

كاتب القصة، وكذلك قارئها، يرفضان الزيف، تسطيح الأشياء، وإظهار سطوحها فحسب، وإنما هما يحاولان ، كل بطريقته، أن يتغلغلا إلى أعماق هذه الأشياء، والى إظهار الجميل والنبيل فيها، إنهما لا يكتفيان بالسطحي من أمور الحياة وشؤونها، وإنما هما يدركان تمام الإدراك أنهما ينبغي أن يصلا إلى ابعد ما يمكن أن يصل إليه نظراؤهما من أبناء البشر، أن يندفعا إلى أعماق الكلام، وصولا إلى جوهره الذي يشعل نار المحبة والحقيقة، فتستسلم هناك روح كل منهما مطمئنة لشعورها بأنها وصلت إلى ابعد ما يطمح إنسان مرهف للوصول إليه في لحظات حياته القصيرة مهما طالت.

عالم هذين، كاتب القصة وقارئها، هو عالم واحد، انه عالم لا يستخف بأية حركة مما يمور فيه، ويمنح الاهتمام، للبستاني بنفس القدر الذي يمنحه لمن يصنفون على أنهم علية القوم، وهم في الواقع لا يختلفون جوهريا عن سواهم من بني جلدتهم، كما انه يمنح الاهتمام بتلك السمكة السابحة في محيط بعيد (اقرأ الشيخ والبحر لارنست همنجواي مثلا)، بنفس القدر الذي يمنحه للحوت الأبيض في محيطات لجية (اقرأ موبي دك لهرمان ملفل مثلا أيضا). لا يوجد في عالم القصص أمور لا تستحق الاهتمام وأخرى تستحقه، كل شيء في عالم القصص يستحق الاهتمام، ما دام موجودا وما دامت العين البشرية تقع عليه وتستمتع برؤيتها له.

القصص بالمجمل تمنحنا، سواء بكتابتنا، أو بقراءتنا لها، ثراء ما بعده ثراء، تغني نفوسنا إذا كانت فقيرة، وهي كثيرا ما تكون كذلك، تحدث توازنا في أحاسيسنا الكاذبة بالاستعلاء، إذا ما حل بنا داء الصلف والتكبر، إنها تجعلنا متوازنين في هذه الحياة، وتعطينا قوة ما بعدها قوة لأن نكون نحن الحقيقيين، نحن الذين وجدنا على هذه الأرض كي نعيش إلى ما لا نهاية، وليس لمدة محدودة سرعان ما تندثر، وتضحي أثرا بعد عين، إنها تعطينا إمكانية غير محدودة لأن نعيش عوالمها الرحيبة، هذه العوالم التي يشكل كل عالم حقيقي منها، عالما آخر مثل هذا العالم الجميل، الذي كان لنا شرف أن نكون من أبنائه.

 

بقلم: ناجي ظاهر

 

 

اسراء عبوشللأديبة: حمدة خلف مساعيد

صدرت حديثاً رواية تحرير للأديبة حمدة خلف مساعيد، وهي من منشورات وزارة الثقافة الفلسطينية، لوحة الغلاف للفنان الفلسطيني محمد نصر الله، وعلى الغلاف حصان ينحني مقابل فتاة ترفع جبينها عالياً، وتنظر للحصان بهدوء، في اختيار الغلاف دلالة على روح تحرير وصفاتها.

نحن أمام عمل روائي وطني فلسطيني، سجلت الكاتبة في روايتها الأولى أحداث ثورية ونضالية لمخيم جنين، كان لشخصية الفدائي الفلسطيني نصيب الأسد في الوصف والسرد، أيقظت فينا الكاتبة ذكريات بطولية، وأحييت الفكر الثوري، خاضت البطلة تحرير مع الأبطال جولات بطولية انتهت باستشهادها، البندقية المدفونة تنهي الرواية، أطلقت تحرير رصاصة الموت أصابت أو أخطأت.. لن تدري، وكأن قدر الفلسطيني أن يموت حزيناً بعد أن يحمله اليأس لاختيار نهاية موجعة.

حوار سردي

تخلت الكاتبة عن حقّها السّردي ُكلّفت تحرير به، امتلأت صفحات الرواية بالحوارات العاطفية تجاه الوطن، حاورت الكاتبة النفس البشرية وتتبعت عقدها من خلال شخصيتيّ تحرير وإيهاب بأسلوب حواري شيق،

أحبت تحرير  إيهاب المتخاذل لتنشي الكاتبة بينهم حوار يصب في عمق الصراع الوجودي بيننا وبين المحتل.

لقد جسدت الكاتبة عنفوان المقاومة وبسالة مرحلة من نضال مخيم جنين، واصفة جمال الروح النضالية، ومبينة قيمة الوحدة فلم تذكر أحزاب، تلك الروح الجريئة التي لا ترَ صوب عيونها سوى النصر.

تحرير تظهر في بداية الرواية فتاة حرة تعرف ما تريد، شخصية قيادية قوية مبادرة، وبين ليلة وضحاها يتبدل الحال وتضع في ظرف يجبرها على ترك حبيبها والزواج من أخيه، تضع الكاتبة يدها على الجرح، هناك خلل في العلاقات التي تحكمها الظروف والعادات والتقاليد والأعراف في المجتمع، تعري الكاتبة سوء العلاقات وتدخل بطلي الرواية ـ إيهاب وتحريرـ التي عاش معهم القارئ قصة حب جميلة، رغم الاختلاف بينهم في النظرة للمقاومة والدفاع عن الوطن، والرغبة في تحريره.

ومع ذلك تتعايش تحرير مع الواقع الجديد، في دلالة على قوة المرأة الفلسطينية في خوض التحديات وتأكيد على أخلاق المرأة الفلسطينية واهتمامها بالمحافظة على تربيتها المبنية على المبادئ والالتزام.

صراع نفسي

بين حب الوطن والهزائم المتلاحقة معضلة أوقعت البعض في الشك وأضعفت النفوس، هو فساد للروح المتوهجة، يطفئها رويداً رويداً لتغدوا غير صالحة للنضال، تكسر سيف المقاومة، وتنحني لروتين الحياة الذي يجعل الفلسطيني على الهامش، هو أحد روافد الهزائم جريمة النفس وتخاذلها أمام روحها وكينونتها الوطنية.

لقد أتت الكاتبة على الأسباب التي شكلت شخصية إيهاب بهذه الصورة، وهناك أسباب أخرى دفعت الفلسطيني للشك في جدوى نضاله وأورثت شخصية انهزامية ضعيفة، لا تستطيع أن تتخذ قرار، ومن يهزم أمام قرار وطنه يهزم في قرار ذاته، خسر إيهاب تحرير لأنه نشأ بشخصية انهزامية.

وهناك أسباب أخرى هي عدم توفر الوقت الكافي للفلسطيني ليفكر بما يحدث حوله، يمضي جل وقته باحثاً عن قوت يومه، تعطل الفكر مقابل الماديات.

يخطط العدو في أفكار متراكمة ولا يترك ثغرة، فها هو يرسل الجواسيس إثر تحرير، ويجند العملاء، هذه من أسباب قتل روح النضال في الفلسطيني، حيث أن إيهاب متعلم، ويتمتع بشخصية قوية وحياة عملية ناجحة وحضور طاغي، وقلب محب ومشاعر تحسن الجدال، وترغم الحبيبة على خوض معركة خاسرة لصالح قلبه دائما.

مشاهد حياتية

أبدعت الكاتبة في سرد حوار مشوق سلس قريب من مشاهد الحياة الاعتيادية، مع أنها ليست من مخيم جنين ولم تسكنه يوماً، ولكنها استطاعت أن تدخلنا بقلمها المبدع، واسلوبها المميز إلى حارات المخيم وبيوته، لكن في بعض المواقع يتداخل الحوار بلا مقدمات مثال ذلك صفحة 149. حيث يحتار القارئ من القائل؟

في مشهد موت أم محمد تفتح الكاتبة جراح عميقة تجسد حياة أمهات الشهداء والأسرى، بالغالب الموت ينهي معاناة أم الشهيد وأم الأسير، فلا انتظار على بوابات السجن، ولا قلق من ظروف الأسر.

وددت بعد أن أنهيت قراءة الرواية أن أسير في شوارع المخيم أتصفح وجوه المارة باحثة عن ملامح أم محمد وتحرير وأكرم وشادي، أن ارفع رأسي لعل أم سمير تطل من إحدى النوافذ أو تجلس على باب محل خضار تلقي التحية على المارة، فقد صورت الكاتبة حمدة مساعيد الشخصيات بصورة حقيقية تكاد تسمع صوتها وأنت تقرأ الحوار.

تحرير اسطورة فلسطينية

تنتهي الرواية على صورة مغايرة لما بدأت به، تفاجئ القارئ بعيدة عن تصوراته، وهذا نوع من الأبداع، هي ليست رواية اعتيادية، تتعقد الأحداث ثم تسيطر عليها الكاتبة بحنكة واقتدار.

عندما طويت آخر صفحة فهمت مغزى الرواية بنظرتي الأنثوية، تحرير هي أسطورة فلسطينية لأُنثى ترسم الوطن الذي تحب وتعيش في إطار الصورة، يحاصرها الخونة ويستدرجها أحدهم ولكنها تتمكن منه، لا تقع ولا تتبع قلبها، لأجل سمعة أهلها واحترام لكلمتهم تقبل الزواج، ترفض الانصياع لقلبها وتُخلص لزوجها، تدافع عن شرفها بالدم وتدافع عن بيتها بروحها.

في رسالة أكرم التي تعتبر وصية لتحرير تدخل الكاتبة القارئ بمتاهة لا داعي لها عندما تذكر أصل إيهاب وكون أخته سولينا زوجة شادي، فلا داعي له في الرواية ولا يخدم الأحداث، ومبالغ به.

ومما لفت نظري أن الرواية تمت عام 2002م وطبعت هذا العام، أي أنها بقيت حبسية الأدراج كل تلك الأعوام، كم هي المواهب التي تبقى حبسة الأوراق بلا دعم، وما أخطر وأد الكلمة.

 

بقلم الأديبة: إسراء عبوشي

 

 

جميل حسين الساعديلم يحدث شاعر ضجة كبيرة في تاريخ الشعر العراقي الحديث، مثلما أحدث الشاعر البوهيمي المتشرد حسين مردان بنشره لمجموعته الشعرية الأولى (قصائد عارية) في العام1949 والتي رأى فيها الوسط العام خدشا لحياء المرأة وتحقيرا لها، والتي تسببت في مثوله أمام القضاء . أما الوسط الأدبي فقد اعتبرها نتاج نظرة أحادية الجانب الى المرأة، فالشاعر كما يعتقد بعض النقاد يصف لنا المرأة الجسد والمتعة ولايصف لنا المرأة الفكر والروح .. أليس هو القائل؟

ما قيمة القبلات إنْ لـــــــم تنطفِ

نارٌ من الشهوات تسري في دمي

ما الحبُّ إلّا شهوةٌ فلتبعــــــــدي

أمّ الزنى فمك المدنّس عن فمي

وتجرّدي لأراكِ جسماَ ناعمــاً

بلظى الفجور يضجّ مثلَ جهنــمِ

وذري أحاديث العفاف لمعشرٍ

لم يفهموا سرّ الحياةِ المبهمِ

ما الطهرُ ما الشرفُ القديم وما التقى

إلّا اختلافات الزمانِ الأقدمِ

أمّا في قصيدته (من بنات الليل ص67 من نفس الديوان فلا يتورع الشاعر عن إعلان حكمه القاسي على الحب والمرأة كما هو واضح في هذه الأبيات:

فلا تعيدي حديث الحبّ واضطجعي

فالحـبُّ وهـــمٌ تغذيـــه الخيـــــالاتُ

لقد عشقــتُ وجرّبت الهوى زمنـــاً

حتـــــى نحلـــتُ وأردتني الحبيباتُ

لقدْ كرهتُ نســاءَ الأرضِ قاطبـــةَ

إنّ النســــاءَ بذيئاتٌ حقيــــــــــرات

لكن هذا الموقف من المرأة والحب قابله موقف آخر مناقض عبّر عنه في البيت التالي:

مسّني الحبُّ فانقلبتُ ملاكــــــاً

مفعم الروح بالرضـــا والحبـورِ

بل إنه ذهب إلى ما هو أبعد في تمجيد المرأة حين قال: (لن ينهض الشرق، ولن ينزل المطر المقدّس من السماء بدون أكفّ النساء). وقد رأى فيها رمزا للجمال، الذي وصفه بالعبارات التالية: (إنّ الجمال لا يجذبني فقظ بل يدفع بي إلى الصرع، وعندما أستفيق أجد نفسي في حالة متناهية من الشفافية والصفاء، وخلال تلك اللحظات التي لا توصف، تورق الأشجار العتيقة في روحي، ويولد ذلك النوع الغريب من الشوق، لاحتضان الكون بكلّ ما فيه) .

هذا التناقض في توصيف الشاعر لهو دليل على أنّه لم يكن محقرا للمرأة، لم يكن قصده أن ينال من مكانتها فالأرجح أنه لجأ إلى هذا اللون من الشعر بدافع حب الشهرة، تماما كما فعل الشاعر نزار قباني عملا بالقول الشائع: (كلّ ما هو ممنوع مرغوب) أو بالمثل الشعبي (خالف تُعرفْ). لقد دفع هوس الشهرة بالشاعر الى اختلاق القصص والحكايات ورسم هالات العظمة حول نفسه، فقد ادعى أنّ له قصة حب مع الفنانة عفيفة اسكندر. القصة كانت من نسج خياله الجموح، فهو لم يرها سوى

مرة واحدة حين دعاه بعض الاصدقاء إلى الملهى الذي كانت تغني فيه، وكانت وقتها في ريعان شبابها جميلة تلفت الأنظار، فقصة الحب هذه هي من القصص والحكايات الكثيرة، التي كان يختلقها الشاعر حسين مردان ليثير فيها انتباه الأخرين ويلفت أنظارهم إليه،فقد ذكر بعض الذين عرفوا الشاعر عن كثب، بأنّ صديقه المقرب منه يوسف طعمة فرمان هو الذي جعل من هذه الخرافة حقيقة حينما تطرق إليها في روايته المعروفة (خمسة أصوات) والتي حولت إلى فلم (المنعطف) فيما بعد، وقد عرض الفلم في سينما بابل وقد ظهرت كذلك في مسرحية مثل فيها دور حسين مردان يوسف العاني حيث يظهر فيها حسين عريان بملابسه الرثة وهو يستجدي الحب من عفيفة . المسرحية كانت متأثرة بقصص ألف ليلة وليلة الخيالية، ومن الجدير بالذكر والتنويه أنّ الأشعار التي نشرها الشاعر في حياته، و تلك التي عثر عليها بعد وفاته لم يرد فيها أيّ ذكر للفنانة عفيفة اسكندر لا من قريب ولا من بعيد .

المشكلة التي كان يعاني منها حسين مردان حين قدم إلى بغداد في منتصف الأربعينات مودعا مدينته بعقوبة بلا رجعة هي الإعتراف به كشاعر لذا لجا إلى موضوع المراة والجنس ليثير الإهتمام. اما الفنانة عفيفة اسكندر فكانت تسمع بهذه القصص المختلقة وحالها حال أية فنانة تشعر بالزهو ويزيدها إعجابا بنفسها حين تختلق حولها قصص الحب والإعجاب الكاذبة .

في فجر الرابع من أكتوبر للعام 1972 لفظ حسين مردان أنفاسه الأخيرة في مستشفى مدينة الطب، الشاعر، الذي ظلّ حتى آخر أيّامه صادقا مع نفسه رغم القصص التي كان يختلقها من وحي الخيال، وينشرها بين أصدقائه على أنها قصص واقعية حقيقية .

لقد قام الشاعر حسين مردان بما لمْ يقُم به شاعرٌ من قبله، حين أهدى ديوانه (قصائد عارية) إلى نفسه، فقد استهله بهذه المقدمة: (لم أحب شيئاَ مثلما أحببتُ نفسي، فإلى المارد الجبار، الملتفّ بثياب الضباب، إلى الشاعر الثائر المفكر الحرّ، إلى حسين مردان، أرفع هذه الصرخات، التي انبعثت من عروقه في لحظات هانئة)

هذه المقدمة تجعلنا نلتمس العذر لحسين مردان عن كلّ شطحاته، وأن لا نحمل كلماته التي صبّ فيها جام غضبه على النساء محمل الجدّ، لقد بحث عن الحب فلم يجده .. أراد أن يحتسي خمرة الحبّ ليصبح ملاكا، لكنه وجد نفسه وحيدا بلا مأوى يفترش الأرض ويلتحف السماء في المقبرة

الملكية، وفي جيب سترته الرثة زجاجة خمر، دسّها له الشيطان.

 

جميل حسين الساعدي

 

 

يسري عبد الغنييعتبر السفر وفق معظم الأساطير والحكايات جزءاً من المغامرة الإنسانية. وسواء كانت رحلة الإنسان لعمل خيري أو نحو أرض الميعاد (سيدنا إبراهيم وسيدنا موسى)، ليواجه العديد من المحن قبل عودته إلى موطنه الأصلي (أوليس)، ويقطع المسافات طلبا للحكمة من خلال لقاءات متعددة (بوذا) أو يذهب إلى اكتشاف أرض مجهولة (ابن بطوطة، كريستوفر كولومبوس أو ماركو بولو)، فهو في آخر المطاف يغني تصوره للعالم. وقد أضحى السفر في عصرنا الحاضر جزءاً من حياتنا اليومية.

ولعل أبرز نموذج ملموس للحوار بين الثقافات هو أدب الرحلة، ذلك أن الناس انتقلوا على مدى قرون من مكان إلى مكان آخر إما للعمل، أو لطلب العلم، أو للتجارة، أو في مهام دبلوماسية، أو لغاية الترفيه، فكان التفاعل مع أشخاص آخرين من أجناس وثقافات وعقائد مختلفة. وتتخذ هذه التفاعلات أشكالا مختلفة، فتكون عنيفة ومدمرة أو سلمية وودية. ولا نقصد بالعنف هنا الاحتلال أو الغزو بل نعني به تصورا ثقافياً خاطئاً ناجما عن نقص في التواصل بسبب الأفكار المسبقة. وفي الحقيقة فإن الإنسان سيج نفسه بكثير من الحواجز ولم يشيد سوى القليل من جسور التواصل واللقاء. فهل كان ذلك بسبب الخوف؟ أم التفوق؟ أم الكراهية؟ أم إن السبب يكمن في كل هذه الأمور مجتمعة؟ وفي الواقع ليس ثمة إجابة جاهزة لهذه الأسئلة بل ثمة العديد من السيناريوهات...

ويسعى أدب الرحلة، إلى تعزيز التبادل الثقافي في مجال الأدب والترجمة عبر توطيد التعاون متعدد الأطراف الذي يشمل البحث والتحليل في مجال التخطيط والمنشورات والتدريب في مجال الترجمة وتنمية المهارات.

ويمكن تلخيص الأهداف الرئيسة التي يتوخى بلوغها في مجال أدب الرحلة في ما يلي:

- تعزيز الحوار من خلال تشجيع أدب الرحلة وترجمته؛

- تيسير الوصول إلى أعمال أدب الرحلة الأقل شهرة، وخاصة تلك المكتوبة باللغات المستخدمة على نطاق محدود، وتلك الأعمال الأقل حضوراً في الساحة الدولية؛

- تشجيع المزيد من التنوع في الملتقيات الأدبية الدولية ونشر الأعمال الأدبية لفائدة جميع الفئات العمرية؛

- صياغة منهجيات مبتكرة للإبداع الأدبي، وتشجيع الترجمة ودعمها وتدريب مترجمي الأعمال الأدبية العاملين باللغات الأقل استعمالا؛

- تحفيز أنماط التواصل الجديدة متعددة الأطراف، وأشكال التعاون والمشاريع المبتكرة التي تمكن أدب الرحلة من التفاعل مع غيره من الأجناس الفنية، واستكشاف الدور الاجتماعي والسياسي للكتابة؛

- تحفيز النقاش حول القضايا ذات الصلة بالحوار بين الثقافات؛

- إيجاد فرص لتبادل الأفكار ونقل المهارات والمعارف، وتبادل الخبرات والموارد بين المنظمات والمؤسسات من أجل تشجيع الحوار والتواصل بين الثقافات بأفضل السبل الممكنة.

ويمكن لنا القول أن الإنسان قد يقوم في حياته برحلات اختيارية هدفها البحث عن العلم والمعرفة و الفن، أو البحث عن العمل يهيء له ولذويه حياة أفضل، وقد تكون الرحلة إجبارية كأن يذهب إلى العلاج، أو منفيًا أو هاربًا أو لاجئا، أي أنه مذعنا خاضعًا للضرورة .

على كل حال فإن هذه الرحلات الاختيارية أو الإجبارية أنتجت لنا أدبًا غزيرًا مهمًا : أشياء مرئية، وأشياء مسموعة، وأشياء محكية، قد تكون مروية شفاهة أو مكتوبة في صفحات نقرأها، رددها أصحابها عند العودة، فتمكنت من أن تخصب أخيلة القراء، ولكن قد يكون أثرها قد فقد لأمر أو لآخر، فتأتي الأشياء التي حفظت على الورق على أشكال مختلفة، ابتداءً من الملاحظات البسيطة المسطرة بلا أدنى عناية في دفتر صغير وجد ضمن مقتنيات (مونتسكيو) الخاصة إلى قص قصة الرحلة كما فعل (شوتو بريان)، و (مارين)، أو وصف الرحلة وصفًا يوميًا كما فعل (مونتيني)، أو من خلال خطابات كما فعل (دي بروس)، وذلك دون أن ننسى الأهجية الغاضبة مثل (مسكينة بلجيكا!) التي كتبها (بود ليير)، بعد (الرحلة العاطفية) التي كتبها (سيترن)، و(رحلة في إيطاليا) التي كتبها (جوته)، ونذكر أيضًا (رحلة من باريس إلى القدس) التي كتبها (شاتو بريان) .

ووفقًا لذلك أصبحت الرحلات فنًا أدبيًا مشهودًا به تمامًا منذ العصر الرومانسي، حتى عصرنا الحديث، هذا الفن الأدبي الجميل المشوق يبدو الآن قد استنفد، وفي الواقع نحن في حاجة إليه من جديد، ولو في عالم الإنترنيت والأقمار الصناعية والعولمة وتحول العالم إلى قرية كونية صغيرة .

 نقول: إن الدارس للأدب المخصص لهؤلاء الرحالة سوف يلاحظ أنه ليس كثيرًا فحسب، بل إنه يصل إلى حد الزيادة والإفراط، فرنسيون في   إنجلترا، فرنسيون في اسكتلندا، فرنسيون في صقلية الإيطالية، وتقريبًا في كل مكان من العالم الذي نعرفه .

رجال ورجال من مختلف بقاع الدنيا أحبوا العلم والمعرفة، فتتابعوا في صفوف متقاربة أمام لجان مناقشة الرسائل الجامعية، ليس فقط في جامعة السوربون الكبرى ذائعة الشهرة والصيت، ولكن في العديد من الجامعات الأخرى .

ولم يكن (إيتامبل) إذن على خطأ بوقوفه ضد إساءة استغلال هذه الدراسات المصنوعة على حساب أعمال أخرى، والتي توشك أن تكون في سهولة إعداد القوائم والفهارس .

ولكننا لا نستطيع أن نهاجم هذه الدراسات من حيث المبدأ والفكرة، بحجة أنها غالبًا قد تم إجراؤها بواسطة باحثين تنقصهم الدربة أو الدراية إلى درجة كبيرة، إذ توجد في الواقع مؤلفات أساسية في هذا الميدان تصل إلى الحديث عن (المبادلات الأدبية بين الأمم)، وعلم نفس الشعوب، و تكوين الأساطير، وتجديد فكرة كاتب، أو تجديد قوى الأفكار وفاعليتها في أدب ما .

ونذكر هنا كأمثلة: مؤلفات (ج . كوهين) عن الفرنسيين في هولندا، ومؤلفات (ج . ماري . كاريه) عن الفرنسيين في مصر، وعن (ميشليه) في إيطاليا، ومؤلف (ج . أرهارد) الذي تابع فيه (مونتسكيو) في إيطاليا.

ومع الشرق، الأدنى والأقصى، توجد علاقات للغرب منذ أزمنة موغلة في القدم : يكفي أن نذكر حملة الأسكندر المقدوني، تكوين فن إغريقي بوذي، الحروب الصليبية وأثرها، الاهتمام الذي أولاه الباحثون لشخصية القسيس / جان الأسطورية، وطريق تجارة الحرير، ورحلة (ماركو بولو) وكتابه (استيلاء الترك على القسطنطينية)، وطردهم حملة الثقافة الهيلينية إلى إيطاليا .

ونذكر (فرانسوا كسافير) ورحلته وحديثه عن الهند، تلك التي ستدخل عالم الشعر العظيم بظهور ملحمة (لونراد) للشاعر البرتغالي (كامونيس)، وفي النصف الثاني من القرن السابع عشر تروض أوربا الغربية نفسها على معرفة الإسلام بطريقة علمية، ثم تعقبه بمعرفة الهند والصين، اللتين ستدخلان بمزيد من القوة في القرون التالية.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

صادق السامرائيأبو الوفاء محمد بن محمد بن يحيى بن إسماعيل بن العباس البوزجاني (328 - 388) هجرية.

ولد في مدينة بوزجان وعاش في بغداد (40) سنة وتوفى فيها.

عالم رياضيات وفلك وهندسة، وقد لمع نجمه في سن العشرين، بمؤلفاته التي إشتهر بها، وهو الذي قدم أبو حيان التوحيدي إلى الوزير بن سعدان، والتي نجم عنها كتاب (الإمتاع والمؤانسة).

مؤلفاته

" الزيج الكامل، الكامل، المجسطي، فيما يحتاج إليه الكتّاب والعمال من علم الحساب، فيما يحتاج إليه الصانع من أعمال الهندسة، فاخر بالحساب، حساب اليد، زيج الوادي "

أساتذته:

"أبو عمر المغازلي، أبي عبدالله محمد عنبه، أبي يحيى الماوردي، أبي العلاء بم كرنيب"

إسهاماته في علم المثلثات لا تضاهى، وفي الهندسة عالج العديد من المسائل المعقدة، وفي الفلك طور جهاز حساب ميل الأجرام، وهو أول من عرف دالة الظل والمماس، وهو أول من درس حركة القمر، ومكتشف قانون الجيب "

تم إطلاق إسمه على فوهة بركانية بالقمر.

قالوا فيه:

البهقي: "بلغ المحل الأعلى في الرياضيات"

الصفدي: "له في الهندسة والحساب إستخراجات غريبة لم يُسبق إليها"

أبو الوفاء موهبة علمية متميزة وكأنه ولد وفيه إرادة التعبير عن علوم الرياضيات والفلك والهندسة، فأدى رسالته العلمية وغادر الدنيا، تاركا وراءه آثارا علمية باللغة العربية سامقة وأصيلة، أسهنت في تطوير العلوم ورفد الإنسانية بمعين علمي معرفي فياض.

وبجهوده تطورت علوم الفلك والمثلثات والرياضيات، ولديه نظريات وقوانين غير مسبوقة فيها.

تحية لهذا الجهبذ الطود العلمي الشامخ في ربوع الأجيال، وعاشت الأمة التي تنجب أمثاله.

 

د. صادق السامرائي

 

عبد الخالق الفلاحلقد كانت للتجربة العراقية الثورية بعد 14 تموز عام 1958 تجربة فريدة وكانت إنتفاضة هائلة قدمت لنا لأول مرة (وربما لآخر مرة) حكاماً يمشون مع الناس ويفكرون بالناس ويموتون من أجل الناس. وكان الأدب الملتزم یطلق علی مشارکة الشاعر أو الأدیب والفنان لهموم الناس فی قضایاهم الاجتماعیة والسیاسیة ومواقفهم الوطنیة تخرج على شكل قصائد ومقالات تكتب واغاني تتغنى بها الجماهير، ومن میزات الأدب الصادق، أن یتکلّم عن الواقع الذی یعیشه الأدیب والظروف التی تحیط به ولاشك فی أنَّ قیمة الشعر تنطلق من طریقة تعاطیه مع موضوعات الحیاة ولاسیَّما الموضوعات المصیریة فی حیاة الإنسان ویکون الإنسان موضوعاً متسعاً لهذا النمط من الأدب وظهر الأدب الملتزم رداً علی فکرة الفن للفن.

 لقد كانت الاغنية التموزية فيها اللقاء الوطني والهوية الديموقراطي الجوهر الذي ابتعد عن الشعاراتية ورايات سياسية لم تعني الانشطار وقد كان للأغنية الريفية التي تعزز حظها واشتهر مطربيها مع الثورة، حضوراً واضحاً، ورغم ان الأغنية السياسية العراقية لم تنتشر كثيرًا خارج العراق، كما هو الحال في الأغاني السياسية في الكثير من البلدان العربية، إلا أن تاريخ الأغنية السياسية العراقية ممتد ومتنوع. فالعراق اشتهر بالأغاني الحزينة ولكن على نطاق الاحتفالات الخاصة كانت نزينها الفرح وتلك التي تتحدث عن الحب والفراق والهجر بشجن جميل ولذيذ، واشتهر بالمقامات والتنزيلات الموصلية، إلا أن ذلك لم يلغي جانب الأغاني الوطنية والسياسية لديه ومن اهم مميزات الاغاني والقصائد التي كانت تنشد هي الرمزيّات التي وراء الكلمات بدلالاتها وإشاراتها السياسية التي لا توثق فقط بل تتحدث عن اوجاع الفلاح او العامل وكانت تصلح لتوثيق العديد من المعانات التي تحوي ظلم الاقطاع وتضحية الجياع . الثورة حركت مشاعر المغنيين العرب كما هو نشيد" يا شعب ألعراق" لفائدة كامل هذه الأغنيه كانت واحده من مجموعة أغان قدمتها ألحناجر العربيه أبتهاجا بتحرير العراق ومساهمة في ألثوره العراقيه ألسلميه للشعب العراقي ضد ألطغيان والعمالة والفساد وكان للغناء الريفي العراقي دوراً فاعلاً في انعكاس الثورة،فالى جانب عبد محمد وناصر حكيم وعبدالجبار الدراجي ووحيدة خليل وشهيد كريم وعبدالصاحب شراد وآخرين غيرهم إشتهر الثنائي عبدالواحد جمعة وجواد وادي بأغنية نريد نريد والتي كان مطلعها:

تريد تريد العزة تريد ...جَمْعَة كلمة ولمَّه تريد

كلنه نصير شعلة نار ...بوجه الغاصب والغدار

او كما غني فرقة الانشاد زعيمنا الغالي:

زعيمنا الغالي حققت امالي ...حطمت الاستعمار ورفعتنا عالي

او الاغنية الاخرى ايضاً لفرقة الانشاد من الحان احمد الخليل :

انا العراق انا العراق

حطم الجيش قيودي

عدتُ للمجد التليدِ

ليس للظلمِ مكانٌ فوق أرضي

انا بالعزم الى المجدِ سأمضي

انا العراق انا العراق

**

وغنى المنلوجست فاضل رشيد

واحد اثنين وثلاثه وبس

گلنالك يا طامع جوز

تهديد وتفريق وبس

ماتطفي شعلة تموز

جوز جوز

**

ولحن وغنى الفنان الراحل احمد الخليل للشاعر زاهد محمد، اغنية (هربجي كرد وعرب) وما زالت عالقة في اذهان الاجيال الماضية تلهب احاسيس ابناء الشعب وتعزز وحدة العرب والكرد في الوطن الواحد .

من تهب انسام عذبه من الجبال

على ضفاف الهور تتفتح گلوب

لو عزف عالناي راعي بالشمال

عالربابه يجاوبه راعي الجنوب

هربجي هربجي كرد وعرب رمز النضال

**

ويا موطني التي تقول.

يا موطني أحمي حماك بالدم

وافتديك بالعزيز دم عزيزاً واسلم

وقد إشتهر كذلك رضا علي الذي غنى: أرضي الحلوة جنة وتسوه بيها أغني أجمل غنوة وكان هناك المبدع علاء كامل، مبدع إن عمر كلنا ونبني ووحد الصف ونادي دمت ياشعب العراق ويلاّ ع المعمل التي تقول:يلاّ ع المعمل يلاّ يلاّ وتوكل باالله دير الآلة بجهودك واثبت للناس وجودك وسمير بغدادي (وديع خوندة) صاحب اللحن الخالد نسمات الذي وزعه موسيقار روسي وغنته زوجته المطربة مائدة نزهت: ما أجملك ياكون بسمات الشمس تزهي بروابي بلادنا والنور ع الوادي بدى محلاه وكحل عيون أولادنا وذاتها غنت رائعة أنا العراق لعلاء كامل وهناك محمود عبدالحميد صاحب أغنية ديمقراطية وسلام وتوحدنا عرب وأكراد وحطمنا حلف بغداد وكان هناك محمد كريم وفاروق هلال وأحمد الشافي وداود العاني وآخرون ممن تغنوا بالوطن وشعبه وبحبها.

ولم توحي بالتقسيمات الطائفية التي تمثل الطبقة السياسية اليوم ولا الشعب أُراد للاحتفال إلأ بالثورة وبالعراق ومحبته وأن يبقى بعيدا عن انقسامات الطبقة السياسية وعن أمراض الواقع المعاش ومخلفات الماضي ليبرز وجه العراقيين الموحد وحقيقة الوطن الهوية الرافضة للانقسامات (فوق الميول والاتجاهات)، والجميع في بوتقة واحدة، سفينة واحدة هي سفينة الإبداع العراقي ثقافة وجمالا وفنونا تعبر عن المعدن العراقي الناصع المشرق بشموس للخير والعطاء لا تحجبها الظنون بل تعمّدها أجواء الثقة الراسخة بين جميع العراقيين لا استثناء ولا إقصاء ولا تهميش بل ساعد يشد أزر ساعد آخر وقلب ينبض على معزوفة قلب آخر والكل ينشد للعراق محبة العراق الديمقراطي الفيدرالي الجديد. لغد ينتظره لا بغضب بل بوجد لهذه النسمات النورانية لأهل العراق محبة وسلام. امتدت تلك الأغاني من النشيد الوطني،الى تلك المحاولات كانت بمثابة بدايات الاغنية السياسية مروراً بالأغنية الوطنية التقليدية، وقد لمع في كل مجال منها شعراء، واشهرهم زاهد محمد وهلال عاصم وسيف الدين الولائي وعدنان السوداني وجبوري النجار،حيث ترك بصمة واضحة في أغنية الوطنية مثال ذلك- أراضي العز غناها جواد وادي،- خليلي غناها عباس جميل- هيه تدري غناها رضا علي - تحية غريب غناها حضيري ابو عزيز - بالهور غناها عبد الواحد جمعه والمطربة مائدة نزهت غنت: ماأجملك ياكون بسمات الشمس تزهي بروابي بلادنا والنور ع الوادي بدى محلاه وكحل عيون أولادنا وذاتها غنت رائعة أنا العراق علاء كامل.. الملحنين، أحمد الخليل،سمير البغدادي وعلاء كامل ومحمد نوشي ومحمد كريم وفاروق هلال وناظم نعيم،يخلد الكثير منهم في ذاكرة الوطنيين العراقيين بكل إجلال وإعتزاز، ليس لشيء،سوى لأنهم منحوا الشعب من عصارة أرواحهم روح الحب والغيرة على ثورة سيظل التاريخ العراقي يذكرها بمزيد التقدير والإكبار، على الأقل لأنها أرخت لحقبة جديدة من عمر هذا الوطن، رغم كل التفسيرات والاستنتاجات المتأخرة.

 

عبد الخالق الفلاح

 

 

عمار عبدالكريم البغداديأخبريني يا شهرزاد هل تعرفين هدفا في الحياة أسمى من انتشال إنسان غارق في ظلمات العداوة والكراهية الى أرض المحبة والعطاء من جديد؟

- حقا إنها رسالة إنسانية عظيمة، وهنيئا لمن إستطاع أن ينجح في تحقيقها ولو لمرة واحدة في حياته، لكنني أسأل هنا عن حالة أعتقد أن جذورها مرتبطة بالعدوانية، وأعني السادية بمفهوم الرغبة بإلحاق الأذى الجسدي بإنسان آخر او التحكم فيه، كأنه يتخذه عبدا مملوكا له؟

شهريار: نعم .. السادية تتخذ أشكالا متعددة فمنها مايعني الرغبة بالحاق الضرر الجسدي، والمفهوم العام لها يدخل حيز الإنحراف الجنسي لدى الرجل في إساءته للمراة، لكنها تتجسد بشكل أعمق حينما يتمكن أحد الساديين من إلحاق الأذى بمخلوق سواءً كان إنسانا أو حيوانا، ويجبره على تحمل الألم والإنصياع لأوامره. ويذكر لنا آيريش فروم أن السادية أنواع: فمنها السادية الدافئة العاطفية التي تتجسد بشكل واضح في تحكم بعض المعلمين بتلاميذهم، أو مدراء بمرؤوسيهم من دون أن تلحق آذى جسديا بهم، لكنه يؤكد أن السادية الباردة هي أكثر الأنواع انتشارا وهي ليست عاطفية وليس لها علاقة بالناحية الجنسية،انما لها الحالة المميزة نفسها للسادية الجنسية الناعمة،ويبقى هدفها النهائي هو التحكم، أي فرض كامل السيطرة على شخص آخر بشكل كلي ليطيع ويكون في قبضة اليد، كما عجينة الطين في قبضة صانع الفخار .

وكما هو معلوم ياشهرزاد فإن الضرر التي تحققه السادية الباردة هو ضرر نفسي وليس جسدي، اذ أن السادي يقيد حرية أحدهم، بل إنه يخالفه في كل رأي،ويجبره على السير بالإتجاه الآخر، ولا نريد هنا أن نتحدث عمّا يسمى بالسادية النافعة التي تغدق النصح المفيد على الأبناء والبنات والطالب الخلوق، وغيرهم من فئات المجتمع التي تحتاجة الى تقويم عام بسبب قلة خبرتها في الحياة .

إن السادية الباردة عامة ناشئة من تعلق غالبية الناس بحب السيطرة،ولو بابسط أشكالها،وذلك لأسباب بعضها يتعلق بالعدوانية، كما ذكرتِ أنتِ،للشعور بالذات المفقودة، او كشكل من أشكال الإنتقام من الماضي بضحية حاضرة، أمّا الأسباب الأخرى التي تصنع غالبية الساديين برأيي، فهي حصيلة إفتقادهم لقدرة الإقناع وصفات القيادة الحقيقية،لكن أحدهم يجد في المقابل المُنقاد الخنوع الذي يرضا بتحكمه،ويتحمل ألم السيطرة العمياء، بل إنه يشعر بمتعة الألم،ويرضى بالفشل والإهانة، أو التحقير أو الإيذاء اللفظي أو البدني على يد السادي، وهو يكرر هذا السلوك بشكل شبه قهري، ويجد لذة خفية في ذلك،فهو يعشق دور الضحية والمظلوم والمقهور والمُعَذَب، وهذا هو مايسمه علماء النفس بالمازوخية العامة او المازوخية الأخلاقية.

وعلى أختلاف الأسباب الموجبة للسادية الباردة فإن أصحابها لا يحملون قلوبا طيبة في صدورهم، وهم لا يقلون ضراوة عن المتكبرين والمتجبرين، وإنْ انحسرت دائرة تاثيرهم السلبية، ونجدها بصورة جليّة في الطبقة البيروقراطية المطبقة للقانون بحذافيره، وهم بطريقة ما متَحكمِون ومُتَحَكّمٌ بهم، فهم في غاية الطاعة لرؤسائهم، ولايشعرون بالراحة إلا بتطبيق كل صغيرة وكبيرة تصدر عن السادي الأكبر،بل إنهم يتجاوزون مبدأ (القانون والقانون فقط) ليظهروا الولاء لـ(سيد القانون)، بهذا الأسلوب يتخلصون آنياً من حالة الإضطراب الدائمة في مواجهة خطر الحياة، والناس عندهم مقابل القانون مجرد أشياء عليها الإنصياع لإرادة التحكم القهرية التي يمثلها (المازخوي) ليتحول بين لحظة وأخرى الى السادي الأصغر المتحكم بالمواطن البسيط الذي تعذر عليه العبور من على خطوط المرور يوم نسي نظارته في المنزل، واستطاع بإعجوبة أن يسلك طريقه بين عدة مركبات متباعدة، لكن منبه مركبة أحد المتعجرفين أيقظ البيروقراطية لدى ضابط المرور المازاوخي الذي ترك مكتبه ومعاملات المراجعين،ورضخ لأوامر السادي الكبير، وناب عنه بالوقوف في إحدى إشارات المرور بحركة إستعراضية ساعة مرور موكب الوزير.. لم يأتِ الوزير، وتعسر على صاحبنا أن يكون مثلا يقتدى للمازوخية، وانتفخت أوداجه، وعادت إليه حالة الإضطراب والخوف، وكان منبه مركبة المتعجرف لحظة التحول والفرج، في تلك اللحظة تحديدا عادت إليه معالم السادية الباردة، وانطلق نحو الرجل المسن متسلحا بـ(القانون والقانون فقط)، الرجل تعذّر كثيرا من صاحب الوجه المتجهم، وشرح مرارا سبب مخالفته للقانون لكنه أصر على الحاق الأذى المعنوي به ليشعر بالسيطرة والتحكم، حمله معه في سيارة الدورية الى موقف المديرية، ورمى به خلف القضبان قبل أن يطلق قاضي التحقيق سراحه بكفالة مالية .

هؤلاء ياشهرزاد طبقة متسلطة ومحكومة في الوقت ذاته تحت عباءة القانون،وهم يتنفسون حب السيطرة كالمحتضر ساعة نزع الروح، ويرتعد أحدهم في أحوال السكون، ويفضل الموت على كسر روتين البيروقراطية، فهي عالمه الوحيد والبعيد عن عالم الأحياء .

شهرزاد: أخيرا أقررتَ بصعوبة الحال لعلاج من وصفتهم بالمحتضرين، والمحتضر كما تعمل لاينفعه دواء.

- لن أعترض على ماتقولين لكنني سأضرب لك في المرة المقبلة مثلا حيا لعلاج أحدهم .

 

بقلم: عمار عبد الكريم البغدادي

........................

* من وحي شهريار وشهرزاد (18)

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

 

يستمر الأديب جميل السلحوت في سلسلة محاربة الجهل والتخلف، وبعض العادات والتقاليد التي كانت سببا في ترسيخ مفاهيم سلبية أثرت على استقرار الأسر الفلسطينية وسعادتها، هذا التأثير من شأنه أن ينشئ أجيالا مهتزة الشخصية توثر في خلخلة بناء المجتمع، ومن هنا أتت أهمية روايات السلحوت التي منها: الخاصرة الرخوة، والمطلقة والآن اليتيمة.

 أتت رواية اليتيمة لتكمل السلسلة واللافت في رواية اليتيمة أن الأديب تناول الرواية من ناحية عاطفية، حيث أن أحداث الرواية تدور حول عبير اليتيمة التي توفي والدها وأخواها في حادث سير، وتعيش برعاية جدها أبو نعمان ووالدتها لبنى وأخاها عزيز، هذه اليتيمة المتفوقة في المدرسة، آثرت زواج آخاها عزيز على دراستها وقدمت له المنحة التي حظيت بها من معلماتها.

 ضحّت عبير لأجل عزيز بالمقابل قصّر عزيز، ولم يكن أخاً يعتمد عليه، لم يقف معها يسندها إلى أن وقعت ضحية زوج مريض، يعاني من اضطرابات نفسية، عانت معه الأمرين.

2641 اليتيمة للسلحوت

تتحدث شخصيات الرواية بتلقائية روحية تجعل القارئ يألف تلك الشخصيات، ويجسدها في فكره، شخصيات بسيطة تتناول الأحداث بسلاسة، تلك الشخصيات التي يقبلها القارئ، تتطور في فكرة فيرفض كل ظلم وتخلف تقود إليه.

 في بداية الرواية عبير صبية فائقة الجمال متفوقة في دراستها تنتظر فرحة النجاح، وفي نهاية الرواية عبير زوجة مسلوبة الإرادة تقف تنتظر الطلاق وعلى يدها طفلها، الذي ستربيه بلا أب ولم تبلغ العشرين بعد، وبين البداية والنهاية حاور الكاتب نفوسنا وأتى على عيوب عاداتنا وتقاليدنا، وبيّن كم يسهم المجتمع في ظلم الأنثى، ويفرق بينها وبين الذكر، همس الكاتب بعتاب مبطن يقول: كفى تخلفا.

شخصية عبير ليست ضعيفة أو مهزوزة أو منكسرة لِتُلقى بين ليلة وضحاها في حضن زوج لا تعرف عنه شيئا، لقد قبلت عبير أن تعيش دور الزوجة المقهورة، لا يَظهر أنها حاولت تغيير ساكن لأجل أن تنجح حياتها الزوجية، فقط عاشت حسب المطلوب منها، زوجة تقليدية مخلصة، صحيح أن تلك الصورة جميلة في حفظ البيوت، لكنها صورة مشوهة، عبير أوصدت باب بيتها على قهرها، ورضيت به إلى آخر رمق، وكل ذلك لم يجدِ، ففي النهاية تركها مهيب يتركها وذهب، هي شخصية رغم جمالها وتفوقها في دراستها، لا تستغل ذكاءها لتغير واقعها، استسلمت ولم تكمل تعليمها الجامعي، واستسلمت لزوج مريض، هي ضحية نفسها أولا، وضحية أخيها الذي لم يكن له دور إلى جانبها في الرواية، وضحية جدها الذي رأى الظلم يقع عليها مرة إثر مرة ولم يحرك ساكنا، وضحية والدتها كذلك التي تعتبر المشاكل العائلية أسرار بيت  يجب ألّا تخرج، وعلى الزوجة القبول والتسليم لكل أمر يواجهها في بيتها، ويعترض سكينتها وسعادتها.

جميعهم أنكروا الشكوك، غرهم وسامة مهيب وتعليمه، ودفعوا ابنتهم لقبول الحياة القاسية ولم يعلموها ما هي حقوقها كزوجة.

وكم من بناتنا يشبهن عبير! لبؤة في حجر فأر.

تضيق عليها الدنيا، وتنقطع أنفاسها ولا أحد يسمعها، باسم القدر والنصيب والعادات والتقاليد تُقتل بناتنا بصمت، ويُرغمن على إكمال حياتهن بلا حياة، يصبحن ضحية وينجبن ضحايا، وإن تكلمن وقعن في المحظور.

قتل بطيء لا يُسمعه المارة، بكاتم صوت، رصاصة تُدّك باسم الحب والزواج وتمضي، فعليا تتوقف الحياة تماما.

ابن عبير شاهد على الجريمة، ضحية الضحية.

حاور الأديب جميل السلحوت أرواحنا بقلمة الجريء، ونظرته العميقة، مستخدما أدلة من القرآن الكريم، ومجموعة من الأمثال الشعبية منتقاة لتناسب الأحداث، معرجا على الأقصى بجماله ورونقه، ذاكرا بعض الأماكن التي يحن القارئ لزيارتها مثل: جبل المشارف عين سلوان التحتا والفوقا وبئر أيّوب.

يذكر أن الرواية صدرت عن مكتبة كل شيء في حيفا، وتقع في 260 صفحة، من تصميم شربل الياس، أمّا لوحة الغلاف فهي للفنّان محمد نصرالله.

 

الأديبة: إسراء عبوشي

 

احمد عزت سليماعتبر بعض العلماء مثل سي سو كارتر وستيفن دبليو بورجز فى دراستهما عن "كيمياء الحيوية للحب: فرضية الأوكسيتوسين" أن الحب حبا بيولوجيا وأن ينتتشر فى كل حياتنا وبتاثير عميق على الحالة العقلية والجسدية، وأن "كسر القلب" أو فشل العلاقة يمكن أن يكون له آثار كارثية؛ وأن الفجيعة تعطل فسيولوجيا الإنسان وقد تؤدي إلى الوفاة، وأنه بدون علاقات حب، يفشل البشر في الازدهار، حتى لو تم تلبية جميع احتياجاتهم الأساسية الأخرى، وبناء على ذلك، من الواضح أن الحب ليس "مجرد" عاطفة؛ إنها عملية بيولوجية ديناميكية وثنائية الاتجاه في أبعاد متعددة. التفاعلات الاجتماعية بين الأفراد، على سبيل المثال، تؤدي إلى عمليات إدراكية وفسيولوجية تؤثر على الحالات العاطفية والعقلية، وبدورها، تؤثر هذه التغييرات على التفاعلات الاجتماعية المستقبلية وبالمثل، تتطلب المحافظة على العلاقات المحبة ردود فعل مستمرة من خلال النظم الحسية والمعرفية؛ يسعى الجسم إلى الحب ويستجيب باستمرار للتفاعل مع أحبائهم أو لعدم وجود مثل هذا التفاعل، وأن الحب الإنساني أكثر تعقيدًا من آليات التغذية الراجعة البسيطة فالحب قد يخلق واقعه الخاص .

تنشأ بيولوجيا الحب في الأجزاء البدائية من الدماغ - وهي القلب العاطفي للجهاز العصبي البشري - التي تطورت قبل وقت طويل من القشرة الدماغية . إن دماغ الإنسان "في الحب" تغمره الأحاسيس، التي تنتقل في كثير من الأحيان عن طريق العصب المبهم، مما يخلق الكثير مما نختبره كمشاعر، تكافح القشرة الحديثة لتفسير الرسائل الأولية للحب، وتنسج رواية حول التجارب الحشوية الواردة، والتي قد تتفاعل مع تلك القصة بدلاً من الواقع، وتعتبر قضية الدور الرئيسي للأوكسيتوسين في الحب قوية، ولكن حتى وقت قريب كان يعتمد إلى حد كبير على الاستقراء من البحوث حول سلوك الوالدين أو السلوكيات الاجتماعية في الحيوانات ومع ذلك، فقد أظهرت التجارب التي أجريت على البشر أن إيصال الأوكسيتوسين عبر الأنف يمكن أن يسهل السلوكيات الاجتماعية، بما في ذلك الاتصال بالعين والإدراك الاجتماعي وهى السلوكيات التي تقع في قلب الحب، والأوكسيتوسين ليس المكافئ الجزيئي للحب إنه مجرد مكون مهم في نظام كيميائي عصبي معقد يسمح للجسم بالتكيف مع المواقف شديدة الانفعال، وتشمل الأنظمة اللازمة للتفاعلات الاجتماعية المتبادلة شبكات عصبية واسعة من خلال الدماغ والجهاز العصبي اللاإرادي التي تتسم بالديناميكية وتتغير باستمرار أثناء حياة الفرد كما أن خصائص الأوكسيتوسين ليست محددة مسبقًا أو ثابتة حيث يتم تنظيم مستقبلات الأوكسيتوسين الخلوية بواسطة هرمونات أخرى وعوامل جينية، وهذه المستقبلات تتغير وتتكيف مع تجارب الحياة، كل من الأوكسيتوسين وتجربة الحب تتغير مع مرور الوقت، على الرغم من القيود، أثبتت المعرفة الجديدة لخصائص الأوكسيتوسين أنها مفيدة في شرح العديد من الملامح الغامضة للحب . ورأى العديد من العلماء أن أن تكون في الحب يعني أن الجسم يبدأ سلسلة كاملة من العمليات الكيميائية الحيوية حيث يتم توجيه مسرحية "الحب" الخاصة بك عن طريق هذه الهرمونات فهو "هرمون الحب" الأكثر أهمية. في البحوث الكيميائية العصبية، حيث يرتبط الأوكسيتوسين بمشاعر مختلفة، بما في ذلك الحب والثقة على سبيل المثال، تؤدي المداعبة الجلدية إلى إطلاق الهرمون الذي يضمن الشعور بالراحة وبالتالي يقوي الرابطة مع الشريك الذي يثير هذا الشعور بالراحة . بالإضافة إلى ذلك، وله تأثير يعزز المتعة. خلال النشوة الجنسية، يتم زيادة إفراز الهرمون بشكل كبير . بعد صنع الحب، يضمن مستوى الأوكسيتوسين العالي الاسترخاء العميق والتعب ومن المفترض أن هذا الهرمون مسؤول أيضًا عن العلاقة الحميمة للزوجين حي، ويستخدم أيضًا في زيادة الجرعات عند الولادة موزع ومسؤول بشكل مشترك عن العلاقة العاطفية للأم مع طفلك، وقد حدد علم النفس فى دراسة ل د. جوليا كلينكوش نشرتها بوابة الصحة الألمانية ستة أنماط نموذجية على أساس معايير مختلفة لمراحل الشراكة فى الحب والسعادة وحيث تزداد جودة الشراكة - وبالتالي تعيش أكثر سعادة وصحة وتتمثل المراحل في:

المرحلة الأولى: طازجة في الحب والتحرك معا بسرعة لرؤية وتعامل الزوجين لبعضهما البعض.

المرحلة الثانية: التعرف على بعضهم البعض بشكل صحيح والتحدث وبنظرة فاحصة صريحة معا .

المرحلة الثالثة: قبول الخصوصيات وحيث لا أحد يستطيع تغيير شخص بالغ وأن تكون قادرًا على قبولها وحبها كما هو / هي، وإعادة التفكير في أفكارك الخاصة وربما تعديلها والتعامل مع خصوصيات بعضهم البعض وتفضيلاتهم على المدى الطويل .

المرحلة الرابعة: اتخاذ القرار الصحيح بمعرفة موضوعية ل هل تتطابق خطة الحياة مع أهم النقاط؟ هل نحن نحب بعضنا البعض؟ هل يمكن أن نجادل جيدًا، هل يمكن للجميع الاستسلام وهل نتصالح في كل مرة بشكل صحيح؟ إذا سارت الأمور على ما يرام، يقول الشريكان الآن "نعم" لبعضهما البعض ويقرران الزواج .

المرحلة الخامسة: إتقان الحياة اليومية بداية من الأطفال، والعلاقة الوظيفية، وتخصيص الأدوار، والحياة اليومية والروتينية والتعامل مع جميع المشكلات بشكل علني وزرع علاقتك بتذكر البداية الرائعة، دلل نفسك معا بعطلة نهاية أسبوع .

المرحلة السادسة: الاستقرار والسعادة بأن لا تنسى أن الشراكة الجيدة يجب أن تزرع أيضًا بإستمرار معا .

وأكدت الدراسة لإستمرارية الحب والسعادة لابد من ألا تدع الحياة اليومية تخيف الحب وأن تظهر لشريكك الجانب الأفضل، كما أن المراوغات العاطفية والجمالية تأتي للضوء في الحياة اليومية وضرورة التحدث مع بعضهم البعض واحترام احتياجات بعضهم البعض وأن تجعل من حبيبتك الشوكولاتة المفضلة لديك - أو دون تذمر - شاهد فيلم شريكك المفضل وكل من يهتم يظهر أنه يحترم احتياجات الشريك والاحترام هو أساس مهم للحب، ولا تضيق على شريكك فهذا يضر الحب فكل علاقة تحتاج إلى الفضاء للتفرد لفعل شيئ بمفرده، وأكدت الدراسة على أن الأزواج الذين يفعلون كل شيء معًا يواجهون خطر الانفصال بشكل أسرع لأنه إذا واجهت كل شيء معًا، فلن يتبقى لك شيء تخبر شريكك به" ومن المهم أن يتمتع كل واحد منكما بحرية في العلاقة ويجب ألا تخفي أي شيء عن شريكك سترى أنه يستمتع باكتشاف جوانب غير معروفة لك وسيحافظ على حبك جديدًا، وأكدت أن الغيرة المرضية تهدد كل علاقة للحب والسعادة ومع أن الغيرة جزء من الحب فإنها تؤثر عليه فيمكن أن تكون الغيرة الطفيفة حافزًا لك لمحاولة بذل جهد أكبر لشريكك مرة أخرى، لأن الغيرة تظهر لك أنك تحب شريك حياتك، ولكن الغيرة كمرض وتؤدى إلى سلوكيات تهدد علاقة الحب الدائمة فإذا كان لديك شريك غيور بشكل مرضي، فتحدث معه حول المشكلة وأوضح أنك تحبه / لا تقبل الغيرة وفي معظم الحالات، تفتح الأبواب لأن الغيرة تعرف سلوكك وترغب في وضع حد له وادعم شريكك في العلاج وساعد في تعزيز احترام الذات، والاحترام والصداقة أساس لبقاء الحب ويجب أن يكون لهما الإستمرار حتى لو تم الإنفصال وأن إحترام ذلك وإستمراريته بمعاملة عادلة ومحترمة فسيحتفظ لاحقًا بالذاكرة في ذاكرة إيجابية ويكون هناك أمل فى العودة .

 

بقلم: أحمد عزت سليم

عضو إتحاد كتاب مصر

 

جميل حسين الساعديفي السابع من تشرين الأول للعام 1959 جرت محاولة اغتيال للقائد الوطني الزعيم عبد الكريم قاسم، في رأس القرية ( شارع الرشيد) أصيب على أثرها بجراح، وتمّ نقله الى مستشفى دار السلام الكائن في شارع 52، وقد زاره وقتها شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري، وألقى على مسامعه هذه القصيدة، التي أحتفظ بنسخة  منها طبق الأصل، منذ أن كنت شابا يافعا، وهذه هي المرة الأولى، التي ينشر فيها النص الأصلي  للقصيدة، أما ما نشر حتى الآن منها فهو بعيد بعض الشئ عن روح النص الأصلي فقد حذفت بعض الأبيات وأضيفت أخرى وحوّرت بعض الكلمات، حتى أنّ أسم الزعيم عبد الكريم لم يرد فيها .

 لقد تنبأ الشاعر بما سيحدث للزعيم  في مقتبل الأيام، اذا لم يستخدم الحزم والردع مع مع من يحيكون الدسائس والمؤمرات ليل نهار خدمة للأجنبي ومخططاته لإيقاف مسيرة التقدم والبناء في العراق، التي كان رائدها وراعيها،وفعلا صدقت نبؤة الشاعر، فقد تمّ قتل القائد الوطني عبد الكريم قاسم في 8 شباط إثر انقلاب عسكري دموي، القائد الذي أصدر قانون رقم 80 لتأميم النفط، وقانون الإصلاح الزراعي، وقانون المساءلة : من أين لك هذا ؟ والكثير من القوانين، التي حسّنت من واقع الطبقات الفقيرة والمحرومة، التي خاطبها مرة َ واصفا أوضاعها بأبلغ وأصدق كلام في احدى خطبه، حيث قال : وإنّ حال الواحد منكم كحال الإعرابي، الذي وصف حاله بهذا البيت من الشعر

ولي ثيــابٌ رثــــاثٌ لســتُ أغسلـــــها

أخافُ أغسلهـــا تجــــري مع المـــــاءِ

2638 الجواهري وعبد الكريم قاسم

الجواهري يزور عبد الكريم في مستشفى دار السلام بعد تعرضه لمحاولة اغتيال في رأس القرية

أمّا عن جريمة قصر الرحاب، التي راح ضحيتها الملك وعائلته، ولم يسلم منها جتى الخدم والطباخون والعاملون في القصر، فلم يكنْ للزعيم يدٌ فيها، بل كانت نتيجة تصرّف فردي قام به النقيب عبد الستار سبع العبوسي، الذي أطلق الرصاص على العائلة المالكة، والتي أعلنت استعدادها لمغادرة البلاد امتثالا لأوامر الأمير عبدالله، الذي طلب من الحرس الملكي بعدم اطلاق النار على المهاجمين. كانت جريمة نكراء لا تُغتفر، يندى لها جبين الإنسانية . تلك الجريمة المروعة حدثت بدون علم عبد الكريم ورفاقه، وقد أبدى الجميع أسفهم وحزنهم لدى سماعهم الخبر.

 قصيدة تحرّك اللحد

للشاعر محمد مهدي الجواهري

كِلُوا إلى الغَيبِ ما يأتي به القَدَرُ

                واستَقبلوا يومَكُمْ بالعزمِ وابتدروا

وصَدِّقُوا مُخْبِراً عن حُسْنِ مُنْقلَبٍ

                وآزِرُوه عسى أنْ يَصْدُقَ الخَبَرُ

لا تَتْرُكوا اليأسَ يَلقى في نُفوسكم

                لَه مَدَبَّاً ولا يأخُذْكُمُ الخَوَر

إنَّ الوساوِسَ إنْ رامَتْ مَسارِبَها

                سَدَّ الطريقَ عليها الحازِمُ الحَذِر

تَذكَّروا أمس واستوُحوا مَساوئهُ

                فقدْ تكونُ لَكُمْ في طَيَّه عِبَر

مُدُّوا جَماجِمَكمْ جِسراً إلى أملٍ

                تُحاوِلونَ وشُقُوا الدربَ واخْتَصِروا

وأجمِعوا امرَكُم يَنْهَضْ بسعيِكُمُ

                شَعبٌ إلى هِمَمِ الساعينَ مُفْتَقِر

إنَّ الشبابَ سِنادُ المُلْكِ يَعضُدُهُ

                أيّامَ تُوحِدُهُ الأرزَاءُ والغِيَــــــر

أتتْكُمُ زُمرةٌ تحدو عزائِمَها

                ما خَلَّفت قَبلها من سيّيءٍ زُمَر

ألفتْ على كلِّ شبرٍ من مَسالكها

                يلوحُ مما جَنى أسلافُها أثــــر

مُهمةٌ عظُمت عن انْ يقوم بِها

                فردٌ وأن يتحدَّى امرَها نفــــر

ما إن لكُم غيرَهُ يومٌ فلا تَهنوا

                وقـــــد أتتكم بما تخشونه نُذُر

طالتْ عَمايةُ ليلٍ ران كَلْكَلُه

                على البلادِ وإنَّ الصُبْحَ يُنتظر

وإنما الصُبحُ بالأعمال زاهيةً

                لا الوعدُ يُغري ولا الأقوالُ تنتَشِر

وأنتَ عبد الكريم الفذّ من لهجـتْ

                بما جَسرتَ عليه البدوُ والحضر

الكابتُ النفسَ أزماناً على حنَقٍ

                حتى طغى فرأينا كيفَ ينفجر

والضاربُ الضربةَ الأولى لصَدمتِها

                لحمُ العُلوج على الأقدام ينتثر

هل ادَّخرتَ لهذا اليوم إهبَته

                أم أنت بالأجل الممتَّدِ مُعتذر

أقدَمتَ إقدامَ من لا الخوفُ يمنَعُهُ

                ولا يُنَهنِهُ مِن تَصميمهِ الخطر

وحَسْبُ امرِك توفيقاً وتوطئةً

                أنَّ الطُغاةَ على الأعقابِ تَندحر

دبَّرتَ أعظمَ تدبيرٍ وأحسنَه

                تُتلى مآثِرُهُ عُمـــــــــراً وتُدَّكر

فهل تُحاوِل ان تُلقي نتائِجه

                يأتي القضاءُ بها أو يَذْهب القَدَر

وهل يَسُرُك قولُ المُصطلين به

                والمُستغِلين أنَّ الأمرَ مبتَسَر

وأنَّ كُلَّ الذي قد كانَ عِندَهم

                على التبدل في الأسماءِ مُقْتَصر

وهل يَسُرُك أن تخفي الحُجُولُ به

                ما دامَ قد لاحتِ الأوضاحُ والغُرَر

أُعيذُ تلك الخُطى جَبَّارةً صُعِقَت

                لها الطواغيتُ وارتجَّت لها السُرُر

أنْ يَعتري وقْعَها من رَبكةٍ زَللٌ

                أو أن يثبِّط من إقدامها الحَذَر

ماذا تُريد وسيفٌ صارِمٌ ذَكرٌ  

              يحمي الثغورَ و أنتَ الحيَّة الذَكر

والجيشُ خلفَك يُمضي مِن عزيمتهِ

                فَرطُ الحماسِ ويُذكيها فتَستعِر

أقدِمْ فأنتَ على الإقدامِ مُنطَبِعٌ

                وأبطُشْ فأنت على التنكيل مُقتدر

وثِقْ بأن البلادَ اليومَ أجمعَها

                لما تُرجيِّه مِن مسعاك تَنتظِر

عبد الكريم وما الإلهــام معجـزة

                حتّى النبيّــون في إلهامهم بشـرُ

قدْ أقرأُ الغيبَ لمْ يخصصْ بهِ أحدٌ

                وقدْ أقولُ الذي من أمسِ يُدّخرُ

إنَّ الرؤوسَ التي أبقيتَ جمّعهـــا

                في الأربعاءِ برأسِ القريّةِ القـدرُ

لا تُبقِ دابِرَ أقوامٍ وتَرْتَهم

                فَهم إذا وَجدوها فُرصَةً ثأروا

هُناك تنتظِرُ الأحرارَ مَجزرةٌ

                شنعاءُ سوداءُ لا تُبقي ولا تَذَر

وثَمَّ شِرذِمةٌ الفَتْ لها حُجُباً

                من طُولِ صَفحٍ وعَفوٍ فهي تَستَتر

إنّي أُصارِحك التعبيرَ مُجترئاً

                وما الصريحُ بذي ذَنبٍ فَيعتذر

إن السماءَ التي ابديتَ رَونَقها

                يومَ الخميس بدا في وَجهها كَدَر

تَهامَسَ النفَرُ الباكون عَهدَهُم

                أن سوفَ يرجِعُ ماضيهم فَيزدِهر

تَجري الأحاديثُ نكراءً كعادتِها

                ولم يُرَعْ سامرٌ مِنهُم ولا سمر

فحاسبِ القومَ عن كلِّ الذي اجترحوا

                عما أراقوا وما اغتلوا وما احْتَكروا

للآن لمْ يُلغَ شبرٌ من مَزارعِهم

                ولا تَزحزح مّمِا شيَّدوا حَجر

ولم يزل لهمُ في كلِّ زاويةٍ

                مُنوِّهٌ بمخازيهم ومُفَتخر

وتلكَ لِلحرَّ مأساةٌ مُهيَّجةٌ

                يَدمى ويدمعُ منها القلبُ والبصَر

فضيِّقِ الحبلَ واشدُدْ مِن خناقِهُمُ

                فَربَّما كانَ في إرخائه ضَرر

ولا تَقُلْ تِرَةٌ تبقى حَزازتُها

                فَهُمْ على أيِّ حالٍ كُنتَ قد وُتِروا

تَصوَّرِ الأمرَ معكوساً وخُذْ مَثَلاً

                مما يَجرُّونه لو أنهم ظفــــروا

أكانَ للرِفِقِ ذِكرٌ في مَعاجِمهمْ 

                  أمْ عنْ كريـــمٍ وأخوانٍ لهُ غفروا

تالله لاقتِيدَ "زيدٌ " باسم " زائدةٍ"

           ولأصطلى " عامرٌ " والمبتغى " عُمَر"

ولا نمحى كلُ رَسمٍ من مَعالمكُم

                ولاشتَفَتْ بِكُم الآثـــارُ والسِيَـــــر

ولا تزالُ لهم في ذاكَ مأرُبَةٌ

                ولا يزالُ لهم في أخذِكُم وطَـــــر

أصبحتُ أحذرُ قولَ الناسِ عن أسفٍ

                من أن يروا تِلكمُ الآمالَ تَندَثِـــــر

تَحرَّكَ الَلحدُ وانشقَّت مُجدَّدةً

                أكفانُ قَومٍ ظنَّنا أنَّهـــــم قُبِــــروا

              ***

جميل حسين الساعدي

 

 

يسري عبد الغنييرجع ابن قتيبة إلى أصل فارسي، وهو ينسب إلى عدة بلدان، فيقال له: الدنيوري، لأنه أقام مدة بالدنيور قاضياً، ويقال له: المروزي، لأن اباه من مرو الروز، ويقال له: الكوفي، لأنه ولد في الكوفة وفقا لبعض الآراء، ويقال له: البغدادي للسبب نفسه .

كان مولده سنة 213 هـ = 828 م، والراجح لنا أنه ولد بالكوفة، وسكن بغداد، وقضى بها معظم حياته إلى أن توفاه الله سنة 276 هـ.

أخذ ابن قتيبة من علماء بغداد الحديث والفقه واللغة والأدب والنحو والأخبار، وقد كان خمسة من أساتذته أعظم تأثيراً في أدبه وعلمه، وهم: أبو الفضل الرياشي، وعبد الرحمن بن عبد الله بن قريب، وابن شقيق الأصمعي، وإبراهيم بن سفيان الزيادي، وأبو حاتم السجستاني، وإسحاق بن رهويه .

ولإبن قتيبة مجموعة كبيرة من المؤلفات، طبع منها: (كتاب الأنواء)، و(كتاب المعاني الكبير)، و(كتاب مشكل القرآن)، و(كتاب الميسر والأقداح)، و(كتاب الأشربة)، و(كتاب الشعر والشعراء)، و(كتاب عيون الأخبار) ... إلخ .

كما أن لابن قتيبة كتباً أخرى مازالت مفقودة حتى يومنا هذا، وذلك مثل:  (كتاب الخيل )، و(كتاب السباع) .

ولأدب الكاتب الذي ألفه ابن قتيبة قيمة كبيرة معروفة، عرفها العلماء منذ زمن قديم، إذ كان شيوخ ابن خلدون يعتبرونه من الكتب الأربعة الأساسية التي لا يستغني عنها أي مثقف .

وقد ظهر أثره في بعض الكتب التي ألفت بعده، مثل كتاب (أدب الكتاب) لأبي بكر الصولي، المتوفى سنة 335 هـ، وكتاب (صبح الأعشى في صناعة الانشا) للقلقشندي .

وكتاب (أدب الكاتب) طبع في مطبعة الوطن بالقاهرة سنة 1300 هـ في 339 صفحة، كما أنه طبع قسم منه في مدينة ليبزيج الألمانية سنة 1847 م، بعناية المستشرق / إسبرول، مع ترجمة لهذا القسم إلى اللغة الفلمنيكية، وعليه تعليقات مفيدة .

ثم عاد الدكتور / ماكس جرورت فأعاد طباعته، وكان ذلك في مدينة ليدن، سنة 1900 م، كما وضع له عدة فهارس مفيدة .

أما كتاب ابن قتيبة (عيون الأخبار)، فقد طبع لأول مرة في دار الكتب المصرية بالقاهرة، في أربعة مجلدات كاملة، من سنة 1343 هـ = 1929م .

كما طبع في مدينة وايمار (فايمار) سنة 1898 م، وذلك بعناية المستشرق الألماني / كارل بروكلمان .

هذا، وقد عقد ابن قتيبة في (عيون الأخبار) فصولاً عن الحيوان، ترجمها إلى اللغة الألمانية ودرسها (فيدمن) في بحث مهم له بعنوان: "بحوث في العلوم الطبيعية عند ابن قتيبة "، نشر في سنة 1915 م .

وهذا القسم ترجم إلى اللغة الإنجليزية بقلم (كويف) تحت عنوان: "قسم التاريخ الطبيعي من كتاب عيون الأخبار لابن قتيبة "، صدر سنة 1949 م، في كل من باريس الفرنسية، وليدن الهولندية في آن واحد

 

بقلم / د. يسري عبد الغني

 

ناجي ظاهراعتقد أن الكاتب الروائي القرغيزي الخالد جنكيز أيتماتوف (12 كانون الأول 1928 - - 10حزيران 2008)، احد كتاب الاتحاد السوفيتي سابقًا، وصاحب المؤلفات الروائية المقروءة في 165 لغة من لغات العالم، رغم ما حظي به في حياته من أمجاد أدبية، قد مات وفي قلبه حسرة لأنه لم يحصل على جائزة نوبل الأدبية.

وفي ظني أن ايتماتوف، وهو من الكتاب الأثيرين على نفسي القريبين منها، بذل جهدًا ليس قليلًا للحصول على هذه الجائزة رغم انه حصل على اكبر جائزتين في بلاده وهما جائزة لينين وجائزة الدولة السوفيتية، وأشير مما بذله هذا الكاتب الهام إلى أمرين قام بهما ونفذهما في أخريات أيامه في عالمنا، احدهما انه خصص رواية للعنة الإرهاب والإرهابيين، والأخرى انه قام قبل وفاته بفترة بزيارة إلى إسرائيل.. ربما اعتقادًا منه ان جائزة نوبل قد تصل إليه عبرها.

لقد خصص ايتماتوف إحدى رواياته الأخيرة "الجبال تتداعى- أو العروس الخالدة"، لمعالجة موضوع الإرهاب وما يُخلّفه على الحياة المعاصرة من الأم وأحزان، وقد وظف في هذه الرواية كل ما لديه من خيال ثري لإعلان الحرب الأدبية على ما أوحى انه إرهاب، ربما لاعتقاده أن المقياس الإنساني الذي تضعه لجنة جائزة نوبل هو محاربة الإرهاب ورسالة تدعو للسلام بالأساس، أما زيارته لإسرائيل فقد قام بها رغم انف الكثيرين من محبيه، طموحًا في نيل جائزة حلم ويحلم بها معظم كتاب كرتنا الأرضية.. إذا لم يكن كلهم.

في رأيي المتواضع أن ايتماتوف استحق جائزة نوبل الأدبية منذ بداياته الكتابية الأولى وهو في الثلاثين من عمره، فقد أصدر في تلك الحقبة الخصبة من حياته روايته "جميلة" التي ستتحول فيما بعد لتصبح فيلمًا سينمائيًا إنسانيًا يهز مشاعر الناس في معظم أنحاء العالم، ويدفع واحدًا من أهم شعراء القرن العشرين لويس اراغون لان يقول بملء فمه إن " جميلة" هي أجمل قصة حب في العالم.

لمزيد من التعريف بايتماتوف نقول انه أصدر خلال حياته التي قاربت الثمانين حولًا، إضافة إلى روايتيه الآسرتين جميلة وعندما تتداعى الجبال- او العروس الخالدة، عددًا من الروايات الهامة نذكر منها: المعلم الأول، ويطول اليوم أكثر من قرن، طريق الحصاد، النطع، السفينة البيضاء، ووداعًا ياغولساري، الغرانيق المبكرة، شجيرتي في منديل أحمر، طفولة في قرغيزيا، نمر الثلج، الكلب الأبلق الراكض عند حافة البحر.

اتصفت روايات ايتماتوف بالعديد من الصفات التي كرسته كاتبًا يتعدى النطاق المحلي إلى العالمي، اعتقد أن أبرزها تمثل بحس إنساني رفيع وفي استلهام للروح الشعبية عميقة الأغوار وتمكنه من التعبير عنها بسحر نادر، إضافة إلى انه لم يتردد في نقد الظواهر السلبية في بلاده، وبإمكان من يقرأ روايته الفاتنة " وداعًا غولساري"، ان يلمس جرأته في النقد المجتمعي السياسي.. لمس اليد.

طبع من روايات ايتماتوف هذه بلغات مختلفة أكثر من ستين مليون نسخة، قرأها الناس في انحاء مختلفة من عالمنا وبهروا بها، ومما يُذكر له ان ايتماتوف كان كاتبًا حقيقيًا.. عمل في مراحل حياته الأولى في مهن عديدة منها في تربية الدواجن وقيادة جرّار، فقد اضطر بعد إعدام والده في عاما 1937 في موسكو، للعمل باكرًا ابتداء من عمر 14 عامًا ويشار انه أوصى بان يدفن بعد رحيله الأبدي إلى جانب والده الذي اعدم ظلمًا.

اهتم ايتماتوف في رواياته بالجانب الروحي والنفسي للإنسان، كما يبرز في مجمل رواياته اهتمامه الشديد بالبيئة والطبيعة، وحظيت رواياته بالكثير من الإطراء والتقدير. وقد ترجمت رواياته هذه إلى اللغة العربية وبإمكان الإخوة القراء العربي ممن لم يحالفهم الحظ لقراءته أن يفعلوا،.. وعلى مستوى شخصي عمل ايتماتوف سفيرًا للجمهورية القيرغيزية في بلجيكا، الإتحاد الأوروبي، حلف الناتو واليونيسكو. وكان ايتماتوف عضوًا في مجلس السوفييت الأعلى ورئيس تحرير مجلة "الآداب الأجنبية" في موسكو وشغل خلال السنوات الأخيرة من حياته منصب سفير قيرغيزيا لدى دول البيلونكس.

لقد لعب ايتماتوف دورًاً كبيرًا في الثقافة العالمية واعتبر الرئيس القيرغيزي كرمان بك باكييف في كلمة تأبينيه  له، أن رحيل ايتماتوف خسارة كبيرة لقيرغيزيا والعالم بأسره. لقد بلغ ايتماتوف ذرى المجد الأدبي السامقة، وتمكن من أن يحقق أحلامه الأدبية من طفل يتيم إلى واحد من أهم كتاب القرن العشرين، إلا أن حلمه في نوبل الأدبية اخفق، في رأيي، مما أضاف إلى أحزانه الإنسانية المتجلية في العديد من أعماله الروائية.. أحزانًا أخرى إضافية.

ويبقى سؤال ملح.. أيهما خسر جنكيز ايتماتوف أم جائزة نوبل؟.

 

بقلم: ناجي ظاهر

 

نايف عبوشأحاط العربي بأسرار لغته العربية بذوقه الفطري اللغوي السليم، إحاطة تامة، ولهذا أدرك دلالة كلماتها بدقة، فكانت المواءمة بين الألفاظ والمعاني في كلامه سليقة فطرية، فإذا صادف أن خرج الشاعر عندهم عن تلك الدلالة، واستخدم (كلمة في غير ما وضعت له)، فإنه يحاول إصلاح هذه الكلمة كما فعل( طرفة بن العبد) مع الشاعر (المسيب بن علس)، وذلك حينما وصف (الجمل) بـ (الصيعرية) التي هي في اللغة العربية الفصحى من (سمات الناقة فقط)، فحاول طرفة بن العبد أن يعيد ذلك الشاعر إلى الصواب، فقال: (استنوق الجمل)، بعد أن علم الخطأ (بفطرته اللغوية السليمة)، باعتبار ان تلك الصفة وضعت للناقة لا للجمل.

وحفلت كتب الأدب والشعر في اللغة العربية بالكثير من الأمثلة في هذا المجال، ومنها على سبيل المثال ما روي عن (النابغة) في نقده لشعر (حسان بن ثابت)، وذلك عندما أنشده:

لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى

وأسيافنا يقطرن من نجدة دمَا

ولدنا بني العنقاء وابني محرق

فأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما

فقال له النابغة: أنت شاعر، ولكنك (قللت جفانك وأسيافك)، و(فخرت بمن ولدت) و(لم تفخر بمن ولدك)، فمثل هذا النقد للمبالغة يأتي تحت نقد المعنى؛ لأن المقام كان (مقام فخر)، وكانت (المبالغة مطلوبة)، ولكنه (فخر بأولاده) و(لم يفخر بأجداده) ..

فما احرانا اليوم أن نرتقي بامكاناتنا اللغوية، ونطور قدراتنا فيها بعد أن لحنت بمفرداتها ودلالاتها ألسنتنا، ورطنت بها ذائقتنا،فبتنا نعيش عجمة عربيزية مقفرفة، خالية من الجرس الذوقي والجمالي المرهف.

 

نايف عبوش

 

 

خالد جودة احمدفي مجموعة القصص المعنونة (الذي تحدى الإعصار) لرائد أدب الخيال العلمي (نهاد شريف) تطالعنا قصة شيقة معنونة (السينكرفينا)، والعنوان المبتكر يثير تطلع القارئ، وهو في القصة اسم مختصر لمبتكر علمي مستقبلي يحقق (سينما الذاكرة الدفينة) بحيث تتجسد الذكريات من خلال ارتداء مرتاد السينما طاقية الأقطاب النووية المطورة على شاشة سينما ليحصد بتعبير القصة (متعة المتع .. رؤية أحداث عمرك الماضية تحيا من جديد بكامل بهائها ورونقها)، ليس هذا وفقط بل يمكن للآخرين أن يشاركوا في المشاهدة وكأنه فيديو يمكن استعادة بعض مقاطعه واعاده عرضه مرة أخرى.

والقصة مشوقة بها جانب بوليسي مثير ومفاجأة في خاتمة القصة في الكشف عن جريمة قتل، ورغم تنوير القصة في الخاتمة لكنها تبدو كأنها انتهت قصرا بسبب التخلص فيها من خلال سطور نهاية القصة التي تشرح المشروح، وتؤكد المؤكد، والذي كان يمكن تركه للقارئ لإكماله بتصور ماذا يمكن أن يحدث بعد ذلك، فأرى أنها لو انتهت والقتيل يجود بأنفاسه الأخيرة فتنتهي القصة عند: "شكرية برئية ش.. كرية .. بر .. ئية" لتناهت في الروعة فوق ما هى رائعة، وبالطبع لن احكي القصة كاملة حتى أترك للقارئ فرصة متعته الكاملة بالقصة.

هذا الجانب القصصي المشوق اكتنفته سمات أخرى أثيرة لدى الأديب الحقيقي الكبير منها الفكرة العلمية هنا دائرة في إطار استشراف علمي (لا نبوءة) من خلال تراتبية تبدأ من شواهد علمية آنية في عالمنا المعاصر، استعملها القاص الذكي ليصنع منها شرفة علمية نستطلع بها المستقبل، فورد بالقصة (مقدرة المخ الفذة على اختزان مليون بليون معلومة .. أو ما يزيد) ثم سرد فكرة نقل النبضات الكهربائية المخية إلي الأجهزة ومن خلال هذا ابتكر القاص فكرة تلك السينما، والطريف ومن قلب الفكر العلمي يقول لنا إن طريق العلم قائم على التطوير وحل المشكلات العلمية، فيستشرف أيضا أن هناك معضلة علمية وهى عدم القدرة على تحديد ساعات بعينها من الذاكرة المنسية لعرضها في السينما، وأنه سوف يتم التغلب على هذه المعضلة في أحداث القصة أيضا العام 2128 الذي هو زمن ماضى بالقصة رغم أنه زمن مستقبلي للقارئ بما يعنى أن شوق الإنسانية للاكتشاف لا يقف في سبيله حدود. ومن تداعي الذاكرة أني طالعت في كتاب "وجدتها" وهو كتاب علمي جميل للكاتب/ إيهاب الأزهري، أن رجلًا تقدم في فترة مبكرة من القرن العشرين بطلب إغلاق مكتب براءات الإختراعات لأنه لم يصبح لها ضرورة بعد أن وصلت العلوم –من وجهة نظره- إلى أقصي مدي، فلم يعد هناك من جديد يمكن أن يجرى اختراعه!

وجاء الإيهام الطريف بالواقع المستقبلي من خلال مفردات كثيفة بعضها أصبح الآن حقيقة (السيارة الحوامة / البيت المشيد من حوائط النفايات / ممر مزروعات المريخ / السحابة المكيفة / ...)

أيضا تلك السمة اللصيقة بكتابات نهاد شريف وهي شوقه العاصف لتقدم مصر وريادتها علمياً، وكانت القصص الممتعة سبيله لذلك الأمل العزيز.

 وفي الخاتمة يظل للأدب الجميل سلطانه في كل زمان ومكان، وليس هذا بالتأكيد لأدب الاحتيال والادعاء.

 

خالد جودة أحمد

 

 

شاكر فريد حسنالكاتب الشهيد غسان كنفاني سيظل الأيقونة الفلسطينية للأدب المقاوم من خلال القصص والروايات التي كتبها وخطها يراعه المبدع، وذلك كحالة تعبيرية سياسية وإنسانية عن الجرح النازف والهم الوطني والوجع الفلسطيني، وضرورة استمرارية الصراع وعدم الضياع في تفاصيل الهزيمة، التي تجعل الفلسطيني يبتعد عن الانتماء المتواصل والمستمر لفكرة التحرر والانعتاق والخلاص من ربقة الاحتلال الجاثم على صدر شعبنا.

وفي كل كتاباته يركز غسان على قضايا الوطن والمعاناة الفلسطينية والتمسك بالأرض والثبات على المواقف والثوابت. وتعد رائعته "رجال في الشمس" من أشهر الروايات التي لقيت رواجًا واسعًا، وحظيت باهتمام كبير، وأخذت قيمة أدبية أكثر من سواها من رواياته وروايات غيره من الروائيين الفلسطينيين والعرب، بسبب ما تحمله من رمزية للتراجيديا الفلسطينية وتحول أكثرية الشعب الفلسطيني إلى لاجئين مشردين في الخيام السود.

فهي رواية تبرز كم هو حجم البؤس والألم الذي يتحمله الفلسطيني المطرود والمشرد من بيته وارضه ووطنه بحثًا عن حياة جديدة في بلاد أخرى.

هذه الرواية كتبها غسان في العام 1962 وهو في بيروت، وهي رواية الشعب الفلسطيني بأكمله، وتجسد صورة الإنسان الفلسطيني المشرد والمشتت والضائع في مخيمات اللجوء والتشرد، فضلًا عن كونها صورة الإنسان الذي يفقد هويته ولا يعرف كيف المفر وأين اللجوء.؟

تتمحور الرواية حول أربعة رجال هم: أبو القيس وأسعد ومروان وأبو الخيزران. وما يجمع هؤلاء الرجال أن لكل واحد منهم مشكلته الخاصة، إضافة إلى مشكلة وطنهم الفلسطيني/ الأم. وهؤلاء جميعًا يجسدون حالة الخلاص الفردي بمعزل عن الجماعة والجماهير الفلسطينية، ومصيرهم الفشل الذريع والهلاك في الصحراء، بعد أن فقدوا جميع سبل العيش، وكل ذلك بسبب الاحتلال الصهيوني.

تحكي الرواية قصة رجال ثلاثة اتفقوا على الذهاب للكويت للعمل من خلال التهريب، وفي مدينة البصرة العراقية تجمعهم الصدفة بالرجل الرابع أبو الخيزران، وهو سائق صهريج الماء الفلسطيني، الذين ينتمي للقرية نفسها التي ينتمي إليها أبو القيس، وبعد مداولات تم الاتفاق معه على تهريبهم للكويت بشرط نزولهم من الخزان لعدة دقائق عند عبور الحدود العراقية الكويتية واخراجهم منه بعد انتهاء المعاملات المطلوبة.

وقد وافقوا على هذه الشروط رغم القيظ وحرارة الصيف اللاهبة المرتفعة، وذلك لانعدام الخيارات المطروحة أمامهم، وعانوا الكثير في رحلتهم وزادت معاناتهم أكثر عند دخولهم الخزّان لأول مرة على الحدود العراقية وكادوا أن يموتوا لولا أن اسرع أبو الخيزران لإنقاذ حياتهم في اللحظة الأخيرة، وعند وصولهم الحدود الكويتية أدخلهم أبو الخيزران مرة ثانية إلى الخزّان، وفي هذه المرة كان وقت المعاملات للدخول طويلًا للغاية، نظرًا للنقاش مع رجالات الحدود، الذي يعرفونه من قبل، وما أن عاد حتى وجدهم جثثًا هامدة، لتنتهي الرواية بعبارة أبي الخيزران "لماذا لم تدقوا جدران الخزّان".؟

ويمكن القول ان الرواية هي إطار رمزي لعلاقات متعددة حول الموت الفلسطيني باتجاه اكتشاف الفعل التاريخي عن هذا الفعل انطلاقًا من طرح السؤال البديهي: لماذا لم تدقوا الخزّان. وقد أراد غسان كنفاني من وراء هذا السؤال أن يقول لماذا لا ينتصر العرب لقضية فلسطين، ولماذا لا يشاركون في حرب التحرير للخلاص من الاحتلال البغيض وعودة المهجرين إلى ديارهم.

إنها باختصار رواية الصوت الفلسطيني الذي ضاع طويلًا في خيام البؤس والشقاء والتشرد، الذي يختنق داخل عربة يقودها أبو الخيزران، الشخصية الانتهازية العاجلة، التي حملت أولئك الرجال الثلاثة إلى جحيم الموت، وتكشف طبيعة العلاقة الصدامية بين الواقع السياسي العربي المتردي المتهاوي، والكفاح الوطني التحرري الفلسطيني، وفيها نرى أن غسان كنفاني ذو نفس قصير، وجمله مكثفة تختزل الحالة الشعورية لأبطاله، وأسلوبه التصويري مشوق إلى أبعد حدود.

 

بقلم: شاكر فريد حسن 

 

 

شاكر فريد حسنكان الشاعر الأديب الراحل البروفيسور فاروق مواسي، كتب قصيدة مؤثرة وموجعة يشعر فيها بدنو أجله، لم ينشرها من قبل، ووجدها أفراد عائلته في جواز سفره، وهو الذي عرفناه مرحًا بشوشًا، شغوفًا وعاشقًا للحياة حد الثمالة، محتفيًا بالفرح، يعمره التفاؤل دائمًا رغم كل الألم وبؤس الواقع المعاش.

وقد نشرت هذه القصيدة في كتاب "حارس الضاد" الصادر بمناسبة مرور الذكرى السنوية الأولى على رحيله، ووزع في الحفل التذكاري الذي أقامته كلية القاسمي، وقام بإلقائها وأسماعها الكاتب الإذاعي نادر أبو تامر في هذا الحفل.

وهذه القصيدة تنام وتنهض على سرير الانفعال، وفيها ألم ووجع وحزن شديد، وتحسر على أيام الشباب، وإحساس داخلي عميق بالنهاية وبالأفول والغروب واقتراب الموت المحتوم، وفيها ينصهر مع اللحظة الشعورية، ويبوح ما يعتمل في صدره ونفسه واعماقه من مشاعر صادقة وحقيقية بتعب القلب، واقتراب الرحيل عن الدنيا، وكما عودنا فإن نصه مسكونًا في ذاته، وذاته مسكونة في نصه أولًا وقبلًا،  وفيها يقول:

أيها الآباء

أيها الأصدقاء

أيها الأحباء

تخيلّت نفسي وقد تجاوزت العّقْدَ التاسع...

كثير من الفراغ

كثير من الإعياء والمرض والنسيان

كثير من الحبّ لأحفادي وابنائهم

كثير من الحنان

كثير من الاعجاب بنهضة مباركة من هذا الشعب المبارك

كثير من الإيمان بالله

والحب لله

والاتكال على الله

ومع هذه الكثرة الكاثرة أقول بلسان الشاعر الذي لا بدّ أن...

أحسّ النهاية والغروب

أحسّ القلة والعَدَم

فاعذروني

إذا كانت الصورةُ سوداءَ قاتمة

ماذا بقي يأيها الشقيّ

يأيها التقيّ

هل ظلّ في القنديل زيت

فربما يعود...

يا لَيْتَ يعودُ يا ليت

يكفي لتبقى الشعلةُ الضئيلة

لفترةٍ أخرى قليلة

حتى يضيء البيت وتحتمي الجميلة

وكيف والقنديل يخبو ضوءُه

من غير زيت

وكيف والبحر سيعلو نوؤه؟

فيل لقلبي يا له!

قد جَفّتِ الذُّبالة

ولم يعد في الكأس الا الثمالة

وما غَناه الثمالة؟

آه على الشباب آه

وآه

إذا تحركت عقاربُ الحياة

فحركتْ قوافل الأيامْ

وسافرتْ دفعًا لشاطئ الأحلامْ

في رحلة ليس لها أمان

تدفعني دفعًا لشاطئ الزمان

وقد مضى الزمان

وقد مضى الزمان ... انكرني المكان

فهذه متاهةُ النسيان

وغربة قريبةُ الأسباب

بعيدةٌ ليس لها إياب

في جوها يختنق الضباب

ويلفظُ القنديلُ ضَوْءَه

تتوه في وادي الظلام ذكرياتي

وتنطوي صحيفتي

واغيبُ عن ذاتي

وأصيرُ بضعةَ أسطرٍ في صفحةِ الوَفَياتِ

وعند هذا تَكْمُلُ الحكاية

وتنتهي الرواية

ويُسدَلُ السِتَار

ويُسدل الستا

ويسدل السْ

ويسد

وَيُ

و

وفعلًا، فقد أسدل الستار وتوقف قلب أبي السيد البروفيسور فاروق مواسي، وغاب إلى ألأبد من كان يكتب كي لا يموت، ورحل قبطان اللغة والأدب في فلسطين، الإنسان المرهف الطيب، والمبدع المتوهج، مرهف الحس للمعنى، المتمرد على أشكال الكتابة، الذي درج أن يهرب من المقال إلى القصيدة، أو فضاء النص، وباستمرار، وكانت ثمة أجنحة تحرك جذوة الإبداع في داخله وأعماقه، وهذه الأجنحة هي الواقع السياسي والوجع الفلسطيني المتواصل والهم الاجتماعي.

ورغم هذا الرحيل الموجع والقاسي فسيظل حارس الضاد الشاعر فاروق مواسي خالدًا ومخلدًا بما تركه من إرث أدبي وثقافي هائل وأعمال إبداعية في الشعر والقصة القصيرة والنقد الأدبي والتراجم والترجمات والسيرة الذاتية.

 

كتب: شاكر فريد حسن 

 

 

 

 

 

عمار عبدالكريم البغداديشهريار: وعدتك في المرة السابقة ان نرد على أصحاب الآراء الثلاثة لنؤكد ان العدوانية خلقٌ مكتسب ودخيل على النفس البشرية . 

لقد أعتمد لورانس النتيجة لدلالة على الأساس الذي تنبع منه العدوانية،  فهو يرى -كما أسلفنا ـ أن تراكم العدوانية يؤدي الى الإنفجار،لكنه لم يثبت أبدا ان تلك التراكمية ناشئة من الداخل،وهو يعرف،كما نعرف تماما،  أنها تتراكم في الداخل وحسب، ولقرب ماقاله لورانس من الطاقة المتولدة في البخار بفعل النار، التي تُولد الإنفجار، يرتفع غطاء القدر ويتراقص بعنف لكنه لم يكن أبدا يحمل هذه الطاقة في داخله إنما أوجدتها النار، كما تولِّدُها الظروف القاسية في النفس البشرية كالظلم والتهميش، او دوافع  السيطرة، وإتساع الملك،  وجمع المال،لكن العنف لم يولد في الإنسان أبدا، فكما إن هنالك حروبا وظلما وبطشا وتنكيلا،فهناك الصيادون الطيبون،والمزارعون المسالمون،والمبدعون في مجالات الحياة المختلفة، أجد أن الطاقة المتولدة في الإنسان والدوافع نحو السلام، أوالعدوان منابع خارجية تصب سيولها في نفوسنا لتزيد الخير، او لتصنع الشر .

ومازلنا نكرر ان المحبة متأصلة في الروح فهي طاهرة طيبة، وكل طيب طاهر مُحبٌ وإني لأميل كل الميل الى أصحاب المذهب الثاني ممن يرون إن القيمة الإنسانية العليا قادرة على تحجيم قوى الشر، وأن السلام سينتصر لا محالة إنْ نشرنا قيم المحبة والمعرفة في المجتمعات، وكما أن عقولا فلسفية كانت سببا مباشرا في نجاح الثورة الفرنسية عبر التنوير، وهو الرأي المتفائل ذاته في عقائد الإشتراكيين الأوائل، ونجده بوضوح عند (كارل ماركس)، لكنني أضيف هنا،وبقوة، قيم المحبة التي تتفوق في طاقاتها على صنع السلام وفلسفة التنوير بأضعاف .

والعدوان في مفهومه العام سلوك مقصود يستهدف إلحاق الضرر أو الأذى بالغير وقد ينتج عنه أذى يصيب إنساناً أو حيواناً كما قد ينتج عنه تحطيم الأشياء أو الممتلكات .

ولا أجد فرقا كبيرا فيما ذهب إليه فروم فهو يقرّ بأن الظروف الخارجية كانت سببا بتكوين العدوانية وهي بالتالي خُلُق مكتسب، أمّا قوله ان الإنسان يميل الى التخريب ابتداءً فذلك مردود عليه، فكيف لنا أن نفسر رد الفعل لحماية النفس من خطر محدق بأنه عدوانية ؟، ولو أمعنا النظر في هذا المفهوم نجد إنه الدفاع عن النفس وإنْ كان بفعلٍ هجوميٍ، فإن الفاعل يفضل ألف مرة أن يبتعد الخطر عنه،أو أن يسر باتجاه آخر كي لا يضطر الى مهاجمته وألحاق الضرر به دفاعا عن نفسه .

ويصف فروم نفسه قولَ جماعة النظرية الغريزية البشرية (إن الحرب لها دواعيها في غرائز الإنسان العدوانية) بأنه قول ساذج، على إعتبار أن الحكومات كانت هي الدافع حينما تحدثت لشعوبها بأنها ستهاجم، وإن عليها أن تحمي مقدساتها وحياتها، كما تحدثت عن الحريات والديمقراطية.

ثم يؤكد أن البهجة بالحرب لا تدوم الا إسبوعين أو أكثر قليلا، لكنها تزول بعد ذلك وسيتعرض الناس للتهديد بالعقوبات من أجل أن يستمروا في الحرب،فلو كانت العدوانية من طبيعة الانسان لكانت الحرب تستجيب لمشاعره وتشبع غرائزه  العدوانية .

ولي رأي أستند فيه الى ما ذكرنا في فصل محبة الله وقلت في حينها،(أنني  أدرك عظيم شرف الروح التي أودعها الله فينا حينما نسبها أليه بقوله " من روحي " فهي طاهرة في أصلها، وإن كانت مخلوقة، ومن هنا فإن المحبة فيها متأصلة على إعتبار أنها طاهرة طيبة،وكل طيب طاهر مُحبٌ ومَحبوبٌ) ، وكما هو معروف ياشهرزاد  فإن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان معاً في شيء واحد، ووقت واحد، كالوجود والعدم، والحركة والسكون،وهنا يمكننا القول: إن الطيبة والطهر لايمكن ان يجتمعان مع الشر والعدوانية كصفة أصيلة في أرواحنا التي هي مصدر العقل البشري ان لم تكن موطنه، وبالتالي لايمكننا التسليم بأن العدوانية غريزة بشرية، ولا يمكننا أن نؤمن بأن الإنسان ميّال للتخريب بطبعه على إعتبار أن العدوانية أداة جاهزة للاستخدام في عقولنا، ومن ثم فهي  خُلُقٌ مكتسب وليستْ فطرةً، وكلُ مكتسب قابل للتغيير، غير أن الصعوبة تكمن بإيجاد القناعة لدى العدواني الفاقد لأمنه الداخلي والمتمسك بقاعدة (كل الناس يكرهونني فأنا أكرههم)، ولو قُدّرَ لنا أن نطبع في مخيلته عبارة (ليس جميع الناس يكرهونك)، وعلى أساس مبدأ المخالفة فإنه بذلك يوصل الى عقله الباطن عبارة (بعض الناس يحبونني)، لا أتحدث هنا عن جبابرة العالم على مدى التاريخ فأولئك يجدون في العدوانية وسيلة مقنعة لفرض مزيد من الهيمنة والسيطرة وإتساع السلطان، إنما أتحدث عن الطبقات الوسطى والفقيرة الذين تكونت لديهم العدوانية بسبب الإحساس بالظلم او التهميش،والإقصاء والإحتقار، نعيش مع هؤلاء في جميع المجتمعات،ونصطدم كل يوم بعدد منهم في سوح العمل،وبيوتات الجيران،والأقارب والأمكان العامة،وحتى دور العبادة، تلك العدوانية المكتسبة بحاجة إلى الأحساس بالامن الداخلي وثقة بالنفس تعيد إليها مشاعر المحبة والتقدير، وكما أن أفعالا وأقوالا وتصرفات قاسية - سواءً كانت في مرحلة  الطفولة اوالمراهقة او الشباب - قد هوت بصاحبها الى دَرْك الحقد والكراهية، وتجلت عنها روح العدوانية المكتسبة، وصارت جزءاً من الإطار الفكري المظلم الذي يعيش به الفرد، فإن أفعالا وأقوالا وتصرفات حكيمة وطيبة تستطيع أن تعيد جزءا من الثقة بالنفس،وإحساسا ببعض الأمن الداخلي ستكون مفتاحأ لذلك القلب المثقل بالأمراض النفسية، ولست أدعي إن هذا التغيير سيكون أمرا يسيرا، لكنني أتساءل: ماقيمة المحبة في قلوبنا إنْ كنّا لا نمنحها إلا لمن يحبنا؟، ماجدواها إنْ لم تكن قادرة عن زرع  بذرة خير في أرض جرداء؟، ماالذي يميّز قلوبنا الطيبة عن القلوب الممتلئة بالكراهية إنْ لم تصنع الفارق وتبعث الامل فيمن يُرجى إصلاحه؟، الأمر ببساطة إننا نسعى من خلال المحبة التي تملأ وجداننا وتدفعنا دائما الى إسعاد الآخرين - كسبيل قيّم لإسعاد الذات - الى أن نوصل رسالة محبة الى العدواني مفادها (إني لا أكرهك ولم أكن سببا في كراهيتك لي) .

إننا بإستنهاض أسرار المحبة في قلوبنا لكل الناس قادرين على زرع بذرة الأمن الداخلي الأولى في غالبية العدوانيين، وسكب جرعة من الثقة في دواخلهم المرهقة  حد العياء مِن لَعبِ دور مَن وصل بهم الى حافة الهاوية في يوم من الأيام، وحذارِ من أن يشعر العدواني بأن المحب الساعي لإصلاحه يهابه،أو يريد أن يتجنب شره، علينا أن نعرف ابتداءً إنْ القلوب  المُحبة أكثر القلوب قوة وإعظمها إحساسا بالثقة والشجاعة، نحن لا نخشى العدواني بل نريد إصلاحه، ونكرر بصوت يطرق  أذنيه (أسامحك .. نسيتُ إساءتك لي .. عفا الله عمّا سلف )  .  

يقول ليو روسكين: (إن الضعيف هو القاسي فلا يمكن إنتظار الرقة سوى من الشخص القوي) .

وختاما نستطيع القول:إن مواجهة الكراهية بالعنف المضاد تُحقق للروح العدوانية المكتسبة غاياتها، لكن مواجهتها بالمحبة تنتزع جذورها يوما بعد آخر حتى تتهاوى الى غير رجعة، او تنطمر في أعماق النفوس ولا يوقظها إلا مارد شر كاسح، وحينها ستكون دفاعية تعود الى مكامنها بزوال المسبب .

 

بقلم: عمار عبد الكريم البغدادي

.........................

* من وحي شهريار وشهرزاد (17)

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

مجاهد منعثر الخفاجيالروائي جيمس أوجستين جويس ولد في العام (1882ـ ت 1941م)، في دبلن من أسرة إيرلندية برجوازية كاثوليكية. من مؤلفاته الروائية: (صورة الفنان شابًا، 1914م.) و(عوليس، 1922م) و(صحوة فينيجن، 1939م) .

أما المؤلفات الأدبية الأخرى: (ناس من دبلن، مجموعة قصصية، 1905م) و(موسيقى الغرفة، مجموعة شعرية، 1907م) و(المنافي، مسرحية، 1914م) و(قصائد قلمية، مجموعة شعرية سيرة ذاتية، 1927م).

كان الروائي رائد عصره حيث كتب تراث أمته وتاريخ شعبه في رواية عوليس واشتهر من خلالها، فعمله هذا  عمل إيرلندي بصورة عنيفة.

إن رواية  عوليس الأطول عالميا والأعظم في اللغة الإنكليزية على الإطلاق يبلغ عدد  صفحاتها730 صفحة، وكاتبها ابتكر من خلالها أسلوباً ومدرسة جديدة في كتابة الرواية مع نقله الكتابة من الوصف التعبيري إلى التخيل والتفكير مستخدما تقنيات أسلوبية ولغوية معيّنة في كتابته بشكل غير مسبوق.

و أبرز من قام بتحليلها وشرحها هو  (دون جيفورد)(1988) في كتابه  Ulysses Annotated. وأفضل ترجمة عربية هي ترجمة الدكتور طه محمود طه، أستاذ الأدب الإنجليزي، ومترجم الكاتب الايرلندي الأشهر جيمس جويس (1882-1941) إلى العربية.

الرواية قطعة فنية نادرة من حيث الأسلوب ومثيرة للجدل بين النقاد والكتّاب .و اعتبر الطليعيون المهتمون بالأدب كاتبها بطلاً وقديسًا في الأدب. ويرى بعض النقاد أن فكرة عوليس متاحة لأي كاتب، إنما أسلوب كتابتها كان غريبا وجديدا على الروائيين في حينها.

وكل فصل في الرواية له موضوع ومكان وساعة حدوث وفن ولون ورمز وأسلوب، فالقارئ يجد كل فصل مكتوبا بطريقة مختلفة، هناك فصل مكتوب على هيئة مسرحية، وفصل في صورة رواية رومانسية تافهة، وهكذا. وفي  (فصل المستشفى) يدور الحوار ويتتبع جويس أساليب السرد الإنجليزي من القرون الوسطى حتى لحظته الراهنة في تسعة مقاطع تجاري شهور الحمل حتى الإنجاب. ونقف هنا قليلا مع قول مترجم الرواية إلى العربية حول مسألة اللغة، فيقول الدكتور طه: (كنت أقف أمام اللفظ الواحد أيامًا عدة، وبعد ما أعجز عن العثور عليه في القواميس، أعود لأدرك أن جويس قد نحته من لفظين من لغتين مختلفتين أو أنه جاء به من العامية المستعملة في أزقة دبلن فكان عليّ أن أترجم اللفظ المنحوت بلفظ عربي منحوت أيضا).

أحداث الرواية تقع في مدة زمنية اقصاها ثماني عشرة ساعة، فقالبها الزمني يوم واحد محدد بتاريخ (16 يونيو 1904)، وأحداثها في دبلن توازي الأحداث الرئيسية في رحلة أوديسيوس بعد حرب طروادة. والنص مقتبس من الميثولوجيا الكلاسيكية: أوديسة هوميروس.

 

تشعر أثناء القراءة بالمفاجأة، البهجة، والخوف الذي يمكنك أن تحتاجه. وكل شيء يخطر على بال البشر موجود فيها: تجد الفقر والمعاناة، الأدب والجغرافيا والتاريخ والفلسفة والاجتماع والعلم والمسرح والتمثيل، والإعلان والإعلام واللغة والرسم والنحت والأكل والشرب، وفيها شوارع دبلن بأسمائها والبارات والحانات والفنادق، وفيها سباق المراهنات في سباق الخيل ولغة الأزهار وطوابع البريد، وفيها كل الوظائف: أساتذة الجامعة والصحافيون والأدباء، المومسات والعاهرات، وبيوت العبادة وبيوت الرذيلة، فيها الفانتازيا والواقع والحلم والحقيقة.

الروائي جعل الشخوص الرئيسية في روايته ثلاثة تناول أفكارهم ومشاعرهم، وأفعالهم، بالنتيجة أنهم لا يمثلون أهل دبلن تمثيلاً كاملاً حقيقياً.

واستخدم في أدوات الرواية المونولوج الداخلي، بمستوى أمين ودفيق من عرض عمليات العقل بتدفق وانجراف وهذه إحدى الميزات الكبرى التي لم يسبقه أحد فيها.

وبالرغم من أن هذه الرواية فن سردي صعب ممل، غامض وغير مفهوم وغائص في اللاوعي والفوضى والاحلام والمتاهات التي تحيل الرواية إلى عوالم من التعقيد وغياب المعنى. وهذا ما جعل لها معارضين يتهمونها كبعض الروائيين والكتاب والتيارات، فعدتها الشيوعية رجعية، وأخر قال عنها بلا معنى، إلا أن تلك مجرد أراء عاجزة عن الغوص في محتوى هذا الابتكار العبقري وما يحمل من فنون أدبية غزيرة ومتنوعه، فالرواية عوليس رواية استثنائية لكل البشر ولكل الاوقات، تحقق عنصر المكان الحقيقي فيها، السرد صادق في ترتيب الوصف وبناء الشخوص والأماكن، الأفكار تتلاحق والجمل الروائية لا تتكرر وقاموس الألفاظ والمعاني يأتي بالجديد والغريب دائماً والكلام مسند إلى الوثائق التي عرضها الروائي.

أثبت الكاتب في روايته هذه من خلال السرد داخل السرد عن مدى غزارة معلوماته وثقافته ووعي الخطاب الذي يريد قوله إضافة إلى فهمه البناء الروائي الرصين والصعب، وخرج بإنجازات من عوليس:

1- أدخل كتابة الرواية في مرحلة جديدة هي المرحلة النفسية وهذا واضح بدخوله في تفاصيل أعماق الشخوص وإطلاق العنان لخياله في الاقتراب من عوالم الشعور والخفايا والأخيلة واستثارة المشاعر والأحاسيس الخاملة واستفزاز البواطن.

2- الحدّة الشديدة للحياة العقلية لدى الفرد، والتدفق السريع غير المعقول، وتعقّد الأفكار وهي تجري وتنقضي، في وفرة زائدةٍ مع كثيرٍ من التفكّك، وهو ما يستوجب الحذر الزائد إزاء إصدار أحكام قاطعة تجاه الآخرين.

وأخيرا فعمل جويس عمل فني لا يتكرر، وعبقري للغاية، ونموذج فريد لكل نزعات التجديد الأدبي في المجال الإبداعي والمجالات المختلفة للدراسات النقدية.

 

بقلم / مجاهد منعثر منشد

 

 

 

يسري عبد الغنيابن زريق البغدادي (المتوفي سنة 420 هـ / 1029 م) هو أبو الحسن علي أبو عبد الله بن زريق الكاتب البغدادي شاعر عباسي. ارتحل ابن زريق البغدادي عن موطنه الأصلي في بغداد قاصداً بلاد الأندلس، لعله يجد فيها من لين العيش وسعة الرزق ما يعوضه عن فقره، ويترك الشاعر في بغداد زوجة يحبها وتحبه كل الحب، ويخلص لها وتخلص له كل الإخلاص، فمن أجلها يهاجر ويسافر ويغترب وهناك في بلاد الأندلس - كما تقول لنا الروايات والأخبار المتناثرة - يجاهد الشاعر ويكافح من أجل تحقيق الحلم، لكن التوفيق لا يصاحبه، فهناك يمرض ويشتد به المرض وتكون نهايته ووفاته في الغربة ؛ ويضيف الرواة بعداً جديداً للمأساة، فيقولون أن القصيدة التي لا يعرف له شعرٌ سواها وجدت معه عند وفاته سنة أربعمائة وعشرين من الهجرة.

قصيدة لا تعذليه فإن العذل يولعه

يخاطب فيها زوجته، ويؤكد لها حبه حتى الرمق الأخير من حياته، ويترك خلاصة لتجربته مع الغربة والرحيل، من أجل الرزق وفي سبيل زوجته التي نصحته بعدم الرحيل فلم يستمع إليها. وفي ختام قصيدته يظهر نادما متصدع القلب من لوعةٍ وأسى، حيث لا أنيس ولا رفيق ولا معين.

والمتأمل في قصيدة ابن زريق البغدادي لا بد له أن يكتشف رقة التعبير فيها، وصدق العاطفة، وحرارة التجربة؛ فهي تنم عن أصالة شاعر مطبوع له لغته الشعرية المتفردة، وخياله الشعري الوثّاب، وصياغته البليغة المرهفة، ونفسه الشعري الممتد؛ والغريب ألا يكون لابن زريق غير هذه القصيدة، الذي لم تحفظ له كتب التراث الشعري غير قصيدته هذه.

مقطع من قصيدته

لا تَعـذَلِيـه فَإِنَّ العَـذلَ يُـولِعُـــهُ قَد قَلتِ حَقـاً وَلَكِن لَيسَ يَسمَـعُـهُ

جـاوَزتِ فِي لومـه حَـداً أَضَـرَّ بِـهِ مِن حَيـثَ قَـدرتِ أَنَّ اللوم يَنفَعُـهُ

فَاستَعمِلِـي الرِفـق فِي تَـأِنِيبِـهِ بَـدَلاً مِن عَذلِهِ فَهُوَ مُضنى القَلبِ مُوجعُهُ

قد كان مضطلعا بالخطب يحمله فضيقت بخطوب الدهر أضلعه

يكفيه من لوعة التـشـتـيت أن لـــه مـــن النـــوى كـــلَّ يــوم مــا يـروّعــه

إنتاجات فنية عنه

صدرت رواية « ابن زريق البغدادي - عابر سنين » للروائي والشاعر الدكتور احمد الدوسري عن مؤسسة الدوسري للثقافة والإبداع في المنامة، وتتناول سيرة الشاعر ابن زريق البغدادي المغترب من بغداد إلى الأندلس وكتابته لأشهر قصيدة حب ولوعة واغتراب في الشعر العربي.

فيل أنه سيتم  تجسيدها في مسلسل تلفازي بعدما وقّع المنتج الأردني إسماعيل كتكت صاحب شركة فرح ميديا عقدا مع الدكتور الدوسري لإنتاج روايته ابن زريق البغدادي. لتقدم في رمضان 2011 في أكبر إنتاج عربي. وأسندت مهمة كتابة السيناريو للسيناريست مراد منير.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني