عقيل العبودترتيلة لإنشودة الأسى

الرمق الأخير سيكون حاضرًا هذا المساء،

(قيامة الأرض)، لم يحل يومها بعد،

دكة الموت تقطعها أنفاس العصافير،

يهتف الصباح.

 

تخشع الجنازات، تتلى عليها الصلوات كما التوابيت، (الطيور البيضاء) تنزف الطهارة،

يتحول الدم في حضرة (الملكوت) الى قافية للبكاء،

يرقص مع قافلة (الملائكة).

 

بتلظى مع أوجاع الحر، واشلاء القصص المنكوبة،

ترتعش كؤوس الأمراء، تسقط جمراتها في قعر الأوهام، يصطف الجبروت عند شظايا الوجع الساكن.

 

(تضج المجرة)

يشيِّعُ مواكبها صراخ (الصاعدين النازلين)،

يؤذن (تراب)الأرض،

تترى الشياطين تباعا،

يستقبل الموت نافلة البكاء، يبحث عن أكفان (الطعنات)،

يلتحف الفجر ، تغيب آخر ترنيمة، يرحل الوداع، يضمه المبتغى.

 

ينهض المؤذن، (تتوضأ) السنابل،

تغيب الشمس في كهف الدجى،

تعتذر السماء،

تبحث (الفراشات) عن رحيق النسغ المطعون بآهات الليل، تنتحر (السيوف)، تتعثر آخر نجمة، يسترق ابتسامتها النواح.

 

صهيل الخيول يردده الشفق مثل أغنية ثكلى بالصراخ،

يعلن الخليفة حفل الانتصار،

المراسيم (صوت الله) يحييها، تستلقي (السحب) بعيدًا بعيدًا،

يحزن النهار!

***

عقيل العبود

سان دييغو/ كاليفورنيا

..........................

* شجرة كربلاء (2) / د. سعد ياسين يوسف

منذُ ان توضأ التراب ُ

بدمكَ الأخضر ِ

قامت قيامتُها الأرضُ

صار لها وجهُ السماءِ

معنى التجذرِ الآتي بموجِ انبثاقِ

الخضرة ِالتي أشعلْتَها في خشبِ السكونِ

وكلما جفت ينابيعُ صوتِ اللهِ

صاح بها صوتُك ان تكونَ

فتضيءُ السماءُ وجهَهَا المحمرَ

بالخجلِ المعفرِ بالترابِ

حين ارتقى نُثارهُ الممزوجُ بأسرارِكَ

معانقاَ طيورَكَ البيضاءَ

وهي تصعدُ.. تصعدُ ... تصعدُ

وسيوفُهم تنزلُ في الصلاة عميقا ً

تنزلُ .. تنزلُ ..حتى

يتزلزلُ الملكوتُ تنزلُ الملائكةُ

تصطخبُ المجرةُ بالصاعدينَ النازلينَ

فتنكرُالسيوفَ أغمادهُا مكسوةً

بريشِ الخديعة ِ، بالدمِ

بانهيارِ منائرِ التكبيرِ

بدُكنةِ السحبِ الماطرةِ غلاً

وهي تُسبغُ قلبَ سبعينَ ألف ثقبٍ أسودَ

تاريخاً من لهاثِ الرمل ِ

خلفَ احذيةِ الخليفة ِ

وهي تسحقُ فراشاتِ رفيفِ همسِهم

فيستوونَ حجارةَ رجم ٍ

لما بينَ الخيط ِالابيضِ والاسودِ

ليسودَ رمادُ الحرائقِ التي

اشعلوها إذ استوى حقلُ السنابلِ

تحتَ ابتهالاتِ الشفاهِ ..

وكلما توضأ الترابُ وأستقامَ الى الصلاة ِ

بادلتِ الارضُ السماءَ قميصها المطرزِ

بنجومِ الطعناتِ

واتكأتْ بغيرِ عَمَدٍ تُحصي ثقوبَ خناجرِهم

وهي توغلُ في خاصرةِ الإلهِ ...

 

 

عمار عبدالكريم البغداديشهريار: أقررنا في حديثنا السابق بأن تحقيق العدالة هو آخر ما يصل اليه صاحبنا المسؤول الرحيم ونحن نتحدث هنا عن نفوس كبيرة رجحت لديها كفة النورانية مسبقا، وامتلأت قلوبها بالعطاء، وصارت الطيبة غذاؤها، والرقة ديدنها، والرحمة جوهرها، وإنْ مايصيبها من التذكير بمواقف الإساءة والظلم لايعدو فعل حجر سريع يداعب سطح الماء قبل أن يغطس الى غير رجعة، كأنه أثر ريشة تدغدغ شغاف القلب، وتداعب الطيبة الدائمة لتُشيّعَ تلك النفوس الكبيرة خطوات المتكبر اوالمتجبر او المرائي بنظرات الشفقة عليهم لاالخوف منهم، وهذا سر الإبتسامة المرة المرتسمة على وجوه الطيبين في مثل تلك المواقف.

وقد علمتني الحياة دروسا بليغة مفادها أن النفوس الكبيرة وحدها تمتلك حرية الإختيار والتمييز بين الأحساس بالظلم وقول الحق وإنْ كان على حساب أصحابها، وهي التي تُبعد وهن تعلق القلوب ببعضها عن تماسك فريق العمل، والحصيلة إن النفوس الكبيرة وحدها القادرة على الفصل بين العلاقات الشخصية وازدواجية القرار في ميادين الحياة وسوح العمل.

شهرزاد: أتفق معك تماما فالسواد الاعظم من الناس يقدم معيار المحبة والبغض في التعامل مع الآخرين، ووصف أفعالهم وأقوالهم، لكن هل انتهت معركة الإنصاف والعدالة في قلب المسؤول الطيب، وتداعت معانيها عند هذا الوصف؟، واذا كانت القلوب الطيبة بوصفها قلوبا قوية غير قادرة على أرساء قواعد العدالة فمن إذاً؟

شهريار: العدالة بوصفها (الحياديّة في إطلاق الأحكام على الآخرين مهما كانت مراتبهم) غاية الغايات في القلوب الطيبة، لكنها تسير تحت جناح الرحمة بخطوات متثاقلة، وإنّ لها فعلا عظيما في نفوسهم، وإنها لتدب دبيب النار في حاويات الوقود حينما تحاكي الضمير، أو الوجدان، أو الذات الواعية للقيمة العليا التي تمثل مركز القلوب الحية، ولكِ ان تتخيلي ياشهرزاد هول الآلام المتحققة من تلك المعادلة، كل موقف إنصاف نجح فيه صاحبنا الطيب بخطوات متأنية للمحافظة على ذوات الطيبين والمخلصين، وكل تغاضٍ عن سوء المتكبرين والمتجبرين والمرائين والكسالى، وكل لجم عسير لسلطات موقع المسؤولية على أمل الإصلاح، إنها لمواقف متضادة تنجذب بقوة الى مركز القيمة العليا في القلب الكبير، وتتصادم على دكة العدالة المتأخرة .

ولا يقتصر الأمر على المسؤول الطيب بل إن تلك الآلام تأخذ طريقها الى قلوب الفريقين بإيقاعات متباينة، فالمخلصون والطيبون المترقبون في عتب دائم كلما التقت عيونهم عيونه -لا تلفظه الشفاه - ويرتسم في تفاصيل الإبتسامة المرة: متى العدالة؟ .

وفريق الشر يعيش في موجة آلام أعظم من الجميع، فتلك الغضبات المتلاحقات والمساوئ المفضوحة التي لا تُقابل بالضد الظاهر تَرتدت على أصحابها أضعافا مضاعفة، تزيد من حيرتهم، واحدهم لأهون عليه أن يرى ملك الموت من رؤية الإبتسامة المرة على وجوه الطيبين او صاحبنا المسؤول، يتساءلون في صمت مطبق: ماسرهم ؟، ماالذي يخططون له؟، يبدو إنهم يدبرون أمرا عظيما للرد علينا.. لايمكن أن يكون صمتهم بلا غاية! .

نعم ياشهرزاد ذلك الصمت لم يكن بلا غاية، إنما هو آلم إنتظار الإصلاح، أو نفاد رصيد الأعذار، القلوب الطيبة والنفوس الكبيرة تسير معنا الى آخر النفق حيث أنوار العدالة التي ستقصم ظهر التجبر، وتخفي معالم التكبر، وتقطع وتين الرياء وتمحو آثار الكسل .

شهرزاد: ومتى ستكون ساعة الصفر ياترى .. طال إنتظارنا لها؟

- ساعة الصفر لانتفاضة المحبة ضد قوى الشر وتحقيق العدالة يحددها الفريق الثاني من حيث لايعلم، فكلما ركبت أصحابه موجة الغضب والخوف واضطربت أوداجهم، وارتعدت فرائسهم، وارتعشت قلوبهم، وعجزوا عن تفسير صمت الطيبين، وحدثتهم أنفسهم بمزيد من الاستغلال للمسؤول (المسكين) بزعمهم، دنت تلك اللحظات، حينها يجف النهر فقد طال انتظاره لدفعات محبة من نفوس تائبة مقرّة بذنبها ساعية الى إصلاح قلوبها، تلك القلوب المريضة زادتها الطيبة قساوة والسماحة آلما، إلا من رحم ربي، فأودت بأصحابها الى جحيم العدالة، حينها يمتلك المسؤول الطيب مفاتيح الشدة للمرة الأولى ليطلق كلمة الحق، ويهوي بفريق الشر بالجملة،  ويرسم ابتسامة بلا مرارة على وجوه الطيبين، تلك غضبة الحليم اذا غضب لارجعة فيها ولا فصال، وأنها لامضى من السيف، وأوقع من الزلزال العظيم، ودعم الطيبين يمنحه مزيدا من الثبات، ويحقق معنى الإنتفاضة، فهو يدرك في قرار نفسه أنهم صادقون في جميع الأوقات، حين تقبلوا بعض الإنصاف في أول الطريق،  وحينما وصلوا معه الى آخر نفق الأعذار، ساهموا بمحبة في دق آخر مسمار بنعش الأشرار .

 

بقلم: عمار عبد الكريم البغدادي

من وحي شهريار وشهرزاد (14)

................................

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة 

 

ضياء نافعترتبط عوالم سولجينيتسين الفنية قبل كل شئ (كما هو معروف) بواقع السجون السوفيتية الرهيبة ايام حكم ستالين في الاتحاد السوفيتي، وهذه الاجواء طبعا بعيدة جدا عن عوالم تشيخوف الفنية، الذي توفي عام 1904 في الامبراطورية الروسية آنذاك، اما  سولجينيتسين فقد ولد عام 1918، اي بعد عام من ثورة اكتوبر 1917، ولهذا، فان النقد الادبي الروسي لم يتحدث عن هذين الاسمين (اي سولجينيتسين وتشيخوف) معا ضمن بحوث الادب المقارن، رغم انه كانت هناك بعض الآراء (والتي تكاد ان تكون شبه مستقرة) حول عدم تناغم (بتعبير مخفّف!) سولجينيتسين مع ادب تشيخوف بشكل عام، اذ لا توجد بينهما فعلا جوانب مشتركة او حتى متقاربة . لقد حاول سولجينيتسين دائما ان يقارن نفسه بتولستوي ودستويفسكي (وهذه مسألة تتحمّل النقاش طبعا، اذ ان هناك آراء ومواقف متباينة تماما بشأن هذه المقارنة، وحتى مضادة لذلك، ولكن الموضوع بعيد عن مقالتنا)، الا ان سولجينيتسين لم يقترب من تشيخوف بشكل عام، منذ بداية ظهوره المدوّي (يوم واحد في حياة ايفان دينيسوفتش) في الاتحاد السوفيتي نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات والى القرار السوفيتي الرسمي بنفيه من الاتحاد السوفيتي في عام 1974، واستمر الموقف من تشيخوف هكذا ايضا طوال فترة مكوث سولجينيتسين خارج الاتحاد السوفيتي، الا ان الوضع تبدّل بعد انهيار النظام السوفيتي عام 1991 وعودة سولجينيتسين الى روسيا الاتحادية عام 1994، وهكذا بدأت تظهر – بالتدريج - آراء كثيرة في النقد الادبي الروسي تتناول العلاقة الفكرية بين سولجينيتسين وتشيخوف، وتوجد الان مصادر روسية عديدة ومتنوعة تتناول هذه العلاقة الفكرية بينهما. ان هذا الموضوع غير واضح المعالم  للقارئ العربي المهتم بمسيرة الادب الروسي، والمتابع لتفاصيل العلاقات الفكرية بين أعلامه، ونظن، انه موضوع يستحق ان نتوقف عنده قليلا، وان نقدّم الملامح الاساسية له في الاقل .

اصبح سولجينيتسين بعد عودته الى روسيا عام 1994 نجما ساطعا جدا في سماء الفكر الروسي، وعندما احتفل مسرح موسكو الفني بالذكرى المئويه لتأسيسه عام 1998، قرر اقامة تمثال لتشيخوف امام بنايته القديمة في مركز موسكو، اذ ترتبط مسرحية تشيخوف (النورس)، كما هو معروف، بمسيرة هذه الفرقة المسرحية العتيدة (لازال طير النورس مرسوما على ستارة المسرح لحد الان وفي بنايته الجديدة ايضا)، وتم دعوة سولجينيتسين للمشاركة بحفل تدشين تمثال تشيخوف والقاء خطاب بهذه المناسبة، باعتباره من ابرز الاسماء الادبية الروسية آنذاك، وقد أشارت الصحف الروسية في حينها، ان سولجينتسين يذكّر بدستويفسكي عندما ألقى خطابه الشهير عند افتتاح تمثال بوشكين في موسكو، وتوقعوا ان يكون خطاب سولجينيسين بمستوى خطاب دستويفسكي المذكور، وسيتحول بالتالي الى وثيقة من وثائق الادب الروسي وتاريخه مثل خطاب دستويفسكي، وألقى سولجينيتسين الخطاب فعلا في حفل افتتاح تمثال تشيخوف، الا ان خطابه عن تشيخوف هذا لم يتحول الى وثيقة جديدة في مسيرة تاريخ الادب الروسي، ولم يكن بمستوى خطاب دستويفسكي عن بوشكين باي حال من الاحوال. كانت مناسبة افتتاح تمثال تشيخوف ترتبط بمسرح موسكو الفني، والدور المتميّز لتشيخوف باعتباره كاتبا مسرحيا في تاريخ هذه الفرقة المسرحية، الا ان سولجينيتسين لم يتطرق حتى الى مسرح تشيخوف في كلمته تلك . لقد أثار موقف سولجينيتسين هذا تعليقات كثير من الباحثين الروس، وقد أشار احدهم قائلا، ان تولستوي لم يكن يتقبّل مسرح تشيخوف، وان سولجينيتسين اراد ان يكرر موقف تولستوي . باحث آخر أجابه، ان تولستوي كان يعتبر تشيخوف قمة من قمم الادب الروسي، لا يمكن مقارنتها بتورغينيف او دستويفسكي او به (اي بتولستوي نفسه) .

نشر سولجينيتسين في ذلك العام نفسه (1998) مقالة عن تشيخوف في مجلة (نوفي مير) تناول فيها مجموعة من قصصه، وهي المقالة الوحيدة عن تشيخوف بقلمه . عنوان المقالة طريف جدا وهو – (الغوص في تشيخوف)، وقد اقترح أحد زملائي ترجمته هكذا – (الغوص في بحر تشيخوف)، وقال تبريرا لاضافة كلمة (بحر)، ان الانسان لا يمكن ان يغوص في بركة ماء او في نهير، وان تشيخوف هو بحر، فقلت له، ولكن سولجينيتسين لن يوافق على هذه الاضافة، وانه كان يمكن له ان يضيف كلمة (بحر) لو اراد ذلك، فقال صاحبي ضاحكا – يبقى تشيخوف بحرا من وجهة نظري، سواء وافق سولجينيتسين  ام لا. ضحكت أنا، وقلت له، ان موقفك كمترجم غير صحيح، وذكّرته بالقول العربي الشهير – ناقل الكفر ليس بكافر.

تعليقات الباحثين الروس كانت عديدة حول خطاب سولجينيتسين عن تشيخوف وعن مقالته حوله، نختتمها بتعليق أ.د. كاتايف،

رئيس قسم تاريخ الادب الروسي في القرن التاسع عشر بكلية الفيلولوجيا في جامعة موسكو،والذي يعدّ واحدا من أبرز المتخصصين الروس بابداع تشيخوف، الذي كتب يقول –... سيقرر الزمن من هو الكاتب الذي سيختاره القراء مستقبلا...   

 

 أ.د. ضياء نافع

 

 

 

 

يسري عبد الغنيالأديبة المبدعة مي زيادة لم تتزوج، وإن أحبها مشاهير عصرها من الأدباء والمبدعين .

 لقد كانت مي في صالونها الثقافي، أنموذجًا جديدًا لم يعهده أصحاب الفكر والقلم في مجتمعاتنا الشرقية، تتحدث، تناقش، تحاور، تنشد الشعر بالفرنسية، تعزف بمهارة على البيانو، تعامل الجميع أحسن وأرقى معاملة، ولعل ذلك ما جعل الجميع يحبها، ويظن أنها تحبه هو فقط لا غير، وتمنى كل واحد منه أن تكون له .

 ولكن قلب الأديبة اللبنانية الرقيقة / مي زيادة، كان مع ابن بلدها (لبنان)، الشاعر المهجري المبدع / جبران خليل جبران، في مهجره الأمريكي الشمالي بالولايات المتحدة الأمريكية .

 والعقاد أحب سارة، وكتب عنها روايته الفلسفية الشهيرة، وإن كنا لا نعرف حتى وقتنا هذا ما هو اسمها الحقيقي؟ .. وقد طلب العقاد من الفنان     الكبير / صلاح طاهر، أن يرسم لها صورة زيتية، ودهنها بالعسل، ليعف عليها الذباب، انتقامًا من خيانتها له، ثم مزق الصورة .

 وقيل أن سارة هي (هنومة خليل) الممثلة المصرية / مديحه يسري، وقيل أنه أحب مديحه يسري قبل أو بعد قصته مع سارة، وقيل: إن العقاد أحب ابنة الجيران، وأنه أحب الأديبة / مي زيادة، وقيل: إنه أحب امرأة، وتزوجها، وأنجب منها ابنة، وقد طالبت هذه السيدة بميراثها وميراث ابنتها بعد وفاة العقاد .

 ولكن قيل بعد ذلك من أسرة العقاد وبعض الأصدقاء المقربين: إنها امرأة كان العقاد يعطف عليها هي وابنتها، لفقرها الشديد، فأرادت الاستفادة طامعة، وعلى كل حال فرغم كل ما قيل، فإن هذه القصة لم تتأكد رسميًا حتى الآن.

 والشاعر والكاتب والصحفي الرقيق والمبدع الكبير / كامل الشناوي، الذي عرف بخفة الظل، كان يحب كل يوم امرأة، ويعيش قصة الحب بكل جوارحه وخوالجه وأحاسيسه، وقالوا: إنه من المحال أن يعيش كامل الشناوي بدون حب !! .

 وقيل: إن الشناوي تيم عشقًا بالمطربة الفنانة / نجاة الصغيرة، وقيل: إن نجاة خانته مع القاص / يوسف إدريس، وقيل: الروائي / يوسف السباعي، وإن رجح البعض الأول .

 وقالوا: إن الشناوي كتب قصيده (لا تكذبي) تعبيرًا عن هذا الموقف، وللروائي الكبير الأستاذ / إحسان عبد القدوس أقصوصة، يقال أنها تناولت هذه المسألة، اسمها (وسقطت بين أصابعه) .

 والشاعر الكبير / عزيز أباظة، تزوج زواجًا تقليديًا، وعندما انتقلت  السيدة / زوجته إلى رحاب الله، كتب فيها أجمل أشعاره، ورثاها في صدق منقطع النظير .

 وقلت لك من قبل: إن العقاد كان يرى دائمًا أن المرأة ما هي إلا متاع للرجل، وليست صانعة لعبقرية المبدع الفذ .

 وأعتقد أن الأمر ليس خاصًا بالرجل أو المرأة، ولكنه خاص بالعبقرية الأدبية أو الفنية، ولعل هذا ما يدعونا إلى التقريب بين أبي الطيب المتنبي، شاعر العربية الأكبر، وأحمد شوقي أمير شعراء عصرنا الحديث، في مسألة الحب والعشق والهيام، لماذا؟! .

 لأن ينابيع العبقرية لا ترتبط بهذا الينبوع العادي الذي يربط بين رجل وامرأة، ولكنها تربط العبقري بينبوع آخر هو العبقرية نفسها، وقد قلت لك من قبل: إن أمير الشعر الألماني / جوته تزوج من خادمته، وجائز جدًا أن يكون قد أحبها حبًا صادقًا، ومن الجائز جدًا أن يكون قد وجد عندها من العطف، والحب، والحنان، والاحترام، والصدق الذي لم يجده عند الأميرات الفاتنات الحسناوات، اللائي رفض الزواج منهن ..

 زوجة الأديب الروسي الكبير / تولستوي، كانت ابنة من بنات الطبقة الراقية الأرستقراطية، ولكنها حولت حياته كلها إلى جحيم لا يطاق، لأنها لم تكن تفهمه أو تشعر به .

 وقالوا: عن زوجة الفيلسوف اليوناني المشهور / سقراط، كانت من عائلة كبيرة ولكنها كانت تسخر منه ليل نهار، وتسفه أفكاره، وتطرده هو وتلاميذه إلى الشارع، بل تلقي عليهم الماء غير النظيف .

 وزوجة موسيقار الشعب / سيد درويش الأولى، كان لا يحلو لها الكنس، والمسح، والغسيل، وطلب مصروف البيت، إلا وهو جالس إلى عوده، يبدع أروع ألحانه ..

 أعود بك إلى جوته، الذي تزوج خادمته، وقد قال البعض مدافعًا عن ذلك: أنه تزوج في لحظة إحساس جنسي عابر .. !!، ولعل نفس الإحساس الحيواني قد تلبسه عندما عاشر زوجة ابنه، وأنجب منها ولدًا (والعياذ بالله) .!!!

وقالوا: إن ابن الخادمة التي  تزوجها جوته كان تافهًا، لا وزن له، ولا قيمة، ولم يفلح في التعليم، أو في أي عمل

 أقول لكم: نعم، الحب لا سلطان عليه، بل هو في كثير من الأحيان السلطان الأكبر الذي يجب أن يطاع، الحب لا يعرف أي فروق طبقية، لا يعرف مسالة الغنى أو الفقر، لا يعرف الدمامة أو الجمال، الحب هو الحب، الذي لا تحكمه أي تفسيرات منطقية أو فلسفية، أو نظريات علمية، فما بالك بحب الأدباء والشعراء والعباقرة الذين هم دائمًا وأبدًا كتلة من المشاعر والأحاسيس؟! .

 ولكنك تتفق معي كل الاتفاق أن الحب الصادق العظيم الرائع هو ما كللته الشرعية، هنا تكون المودة، وتكون الرحمة، الحب الرائع هو النابع من القلوب والعقول، وليس من الغريزة البهيمية، فحب الغرائز مصيره الغثاء والزوال، أما حب العقول والقلوب فهو في بقاء أبد الآبدين، لأن الأرواح خالدة .

 اعلم ـ أيها القارئ الكريم ـ أنه عندما تنجذب روح الشاعر أو الأديب المبدع إلى روح السماء، يحدث ما يسمى بالنور الأعظم، النور الأروع، النور الأسمى، النور الأنبل، النور الذي يشعل عبقرية الوجد والوجدان والشعور .

 وقد حدث هذا الانجذاب الروحاني في روح أمير الشعراء / أحمد شوقي، كما حدث لغيره من أهل الإبداع، فكانت اللذة عنده لذة مختلفة، عن اللذة الحسية المادية العابرة، إنها لذة اللقاء بين الأرض التي عليها الإنسان المبدع، والسماء التي يستمد منها وحي إبداعه  .

 وقد تكلم معاصروا أحمد شوقي عن هذه الجذبة، وهذا الانجذاب الإلهامي، إنها لحظة الإيحاء الصادق عند أصحاب الفنون الجميلة، الفنون الراقية الرفيعة من: الشعراء، والموسيقيين، والرسامين، والنحاتين، والكتاب، وغيرهم من المبدعين الذين يرتقون بأذواق الناس ومشاعرهم وأحاسيسهم .

 كان أحمد شوقي من أصحاب الإيحاء، شأنه في ذلك شأن غيره من عباقرة الفن الصادق، وليس لأي دارس أن ينظر إليه وفقًا لمقاييس التطور، أو التغير، أو التحول في الآداب وتاريخها، فهذا حديث ممل يعرفه النقاد المدرسيون من محترفي التعقيد والتنظير في النقد الأدبي .

 أقول لكم: في أوربا يأخذون أمخاخ العباقرة، ويجرون عليها البحوث العلمية المعملية بعد وفاتهم، وكذلك في أمريكا، وقد فعلوا ذلك مع عقل (أينشتين) عالم النسبية الشهير، وخرجوا من دراسة عقله بأمور كثيرة مهمة، يقولون أنها أفادتهم وستفيدهم في علم الهندسة الوراثية، والآن وبعد أن توصلوا إلى خريطة الجينوم البشري، يقولون: إن هذه الخريطة ستسهل لهم معرفة أهل النبوغ والعبقرية في المستقبل .

 والاستنساخ وتطوره المبهر، أكدوا أنهم سوف يضعون في اعتبارهم استنساخ العباقرة أولاً، من أجل إفادة البشرية في مستقبلها .

 في الغرب يدرسون العباقرة في كل المجالات، يدرسون كل صغيرة وكبيرة، كل شاردة وواردة في حياتهم، يحللون، يجربون، يدرسون أولادهم وأولاد أولادهم، ويرفعون عباقرتهم إلى أعلى عليين .

 أما تحن ـ فلله درنا ـ نحن نتمتع بأمور عجيبة غريبة لا مثيل لها، إننا نقتل العباقرة، نقتل الأفذاذ قتلاً بطيئًا، وهم أحياء يرزقون بين ظهرانينا، نهملهم، لا نهتم بهم، نزهق أرواحهم في تلذذ غريب، نتجاهلهم كل التجاهل، وبعد رحيلهم عنا نبكي عليهم بضعة أيام بعد رحيلهم، ونكتب عنهم كلامًا فارغًا ساذجًا، وندعي كذبًا أننا نكرمهم، فيقوم إعلامنا بزفة وقتية، ثم ننساهم أبد الآبدين بعد أن قتلناهم بإهمالنا لهم، وإحباطنا إياهم ... !!

 في بلادنا نختص بخاصية قلما أن تجدها في بلاد الله وفي خلق الله، إننا نسوق باقتدار أهل التفاهة والغباء والجهل والسماجة، ونجعل منهم نجومًا أو من المقررين علينا صباحًا ومساءً في إعلامنا العجيب الغريب الذي تخلى عن دوره في الاستنارة والتعليم والإرشاد والتوجيه والتثقيف، منذ أكثر من 60 عامًا، ناسيًا أو متناسيًا، جاهلاً أو متجاهلاً، البحث عن أهل العلم والفكر الحقيقيين الذين يمكن أن يفيدوا المجتمع والناس، ويكونوا بمثابة نبراسًا أو مثلاً أعلى لشبابنا الذي افتقد القدوة والمثل الأعلى في زمن الرداءة الذي نعيشه .

 في بلادنا طالما لا تصفق أو تنافق، أو يكون لك شلة أو جماعة أو وساطة أو محسوبية، أو تحمل المباخر مطبلاً مزمرًا، بدون ذلك لن يعرفك أحد حتى لو كنت من العباقرة، لن تفتح لك أية وسيلة إعلام أبوابها، وستعيش وتموت دون أن تدخل عتبة مؤتمر أو ملتقى أو حتى ندوة، ولن تسكن إلا الحضيض الأسفلي، وبعون الله ستموت بغيظك، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

 عفوًا لهذا الاستطراد، ولكن كما يقولون الشيء بالشيء يذكر، قالعبقرية ياسادة لا تخرج من الزمان والمكان، وهي لا تقاس بهما، العقرية ذات متفردة، لها صفاتها، وأنماطها، وتكوينها .

 وإذا حاولنا دراسة العبقرية فيما سبقها، أو فيما يلحقها، فإننا نبحث عن جوهرها في الزمان والمكان، نعم، الزمان والمكان عاملان مهمان أساسيان في قياس العبقرية، والتعرف على مقوماتها، ومكوناتها، ولكنهما ليسا بقادرين على بناء العبقرية الذاتية التي تتفجر من الإنسان، بل أنهما يساعدان فقط مجرد مساعدة على تكوين أو بناء أساس العبقرية .

 والبحوث التي أجريت على عقول العباقرة أحياء وأموات، أكدت على أن العبقرية هي نوع من التفرد، يتفرد به المبدع عن غيره، عن سواه من البشر، العبقرية منحة إلهية يعطيها المولى ـ جل علاه ـ لنفر من عباده دون سواهم .

 وعليه فالعبقرية لا يصنعها الزمان، ولا يصنعها المكان، ولا العلم، ولا الثقافة، ولا الوراثة، من الممكن جدًا أن يؤثر فيها كل هذه العوامل مجتمعة، ولكن محال أن تصنعها .

 وكما قلنا لك فإنه بالأولى أن الضجيج الإعلامي الزائف، ولا الواسطة، ولا المحسوبية، يمكن لهم أن يصنعوا العبقرية، أرجوكم أن تضعوا ذلك في الحسبان، وفي الاعتبار، وأنتم تتكلمون عن العباقرة والمبدعين .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

عبد الجبار نوريتحية لشاعرة الأحاسيس والوجدان، ما أرق كلماتها وما أعذب معانيها، أشعارها سردية ناعمة مخملية الصيرورة وستبقى عصيّة الأستنساخ بدوام أبداعها وتميّزها في صنع سلالم الحروف البهيّة، وأشعارها منظومة لئالئ مطابقة لما قالهُ الشاعر الأنكليزي " أليوت عن الشعر الجيد: (الشعر الجيد هو قد يبلغ القلب قبل تمام الفهم) .

عراقية عفوية جميلة جداً بجمال عراقي أخاذ قبل (موظة) عمليات التجميل، تراكيبها الوراثية تعود إلى المرأة السومرية البابلية، أنوثة وثقافة وأبداع، فهي حقاً رائدة الشعر العراقي الحديث، توفيت لميعة عباس عمارة صباح الجمعة 18-6-2021، وفاة لميعة خسارة لكل من عرفها من العراق والعالم العربي، حصلت على الكاريزمية الشخصية مبكرا وستبقى ذكراها في وجدان من عرفها شخصيا وعبر أشعارها وبحوثها ودراساتها الثرة .

وأن لميعة أحدثت أنقلاباً واضحاً في الشعر لكونها أكدت على مفهوم الحرية وكانت صوتأ للمرأة، وكانت جريئة جدا في تناول المرأة (كذات)؟!، تحدت التقاليد وأستثمرت جرأتها وتحديها لذكورية المجتمع وتسيده وتنمره على حقوق المرأة .

ولدت لميعة عباس عمارة لعائلة عريقة مشهورة في بغداد سنة 1929، وجاء لقبها العمارة من والدها، والعمارة مدينة جنوبية متشاطئة مع لجة التأريخ والميثيولوجية، تركبت شخصيتها من طين الرافدين بجذور سومرية، أوغلت في التبغدد بحياة مترفة تميل دوماً إلى الدعة والأنبساط.

ودرست في دار المعلمين العالية فرع اللغة العربية في هذه الدار كانت فرصة ثمينة لمعايشة ورفقة قامات ثقافية وشعرية في مواكبة حركة الشعر الحر الحديث فكان منهم الشاعر بدر شاكر السياب الذي وضع لميعة في قصيدته (أنشودة مطر) التي مطلعها:

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر

فكانت صداقة زمالة بريئة كما حكت لميعة للروائية "أنعام كججي".

فكانت شاعرتنا طاقة مثابرة لا تهدأ فقد شغلت عضوية الهيئة الأدارية أتحاد الأدباء في بغداد خلال الأعوام 1963 – 1975، وتولت نائب الممثل الدائم للعراق في منظمة اليونسكو في باريس بين عامي 1973 – 1975 .

فقد تركت ورائها مجاميع شعرية تحوي تجاربها الثرة والثرية في الحياة والشعر في دواوينها هي:

الزاوية الخالية 1960، عودة الربيع1963، ويسمونه الحب 1972، أغاني عشتار 1969، لو أنبأني العراف 1980، البعد الأخير 1988، أنا بدوي دمي .

وها هي تغرد وتصدح في قصيدتها المشهورة من ديوان "لو أنبأني العراف " وهو الديوان الوحيد في مكتبتي المتواضغة:

تقول في لو أنبأني العراف!  بصوت رومانسي مرهف في الشعر العراقي

إنك يوماً ستكون حبيبي

لم أكتب غزلا في رجل

خرساء أظلّ

لتظل حبيبي

لوأنبأني العراف

إني سألامس وجه القمر العالي

لم ألعب بحصى الغدران

ولم أنظمّ من خرز آمالي .

لميعة عباس عمارة شاعرة الرومانسية العراقية – وهي تقول:

أتدخنين ؟! لا---

أتشربين ؟! لا---

أترقصين ؟! لا ---

ما أنت جمع لا----؟!

أنا التي تراني

كل خمول الشرق في أرداني

فما الذي يشدُ رجليكِ إلى مكاني

يا سيدي الخبير بالنسوان

إن عطاء اليوم شيَ ثاني

حلق ؟!

فلو طأطأت---- فلن تراني

وتقول في ديوانها الموسوم ب " عودة الربيع "

مرحى ومرحى يا ربيع العام

أشرق فدتك مشارق الأيام

بعد الشتاء وبعد طول عبوسه

أرنا بشاشة ثغرك البسام

وأبعث لنا أرج النسيم معطراً

متخطرا كخواطر الأحلام

وفي قصيدة على شواطئ الأطلسي تقول:

من غرفتي أحكي عن الحب أنا

وعن هوى لم ألمسِ

كفيلسوف يصف الخمر التي لم يحتسي

عانت وشربت من الغربة ومنافيها حد الثمالة

حيث تناءى الدرب وأنشق إلى نصفين

جدار الروح نصفين

فنصف تاه في أروقة الغربة

والنصف أسير بين نهرين

ومع معاناة هذا الوجع تردد:

وما أجمل هذا الأسر وما أحلاه

لو كنا على ضفته نرتاح يومين

نرتاد مقاهيها ونمضي للأخلاء

أربع وعشرون عاما في أمريكا لم تغيّر منها تلك السنون شيئاً، فهي لم تشعر يوماً بالأنتماء غير أنتماء العراق الحبيب، فقد كانت فتاة في أوج شبابها بيضاء البشرة تمطر حسناً ورقة ودلالاً، كأنها الرشا المتوثب النفور وفي أنثيالات شعرها الخمري المسدول لمعة يا لميعة ، كانت رسالتها بسلاح الشعر في نشر المحبة والسلام لا الكراهية الفوقية البغيضة، ستبقين في ذاكرة التأريخ  بصمتك شاخصة وعميقة، يبدو لي كأنك متسابقة التي لا تبارى فأنت أميرة العبق وأنت يا أنت نوارة الحرف وماهية المعاني وألق الحرف وصيرورة الزمكنة .

لك منا محبة تليق بنقاء روحك وصفاء قلبك وجمال حضورك المترع، كنت ولا زلتِ مشعل نور متوهج بالعطاء، وأنت أيقونة الثقافة والأنسنة، دواوينك نصوص من الروعة ما يقول هل من مزيد ؟ يتجلى فيها جمال الرؤى وعبق الفكرة وشغف الأنهمار حيث تأتلق فيها لغة الأبداع مقرونة بشذى التمييز، وناضلتِي ضد تصحر القلوب التي لا يفيد معها التنقيط، ووجدتكِ دوماً مع أشاعة فلسفة الجمال الذي هو سر أنقاذ البشرية كما يعتقدونهُ الفلاسفة .

ورثاها بعض من القامات الأدبية والثقافية والأعلامية في السويد

نعاها الرئيس العراقي برهم صالح: نودع الشاعرة الكبيرة لميعة عباس عمارة في منفاها، ونودع معها أكثر من خمسة عقود من صناعة الجمال.

نعاها الدكتور "عقيل الناصري" {وداعا لميعه عباس عماره --- سيدة الأبداع والرقة والعذوبة}

ورثاها الأديب جاسم المطير: رحلت الشاعرة الرقيقة بنت دجلة والعراق، ويبقى شعرها برقته وجماله وحبه للعراق خالدا .

ونعاها الأعلامي الدكتور سلام قاسم: غيب الموت الشاعرة العراقية لميعه عباس عماره بعد أن تركت لنا أرثا ثقافيا كبيرا، أجادت لمحبيها وقراءها بقصائدها العذبة في الحب والحياة، وأمتازت بجرأتها ممزوجة بغنج أنثوي ودلال رومانسيا ووصلت النجومية في الفصيح والعامية بمنتهى البلاغة، يا لميعة أنت من رفع راية الشعر بكل ثقة وثبات، وفخري أنك ستبقين خالدة بأرثك حب الوطن والتبغدد عزا وجاها  .

ورثتها الأديبة والشاعرة "رفيف الفارس": هُدم اليوم عمود كان سنداً لتهجداتنا وغابت أشرعة الجمال، يا لمعة الشعر والجمال والأنوثة والرقة، يا نصا من أساطير سومر وبابل .

رثاها بوجع الشاعر الأعلامي التقدمي " فالح حسون الدراجي: ماتت نخلة البرحي وترمل بستان الشعر، قارورة عسل الشعر تهشمت في ثمالة هذا الليل المترع بخمرة الجمال .

وهكذا حال الدنيا:

العابرون لا يتكررون

والراحلون لا يعودون

ربما --- ربما القادم أجمل ؟؟؟!!!

***

الأديب عبدالجبارنوري

في 20/6/2021

 

 

سمير محمد ايوبلي في قلبِ الغامديةِ أكثرَ مِن مُتَّسَع

هاتَفَني ، فسافَرْتُ إليه. عِندَ أسوارِ قلعةِ الكركِ في جنوبِ الاردن، إلتَقَيْتُه. شابٌ في أوائلِ الأربعينياتِ من عمره، كالرمحِ بهيُّ الطلعةِ، جَلِيُّ القسمات. تَفْتَرُّ شفتاه عن مَبْسَمٍ طفولي أخاذ، مُتَّكِئاً على عصاهُ. واثِقَ الخُطْوةِ أقبلَ عَلَيَّ، هاشّاً باشّاً مُرحِّباً بالقول: أنا يا سيدي سعدٌ ضالتُك، وضالّة ضيوفك. وأنا أُبادِله الإحتضانَ بِودٍ شديدٍ، عاجلته مُتسائِلا: لِمَ هُنا يا سعد؟!

أجابني وهو يتحاشى النظرَ في عينيَّ: هنا كان آخرُ مجلسٍ ضمني والغامدية، لحظةَ البدءِ بِرحلةِ عَودتِها إلى بلدها في الحجاز. ومِن هنا أتمنى أن أُكْمِلَ رحلتي معها.

قلت مُتعجّباً مُعاتبا: لِمَ إرْتَحَلْتَ إذنْ يا سعد؟! وأين إختفيتَ عنها؟! لقد أوجَعَها رحيلُك يا سيدي. مُطوَّلاً تنهد، تفرَّسَ في عينيَّ، وقال بشيءٍ من   العِتاب: تابَعْتُم حِكايتي مع المَها الغامديَّة. بعضُكم ظّنَّها قِصةَ أمسٍ مضى، أو صدىً لها عابِر. وبعضُكم قرأها سطراً، وهي في دَواخلي روايةً، لم تكتمل بعد، نُصوصُها أجملُ من قوليَ بِها أو عنها.

تَحدَّدَتْ بِداياتها هنا، مع أوَّلِ خَطْوِها طالبةَ عِلمٍ في جامعة مؤته. وتوالت نُصوصُ تلك الحكاية مع جامِعِيَّينِ غيرنا. أمْضيا معاً أربعَ سنينٍ، في قاعات الدرسِ وباحاتِ الجامعةِ، وتضاريسِ الجنوبْ وعناقيد أهله. وقبلَ أنْ تعودَ المَها مُهندسةً إلى أهلها، كانت تُشاركني حُبَّاً مُكتَمِلَ المَلامحِ والمعالم والألغاز. حبّاً جمعَ إبنة الحجاز، بحفيدٍ من أحفادِ جعفرٍ الطيار، بطلُ ملحمةِ مؤتة.

بعد التَّخرُّجِ مُباشرة، حزَمَتِ الغامديةُ حقائبَها. وقبل بدء مراسم التوديع بساعة، حمَلنا فناجيلَ قهوتِنا بأيدينا، ونحن نطوف سيرا على الأقدام، حول القلعة مودِّعين، شاركنا طوافنا صوت نجاة الصغيرة: ساعةْ ما بشوفَكْ جَنبي، ما أقدرشِ أداري وأخبي. أبكي من فرحة قلبي، وأنسى العذاب. كنّا نُغني معها، وعيونُنا مُشْرَئِبَّةٌ إلى أسوارِالقلعة نستلهم شُموخَها، نغسِلُ صدورَنا بنسائم تحمل عَبَقَ المكانِ، ورمزياته التاريخية.

ومع آخرِ مقطعٍ في الأغنية: طيفَك دا تَمَلِّي شاغلني، مَطرَح ما أروح يِقابِلني، كانت الشمسُ تَزْلِفُ حَيِّيَّةً إلى خِدْرِها، معلنة أنَّ لحظةَ الافتراقِ قد أزَفَتْ. فالتقت عيونُنا، وتَحاضَنَتْ أصابعُنا، وارْتَجَّت شفاهُنا مُتَمتِمة عهدا، على إبقاءِ قلوبنا كجناتِ المُتَّقين. لا لغوَ فيها ولا وساوس، لا يموتُ فيها شيءٌ مما قُلناهُ معا، ومما لَمْ نَقُلهُ بَعْدُ. وأقسَمنا صامِتَينِ، على إبقاء ما زرَعناه في قلوبنا طازَجا، ًإلى أن تحين مواسمُ الحصادِ في أقرب فرصة. أقْفَلْتُ عليها بابَ سيارَتِها. وقبل أن يدورَ مُحرِّكُها، إنْطَلَقْتُ مذعورا، دون أن ألتَفِتَ ورائي،  كَيْلا أرى الضَّبابَ المُتراكِمَ في عينيها،  مُنهمِرا وهي تبتعد.

سألتُ بصوتٍ مشوبٍ بالقلق: وما الذي حدث بعد ذلك يا سعد؟!

قال وهو يعبثُ بتراب الأرض بعودٍ يتجول بين كفّيه: ماكِرَةٌ هي الحياة يا شيخنا. تتوالد أزماتُها كالأرانب. والأمل فيها غير موثوقٍ به. وبعضُ الظروف السياسيةِ مُبدِعَة بتهديد ممالك العشاق، واغتصابِ أحلامهم مراراً وتكراراً. كنتُ أُدركُ مُبكرا أنَّ أعداء أمتنا كُثْرٌ، داخل الحدود وخارجها. وكنتُ أدرك حينها، أن المرء لا يُعاب على فقرٍ ولا على شكلٍ، فليس له فيهما إختيار. وإنما يُعاب الواحد منا على قبحِ مسلكه، وخاصة حين يكون هذا المسلك ، جُبْناً أو تخاذُلاً أو تخلياً، عن أهلٍ أو عن وطن.

وكما تَعلَم، على مرمى حجرٍ منْ هُنا، غربيِّ النهر عروسُ عروبتنا، زهرة المدائن بشوارعها العتيقة، مُشبَعةٌ بالدمِ وبالوجعِ وبالقهر. ترحلُ إليها قلوبُنا كلَّ يوم. غضبُ بعضهاعزمُه لا يلين، وعزمُ بعضها الآخر للاسف شيطانٌ متواطئٌ لعين. مستكين أو وقبلَ أن أتلاشى في أحلامي الصغرى، دقَّقْتُ وضْعِيَ مُطَوَّلاً. واستثمرتُ حبّيَ للغامدية، في مقاربة التزاماتي الوطنية والقومية ، عَلَّها وكُلّ حرائرِ العرب، تنجو من ذُلِّ إحتلال. فرَكِبْتُ الأصعب، وقررتُ تكريسَ ما تعلمتُ في هندسة بناء الأنفاق، لتعزيزِ صمودِ الأهلِ في ارض الجبارين، بل وفي جعل هذا الصمود إن أمكن، مُبْهِراً بِكُلِّ المعايير.

كنتُ بِما أُبْلِغْتُ من أسبابٍ وحيثياتٍ، لا أملك الحق ولا القدرة، على الهمس بها أو إيصالها للغامدية. فاختزنتُ حُزْناً نبيلا أتعايش معه وفيه. حزنٌ إخترقَ عيوني بلا دموع، واخترق قلبي دون آهات. حزنٌ لا أشكيهِ ولا أبْكيه. وإرتَحْلتُ سِرَّاً منَ الكرك إلى غزة هاشم، عبرَ جبالِ الخليل. يحدوني الأملُ في أن أعود لأهلي يوماً ما، ظننته قريبا، شهيداً أو مُجاهِداً مُكللاً بالغار.

وانا أُنْصِتُ لهديرِ بحر غزة، كثيرا ما أُطِلُّ بعينيَّ على شوقٍ شديدِ اللهجة للغامدية. خوفي من شكِّها المُشْبَعِ بأسبابه، زعزعني أو أوشك. ولكني كنتُ كلّما أمعنتُ النظر في معالم العدو، من حولنا هناك، أميلُ مُتَّكِئاً بحنيني على طُهرِ مَقاصدي ونُبلِ واجبي. فيغسلني إنحيازي فوراً، ويُطَهِّر أعصابي . وبعد كلِّ مُواجهةٍ بالنارِ مع صلف وجبروت الغاصب المحتل، أدرك أنَّ الغامدية حين تدري، ستغفرُ رحيلي الصامت.

فحرصتُ مع كلِّ مواجهة، أن انْحَتَ الغامدية قصائداً على كل مقذوف او رشقة من طيور الأبابيل، قاتلت بها عدويَّ. وزَيَنَّتُ كلَّ قذيفةٍ أطلقتها بأحلامي وإياها. ورَسمتُ كلَّ الشعاب التي عبرتها، ببعضٍ من ضفائر شعرها. وفرشتُ شرايين قذائفي طُرُقاً، لتعبرها آمنةً أقدامُها، يومَ زفافنا إن كُتِبَت لي الحياة.

ومساء ذات يوم ، أفقت في المستشفى الميداني الأردني في غزة العزة، وقد بَتَرَتْ قذيفةٌ غادرة  قدمَيَّ. وما أَنْ وَطَأتُ أرضَ الأردنِ بقدميَّ البديلتين، وإستقر بي المقام، بين أهلي المعتزين بما أسهمت به في وطن الجبارين، حتى قرأتُ أكثرَ منْ سؤالٍ موجعٍ عن الغامدية،  في عيونهم وفي عتَبِهم.

عصرَ يومٍ دافءٍ ، وشمسُهُ تجري إلى مُسْتَقَرٍّ لها، إتكأتُ على سورِ القلعة حيث نحن هنا الآن، وكان قد أتْعَبني البُعادُ، وهزّنيَ الشوقُ لها.أدرتُ شريط أغنية نجاة التي نحبها معا. إستأذنتُ قلبي وإعتذرتُ من عقليَ وهاتفتها. جاءني رنينُ صوتِها واثقاً حيياً مُتسائلاً: مَنْ ؟؟؟!!!

مع صمتيَ، أطلقتُ العنانَ لصوتِ نجاة: يا نورْ عيوني، زادِتْ شجوني، دَبِّلْ جفوني كُثْرِ الغياب.

فصاحتِ الغامديةُ موجوعةً كالمستغيث: سعدٌ، سعدٌ، واللهِ سعدْ. أينُك يا حبيبي؟! وأَكْمَلَتْ مع نجاة: تِلاوِعْني يا سعد، برضه بحبك. تِنْساني يا سعد، برضه بحبك. ما أقدرش أنساك. أضاف سعدٌ كالمذبوح: دَمَعَتْ عيناي. زلزلني شوقي، فَصَمَّتُّ وجَبُنْتُ، عاجزاً عن القول ولا أزال.

قلتُ مُبَعثَراً من ألَمٍ يُدْمِعُني أنا الآخر: ولكن، من هُنا يا سعدُ، إلى أين؟!

قال سعدٌ: لا شيء يُعادِلُ ما يُساوِرني من أحاسيسٍ. ليسَ بينها أو فيها إحساسُ العائدِ الذي غابَ خائناً. عُدْتُ بإحساسِ المقيمِ الذي ما غابَ، وما إبتعد. عُدتُ وأنا أعلمُ أن لي في قلبها مُتَّسَعٌ وأكثر من مرقد حسون. أتَفَهَّمُ قلبَها، وما يكونُ قد حَملَ مني وعني. وأعذره إنْ لم يُسامِح. سأبقى عاشقاٍ لها. وكلما سمعتُ صوتَها مُنادِياً في السَّحَر، أو مُناجِياً مع إنبلاجِ أي صُبح، سأذيبه في فنجال قهوتي، وأرتشفه على مهل. وإنْ عَفَتِ الغامديةُ وسامَحَتْ ، سأُنْبِتُ ما تبقى ليَ من عُمْرٍ، ورداً في بساتينها، وأسكبه عِطراً في كل معارج حياتها.

 

كتب الدكتور سمير محمد ايوب

الاردن – 22/6/2021

 

 

 

نبيل عرابيالبعد الأول:

يثير الأديب الجزائري واسيني الأعرج، من خلال ما ينشره على صفحات جريدة (الرؤية) الإماراتية من حين لآخر، قضايا تتعلّق بالكاتب العربي وبفعل الكتابة. وقد استوقفني نص حمل عنواناً من هذا المضمار هو: (ما قيمة الكاتب في الوطن العربي؟) نُشر بتاريخ 28 أكتوبر 2019، اعتبر في بدايته أن " المبدع عموماً، والكاتب بالخصوص، لا يموت.. يقف الموت أمامه بلا أسلحة، يضاهي الأبدية والخلود.." حيث " تبقى الأعمال شاهداً على حياته الأبدية الغنية، ولا يحتاج الأمر إلى إثبات، لأن محيطنا اليومي يؤكد على ذلك".

وقد ساقه هذا التوصيف إلى رفع الصوت: "هل استفدنا في الوطن العربي من هذه القيمة التي تُعطى للكاتب، بحيث يستمرّ فينا كبارنا الذين صنعوا الوعي الفني الجمعي والإنساني؟"، ومن ثم ليختم قائلاً " إنه، وباستثناء الجامعة والجهود الأكاديمية، في المجالات الضيّقة والمتخصصة، لا جهد يُبذل من أجل فعل الإستمرارية.. لا وعي بالقيمة التاريخية لهذه الشخصيات التي شيّدت جزءاً من الميراث العربي والإنساني في الثقافات الغربية والعالمية.. فكيف يمكن للعربي أن بستمرّ في مدار محلى ودولي، يمحوه كقيمة في كل ثانية؟ ".

البُعد الثاني:

أما الأديب اللبناني خليل الهنداوي، وفي مقال له بعنوان (أزمة الأديب العربي اليوم)، نُشر في مجلة العربي الكويتية، العدد 158، يناير 1972، فيعتبر – كما هو واضح من العنوان- أن الأديب يعيش أزمة، ولكنه يتحدث بحسرة عن هذا الموضوع: " ألا ليت أزمة الأديب كانت واحدة، إذاً، لهان الأمر .. ولكنها أزمة تتفرع عنها أزمات، وكل أزمة آخذة بخناق ثانية، فلا يكاد يفلت من شباك واحدة، حتى تتحداه أزمة ثانية أشد وثاقاً!".

وهو يشير إلى أن " الأديب هو ابن انفعالاته التي تنبع حيناً من موقف ذاتي، وحيناً من مشهد جماعي.. والحكم الصحيح المجرّد هو أن يكون الأديب، في هذه الإنفعالات، صادقاً مع نفسه، ناقلاً عن شعوره! ".

ويُوضح أن هذه الحال تنطبق أيضاً على " الفكر والأدب، فانهما يعانيان الكثير من الشدائد، ويقاسيان التحولات الكثيرة، ولكن غايتهما المجرّدة في رفع قيمة الإنسان تبقى أبداً، وقد يبتعدان عنها، ثم لا يلبثان أن يعودا إليها".

البُعد الثالث:

ونقرأ للأديب المصري يوسف الشاروني الذي أورد في مقال له نشرته مجلة العربي الكويتية، العدد 514، سبتمبر 2001، بعنوان (الأديب والضابط)، موقفاً حدث معه حين سافر إلى هولندا لزيارة ابنه الطبيب، واحتاج هناك إلى عملية جراحية قلبية مفاجئة، جعلته يتجاوز المدة المقررة للإقامة المحددة في جواز سفره. وبعد تماثله للشفاء، اصطحبه ابنه إلى شرطة الجوازات، ونصحه بأن تكون بحوزته إحدى مجموعاته القصصية المترجمة إلى اللغة الإنجليزية.

وبعد أن اطّلع الضابط المسؤول على حيثيات الأمر، قدّم له الإبن الكتاب مع التعريف بوالده، وما إن لمح الضابط اسمه على الغلاف وأدرك أنه أديب، حتى رآه يقف فجأة ويشد على يده في احترام شديد، ويعلن إعفاءه من أي رسوم إضافية. مما دفعه إلى التساؤل: "كم ضابط شرطة في الجوازات أو غير الجوازات في شرقنا العربي، يقف احتراماً لأديب لم يعرفه من وسائل الإعلام، بل من مجرّد كتاب لم يقرأه بعد! ".

خاتمة:

لقد حرّك واسيني الأعرج الماء الراكد، ومرّر خليل هنداوي أصابعه على الجراح، ورسم يوسف الشاروني خارطة الدهشة على الوجوه، فاستطاعوا بذلك تحديد موقع الكاتب العربي بالأبعاد الثلاثية التي تتحكم به، وأصابوا الهدف المنشود، كلٌّ من زاويته الخاصة.

 

نبيل عرابي

 

احمد عزت سليميرى أفلاطون فى محاورتيه "المأدبة" و"فايدروس" أن طبيعة الحب تظهر فى "المأدبة" على أنه: "إله عظيم تمتد قدرته إلى كل مكان، ويطوى تحت جناحية كل شىء وهو ذو سلطان شامل متعدد الجوانب تسمو غاياته فى السماء والأرض وسلطانه فوق كل سلطان، وقوته فوق كل قوة، وهو منبع كل سعادة ومصدر كل خير، وهو الذى ييسر لنا أن نحيا مع غيرنا فى ود وانسجام ومع الآلهة كذلك " ويرى أفلاطون أن غاية الحب عنده هى حب الجمال الذى يعنى عنده الخير الحقيقى، وأن هذا الجمال له درجات تبدا بتأمل الفرد الجمال الإنسانى فى شخص ثم يدرك أن الجمال المادى فى شخص متصل بالجمال المادى فى آخر ثم يرى أن الجمال الذى يتجلى فى جميع الأجسام، إنما هو جمال واحد بعينيه، فيحب الجمال عامة، وفى المرحلة الثانية يقدر جمال الروح أكثر من تقديره جمال الجسد، فلو أنه وجد نفسا نبيلة فاضلة فى جسم لاحظ له من جمال يرضى بحبها والإخلاص لها فيأتى بالأفكار التى من شأنها تهذيب النشأة وهو فى هذه المرحلة يتأمل الجمال الذى يتبدى فى الأعمال والنظم المختلفة ويتضح ضآلة المادى إذا قورن بالجمال الروحى . وأكد أرسطو أن الحب عشق وإنجذاب للمحرك الأول، والذى يجذب كل الموجودات كلها للمحرك الأول الذى لا يتحرك إلا عن طريق المعشوق والمعقول والمفضول وهم شىء واحد، وما هو حسن نشتهيه ونشتاقه لأننا نعقله وليس لأننا نعقله لا نشتهيه وابتداء العشق إنما هو ما يعقله من العلة الأولى، ويرى اين سينا فى رسالته فى العشق بعنوان " سريان قوة العشق فى كل الموجودات " :ـــ " أن لكل واحد من الموجودات المدبرة شوقا طبيعيا وعشقا غزيريا ويلزم ضرورة أن يكون العشق فى هذه الأشياء سببا لوجودها "، ونفس هذا الموقف تجده لدى القديس توما الأكوينى، فالحب هنا فاعلية تنزع نحو المبدأ الأول وهو خير كلى روحى واستخدم له أفلاطون أسم " الإيروس " الذى يدل على إله الحب ـ وأطلق ارسطو عليه لفظ " الجذب " وهو ظاهرة فزيائية طبيعية تقرب الأجسام من بعضها البعض وتطلق على النزوع الداخلى ماديا كان او روحيا .

  وكما رأى بعض المفكرين والمتصوفة والفلاسفة أن الحب هو الفناء فى الجمال الأزلى (الإلهى)، وبما يعنى بقاء الخلق بالحق أو الغرق فى بحور النور أو الاحتراق بنور الشرق نحو مطالعة الجمال الأزلى ففى شرح " تائية " ابن الفارض أن المحبة ميل إلى جمال فانجذاب المحب إلى جمال المحبوب ليس إلا لجمال فيه، والجمال الحقيقى فى صفة أزلية لله تعالى مشاهدة فى ذاته أزلا شاهدة عليه، وهذا الإنجذاب هو الحب الأخص أن ظهر من مشاهد الروح جمال الذات فى عالم الجبروت والخاص أن ظهر من مطالعة القلب جمال الصفات فى عالم الملكوت، والعام أن ظهر من ملاحظة النفس جمال الإفعال فى عالم الغيب، والحب الإلهى يستلزم طرفين محبا ومحبوبا، ويرى الشيرازى فى كتابه " ياسمين الأحبة ": أن الخير الأسمى الذى تشرئب نحوه كائنات هذا العالم يظهر للجميع فى عبارات المحب والمحبوب، ففى حب المحب والمحبوب نفس القوة التى تجذب الإنسان إلى الحقيقة الإلهية، الحقيقة العليا، إن حب الجمال ينتج من تأمل الوجود السرمدى، بعين الله ذاته وما ثمة سوى حب واحد ونحن نتعلم فى كتاب الحب البشرى كيف تقرأ حب الله "، ويقول السرى السقطى :ــ " لا تصلح المحبة بين إثنين حتى يقول الواحد منهما للأخر يا أنا "، والحب عند المتصوفة من إستخدام " القرآن الكريم " للفظ كما فى قوله :ــ " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ "، ومن أشهر أمثلة الحب الصوفى ذلك الحب المنزه الذى تمثله رابعة العدوية فى أقوالها: ما عبدته خوفا من ناره، ولا حبا لجنته فأكون كالأجير السوء إن خاف عمل بل عبدته حبا له وشوقا إليه، وشعرا قالت:

" أحبك حبين، حب الهوى وحبا لأنك أهل لذاكا

فأما الذي هو حب الهوى فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له فكشفك لي الحجب حتى أراكا

فلا الحمد في ذا ولا ذاك له ولكن لك الحمد في ذا وذاك "

 ويبين تساؤل الفيلسوف فيورباخ: "من ذا الذي لم يجرب قوة الحب أو على الأقل لم يسمع بها ؟ من الأقوى: أهو الحب أو الإنسان الفردي؟ هل الإنسان هو الذي يستحوذ على الحب؟ أم الحب هو الذي يستحوذ على الإنسان؟ فعندما يجبر الحب الإنسان على أن يتذوق الموت بسعادة من أجل محبوبته، أليست هذه القوى المميتة للحب هي القوى الفردية للإنسان أم هي قوة الحب؟... ويصبح الحب عامل جذب قوى بين مختلف البشر وبلا حدود، ومنه يصل الفرد إلى حالات التكامل والفيض الروحي والنفسى والعاطفي وحتى الإرتباط الفكرى مع الآخر ووصولا إلى من فاعليات قوة التداخل المتنوع والمركب إلى قوة الانصهار بين المحبين .

 

أحمد عزت سليم

عضو إتحاد كتاب مصر

 

 

محسن الاكرميننوم الشياطين،

نظرت يسار فتحسست من الشياطين تضحك ببهرجة تهكم، وجدتهم في نشوة التحدي والفوز. حينها لعنتهم صبحا وأيقظتهم باكرا انتقاما، ولم ألتمس منهم رد سلام الصبح ولو بلغة موليير. تيمنت بالرجوع إلى الغرفة وليس إلى المنزل مادام هذه الأخير قد انتقم مني حين خرجت منه بلا كلام ولا ابتسامة. أول ما فعلت كررت الرجوع إلى الفراش وأنا ألعن ” السياسة والسياسيون، والروس واليابانيون، والدول الامبريالية بالجمع” ومن من زاد في الزمن المغربي ساعة ثابتة برحلة الشتاء والصيف.

صوت ديك الآلة،

لم أستسلم الليلة للنوم، لم ترتد عيوني نوما بثرثرة سلطة التفكير الممل المتكرر مثل الناسخ الأسود (كوبي كولي). لكن، من غفوة نوم صغرى أيقظني ناقوس ديك ساعة أيام زمان. توكلت على الله وقلت في نفسي (سبحان الله الذي أحياني بعد موتي الليلي) من غياهب سوء ذاكرتي، أني لم أتمتع بمذاق نوم لذيذ منذ أن وضعت تلك المرآة أمام سريري تراقبني وتعاتبني على الدوام.

مرآة فراش،

اليوم لم ألملم كلماتي بتمتمة دعاء صبح النهوض بتمامه من موضع فراش النوم، اليوم نظرت إلى المرآة التي أمامي فارتسمت صورتي متجهمة من حنق مغادرة النوم لمخيلتي باكرا. لم أمهل صورتي العبوسة بالتأمل بل فارقتها بالانسحاب بلا ردة عاثرة. تركت صورتي اللاصقة بالمرآة تتساءل: لما طلقتني صبحا بدون سلام ولا تحية مرفقة ببسمة؟.

شاي أسود،

ليس من عادتي شرب عصير الشاي الساخن صبحا. لكن، ومادام المزاج غير مستوية أوتار نغمته الارتدادية، قررت شرب كأس شاي بدون نعناع مكناسي، فمادام هذا النعناع يحمل أثر الأدوية بكثرة المعالجة، فلن يدخل بعد اليوم براد صبحي. حين نظرت إلى كأس الشاي الصيني بالتأمل وجدته يميل إلى السواد و يكسر لون الصفرة المعتاد. تشاءمت من منظر الشاي الأسود ووضعته جانبا، وانسحبت هاربا من صبح المرآة المتجهمة، وكأس الشاي الأسود.

مرآة الابتسامة،

ابتسمت أخيرا بعد استبعاد التجهم عن موضع سريري، لتخاطبني المرآة: ابتسم و اطرب فلو قارنتها قضيت عمرك كله متألما. ضحكت من دعوتها إلى الابتسامة ، فكان جوابي: كيف أطيق أن أتبسم وهي خانت عهودي؟  ورغما من ذلك تبسمت من ذكائها فهي تعرف خاصية نفسيتي بامتياز، وتساير أيام توتراتي الوجدانية، وتبحث عن اسم لحبيبتي ولو بحرفها الأولي .

تركت مرآة  غرفتي دون أن أرسم على زجاجها النير بسمة، ولا اسم حبيتي التي أخلفت وعدها لي بالوفاء. تركتها ولملمت بقايا قسوتي عليها، تركتها مع قصيدة إيليا أبو ماضي ومواضع الابتسامة والتجهم. أسرعت إلى عصارة النقط السوداء المتتالية من بن قهوتي المرة المذاق، حينها سمعت مول الهندية ينادي” الهندية والموس من عندي..” ، ثم مول النعناع يردد لازمة ” نعناع مكناس”، لم أحفل بخطاب كذب البضاعة براح "بيو"، وارتشفت رائحة مهيجة من قهوتي بالتتابع السريع.

 

محسن الأكرمين

 

علاء اللاميتأخرتُ في الكتابة مودعا شاعرة الرافدين الجريئة المبدعة لميعة عباس عمارة مع أن المساهمة في موسم توديع جواهر التاج العراقي الشعري والنثري المنفرطة تباعا هذه الأيام فعل نبيل وشهادة وفاء، وها أنا أودعها بهذه الالتماعات الجميلة من حديث تلفزيوني أجري معها قبل سنوات وربما عقود - لم أستطع تحديدها للأسف وربما تكون المقابلة معها قد أجريت خلال الحرب العراقية الإيرانية أو الحصار الغربي والعربي على العراق في تسعينات القرن الماضي - وكانت في ذروة عطائها الشعري. هدفي من هذه الاقتباسات من جميل كلامها توجيه التحية لروحها ولمجدها الشعري العبق المتألق، ولتعريف جيل الشباب ببعض النجوم القصية وغير المعروفة في سمائها الإبداعية وشخصيتها الحرة المستقلة المبدعة: تعليقات على عبارات منتقاة من أجوبتها على أسئلة الإعلامي محمد رضا نــصــر الـلـه:

* تنتمي لميعة للعراق ولبغداد تحديدا انتماء عضويا وروحيا بما يجعل الانتماء المكاني والجغرافي مجرد إشارة صغيرة قد تفي بالغرض الشعري؛ فردّاً على سؤال يقول "كيف تنظرين إلى بغداد؟" تجيب لميعة على السؤال بسؤال يشي باللوعة الشفيفة: أي بغداد، بغداد الجرح، الأمل، الجوع؟ إنها بغداد! أنا أخشى أن أصل إلى بغداد فأموت من كآبتي، أموت انتحارا فيها. هل نتكلم عن بغداد الحلم، بغداد الجمال، نتكلم عن دجلة، بغداد التي لم تخلُ أيامي ولا قصائدي من ذكرها؟ أنا بعيدة عنها لأظل أراها جميلة، أخاف أن أقترب منها وأن ألمس هذا الجسد المقطع!

* ورغم أنها لم تكتب في النقد الأدبي والشعري خصوصا، ولكنها كأية شاعرة حقيقية تنحاز إلى الإنصاف والتصالح مع الذات والأخر المبدع الذي يمثل قلب النقد الأدبي والفني وعقله؛ فردا على سؤال يقول: "من الأسبق إلى ابتكار الشعر الحر أو "الشعر الحديث بعبارة المذيع"، بدر شاكر السياب أم نازك الملائكة؟" قالت: إذا تعلق الأمر بحساب الأيام فأنا لا أضبطها، فهما - بدر ونازك - يضبطان الأيام، وهما تكلما عن ذلك وحددا الموضوع ولستُ أكثر منهما دراية. ولكنهما كلاهما برزا في وقت واحد، وهما مجددان، أما البقية فقد تأثروا بهما ولكن الإبداع الحقيقي هو لنازك وبدر.

* أما عن انتمائها إلى جمهورية الشعر وعاصمتها الشعر الغزلي، فهي توسع الموشور الذي ترى من خلاله هذه الظاهرة الشعرية الغزلية في التاريخ العربي ككل، وعلى اعتباره خصيصة أولى من خصائص السردية الشعرية العربية والعراقية فللإجابة على سؤال يقول "لماذا هذا الإلحاح على الحب في الشعر؟" تقول لميعة: العرب كلهم يحبون الغزل، حتى لو لم يكن للشاعر محبوبة فهو يضع ليلى وسلمى وسُعدى ودعد ويتغزل بها. يقول الشريف الرضي عن حصانه:

مرهفٌ للصوتِ تحسبُهُ * * * *  عربياً يعشقُ الغَزَلا

ويبدو لي أن لميعة، ولتوسعة إطار المعنى استبدلت كلمة "بدويا" الموجودة في أصل البيت إلى "عربيا"، وهو أمر ستتجرأ على فعله في مناسبة أخرى بعد قليل، فهي حرة هنا في بيت الشعر تتصرف بالأشعار وكأنها تتصرف بمحوزات بيتها الشخصي أو حديقتها المنزلية دون أن تسيء التصرف أو تؤذي تلك المحوزات والنفائس.

* ثم وكأن اسم الشريف الرضي مسَّ وترا حساسا في روحها وذاكرتها الجريئة، فها هي تستحضره، كيف لا وهو صاحب بيتين من أجمل أبيات شعرالغزل العربي فهو القائل:

يا ظبيةَ البان ترعى في خمائلهِ * * * *  ليَهنَك اليوم أنَّ القلبَ مرعاكِ

الماءُ عندكِ مبذول لشاربهِ * * * *  وليس يرويكِ إلا مدمعي الباكي،

 تستحضر الشاعرة لميعة الشريف الرضي شاعرا مرهفا وعاشقا حساسا للجمال فتعرف به بالكلمات التالية: أنا أعتقد أن الشريف الرضي خُلقَ غَزِلا، خُلِقَ شاعرَ حبٍّ، منذ كان عمره خمس عشرة سنة، لكن هذه العمامة والجُبة سترت هذه العواطف النبيلة كلها؛ وكان مركزه يحتم عليه أن يكون وقورا. مثلا، تأتي مَن يحبها في العيد لتقبل يده وهي لا تدري بأنه يحبها، فيقول شعراً:

وَمُقَبِّلٍ كَفّي وَدَدتُ بِأَنَّهُ * * * *  أَومى إِلى شَفَتَيَّ بِالتَقبيلِ

وكان يقود النساء في الحج كإمام حج وممكن يكون محرما للنساء، فقال ذات مرة:

بتنا ضجيعين في ثوبيْ هوىً وتقىً **** يلفُّنا الشوقُ من رأسٍ إلى قدمِ

* الطريف، والدال على فرادتها كشاعرة متميزة ومستقلة ولا تهاب قناني ومساطر التوصيفات والتعريفات، هو هذا المثال: فحين يصحح لها محاورُها كلمة "رأس" ويقول إنها وردت في الأصل "قرنٍ" فترد عليه بجرأتها المعهودة وبلهجتها العراقية المحببة: هسه القرن شنسوي به، أنا حتى لو كانت الكلمة قرن فأنا أبدلها الى رأس! بمعنى (وماذا نفعل الآن بالقرن؟ حتى لو كانت الكلمة في الأصل "قرن" فأنا أبدلها!).

* وتمضي في استذكار بعض وقفاتها كشاعرة وكناقدة وكعاشقة فتقول: نحن شطبنا على شعر نساء وشعر رجال، هناك شعر جيد، وإذا قالته امرأة لا يهمني، مثلا: كتبت أول قصيدة غزل عنوانها شهرزاد. وشهرزاد التي بنى عليها بدر شاكر السياب ديوانا كاملا اسمه "أساطير" وهو رد على كل كلمة في شهرزاد. طويت هذه القصيدة سنتين ولم تنشر. وعندما نشرت في مجلة "الغري" النجفية، حكى لي صاحب المجلة علي الخاقاني إنه بعد نشر القصيدة وكان جالسا في مجلس قيل لمقدم القهوة " علّي، او أعلي الفنجان/ حركة تعلية أو رفع الفنجان عالياً حركة تنطوي على إشارة مهينة للضيف" في إشارة الى أن الخاقاني بنشره لقصيدة غزل ومعها صورة بنت اعتبر وكأنه ارتكب غلطة. هكذا كانت النظرة للمرأة التي تكتب الغزل وأنا كتبت الغزل ولستُ متأسفة ولو عادت حياتي فلستُ متأسفة على شيء فعلته.

* يذكرها المحاورُ بالشاعر العراقي الكبير الجواهري فتسرد بعفوية وحنان واحترام بداية علاقتها به والتعرف عليه في مناخات وملاحم النضال الوطني والطبقي المتصاعد في عراق نهاية الأربعينات وتقول: تعرفت على الشاعر محمد مهدي الجواهري سنة 1948 خلال الوثبة "انتفاضة سلمية ضد معاهدة بورتسموث الاستعمارية مع بريطانيا"، وكنا نخرج في تظاهرات تأييدا لفلسطين وانتصارا للشهداء واعتراضا على أشياء معينة. وكان الجواهري مكلوم مجروح بعد أن قتل أخوه جعفر، الطالب الجامعي، برصاص الشرطة الملكية، فالناس كانت تحب الجواهري ومتألمة لمصابه ومتحمسة وطنيا. وكان الجو كله نارا. وفي ساحة "السباع" وقف الجواهري ليلقي قصيدته وتعطل المكرفون، ولكن الناس أصرت على الاستماع وطلبوا منه إلقاء القصيدة بصوته وقالوا: اقرأ أبا فرات نحن نسمعك. وألقى الشاعر القصيدة بصوته وكانت الناس صامتة وكأنها في صف مدرسي.

ثم تسترجع الصورة الخاصة جدا للجواهري كما عرفته وفهمته فترسخت تلك الصورة له في وجدانها، والتي لم يقارب أحد قبلها قط، فتضيف: الجواهري كله عواطف، هو نحيف، هو جلد وعظم وشِعر. الجواهري ليس لديه ما يخسره، هو خسران أصلا؛ وهو حتى في حركة يديه حين يلقي شعرا فهذه الحركات له هو فقط، وعلى من يقلدونه اليوم عن يكفوا عن ذلك، هذه الحركات تليق بالجواهري فقط، به هو فقط.. ليبحث الاخرون عن حركات أخرى تخصهم! أبو فرات كان عظيما...

أختم بهذا الجواب الطريف والذي يقول كل شيء عن روح الدعابة الحلوة لدى لميعة وعن خفة دمها وتلقائيتها التي لم تقلل أبدا من رصانتها وعلو قامتها كشاعرة متميزة في مجتمع رجولي. ففي ردها على سؤال وجهه له محاورها "بمن تتغزلين؟" أجابت ضاحكة: "أتغزل بالرجل، أتغزل بالمذكر مثل أبي نؤاس "تقهقه" ... أنا امرأة فأتغزل بالرجل، بمن تريديني أن أتغزل بالنساء؟"

* وداعا لميعة ... وداعا نخلة الرافدين السامقة وقمر الأشعار الأبهى!

 

علاء اللامي

..........................

رابط يحيل إلى تسجيل فيدو اللقاء مع الشاعرة الراحلة:

https://www.youtube.com/watch?v=fWCcMZeUfaE&ab_channel=%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF%D8%B1%D8%B6%D8%A7%D9%86%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87

 

 

يسري عبد الغنيالمرأة في حياة أمير الشعراء / أحمد شوقي لا تكاد تذكر، وشعره في الغزل أهون أشعاره، برغم قيمته الفنية العظيمة .

 ويذهب بعض النقاد إلى أن غزل (شوقي) لا ينبئ الباتة عن عاطفة صادقة قوية، وأغلبه متكلف، وإن صحت له فيه أبيات صارت تجري إلى يومنا هذا مجرى الأمثال، من مثل قوله:

خدعوك بقولهم حسناء

والغواني يغرهن الثناء

 وقوله:

صوني جمالك عنا إننا بشر

من التراب، وهذا الحسن رباني

وقوله يصف مراحل الحب والغزل:

نظرة، فابتسامة، فسلام

فكلام، فموعد، فلقاء

 يقول النقاد: قد تصدق هذه المأخذ على قصائد شوقي، في المرحلة التي كان مقيدًا فيها بتقاليد القصر، وهذه التقاليد تحول بينه وبين الإفصاح عن لواعج نفسه، وخلجات فؤاده، وتدعوه دائمًا إلى التريث والتستر .

 والمعروف لنا أن (شوقي) افتتح بعض مدائحه بالنسيب والتشبيب على عادة القدماء من الشعراء العرب، ولكن القصر أوعز إلى مدير المطبعة، فأسقط النسيب، وأبقى المديح، ولذلك ـ كما يقولون ـ فترت همة الشاعر في هذا الباب .

 وعندي أن هذا الكلام غير دقيق، فإذا كان الشاعر، أي شاعر، متمكن في غزله، صاحب عاطفة، عاطفة قوية صادقة، غير متكلف لها، لأظهرها بصورة، أو بأخرى، فالتعبير الصادق لا يعوقه معوق مهما كان .

 اذكر هنا أن (شوقي) عندما كان في باريس يطلب العلم، كتب فصلاً من مسرحيته (علي بك الكبير)، وأرسلها إلى القصر، ولكن القصر لم يعجبه هذا اللون من الكتابة، التي لا يتفق مع تقاليده .

 السبب الرئيسي من وجهة نظرنا هو أن هذه المسرحية كانت تتكلم عن الاستقلال، والسيادة والحرية، وغيرها من الأمور غير المقبول الكلام فيها في تلك الآونة .

 وقالوا لشوقي صراحة: من الأفضل أن تهتم بدراستك، ولكنهم لم يرفضوا أي مدائح يرسلها، ولكن (شوقي) بعد ذلك أعاد كتابة هذه المسرحية، ضمن مسرحياته، والتي كتبها، أو أصدرها في عشر سنين، ومعنى ذلك أنها كانت مكتوبة وجاهزة عنده، واحتفظ بها حتى أضحت الظروف مواتية.

 ولكن (شوقي) عندما تخلص من ربقة القصر وتقاليده الصارمة، وقيوده الجامدة، كان شبابه قد ولى، ولكنه استطاع مع ذلك أن يعبر عن مواجد الحب والأشواق، بمعاناته الوجدانية، لما كان يضطرم في قلوب المحبين الذين يمثلهم، ونطق بألسنتهم في مسرحياته الشعرية .

 كما نجد له بعض القصائد الغزلية يعارض فيها الشعراء الأقدمين، كمعارضته للشاعر / الحصري القيرواني في قصيدته المعروفة:

ياليل الصب متى غده ... ؟

فيقول شوقي:

مضناك جفاه مرقده

وبكاه رحم عوده

 والمعارضة الشعرية في حد ذاتها ضرب من التقليد، ولاسيما في الغزل، ولكنك تشعر وأنت تقرأ القصيدة، أعني قصيدة شوقي، بحرارة الانفعال والمكابدة، وكثيرًا من قصائد شوقي الغزلية اختارها أهل المغنى لغنائها، وذلك لرقتها، وجمال موسيقاها، وذلك كقصيدة:

ياشراعًا وراء دجلة يجري

لها دموعي تجيئك العوادي

وقصيدته:

يا جارة الوادي طربت وعادني

ما يشبه الأحلام من ذكراك

 وشوقي في غزله المبكر مقلد، كثير الاحتفاء بالجمال الحسي، لكنه تطور في غزله المتأخر، وبخاصة تعبيره عن عواطف أبطال مسرحياته، كقيس بن الملوح، وليلى العامرية، وكليوباترا، وتيتاس بطلة مسرحية (قمبيز)، فالتمس أسرار الجمال وراء الظواهر الحسية، والصور المادية، وأصغى إلى نبض القلوب موقعًا على أوتار شجية من الشوق الجانح، والجوى المكتوم، مرهف الشعور بأفاعيل الهجر، والصدود، وفرحة اللقاء، وصدمة الحب اليائس .

 وإذا كانت شخصية (روميو) هي التي حركت (جوليت) في مسرحية شكسبير الخالدة (روميو وجوليت)، وكان (قيس) هو المحرك الأساسي لشخصية ليلى العامرية التي أحبت ابن عمها (قيس)، ولكن العادات والتقاليد حالت دون النهاية السعيدة لهذا الحب العذري الخالد .

 ولكن (كليوباترا) التي كتبوا عنها الأشعار والروايات، وكانت حكاياتها في التاريخ عجيبة، ونجدها في مسرحية شوقي (مسرح كليوباترا) هي الآمرة الناهية في كل شيء، يدافع عنها شوقي دفاعًا مجيدًا لا نظير له، بل أنه يعتبرها بطلة قومية، تدافع عن مصر ومجدها، مؤكدًا على أن التاريخ قد ظلمها ظلمًا بينًا، لذلك يجب أن ينصفها، وقد فعل شوقي ذلك، عكس كل من كتب عنها من كتاب الغرب .

 لقد عشق شوقي شخصيتين امرأتين، هما: (ليلى العامرية )، و(كليوباترا)، وأبدع في تصويرهما كل الإبداع، ولكنه لم يجد في مسرحية (علي بك الكبير) و(قمبيز) امرأة ليتحدث عنها، مع أن العنصر الأساسي في البناء الدرامي هو المرأة .

 ولا ننسى في (قمبيز) بتنتاس بطلة المسرحية التي تضحي بنفسها من أجل مصر، ومن أجل الدفاع عن أرضها .

 وهنا أتذكر بحثًا قديمًا ومهمًا لأستاذتنا الدكتورة / سهير القلماوي (رحمها الله)، عنوانه: (المرأة والحب في مسرحيات شوقي )، تقول فيه: إذا كان الانحدار شوقي من أصل تركي مخلط قليل أثر في مناحي شعره، فإن لهذذا الأصل الذي فرض على شوفي حياة أسرية بعينها أكبر الأثر في تصوره للمرأة .

 فلم تكن المرأة في هذه البيوتات التركية الأصل أو المختلطة هي المرأة المصرية الصميمة التي تملأ بيوتات مصر في أيامنا هذه، كانت بيوتات الأثرياء أمثال شوقي، وبيوتات المتصلين بالحكام وبالملوك خاصة تظلل حياة أخرى فيما يتعلق بالمرأة .

 كان هناك في هذه البيوتات نوع من الاحترام للمرأة لم يكن هو المألوف في بيوتات عامة الشعب، ولذلك كانت هذه البيوتات مثلاً تستقبل ميلاد الذكر أو الأنثى بغير فرق، ومن هنا نفسر تعلق شوقي بابنته أمينة، وتفضيله إياها على أبنائه الذكور .

 ولست أريد أن أفيض لك في هذا، وإنما حسبي أن أخلص إلى أن الأمير عندما كان يصور المرأة، كان يصورها بكل الاحترام الواجب لها، ومن هنا تجد نظرته للحب تعكس احترامًا أكثر مما تعكس لهفة أو حرمانًا أو تجارب ملتهبة .

 أقول لك: إن العاطفة نحو المرأة يحب أن تكون دائمًا وأبدًا عاطفة الواجب والاحترام، والارتفاع من منزلة الواقع، وهذه هي معالم الشخصية النسائية التي أبدع شوقي في وصفها، نساء يضحين بأنفسهن في سبيل الوطن مثلما ضحت الملكة كليوباترا بحبها في سبيل تاج مصر، ومثلما ضحت نيتيناس في قمبيز، في سبيل الوطن لتحمي بلدها من بطش الملك الفارسي الجبار قمبيز .

 أما صورة الحب الحقة التي كان شوقي يحسها بالفعل ولا يجرؤ على البوح بها أو التعبير عنها تمثيلاً قد ظهرت في مسرحه في الموضوعات أو الشخصيات الثانوية، كحب هيلانة لحابي، في مسرحية مصرع كليوباترا، وحب بثينة لحسون في أميرة الأندلس .

 إن الموضوعات أو الشخصيات الثانوية هي التي كانت تحمل العاطفة المتأججة، وكانت تنتهي بالزواج والوفاق، لأن الموضوع الثانوي لا يحتمل النهاية المأساوية التي يحملها أو يحتملها موضوع المسرحية الرئيسية .

 أنت تعلم مثلي أن أحمد شوقي عاش في عصر كانت التقاليد من حوله تنهى عن الحب أو العشق، وتجعل الغزل في الشعر صنعة أكثر منه تعبيرًا عن واقع حسي ملموس، وكانت هذه التقاليد تفرض أن يكون الواجب فوق العاطفة، وأن يرتفع الناس دائمًا فوق أحاسيسهم العادية إلى مراتب الأحاسيس الكبرى العامة .

 ولقد فرض هذا فكرة الحب العفيف على مواقف الحب في مسرحيات أحمد شوقي، فإذا اجتمع الحبيبان فإنما ليكونا كما وصف:

وعلينا من العفاف رقيب

تعبت في مراسه الأهواء

 ويقول شوقي: إنه شاهد فلمًا سينمائيًا عن ملكة فرنسية، صورها الفيلم في صورة امرأة داعرة، وبذلك أسيئ أعظم إساءة إلى هذه الملكة، فقال شوقي لنفسه: ماذا يجدي عرض الفضائح على الناس ؟، وكم في التاريخ من أغلاط وأكاذيب ؟ !

 وهنا برزت الملكة كليوباترا في ذهن أحمد شوقي، فقال لنفسه: لا يبعد أن تكون هذه الملكة قد جنى عليها المؤرخون من ذوي الأغراض، لأنه لا يمكن أن تكون كليوباترا على هذه الحالة الزرية التي نراها في كتب المؤرخين .!!

 وراح شوقي بمعلوماته القليلة وثقافته المحدودة عن الملكة كليوباترا، يرجع إلى أول من كتب عن تاريخ كليوباترا، وهو المؤرخ (بلوتارك)، وهو من صنائع الرومان، وبالطبع أمعن هذا المؤرخ في الحط من شأنها، فأراد شوقي أن يبرز ما في  حياتها من عبر ومثل، كالتضحية بالذات في سبيل الكرامة، وبذل كل غال ومرتخص من أجل الوطن .

 قلت لك من قبل: إن (شوقي) لم يجد في مسرحية (علي بك الكبير أو دولة المماليك) و(قمبيز) امرأة ليتحدث عنها، مع أننا تعلمنا في دراسة الدراما أن الإبداع الدرامي هو المرأة، ففي علي بك الكبير لا نجد غير (آمال وشمس وزكية )، وهن إماء معروضات للبيع، وأم محمود الماشة والواسطة في بيع الجواري، وصدقني إذا قلت: لم يكن هذا هو العجز عن إيجاد شخصية نسائية في مسرحيتي علي بك الكبير وقمبيز، ولكنه كان الحب الشديد لشخصيتي ليلى العامرية حبيبة قيس، والملكة كليوباترا، وحقًا فإن الشاعر أو المبدع حين يحب لا يصرفه أي شيء عن حبه .

شكسبير كتب مسرحيته الشعرية عن (يوليوس قيصر)، وليس عن كليوباترا، وسلط الأضواء على البطل لا على البطلة، وهكذا فعل برنارد شو عندما كتب عن كليوباترا، وهذا هو الفارق الذي أكلمك عنه من ناحية إحساس الشاعر أو الفنان بالشخصية، وكان شوقي يحب المرأة في مصرع كليوباترا، وكان يحبها كذلك في مجنون ليلى .

 ولذلك لم يسقط اسمها حتى في عنوان مسرحيته الشعرية، وذكرها باسمها، ولم يذكر اسم حبيبها وابن عمها قيس بن الملوح العامري، وكان في إمكانه أن يسميها (قيس وليلى) بدلاً من (مجنون ليلى) .

 حقًا، إنه شيء محير، المرأة عند المبدعين أمر عجيب، أمر غريب، لن نستطيع أن نفسره مهما كتبنا ومهما كتب غيرنا

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

صادق السامرائيشهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن علي بن محمود بن أحمد  الكناني العسقلاني المصري (773 - 852) هجرية، ولد في مصر - الفسطاط - وتوفى في القاهرة، ونشأ يتيم الأبوين وهو في الرابعة من العمر.

تولع بالشعر والأدب وعلوم الحديث، ورحل في طلب العلم داخل مصر وإلى اليمن والشام وحلب والحجاز، ومصنفاته ما بين (200 - 270) مصنف، وإهتم بالتدريس ودرّس في عدة مدارس معروفة .

كما مارس الإفتاء والخطبة، والقضاء والإملاء، والمشيخة وخزن الكتب.

ومن شيوخه: " التنوخي، الخيوطي، البلقيني، الأبناسي، الفيروز آبادي، البشتكي، عبد الرحيم العراقي، نور الدين الهيثمي"، وغيرهم الكثير.

ومن تلاميذه: " شمس الدين السخاوي، برهان الدين البقاعي، زكريا الأنصاري، إبن الخضيري، إبن تغري، إبن الشحنة، شهاب الدين البوصيري، إبن قوقب، إبن بصال، المحب البكري " وغيرهم.

من مصنفاته: "تعليق التعليق، فتح الباري، نزهة النظر بشرح نخبة الفكر، تهذيب الهذيب، الأمالي المطلقة، الأمالي الحلبية، الإيثار بمعرفة رواة الآثار، سلسلة الذهب، الإصابة في تمييز الصحابة، لسان الميزان، نظم اللآلي بالمائة العالي، إنباء الغمر بأبناء العمر، المطالب العالية"، وغيرها، وكان له منهجه الواضح في التأليف.

لديه عدد من البنات من زيجات متعددة وولد واحد من جارية، وبناته (زين خاتون، غالية وفاطمة )، أصابهن الطاعون، مما دفعه لتأليف كتابه "بذل الماعون في فضل الطاعون"، وهو من أول الكتب عن الأوبئة، والتي لها دورها في التنبيه على ضرورة التصدي للأوبئة والوقاية منها، وبعده توالت الكتب التي تتناول الموضوع.

والعسقلاني قدوة صيرورة إنسانية معرفية ثاقية، تحدّت المعوقات والعراقيل وإنطلقت رغم اليتم والحرمان من عاطفة الأمومة والأبوة، لكنه مضى في طريق التعبير الأمثل عما فيه من الطاقات المعرفية، حتى بلغ أعلى المراتب العلمية، وحاز على ألقابٍ علية.

وما أحوجنا للإقتداء به وبأمثاله من أنوار الأمة الذين بددوا ظلمات العصور، وأوقدوا مشاعل التبصر والإدراك المنير في أروقة العقول البشرية.

 

د. صادق السامرائي

 

 

عامر هشام الصفارحضرت قبل أيام قلائل ندوة ثقافية للكاتب المسرحي العراقي المغترب حسن عبد الرزاق (المولود عام 1971 في براغ). وهو الكاتب الذي يكتب مسرحياته باللغة الأنكليزية منذ عدة سنوات لتمثلّها فرقة مسرحية في مسارح بريطانيا وأميركا. والمفاجأة كانت عندما علمت أن الكاتب المسرحي عبد الرزاق أنما درس وتخصّص بأختصاص علمي دقيق في العلوم الحياتية، فواظب فيه دارسا للدكتوراه، والتي رغم متطلباتها الكثيرة ولكنه تمكن من التواصل مع التأليف المسرحي، والعمل مع فريق مسرحي مبدع، لكي تكون مسرحياته متاحة أمام الجمهور.

مسرحية "الأشياء تحدث"

وقد ركز المحاضر حسن عبد الرزاق في الجزء الأول من المحاضرة على موضوعة قضايا الشرق الأوسط في المسرح البريطاني، فأشار الى مسرحية "الأشياء تحدث" للكاتب ديفيد هير، والذي عمل على ما صرّح به وقال السياسيون في أميركا وبريطانيا قبل وبعد أحتلال العراق عام 2003، أضافة  الى أستعمال الخيال الخصب لتكون مسرحية "الأشياء تحدث" والتي مثلّت على المسرح البريطاني عام 2004 واحدة من أهم المسرحيات التي لها صداها معبرة عن الحال العراقي. وذكر المحاضر أنه لاحظ أن الأنسان العراقي كان مهمّشا في مسرحية هير والتي ركّزت على دور السياسي الأميركي والبريطاني في أتخاذ قرار الحرب وأيقافها، دون أن يكون في الحقيقة أي دور ملحوظ للسياسين العراقيين.

مسرحية "عرس بغداد"

ثم أن المحاضر-الكاتب أشار في محاضرته الى مسرحيته المترجمة للغة العربية والتي جاءت بعنوان "عرس بغداد"، والتي أختلطت فيها التراجيديا بالعبث، فكان أن تطرق الكاتب عبر أصدقاء ثلاثة عادوا لبغداد بعد عام 2003، الى مجريات الحرب وفظائعها وما جرى في سجن أبو غريب.. ومعارك مدينة الفلوجة. وقد ترجم المسرحية صالح مهدي الشكري وصدرت عن دار الصواف للنشر.

مسرحية "تسعة أجزاء من الرغبة"

ثم أشار المحاضر عبد الرزاق الى مسرحية "تسعة أجزاء من الرغبة" للكاتبة هيذا رافو والتي تناولت فيها شخصيات نسائية عراقية، حيث كانت الفنانة العراقية الراحلة ليلى العطار (أستشهدت عام 1993 بعد قصف أميركي لدارها) واحدة من هذه الشخصيات. وقد ذكرت الفنانة رافو أنها تأثرت بلوحة "توحش" للفنانة العطار والتي مثلّت جسم أنثى بحالة تعري، وقد ألتصق بشجرة باسقة في غابة موحشة.

وأشار المحاضر أيضا الى أهمية دخوله لدورة للكتابة الأبداعية عام 2000، ومواظبته على دراسة أسلوب الكتابة للمسرح، ودور خاله القاص العراقي محمود البياتي في تشجيعه على الأستمرار في الأبداع الأدبي. وذكر أن من المهم الأنتباه الى وجهة نظر الآخر مقابل وجهة نظرك، فهذا الصراع هو ما يخلق الدراما.

مسرحية "متحف في بغداد"

وأشار المسرحي عبد الرزاق الى مسرحية "متحف في بغداد" للكاتبة الفلسطينية الأيرلندية هانا خليل وأشارتها الى الشخصية التاريخية المعروفة مس بيل. ففي حزيران/ يونيو عام 1926، وقبل رحيلها بأسابيع، قامت عالمة الآثار والمستكشفة البريطانية جيرترود بيل (1868 - 1926) بتأسيس "متحف بغداد الأثري" والذي أصبح يسمى لاحقاً "المتحف العراقي"، وضمّنته مجموعات واسعة من المكتشفات، خاصة من الحضارة البابلية.

وفي عام 2006، قامت عالمة الآثار العراقية البريطانية غالية حسين بمحاولة لإعادة أفتتاح المتحف، والعمل باتجاه إعادة الآثار المنهوبة، وجمعها تحت سقف واحد من جديد.

وبين بيل وحسين عقود كثيرة مرت، لكن صورة فوتوغرافية لبيل في أفتتاح متحف بغداد، جعلت الفنانة الفلسطينية الإيرلندية هانا خليل تفكر في كتابة عمل مسرحي، يسرد حكاية العراق من خلال تجربة عالمتي الآثار، في عرض بعنوان "متحف بغداد"، تم عرضه في "رويال شكسبير كومباني" بلندن قبل عامين. وهكذا يكون الزمن بين بدايات نشوء الدولة العراقية وحتى سقوط بغداد، الموضوع الشاغل للمسرحية والتي مثّل فيها المبدع الفنان رسول الصغير.

مسرحية "النبي"

وحول مسرحية "العودة" أشار المحاضر الى عمل لدينا الموسوي، وهي التي عادت الى العراق بعد 2003، وسجلّت عدة لقاءات مع صديقات ومعارف، حيث أسترجعت ذكرياتها عن المكان الذي ترعرعت فيه وأغتربت عنه.

وفي الجزء الثاني من محاضرته أستعرض المحاضر القضية المصرية في المسرح البريطاني فأشار الى مسرحيته "النبي"، والتي أستوحى أحداثها من ثورة الشعب المصري عام 2011 وكيف أنه زار مصر شخصيا، وعاش ظروف البلاد الصعبة، فكانت مسرحيته التي تتحدث عن كاتب يصاب بحالة العي أو عدم القدرة على الكتابة، حتى تنصحه زوجته بالخروج مع المتظاهرين في شوارع القاهرة ليستعيد نفسه وهو صاحب الفكر اليساري.

مسرحية "الحب والقنابل والتفاح"

وعن قضية فلسطين- قضية العرب المركزية، تحدث الكاتب فذكر مسرحيته التي كتبها ومثلّت على مسارح لندن، وهي مسرحية "الحب والقنابل والتفاح" والتي تتناول أربعة مشاهد، تحكي قصصا مختلفة لشباب من رام الله ومن باكستان ومن نيويورك ومن مدينة برادفورد الأنكليزية. فتتناول تفاصيل حياتية، تتخللها تناقضات وغرائب، تعطي زخما دراميا مطلوبا للعمل المسرحي. كما أشار الكاتب الى مسرحيته "هنا انا" والتي مثلّها الفنان الفلسطيني أحمد طباسي والذي نشأ في مدينة جنين (الضفة الغربية) حيث علّمه صديقه جوليانو أن الثقافة نوع من أنواع المقاومة كذلك.

مسرحية "الحب في زمن الكورونا"

اما عن أعماله الأخيرة فقد ذكر حسن عبد الرزاق أنه أنتهى من كتابة مسرحيته الجديدة والتي ستبدأ عروضها على أحد مسارح لندن في حزيران الحالي وهي بعنوان "الحب في زمن الكورو نا" والتي تحكي عبر مونولوجاتها قصة ياسمين المرأة المطلقة والتي تبحث عبر مواقع التعارف على النت عن صداقة وعلاقة جديدة، فتتعرف بالفعل على شخص غريب جدا حيث تشعر أنها تعرفه من قبل.. والمسرحية من نوع المسرح الهزلي الحزين بنفس الوقت.

وفي نهاية المحاضرة أجاب المحاضر عن أسئلة الحضور فأفاد وأمتع.

 

عامر هشام الصفار

.............................

(هنا مقطع فيديو لبعض من ملصقات مسرحيات الكاتب حسن عبد الرزاق)

https://youtu.be/ceGjh_xeKyw

 

 

عمار عبدالكريم البغداديشهريار: توقفنا في المرة السابقة عند سؤالك ياشهرزاد عمّا سيفعله المسؤول الطيب وهل سيحقق العدالة أم سيرضي الجميع ؟

واقول جازما: إنه سيحقق الإنصاف على أقل تقدير لكن بعد صبر طويل، إن أصحاب القلوب الطيبة لا يحسنون سياسة سوء الظن، ولايتلقفون العثرات،ولايترقبون الزلات، فمن كانت صفته المبادرة بالصفح والتماس الأعذار للآخرين -على إختلاف محاسنهم ومساوئهم - لايمكنه أن يكون حديّا في بادئ الأمر، وهو يتجرع آلام إخفاقات من حوله على أمل الإصلاح، هو ينظر بعين الرقيب لكنه يجعل الحساب في آخر المطاف،ولسان حاله يقول: (إتقوا غضب الحليم اذا غضب) .. تلك عبارات لا يسمعها إلا الطيبون من حوله، وتشحذ هِمَمَ المخلصين لمزيد من العطاء، لكنهم ليسوا في مأمن من المتربصين، وهذا مايشعرهم بمرارة وإنْ كانت على نحو أقل من سابقاتها في عهد المتجبر الراحل، أنوار روحه المتناسقة من الرقة في قلبه تكشف له ماوراء الإبتسامات الصفراوات،وتنبؤه بصدق المحبة في قلوب المتكاتفين معه، ولو علم المتجبرون والمتكبرون والمراؤون والكسالى ما تكشفه بصيرة المسؤول المتلطف بالجميع لولّوا من غير رجعة، هو يدرك بتلك البصيرة المتهيكلة من نفسه المطمئنة،وذهنه المتوقد، وقلبه المتدفق بالمحبة، إن المتجبر أضعف من أن يكون صادقا فيما ساقه من أسباب جعلته قاسيا (بعض الشيء) على الموظف الذي أخبره بكل لطف بوجود خطأ يحتاج الى إصلاح في إحدى المهمات اليومية .

وهو يعلم تماما إن المتكبر كان قاصدا في اساءته لعامل النظافة في المؤسسة،أو الموظف البسيط وإنْ ذرف دموع التماسيح، أمّا الكسلان فإن كذبه كان مكشوفا لتلك النفس النورانية منذ الوهلة الاولى، وكان عليه أن يكون أكثر مكرا علّه ينجح في إحدى خدعه،لكن صاحبنا آثَرَ الصبر كشأنه دائما علّ المتحاذق يفيق من غيبوبته يوما ويحقق ذاته في العمل.

إن تحقيق العدالة يحتاج الى شدة تفوق قساوة الظالم وعزيمة تمحو آلام المظلوم، وصاحب القلب الطيب يمتلك العزيمة لكنه يفتقد الى الشدة، فيحقق الإنصاف للمظلوم،  لكنه لايحقق العدالة غالبا الا في وقت متأخر .  

شهرزاد:حيرتني حقا ..كيف له أن ينصف المظلوم من غير أن يقتص من الظالم ؟

- هل نسيتي يا شهرزاد إن هذا المظلوم الذي نتحدث عنه يحمل  بين جنبيه قلبا نابضا بالطيبة، وروحا مسامحة ونفسا مطمئنة، ولأن صاحبنا المدير يدرك تماما هذه الصفة في الطيبين من حوله، فإنه ينصفهم بإستنهاض صفة العفو فيهم إبتداءً، لتسكن أرواحهم، ثم يثني عليهم بما هم أهل له فيحقق الإنتصار لذواتهم، ثم يعدهم بعدم مسامحة المسيئين في المرة المقبلة، ذلك إنصاف نفسي ترضى به النفوس الكبيرة من أصحاب القلوب الطيبة، نحن لا نتحدث هنا عن الإنفعاليين الذين يتأثرون بأتفه الأسباب ويرضون بأبسط اعتذار، إنما عن أصحاب قلوب قوية تدوس على جراحاتها لتحقق ذاتها المترفعة عن الإنحدار الى وديان الكراهية والظلم  والإستبداد، لكنهم كصاحبنا المدير يرددون في أنفسهم:إتقوا غضبة الحليم .

إنها قلوب تسع أطياف المحبة بكل ألوانها،وتُحَجِّم ظلمات الكراهية بكل أشرارها، وإنها لتجاهد آلام (الأنا) أعظم جهاد في أعماقها،لتحافظ على نقاء سريرتها ومعاني إنسانيتها . 

يقول نجيب محفوظ: حين يخبرونك عن جهاد النفس الحقيقي، أخبرهم أن أصدق جهاد هو قدرتك على أن تبقيَ هذا القلب نقياً صالحاً للحياة الآدمية بعد كل تلك المفاجآت والعثرات والإنكسارات والهزائم.

ولا أظنها ياشهرزاد هزائم أبدا، إنما هي انتصارات شخصية تجتث معاني الشر من النفوس، وينتشر آثرها الى عقول الجميع، يقر بها المتقلبون بين الخير والشر، وتحيّر المتجبر، وترهق المتكبر، حتى الكسالى يتمنون في قرارة أنفسهم أن يمتلكوا  عُشرَ هذا العزيمة لتسيير شؤون حياتهم .

شهرزاد: لكن الا ترى ان المعنى المتحقق من فعل المسؤول هنا إستغلال القلب الطيب لصالح المسيء؟ .

شهريار: إن الإنصاف الذي نتحدث عنه يأخذ معنى المناصفة،فكأن المظلوم حصل على نصف الحقوق، والنصف الآخر تنازل عنه بنفس متعففة، وقد يكون الأمر في ظاهره استغلالا، لكنه في جوهره اغتنامٌ لعطاء القلوب البيض،المسؤول الطيب يدرك تماما أنْ وراء تلك القلوب الرقيقة طاقات هائلة قادرة على استعاب القساوة المتسربة من قلوب الضعفاء الساعين الى إظهار عدوانية تشعرهم بقوة خاوية من كل إرادة إلا إرادة تعويض الإضطراب العظيم الذي يسيطر على أفعالهم ويحجب عن قلوبهم كل أنوار المحبة والرحمة، وإني لأقر لك ياشهرزاد بأن تحقيق العدالة هو آخر ما يصل اليه صاحبنا المسؤول الرحيم  ..وللحديث بقية.

 

بقلم: عمار عبد الكريم البغدادي

............................

* من وحي شهريار وشهرزاد (13)

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

 

يسري عبد الغنيلقد عزف الموسيقار النمساوي العالمي / بيتهوفن، عبقري الموسيقى الخالد، سيمفونية رائعة لنابليون بونابرت الذي غزا بلاده، وأذل شعبه !!، ولكن الرجل كان معجبًا به، لأنه كان محبًا عاشقًا للشجاعة وللعبقرية، ومتيمًا بالتفرد الذي هو الطريق إلى الخلود، وقد عبر عن ذلك بفنه .

 وجوته الأديب والشاعر الألماني الكبير، تقدم إلى نابليون هو الآخر، وخضع له، وهو شاعر ألمانيا الأكبر، وبالطبع كان لديه مبرراته الخاصة، وهو إعجابه بعبقرية نابليون وشجاعته، وهو حر بالطبع، والكل أحرار، أحرار فيما يقولون أو يفعلون، المهم أننا أحرار أولاد أحرار ما لم نضر الآخرين .

 وفي بلادنا ينافق البعض من أهل الأدب والفكر والإبداع الحكام وأهل الحل والعقد في كل عصر، ويوافقونهم كل الموافقة على أي تصرف أو قرار يتخذونه، والذي قد يصل في بعض الأحيان إلى أنه ضد الفكر والرأي والحرية والعقل، وبكل أسف فإنهم يفعلون ذلك مع كل حاكم جديد يعتلي الحكم .

 من الجائز أن تكون هذه هفوات في حياة الكتاب وأهل الفكر، ولكن الهفوات عندما تزيد عن حدها تنقلب إلى ضدها، وهفوة عن هفوة تختلف.

 ذهب الفيلسوف والشاعر والمفكر الثائر الفرنسي الشهير / فولتير إلى ألمانيا، وذهب إلى الإمبراطور الألماني / فردريك، الذي بنى لفولتير قصرًا شامخًا، هو قصر (بوتسدام)، وجعل فيه غرفة ضخمة واسعة، لها قبة تشبه السماء الزرقاء، وسماها قاعة فولتير، وما زالت موجودة حتى يومنا هذا يزورها الناس بشكل دائم .

 وقد تسألني: كيف أصبح داعية الحرية والعدل والمساواة والإخاء والثورة تابعًا مطيعًا من أتباع ملك وإمبراطور ألمانيا / فردريك ؟ !! .

 أقول لك: كم من أديب ومبدع وفنان مات معنويًا قبل أن يذهب إلى قبره، وذلك عندما نافق السلطة والسلطان، والأمر العجيب الغريب حقًا أن يكون قد بدأ حياته مناصرًا للحق والحرية وللفقراء وللمعدمين وللمطحونين، ثم ينقلب على عقبيه، ويعود القهقرى ليمشي في موكب ندماء السلطان، بل قد يرقى إلى درجة حامل مبخرة في حاشية السلطان!!.

 أذكر أنني قد سألت ذات مرة أحد هؤلاء عن الذي قلب حاله، فقال لي ساخرًا : ما عاد في العمر ما يسمح لي بأن أقول (لا) !، وسألت آخر فصرخ في وجهي قائلاً: لقد ذقنا السجن والنفي والتشرد والجوع، كفانا ما كان، ما الذي حققناه، لا شيء على الإطلاق، ولنغلق أو نسد الباب الذي يجيء منه الريح العاصفة، كي نستريح .. !!

 وبالطبع محال أن يعود هؤلاء إلى الكفاح والنضال، فقد تحولوا إلى طيور داجنة، تعيش في رغد العيش، والثراء، والمناصب، فكيف يتركون ذلك كله، ليعودوا طيورًا حرة تحلق في سماء الحرية ؟ ! .

 وصدقني ـ أيها القارئ ـ فإنهم مهما قالوا أو كتبوا فلن يصدقهم الناس، الناس قد تتناسى أو تدعي أنها نسيت، ولكن من المحال أن تنسى بالفعل، أضف إلى ذلك أن إبداعهم قد نضب، ويراعهم قد جف إلى أبد الآبدين .وفاتهم  أن مزبلة التاريخ تنتظرهم بفارغ الصبر

 قالوا: إن أمير الشعراء / أحمد شوقي بعد النفي الاختياري إلى أسبانيا، تحرر من ربقة القصر والسلطة والسلطان، وأصبح بحق شاعر الشعب يعبر عن آماله وآلامه .

 في نفس الوقت الذي دخل فيه شاعر النيل والشعب / حافظ إبراهيم إلى سجن السلطة، يوم أن قبل وظيفة أميرية في دار الكتب المصرية، وأصبح الرجل متحفظًا، وقلت حماسته، ولم نعد نقرأ له أشعاره النارية ضد السلطة والمستعمر .

 لماذا ؟، لأن حافظًا أراد أن يحافظ على لقمة العيش، ولم يعد في عمره ما يسمح له بالتسكع أو بالتشرد، أو بسؤال الناس، أعطوه أو منعوه .

 ولكن هناك من يرد على ذلك بقوله : إن حافظًا لم يستمر كثيرًا في الوظيفة الحكومية بدار الكتب المصرية، حيث أحيل الرجل إلى التقاعد حين بلغ سن المعاش القانوني، وليس كشوقي الذي عاش أغلب عمره في القصر .

 ويقولون: إن حافظًا لم يترك قلمه، ولم يخاصم الشعر الوطني، أثناء عمله الحكومي بدار الكتب، بل أبرزوا العديد من الأشعار التي تؤكد أنه كان يكتب شعره الوطني الناري بأسماء مستعارة .

 على كل حال، ففي حياة المبدعين والعباقرة أشياء وأشياء، أشياء غريبة، وأخرى عجيبة، تحار فيها العقول والأفهام، وقد يعجز مؤرخ الأدب عن تحليلها بأي منهج تفسيري، أو أسلوب تحليلي، وقد حدث هذا عندنا، وعند شعوب المعمورة الأرضية كلها .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

ضياء نافعاحتفلت روسيا بتاريخ 6/6/2021 بيوم اللغة الروسية، والذي وحدّته بالذات مع يوم ميلاد بوشكين، باعتبار اللغة الروسية وبوشكينها (وجهان لعملة واحدة!) . وبعد ايام من ذلك التاريخ دخلت انا الى مترو موسكو، فوجدت امرأة (في مرحلة ما بعد التقاعد!) تقف عند المدخل وتوزع مجانا جريدة، وكان المارة يمرون مسرعين من قربها ولا يأخذون منها تلك الجريدة، فاقتربت انا منها، وطلبت منها نسخة، فاعطتني الجريدة وهي تبتسم راضية، فشكرتها، وحاولت ان القى نظرة على الجريدة امامها، كي لا تشعر باني قمت بذلك تعاطفا واشفاقا، فوجدت ان اسم الجريدة (مترو)، وعلى صفحتها الاولى لوحة ملوّنة جميلة وغير اعتيادية تماما لبوشكين، ومكتوب تحتها بخط بارز – (عملنا من بوشكين بطلا لزماننا)، وتعبير (بطل زماننا) هو عنوان رواية ليرمنتوف، العنوان الجميل، الذي ترجمه سامي الدروبي بشكل اجمل، وهو – (بطل من هذا الزمان)، وتذكرت أنا آنذاك المثل العالمي الشهير حول اصطياد عصفورين بحجر واحد، فالعصفور الاول – ابتسامة الرضا من تلك المرأة التي كانت توزع الجريدة، والعصفور الثاني لوحة بوشكين المدهشة تلك، وهكذا اسرعت بالذهاب، بعد او وضعت (العصفور الثاني !) في حقيبتي، كي أتأمّله عند وصولي الى البيت بامعان ودقّة، واحاول ان أجد في تلك اللوحة السمات الجمالية بشكل تفصيلي .

بدأت في البيت بالاطلاع على جريدة (مترو) ذات العشرين صفحة من الحجم الصغير، ووجدتها منوعة ورشيقة جدا، ومن الواضح انها تعتمد على واردات الاعلانات، وتوقفت طبعا عند الصفحة السادسة، التي نشرت خمس لوحات اخرى عن بوشكين بريشة الفنانة الروسية المعاصرة انجيلا جيريخ، التي نظرت الى بوشكين بعيون الواقع الروسي المعاصر، حيث كتبت تقول – (..ما الذي كان سيفعله بوشكين لوكان يعيش الان بيننا في روسيا؟) واجابت عن هذا السؤال بنفسها قائلة – (..كان سيذهب الى المستشفى ويقف في الطابور، وسيذهب الى المخزن للتسوق، والتنزه مع اصحابه...)، وهكذا رسمت انجيلا لوحاتها عن بوشكين في مستشفى روسي بحت وهو يرتدي الكمامة المضادة لكورونا ويقف عند الجدار بانتظار دوره للدخول الى غرفة الطبيب، او، وهو يخرج من المخزن ويحمل في كلتا يديه الاكياس المليئة بالطعام، او، متنزها في الغابة الروسية بين اشجار البتولا ذات الساق الابيض والاسود، او، وهو يدخن خلسة عند تمثاله، اما اللوحة المنشورة على الصفحة الاولى، فنراه يقف عند شباك شقة روسية نموذجية جدا وشعره مشعّث وهو ينظر بحزن الى جهة اليسار . لوحات انجيلا مرسومة باسلوب يذكّرنا برسومات الاطفال التي غالبا ما نراها في المعارض الفنية . انها لوحات ذات واقعية مباشرة بغض النظر عن تناسق عناصرها، وتحمل كل سمات الفن التشكيلي البدائي (الفطري) وقواعده المتنافرة جدا ومبالغاته الملوّنة الرائعة الجمال وانطلاقات الخيال التي لا تخضع لمنطق الاشياء، وتتناسب تلك اللوحات طبعا مع رشاقة الصحيفة فعلا، وتعكس – بلا شك – المزاج الروسي العام تجاه شاعرهم بوشكين، الذي يتقبله الروس باعتباره رفيقا دائميا - بالسراء والضراء - في مسيرة حياتهم اليومية، بما فيها من مرح وحزن .

تمتعت جدا وانا اتأمّل هذه اللوحات البوشكينة، وتذكرت طبعا، موقع بوشكين (الثانوي!) في حياتنا الثقافية العربية، و تذكرت ايضا، كيف دردشنا مرة في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد عن ذلك، بعد ان اطلعنا على حوار مع عبد الوهاب البياتي في احدى الدوريات، والذي قال البياتي فيه ما معناه، ان بوشكين عند الروس مثل المتنبي عند العرب . كان النقاش اولا، هل كان البياتي يعرف ابداع بوشكين فعلا؟ ووصلنا الى قناعة، ان البياتي لم يكن يعرف ذلك، رغم انه عاش في موسكو عدة سنوات (ولا مجال للحديث هنا عن هذا الواقع المؤلم)، وتناقشنا ثانيا، هل ان اهمية بوشكين عند الروس هي فعلا مثل اهمية المتنبي عند العرب ؟ ووصلنا الى قناعة تقول، انهما يختلفان من حيث الاهمية لشعبيهما، فنحن العرب نبحث عند المتنبي عن الحكمة الانسانية الخالدة، اما الروس، فانهم لا يبحثون عند بوشكين عن الحكمة، وانما عن لغتهم الروسية المعاصرة، اذ ان بوشكين (الذي عاش 38 سنة فقط) هو احد الذين صاغوا هذه اللغة، التي يتحدث بها الروس اليوم، ويكفي الاشارة هنا الى ان (قاموس لغة بوشكين) يتضمن مفردات روسية اكثر بكثير من المفردات التي يضمها (قاموس لغة تولستوي)، صاحب الرقم الاول في عدد مؤلفاته، اذ ان مؤلفات تولستوي الكاملة تبلغ التسعين، علما ان تولستوي عاش اكثر من سبعين سنة بعد وفاة بوشكين، وليس من باب الصدفة ابدا، ان روسيا اعلنت يوم اللغة الروسية في عيد ميلاد بوشكين بالذات كما أشرنا في بداية هذه المقالة .

تحية من القلب الى بوشكين، استاذ السهل الممتنع العميق، والذي تحتفل بلاده بمرور 222 سنة على ميلاده، وشكرا جزيلا للفنانة التشكيلية انجيلا جيريخ، التي أتحفتنا بلوحاتها المدهشة الجمال عن بوشكين وهو يقف بيننا، وشكرا لجريدة (مترو)، التي احتفلت باسلوبها المتميّز بعيد ميلاد بوشكين، والتي أشارت، الى ان بوشكين سيكون سعيدا بهذه اللوحات المرحة والضاحكة، لان بوشكين نفسه كان يعشق المرح والضحك.

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

نايف عبوشالشعر الشعبي، هو ذلك النمط من الشعر الذي ينظم باللهجة العامية المحكية المتداولة بين الناس منطقة معينة، حيث يستلهم الشاعر مفردات كلماته ومعانيها، مِن واقع الحياة الشعبية اليومية العامة لمجتمعه ، التي اعتاد أن يعيش تفاصيلها، ويتفاعل وجدانيا معها، بدلاً من استخدام اللغة العربية الفصحى في النظم .

ولأن الشعر الشعبي،في بنيته ، يزخر بتوظيف المفردة الشعبية في محكياتها اليومية، بماهو تعبير عن حركة الحياة اليومية، وحيث ان الشاعر الشعبي وهو يتحدث باللهجة العامية للقوم من سكان منطقته، أو بلده، ويقرض نظمه بها، بدلاً من الفصحى ، معبرا بذلك عن لسان حالهم، وأسلوب حياتهم اليومية باللهجة العامية المتداولة، كبديل عن اللغة العربية الفصحى، فإنه يمتاز بالتلقائية، والسلاسة، في النظم وقوّة التأثير في الوسط المتلقي، لاسيما وان الشعراء الشعبيين المبدعين الذي اعتادوا نظمه، إنما يُعبّرون عن حقيقة الحياة وطبيعتها، وجمالها، وبساطتها، بكامل وجدانية حسهم المرهف، وفي لحظة انثيال النظم .

والشعر الشعبي بصفته من الفنون الأدبية الشعبية، شاع في الاستخدام ، شعرا عموديا كان، أم زهيريا أم عتابة، أم نايلا،بسبب سهولة مخاطبته عامّة الناس، ومن خلال جنوحه نحو استخدام اللغة العربية في لهجاتها العاميّة، حيث حظي بهذا المنحى، بقبول واسع بين جمهور المتلقين، فاحتل مكانة خاصة، بين أنواع الشعر الأخرى، لاسيما وأنه لا يعدم استخدام قواعد، وأصول الشعر العربي الفصيح، في النظم.

وقد امتاز بعض الشعراء الشعبيين المبدعين ،بقدرتهم العالية على نظم الشعر(العمودي، والشعبي) معا، بتلقائية سلسة، وانسيابية رشيقة،وحس مرهف، وبتناص مدهش، في دس بعض المفردات الفصحى،حيث مكنتهم موهبتهم الفطرية، من استنبات مرموزاتهم الشعرية المتنوعة،في قريضهم الشعري في العتابة،والزهيري،والقصيد، من خلال اقتدارهم العجيب على التقاط المفردات التراثية الشعبية الدارجة ، ومهاراتهم العالية في توظيفها بكل دلالاتها، الايحائية، وتجلياتها المتدفقة ، في نصوصهم الإبداعية ببلاغة عالية، تستفز وجدان المتلقين من اصحاب الذوق الرفيع من الجمهور ،وتشدهم للتفاعل الذوقي الحي مع تلك المفردات، بوجدانية عالية.

ويأتي الشاعر المبدع أحمد علي السالم ابو كوثر، في مقدمة أبرز الشعراء المعاصرين في ديرة ريف جنوب الموصل، الذين أبدعوا نصوصا شعرية رائعة ،في الفصحى والعامية، على حد سواء ، والتي حظيت بتفاعل وقبول واسع في التلقي، والتداول بين مختلف أوساط الجمهور في عموم الديرة .

ولعل بإمكان المتلقي ان يتلمس، على سبيل المثال،اقتدار الشاعر أبو كوثر العالي، في توظيفه الخلاق، للمفردة التراثية (مساريب)، في نظمه الشعر بالعامية، لتعطي معاني راقية من مراداته، من وراء توظيفه المبدع، والبليغ لها في نص هذه العتابة، ناهيك عن رهافة حسه:

افراگك فاج بكبودي مـــــــساريب

اودمعي فوگ وجناتي مــــساريب

إرحلوا واسأل على حيهم مساريب

ٱلگـطا والطير لــــــو حـام ٱلضحى...

وهكذا يلاحظ أن الشعر الشعبي، قد أخذ ينتعش لسهولة نظمه، وسرعة هضم وتمثل مضمونه، وبات اليوم،يحتل مكانة متميزة في النظم، والإلقاء، و التلقي، في الوسط الشعبي العام، ويحظى بقبول، وتداول واسع، في المجالس، والامسيات الأدبية.

 

نايف عبوش

 

يسري عبد الغنيالدميري كمال الدين، صاحب كتاب (حياة الحيوان الكبرى) ـ والذي يقع في جزأين بكل منهما نحو أربعمائة صفحة , حيث طبع في القاهرة سنة 1353 هـ، وعلى هامشه كتاب (عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات) للإمام العالم / زكريا بن محمد بن محمود القزويني .

 وقد عالج الدميري موضوع حياة الحيوان بالطريقة التي جرى عليها أغلب العلماء المسلمين من حيث ترتيب أسمائها حسب الحروف الهجاء، مبتدئاً بحرف الهمزة حيث تكلم عن الأسد ذاكراً أشهر أسمائه باللغة العربية، معقباً بوصف طباعه وهيئته، مؤيداً حديثه بما ورد عن الأسد من أحاديث شريفة وأشعار، ثم يأتي على ما ذكر من فوائد طبية إن وجدت، ثم يذكر الإبل فالإنسان فالأخطب والأخيل، والأربد والأرنب، والأنكليس والأوز، وهكذا ...

 ويستطرد الدميري أحياناً قائلاً أن الحديث ذو شجون، ويذكر ما يسميه فائدة أجنبية، لعله يريد أنها بعيدة عن موضوع الكتاب، ثم يستأنف حديثه عن الحيوان منتقلاً إلى الحرف التالي من حروف الهجاء، فذكر في حرف الباء عشرات من الحيوانات، من أمثال : البازي، والبازل، والباقعة، والبجع، والبرغوث، والبط، والبعوض، والبعير، والبغل، والبقر، والبلشون، والبوم .

 وعلى هذا النحو عالج الدميري مئات من أنواع الحيوان، ويختتم الجزء الأول بانتهاء أسماء الحيوانات التي تبدأ بحرف الراء، ثم يبدأ الجزء الثاني بالحيوانات التي تبدأ بحرف الزاي، وينتهي بحيوانات حرف الياء، من : يلمور، ويحمور، ويحموم، ويراعة، ويربوع، ويعقور، ويعسوب، وغيرها ....

 ويلاحظ أن الدميري كثيراً ما يستشهد بآراء من سبقوه من العلماء المسلمين كالجاحظ، وابن سيده اللغوي الضرير، والقزويني الرحالة صاحب عجائب المخلوقات، أو غيرهم مثل أرسطو .

 ونلاحظ أنه يعنى بجمع وذكر الشواهد الأدبية بالإضافة إلى الأحكام الشرعية، فهذا أكله حلال، وذلك أكله حرام، كما أنه يحلي كتابه بالنوادر اللطيفة والحكايات الظريفة، وتعليل رؤية هذا الحيوان، أو ذاك في المنام، وأحياناً يذكر ما يسميه الخواص، وهي غالباً فوائد طبية أو نفسية .

 نقول : إذا كانت طريقة التأليف عند الدميري تتسم بالمعجمية والموسوعية، فقد جمعت بين الطائر والسمك، والحشرات والزواحف في فصل واحد، كما جمعت بين مادة العلم الطبيعي من وصف للحيوان وسلوكه ومواطنه، وبين ما روي فيه من شعر وأدب ونوادر وملح، مما جعل قراءة كتاب الدميري محببة إلى نفس القارئ بوجه عام، إلى جانب ما فيها من نفع علمي محقق .

 ومن الذين بحثوا في كتاب حياة الحيوان الكبرى للدميري، العلامة / دي سوموجي الذي كرس له عدة أبحاث مهمة، نذكر منها : ـ

1 ـ "دليل مصادر حياة الحيوان للدميري "، نشر في المجلة الأسيوية، المجلد الصادر في سنة 1928 م، من صفحة 5 إلى صفحة 128 .

2 ـ "مكانة الدميري في الأدب العربي "، نشر في مجلة فينا النمساوية لمعرفة الشرق، والصادرة سنة 1960 م، في الصفحات من 192 إلى 206 .

3 ـ "الجاحظ والدميري "، نشر في حوليات الجمعية الشرقية في جامعة ليدر، في الجزء الأول منها، الصادر سنة 1958 ـ 1959 م، في الصفحات من 55 إلى 60 .

أبحاث في الطب البيطري :

 اهتم أهل الاستشراق بما كتبه العلماء المسلمين عن الحيوان والبيطرة , وتناولوا جهودهم في هذا المجال بالبحث والتمحيص والدراسة، ومن أبحاثهم في هذا المجال بالإضافة إلى ما ذكرنا في السطور السالفة : ـ

1 ـ الدراسة التي قام بها العلامة / همر بورجشتال، عن الجمال العربية، والتي نشرت في العاصمة النمساوية فينا، سنة 1854 م .

2 ـ الدراسة التي قام بها الباحث / و . فريبتر عن بيطرة الجمال عند العرب في العصور الوسيطة , والتي نشرت عام 1934 م .

3 ـ الدراسات التي قام بها الباحث / د. مولر في مجال البيزرة أي تربية الصقور العربية في العصور الوسطى، والتي نشرت في برلين الألمانية، سنة 1965 م .

 

بقلم/د.يسري عبد الغني

 

عادل خلف عبدالعزيزترددت كثيرا قبل الشروع في كتابة هذا المقال، لكن هي إرادة الله التي حركت داخلي روح المفكر المستنير الذي يحب الخير لبلده ووطنه ويتمني أن تنهض أمته من عثرتها وتعود كما، كانت خير أمة أخرجت للناس.

اشعر بضيق وأشعر بغصة، من واقع مأزوم يجر أذيال الخزي والعار_الا ما رحم ربي_ بل وطفح الكيل، لذا أمسكت قلمي وكتبت.

أيام نحسات لم نرها من قبل علي كافة المستويات،العلمية ، الثقافية ، الفنية، الإقتصادية، السياسية، الإعلامية بكل منصاتها.

كذلك علي المستويات الأخلاقية، الاجتماعية.

فنجد علي سبيل المثال في الناحية العلمية فساد ومحسوبية ورشاوي، وغش وتسريب للامتحانات. وإسناد الأمر الي غير أهله ،وهذا هو الخطر الجسيم ونذير الشؤم الذين ينذر بهلاك أي أمة.

فإذا نسب الأمر إلي غير أهله فانتظروا الساعة فلماذا لا يتولي التعليم وإدارته رجالات من أهله،تهتم بمشاكل التعليم التي طرحتها في مقال سابق.

غياب الضمير الجمعي بمعني لابد أن تكون هناك يقظة ضمير جمعي عند الكل والكل يخاف علي مصلحة الكل.

غياب المحاسبة والمسؤولية وانتشار هذه العبارة البليدة التي عندما اسمعها اشعر بالغثيان (معلش ما كانش قصده).

يا سادة هذه العبارة تفتح بابا لللامبالاة لأن من أمن العقاب أساء الأدب.

فلابد بالضرب بيد من حديد علي كل مسيئ ومخطئ.

وفي مجال الإعلام، في البرامج التليفزيونية ما قيمة هذه البرامج التافهة التي قدمت في رمضان والتي تقدم في غير رمضان،  لاتعلم فضيلة ، وانما ملهاة عبثية.

ما قيمة هؤلاء الشرذمة الذين يظهرون في هذه البرامج هل من المعقول في دولة بحجم مصر، رمانة ميزان الأمة العربية، أن يكون واجهتها هؤلاء _لا أتحدث عن الجميع وانما حديثي عن الرويبضة.

يامن تحملت مسؤولية الإعلام كن علي قدر المسؤولية ومارس مهامك التي وكلت إليك ،ولاتخش علي الكرسي.

يا من تتجاهلون مقالات المفكرين الحقيقيين من العلماء والأدباء وأهل الفكر الصائب ، وتضربون بها عرض الحائط ،

مقالات تعالج مشكلات حقيقية، الغرض من طرحها تشخيص الداء من أجل أن نصل الي دواء ناجح يخرجنا من كبوتنا.

لماذا تتجاهلونها ألأن أصحابها نكرة مثلا _راجعوا مؤلفات هؤلاء العلمية، راجعوا دواوين الشعراء، أدب الأدباء، راجعوا فنون التشكيليين الحقيقيين.

ألأن هؤلاء لا يحبون الوساطة والمحسوبية، ألأن هؤلاء يحبون وطنهم حبا حقيقيا.

ويكون الإهتمام بالفنان الفلاني والفنان العلاني_ والله لو من أهل الفن الراقي ما حزنا وما شعرنا بمرارة وغصة وضيق في الصدور_ لكن تتصدر صورهم شبه العارية واجهة المجلات وللأسف الشديد بعض الصحف المؤسسية.

والأ دهي والأمر من ذلك يكرم أمثال هؤلاء ويحصدون الجوائز التشجيعية وجوائز الدولة، والشعراء أصحاب الدواوين التي تدرس في رسائل علمية جامعية، لا يكرموا ويتجاهلوا، أي نهضة نرجوها.

وقس علي ذلك الأدباء وأساتذة الجامعات وأصحاب الفن الحقيقي.

فإذا كان المنتج الذي يقدم غث وردئ فما الذي سيحدث تدن قيمي وانحدار أخلاقي وشيوع الرزيلة والفحش في المجتمع، لماذا لانراقب وإذا غابت الرقابة أو غيبت فماذا ننتظر ننتظر الفاجعة الكبري تفشي الالفاظ القميئة، انتشار المخدرات وشيوعها، إنتشار حالات الاغتصاب والتحرش.

أليس هذا تدن قيمي وانهيار للمجتمع بعاداته وتقاليده وقيمه.

يا سادة لدينا مجلس نواب، ومجلس شيوخ ،علي ما اعتقد ، وانبثقت منهما لجان داخلية للاعلام والثقافة ولجان فنية، مارسوا دوركم فقد اعطتكم الناس أصواتها لتدافعوا عنهم ولترتقوا بهم.

اطلبوا المسؤول وحاسبوه واستجوبوه وارفعوا تقاريركم الحقيقية للقيادة السياسية التي حلفتم أمامها قسما لحماية الشعب وحماية مصالحه ، والحفاظ علي مقدراته.

أليست هويتنا الثقافية من أولي المقدرات؟!

كذلك الأمر في الأمور الدينية لابد من الاهتمام بالأئمة والخطباء ، وذلك عن طريق عقد دورات فقهية لتفقيههم في الدين، عقد دورات في اللغة العربية فقد باتت لغتهم العربية ركيكة.

يا سادة قد لا يعجب كلامي الكثيرون، لكننا نعيش واقعا نحياه ،وهذه حقائق، وهذا قليل من كثير.

لابد من تضافر كل الجهود ،لابد من الوقوف بقوة خلف صناع القرار،

فقيادتنا تحب هذا البلد فلابد أن تتضافر كل الجهود للنهوض بهذا البلد الذي يستحق الخير كله.

القيادة لا تمسك بعصا موسي السحرية،ولا يمتلكون فعل الكينونة الكاف والنون والعياذ بالله، لأن الذي يقول للشيئ كن فيكون هو مشيأ الأشياء جميعها الله تعالي.

لكن نمتلك جميعا عقلا وإرادة،وارادتنا هي التي ستقودنا الي احداث صحوة حقيقية في كل المجالات.

فلتتكاتف علي الجهود لرفعة بلدنا الحبيب.

شكرا جزيلا.

 

بقلم الأستاذ الدكتور عادل خلف عبدالعزيز

 استاذ الفلسفة الإسلامية ورئيس قسم الفلسفة بآداب حلوان.

 

عمار عبدالكريم البغدادياجد ياشهرزاد أن معيار القلوب الطيبة هو موهبتها بالتمييز بين الخير والشر، والنفوس الكبيرة وحدها القادرة على الفصل بين العلاقات الشخصية وإزدواجية القرار في ميادين الحياة وسوح العمل.

شهرزاد: في بعض الأحيان أجدك مبالغا في وصف قدرة الناس على المسامحة والإعتذار، ولأنكر وجود هؤلاء لكنهم في أزماننا هذه عرضة لإستغلال طيبتهم ألا ترى ذلك؟.

- نعم الجميع يسعد بالطيبين لا سيما حينما يكونون في موقع المسؤولية، فالطيبون أمثالهم يرددون في قرارة أنفسهم: (أخيرا نحن تحت خيمة حانية)، أمّا المتجبرون والمتكبرون والكسالى والمراؤون فهم يتناقلون خبر تعيين مدير جديد بالهمس والسخرية، ولسان حالهم يقول: (ستسير الأمور كما نريد نحن لاكما يقررالمدير).

وأرى أن أصحاب القلوب الطيبة هم المبادرون بالمسامحة في أقسى المواقف، مع قدرتهم على رد السوء بمثله، إنهم يعفون عن المسيء، ويلتمسون للمخطئ العذر، ويتجاهلون وقاحة المتكبر، ويستصغرون جهالة المتجبر، وذلك شأن عظيم لا يقدر عليه عامة الناس، فكيف يصف البعض القلوب الطيبة بأنها قلوب ضعيفة ؟.

إنْ صاحب القلب الطيب إنسان مبدع إستطاع أن يحقق إنتصارات داخلية بتغيير إطاره الفكري المبني على قاعدة (البادئ أظلم)، وإنه لذو حكمة عظيمة تتجلى بعدم انزلاقه الى ظلمات الضغينة والحقد والكراهية، تلك نفوس كبيرة إستطاعت أن تبني بين قلوبها وقساوة العدوانيين والمتجبرين جدارا منيعا يصد التشبه بهم، أو الإلتحاق بركبهم.

وقلنا أنَ الجميع يُسعَد بهم، لاسيما إنْ كانوا في موقع المسؤولية، وإن أصحاب القلوب البيضاء الطاغية أنوارها على ملامح وجوههم المبتسمة، برغم آلآلام، تجد فسحة واسعة من الأمل، وتترقب من المسؤول الطيب أن ينصفهم، ويضع حدا (للظالمين)، فهم يتحسرون على يوم لا يشعرون فيه بالغبن، هم يؤدون واجباتهم ويخلصون في أعمالهم لإرضاء ضمائرهم، وليس لينالوا رضا المسؤول القديم الذي كان لايفرق بينهم وبين الكسالى والمرائين الذين يكيلون عبارات المديح له لإرضاء كبريائه، وكان يجد سعادة بإشباع غروره كلما حقق جولة إنتصار على متكبر دونه في مستوى المسؤولية، قلبه الممتلئ بالإنتصارات الزائفة حال بينه وبين رؤية المخلصين من جهة، والمتسلقين على أكتاف الطيبين من جهة اخرى.

ويالها من سعادة تحيط بالمتجبرين الذين تخلصوا أخيرا من المتسلط الأكبر، ذلك المسؤول القديم الذي طالما سرق منهم الإحساس بالسيطرة، بل إنه كان يذكرهم بحقيقتهم المرة: (إنهم بدون أن يحققوا مجدا متهالكا بالقساوة على الطَيّب، والتعالي على الفقير، وإستغلال المخلصين مجرد فقاعة قام بفقعها هو بقساوة أشد كلما أمتلات غرورا وتكبرا)، أنهم فرحون بالمسؤول الجديد الطيب الذي لن يسلبهم عروشهم الخاوية، ولن يقارعهم على أحلام الإستبداد، هم أقرب الآن الى استغلال الرجل الأهم، ولن يجدوا صعوبة في ذلك، فهم متمرسون على الإيقاع بأصحاب القلوب الرحيمة، والمنصب لا يمثل فرقا مادام صاحبه رقيق القلب، والرقة والطيبة والرحمة كما يظنون: (ماهي إلا نقاط ضعف سيستغلونها أبشع استغلال لتعزيز نفوذهم المزعوم).

أمّا المراؤون والكسالى فهم أكثر السيئين بهجة، المرائي يعتقد أنه قادر على إرضاء المسؤول الطيب بجهد أقل، لن يفكر بعبارات جديدة في كل يوم ليكون مقنعا في ثناء المداهنة كما كان يفعل مع قاسي القلب، كل ما يحتاجه إبتسامة زائفة، وإطراء سطحي، ودعاء لا يصل الى أعلى من سقف الغرفة، بان يطيل الله بقاء الطيب سهل الإرضاء.

أمّا الكسلان فهو منتعش الآمال بنيل مزيد من النوم على مكتبه، والحصول على مزيد من إجازات التمارض والأعذار الواهية، لن يضطر الى إماتت عدد أكبر من أقاربه، فطيب القلب سينسى أنه منحه إجازة قبل إسبوع او إسبوعين بزعم وفاة جدته، وسيمنحه إجازة أطول هذه المرة، ويشعر بالرأفة لحاله أكثر، وإن تذكر عذره السابق فسيخبره بأنها جدته الثانية لأبيه والأولى كانت لإمه، بل إنه يحلم بمكافاة عاجلة، فصاحب القلب الرؤوف سيكافئ الجميع ولن ينسى أحدا.

شهرزاد: شوقتني.. لكن ماالذي سيفعله هذا المسؤول الطيب، هل سيحقق العدالة ام سيرضي الجميع ؟

في المرة المقبلة ساقص عليك بقية الحكاية وسنرى ما يفعله صاحبنا الطيب.

 

بقلم : عمار عبد الكريم البغدادي

................................

* من وحي شهريار وشهرزاد (12)

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة