صادق السامرائيقد يبدو السؤال غريبا، لكن سلوكه يثيره، فهو شاعر بلا موقف ثابت، ويتميز بالتلون المشين، ولا هم عنده سوى المديح، والحصول على ما يستطيعه من العطايا من الذين يتذلل لهم ويتسول في مجالسهم.

ومن الملاحظ أنه لم يُقتل مع المتوكل ووزيره، وكانوا ثلاثة سوية، فلماذا قتلوهما وما قتلوه؟

والشيئ الآخر أنه مدح المنتصر بالله المتهم بقتل المتوكل، ومضى في مديح الخلفاء في زمن الفوضى، وهو يعرف جيدا أنهم بلا إرادة، لكنه كان يخدعهم ويوهمهم بغير ما هم عليه، فمدائحه للمعتز الذي هو بعمر أولاده لا يمكن تفسيرها بغير ذلك، وكذلك لغيره من الخلفاء في سامراء، التي غادرها بعد أن هُجِرت.

وعند مقارنته بأبي تمام الذي تم إبعاده للموصل في زمن الواثق، وربما بوشاية من البحتري، لأنه صاحب موقف وما تمادى بمدحه لغير المعتصم، الذي أبدع بالدعاية له والتفاعل الأبي معه.

فهل كان متعاونا مع الأتراك ضد خلفاء بني العباس؟!!

وهل يستحق صفة الشاعر المتآمر على أولياء نعمته وموئل عطاياه؟!!

مَن يقرأ قصائده ويتمعن بها، يتبين له أنه منافق، دجال، مخادع، لديه خبرة بنفوس الذين يتوجه إليهم بالمديح، فيظهرهم كما يتمنون لا كما هم عليه، ويتمادى بنفخهم وتحويلهم إلى بالونات قابلة للإنفجار السريع، ويعبأهم بمشاعر وإنفعالات تخرجهم من كونهم بشر.

ويبدو أنه ربما كان يتلقى توجيها من القادة الأتراك المتنفذين أبان تلك الحقبة الفوضوية، وربما كان يأخذ مالا على ما يقوم به من دور مداهن لتنويم الخلفاء أو ترقيدهم، وقطعهم عن واقعهم المرير الذي هم فيه، بل أن قصائده ربما كانت تُراجَع وتحصل الموافقة عليها من قبلهم قبل أن ينشدها للخلفاء.

فمدائحه للخلفاء بعد المتوكل تشير إلى ذلك بوضوح، فلم يترك واحدا منهم إلا وإنهال عليه مدحا وتبجيلا وإطراءً من بنات خياله، وآليات الإيقاع بالخليفة وتحويله إلى دمية بيد الأتراك.

بل يزيد في تفاعله العدواني المبطن، ويوهم الخليفة بأن عليه أن يكون أوحد زمانه، مما يشير إلى تحريض على الاخرين من بني العباس الذين قد ينافسونه في الخلافة.

فدور البحتري في تعامله مع الخلفاء العباسيين يثير شكوكا، وأشعاره تخلو من الوصف المكاني ولا توثق أحداثا تأريخية، بل مديح تسوّلي إستعطائي ممزوج بآليات عدوانية خفية، ومشاعر سلبية تجاه الخلفاء، وكأنه يشجعهم على الخضوع للأتراك فهم أولياء نعمتهم كما هم أولياء نعمته.

هذا الشاعر لم يُفطَنْ لدوره السلبي في مسيرة الفوضى بسامراء، ويبدو أن له دور كبير فيها، وربما كان على علم بأن المتوكل سيُقتل، وأن (باغر التركي) سيكون جاهزا للفتك به في تلك الليلة، لكن الدارج أنه الشاهد على ما حصل وكأنه لم يكن فاعلا في الأمر!!

نعم إن المتفحص لديوانه ينتهي إلى الشك بدوره في ما جرى قبل وبعد مقتل المتوكل!!

فهل كان يقوم بدور المُخدِّر أو المُنوِّم للخلفاء حتى يحين قطافهم؟!!

 

د-صادق السامرائي

 

 

جمال العتابيبين الخضر والسماوة عتبٌ قديم!!

يتناقل أبناء السماوة بأسف وحزن، أحداثاً دامية راح ضحيتها عاملان نقابيان (عاشور وفشلان)، حين تعالى الرصاص في أجواء المدينة الساكنة الوديعة، والمصوب نحو المحتفلين في الذكرى الأولى لقيام الجمهورية عام 1959، إذ تصدت الشرطة المحلية لمسيرة حاشدة بالمناسبة، سبقتها أجواء متوترة مشحونة ضد أجهزة الامن التي إعتقلت أحد قياديي النقابات في السماوة، ذرف اهل المدينة الدموع على شواطيء الفرات في أول حادث تشهده المدينة من هذا النوع، انها ذكرى تنطوي على مغزى أليم للصراع والتناحر بين القوى السياسية (المراهقة)، في خضم المعترك المتلاطم والتجاذبات الحادة بينها، وضياع الحلول للخروج من مأزق الأزمة التي صنعتها تلك القوى، بتدخل أطراف عربية وأجنبية، قادت إلى نتائج كارثية، ومثلما يرسم الجنرالات أحلامهم في الأزمات، يرسمون لنا وطناً للخراب، فقادوا البلاد إلى حتفها.

لم تتحمل مدينة كالسماوة هذا التشظي، لأنها متفردة بالجمال والتسامح والإنسجام، وأهلها ينشدون الحب، لكن التناحر ما عاد مقتصراً على المشتغلين في السياسة، إنما إمتد إلى فضاءات أخرى، بين طرفي الغربي والشرقي يبدو أكثر حدة في مناسبة إحياء أيام عاشوراء، لكل من الطرفين موكبه الخاص، الغربي بإدارة وإشراف حسون الدفاعي، يحدو بجموعه فاضل الرادود، بصوته الساحر، يأخذهم إلى عالم مسكون بالفجيعة والدموع، وموكب الشرقي الذي يشرف عليه جماعة الوطني الديمقراطي، المؤثر تاريخياً في المدينة، حتى المقاهي، فهي مصنفة حزبياً، وروادها تابعون لحزب واحد، لايجوز لغيرهم ان يشرب قدح شاي فيها، وخلاف ذلك يعني الإشتباك بالكراسي وفي أحسن الأحوال بالأيادي.

يتسابق موكبا الغربي والشرقي على تفجير مكنونات الحزن الكوني المستمر في نشيد بكائي ناعي لإرث السماء بأدق المشاعر، لم يكن (الرواديد والقراء) بحاجة إلى كاميرات، ومؤثرات موسيقية، فقد إختصروا دور المخر ج والمنتج وكاتب السيناريو، فهم يمتلكون مؤهلات كل هؤلاء بقدرات إستثنائية، ينتقلون من الشعر إلى السرد، ومن لحظة الدعاء والإبتهال إلى التمرد والإحتجاج، من مشهد التأمل إلى لحظة المواجهة الحاسمة، بإمكانات فائقة على الإيحاء، وبصورة معبّرة بكثافة عن أدق المشاعر ساعة الإحتدام.

نواح أزلي، تضوع منه رائحة العراق الطاعن في الأحزان، يتحول إلى مطالب سياسية، وشتم الحكام، واحياناً يصير مطلباً خدمياً ملحاً:

في إحدى المناسبات الأربعينية، إشتكى موكب أهل الخضر عند مرقد الإمام الحسين في كربلاء بنداء واحد وملتاع (يحسين إجيناك انريد إلنه (لنا) جسر، جسر السماوة تدفعه للخضر)، من حقهم الشكوى، فالناحية جنوب السماوة، مازالت تعتمد العبّارة في التنقل بين ضفتيها،، بينما تتمتع السماوة بجسرين عامرين يغار عليهما ابناء المدينة أثناء التجوال مساءً، لم يطلبوا جسراً من المسيب، ولا من الناصرية، إنما المطلوب تحديداً جسر السماوة لاغيره.

بعد عقود من الزمن، مازلت أسمع أصداء طبول مسير السبايا على ضفاف الفرات، تحت أضواء المشاعل، وخفقات البيارق الملونة، يتكرر ذلك عبر مقاطع تنصت فيها لصراخ رضيع إخترق السيف جسده، وصليل رماح، وأستشعر حرارة دم نازف عن كف مقطوع، أو صوت خنجر يغرز في ظهر طفل.

هي ذي السماوة، تلتف على نخيلها، وبها صرخة محبوسة، تستورد التمر من دول الجوار، لا نسمع غير آهاتها.

 

جمال العتابي

 24شباط 2021

 

 

صادق السامرائيالبحتري رافق المتوكل طيلة فترة خلافته (232 - 247) هجرية، وإبنه المعتز بالله (252 - 255) هجرية.

عدد قصائده في المتوكل (34)، وفي المعتز بالله (28)، بفارق (6) قصائد.

(34) قصيدة في (16) عام ، أي قصيدتين أو أكثر كل سنة، و(28) قصيدة في (3) عام، أي عشرة قصائد كل سنة !!

فكيف يُفَسَّرُ هذا السلوك؟

المتوكل كان قويا مهابا مطاعا، والبحتري نديمه قبل أن يولد المعتز بالله، لكنه بعد موته مدح إبنه المنتصر بالله المتهم بقتله مع باغر التركي، فقال في قصيدة: "حَجَجنا البنيَّة شكرا لما...حبانا به الله في المنتصر، ولما ادلهمت دياجيرها...تبلج فيها فكان القمر، بقيتَ إمام الهدى للهدى...تجدّدُ من نهجه ما دَثر" .

 ومن ثم أمعن بمدح الخليفة المعتز بالله، وهو يعرف بأنه رهينة وصبي، لكنه وصفه بما يجعله مدرارا ويعطيه ما يشاء من الهدايا والأموال، وبهذا يثبت تسوله المقيت وعدم وفائه، وينطبق عليه وصف الشاعر الذي يرتزق بشعره، ولا يعنيه سوى ما يحصل عليه من المكافآت.

إنه شاعر بلا موقف!!

يجعل من المعتز بالله وكأنه سلطان زمانه وإمام الدنيا وبيده مقاليدها ومصيرها، وهو الشاب الغرير المحاط بالجواري والغلمان والمأسور في قصره، ولا يقدر على إصدار أمر أو إتحاذ قرار إلا بموافقة الذين أخرجوه من السجن ونصبوه خليفة إلى حين.

خليفة أسير، وشاعر يوهمه بأنه غير ذلك من أجل حفنة من الدراهم والدنانير.

ومن مديحه له:

" لبسنا من "المعتز بالله" نعمةً...هي الروض مولياًّ بغزر السحائب، أقام قناة الدين بعد إعوجاجها ...وأربى على شغب العدو المُشاغبِ، أخو الحزم قد ساس الأمور وهذبت...بصيرته فيها صروف النوائب، إمام هدى عمّ البرية عدله...فأضحى لديه آمنا كل راهبِ، تدارك بعد الله أنفس معشرٍ...أطلت على حتم من الموت واجب".

هذه بعض أبيات من قصيدة فما بالك بقصائده الأخرى، وهو يقف أمام صبي ويوهمه بما ليس فيه، والبحتري مواليد (204) هجري، والمعتز بالله مواليد (233) هجري.

هذا مثل واضح لسلوك شاعر يساهم في تدمير وجود أمة، بأكاذيبه وإستجدائه وتأديته مهام البوق الذي يزعق لخداع الخليفة والناس من حوله، لكي ينال بعض مايريد من المال، فيبدو أنه قد وجد في المعتز فريسة سهلة تغدق عليه الكثير من العطايا.

فأي ضحالة وهوان هذا الذي يؤديه بعض الشعراء وأصحاب الكلمة الخبيثة الرعناء!!

 

د. صادق السامرائي

26\12\2020

 

 

جمال العتابي

أهلها يشربون الماء من الرميثة.. والسينما فيها اسواق للحجية!

يشرق وجه السماوة في الليل، مثل فوانيس عرس بليلة عيد، نجوب شوارعها وأسواقها، تستقبلنا الوجوه بنوايا طيبة، الزاد والملح، إرث جميل تتناقله الاجيال، الحيطان المتلاصقة في البيوت، تختصر الحلول، وتجعل المناجاة والتراتيل صلاة واحدة.

تلك السنة الواحدة لم أصدّق أن تنتهي فصولها بهذه السرعة، من الصعب أن ألمّ بأطرافها، أخصب من أرصدها، وإنما أعرض لبعض ملامحها، من خلال علاقات حميمة، دامت وإتصلت عبر مساحة ضيقة من الزمن، وإن تباعدنا، ظل الصفاء والصدق يجمع أسبابنا وشظايانا.

ضفاف انهار السماوة كانت تستقبل الموج تلو الموج، من أقوام وأسر ملكية تولت عروش الحضارات، كما لو كانت معاقل حصينة لا ينالها الأعداء، منها انطلق گلگامش يبحث عن عشبة الخلود، والسماء تحرسها آنانا آلهة المدينة، هنا سجّل التاريخ أهم موضوع إنساني في قصص الملاحم والبطولات، في صحرائها دُفن الشاعر السموأل، وقيل أن المتنبي تعلّم الفصاحة والبلاغة فيها، ذكرها ياقوت الحموي في معجمه للبلدان، انها أرض مستوية لا حجر فيها لذا سميت بالسماوة.

توصف انها مدينة المتناقضات، ظمأى للماء، على الرغم من أن الفرات يمرّ جذلاً على سعته، يشطرها إلى نصفين، (شرقي وغربي)، فمن أي المنابع يرتوي أهلها؟ ما دامت المياه تأتيهم ملحاً أجاجا، بعد أن يودع النهر مبازل مزارع (الشلب)، مثقلاً بالرواسب والطمى، يذهب ليرتمي بعد رحيل مضنٍ في شط العرب، على النهر شيّدَ مجلس الاعمار أول جسر معلق في العراق، إفتتحه خليل كنّة الوزير في العهد الملكي يوم 8 شباط عام 1957، إختطفته مخالب دول العدوان عام 91، وأحالته إلى ركام، وما تزال دعامات الجسر وأوتاده محمّلة بالأسى والدماء.

فرات السماوة لا يسقي العطاشى، لا مفرّ للمدينة سوى الرميثة شمالها، لكي لا يتيبس ريقها، إمتد لها الماء مدراراً عبر الأنابيب، كان الفرات فيما مضى هنا، للمشاحيف وللصياد، للعيون السود، للصبايا، والصبابات التي تسهر لتالي الليل، للأراجيح، وأصوات المغنين إلى الفجر، للمحبين يغرقون الليل شدواً، للعباءات، وللعيون من خلفها، وللغاوين في سحرها، لرشيقات الخطى، للفساتين كلون الزهر، للعطر الذي يفعم أنفاسنا، لشارع القشلة الذي تعصف بأشجاره الضحكات والشهقات، هل قرأنا أو سمعنا عن شارع خجول، يستفزه الأذى، يلهث للمطر الشتوي، يخجل أن تهجره الطيور، فيطبق عينيه على رفيف حلم ويصمت.

تعاودني الرغبة صباح كل يوم ان أسرع الخطى بدءاً من سكننا القريب من سكة القطار ومدرسة الرشيد في الحي الشرقي، أعبر المعلق نحو شارع القشلة بإتجاه ثانوية السماوة وهي مثل ريحانة في نهاية الشارع، تدثرها الظلال، تحميها من حر القيظ وغزو الريح، مزهوة برائدها المربي الجليل عبد الله حسون الاحمر، ونخبة من المدرسين، حسين الغرّة، لطيف، إسماعيل، جليل أبو سكينة، شمخي جبر، حنون، عباس جبارة، التشكيلي الخطاط المدهش، ذكرى الثاني المتوسط فيها، تمر كغيمة صيف توقظني بين الحين والحين، كنا مجموعة من الطلبة حمزةعلي، الشاطر بيننا، (الصيدلي) فيما بعد، على منافسة دائمة مع جاسم، الذي نال بعثة الى إنكلتره بعد تخرجه من الإعدادية، امتدت صداقتي بحمزه السباع لهذا اليوم، محمد حنش (والده المقاول الوحيد الذي إختص بتبليط شوارع المدينة) ، محمد حسين السيد نور، صادق السيد طالب، علي جياد، حارث الدهان، والده حميد من أغنياء المدينة، إلى جانب شخصية أخرى من بيت الإمامي الذي شيد سينما السماوة، (أعتقد سمّاها سينما الشعب)، وعائلة الإمامي، هجرت مدينة عانه وإستقرت في السماوة، عُرفَ بهذا اللقب، لأن والده أو جدّه، كان إماماً لجامع القشلة، السينما كانت عنوان خصوبة لوطن أجمل، قبل أن يغيبها الإعصار، كانت ملتقى فتوتنا، قبل ان تتحول الأرض أمامها إلى مرتعٍ للذباب والهوام، موقع السينما الان صار أسواقاً بإسم (أسواق الحجية)..... يتبع

 

جمال العتابي

 

 

جمال العتابي

 

صادق السامرائيعلي بن الجهم (803-863) ميلادية، (188 - 249) هجرية، وكنيته أبو الحسن، ولد في بغداد، من أسرة عربية قريشية، جمعت بين العلم والأدب والوجاهة والثراء، وإهتم بالثقافة العربية ووهب نفسه للشعر، ومال إلى مذهب أهل الحديث وأعرض عن مذهب المعتزلة.

بدأت شهرته في خلافة المأمون (198-218) هجرية، وفي خلافة المعتصم (218-227) هجرية، تولى ديوان مظالم حلوان، وله قصيدة يمدح المعتصم لفتح عمورية.

وفي خلافة الواثق (227-232) هجرية قل شعره وخفت صيته، لكنه بزغ في خلافة المتوكل (232 - 247) هجرية، الذي إتحذه خليلا ونديما ويأنس يمجالسته منفردا، مما أغاض ندماء المتوكل وبدأت الدسائس تحاك ضده، فأغضبوا المتوكل عليه فحبسه ونفاه وأمر بجلده ثم عفا عنه، ويذكر أنه قُتِل مجاهدا في سبيل الله، بعد أن إعترضه جمع من أعدائه من الأعراب الكلبيين وأعداء أفكاره الدينية.

ويبدو أنه قد أمضى فترة من حياته في مدينة سامراء، قريبا من خلفائها الذين عاصرهم.

ومن شعره القصيدة المشهورة:

"عيون المها بين الرصافة والجسر.. جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري، أعدن لي الشوق القديم ولم أكن.. سلوت ولكن زدن جمرا على جمر".

وله قصيدة يمدح فيها المتوكل مطلعها:

أحسن خلق الله وجها إذا.. بدا عليه حلة تزهر، وأخطب الناس على منبر.. يختال في وطأة المنبر، فأمر الله إمام الهدى.. والله من ينصر ينصر".

وقصة وصفه للمتوكل بالكلب مشكوك بها، وتبدو وكأنها من تلفيق أعدائه، والبحتري في مقدمتهم.

"أنت كالكلب في حفظك للود...وكالتيس في قراع الخطوب، أنت كالدلو لا عدمناك دلوا... من كبار الدلا كبير الذنوب".

يقول إبن الفقيه الهمداني، في كتابه بغداد مدينة السلام: "وعلي بن الجهم شاعر معروف من بني سامة بن لؤي، كان آباؤه من عرب خراسان ثم إنتقلوا إلى بغداد بعد تأسيسها، وأشغل أبوه وأخوه عدة مناصب في الدولة، وقد نشأ في بغداد، وكان واسع الإطلاع في فلسفة الإغريق وأشعار العرب، ميالا إلى الحديث، وقد شغل بعض الأعمال في الدولة وسافر إلى بلدان كثيرة، وكان شاعرا ممتازا ومقربا إلى المأمون والمعتصم وخصه الواثق بمكانة خاصة، وقد نظم بمدحهم قصائد كثيرة ثم غضب عليه الواثق فحبسه وصادر أمواله ونفاه إلى خراسان، ثم أطلق سراحه فعاد إلى بغداد وإعتزل الحياة العامة منصرفا إلى الشعر والأنس".

وإن صح ما ذكره إبن الفقيه الهمداني، فيبدو أن المتوكل قد طلبه ليكون نديمه، لكنه غضب عليه، مثلما فعل معه أخوه الواثق، لكن غضبه كان أخف، ويُقال أن قُبيحة قد شفعت له عند المتوكل، وربما للبحتري عدوه اللدود دور كبير فيما حصل له في الحالتين.

فالشاعر نشأ في بغداد وتعلم فيها فكيف يوصف بالبداوة والجلف؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

ذكرى البياتي سيدتي لا تبحثي عن قيمتك في أعين الناس بل إبحثي عنها في ضميرك  فإذا إرتاح الضمير ارتفع المقام، وإذا عرفت نفسك فلا يضرك ما قيل فيك ..

لكي تكوني امرأة راقية...

لا تتكلمي عن إمرأة بسوء حتى وإن كانت فاجرة، لا تثرثري بظروف امرأة  مطلقة، أرملة، عاقر، كبيرة بالسن، غير مرتبطة، أُمية، لاتمتلك شخصيه قوية، قبيحة الشكل ، فالمرأة الراقية المثقفه تقول قولًا جميلًا أو تكتفي بالصمت، لأنها تؤمن بأن شؤون الأخرين لا تعنيها أبدا.

لاتحاولي مراقبة امرأة تستفزك  أو أجمل منك  أو حظها أفضل من حظك  وكلما راقبتي كلما ازددت تشاؤما ويأسا حتى وإن كنت طيبة القلب وغير حسودة  فأحيانا هنالك شيء مميز تملكه امرأة غيرك ﻻتمتلكينه  يشعرك يالإحباط وغصة في الصدر!

دعكي  من كل هذه الأفعال واهتمي بنفسك، طوري قدراتك ، تخلصي من كل مايحزنك ،انا على يقين انك ستكتشفين شيئا تتميزين به عن غيرك،

اختي الغاليه،ابنتي،صديقتي،

إستلهمي من النساء ولكن لا تقلديهن تقليدا أعمى لاتخدعي نفسك،

لا تميزي نفسك بأنك الأجمل  من بين الجميلات لتكن لديك الجرأة الكافية لتمدحي امرأة تستحق المديح والثناء، كوني أكبر فكرا وأجمل من أن تغاري من امرأة جميلة  أجعلي ثقتك بنفسك لأنها منبع الجمال انا على يقين انك ستجدين ماميزك الله به عن سواك  من جمال يخلب الالباب ويأسر القلوب ..

سيدتي، ابنتي،اختي، صديقتي

احترمي الرجل الذي يحبك ولا تعايريه بظروفه أو مادياته

أو أرفضيه منذ البداية، اسالي نفسك ماذا تريد؟

لا تحسدي امرأة على سعادتها مع رجل حتى وإن كنت تعيسة وحزينة بعلاقتك،

هذه مشكلتك تصرفي وأبحثي عن حل لنفسك  فالمرأة السعيدة غير مسؤولة عن شخصيتك وظروفك، صادقي النساء ولكن لا تثقي بإحداهن ثقة عمياء لان هذا النوع من الثقة  سيجلب لك الخيبات، واجعلي أمورك بشكل مفأجات،فالمرأة الراقية دائمًا ما تكون لها  خصوصيات،لا تبوح بها إلى كائن من كان!

الرقي ليس بالمنازل الراقية وﻻ القصور والشهادات والمناصب  والشهرة والبلاد علاوة  على بعض الاستعراضات والمجاملات السخيفه، اجعلي رقيك في روحك الجميله وعذب لسانك وصدق مشاعرك اتجاه الغير

تعلمي وأقرئي لتزدادي جمالا،  إكتبي ليستمر عطاؤك ... ويمتد خصبك وتتفتح ازهارك .... إنثري حروفك  وكلماتك عبقا مما قرأتي ...

وأجعلي بما بقى لك من عنفوان على جدار ذكريات  جميلة يذكرك

كل من مرة بحياتك فكوني ..

طلاسم لايتقن فك سحرها سواك ....

 

بقلم: ذكرى البياتي

 

 

نيرمين ماجد البورنوالانتقاء فن اختر بعناية ما يستحق أن يكون ضمن إطار حياتك، لان الحياة تمثل الخيارات وأنت من يسعي لان يختار ويرسم لوحة حياته ويلونها بألوان بقرارته، فاذا لم تكن انتقائيا في خياراتك وقراراتك وصداقاتك ودروب اهتمامك فحتما أنت أقل عمقا في فهم الحياة، إن الحرية والاختيار وجهان لعملة واحدة وهي الفرق بيني وبينك، واذا تعمقنا في النفس البشرية سنكتشف أن هناك عوامل كثيرة تسيطر وتؤثر على أفعالنا وتصرفاتنا وأذواقنا وقرارتنا أهمها العادات والتقاليد ووعي الفرد والمجتمع والأحاسيس والمشاعر بالإضافة الى البعد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي ووسائل الاعلام والتقدم التكنولوجي.

تمر علينا الكثير من المواقف الحياتية والطرق الوعرة وعابري سبيل بأقنعة كاذبة مزيفة متلونة ومتثعلبة، ممن لا يحسنون انتقاء ألفاظهم كما ينتقون اختيار ملابسهم فنجدهم لا يحسنون انتقاء الكلمات لموضوع نقاش معين فيتحول النقاش الي جدال ومعركة طاحنة وصراع وكأنها معركة فرد عضلات والمهم من المنتصر ومن الذي فرض رأيه وانه على صواب، أو يتحول النقاش الى استهزاء لأنه يريد أن يشد الانظار نحوه وغيرها من التصرفات غير اللائقة والتي تنم عن جهل وغياب للحكمة أو مجرد غباء، وللأسف أصبح البعض يبرر ذلك لنفسه ببعض الكلمات مثل أنا صريح أتكلم بعفوية وأنه غير منافق، والحقيقة أن هناك فرق كبير ما بين النفاق وبين الوقاحة والتطاول وجرح مشاعر الآخرين وكسر قلوبهم وأرواحهم.

لم يخلق النسيان عبثاً، بل خلقنا الله لغاية فإياك واستنزاف وقتك وطاقتك وعمرك في أماكن أو علاقات سامة هي ليست لك ولا تشبهك ولا تعبر عنك، فان من يعرف قدر نفسه يعز عليه أن يمضي بها في سبل لا ينتمي اليها، بل يجب أن نحسن الاختيار لكي نشعر بالسكينة والراحة الحقيقة غير المزيفة والتي ترضي أرواحنا وعقولنا وعواطفنا ولا تشعرنا باستنزاف أوقاتنا وأجسادنا وحتى أموالنا، اكراماً لجمال وجهك فإياك والعبوس، ويجب أن نعي جيدا أن بين كسر القلوب وكسبها خيطا رفيعا أسمه الأسلوب، وينصح علماء النفس في مثل هذه الحالات والمواقف بعدم السكوت " فاذا كنت تمر بأزمة وعلق أحدهم تعليقا يؤذيك فلديك كل الحق في إسكاته" فيمكنك الرد بكل بساطة " شكرا لاهتمامك" وبعدها يمكنك تغيير مجري الحديث أو اذا كنت تريد أن تكون أكثر وضوحا فانه يمكنك القول " أنا أسف ولكنني لا أرغب بالتحدث عن الأمر".

الكلام الإيجابي يدلُّ على رقيّ المتكلم وأخلاقه الحميدة، وهناك من يتميزون بأسلوبهم الرائع لكنهم ثلة ونوعية معينة من البشر يمتلكون الكثير من الوعي والثقافة والخلق الحسن وحسن التصرف الحكيم والقدرة على احتواء الأزمات ويمتلكون فن الحوار والمناقشة بالبرهان يتمتعون بالمرونة والطلاقة بالإضافة الى رحابة صدورهم وتواضعهم فلا عجب اذا تميزوا وتفردوا، فحاول أن تنتقي خير كلماتك من شرورها وكن متميزا انتقائيا بألوانك بأحلامك بمفرداتك، فقوة الكلمة لا يستهان بها بتاتا، فهي بمثابة المعركة ينبغي التفكير فيها وتحليلها وتأويل معانيها قبل نطقها أو تدوينها فهي تصلح وتفسد تسعد وتشقي، تبني وتهدم وبها يسود الظلم وتشن الحروب التي تحرق وتدمر مثل الرصاصة التي تقتل أشخاصا فكل مصطلح تجد له الكثير من المفردات فأختر أجملها وابتعد عما ينفر الناس من المواضيع فحديثك هو دليل شخصيتك، هي لا تتطلب العناء والجهد الكبير فمجرد تعليق ايجابي مختصر بسيط وصادق وعفوي يكفي، فالعلاقات الطيبة هي جمال الحياة وهي بلسم الروح الذي يحميها من الذبول، فلقد أكد العلماء أن الكلمة الجارحة تسبب جروحا في الدماغ لان الشخص المجروح كلاميا يعاني آلاما حقيقية وشعورا سلبيا وإحباطا.

إن الحد الفاصل في الحياة بين البشر هو الكفاح الذي نخوضه والحياة التي تشبهنا، فحاول أن تنتقي الأفضل من حولك بكل شيء سواء أكانوا أشخاص حقيقين أو افتراضيين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، الذين يهمسون ويذكرونك بقيمة الحياة وأنها لا تضيع على السفاسف وانك بحاجة الى القراءة والتمعن بسر الحياة فاذا لم تمتلك القدرة على فهم ما بين السطور وما وراء الكلمات فأنت غير مدرك وغير قادر على ملامسه روح الكلمة فجمل اصرارك وثمن نفسك ولا تنسي أن من حقك اغلاق كتاب لم يناسبك منذ البداية وانه يمكنك انشاء حدود وحواجز بينك وبين الآخرين، ويمكنك ايضا الصمت لأنه أفضل من النقاش مع شخص تُدرك جيداً أنه سيتخذ من الاختلاف معك حَرباً لا محاولة فهم، وكما يمكنك عدم الرد على المكالمات الهاتفية التي تضايقك وتعكر صفوك، وتثبت بالأشياء التي تحب معها الحياة مهما كانت غبية أو جنونية أو حتى كانت بسيطة، عش كما تريد وارتدي ما تريد وحقق أحلامك وفكر بطريقتك التي تريد أنت وأشرب الشاي بالطريقة التي تحبها أنت وأطبخ على طريقتك وزين بيتك كما تريد فكل ما تفعله في الحياة فن، كن انتقائيا واختر خليل قلبك بعناية وحكمة فليست كل القلوب بالقلوب تليق وليست كل الأرواح بالأرواح تقيم، فهناك من الأرواح من اذا ملكتك ملأتك واذا آوتك داوتك واذا احبتك أحيتك فاختر لنفسك شخصا اذا قست عليك الأيام يكن لك فيه عشم لا يخيب وسند لا ينحني، وذكر نفسك دوما أن الحياة مليئة بالخيارات الواسعة وأنت تستحق أجمل شيء من كل شيء.

 

د. نيرمين ماجد البورنو

 

جمال العتابيودَّعَنَا أهل الغازية بموكب ضمّ العشرات من أبنائها، بعد صدور أمر إبعاد الوالد (المعلم الفنان)، إلى مدينة السماوة، عام 1959، بإعتباره يشكل خطراً على أمن (لواء) الناصرية، في لحظة التوديع تحدث أبي مع أولئك الذين يتساقون الدموع: شكراً لكم أهلي وأخوتي، سأكون معكم مهما تباعدنا، ومهما أحاطت بنا الظلمات المسدلة!

تبدأ الرحلة بصرير محرك السيارة الخشبية (أم ضلوع دگ النجف)، مثل ريح تئن في القفار، أو صوتاً يرشح حزناً، كما لو كان لازمة نشيد أبدي التردد، يا حادي العيس، إلى أين تمضي بنا؟ والطريق إلى مدن ٍ لا نعرفها، صعب وشاق، واللوعات معلقة على نهايات أعمدة التلغراف الممتدة على طول الطريق الواصل بين الناصرية والسماوة، والتراب المتصاعد من بطء المسير ينتهك العيون والصدور، إنطلق إن شئت وإجتز المسافات، وإذا طوّفت بعيداً وإشتقت لتلقى مدناً أخرى، ما كان سوى هذا العراق قبل أن يكتسح الطوفان وجه الأرض، ما أوحش الطريق الذي وطأته أقدام السومريين قبل آلاف السنين، ماذا يبيته لنا هوس الزمان؟ تعبت خطانا، نغفو ونصحو، ننتظر ان يهدأ اللهب، لكي ننام، ولا ننام، وإن أحتفت بنا المدينة اليوم، ستظل العيون ترنو لمرابع الطفولة، فكل نخل السماوة لن يستطيع أن يسلب  من ذاكرتنا ربيع الغازية ونهرها الوديع، يستقبلنا أهلها بحفاوة وإهتمام : ادخلوها بسلام آمنين، ودخلنا في ملاذ مفعم بالسعادة والامتلاء، والصداقات غير القابلة للإستبدال والمراهنة،

لم تمض سوى بضعة أيام أضافت لنا شعوراً بالإطمئنان والإستقرار، لم يدم طويلاً، فتقارير المخبرين وأجهزة الأمن تلاحقنا، ولو طلبنا العلم في الصين:

برقية عاجلة..... المعلم... مدرسة الرشيد الابتدائية/ قضاء السماوة

إقتضى حضورك في مديرية أمن الناصرية يوم.... من شهر... للتحقيق في الدعوى المسجلة ضدك، حسب المادة......

مرّ وقت ثقيل قبل موعد السفر الى (اللواء)، وأثقل منه في الترقب والإنتظار لساعة العودة، قلق سرق منا نعاس الليالي، وأطعمنا للأرق ليومين متتاليين، نلتم حول (المتهم المطلوب)، نغرق في الضحك، لتفاهة الدعوى، وغباء المشتكين، انت يا سيد... متهم بقضية هي  انك ودّعت اهل الغازية بخطبة من أعلى سطح (دگ النجف)، ختمتها بالقول: إسألوني قبل أن تفقدوني!!، دوّن إفادتك، وذيلها بتوقيعك!!!

هكذا كانوا يغرقون البلاد بضلالات وأوهام، وتتحول الأكاذيب إلى أصفاد ومعتقلات، لم ترف نجوم السماء، ولا بكى نخل السماوة! سرقونا وضيعونا، والنهايات بلاد خربة (يتبع)

 

جمال العتابي

 

"رأيتُ رام اللَّـه" هو عنوان كتاب للشاعر والروائي الفلسطيني المبدع مريد البرغوثي، الذي غادر عالمنا قبل وقت قصير، وكان قد صدرت نسخته الأولى في العام 1998. وهو سردية ذاتية، ونص أدبي مشحون بغنائية مكثفة يحكي عن المنفى والمنفيين والبعد عن المكان الذي ولد وترعرع ونشأ فيه، ويسجل فيه انطباعاته بعد عودته إلى وطنه فلسطين، وتخصيصًا رام اللَّـه، بعد سنوات طويلة امتدت ثلاثة عقود، قضاها في الغربة والمنافي القسرية.

ويعتبر الكتاب من أصدق وأجمل الكتابات الأدبية السردية عن التجربة الوجودية للشتات الفلسطيني. وهو يجمع بين الأدب والسياسة، وبين الرومانسية والواقعية، بسردية متوهجة بالبساطة والعفوية وحرارة التجربة والتوقف عند التفاصيل الصغيرة الدقيقة.

ولعلني أتفق مع ما قاله وكتبه الراحل د. ادوارد سعيد في تقديمه للكتاب: " أن عظمة وقوة وطزاجة كتاب مريد البرغوثي تكمن في أنه يسجل بشكل دقيق موجع هذا المزيج العاطفي كاملًا، وفي قدرته على ان يمنح وضوحًا وصفاءً لدوامة من الأحاسيس والأفكار التي تسيطر على المرء في مثل هذه الحالات".

مريد البرغوثي ابن بلدة دير غسانة قضاء رام اللَّـه، التي غادرها إلى القاهرة لإكمال دراسته، ولم يتمكن من العودة إليها، وتم تسجيله في أعداد اللاجئين الفلسطينيين، يحدثنا في كتابه عن أوجاع الغربة، ويحملنا معه في خوفه وقلقه، ويدلنا على مكامن الجرح الفلسطيني باقتدار، ويجعلنا نتسلق معه أسوار الشوق والحنين الدائم للوطن الغالي. وتتوالى عناوين الكتاب "الجسر، هنا رام اللَّـه، دير غسَّانة، الساحة، الإقامة في الوقت، عمّو بابا، غُربات، لمّ الشمل، يوم القيامة اليوميّ". ونراه يصف رام اللَّـه قائلًا :"عجيبة رام اللَّـه، متعددة الثقافات، متعددة الأمزجة، لم تكن مدينة ذكورية ولا متجهمة، دائمًا سباقة للحاق بكل ترف جديد".

ولا ينسى أن يصور طبيعة المدينة قائلًا:" رام اللَّـه السرو والصنوبر، أراجيح المهابط والمصاعد الجبلية، اخضرارها الذي يتحدث بعشرين لغة من لغة الجمال".

ويواصل مريد سرده كاشفًا وفاضحًا مخططات الاحتلال في منع تطور المدن الفلسطينية وسعيها لجعلها غير قادرة على مواكبة روح العصر".

هذا الكتاب/الرواية/ السيرة الذاتية هو صورة حقيقية عن رحلة العذاب الفلسطيني في الغربة بكل ما فيها من أحاسيس ومشاعر وآلام، ويعرّيها لمن يطمح إليها، ويستحضر الوطن بعاطفة مشبوبه دون مرارة، وكل ذلك يعبّر عنه بحس شاعري، ولغة بالغة الروعة والجمال.

أخيرًا يمكننا القول، أن كتاب "رأيتُ رام اللَّـه" هو رواية الغربة والمنفى والعودة، بعد أن طال الشتات، ونص إنساني إلى أبعد الحدود، يتداخل فيه النثري والشعري، والخيال، والمجاز. وهو كتاب مشوق بتفاصيله، وعفويته الجميلة، وصدقه، ويصدر عن روح شفافة فريدة، هي روح الراحل مريد البرغوثي، الصوت الشعري الرقيق العذب والجميل.

بقلم: شاكر فريد حسن 

يسري عبد الغنيومن ذلك أننا وجدنا كثيراً من أهل الفكر من أمثال: سقراط، وأفلاطون، وأرسطو، وأفلوطين، وسانت توماس قد ربطوا بين الجمال والنفع أو الجمال والخير، وفي ذات الوقت فإننا نجد كثيراً من علماء البلاغة يؤكدون على الصلة الوثيقة بين مفهوم البلاغة، وبين الخير والنفع .

ومن هؤلاء العالم الزاهد / عمرو بن عبيد، الذي سأله سائل ذات مرة: ما البلاغة؟، فأجابه: ما بلغ بك الجنة، وعدل بك عن النار، وما بصرك مواقع رشدك، وعواقب غيك ! .

قال السائل: ليس هذا أريد !!، قال عمرو: فكأنك إنما تريد تخير لفظ في حسن إفهام ؟ ـ قال: نعم، قال عمرو: إنك إذا أردت تقرير حجة الله في قلوب المريدين بالألفاظ الحسنة في الآذان، المقبولة عند الأذهان، رغبة في سرعة استجابتهم، ونفي الشواغل عن قلوبهم بالموعظة الحسنة على الكتاب والسنة، كنت قد أُتيت فصل الخطاب، واستوجبت على الله جزيل الثواب

وفي رواية أخرى لنفس الشاهد أن (عمرو بن عبيد) عرف البلاغة بقوله: تحبير اللفظ (تخير اللفظ) في حسن الإفهام، وتزيين تلك المعاني في قلوب المريدين بالألفاظ المستحسنة في الآذان، والمقبولة عند الأذهان.

ويقال أن (عمرو بن عبيد) نصح سائله بألا يطول الكلام، لأن طول الكلام يدعو إلى التكلف (وبالتالي إلى ملل السامع أو القارئ)

وعليه فإن عنصر الخير ومعه النفع ـ في هذا المقام ـ أساسيان ضروريان عند شيخنا / عمرو بن عبيد، في مفهوم البلاغة أو بمعنى آخر: من أجل تحقيق الكلام لهدفه المراد (الإمتاع والإقناع)، كما هما أساسيان في مفهوم الجمال عند رجال الفكر، لأنه لا نفع ولا خير أكثر للإنسان العاقل مما يبلغه الجنة، ويعدل به عن النار، ويبصره مواقع الفلاح والصلاح التي بها يحدد مواقع رشده في الدنيا وفي الآخرة .

أساس البلاغة:

وإذا كان أفلاطون قد وصل بنظريته في الجمال إلى أن هناك مثال للجمال، هو مصدر كل جمال وهو الأصل فيه، وأن الأشياء تحرز منه، وتنال بقدر قربها منه أو بعدها عنه .

وإن كان الجميل عند المدرسة الأفلوطينة تشير إلى الواحد المطلق، الواحد الخير، الذي تصدر عنه الصور المشعة بالجمال .

فإن جانباً كبيراً من جهود علماء البلاغة والتي بذلوها من أجل استنباط أسسها، والأصول التي تقوم وتعتمد عليها، إنما مصدره الأول وأساسه المتين مستقى من كلام الله جل شأنه المبين في القرآن الكريم، فكلامه سبحانه وتعالى هو أساس البلاغة ودستورها، ومصدرها الوثيق، وجمالها منبثق من جمال الأسلوب القرآني البديع الرائع الذي من المحال أن يرتقي إليه أي أسلوب آخر مهما كانت بلاغة صاحبه .

فإذا أضفنا إلى ذلك أن جانباً كبيراً من جهود علماء البلاغة موجهة في الأساس إلى إثبات وجود الله العلي القدير وقدرته، وأنه سبحانه وتعالى هو المتصف بكل صفات الجلال والجمال والإكرام، وإنه عز وجل مصدر كل خير ونفع، وهو جميل يحب الجمال .

كل ذلك من خلال تفسير كتاب الله المجيد، وسنة رسوله الكريم محمد بن عبد الله الهادي البشير (صلى الله عليه وسلم) .

وإذا ما عرفنا أن جماعة من أهل البلاغة وهم المتكلمون أو رجال التوحيد، كانت غايتهم العظمى هي إثبات كل صفات الكمال للمولى الواحد الأحد، ودفع كل شبهة نقص عنه جل شأنه .

وأن أهل البلاغة بوجه عام يدركون كل الإدراك أن طريق الإيمان الحق، لا يمكن أن نبلغه إلا بنبراس يضيء لنا الطريق، هذا النبراس هو العقل المنصف المرشد، العقل الذي يعد أعظم نعمة منحه الله للبشر، ومع العقل الواعي السليم تأتي الروح الطيبة الطاهرة .

إذا علمنا ذلك جيداً، وفهمناه كل الفهم، وأدركنا وحدة الطريق والتشابه في الغاية، والاتفاق في الوسيلة المحققة لذلك، ووعينا أيضاً أن المفكر المنصف الملتزم والبليغ الأريب المتمكن من أدواته، كلاهما يبحث عن غاية عظمى، ومقصد محمود، وبمعنى آخر لا فكر ولا أدب بدون هدف، بدون إقناع وإمتاع، بدون جدوى أو نفع .

ومن هنا كان البليغ الحق في نظر شيخنا / عمرو بن عبيد هو الذي يستطيع تقرير حجة الله العلي الحكيم في عقول المكلفين، ولا يمكن أن يتأتى ذلك إلا بالحكمة والموعظة الحسنة المقتبسة من القرآن المجيد، وذلك هو النجاح التام الذي يورث صاحب الكلمة الثواب الجزيل من الله سبحانه وتعالى، وذلك خير ونفع لا ريب فيه.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

جواد عبد الكاظم محسنأصدر مجموعة من محبي الأدب والتراث في مدينة المسيَّب أول مجلة فيها، وقد حملت اسم (آفاق فراتية)، وهي مجلة دورية تعنى بالتراث والثقافة المعاصرة ، وقد حفل عددها الأول لشهر شباط 2021م بمجموعة من المقالات والنصوص الأدبية الرصينة والأخبار الثقافية والإصدارات الحديثة.

بدأت صفحات المجلة بإضاءة ، وهي كلمة لرئيس التحرير تحدث فيها عن فكرة إصدار المجلة وأهدافها، وقال في ختامها (باختصار شديد نقول إن هذه المجلة هي حلم مدينة بكل أدبائها ومثقفيها ومحبيها والحريصين عليها وعلى سمعتها الطيبة، ونريدها أن تكون سفيرة ثقافية لها لدى المحافل الأدبية والأوساط الثقافية والمؤسسات العلمية والمكتبات عامة في داخل العراق وخارجه).

بعدها جاءت أبواب المجلة تباعاً ، فتضمن باب البحوث والدراسات بحثاً للدكتور حسن عبيد المعموري من جامعة بابل بعنوان ("وسلموا تسليما"؛ بحث في الدلالة) ، ودراسة للدكتور سعيد عدنان من جامعة كربلاء بعنوان (غربة محمد حسين الأعرجي في شعره)، ودراسة للدكتورة سناء الطائي من جامعة الموصل بعنوان (أهمية الجغرافية للتاريخ) ، وفي باب سير وأعلام نشرت مقالة بعنوان (الدكتور أحمد عبد الستار الجواري واسهاماته في خدمة اللغة العربية) للدكتور المؤرخ إبراهيم خليل العلاف، ومقالة للصحفي الرائد محسن حسين جواد عن كاتبة القصص البوليسية (أجاثا كريستي) وعلاقتها بالعراق، كما تضمن العدد تعريفاً بسيرة الآثارية العراقية حياة جار الله.

2241 افاق فراتيةوفي باب رحلات نشرت المجلة القسم الأول من مقالة (كربلاء في مدونات الرحالة والأعلام) للدكتور سلمان هادي آل طعمة، وفي باب آراء نشرت (مثالان في إصدار كتب مرجعية بلا تدقيق) بقلم الأستاذ حسين محمد عجيل ، وشهادة ثقافية للتاريخ (قبل رحيل الجاني وغياب الشهود) بقلم جواد عبد الكاظم محسن، وفي باب ذكريات نشرت للدكتور سامي علي المنصوري من جامعة البصرة ذكرياته عن (الحياة بين الأمس واليوم) في مدينة البصرة الفيحاء، وفي باب قراءات نشرت قراءة لكتاب الناقد المعروف شكيب كاظم (وتلك الأيام) بقلم الكاتب حمدي العطار.

أما في باب الشعر جاءت قصيدة (أبكي على زمن مضى) للشاعر عادل الشرقي، وفي باب نصوص أدبية نشرت نصاً بعنوان (العناوين .. ما سرها معي؟؟) للأديبة العراقية الرائدة (نجاة نايف سلطان)،  ونصاً آخر بعنوان (نبيذ الصبر) للكتابة بان الشمري، وقصة من الواقع حملت عنوان (مليكة البلجيكية) للكاتبة وداد سلوم، ونصا أدبياً للكاتب رضا الأعرجي بعنوان (الاستيقاظ مثل الولادة).

وفي باب الوثائق القديمة نشرت المجلة كتاب شكر من قائممقامية قضاء المسيَّب تأريخ 14/6/1944 إلى الشيوخ والوجهاء المتبرعين مالياً لإنشاء أول مدرسة متوسطة في المدينة، واختارت المجلة كتاب (عراقيون في القلب) للدكتور جليل العطية كتاباً مميزاً لعددها الأول، ثم جاءت صفحات الأخبار الثقافية والإصدارات الحديثة، وانتهت بمسك الختام ، وهي مختارات من أقوال العظماء وأمثال الشعوب والتصويبات اللغوية.

 

جواد عبد الكاظم محسن

 

شاكر فريد حسنينتمي المثقف النقدي إلى إطار فكري يصطدم ويرفض ويتعارض مع البنى الثقافية القائمة والموروثة، التي تتشكل منها هوية المجتمع الذي يعيش فيه وينتمي إليه، ويدعو ويؤسس لواقع آخر مختلف ومغاير لما هو سائد وقائم. 

ويمكن للمثقف النقدي تعريف هويته، وفقًا لقناعاته ورغبته الذاتية، وللصورة التي يملكها عن نفسه، وبالتالي يحدد هذه الهوية الدور الذي يعتقد هذا المثقف أنه منوط به، على أساس الوعي بهذه الامكانات النقدية وقدرتها على تغيير المجتمع جذريًا.

ويعاني المثقف النقدي صراعًا مع المعايير والمفاهيم والمسلكيات السائدة، وعدم القدرة في التعاطي مع واقعه، ويجد نفسه لا منتميًا  في إطار ضغط البنى الثقافية والاستلاب الذي يعانيه جرّاء الهوية الملتبسة، ولذلك يظل مهمومًا وقلقًا بين هويتين، واحدة يؤمن ويفكر بها، وأخرى يعيشها المجتمع الذي ينتمي إليه. والمهمة التي يجب أن يضطلع بها هذا المثقف هو التغيير الجذري الشامل لهذا المجتمع.

وفي حقيقة الأمر أن دور المثقف النقدي في عصرنا الراهن غائب، لأسباب ذاتية وموضوعية عديدة، ورغم ذلك باعتقادي أن ما تبقى من مثقفين نقديين في مجتمعاتنا العربية، بوسعهم تقديم الكثير، فلا خيار أمامهم سوى ممارسة وجودهم ودورهم الثقافي، وهذا هو اهم ما نحتاجه إذا أردنا أن نعيش بكرامة ورؤوس مرفوعة وبحضور حقيقي، والمساهمة في صنع الحداثة والتغيير، وتأسيس المجتمع المدني التعددي الديمقراطي، ومواصلة المشروع الثقافي التنويري النهضوي النقدي الذي بدأه رجالات الفكر والتنوير والاصلاح والنهضة الاوائل، أمثال الطهطاوي ومحمد عبده والكواكبي وشبلي شميل وفرح أنطون واليازجيين وسواهم.

 

بقلم: شاكر فريد حسن 

صادق السامرائيأبو بكر أحمد بن علي بن ثابت المشهور بالخطيب البغدادي، (392 - 463) هجرية.

مؤرخ عربي، نشأ في قرية غرب بغداد كان والده خطيبا وإماما فيها.

وقد إعتنى والده بتعليمه منذ الصغر وحفّظه القرآن، فانغرس فيه حب العلم، واجتهد بأخذه حتى صار علما من أعلام الأمة، وإنكب على مصنفاته التي أنارت مسيرة الأجيال.

تعلم في بغداد والبصرة، وسافر إلى نيسابور وأصفهان، وتنقل بين دمشق وصور وبيت المقدس، ومدن بلاد الشام طلبا للعلم

ومن مؤلفاته:

تأريخ بغداد، الكفاية في علم الرواية، الجامع لآداب الشيخ والسامع، شرف اصحاب الحديث، الرحلة في طلب الحديث، مسألة في الصفات، الفقيه والمتفقه، تقييد العلم، إقتصاء العلم العمل،  وغيرها .

أساتذته:

أحمد بن محمد البرقاني، أبي حامد الإسفراييني، أبو حازم عمر بن أحمد العبدوي، أبي سعيد بن محمد بن موسى بن الفضل بن ساذان، أبي بكر أحمد بن الحسن الحرشي، صاعد بن محمد الإستواني ،   أبو القاسم الأزهري، وآخرين.

تلامذته:

أبو نصر بن ماكولا، أبو الفضل بن خيرون، المبارك بن الطيوري، أبو القاسم النسيب، أبو الحسن بن سعيد، عبد الكريم بن حمزة، وغيرهم.

من شعره:

 "لا تغبطن أخا الدنيا بزخرفها ... ولا للذة وقت عجلت فرحا، فالدهر أسرع شيئ في تقلبه ...وفعله بين للخلق قد وضحا، كم شاربا عسلا فيه منيته...وكم تقلد سيفا من به ذبحا"

.الخطيب البغدادي عارف بالأدب، ضليعا بالحديث، غزير التأليف، وله اكثر من خمسين كتابا، وكان رحالة في طلب العلم.

كان من العلماء المتبحرين الحافظين، الواسعي الإطلاغ، ومواظيا على طلب العلم والعمل به، وأمينا ومخلصا لعلمه ولطلابه، وتجشم عناء الترحال طلبا للعلم، فجاب المراكز التي فيها علماء، ليجالسهم ويأخذ عنهم.

وقدم قدوة حسنة في العلم والتعلم والعمل الجاد والخيّر بالعلم.

ويُعد كتابه الموسوعي "تأريخ بغداد"، من أكمل المصنفات التأريخية وأشملها، ويجعلك تعيش أجواء بغداد أيام صوَّر أحداثها فيه، وهو الكتاب الذي أذاع شهرته وتخلد به.

فتحية لأفذاذ أمة ثرية بجمان العقول!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

ضياء نافعالترجمة الحرفية - في الكلمات الصغيرة يمكن ان تغرق الاعمال الكبيرة.

التعليق – يذكرنا هذا المثل الروسي الطريف بالتعبير المشهور، والذي استقر بالعربية كما يأتي - الشيطان يكمن في التفاصيل. قال صاحبي، ان هذا المثل حقيقي فعلا، لأن الجهلة يحبون الثرثرة واطلاق الكلمات وحتى التنظير، في محاولة لتغطية جهلهم، ولا يهمهم بتاتا، سواء غرقت الاعمال الكبيرة او لم تغرق ...

**

الترجمة الحرفية – والعيون تنخدع.

التعليق – توجد أمثال كثيرة وعند مختلف الشعوب تتناول هذه المعنى، فلكل عالم هفوة ولكل جواد كبوة، والسباحون الماهرون يغرقون، والقرد يمكن ان يسقط من الشجرة...الخ..الخ، لكن هذا المثل الروسي يتميّز بالذات عن كل تلك الامثال،اذ انه مباشر جدا، ويؤكد على ان الانسان يجب ان يكون دقيقا جدا وحذرا جدا و متأنّيا جدا في كل خطواته، حتى اذا كانت امام عيونه...

**

الترجمة الحرفية – الجبين عريض، والدماغ قليل.

التعليق – هناك مثل ارمني يقول - الرأس كبير، لكن العقل صغير، ومثلنا العربي الطريف وبمختلف لهجاتنا عن (.. طول النخلة وعقل الصخلة..) يصف نفس الحالة، اي - (تعددت الاقوال والوصف واحد !)...

**

الترجمة الحرفية – أفضل ان تعيش فقيرا، من ان تغتني مع الذنوب.

التعليق – مثل نبيل، فالفقير الذي يريد ان يكون غنيّا يجب ان (يرتكب الذنوب !)، ولهذا يقول له هذا المثل الروسي، انه من الافضل ان يبقى فقيرا ونقيّا، من ان يكون غنيّا مذنبا.

**

الترجمة الحرفية – الكتاب في السعادة يجعلك أجمل، وفي التعاسة – أهدأ.

التعليق – مثل جميل جدا، فالكتاب هو مصدر المعرفة، وبالتالي، فانه مفيد في كل الحالات. يؤكد هذا المثل على حقيقة تكاد ان تكون شبه مجهولة لدى الانسان، ولكنها رائعة حقا، وهذه الحقيقة تقول - ان المعرفة ضرورية جدا في السعادة والتعاسة...

**

الترجمة الحرفية – لا تثق بدموع الذئاب.

التعليق – مثل رمزي عميق، يدعو الانسان ان يكون حذرا من دموع الوحوش حوله. قال صاحبي، ان هذا المثل يذكره بدموع سكبها امامه (ذئاب !) بعد كل تغييرجذري كان يحدث في مسيرة المجتمع...

**

 الترجمة الحرفية – الحجر الضروري ليس حملا ثقيلا.

التعليق – يضرب هذا المثل لحثّ الانسان على التحمّل اذا كانت هناك ضرورة لذلك، الصورة الفنية طريفة في المثل ومباشرة جدا، اذ ان (الحجر !) الذي يعتبر دائما (حملا ثقيلا)، يصبح عند الضرورة (ليس ثقيلا !)...

**

الترجمة الحرفية – لا تتحدث مع الاحول حول الاعوج.

التعليق – مثل طريف جدا، ويبدو للوهلة الاولى مرحا، الا انه في الواقع ذكيّ و دقيق جدا،اذ انه يحذر من الكلام مع شخص يرى (المستقيم اعوجا) بالاساس، اذ لا جدوى ابدا من هذا الكلام مع شخص يمتلك نظرة مسبقة للاشياء والظواهر، ولا يقدر ان يراها بشكل آخر، لانه (أحول!!!). مثل حكيم حقا.

**

الترجمة الحرفية – بالانتظار شبعانا لن تكون.

التعليق – اي بالانتظار ستبقى جوعانا. من الواضح ان هذا المثل يدعو الانسان للعمل من اجل ان يأكل كي تستمر الحياة ، لا ان يسكت وينتظر، والا فانه سيموت جوعا، وهي دعوة صادقة ونبيلة للسعي نحو حياة انسانية كريمة. لنتذكر الآية الكريمة –...وان ليس للانسان الا ما سعى، وان سعيه سوف يرى ... 

***

ا. د. ضياء نافع

..................

من الطبعة الثانية المزيدة لكتاب: (معجم الامثال الروسية)، الذي سيصدر عن دار نوّار للنشر في بغداد وموسكو قريبا.

ض. ن.

 

 

صادق السامرائيقائد آشوري معروف، أسس أول مكتبة في تأريخ البشرية في القرن السابع قبل الميلاد، إحتوت على أكثر من ثلاثين ألف من الألواح الطينية، المكتوبة باللغة الأكدية في موضوعات تعود لسنوات (627- 668) ق.م. وهي " أثمن وأقدم وأكبر مكتبة في التأريخ".

وبعد تدمير نينوى(612 ق.م) من قبل البابليين والسكوثيون والميديون، أحرقوا المكتبة فانصهرت بعض الألواح وإنفخرت أكثرها فبقيت رسائل نور للأجيال.

آشور بانيبال الذي لقب نفسه: "عناية الحاكم الآشوري المثقف آشور بانيبال ملك العالم وملك الآشورين"!!

كان في قصره مكتبة تضم أكثر من ألف لوح طيني، وقد جمع معارف حضارات وادي الرافدين والدنيا، مثلما فعل المأمون في بيت الحكمة ببغداد.

وقد عرّقتنا هذه المكتبة على ملحمة جلجامش، أسطورة الخلق البابلية، معاهدة أسرحدون، موشور سرجون، لوح كوكب الزهرة، نقش أزيكا، وغيرها من النصوص والملاحم والقصص.

والحمد لله أن المتحف البريطاني لديه العديد من الرُقم الطينية التي وُجِدت في المكتبة، وإلاّ لدمرناها كما دمرنا غيرها من الآثار.

وما يجب الإشارة إليه في هذا الموضوع، أن القائد يجب أن يكون مثقفا لكي يرتقي بشعبه إلى مطلق الرؤى والتصورات، وبه الشعب يكون ومنه يستلهم تطلعات وجود أصيل.

كما أن التنوير والتغيير بحاجة لقائد تنويري، يحب الثقافة ويؤمن بالعقل، والقدرة على صناعة الحياة الأفضل، بالتفاعل والتعلم والقراءة المتواصلة.

وآشور بانيبال يؤكد أن الثقافة والتنوير نبع الحضارة ومنطلق الصيرورة الإنسانية العليا، ولهذا جمع ما تركته الحضارات السابقة، وما ضمته قصور الملوك من قبله من مصادر للمعرفة والعلم.

كما يشير إلى أهمية المكتبة في صناعة المجتمع الواعي المتنور، الذي يكون قوة لها شأنها في الحفاظ على الدولة ودورها في الحياة، ولا تزال المكتبة من المراكز المهمة في المجتمعات المتقدمة، ولها تأثيرها في بناء المواطنة الصالحة.

وظاهرة المكتبة الكبرى الجامعة تكررت في بلاد الرافدين، وإن بدأها آشور بانيبال، فأن المأمون كدّس ثقافات الدنيا ومعارفها في دار الحكمة ببغداد، ويمكن القول بأنهما قد أصابا الحضارة الإنسانية بمقتل لوضعهما ثمراتها في سلة واحدة، وفي الحالتين أصبهما الإحتراق من قبل الأعداء أو الغزاة، ففي حريق مكتبة آشور بانيبال إنصهرت آلاف الرقم الطينية وذابت، وقسم منها تحولت إلى رقم فخارية، وبيت الحكمة تحول إلى رماد، وحبر مذاب في مياه النهرين.

ترى هل سنفوز بقائد تنويري يقرأ ويعرف قيمة الثقافة ويسعى لبناء الإنسان.!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

يسري عبد الغنيحينما أصيبت الثورة المصرية بجرح هزيمة 67 الغائر، ثم برحيل فارسها عبد الناصر عام 70، شاهد جاهين كل شئ ينهار من حوله، فأصاب شاعر الثورة احباط الانكسار ودخل في صمت المطعون المكلوم. ومع صعود الرئيس "المؤمن" - الذى كان معروفا طوال سنوات الثورة بأنور السادات لنكتشف فجأة ان اسمه الحقيقى هو محمد انور السادات !- أطلقت الاشارة لبدء حركة الهجوم الوحشى والتشويه المجانى لكل جوانب الثورة، المظلم منها والمضئ معا، حتى أن السد العالى نفسه – الذى أعترف العالم مؤخرا انه اهم عشرة مشاريع هندسية في العالم في القرن العشرين – لم يسلم من حملة التشويه الآثمة لإنجازات الثورة.

ولم يجد شاعر الثورة له مخرجا من نفق الاحباط وظلمة الاحساس بالغبن والضياع وربما لوم الذات وانكار الحلم بل ومعاداته سوى الدخول الى دوامة العمل السينمائى السهل في حركة هى اقرب الى حركات مهرج السيرك الذى يضحك الآخرين بقلب نازف – فكتب لصديقة دربه سعاد حسنى اغنيات فيلمها "خلى بالك من زوزو" الذى حقق نجاحا جماهيريا ساحقا، بين جماهير متغيرة كانت قد تعبت من وطئة احلامها طوال عشرين عاما، وتعبت من الحروب والمعارك والاناشيد، وارادت ان تنسى وترقص وتلهو على انغام تقول لها ان "الدنيا ربيع، والجو بديع، قفلى على كل المواضيع" وهكذا نظر بعض المثقفين في حزن الى شاعر الثورة وفارسها القديم وقد انكسرت قوادم احلامه (كما تنبأ صلاح عبد الصبور) وتحول مغنى الجماهيرالى مضحكها .

وهو دور استنكروه عليه ولكنه لم يستنكره على نفسه فقد كان دائما منحازا الى الجماهير البسيطة يعبر عن أحلامها وآمالها وعن ضحكاتها وأوجاعها . ولم يجد غضاضة في ان ينحاز اليها في لهوها ومزاحها وهو المنحاز أبدا للفرحة والبهجة.

وقد أراد له –وتوقع منه- البعض ان ينخرط –وهو شاعر الثورة- في حركة المعارضة الشعبية والطلابية لنظام السادات قبل حرب العبور كما فعل أحمد فؤاد نجم بأشعاره الجارفة التى لحنها وغناها الشيخ امام والتى دخلا السجون بسببها . ولكن جاهين لم يفعل ولم يكن له ان يسير في درب غير دربه فعالمه الشعرى ليس عالم احتجاج ومعارضة ضد النظام فقد كان منسجما مع النظام الناصرى الذى كان منسجما مع أحلام الفقراء وآمال المثقفين معا، وجاهين المنحاز للفرح في الحياة لم يجد في نفسه طبيعة الصدام والمعارضة والهجوم على الآخرين. بما في هذه من العنف العاطفى والخشونة الوجدانية الضرورية للتحمل والصمود . نعم هو شاعر الحلم الثورى لكنه ليس شاعر الغضب والتصدى والتعدى، ولذلك كانت لأناشيده الثورية دائما جانب الاعراس المحفوف بالأجراس والمزامير والرقصات الشعبية، فليدع التصدى والمقاومة والغضب الشعبى لغيره من الشعراء مثل نجم. فهل كان في هذا خائنا لنفسه أم متسقا معها؟

لاشك ان هذا سؤال سيستدعى إجابات متناقضة من نقاد مختلفين.

أما نحن الذين  طالما اترع قلبهم مما كان يسكب لنا جاهين كل يوم من مياه المحبة والبهجة والأمل المثير فليس عندنا له سوى فيضان من مشاعر العرفان والممنونية والإنحياز الحميم.

ولعل أجمل مايعبر عن حالة جاهين تلك بعد أنهيار أحلام الثورة التى شارك في صنعها هى رباعيته التى كتبها عندما أصابه انسداد في شرايين القلب احتاج الى جراحة في صيف 1981:

يامشرط الجراح أمانة عليك

وانت في حشايا تبص من حواليك

فيه نقطة سودة في قلبى بدأت تبان

شيلها كمان.. والفضل يرجع اليك.

لقد كانت النقطة السوداء قد احتلت قلبه الكبير وراحت تكبر فيه وتنهشه هى نفسها النقطة التى اصابت قلب مصر مع جرح 67 ومع رحيل ناصر وانهيار احلام الجيل الصاعد وتسليم السادات مفاتيح مصر للتيارات الدينية الظلامية التى أطفأت مصابيح مصر واحدا بعد الآخر وحاربت الفن والفكر والابداع والتحرر والمساواة والفرح والبهجة والانطلاق والغناء والرقص والمزامير ، فكانت هى الخاتمة السوداء لاحدى أجمل فترات النهضة المصرية في تاريخها الحديث.

سيظل جاهين صوتا مميزا مزهوا في الوجدان المصرى الى الأبد. فالشاعر الاصيل لايعرف موتا ولاصمتا. وهو الذى قال:

دخل الشتا وقفل البيبان ع البيوت

وجعل شعاع الشمس خيط عنكبوت

وحاجات كتير بتموت في ليل الشتا

لكن حاجات أكتر بترفض تموت.

وكان تاريخ5 يونيو 1967 تاريخا فاصلا في حياة جاهين فقد هزمته النكسة مثلما هزمت كل الشعب المصرى ولكن احساس الفنان غالبا ما يكون مضاعف فقد اصيب صلاح جاهين بحالة من الاكتئاب لم يشف منها حتى رحيله، فتوقف عن كتابة الأغاني والأناشيد الوطنية، و اتجه إلى الكتابة في اتجاهين الشعر التأملي العميق كما في الرباعيات والأغاني الخفيفة و كان أشهرها أغنية سعاد حسني "يا واد يا تقيل" وغيرها والطريف أن ملحن هذه الأغاني هو الموسيقي الكبير كمال الطويل الذي كان في يلحن له أغانيه الوطنية وكان آخرها "راجعين بقوة السلاح" الذى اعتبرها صلاح سبب كآبته لان ام كلثوم غنتها عشية النكسة وتحطمت كلماتها على صخور الواقع والتى يقول فيها:

راجعين بقوة السلاح راجعين نحرر الحمى

راجعين كما رجع الصباح من بعد ليلة مظلمة

وقد توفى الشاعر العظيم صلاح جاهين 21 ابريل عام 1986 حين ابتلع جرعة زائدة من الحبوب المنومة والتي كان يتناولها للتخلص من مرض الاكتئاب ولكنه اسلم الروح وهو لم يتجاوز السادسة والخمسين من العمر، مخلفا وراءه ثروة فنية هائلة تمثلت في مئات القصائد ورسوم الكاريكاتير وقد اتهمه كثيرون بالانتحار.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

مجاهد منعثر الخفاجييمكننا غسل أثوابنا في كل وقت، لكن لا يتمكن جميع البشر من غسل الضمير عما ارتكب من درن الخطايا المتعمدة.

جراح صنعناها بأنفسنا ومزقنا وسادتها الناعمة بإرادتنا، هذه الجراح من المستحيل تضميدها حيث لا تلتئم أبدا.

قتلت فينا صوت الحق بالمكر والكيد والخديعة وما أيسر ما فعلنا ونفعل بضمير مستتر .

نبرر تأنيب أفعالنا بحجة واهية ونحبس أنفاس الضمير لنخرج من الإنسانية إلى الحيوانية كخروج السمكة على حافة الماء، فهل ياترى نستطيع الدخول للإنسانية مرة أخرى؟

من المؤكد أن الضمير الحي لا يخشى من يطرق بابه منتصف الليل.

لم لا يسأل الإنسان نفسه: كم مرة علقت الشعرة الإلهية التي تضيء القلوب على الشماعة وظلمت، اغتصبت، وشيت بالآخرين؟

 العين تنطق والأفواه صامتة، ربما ينجو الشرير من عقاب القانون وفضيحة العار، لكن عند اقتراب الأجل يأتيه العقاب الأولي بالقهر ثم يدخل النار .

هل زارك ذلك الصوت الخافت ليدوي في افكارك ويقلبك في مضجعك وهداك من القلب تبيانا؟

أصنت حقوق الله والناس وحرست الأعمال من دواعي التفريط والإهمال.

بعد أن يمضي العمر نلاحظ غض النظر عن بعض الموبقات الكبيرة وتناسيها، لتعود علينا في شريط الذكريات المؤلمة ونتمنى عودة الزمان  لتختطف جوارحنا الحكمة ولا نقدم على الأفعال الشريرة التي تسببت في إطفاء الومضة النورانية في القلب .

وتأخذنا الأماني لو نحيا من جديد بعقليتنا بعد أن شارفنا على الانهيار، لا تنفع الأماني ولا الهروب أو الانعزال في سبيل إيقاف دوي الأفكار، لكنّا كأصداف هشّة على شاطئٍ غدره الليل بجَزْرٍ عتيد.

اين كنا ولم ننهض لكي لا ترتطم نجوم سقوفنا العالية بالأرض؟

ألا نعلم قتلنا في صمود الحياة بتوقف عملية شهيقٌ وزفيرٌ، ألا نرى بأم أعيننا تساقط الأقران والأقرباء كزخات مطر . تتقلب الحياة أمامنا كل لحظة، ذاك يرحل برصاصة توخز أحشاءه، أخر برفة قلب تمرّدَت على الانتظام، غيره بتخثّر قطرة دمٍ لم تحتمل الخذلان، آخرين بجائحة  ولنا في الجائحات دروس. ومع رحيل كل فرد تخور قوانا في لحظة ويبقى جاهنا ممنوعًا من الصرف.

حاجتنا إلى تغيير أنفسنا بعد معرفتها بإشعال ظلمة القلب بالنور الإلهي لتتوقد الأولى وتصلح المعوج مما مضى قبل فوات الأوان.

 

بقلم / مجاهد منعثر منشد

 

 

نبيل عرابي..وخفتت أضواء المسرح. فانتظر المتفرّجون نبضَ نورٍ يبعَثُ الحياةَ فيما حولهم، أنفاسَ صوتٍ تحرِّكُ حاسّةً ما من حواسّهم. عبروا إلى الضفّة الأخرى. فطالَ انتظارهم!

2-

..وهدأت أضواءُ المسرح. فماج الظلامُ على راحته. وأخذَ الصمتُ إجازةً من ضوضائه. وغزت الاحلامُ سحابات الخيال المنبعثة من ظنون الحاضرين، حتى ضاقت بأذهانهم، فامتدّت لتطال آخرين!

3-

..ودارت أضواء المسرح. فأعلنت المقاعدُ جهوزية صبرها، وقدرة تحمّلها، بعد أن استشاطت نفوس الجالسين غبناً، وبدأت تتسلل إلى مرافقهم ذبذبات حقيقة اللعبة!

4-

..وعادت أضواء المسرح، بعد أن فُتِحَ الستارُ القماشيّ الازرق الفتّان، وبعد أن نالت العيون حصّتها من زخارف تلفّ الخشبة برمّتها، تَعِدُ بمشاهدَ تُقاربُ الواقع، وتلتزمُ حدود الخيال، وتبقى على مسافة واحدة من كلّ عيشٍ مرسومٍ بألواننا!

5-

..وانطفأت أضواء المسرح، ومرّت كلّ أشكال الوقت والبقاء والاحاسيس التي اكتظّ بها المكان، وعلا شعاع يُنبأُ بانتهاء العرض، ويأمل بأن يكون قد نال الاعجاب المتوسّم.. عندها فُتِحت أبوابُ المخارج، ولم يبقَ على الخشبة، إلا بعض وجوه باهتة، وهندسة مكانية عابثة، وأسلاك مشوّهة، تنتظر مَن يحنو عليها، لتصل الصورة إلى ضيوف الغد الآتي.

***

نبيل عرابي

 

 

يسري عبد الغنيكان ديفو وسويفت أعظم صحفيين في عصرهما، ولقد ازداد اليوم شهرة لكونهما مؤلفين أول روايتين إنجليزيتين عظيمتين (روبنسون كروزو)، و(رحلات جليفر)، وقراءة هاتين الروايتين فيهما من المتعة ما كان لهما منذ أكثر من 290 عامًا، وكان الإنجاز الرئيسي لديفو وسويفت هو كتابة النثر الإنجليزي واضحًا مباشرًا، يمكن لأعضاء الطبقة المتوسطة تفهمه بسهولة ويسر، ففي القرن التاسع عشر، كان النثر الإنجليزي بلغة المثقفين الأكثر تقعرًا، مليئًا بالاقتباسات التقليدية من التراث، وباللمحات العلمية والفلسفية الصعبة، ويرجع الفضل في الأسلوب الجديد السهل في الكتابة، أكثر ما يرجع، إلى أثر المقاهي التي ازدهرت خلال حكم الملكة آن، حيث نقرأ أن هذه المقاهي في نهاية القرن السابع عشر كانت تعد مراكز مألوفة للحوار السياسي والفكري والأدبي، وكانت الصحف والكتيبات توزع هناك، أو تعلق ليقرأها الجميع .

هذا، ولقد توطدت هذه المقاييس الأدبية الجديدة البسيطة في أواخر القرن السابع عشر وبداية الثامن عشر في المقاهي، لتغطي ما يعرف باسم العصر الأغسطي في الأدب الإنجليزي، وهو يسمى أيضًا (العصر الكلاسيكي )، أو (عصر المنطق)، لأن العقيدة سادت بأنه لا بد لكل كتابة، شعرًا كانت أو نثرًا، أن تحذو حذو ما كان للكتاب اللاتين القدماء من أسلوب سلس سهل، وكانت كل هذه الأفكار تناقش في المقاهي التي هي بمثابة منتديات ثقافية للجميع .

وكان الشاعر الكبير، والمسرحي، والناقد / جون درا يدين (1631 م ـ 1700 م) أبًا للمقاهي الأدبية، فربما أمضى أمسياته في (مقهى ويل)، يبث أفكاره عن الأدب لشبان مثل (أديسون) و(ستيل)، الذين قدر لهما أخيرًا نشر المعرفة في مجلات مثل: (سبكتاتور) و(تاتلر)، وقد روي عن إديسون قوله: " إن غاية طموحي كان في إخراج الفلسفة من الخزائن والمكتبات، والمدارس والكليات، حتى تغشى المنتديات والأندية، ومناضد الشاي، وتتسرب إلى المقاهي " .

وبموت درا يدين عام 1700 م، احتل أديسون منصب الحكم في التذوق الأدبي في مقهى ويل أولاً، وأخيرًا في مقهى باتون .

كان أدب ذلك العصر محببًا بهيجًا، وقد كانت الطبقات العليا والوسطى قانعة بالحياة، وغاية آمالها أن تصبح الحياة أكثر راحة .

وخلال حكم كل من الملكين: جورج الأول، وجورج الثاني، كان رجال الأدب والفكر والثقافة على جانب من السلطة والقوة كبيرين في المحيطين السياسي والاجتماعي، فالسياسيون القديرون، مثل: جودولفين، وهارلي، بولينجبروك، يستخدمون الكتاب لعرض الحجج السياسية على الجماهير، ولقد استخدم كل من ديفو وسويفت في هذا السبيل .

 

بقلم: د.يسري عبد الغني

 

صادق السامرائيبُطوط: جمع بطة

كُتِبَ الكثيرعن إبن بطوطة (703 - 779) هجرية، الرحالة القرطبي الأندلسي المشهور، وإشتهر كتابه "رحلة إبن بُطوطة"، على مر العصور والأزمان، ولايزال مثار دراسة وتحقيق.

وقصتي مع إبن بطوطة، بدأت منذ الصغر حيث أوقد في نفسي روح السفر، والإطلاع على طبائع البشر.

وذات يوم وجدتني في "مول" في مدينة دبي يحمل إسمه، فتجولت فيه وقرأت ما كُتب عنه، وكأنني في رحلة بطوطية إفتراضية حية.

وكانت الأسئلة تطاردني ومنها:

ما الذي دفع بشاب أن يقرر السفر في ذلك الزمان المشحون بالأخطار؟

ما هي الغاية من ترحاله، وكيف يعيل نفسه ويعرف طريقه؟

ولماذا يكون تواصله مع وجهاء وقادة المجتمعات التي يحل بها؟

وماذا يريد أن ينجز، وهل كانت مهنته الترحال؟

وكيف طافت شهرته في الآفاق؟

ظاهرة!! إبن بطوطة ظاهرة سلوكية عبّرت عن حاجات نفسية ونوازع كامنة في البشر تجمعت وتفاعلت وترجمت إرادتها بواسطته، فكان الممثل الإتساني لرسالة حب المعرفة والإطلاع، والقوة اللازمة لإطعام الجوع الشديد لسبر أغوار المجهول، والتعرف على معاني الحياة ومشاربها، وكيف يعيش البشر في أصقاع الدنيا.

وقد سبقه إلى هذا السلوك الإستطلاعي عدد من الرحالة العرب في زمن الدولة العباسية، لكن رحلاتهم كانت مختصرة وذات مهام دبلوماسية، كأن يرسل وفد إلى بلاد ما وأحد أعضائه يسجل مشاهداته في الطريق وما يشابهها من المدونات.

إبن بطوطة ثورة معرفية متوثبة تحلت بالجرأة والثقة بالنفس والصدق والإيمان المطلق بالقدرة على الإنجاز، وإحساس كامل بالسلامة والأمان، وهذه لا تتوفر في أي شخص بتلك الأزمان.

 

د. صادق السامرائي