صادق السامرائيمن كبار الفلكيين الذين عاشوا في زمن المأمون وكان من المقربين إليه، وقد إشتهربإتقانه الأزياح الفلكية، وأبناؤه (محمد وأحمد وحسن)، إشتهروا في علوم الرياضيات والهندسة والميكانيكا.

لم تحدد سنة ولادته، لكنه نشأ وتعلم في بغداد، ولديه محاولات في قياس مدار الأرض ومحيطها.

ومات مبكرا في زمن المأمون، وعهد إليه بأولاده الثلاثة الذين كانوا أطفالا، فرعاهم المأمون وكلف إسحاق بن إبراهيم المصعبي بالعناية بهم، فأدخلهم بيت الحكمة فترعرعوا فيه، فصار محمد عالما بالهندسة والنجوم وأحمد متعمقا بصناعة الحيل (الميكانيكا)، وحسن بالهندسة.

مؤلفاتهم:

"كتاب الحيل، كتاب مساحة الأكر، كتاب قسمة الزوايا إلى ثلاثة أقسام متساوية، كتاب الشكل المدور والمستطيل، كتاب الشكل الهندسي، كتاب حركة الفلك الأولى، وغيرها"

وقد تعاونوا فيما بينهم، مما يصعب التمييز بين أعمالهم على إنفراد، لكنهم أثروا في تطوير علوم الفلك والرياضيات والهندسة في عصرهم، وبنت أوربا علومها على علومهم.

ومن أشهر كتبهم كتاب الحيل  ويحتوي على مائة تركيب ميكانيكي، كما كتبوا في فن الآلات الروحية، كقدحي العدل والجور.

يُذكر أن موسى بن شاكر كان من قطاع الطرق ثم تاب وإنضم إلى بلاد المأمون، وإهتم بالفلك والهندسة والرياضيات وبرع بهما لكنه مات مبكرا.

وهذه الظاهرة تثير أسئلة، فهل كان موسى بن شاكر يتوسم النبوغ بأبنائه؟

وهل أن المأمون قد حدس ذلك النبوغ؟

وهل أن تنشأتهم في بيت الحكمة قد صنع منهم علماء أفذاذ؟

من الواضح أن موسى بن شاكر كان موهوبا وفي أعماقه نداء العلم الذي أثناه عن سوء السلوك، وشد إنتباه المأمون إليه فقربه ورعاه، فإنطلق ما فيه من العلم والمعارف الكامنة.

ويبدو أن أبناءه الثلاثة كانت لديهم الموهبة والأهلية العلمية الموروثة، التي وجدت الرعاية الكفيلة بإنضاجها فانطلقوا بإبداعهم الأصيل، وبتفاعل عقولهم الثلاثة قدموا للبشرية منطلقات علمية أرست دعائم التقدم الحضاري الكبير.

هذه العقول الأربعة بحاجة إلى مزيد من الدراسة والتحقيق .وإبراز إنجازاتهم العلمية الفائقة التأثير على الحياة الإنسانية.

 

د. صادق السامرائي

 

 

ضياء نافععندما التقي جارتي الروسيّة صباحا، ادردش معها دائما عن اخبار الادب والادباء، لأني أعرف، انها عاشقة للادب الروسي ومتابعة جيّدة لاحداثه، وقد سألتها في ذلك الصباح عن أخبار الذكرى المئوية الثانية (1821 – 2021) لميلاد الكاتب الروسي دستويفسكي في أوساطها، فقالت انها لا تعرف اي شئ عن ذلك، و انها أعادت قراءة رواية دستويفسكي القصيرة (المساكين) آخر مرة قبل اكثر من ثلاثين سنة، لأن هذه الرواية القصيرة (جميلة وساحرة جدا كما قالت !)، وأصبح دستويفسكي الآن بالنسبة لها شيئا من الماضي البعيد جدا جدا، وقالت وهي تضحك – لقد كنّا نتحدث عنه كثيرا أيام الاتحاد السوفيتي باعتباره (سياسيّا!!!)، كي (ننغز!!!) الحزبيين السوفييت حولنا ونستفزهم، ونذكّرهم ان دستويفسكي كان كاتبا عظيما ومبدعا متميّزا، رغم انه لم يكن ماركسيا، بل و حتى كان معاديا للماركسية أصلا، ولم يعرف الحزبيون السوفييت آنذاك كيف يجيبوننا بشأن تعليقاتنا حول فلسفته، ولا كيف يوضّحون الموقف الرسمي تجاه دستويفسكي في الاتحاد السوفيتي، أما في روسيا الحديثة بوقتنا الحاضر، فلا أحد حولي يتذكّر جريمة الشاب راسكولنيكوف حول قتله الوحشي لتلك المرأة المسنّة ولا عقابه على تلك الجريمة الرهيبة، ولا خطابات حبيبه سونيا وكلامها الاخلاقي الطويل والعريض (رغم ان القراء يعرفون من هي!!!)، ولا كل هذا الوعظ الديني المطوّل (الذي صبّه دستويفسكي على رؤوسنا !!!)، ثم أضافت جارتي بعد لحظة صمت (عندما لاحظت عدم ارتياحي لكلامها بشكل عام)، انها – مع ذلك - سترى حفيدتها اليوم وسوف تسألها حول اخبار مئويه دستويفسكي الثانية في اوساط الشباب عندهم (... و من المؤكد انها ستحكي لي شيئا - ما عن ذلك، وسأخبرك حتما بما ستقوله حفيدتي لي في المرّة القادمة) . وهكذا اتفقنا، ثم ودّعنا بعضنا البعض.

وعندما التقينا مرة اخرى، فهي التي بادرت بالكلام رأسا عن موضوع دستويفسكي، وقالت لي، ان حفيدتها أخبرتها، ان الشباب حولها نادرا ما يتحدثون عن دستويفسكي و مئويته الثانية، ولا يعودون الان لقراءة رواياته (الطويلة جدا!)، ثم أضافت جارتي، ان الروس احتفلوا فعلا (وبصدق ومن أعماق قلوبهم) بالمئوية الثانية لبوشكين عام 1999، ولكن هذه الظاهرة لا تتكرر مع المئوية الثانية لدستويفسكي، وقالت، ان حفيدتها تقرأ الان (للمرة العشرين !!!) رواية بوشكين الشعرية (يفغيني اونيغين)، وتتمتّع برشاقة تلك الرواية وذكاء صياغتها وجماليات كلماتها البسيطة العميقة وحلاوتها ومضمونها الانساني الخالد . قلت لها، ان حب بوشكين لا يتعارض مع حب دستويفسكي، وان (طعم !) دستويفسكي وبوشكين يكمن في قلوب وعقول الروس دائما، فاعترضت رأسا على استنتاجي هذا، وقالت بحزم – كلا، كلا، كلا، طعم بوشكين يختلف تماما، وبوشكين هو دائما الاقرب الى عقولنا وقلوبنا . حاولت أنا الابتعاد عن الكلام حول بوشكين (لأني أعرف، ان الكلام عن بوشكين مع الروس له بداية، لكن ليست له نهاية)، وقلت لها، ان الدولة الروسية بأسرها تتحدث عن المئوية الثانية لدستويفسكي، ويوجد حتى بيان رسمي حول ذلك بتوقيع الرئيس بوتين نفسه، فقالت، ان هذه البيانات والاعلانات لا تعني اننا سنحتفل (من كل قلوبنا !!!) بذلك الحدث، مثلما احتفلنا فعلا بالمئوية الثانية لبوشكين، فقلت لها، حتى منظمة اليونسكو دعت الى الاحتفال عالميا بهذه الذكرى، فسألتني فجأة، اذا كان هذا الشئ يجري عالميا، فهل احتفلتم انتم في العراق بالذكرى المئوية الثانية لدستويفسكي؟ كان هذا السؤال بالنسبة لي مفاجأة غير متوقعة بتاتا، ولم استطع طبعا الاجابة عن هذا السؤال رأسا، وقلت لها (من أجل كسب الوقت للتفكير!!!)، ان الوضع في العراق خاص جدا وفي غاية التعقيد، ولا يسمح بمثل هذه النشاطات الفكرية في الوقت الحاضر، فأجابتني بسؤال آخر قائلة، وهل تعتقد ان الوضع في روسيا ليس خاصا جدا وفي غاية التعقيد، وانه يسمح بذلك، (كررت هذه الجملة وهي تحاول ان تلفظها مثلما لفظتها انا وبنفس اللكنة تهكّما طبعا !!!)، قلت لها وأنا احاول – وبصعوبة - ان أكتم ضحكي، باني أعرف طبعا صعوبات ومشاكل الحياة عندكم، ولكن مهما يكن الوضع في روسيا، فلا يمكن مقارنته ابدا بالوضع الصعب جدا في العراق، فقالت، ولكنك ذكرت لي مرة، انكم احتفلتم في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد بالذكرى المئوية الثانية لبوشكين عام 1999، فلماذا لا يحتفل قسم اللغة الروسية عندكم بالذكرى المئوية الثانية لميلاد دستويفسكي ؟ قلت لها، انني بعيد الان عن هذا القسم (الحبيب الى قلبي لاني عملت فيه اكثر من ثلاثين سنة)، وبالتالي لا استطيع الاجابة عن سؤالك، و مع ذلك يمكن لي طبعا ان اطرح هذا السؤال عليهم الان، ولكني، يا جارتي العزيزة، أردت ان اعرف منك كيف يتقبّل الناس في روسيا هذه المناسبة، ورغم انك لم تجيبي عن سؤالي بشكل مباشر ودقيق، الا انك – مع ذلك - رسمت لي صورة واضحة بما فيها الكفاية عن هذا الموضوع، فضحكت جارتي، وقالت - لقد اخبرتك بالحقيقة كما أراها أمامي وكما أعرفها فعلا وكما أتحسّسها، اذ انتهى في روسيا - ومنذ زمان بعيد - عصر اطلاق الكلمات الطنانة والرنانة، وعصر صياغة الشعارات من تلك الكلمات.

 

أ. د. ضياء نافع 

 

 

صادق السامرائيشاعرٌ نادى حشود الزمنِ، كيفَ أحْيا في حَميمِ الفِتنِ، فاسْتغاثَ الجرحً فيها، من وحوش الحَجَرِ، يصنعُ الأمواتَ جندٌ، من فصيلِ الخَطر، والظلام صار نورا، والحياة دون ضوءٍ، فاسْكبِ الأحلامَ فيضا، كيف تنسى، ثم تدري، مثل موتٍ، جاء يسعى، نحو قومٍ بلباس القدر...!

ألف أنتَ في بقاعٍ تتهاوى، غادرت مجد العصور، يدفعوه، يضربوه، يأمروه، ثم يعدو، قلبه قلبٌ الطريد، روحه روح الوعيد، أطلقوا النار عليه، إصرخوا أنتَ القتيل، إستحموا بالدماء، إستعينوا بالغباء ...

أغفلوا كل نداء، أغضبوا ربَّ السماء، ثم طوفوا بين أبناء العناء، مثل شيخٍ يتمادى بالرياء، مثل جمع يتبارى بالشقاء، هذه الأموات من طقس النقاء، مأزقا صار الصباح، في مسارات التماحي والهلاك، أطفئوا الأنوار وامشوا بالعماء، هكذا يعني القضاء...!

لا رجاء، لا رجاء، إنه الوعد يحين، فتعال يا نديم الويل، قد جاء النداء...، قلتها أنت بصوت الإنتهاء، أخذوك ذات ليلٍ، لا يريدوا مَن ينادي، بكلام الحب شيئا أو يزيد، دينهم دين الدماء، نهجهم نهج البلاء، يستلذون قتيلا يجعل النورَ وباءً، يتباهون كوحشٍ بقتال الأنبياء، مثل شيطان المآسي، إشربوا الشر بكأس، من جلود وجماجم، إستبيحوا الحي ليلا، إحملوا السوء كدين، ثم صولوا في جموع الخائفين، أيها الذئب الأمين، تأكل الحمل الحزين، وتغني بعواءٍ فوق أشلاء الجنين...!

تبحث الأيام عن بعض الحنين، تسأل الأقمار عن معنى الأنين، مثل حفار القبور في بطون الجائعين، والحياة دمعة تشكو الحزين، والنساء كسبايا الغائبين، وزِّعوا حلوى التداعي، واحصدوا زرع الهوان، واقلقوا عش المساء، يستعين الليل بالصبح الضنين...!

بشر فيها يساوي بعض شيءٍ، بين أنياب السنين، لا حياة، بل تعازي وانطلاق نحو جزارٍ مَكين، كل عشقٍ يستحم بدماء العاشقين، يتعاطى الحب خمرا بأكف الضائعين، تلك أحلام الحياة محض طين، إن أصوات الجموع لا تدين، فجَّرَ المسعور أفعال الضغين، أطلقَ السجان أوجاع السجين، وبنى المحذور بيتا، فوق أشلاء البنات والبنين، طير شر دام خفاقا ويعلو، طير حب يستغيث، يأكل الصبح لحوم البائسين، للغراب كل يوم بين أجفان الرصيف، جثثا كم يشتهيها طائر الجرم المبين...!

يصنع الجور عجيبا، صار للموت جنودا، وجموعا تتبارى كالرهين، تتربى فوق آهات الضحايا، تحتسي خمر المنايا، لذةٌ تنمو وتغدو قوةً، يدمن القتّال في أفعالها، أخرجوا نحو القبور، أنثروا الخوف بكونٍ، أدفنوا كل مفيد، إزرعوا سمّ الأفاعي، في صدور الحائرين، أطعموا الناس جراحا، إسكبوا زيت التلاحي فوق أهوال الصراع، إفعلوا كل المعاصي، ألبسوها ثوب خيرٍ، إرفعوها لسماء مالها فيها رجاء، كيف عاشت أمنيات مثل ريح في هياج العاصفات، قالت الأحزان تبكي، ظالم هذا البشر، جاهل هذا البشر، قد طغى فيها فساد المبتكر، فتعالى يا نداء الجائرين...!

أين أنت، تحت أقدام الشجر، قرب ساق، ترتدي بعض الثرى، قرب نجم، بين أكوام الورى، تشرب الماء رمالا، تحتسي الآلام نارا، كيف للقلب يجوع لضياء، وشراب من رحيق المنتهى، كيف للروح يكون مثل طير في براثين الأذى، يأكل الطير طيورا، يقتل الإنسان أحلام أخيه، يشتهي الإنسان أسماك الظنون، والترائي والنفاق في بحيرات الجنون، ويسير كملاكٍ بين جمع الغافلين، نحو حتف في مدارات الكدر، برر البهتان شأوا، شائنا دوما ويبغي ما نظر، يسكب الخير بكهفٍ، من عظام الذاهبين، كأسه قحف الرؤوس، عندما صاد البشر، يتنادى نحو همٍّ من ترابٍ، فيه بغضاء المعاصي، وعناء المحتضر.

هكذا يبدو بباء، غير ما يدعو السفر، فنداء الأرض قتال البشر، ووحوش الكون تستعدي البشر، إنه الخوف الرهيب، يفعل الفعل الغريب، كوكب تاه بكون رعبه رعب عجيب، في متاهات الخدر وصراخات الخليق بين أشلاء الرنين...!

أنت صوت هز أعماق الوتر، أنت قطر ذاب في جسم الشجر، أنت أحلام تنامت بين حبات المطر، أنت سيل من عروش الفيض يجري مثل شلال القدر، أنت محمول بقلب، من ضياء الكون، من نسل الظفر، أنت بحر فيه أحياء تنادي يا إلهي لسجين الماء لا يحلو المفر، أنت معجون بلحمٍ، أنت منثور بريح، أنت في خمر الوجود، فوق أكوان السهر، أنتَ سلاف الرحيق، أنت جذر يمنح الأشجار روحا، يطعم الأوراق أنقى ما تريد من غذاء، ثم تربو لسموق تشتهي ضوء القمر، أنت فنجان الأماني، أنت أوهام الرجاء، أنت صرْخات الأمل، سوف تبقى كضياء، ظلمة فاقت سوادا إستعر، قرب قلب الواعدين...!

قاتلٌ دون التراب عاش مهموما يعاني، من عذابٍ هزّ أهوال الجحيم، حينما أردى وجودا لا يموت، قاتلٌ مقتولُ قتلٍ، غادر محكوم غدر، جائر في بؤس جور، جاهل يزهو بسوءٍ، ومضى يرثي زمانا، ووجودا بين أقدام الضمير، يحسب الموت حياة، والحياة مثل جرم أو تزيد، يشتهي نار السعير، يرتضي قتلا عنيفا، كيف ينجو من عذاب فاق أوجاع العذاب، قد تخطاه بجرح ينزف الروح صديدا، ويئن مثل مطعون الحنايا، والهواء كل ما يدري يريد، ذلك الكف يلوم، إصبعا يبكي لجرمٍ، كيف صار الكف حفار الوعيد، كيف صار الجسم قبرا لنفوس القاتلين، صرت مسجونا بجسم وتنادي من يعين، إنها حمراء تأتي، أنت مسجور بذات، والسجير أنت فيها، واللهيب والدخان، والرماد لن يكون، بل سعيرا سوف يبقى يتولاه السعير، مثل أحطاب الضياع في نواعير الوطين...!

إنها حمى الضلال ومسيئات النفوس، تأمر الذات بقبحٍ، تشتهي طعم الحقير، تركب الأشجان تمضي بين قطعان الغدير، فترى فيها عديدا من جنون البطش، يحدوها النذير، صرت عبئا، صرت مأكولا، بين أسنان الضحايا، فالوحوش لا تجاري، بل تراها في صراع السابغين، يا حبيب الإنتهاء، وملاذ الإبتداء، وصراط الإعتلاء، ومدير الفيض في كون الضياء، أنت لا تسعى إليها، إنها جاءت كطيف إرتأت فيك مناها، ثم غابت، ذلك الوحش يراها، قد سعت نحو عُلاها، ما لها ميناء حبٍ، ما لها في البحر شأن، قد تدانت من عيون الوجد أو فوق ثراها، فاستفاقت من ثقيلات السنين...!

أين أنت، حالمٌ قبل الصباح، بليالٍ من نجوم باكياتٍ في مدارات الخراب، نورها دمع هطيل، لونها لون الأماني، في مكان من مياه وطوابير احتضارٍ، يشتهيها النفط في غار الوقيد، يشرب الأجسام عنفٌ، ينفث الأوجاع بترولا ونارا، إن جوف الأرض بئر يبلع الناس ويلقي، من عصير الحشد أنواع الوقود، نحن نفط وتراب، وبنا الأرض تدور، دون نفط لا تدور، وبقتل ستدور في مدارات الثبور، نستعين في خطانا بالمعاني والنذور، وإذا سفك الدماء مثل قربان السرور، كلنا وهمٌ يطوف في حجيرات الجهول، علمنا علم قليل، جهلنا جهل وفير، رأينا رأي صغير، مالنا بد ولكن سوف نمضي، والجراح مثل أبواب الجحيم، والدماء لونها لون المياه، والسماء ما بدت فيها نجوم، أشقت الأحقاد أطياف الوفاء، فامطري أجساد خلقٍ، ماء روح، فوق صخر اللاهبات بسخاء، غابت الأشياء في جحر التناهي، ومضى صوت البقاء، يتغنى بعطاء الأنبياء، أزلي، أبدي، رغم أوجاع البرايا، سوف يبقى، شعلة فيها رجاء، من دموع الراحلين...!

هكذا أنت وأنت راحلٌ، فامسك النار بكف الزمن...!

أطردوا أهل الأماني، واصنعوا مجد الفساد، أنقذوا كل بعيد من عسيرات الولاء، قطرة تبقى ونهر ينضب، بعضها يطغى وكل يقهر، يا صخور الإمتثال، وحديد الإبتذال، ومتاريس الجحود، في دروب الإعتزال، والنجوم دون ضوءٍ، تشتكي ليلا أليما، في مسيرات اختزال، وإذا الأوطان في الأرض افتعال، والشعوب تتردى من حميمات القتال، لا حياة بل نزال وأعاصير انفعال، هكذا الأجيال تشقى بشعارات النضال، وتهاويل المقال، وإذا الأجداث نادت، ستلبي كل هامات الفناء، وتساق لانجدال ...!

 

د-صادق السامرائي

............................

*هذه الكلمات مكتوبة بتأريخ 18\10\2006 في المكان الذي يُذكر أن الشاعر الإسباني لوركا قد قتلوه فيه، وما بين الأشجار التي يُقال ربما قد دفن قربها، وعند شجرةٍ شهدت ما فعله الجناة بصوت الحب والحرية والحياة، وقد ذكرني بها أخ عزيز وأوتار عوده تسامرنا، وطلب مني إعادة نشرها، ونشرت في حينها كقصيدة نثرية.

 

 

سوف عبيدخمس مجموعات شعرية دفعة واحدة هديّة سَنيّة فاجأني بها صديقي الشّاعر والأديب جلال المخ وقد أصدرها أخيرا دُفعة واحدة كأنه يتحدّى أزمة النشر والتوزيع وأزمة القراءة ويقول للعالم ها أنا رغم كل هذه العوائق أنشر وأواصل الحضور وهذه الدواوين الخمسة الأخيرة هي:

ـ اُكتب ما أنا بكاتب

ـ كان ما كاد يكون

ـ من سفر التكوين

ـ البارحة بتّ بلا قصيد

ـ جراحي تسمع صوتي

 tجلال المخ يُعتبر من أغزر الأدباء التونسيين إنتاجًا إذ في رصيده أكثر من ثلاثين عنوانا شعرًا وقصةً ودراساتٍ وترجمةً باللغتين العربية والفرنسية وبهذه المناسبة أتساءل أين المتابعة الإعلامية وأين الدّراسات النقدية في الصحف والمجلات وأين الأطروحات الجامعية في مختلف الكليات التونسية التي من المفروض أن تهتمّ بالأدب التونسي وتواكب أدباءه الذين ترسخت مسيرتهم لتقف على خصائصهم وإضافتهم ولكن مع الأسف كأن الدراسات النقدية والجامعية تدير ظهرها للأدب التونسي إلا بعض الاِستثناءات التي لا تجد متابعة ولا اِهتمامًا فكيف لا تهتم كليات الآداب المنتشرة في البلاد بآثار أدباء تونسيين أفذاذ مثل محمد العروسي المطوي ومحمد المرزوقي ومنوّر صمادح و الميداني بن صالح ومُحي الدّين خريف والطاهر الهمامي ومحمد المختار جنّات وعبد الله مالك القاسمي وغيرهم من الذين فارقونا وأتمّوا مسيرتهم الأدبية هؤلاء وغيرهم لماذا لا نجد آثارهم في دروس تلك الكليّات وأطروحاتها وبحوثها في مختلف المستويات ناهيك عن الأدباء الأحياء الذين مضوا في مسيرتهم مسافات طويلة مثل حسن نصر وعز الدين المدني و محمد الحبيب الزناد وفضيلة الشابي وجميلة الماجري ومحمد علي اليوسفي ويوسف رزوقة ونافلة ذهب ومسعودة أبو بكر ومحمد عمار شعابنية وعبد المجيد يوسف وجلال المخ وسالم اللبان ومنير الوسلاتي وغيرهم كثير ؟ الجواب بسيط فهو يتمثّل في غياب اِستراتيجية ثقافية وطنية عامة تعتمد على الاِعتزاز بإسهامات الأدباء التونسيين الذين يواجهون جبهتين كبيرتين متنفّذتين في الدّواليب الإعلامية والثقافية وفي التعليم بمختلف مستوياته فأمّا الجبهة الأولى فإنها تعتبر أن المشرق العربيّ هو الأصل الذي لا ينبغي للتونسيين أن يخرجوا عن فلكه كي يظلّوا دائما تابعين له فالأدب التونسي يعتبرونه هامشا وظلا للمشرق لا غير ...أمّا الجبهة الثانية فإنّها تعتقد أن الغرب ممثّلا في الثقافة الفرنسية يجب أن يكون هو الوجهة وهو المثل الأعلى الذي لابدّ أن يُحتذى والرّأي عندنا أنّ تونس تظل لا شرقية ولا غربية بالرّغم من أن تاريخها عرف حضارات عديدة متلاحقة والحقيقة الدّامغة أن التونسيين كان لهم دائما عبر التاريخ التميّز والإضافة في خضمّ هذه الحضارات بداية من رواية ـ الحمار الذهبي ـ لأبوليوس إلى ـ اِعترافات ـ أوغسطين في العصر الرّوماني إلى إسهامات اِبن رشيق وعلي الحصري واِبن خلدون وابن عرفة  قديما إلى تفرّد ـ تفسيرالتحرير والتنوير للشيخ ابن عاشور ـ وديوان أغاني الحياة للشابي ـ وكتاب اِمراتنا في الشريعة والمجتمع للحداد ـ ورواية السّد وفصول حدّث أبو هريرة للمسعدي  ـ ورواية الدقلة في عراجينها ـ وغيرها من الإبداعات المتميّزة.. ولكن ـ في بني عمّك رماح....وقنديل باب المنارة الذي لا يضيء إلا للغرباء....مثلما يقول المثل التونسي...

في هذه الأسلاك الشائكة تظهر الخمسة دواوين هذه التي جاءت كأنها سلسلة متشابهة الشكل واللّون والرسوم ممّا يجعلها تحفة فنّية بديعة حسنة الإخراح والتنسيق فبدأت بديوان ـ جراحي تسمع صوتي ـ التي اِستهلّها الشاعر بقصيدة ـ اِنتحار شياطين الشعر ـ فإذا القصيدة تبدو كأنها رحلة عجيبة في وادي عبقر من جرّاء اِقتفائه آثار السندباد ليخلص إلى أن الشعر الجديد المنتشر في هذا العصر لا يمتّ بصلة إلى الشعر الذي عرفته شياطين الشعر في وادي عبقر حيث يقول :

لا تنسبوا كلامكنّ إلى إلهامنا

جورا وباطلا

فنحن اِنقرضنا بعد عصور من العطاء

وهذا الزمن لم يعد زماننا

ولكن بقية القصائد في هذا الديوان أثبتت لي أن الشاعر جلال المخ نسيجُ وحده في ما قرأت له من قصائد بما فيها من شجون وجودية ضمّنها إيحاءات من مختلف الثقافات والسياقات لذلك تمنّيت أن تكون بعض الكلمات مشكولة شكلا تاما لتتيسّر قراءتُها أو عليها إحالة لشرحها على الهامش

إنّ مثل هذا الشّعر يتطلّب قارئا مُلمّا بكثير من المٌتون العربية والعالمية فليس سهلا أن تقرأ لجلال المخ....

 

سُوف عبيد

 

شاكر فريد حسنوصلتني من الصديقة القاصة والروائية ميسون أسدي، المقيمة في حيفا، روايتها الجديدة "الراعي وفاكهة النساء" الصادرة عن دار الرعاة في رام اللـه، وجسور في عمان. وقد أحسنت ميسون صنعًا في اختيار العنوان لروايتها لأن اللـه جبل في خلقها جميع أنواع الفواكه.

لا تكفي قراءة هذه الرواية مرة واحدة، بل يلزمها أكثر من مرة، ليس لصعوبة لغتها التي جاءت رصينة وبسيطة ورشيقة، بل لأن كاتبتها تمتلك من الجرأة والشجاعة ما جعلها تتناول مسائل وقضايا من الممنوعات والمحرمات، وتطرح عيوب كثيرة في مجتمعنا العربي الذي تسوده الثقافة الدونية الذكورية، وينتشر فيه النفاق والرياء المجتمعي، وإنها تنجح بملامسة الواقع، وتحريك الشخصيات كل حسب دوره.

رواية ميسون أسدي تعري مجتمعات التابوهات وتداعيات ذلك على التركيبة الاجتماعية، وتسلط الضوء على إشكالية الشرخ في الهوية والاغتراب الذي يعيشه الإنسان العربي في هذه البلاد، وتكشف علل وعقد الكبت النفسي والجنسي للتخلص منها. فتفرد مساحة لا بأس بها لتعرض لنا ما تعانيه المرأة من ممارسات قهرية تسلطية ظالمة داخل الأسرة وصولًا إلى نظرة المجتمع الدونية لها، وللأسف أن مجتمعاتنا العربية ما زالت ذكورية بامتياز، بالرغم من المحاولات الخجولة لرفع هذه التهمة. فالسلطة الأبوية الذكورية تنتقل توريثًا أو تفويضًا، وهنا مكمن الخلل والخطر.

2798 ميسون اسدي

وتكرس ميسون جزءًا من روايتها لتصور لنا الحياة الأسرية والعشائرية والدفء العائلي في المجتمع البدوي، وتطرح مسألة تعدد الزوجات وأثر ذلك على الأسرة، وتنتقد الحال الاجتماعي القائم على النفاق والتلون، وتوجه النقد أيضًا للمؤسسات والمنظمات النسوية، وتتطرق للإشكال والتناقض الذي يقع فيه أشباه المثقفين في ممارساتهم ومسلكياتهم، واستخدامهم التسويق الرخيص المبتذل في مجتمع مهزوز ومأزوم.

وتتناول ميسون في روايتها موضوع الجنس والعلاقات الجنسية والخيانات الزوجية، وهذه الموضوعات كالدين والسياسة، من التابوهات والممنوعات والمحرمات غير المتداولة في مجتمعاتنا التقليدية المحافظة. 

تدور أحداث الرواية ودور شخصياتها في مجتمعين مغايرين، في مكان واحد، وزمان واحد، في قرية بدوية ومدينة تل أبيب اليهودية، والفروق بينهما شاسعة. فممارسة الجنس في القرية مختلفة، وهي عن طريق الزواج، وممارسة الجنس خارج دائرة الزواج تختلف، فالخيانة الزوجية واردة وقائمة، بينما في المجتمع اليهودي، الحرية الجنسية موجودة ويمكن لأي فتاة في المرحلة الثانوية ممارسة الجنس مع صديقها بإرادتها، وفي العشرين من عمرها تترك بيت الأهل وتسكن أي مكان تختاره.

وتستخدم ميسون أسدي في روايتها لغة فصيحة بليغة ورشيقة مفهومة بعيدة عن التكلف والفذلكة التي تنتشر في الكثير من الأعمال الروائية، وتوفر أحداثًا متماسكة تتسم بالواقعية والمنطقية والعقلانية. ومن أهم أهداف الأدب القصصي والروائي هو عنصر الامتاع، وبرأيي أنه تحقق في الرواية بشكل واضح. 

ورغم بعض الهفوات اللغوية والنحوية، يمكن القول ان "الراعي وفاكهة النساء" رواية اجتماعية لافتة، ذات أبعاد فكرية، ناجحة بكل المقاييس النقدية، ومواضيعها جديدة لم تطرح كثيرًا في روايات فلسطينية أخرى، وتحمل أبعادًا متميزة من ناحية أسلوبها التشويقي السردي، والمضامين، والمبنى العام، والجمالية الفنية.

نحيي الصديقة الكاتبة ميسون أسدي ونبارك لها بصدور هذه الرواية الماتعة والمدهشة، ونرجو لها مزيدًا من النجاح والتألق والحضور في المشهد الروائي والقصصي الفلسطيني.

 

بقلم: شاكر فريد حسن 

 

جواد غلوماعتاد الانسان منذ أول ظهوره على هذه الارض البسيطة ان يتكئ على الحيوان عائنا له في تلبية متطلبات بقائه خاصة اذا كان هذا الحيوان بكامل عنفوانه وقوته في اول حياته، وحالما يعجز هذا الحيوان الذي يشاركنا العيش ؛ يطمع البشر في أخذ ماتبقى من عمره ليتوق البقاء في الحياة على شدة انهاكها وويلاتها في مراحل العمر الاخيرة.

ومن حكايا آبائنا وأجدادنا؛ فقد قيل لصديق الإنسان الكلبِ الوفيّ: ستحرس منازل بني البشر بأمانةٍ ووفاء دون مقابل سوى فضلة طعام يتركها لك مع وعاء ماء بجانبك، وستكون أفضل صديق للإنسان، وسنعطيك حياة طولها ثلاثون عاماً.

قال الكلب رافضا:

ثلاثون سنة كثيرة عليَّ، يكفيني فقط خمسة عشر عاما... وهكذا عمّر هذا الوفيّ خمس عشرة سنة وفق ما تمنّى.

وقيل للقرد الشبيه الأقرب للإنسان: ستتأرجح من غصن لغصن تضاهي حركات البهلوان، وتقوم بعمل الخدع لإضحاك الآخرين، وسوف تعيش حياة طولها عشرين سنة بالتمام والكمال.

قال القرد متعجبا:

عشرون سنة كثيرة، أريد فقط عشر سنوات... فتمّ تلبية طلبهِ.

وقيل للحمار عائن الانسان بحمله وثقاله:

ستعمل دون تذمّر من طلوع الشمس لمغربها وستحمل فوق ظهرك أحمالاً ثقيلة، وستأكل الشعير وما بقي من فضلات الموائد وقشور فواكه الطعام، ولن تتمتع بأي ذكاء سوى معرفة طريق الذهاب والإياب بمهارة، وستعيش حياة طولها خمسين سنة.

قال الحمار: سأكون حماراً لا أتعب من حمل كل ما يريده مالكي الانسان، ولكن خمسين سنة كثيرٌ جداً، أريد فقط عشرين سنة... فكان له ما يريد من سنيّ الحياة وفق ما رغب.

وقيل للإنسان الشّرِه الطامع بعمر الحياة مهما تفاقمت شرورها وقلّت مسرّاتها:

أنت المخلوق الأكثر ذكاءً على وجه الأرض وستستعمل ذكاءك لتجعل منك سيداً على باقي المخلوقات، وتعيش حياةً جميلة لعمارة الأرض وسوف تعيش حياة طولها عشرين سنة كلها طفولة مدللة وفتوّة وشباب يانع بلا مسؤوليات وأشغال شاقّة.

فقال الإنسان محتجّا وطامعاً بسنوات أخر:

هل سأكون إنساناً لأعيش عشرين سنة فقط ؟ ولمَ الاجحاف بي وتقصير عمري الى هذا الحدّ، هذا قليل جداً !! أريد الثلاثين سنة التي لم يرغب بها الحمار، والخمسة عشر سنة التي رفضَها الكلب، والعشر سنوات التي عزف عنها القرد.

فتمّ تلبية طلبه، وكان له ما أراد.

ومنذ ذلك الزمان والإنسان يعيش عشرين سنة كإنسان طليق وسعيد في طفولته وصباه وفتوته وقبيل زواجه.... حتى يتزوج بعدها... يعيش ثلاثين سنة كالحمار... يكدّ و يعمل من طلوع الشمس لمغربها ويحمل الأثقال على ظهره.

وعندما يكبر الأبناء يعيش خمسة عشر عاماً كالكلب؛ يحرس المنزل ويغلق الأبواب ويراقب الكهرباء ويأكل أقل الطعام أو من الفضلات التي يتركها أبناؤه بعدها؛ وعندما يشيخ ويتقاعد يعيش عشر سنوات كالقرد؛ يتنقل من بيت لبيت ومن إبن لآخر أو من بنت لأخرى ويتحيّن الفرص القليلة ليزور صديقته الوحيدة الجميلة ببدانتها المحببة العائشة بمفردها بعد ان تركها نسلها واقترنوا بعوائلهم.

 وحينما يتحلق نسل أولاده حوله تراه يعمل الخدع ويسرد الحكايات لإضحاك أحفاده وحفيداته ويلاعبهم بعد ان تغيب عنه رفيقة العمر الى مثواها الاخير بانتظار ان يلحقها بعد فترة وجيزة.

تلك هي سيرة حياة الرجل في حياته وأولهم انا الذي اكتب هذه الحالات والظواهر التي مررت بها.

هو ذا عمري الطويل الان الذي تمنيته وقد سلبتُه من تلك الحيوانات التي تشاركني الحياة، فهي رحلت عني وودّعت هذا الشيخ العجوز الذي يكتب سيرته الذاتية في أذيال العمر الأخيرة.

 

جواد غلوم

 

 

صادق السامرائيجمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف القفطي (568 - 646) هجرية.

ولد في قفط بصعيد مصر، وتوفي في حلب، وكان جمّاعا للكتب، وهو كاتب ومؤرخ وطبيب وسياسي، وكان يُلقب بالوزير الأكرم والجامع للكتب، تولى القضاء في حلب في عهد القاهر بيبرس.

مؤلفاته: لديه قرابة ثلاثين كتابا ضاع معظمها ومنها:

" أخبار العلماء بأخبار الحكماء، إنباء الرواة عن أنباء النحاة، الدر الثمين في أخبار المتيمين، أخبار مصر، تأريخ اليمن، بقية تأريح السلجوقية، أخبار آل مرداس، أخبار المصنفين وما صنفوه، إصلاح خلل الصحاح، نهزة الخاطر في الأدب، المحمدين من الشعراء، الضاد والظاء، مشيخة تاج الدين الكندي"

ومن شعره:

"ضدان عندي قصرا همتي...وجه حيي ولسان وقاح، إن رمت أمرا خانني ذي الحيا...ومقول يطمعني بالنجاح، فأنثني في حيرة منهما...لي مخلب ماض وما من جناح، شبه جبان فر من معترك...خوفا وفي يمناه عضب الكفاح"

ومما قالته له أمه وأثر فيه كثيرا:

"ثنتان لا أرضى إنتهاكهما...عرس الخليل وجارة الجنب"

ولذلك  قصة.

الذهبي: " كان عالما متفننا، جمع من الكتب شيئا كثيرا يتجاوز الوصف وَوَزَر بحلب"

ذكرت بعض المصادر أنه كان طبيبا، ولم أعثر على إسمه في كتب تأريخ الطب العربي، ولم تّذكر له مؤلفات في الطب، وهناك بعض الإشارات إلى أنه ربما كان لديه بعض الخبرة في معالجة الجراح، ومن المعروف أن العديد من كتبه مفقودة، ولا يُعرف مصير مكتبته التي كانت عامرة بالكتب.

وهو من الأمثلة الواضحة على شغف النوابغ العرب بالمعارف وحبهم للكتب والعلوم، وقضائهم جل الوقت بين الكتب، فظاهرة الجاحظ تتكرر في مسيرة الأمة، ولا تزال قائمة ومؤثرة حتى الآن.

تحية للقفطي العربي الرمز التراثي المنير.

 

د. صادق السامرائي

 

شاكر فريد حسنأهداني الأخ الشاعر عبد الباسط إغبارية من أم الفحم مشكورًا، ديوانه "تلك السيدة، ذلك البيت"، الصادر هذا العام 2021 عن دار الرعاة في رام اللـه، وجسور ثقافية في عمان. جاء الديوان في 116 صفحة من الحجم المتوسط، بطباعة أنيقة وتصميم بديع، ويضم بين طياته مجموعة من النصوص السردية واللوحات النثرية والقصائد والومضات الشعرية والرباعيات، التي تذكرنا برباعيات الخيام، ورباعيات الشاعر المهجري إلياس فرحات، ويهديه إلى "كل من يجد في هذه النصوص حرفًا، أو كلمة، أو سطرًا أو قصائد تنوب عنه، منه وإليه".

ولا أخفي عليكم ما أن بدأت بقراءة نصوص هذا الديوان لم أتركه حتى فرغت منه بجلسة واحدة، فقد لمست شفافية الكلمة ونقاء الحرف وصدق الإحساس والجمالية التعبيرية والفنية. ولعلني اتفق بما قاله الاديب المغربي محمد بنميلود في التقدمة: "الورق مشتل والشاعر فلاح. بعد عرق وكد تزهر القصائد وتثمر، كذلك هي قصائد اغبارية التي تعرش مكانها بهدوء ورصانة في الشعرية العربية الحديثة، وهل من سر وراء ذلك سوى خصوبة اللغة الأنثى أمام معول الشاعر، اللغة المرأة والأرض المرأة، الحب الذي لولاه لظل كل شيء قاحلًا: أنا منذ صار قلبي قابلا كل صورة شسّعته المحبة بأكثر من سؤال.. من سحنتك أتهجأ فصول أميّتي وأنا كاتبك المفهوم بشتى اللغات.. إنه الشعر الذي حين يتحول إلى خفقات قلب ينتصر رغم الغيوم الداكنة والفيضان الذي تراه يهطل الآن باردًا على المخيمات والمنافي".

وخلال جولة في نصوص الديوان نستشف إعجاب بشعرية مبدعة، مرتبطة وملتصقة بالمكان الفلسطيني والفحماوي، اشتغلت على نصوصها بدأب وجهد عميقين، تميزت بإيقاعها وصوتها العالي تجاه الحياة، مشحونًا بإيقاعات تصحبها استعارات لغوية متفجرة، وتأخذ من معين يحفظ للإبداع النثري والشعري السردي سبكه ونسجه، وأخيلته، وإيقاعه، وصفاء ديباجته. وتمضي كتاباته في دائريتين متداخلتين، الدائرة الأولى الحس الوطني والطبقي، والدائرة الثانية الحنين للماضي والتعلق بالمكان، حيث يكثر من ذكر الأمكنة في نصوصه الإبداعية، الي يتغنى من خلالها بالوطن والتراب الفلسطيني والإنسان والتاريخ والجغرافيا، وسنابل القمح، ويتوق للماضي الجميل، وتضاريس الطفولة العالية، وذكريات الصبا والشباب، وصيد ديوك السمن والطيور، والتجوال في الروابي الخضراء بين أشجار السريس والبطم والزرد.

ويظهر المكان واضحًا في نصوص الديوان، حيث تتعمق هوية عبد الباسط التاريخية الكنعانية الفلسطينية، ومن خلالها يترسخ انتماءه للأرض الطيبة والوطن الغالي وارصفة مدينته أم الفحم، واستحضار قرى الوطن المهجرة والمدمرة التي لم يبقَ منها سوى أطلالها، ولنقرأ هذه القصيدة التي استوحاها من زيارة برفقة الأستاذ أحمد محمود إغبارية لقريتي "صبارين" و"أم الشوف" الفلسطينيتين المهجرتين، حيث يقول:

تقول الأساطير إنّ

المطر كان يُفرح أجدادنا الفلّاحينَ

المحاشرينَ الأفقَ على ما خلف الأفق،

أصحاب الأرض بدلالة أعينهم النازيّة المُنتزّعةِ من سحنات

الصقور والذئاب البريّة.

وإنهّم كانوا يغافلون الغيماتِ وينسلّون الى مهاجع الشموس

يخصبونها ويغمّرون منها حزم الأشعة ليحيكوا منها أسمار

الليل وأقواس قزح.

هذا المطر المتنشّق رهبة الأعالي

الصاعد من أعلى سماء إلى أطهر أرض،

يرتدّ حائرًا يبكي...

من يتعمّد متوضئًا بأعنابه الآن في "صبارين" و "أم الشوف"،

من...؟

أم تراه يهطل الآن باردًا على المخيّمات والمنافي..؟

مطرُ المنافي والمخيّمات بارد حتّى اللحد!

بارد حتّى اللحد!

والتركيز على المكان في نصوصه واشعاره يعطيه عمقًا وغزارة، وخصوبة انتمائية وطنية تتوسع من دائرة الانتماء في عمق الإنسان، خصوصًا الفلسطيني، وتقوي من أبنية الوعي الانتمائي لديه، وتشحذ في داخله مشاعر الوطنية، والعشق الصوفي الوجداني الذي يكشف العلاقة الاتحادية بينهما. واعترف لكم بأنني عشت مع كل نص من نصوص الديوان وسردياته الجميلة، ورحت أتساءل بيني وبين نفسي: من هو كاتب هذه النصوص هل هو عبد الباسط أم أنا عبدكم الفقير.؟! وهل استغفلني يراعي وتسلل وراء ظهري وراح يعانق آلهة الإبداع عند شاعرنا الجميل عبد الباسط إغبارية الذي كنت قرأت أول كتاباته في مجلة "الشراع" التي كانت تصدر في الأراضي المحتلة في الثمانينات من القرن الماضي، فقد تقاطعت الأحداث والمشاعر والمشاهد والذكريات ودروب الآلام في هذه اللوحات الماتعة والنصوص السردية الخلابة، مع الألوان والمواقف والتواريخ، إذ أنني مررت بشوارع وأرصفة وازقة أم الفحم وأعرف حاراتها وطلعة الميدان، كما وأعرف صبارين وأم الشوف التي شربت الماء من عينها.

وتكمن براعة عبد الباسط وتميزه من خلال امساكه باللغة وتوظيفه لها توظيفًا بارعًا يبرز من حلال جماليات نصوصه وقصيدته، بما فيها المكان. والتوحد بين اللغة وصدق الشعور والإحساس هو من شروط العمل الأدبي الناجح، واللغة هدف يرمي إليه، وينتقي منها ما هو جدير بإبداع مضامينه، ويرتاح له الذهن، وتدركه النفس. فلغته الشعرية تبتعد بالمفردات عن معانيها المعجمية إلى الإيحاء وابتداع العلائق والوشائج بين الإنسان والمكان.

ويمكن القول، أن ديوان عبد الباسط إغبارية يشكل إضافة نوعية للشعرية الفلسطينية والمشهد الأدبي الراهن، حيث أن نصوصه المتضمنة فيه تكشف عن نضج وعمق شعري في كتابة القصيدة النثرية السردية والشعرية، سواء على مستوى الشكل الذي اختاره بوعي كبير، من ناحية لغته الإيحائية الشفيفة، ومعجمه ذو الدلالات المنفتحة، ورموزه الشعرية المكثفة، وجمله السردية المنسقة، وإيقاعاته المتنوعة، وأسلوبه الكتابي البلاغي الذي ينزع في صياغتها وتركيبها وتأليفها منزعًا شعريًا حداثيًا، من خلال توهج استعاراتها وكثرة انزياحاتها، أو من ناحية المضامين والوجدانية والوطنية والإنسانية والوصفية والمكانية والزمانية، التي عبر عنها في هذه التجربة الإبداعية بشكل متميز، التي يرتاد فيها آفاقًا فلسطينية وإنسانية واضحة، وما يميزها من وشائج عميقة تجمع بين الطاقة الإبداعية المتمثلة فيه، والقدرة الشاعرية المتوهجة التي يمتلكها، أضف إلى ذلك الرؤى الشعرية العميقة وما تطفح به من أبعاد جمالية شفيفة. إنه ديوان يستحق أكثر من قراءة تبصرية، ومتابعة نقدية، ونرجو للشاعر عبد الباسط إغبارية مزيدًا من العطاء والإبداع والتوهج الشعري وبانتظار الإصدارات القادمة، وهي بلا شك قادمة.

 

بقلم: شاكر فريد حسن 

 

ناجي ظاهريحرص الفنان الحقيقي الجدير بلقبه، على ان يقدم افضل ما لديه من ابداع، وان يُجوّد في عطائه اقصى ما يمكن له ان يفعل، مستغرقًا في عالمه الابداعي المتفرد الموشّى عادة بشيء من الغموض، كونه عالمًا خاصًا، وربما لهذا لم يُعرف الكثير من المبدعين في مجالاتهم المختلفة في حياتهم وعرفوا بعد "عمر طويل".

في هذا الاطار يقدم الفنان الروسي البارز فاسيلي كاندنسكي، في كتابه "الروحانية في الفن"، صورة للفنان المبدع، يتخيّله فيها كمن يقف في اعلى مثلث، مقسّم إلى شرائح افقية، تضيق عند القمة وتتسع عند القاعدة، وفي ذروة هذا المثلث يقف انسان واحد متفرّد، قد يطالعنا برؤية ظاهرها البهجة والتفاؤل وباطنها الحزن والاسى. هذا الانسان لا يفهمه حتى اكثر الناس تعاطفّا معه وربما وصموه بالجنون او الدجل-" بيتهوفن" مثلًا وقف في القمة وكان مغتربًا ووحيدًا طوال حياته.

ينقل كاندنسكي عن زينكيفتشي، مقارنته في إحدى رواياته بين الحياة الروحية والسباحة، معقّبًا بقوله إن الانسان الذي لا يسعى جاهدًا بلا وهن، ولا يقاوم الحواجز بلا توقف، لا مفر أمامه من الغرق في عتمة الياس. عندئذ تمسي موهبة الفنان نقمة عليه في الوقت ذاته، ويتحول هو إلى دور الحاوي الذي يعرض فعلًا ظاهره الفن وباطنه الشر، ولا يكتفي بأن يخون الناس بل يعينهم على خيانة انفسهم ويقنعهم باحتياجات زائفة. مثل هذا الفنان لا يساعد على الحركة إلى الامام بل يعوقها ويدفع الساعين إلى التقدم  للارتداد للخلف. ويوضح كاندنسكي ما يقوله مضيفًا: إن خيانة الفن تخلق مناخًا يُسيّدُ القحط الروحي ويهبط إلى الحدود الدنيا من المثلث الرمزي، الذي ذكر آنفًا، عندئذ يبدو كل شيء بلا حراك، عاجزًا عن الحركة واذا تحرّك فإلى اسفل.. وتظل "الاشياء" (موضوعات الفن)، هي هي، لأن غاية الفن في هذه الحال هي: التكرار والتوالد، ومن ثم يختفي السؤال: ماذا؟ من عالم الفن ويبقى ،فقط، السؤال: كيف؟ بأي السبل والاساليب ينبغي أن تكرر الاشياء.

ويستطرد كاندنسكي شارحًا رؤيته المتعمّقة هذه للفن، يقول: إن الفنان يمضي بحثًا عن اسلوب او منهج إلى ما هو أبعد.. اذ يُصبح الفن متخصصًا إلى الدرجة التي لا يفهمه إلا الفنانون انفسهم، وهم يشكون بعد ذلك، مرّ الشكوى من أن "الجمهور" لا يعبأ بأعمالهم، ولا يبالي بهم، وقد ينصرف الفنان في مثل هكذا ملابسات عن محاولات التنوير، مكتفيًا بالقليل من السدنة واولياء نعمته وبمن يصادفهم من الهواة. من الطبيعي والحالة هذه، أن تطفو على السطح نوعية من الرسامين المهرة، الذين يقدمون لـ" للمستهلك العادي"، المستوى الذي يفهمه، ويبدو لهذه النوعية من الرسامين أن غزو صومعة الفن امرٌ ميسور.. وهنا يتكاثر الغزاة، ففي كل مجال يوجد الآلاف من مثل هؤلاء الفنانين.. ويسعى اكثرهم، فقط، إلى امتلاك مسلك فني جديد، وينتجون آلاف الاعمال الفنية بغير حماس، بقلوب باردة وارواح نائمة ويظهر التنافس وتصبح المعركة الشرسة من النجاح معركة مادية تزداد كل يوم. ان الجماعات القلية التي انتزعت طريقها إلى قمة " دنيا الفوضى"، وصناعة الصور- والكلام لكاندنسكي- ، تثبت اقدامها في الارض التي احتلتها، اما الجمهور وقد فاته الركب وجلس بعيدًا فانه ينظر في حيرة وتشويش ذهني، ويفقد الاهتمام وينصرف، لكن على الرغم من هذا الالتباس والتشويش، وكل هذه الفوضى، وكل هذا السعي الضاري من أجل السمعة، يظل "المثلث الروحي"، يتحرّك بخطى بطيئة لكنها واثقة من موطئ القدم وبقوة لا تقاوم- للأمام  والاعلى.

ومع هذا كله يبقى في الاعماق، كما يرى كاندنسكي، السؤال" كيف؟"، وهنا تكمن بذرةُ الاحياء، واذا كانت طاقة الفنان العاطفية وقدراته المهارية قادرة على الفوز بـ " كيف؟"، فان الفن – حينئذ- يكون في صدر الطريق المؤدية إلى الفوز بالسؤال :" ماذا؟"، ان ماذا تجدد ما تحتاجه الروح في صحوتها، من زاد، ان هذه الـ"ماذا؟"، ليست مادية.. انها الحقيقةُ الباطنة للفن والروح التي- بدونها- لا يصح الجسد. هذه الـ "ماذا؟"، هي الحقيقة الباطنة التي لا يتكهن بها إلا الفن وهي تلك التي لا يستطيع التعبير عنها إلا الفن وحده بوسائله واساليبه الخاصة.

تعقيب: نستخلص من هذا ان الفنان الحقيقي كما يراه كاندنسكي، يعيش حالته المتفردة الخاصة، ولا يهمه سوى ابداعه المتجدّد، وإلا تحوّل إلى مقتحم غازٍ يبحثُ عن مغانم وانفال عابرة.. وفي احسن الاحوال يتحول إلى حاوٍ يُطلق الحمائمَ من قبعته باتجاه الفراغ اللامتناهي.

 

استعراض: ناجي ظاهر

 

 

عمار عبدالكريم البغداديثقي ياشهرزاد بما سأقوله لك: إن كانت الإبتسامة مفتاح للقلوب فان الكلمة الطيبة بلسم لجراحها وغذاء للروح ومنار للعقول.

شهرزاد: أسترجع في مخيلتي الآن كلمات عن ابتسامة الطفل فينا بوصفها أصدق ابتسامة تسعدنا وتسعد من حولنا، لكن ماذا بعد أن تتفتح القلوب، وتشرق السعادة على الوجوه؟ .. كيف لنا ان نغتنم هذه الاجواء لنزيد من سعادتنا؟ .

- بتلك الإبتسامة مددنا جسورا رقيقة من الإرتياح والثقة المتبادلة، ونحن بأمس الحاجة الى تمتينها، فإن إنطلقت السنتنا بخير زادت المحبة، وصار للجسور أعمدة تحميها من الإنهيار السريع، فإن زدنا طيبا تركنا في النفوس انطباعا كرائحة المسك لا تزول بسرعة أبدا، وهنا نُذكّر بإطلاقات المحبة التي تزيد العلاقة ارتواءً وخضرة، وتعجّل بثمارها الشهية، وتجبر كل غضن نكسره بأخطائنا غيرالمتعمدة في غالب الأحيان .

شهرزاد: لكننا قد نصطدم، بعد حديث طويل وعلاقة طيبة، بأن المقابل قد بنى لنا صورة مخالفة لما نحن عليه.. ماالسر في ذلك؟.

شهريار: السر ببساطة إننا بنينا تلك الصورة في ذهن المتلقي من خلال ما نصف به أنفسنا، قد نستخدم كلمات طيبة بالحديث مع الناس، لكننا نتحدث أيضا عن (حظنا العاثر)، ونقلل من أهمية تجاربنا ونجاحاتنا باختيار عشوائي للكلمات فنفقد ثقة الآخرين شيئا فشيئا من غير أن نشعر، جميل أن نحسن اختيار الكلمات والسلوك بالتعامل مع الآخرين لكننا ملزمون بوصف أنيق متفائل لاوضاعنا حتى تكتمل الصورة الحسنة في أذهانهم .

فقد نحصل على تعاطف آني ونحن نعيب تجاربنا السابقة، لكننا بالنتيجة نرسم صورة مغايرة لحقيقتنا، ونفقد التعاطف مرة بعد أخرى، كما نفقد المحبة والثقة وإنْ حافظنا على ابتسامتنا وإشراقة وجوهنا حينما نتحدث .

إنها معادلة لا تقبل التجزئة، كأننا نسحب الناس من ظلام دامس، ثم نبلغهم بكل بساطة بأننا لا نمتلك شمعة لنضيأها لهم، علينا أن نفكر بإيجابية بأنفسنا وبتجاربنا وخبراتنا تماما كحرصنا عليها في نظرة الناس لنا .

إستحضار النورانية والإستعداد لإبتسامة مشرقة صادقة يعني أننا رسمنا صورة طيبة للمتلقي، ومحونا أي نظرة سلبية عنه، وعلينا أن نترك لتلك الإبتسامة متسعا من الوقت لتتغلغل في نفوسنا أكثر، وتطرق على أبواب الأيجابية فينا أكثر فأكثر لتنعكس على أفكارنا بحق أنفسنا كما انعكست على تصوراتنا للأخرين وأفكارهم .

يقول مارك توين:(الكلمة الصحيحة هي القوة الفاعلة، وكلما وقعنا على إحدى تلك الكلمات الصحيحة جدا يصبح التأثير الناجم عنها بدنيا، إضافة الى كونه روحيا وسريعا كالكهرباء) .

نعم ياشهرزاد إنها كالكهرباء، فاما أن تكون كلمة صحيحة جدا تنير فينا السعادة والإرادة على تحقيق مزيد مع النجاحات في الحياة وفي قلوب الناس، وأما أن تكون تيارا صاعقا تقشعر منه النفوس والأبدان، وتذبل من أثاره كل معاني السعادة والثقة .

- وماذا عن القناعات الراسخة في نفوسنا عن فشلنا الساحق في تجربة او علاقة او وظيفة؟ .. لا أعتقد أن تلك الابتسامة او الكلمات قادرة على تغيير قناعاتنا بهذه السهولة !.

شهريار: الإبتسامة محفز لكل طيب .. ألم تكن تلك الكلمات الجارحات التي تلقيناها كوابل نيران محرقة من أحد الوالدين، أو أخ أكبر، أو معلم جهول، أوقريب حقود، أو صديق حسود سببا ببناء قناعاتنا التي كانت سببا في فشلنا؟.

لقد خضنا التجربة ونحن ابتداءً نردد مع أنفسنا: (لا أستطيع النجاح .. لن يكون الأمر سهلا، أنا عاجز عن تحقيق هدفي) .. فكان ماكان من فشل، حتى ذلك الفشل لايخلو من نجاح، الأحمق فقط هو من لا يتعلم من فشله وكلما نهض سقط في فشل آخر .

يقول أحمد توفيق حجازي: (إن الفرق بين الأحمق والحكيم هو ليس في كون الحكيم لايرتكب الأخطاء، ولكن في تعلمه من الأخطاء التي ارتكبها).

هكذا هو الحال ياشهرزاد علينا أن نتعلم من أخطائنا، ونصحح تصوراتنا، ونوقر ذواتنا، فكما أن كلمات تافهات زرعت في نفوسنا قناعات سيئات عن قدراتنا، وكانت سببا في إخفاقاتنا، فإن الكلمات القيّمات الملهمات الناصعات قادرة على بناء قناعات مضيئات تستلهم طاقاتنا، وتغيّر أحوالنا، وتعيد بناء ثقتنا بأنفسنا ..لن نكون قادرين على نيل الثقة الآخرين ما لم نحقق الثقة بذواتنا أولا .

كما ترين فالأمر كله مرتبط بأفكارنا نحن وتصوراتنا عن أنفسنا وعن الاخرين، حتى الابتسامة والمحبة والكلمات الطيبة كلها في الأصل أفكار، و لو أدرك كل واحد منا قدرته على التغيير ابتداءً بذاته هو لمحى كلمة المحال من قاموسه، ولتجلت بين يديه طاقات كامنات لايعلم قرارها إلا الله ثم الباحثون عنها في أعماقهم .

إستحضار النورانية ونحن في أسوأ حالتنا فكرة، وإستنهاض الإبتسامة الصادقة من أعماقنا فكرة، وتغيير تصوراتنا عن الآخرين لإطلاق تلك الإبتسامة الساحرة فكرة، وإظهار المحبة العفوية فكرة، واستجماع الإيجابية عن ذواتنا فكرة، وبالتالي فان تغيير قناعاتنا ماهي إلا أفكار إيجابية مودوعة فينا، وماعلينا إلا تغليبها على السلبية الطاغية بسبب التراكمات السيئة في عقولنا اللاواعية.

يقول إمرسون "إن الانسان هو مايفكر فيه طوال اليوم ".

فلو أننا سمحنا للتراكمات السيئة بالهيمنة على طريقة تفكيرنا طوال اليوم، فكيف لنا أن نحسّن من تصوراتنا؟، ونغير قناعاتنا السلبية عن أنفسنا او الآخرين؟ !.

 

بقلم: عمار عبد الكريم البغدادي

..................

من وحي شهريار وشهرزاد (26)

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

 

صادق السامرائيعمر بن شبة بن بن عبيدة بن زيد بن زلطة، وشهرته، عمر بن معاد النميزي البصري، وكنيته  أبو زيد (173 - 262) هجرية، عاش في البصرة وبغداد، وتوفى في سامراء بعد أن بقي فيها آخر أيامه.

كان صادق اللهجة، غير مدخول الرواية، عالم بالآثار، راوية أخبار، أديب فقيه، صاحب نوادر وإطلاع، وعالم بالقراءات.

مؤلفاته:

الكوفة، البصرة، أمراء المدينة، أمراء مكة، مقتل عثمان، الكتاب، الشعر والشعراء، الأغاني، التأريخ، أخبار المنصور، أشعار الشراة، النسب، أخبار بني نمير، ما يستعجم الناس فيه من القرآن، الإستعانة بالشعر وما جاء في اللغات، الإستعظام للنحو"

وقد إمتحنوه بخلق القرآن، فقال: القرآن كلام الله ليس بمخلوق، فقالوا له: مَن توقف فيه فهو كافر، فقال: لا أكفر أحدا، فقالوا له: أنت كافر وفرقوا كتبه، فلزم داره وحلف أن لا يحدث شهرا.

من شعره:

"أشدّ من نفسي وما تشتد...وقد مضت ثمانون تعد،  أيام تترى وليال بعدُ....كأن أيام الحياة تعدو"

"لما رأيتُ ألعلم ولى ودثر...وقام بالجهل خطيب فهمر، لزمت بيتي معلنا ومستتر.. مخاطبا خير الورى لمن عبر، أعني النبي المصطفى على البشر.. والثاني الصدّيق والتالي عمر"

وقد روى وسمع الحديث من ثقات عصره، ولديه تلاميذ وأتباع ومريدون.

قالوا فيه: " مستقيم الحديث، وكان صاحب أدب وشعر وأخبار، ومعرفة بأيام الناس"

"كان ثقة عالما بالسيَر وأيام الناس، وله تصانيف كثيرة، وكان قد نزل في آخر عمره بسرى من رأى وتوفي فيها"

وهو من الأعلام الذين توسدوا ثرى سامراء، وهناك العديد من أبناء الأمة اللامعين الأفذاذ الذين دفنوا فيها، والموضوع بحاجة لبحث من المختصين للكشف عن دفناء سامراء في الفترة التي كانت عاصمة للدولة العباسية ومنارة الدنيا وقبلتها الحضارية.

 

د. صادق السامرائي

 

نبيل عرابيتحتلّ المياه مساحة شاسعة من كوكب الأرض، وكذلك من تركيبة الكائنات الحيّة التي تعيش على سطحه، وهي متواجدة في الطبيعة بأشكال وأنواع متعددة، وبدونها لا أثر يذكر للحياة.

مع الشاعرة مهى سلطان، ومن خلال قصيدتها "تسابيح المياه"، من ديوان يحمل العنوان نفسه، تنبلج الرؤية وفق فجر مختلف، وتفاصيل مشهد متواصلة بثقة حيث

الكلمات ظلال الأحاسيس/ الكلمات أشياءٌ مشابهةٌ/ للأشياء التي تشبهنا/ ونسعى بلا توقُّفٍ/ إلى المقبرةِ كالمياهِ/ التي تضيع بلا عودة.

ويخيّل إلينا أنّ أجزاء الصورة أخذت تتقارب فيما بينها، وأنّ شيئاً ما سيحرّك الصخرة من مكانها، أو سيقلب بعض الموازين رأساً على عقب، أوأقلّه أنه سيمسح الرذاذ عن البوصلة التي لا تمل من ارشادنا نحو الشمال دوما، ف

المياه تنحني إلى عُمقٍ كبير/ خارج الضوء/ تلفظ أصواتها الصمّاء/ المصحوبة بملايين الخُطى/ العارية دائماً.

وفي وقفة تأمّل عفوية بسيطة، وقفة تساؤل ساذج ودهشة مفرطة في آنٍ معا، يأخذ السياق مجراه: نعم، إنها المياه، التي لا مفر من الإعتراف بها، قسراً وطواعية، حباً وكراهية، ترياقاً يلازمنا كمفردات عيشنا لأن

كلانا مشكّلان من مادّتها السرية/ كلانا لا نعرفُ تأويلها وهي تمضي/ في نسيج حياتنا المعقّدة/ بلا ألمٍ كحركةِ تَنَفّسِ/ النجومِ في الفضاء/ كملايين الأعمار المطويّة/ في سجلّ السماء.

ولا يبقى سوى المُسلّم به أن دائرة وجودنا مهما طال قُطْرُها، فلا بدّ لها من عودة إلى نقطة البداية، ولا بدّ لنا من الإنضمام إلى رَكْبِ القافلة، إنهم

الأمواتُ/ مُضافون للأمواتِ/ من الوقت الذي نفد/ وكلانا مادّة خُدودِهِم/ الباردة وكالليل/ الذي لا يُرعبُ الأعمى/ أو كالمُحيط للأصمّ المياهُ/ التي تشتهي الراحةَ/ أخذت بأيدينا إلى/ نهايتها.

 

نبيل عرابي

 

صلاح حزامعندما أقرأ للفيلسوف الفرنسي جاك دريدا (والذي رحل عام ٢٠٠٤)، والذي طالما ناقش فكرة الكتابة ومدى قدرة الكتابة على نقل الحقيقة، ترد في ذهني الكثير من الافكار والتساؤلات .

يعتقد بعض المفكرين، ان اللغة عبارة عن رموز صوتية او مرسومة، يتّفق الناس (يصطلحون) على انها تعني اشياء محددة لكي يمكن التفاهم من خلالها وتبادل الافكار.

ويجري ذلك سواء عن طريق الكلام (اطلاق رموز صوتية موسيقية) او عن طريق الكتابة (رسم رموز معينة تعني اشياء معينة)..

لذلك يقال ان هذا الشخص يعرف اللغة الفلانية، بمعنى يعرف ماتعنيه رموزها..

انا معجب باسلوب هذا المفكّر الكبير (جاك دريدا) لان كلامه يثير عدداً من القضايا التي تستحق الدراسة والتفكير..

هل ان كلمةً مثل كلمة: حب، لها معنى واحد وبمستوى واحد ودلالة واحدة؟

بمعنى آخر، عندما يقول الشخص لزوجته اني أحبك ويقول لأمه اني احبك ويقول ذلك لابنته ولصديقه العزيز ولنجمة سينمائية لاتعرفه لكنه معجب بها ويقول ذاك لله ايضاً، (ان تُحبّوا الله يحببكم)، هل انها تعني نفس الشيء كمضمون؟ بالتأكيد الجواب لا ..

لكنه لايملك غيرها ولايمكن ان يقول ؛ احب فلان بدرجة ١٠٠٪؜ وفلان ٧٥٪؜ وفلان٥٠٪؜ ... وهكذا ..

الكلمات فيها مقدار متوسط average من المعاني الشعورية للبشر تجاه قضية محددة مثل الحب والمرض والحزن الخ...لكن حساب المتوسط يختلف رياضياً عن قيمة كل مشاهدة على حدة ...والمشاهدات هنا هي احاسيس كل انسان فرد..

في نقاشي مع أحدهم قال لي جواباً على سؤالي اعلاه: ممكن ان يقول احبك جداً ..

فقلت له: ولكن هل ان كلمة جداً فيها دلالة كمّية على مقدار الحب؟؟

قال لي ذلك الشخص: ممكن ان يقول أنا متيّمٌ بفلانة، او شغوف بها او ولهان

بها، على اعتبار ان العربية فيها عدة مسميات للحب حسب درجاته!!

قلت له ببساطة: هل الشغف بشخصين يعني نفس الدرجة من الحب لكليهما حتماً؟

المشاعر والاحاسيس والمعاني العميقة لا يمكن التعبير عنها دائماً وبصدق..

بعض الناس احياناً يقول: الكلمات لاتستطيع ان تَصِف ما أنا فيه من فرح او حزن !!! وهو صادق حتماً ..

اللغة حلٌّ مؤقت واضطراري لمشكلة التفاهم بين البشر لانها لاتنقل كل شيء، اي انها لاتنقل الحقيقة كما يقول دريدا ..

وصلني قبل فترة، منشور يردُّ فيه دستوفيسكي على الفيلسوف سقراط عندما قال الأخير: تكلّم حتى اراك ..

يقول له دستوفيسكي، مامعناه: ومن قال لك ان الكلمات تستطيع ان تشرح كل مافي اعماقي حتى تعرفني وتراني عندما اتكلّم؟؟

(مناقشة قدرة اللغة على نقل الحقيقة موضوع قديم).

كلمة انا مريض او فلان مريض، لاتعني نفس الشيء وفي كل الاحوال ولكل الناس..

مامعنى الاحساس بالمرض؟ وهل هو واحد؟ وهل هنالك مقياس لاحتساب درجة المرض؟؟

هل ان نفس المرض عندما يصيب أشخاصاً متعددين، يسبب لهم نفس الألم الناتج عن ذلك المرض؟؟

عندما يقول الشخص،أنا سعيد أو انا حزين أو فرحان أو كئيب، هل ان هذه الكلمات تعني نفس الشيء بالنسبة لكل الناس؟

هل تعني هذه الكلمات نفس مقدار وطبيعة الفرح او الحزن او غيرها من المشاعر التي يملكها ويشعر بها الجميع؟

اذاً نحن امام حالات مجهولة الى حد كبير عندما نتحاور ونسأل بعضنا بعضاً عن امور عديدة !! ذلك يعني أن النفس الانسانية كلها مجاهيل !!!

مادرجة الايمان بشيء، عندما نقول اننا مؤمنون به؟؟

هل تعكس كلمة مؤمن، حجم الايمان لدى الجميع؟؟

نحن نعيش في عالم ليس فيه حقائق بل فيه مقاربات غير كاملة وغير دقيقة لتلك الحقائق...

الحقيقة الوحيدة هي مايشعر به الفرد فقط...

 

د. صلاح حزام

 

ناجي ظاهريواجه الكاتب عادة، خاصة الشاب في بلادنا والعالم أيضا، عوائق كثيرة، تحول في كثير من الحالات بينه وبين أن يكتب، وينفذ بالتالي ما يهفو إلى تحقيقه من انجاز كتابي.

من هذه العوائق ما هو عام يتعلق بالمجتمع ومنها ما هو خاص. فيما يلي أحاول أن أتحدث عما هو خاص في المجال، لإيماني أننا لا يمكن أن نفصل بين الذاتي والعام من ناحية ولإيماني بان العلاقة بين هذين الطرفين من إطراف المعادلة متشابكان اشد التشابك وهو ما سنرى إليه فيما يلي.

أبدا من البداية. كيف يمكن للكاتب أن يبدأ كتابته؟ هل يبدأها بقرار يعتمد على أن كل أبناء جيله كتبوا ما أرادوا أن يكتبوه، كما فعل الكاتب الأمريكي ارنست همنجواي حين كتب روايته الأولى "الشمس ستشرق أيضا"، أم ينتظر أن تختمر لديه التجربة كما يتضح من كلام الكاتب الكولومبي جابرييل جارسيا ماركيز، صاحب مائة عام من العزلة، فينتظر الكلمة الأولى لتتدفق إبداعا؟ هل يحمل ذاته حملًا على الكتابة، كما فعل الكاتب الايطالي البرتو مورافيا أثناء ممارسته للكتابة اليومية إبان أيام حياته في عالمنا؟ هل يستدعي شيطان الكتابة كما يرى استدعاء؟ أم ينتظر اللحظة الحاسمة؟

أسئلة كثيرة، بإمكاننا أن نطرح المزيد المزيد منها، وربما كان بإمكان القارئ المهتم بموضوع الكتابة أن يضيف إليها، لوفرة الموجود والمثار منها في تلك الكتب والمقالات التي تتحدث عن الكتابة وممارسة الكتاب لها.

غير أن السؤال يبقى قائمًا، ما دامت العوائق قائمة، يساهم في طرح الأسئلة، وفيما يليها من رغبة في تلقي إجابات شافية أو شبه شافية، أن الكاتب خاصة الشاب، ينظر إلى انجازات آخرين في مجال إصدار الكتب فيصاب بالدوار، فمتى يمكنه أن ينجز مثلما أنجزوا من أعمال؟ وهل سيكون بإمكانه أن يسود الصفحات تلو الصفحات، حتى يتراكم لديه منها عدد كاف وربما المئات ليصدرها في كتاب سميك، يقراه البعض وينصرف عنه البعض لسماكته؟ فيما يرسل إليه بعض آخر نظرة لا مبالاة؟

قد يجد هذا الكاتب المتسائل، وهاأنذا أساعده في أن يجد الإجابة عن السؤال الأول المطروح، وهي انه ليس من حقه أن يصاب بالدوار حينما ينظر إلى ما أنجزه آخرون من أعمال، ذلك أن من يدور الحديث عنهم، باتت أعمالهم وراءهم، وان هذه الأعمال كثيرًا ما تكون خلاصة عمر وعطاء، في حين أن أعمال الكاتب المتسائل ما زالت أمامه، وان أمامه من الوقت ما قد يكفي، مهما كان قصيرًا لإنتاج أعمال يريد إنتاجها.

إلا أن هذا الكاتب، ولنطق عليه صفة المتسائل للتمييز بين وبين سواه ممن يرد ذكرهم من كتاب ومبدعين، قد يجد صعوبة في العثور على أسئلة أخرى، حول الصفحات الوفيرة التي يطلب منه أن يسودها ليحقق انجازًا إبداعيًا، فهل هو يشرع في الكتابة وليكن بعد ذلك ما يكون؟ أم يعد نفسه كما ينبغي لأي من الناس، بمن فيهم الكتّاب والمبدعون أن يفعلوا؟

اعتقد انه من نافل القول وخطله، أن يبدأ الكاتب المتسائل، دون أي إعداد، وإلا فانه سيصيبه ما يصيب ذاك الذي يحاول السباحة في بحر لجيّ، دون أن يعد نفسه إعدادًا جيدًا ودون أن يتعلّم فن العوم. لهذا أقول، انه على من يريد أن يكتب وان يبدع عملًا ذا قيمة وينظر إليه آخرون باهتمام، أن يعد نفسه تمام الإعداد، فإذا ما أراد أن يكتب رواية  حدّد موضوعها أولًا بعد ذلك شرع في جمع المعلومات حوله وعنه، مثلما فعل الكتاب في شتى أصقاع العالم.

بعد هذا الإعداد للذات، قد ينشأ عائق أصعب من سابقه، هر كيف سيسود الكاتب المتسائل الكثير من الصفحات وربما المئات منها؟ وهل يُطلب منه أن يعرف ما يريد أن يقوله قبل قوله له؟ زكريا المرسنلي بطل رواية "الياطر" للكاتب العربي السوري حنا مينة، يجيب عن هذا السؤال الصعب، معتمدًا على رؤية خالقه بالطبع، قائلًا، انه لا يوجد هناك من يعرف كل ما يريد أن يقوله، المهم أن تكون له وجهة ينطلق صوبها، أن يحدّد نقطة يريد أن يصل إليها، بعد ذلك ينطلق، هنا أضيف، أنا كاتب هذه السطور، أن تسويد المئات أو العشرات من الصفحات في حال معرفتنا للاتجاه المحدد للكتابة، لا يعني الكثير، وذلك لسببين وجيهين، احدهما أن الطول والقصر لا يعنيان شيئًا في عالم الإبداع، بدليل أن هناك من الأعمال الإبداعية قصيرة جدًا، مثل قصة "الأمير الصغير" للكاتب الفرنسي أنطوان دي سانت اكزوبري، وكتاب "النبي" للكاتب العربي اللبناني المهجري جبران خليل جبران، وغني عن الذكر أن قصر هذه الأعمال لم يحل بينها وبين أن تحظى باهتمام القراء في شتى أنحاء العالم، والعكس صحيح. السبب الآخر هو أن الكتاب لا يتقصدون عادة التطويل في الكتابة، بالضبط مثلما لا يتعمدون التقصير، فهم يكتبون ما يريدون أن يكتبوه، فإما تمتد لديهم الكتابة وتتواصل، وإما تتوقف في لحظة ما غير راضية بإضافة أي كلمة أخرى، يدعم هذا السبب ويزيده وجاهة أن هناك العديد من الكتابات التي ابتدأ؟ أصحابها في كتابتها على أساس أنها قصة قصيرة، وتحولت أثناء كتابتهم لها إلى رواية كبيرة، وان هناك من شرع في كتابة رواية واكتشف فيما بعد أن ما أراد كتابته إنما يصلح لكتابة قصة قصيرة فحسب، فاكتفى.

 للتأكد من هذا اذهبوا إلى تجارب كتاب آخرين، عودوا إليها، وسوف تجدون لدى هؤلاء، منهم حنا مينة ذاته، أن هناك العديد من القصص القصيرة تحولت إلى روايات، مثل روايتيه، "مأساة دمتريو"، و"حمامة زرقاء في السحب".

المهم بالنسبة لمن يريد أن يكتب وان يحقق انجازًا حقيقيًا إذًا، هو أن يضع مسالة عدد الصفحات جانبًا وان ينحيه مؤقتًا، مشددًا على جدية ما يريد أن يكتبه وعلى أهميته لما يريد أن ينقله من تجارب ومعارف، بهذا وبسواه من المشاعر الواثقة من ذاتها، يمكن للكاتب المتسائل أن يتغلب على عائقين، أعيد الإشارة إليهما لترسيخهما هما: كيفية ما يريد أن يقوله وعدد الصفحات.

بعد تغلب من يريد أن يكتب على هذين العائقين الرئيسيين، يأتي عائق اصعب والعن من هذين، هو: كيف سيشرع في الكتابة ذاتها؟ هنا كثيرًا ما يجد نفسه يعيش حالة من التخبط والقلق، فالكتابة بالنسبة إليه تعتبر أمرًا مقدسًا وهامًا جدًا في الآن ذاته، يزيد في هذا العائق حدة، أن الكاتب يريد أن يقدم إضافة حقيقية لما قدمه آخرون، ناهيك عن انه يريد أن يقدم أفضل ما عنده ليرضي نفسه أولًا، وليحقق فيه أقصى ما يرنو إلى تحقيقه من انجاز ثانيًا.

ما قد يعيشه الكاتب المتسائل، ويمر به، والحالة هذه، ربما يشله ويعطل حركته، وقد يدخله في حالة من الأسى تشعر آخرين من المحيطين، أن مرضًا الم به، مثلما حصل للكاتب البرازيلي بول كويليو حينما شعر والداه في بداياته في الإنتاج الإبداعي، بما حلّ به من أسى فادخلاه مصحة نفسية لتلقي العلاج، ومثلما حصل لي أنا ذاتي حينما أردت أن أنتج عملًا إبداعيًا يرضي روحي المتعبة، فانتظرت ثلاثين عامًا وربما أكثر قليلًا من العذاب، الألم والأسى دون أن أجد من يأخذ بيدي على نحو ما حصل لكويليو، فماذا بإمكان الكاتب أن يفعل حين يواجه مثل هكذا عائق؟

للتغلب على هذا العائق، على فداحته وأثره المدمر أحيانًا، اعتقد انه على الكاتب أن يقبل على الكتابة بالتخوف ذاته، لكن ليس يالسرسبة، فالتخوف يعني انه يتحمل مسؤولية الكتابة ولا يُقبل عليها مثلما يقبل إنسان مستهتر لا يريد أن يفعل شيئًا ذا قيمة في حياته، لتوضيح هذا فإنني لا اعرف كاتبًا مبدعًا قدم نتاجًا إبداعيًا له قيمته، إلا وانتابته مشاعر بالتخوف كلما اقبل على الكتابة، أما بالنسبة لما يريد أن يضيفه من يريد الكتابة إلى ما سبق وأنتجه آخرون، فاعتقد انه  يتمثل في أمر واحد هو أن يكون الكاتب ذاته، مهما صغرت هذه الذات، لأنه لا يوجد في العالم ذات كبيرة وأخرى صغيرة، وإنما يوجد فيه ذات صادقة وتريد أن تكون وأخرى زائفة لا تمتلك القدرة على أن تكون، أما بالنسبة للتخوف من الكتابة ذاتها، فاعتقد أن تناسي كلب بول كيليو، لخياله أو تجاهله له، من اجل ارواء ما طاله من ظمأ، هو الحل، ذلك أن أفضل حالة لمواجهة الماء هي خوضه أو التخويض فيه.

 

بقلم: ناجي ظاهر

 

 

صادق السامرائيما كل منقول معقول، بل ربما منحول، ومن الإفتراءات الشائعة، والأضالييل الذائعة أو الأساطير والخطايات المتداولة، التي رسخها التكرار المرير بين الأجيال، في زمنٍ ما كان للتدوين مقام.

فالتدوين بدأت معالمه تتجسد بوضوح في أواخر العصر الأموي، وبلغت ذروتها في العصر العباسي، وتواصل بعد ذلك في حواضر متعددة وفي مقدمتها الأندلس.

ومن ثم مرّت الأمة برقدة النسيان، وفي القرن التاسع عشر، أوجدت إصلاحيين وتنويرين وعقلانيين بذلوا الجهود، لبعث إرادتها وصقل جوهرها.

لكن الواقع المعرفي والتنويري توجهت نحوه أدوات التدمير والتغيير المتخندقة بما تراه دينا، وعلى رأسها الأحزاب المؤدينة، التي إنطلقت في مصر عام (1928)، تطالب بعودة الخلافة، ورفعت رايات الإسلام هو الحل، وإن المسلم أفضل من الآخرين لأنه مسلم وحسب،  أما تفاعله العلمي والمعرفي مع مكانه وزمانه فيُعد بدَعا مناهضة للدين، وكأن الدنيا خالية من الأديان ولا دين فيها إلا الإسلام.

وبعد ذلك عمَّ الثبور بإنشاء الأحزاب الأخرى، التي عليها أن تتفاعل مع الأحزاب الدينية، فإنشغلت الأجيال بصراعات خسرانية مريرة وقاسية تعطلَ فيها العقل، وإنطلق مبدأ السمع والطاعة من جديد، وتأكد الإستبداد والطغيان للإمعان بإستعباد وإذلال الإنسان.

وبسبب ما نجم عن ذلك من معطيات، أصبح العقل محارَبا والنقل معززا ومؤزرا بإرادة  الكراسي، وما حولها  من الذين يتاجرون بالدين، الذي تحوّل  إلى مطية للكراسي، فكلما أرادوا تمرير آثمة إتكلوا على  الدين، ورفعوا راياته  وهم من ألد اعدائه.

وتجدنا في محنة تحرير العقل من قبضة النقل، وأفاعيل الإمتهان  والعدوان، والعقل يريد والنقل مديد، وأعداء العقل  يتكاثرون ويتفاخرون بالقضاء على أعلام الأنوار المعرفية في أرجاء الأمة.

فالعقول مُهانة، مُشرّدة، مُهجّرة، ومنكودة في أوطانها، لأنها لا تخدم الإستبداد، وتريد للإنسان أن يفكر ويسخر عقله لبناء حاضره ومستقبله، وسوط التسلط والطغيان الشديد فاعل في المجتمعات.

وهذه العلة القاهرة المريرة ليست جديدة، وقد عانى منها، إبن رشد وأمثاله في القرن الثاني عشر، وتعرض لعدوان سافر فأحرقت كتبه وأبعد عن الحياة وأهين بشدة.

والكثيرون قبله وبعده أصابهم ما أصابهم لأنهم، أرادوا إعمال العقل وتفعيل المنطق، فداهمتهم وحوش النقل وأساطين السمع والطاعة فأجهزت عليهم .

واليوم نقف أمام ذات الحالة، التي يُراد للنقل فيها أن يترسخ ويفوز في عصر الأنوار المعرفية الساطعة. فهل من عقل ثائر جريئ؟!!

 

د. صادق السامرائي

10\8\2021

صادق السامرائيالعالم يعيش مرحلة إنتقالية حادة ومؤثرة على مسيرة القرن الحادي والعشرين، وعلى كافة الأصعدة والمستويات، ولوباء الكورونا دوره القوي في تسريع خطوات الخروج من قبضة ما إعتادت عليه البشرية إلى ما يجب عليها أن تتعلمه وتكون فيه!!

ولابد للتفاعلات الثقافية والمعرفية والفكرية بأنواعها أن تتأثر وتتواصل، لكي تحافظ الحياة على مرتكزاتها الإنسانية وطاقاتها البقائية.

فما هي الأقلام الإفتراضية؟

وما هو دور المثقف الإفتراضي في صناعة تيار الوعي والتنوير؟

سؤالان يصعب الإجابة عليهما الآن، وربما ستساعدنا التراكمات المستقبلية للسلوك الإفتراضي، الذي سيفرض إرادته على البشر.

هل سيتحول الخيال إلى صفحات بيضاء نكتب عليها بأقلام الضوء، ما نحسبه جديرا بالقراءة والنظر؟

وهل ستتغير أساليب التخاطب بين البشر؟

وهل سيفقد الكلام دوره في حياتنا؟

وهل سنتخاطب مثل باقي المخلوقات من حولنا، التي تبدو أنها تعيش عوالمها الإفتراضية؟!!

إن في واقع الوجود آليات تواصلية نجهلها، وربما تكون إنجازاتنا الحالية البداية لفتح أبوابها المغلقة، والإطلال على فضاءات ما كنا نتصورها أو ندركها.

تلك حالات لايمكن للجيل المخضرم أن يسبر أغوارها، وسيغوص في أعماقها الجيل الإفتراضي المتنامي في العقود القادمات، وستكون أجيال القرن العشرين من الأطلال، التي تشير إلى أن الحياة كانت في وادٍ، والدنيا في وادٍ آخر تحدوه الأوهام!!

ترى هل سنكتب بأقلامنا، أم بأفكارنا على لوحات الإفتراض المحموم؟!!

 

د. صادق السامرائي

1\9\2021

 

 

2783 سالتك عن الحسينالأستاذة رجاء محمد بيطار كاتبة لبنانية من جنوب لبنان، تحمل شهادة أكاديمية بالفيزياء و شهادة ماجستير في اللغة العربية وآدابها وتعمل حاليا على الدكتوراه، لها عدة روايات: (الصخر ينبت زهرا، يوميات طفلة من كربلاء، هذا الرجل غيرني, سر من رأى ... كربلاء) وغيرها قيد الطبع، من مجموعات قصصية، وبحوث أدبية، ومقالات ودواوين شعرية،و مسرحيات شعرية ونثرية، كما تنشر لها عدة وسائل إعلامية عربية وإسلامية.

ربما تعد هذه الرواية أبرز الأعمال الأدبية الفنية التي كتبت عن أهل البيت -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-، إذ أن أفكار الروائية تروي قصة زوجة وصي رسول الله وعزيزة الزهراء وأم البدور السواطع المكناة بأم البنين وَبَاب الحَوَائِج فاطمة بنت حزام الكلابية التي آزرت زوجها الإمام عليا في المحن والشدائد والمصائب، ثم ضحت بأولادها دون سبط الرسول وصبرت على الرزية ورعت خمسة أئمة من ذرية الحسين.

يقع الكتاب فيما يقارب 640 صفحة بعدد فصول بلغت تسعة عشر فصلا، فأجادت الكاتبة في أدوات التعبير وحركت أطراف أناملها لتكتبها باللغة العربية العذبة، فتقول  بين ثنايا سطور المقدمة والإهداء:

(وأحاول .. أن استمد من دمائي النابضة عشقا، ومن روحك المتسامية السابحة في عليين, روحاً تنطق بها الحروف) كما تبين لنا ترتيب أحداث الرواية بقولها: (مولاتي ... بين الماضي وما قبله والحاضر وما بعده تولد الحكاية). لقد سخرت التاريخ لعملها الأدبي كما هي إشارة إلى الأحداث المتتالية المتسلسلة التي تحاكي حياة أم الشهداء منذ ولادتها حتى وفاتها بعمر 64 عاما، فتبين أنها ولدت من أبوين طاهرين ربياها خير تربية لتنتقل إلى كنف بعلها فتتغذى من إخلاصه لله ولرسوله الكريم، وقصة اختيارها كزوجة  للإمام  مشهورة، فنتعلم من الرواية كيفية اختيار الأم لما لها من تأثير على أبنائها.

ولابد من الإشارة إلى أن هذه الرواية لا يكفيها مقال واحد, إلا أننا نركز على بعضها, فمثلا من خلال سرد الكاتبة النثري تتجلى لنا كيفية تربية المرأة ومجاهدتها النفس لتصل إلى مستوى العصمة من الزلل،  في حين أن هذه  السيدة النقية الزكية ليست من المعصومين، ثم تقدم صورة جميلة ووصف يتسم بالروعة الأدبية للأم قائلة: إن الأم شمس تمد أبناءها بالنور والدفء، كما تمدهم بالحياة)، فيطغى الدور الإنساني في السرد، كالتربية وكيفية التعامل مع أشقائهم من الزوجة الثانية، التضحية، الإيثار، فوصلت هذه السيدة الجليلة صاحبة الكرامات إلى مستوى لا تستطيع أي امرأة في عصرها الوصول إليه، فأن تكون في قمة الطاعة والوفاء وتجعل نفسها خادمة لضرتها البتول وبنيها، وتضحي بأبنائها من أجلهم هذا غير مدون في صفحات التاريخ عن امرأة غيرها.

ويبدو أن الأستاذة الفاضلة درست الظروف التاريخية التي ولدت فيها وعاشت فوظفت الأسلوب الروائي فيها، مبتعدة عن الروايات التاريخية غير الثابتة في حياة السيدة كريمة الأخلاق كدس السم إليها من قبل الأمويين.

العنصر الروائي حاضر في روايتها كالتشويق، كما ألقت الضوء على مسائل من وجهة نظرها كما أوردت بعض الاحتمالات عن بقاء زوجة حامل لواء الحسين أبو الفضل العباس في المدينة مع والدته قدوة المؤمنات الصالحات. وهذا الموضوع لم يتطرق إليه التاريخ.

جف القلم وشلت الأنامل وقصرت الألسن وعجزت الكلمات عن وصف أم العطاء طوال قرون حتى أشرقت علينا بعض اللمسات عن حياة السيدة أم البنين في هذه الرواية الأولى من نوعها عن أهل البيت عليهم السلام .

أما عن كاتبة الرواية فالحقيقة وحسب رأيي القاصر لا تستطيع إخراج هكذا عمل أدبي ما لم تجعل السيدة أم البنين قدوتها وهي تعشقها، فهنيئا لها هذا الصرح وهذه العلاقة الخاصة التي جسدتها من خلال روايتها، مع خالص الدعاء والتوفيق لأختنا الأستاذة الأديبة/ رجاء محمد بيطار.

 

بقلم: مجاهد منعثر منشد

 

 

صادق السامرائيالكلام يخبرنا عما فينا، وبغيره لا نرى ما يعتلج في الأعماق البشرية، وإن تمكنا من الإستدلال على شيئ منها باللغة البدنية وقسمات الوجه وما توحي به العيون، لكن الكلام وأداته اللغة، يبقى المعبر الأوضح عما فينا، ولهذا قيل ومنذ زمن بعيد: " تكلم حتى أراك".

والتعبير باللغة قولا وكتابة يكشف الحالة التي يعاني منها الإنسان، وبالكلمات يتحقق البوح الأصدق عن مشاعره وعواطفه وبث شكواه والإفصاح عن أفكاره.

فتجد الإقترابات في العلوم النفسية تعتمد على الكلام، للتخلص من المعاناة الباثولوجية الفاعلة في دنيا الإنسان.

ومع تقدم العلوم والمعارف، تطورت المداخلات الكلامية وصار لها أساليب، وتقنيات ذات تأثيرات فاعلة في المداواة.

والكلام طيب وخبيث، والطيب يداوي ويشافي، والخبيث يتسبب بأمراض وعلل، وعاهات سلوكية تدمر الواقع الذي تبرز فيه.

ومن الواضح أن التعرف على الشخص يحتاج لتفاعل كلامي معه، وبغياب هذا التواصل يبقى مجهولا ومبهما.

فالصمت كالمتراس أو الدرع، وهناك بشر يتحجبون بالصمت، ويرفعون شعار أن رقبتي أطول من رقبة ألف بعير.

واللغة المكتوبة تكشف عما يجيش في أعماق كاتبها، وهي المرآة الحقيقية التي ترينا صورته، ومجموع ما يُكتب في الصحف والمواقع، يعكس الحقيقة الفاعلة في المجتمع والمؤثرة في مسيرته.

ويمكن فهم المجتمع بما تخطه أقلامه، لأنها تبث بالكلمات ما يجيش في وعيها الجمعي والفردي، ويمكن القول أنه ينضح من إناءٍ واحدٍ، ولهذا تتشابه الكتابات وإن إختلفت بمفرداتها وأساليبها، فكل منها يعكس جزءً من الصورة الكبيرة للمجتمع، وبمجموعها تشكل لغزا يمكن حله بوعيها جميعا.

فالمكتوب في المواقع المتعددة رغم تنوعه يمتلك قواسم مشتركة، ويترابط بآليات قد تبدو خفية لكنها تتضح بتفحص بسيط.

فالكتابة إنعكاس صادق لما يعتمل في دنيا الأفراد، والذي يمثل ما يدور في أروقة المجتمع، ودياجير اللاوعي الفاعل بالأحداث.

فهل سنرى أنفسنا وسنعرف مجتمعنا؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

عقيل العبودمن المواضيع المثيرة للجدل، قضية قراءة التاريخ والوقوف على الشخصيات، والمواقف. ومفتاح هذه القضية يتعلق بأمرين: الأول طبيعة مصادر البحث، والثانية اتجاه الباحث. والمقصود بإتجاه الباحث هو انتمائه المذهبي، والسياسي. وهذا الانتماء قد يقف حائلا دون الوصول الى الدقة المطلوبة. كونه يفرض في معظم الإحياء ميولا وأنماطًا خاصة تجاه هذا الموضوع، وذاك وهذه الميول هي التي تحول دون الوصول الى الحقيقة.

والتخلص من هذه الاشكالية يحتاج الى تحرير الباحث لنفسه من ربق الارتباط بهذه الثقافة، وتلك من خلال تفكيك المادة المراد تحليلها تاريخيا وفقا لما تفرضه ضرورة الامانة العلمية، والاخلاقية أولا.

والثانية تتعلق بموضوعة اختيار المصدر المراد اعتماده بشكل صحيح، ومن الملاحظ ان هنالك مصادرا باللغة الانكليزية، ولغات اخرى، وهذه المصادر هي من تناول المستشرقين، او الذين جاءوا من دول الغرب لقراءة وتحقيق الفترات والازمنة التي مرت بها الكيانات، والدول والامبراطوريات، والتي يتعلق قسم منها بالمادة التاريخية. وهذه المصادر تنفع للبحث، واستقراء ما يسمع بالفراغ، والإشكال التاريخي.

هنا باعتبار اننا نحتاج الى تجديد مصادر المكتبة العربية فلا بد من اعتماد الكنوز المكتوبة في المكتبات العالمية، والتي منها بعض المدونات الموجودة في لندن، وتركيا، ولبنان، ومصر. سيما ونحن بأمس الحاجة إلى مؤتمرات، وجلسات لإحياء المكتبة العربية، وتجديد الخطاب الثقافي بشكل عام خاصة في باب التراث وثقافة المجتمعات، والأديان.

وهذا يتطلب انشاء لجان، وحلقات مهمتها تحليل وجمع المدونات، والكنوز المكتوبة، ليتنا نصل الى رسم منهج ثقافي ديني حضاري متكامل.

 

عقيل العبود: سان دييغو

عبد الجبار نوريالمقدمة: الملهاة الألهية التي كتبها دانتي في بداية القرن الرابع عشر هي محاولة رائدة في المجالات الثقافية والأدبية بل هي أيقونة العصور الوسطى والتي جمعت بين الفلسفة ومآلات ألمع كتاب وأدباء فرنسا والذين يسمون بـ(الفرنسيسكان) وثقافة اليونان القديمة بحيث برز في صفحاتها أشهر فلاسفة العصور الوسطى (أرسطو وفيرجيل وشيشرون وأضافة إلى أسماء تومى الأكويني وفرنسيس الآسيسي)، فأصبحت مدوناتها مصدر ألهام للعديد من الآعمال الفنية التشكيلية والموسيقية والسينمائية والمسرحية، أضافة إلى إني وجدتُ من خلال شغفي بمدونته الكوميديا الآلهية {أن دانتي ذكرفي الكوميديا الآلهية صلاح الدين وأبن سينا وأبن رشد إلى جانب سقراط وأفلاطون وهم من كبار المفكرين والفلاسفة في أطار (تلاقي الفكر الشرقي والغربي في البحث عن الحقيقة).

إن ملهاة دانتي فنتازية خيالية الديباجة والنص إلا إنها برزت كلغة شعرية بل تنفذ إلى الأعماق كصور شعرية مشوّقة ومثيرة، وبشكل عام تعتبر الملهاة (رحلة) فكرية طويلة مترعة بالأنفعالات والمشاعر والتي كانت غائبة شعوب العصور الوسطى، فهي مكوّنة من 1429 بيتاً موزعة على ثلاث أجزاء الآول يحمل عنوان (الجحيم) والثاني (المطهر) والثالث (الفردوس) .

ويرى الشاعر الفرنسي (فكتور هوجو): أن دانتي من العقول الخصبة وستبقى ذكراه خالدة في الفكر الأدبي لأنهُ وضع الأله الخالق في جوهركتاباته والكون على هامشها / أنتهى

أما أبو العلاء المعري هوعلامةٌ فكرية بارزة في عصره خاصة في (رسالة الغفران) وهي أبرز نتاجاته الشعرية الثرة تحتوي روائع ثقافية وأدبية والتي حوت هي الأخرى (رحلة) ممتعة وبهيجة إلى العالم الآخر، بصياغة سحرية مبدعة في اللغة والشعر والعروض والموسيقى والنحو والصرف والرواية .

ويمكن القول بأن ملهاة دانتي ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري سلكتا طرقاً مخنلفة بيد أنهما أشتركتا في التفكير الفلسفي الحر .

النص: الكوميديا اللإلهّية .. الملهاة – للشاعرالإيطالي * دانتي*، 1265م – 1321م، نسجَ أفكارهُ بشعرٍ ملحمّي تحتوي على نظرةٍ خياليةٍ في الإِستعانةِ بالعناصر المجازية حول الآخرة- حسبَ الديانة المسيحية- وتخيلَ عالماً أبدّعهُ من خياله فيه مكانٌ للخير وكذلك للشر- عندما تمرد أولُ ملاكٍ على الّرب، لسريان الشر في الأنسان نفسه، فهو يصبوا في قرارة نفسهِ ألى رحلةِ أرتقاءٍ روحي نحو الكمال، وأيجاد الأنسان النموذجي المُصلِحْ بعد تعميدِه من خطاياه بالتوبة الأزلية بعد معاناة الجَلد الذاتي والتعذيب الروحي المأساوي في مرحلتي رحلة (الجحيم والمُطّهر) ، وبذلك غاصَ الشاعر الإيطالي دانتي في أعماق هذا الكائن العجيب المتمرد والمتعجرف تارةً بجبروت وخيلاء، وواهن ومتمسكن تارةً اُخرى، والكوميديا لا تدور في أطارٍ حماسي حربي وأنما في أطارٍ جديد من القيمّ الروحية "اللوثرية" في أصلاح رجال الدين في الطريقة ألتي يمارسونها في تغيير أتجاهات البشر في السياسة والأصلاح حسبَ أهوائِهم وأستغلالاً لسلطاتهِم في ظُلم الشعوب المسيحية، وتسلطهم بأسم الدين على شؤون الدنيا –متحدياً بها سلطة الكنيسةِ الكاثوليكيةِ في عصرهِ، وترجمتْ ألى معظْم اللغات العالمية.

أقسام الكومبديا الألهّية:

تنقسم الكوميديا الألهّية ألى ثلاثةِ أجزاءٍ (الجحيم، المطّهر، الفردوس)، وتضُمْ 100 أنشودة 34 للجحيم و33 لكلٍ من المطهر والفردوس، وتتألف من 14233 بيت شعر، ورحلة دانتي أستغرقتْ أسبوعاً: يومان للجحيم وأربعة في المُطّهر ويوم في الفردوس، وسبب التسمية ب—الكوميديا: فلأنّها تبدأ بما يزعج وتنتهي بما يفرح على النقيض من التراجيديا ألتي تبدأ بما ترتاح أليه النفس البشرية ثمّ تنتهي بمأساة، أما وصفها ب..اللإلهّية: لأنّ بطل الرواية هو *دانتي* غايتهُ الصعود في السماوات العُلا لمشاهدة الأنوار الساطعة ببريق نور الرّب، وفعلاً يبشر رفيقَ رحلتهِ السماوية الشاعر الروماني (فرجيل) بأنه رأى الله في السماوات العلا في أنشودة الفردوس .

وتبدأ الرحلة بمرحلة الجحيم: رأى مكتوباً على بابها عبارة"الطريق ألى حيث القومُ المجرمين" وكذلك عبارة ثانية" فيا أيها الداخلون من بابي أتركوا كلَ أملٍ قبل دخولكم" يصف دانتي الوان العذاب والبؤس والشقاء، ويقول: ويا للعجب إإ أرى في الجحيم أُناساً بدون خطايا تبين أنهم لم يصلحوا، ويزيد عجبهُ عندما يرى آخرين في الفردوس مفسدين كبعض رجال الدين وشعراء حينَ كفّروا عن ذنوبهم بعمل صالح إإ .

مرحلة المُطُهر: وَجدَ فيها الموتى يبحثون عن الغفران من خطاياهم في الأرض عكس الجحيم الذي فيه المعاناة والشقاء أعتبرهُ دانتي جسرأً إلى الفردوس أو فلتراً لترشيح ألأفاقين والمذنبين من خطاياهم، ويرى دانتي في المُطّهر: إنّ في مقدور الأنسان بجُهدهِ وآلامهِ وأملهِ ورؤياه أن يطهَّر نفسهُ من الخطايا ويصلْ النعيم.

مرحلة الفردوس: وهي المرحلة الأخيرة حين برر فيها عصّيان أول مخلوق لخالقه لأن الشر متأصل في الأنسان نفسه، وفي هذا الجو الصاخب والمشحون بالأرهاصات الفكرية والصراع ألأزلي بين الخير والشر وبين الحلم والحقيقة والوهم والواقع حيناً يسمو دانتي برهبانية وصوفية مجردة من المادة يعرض وصايا المسيح السبعة الرئيسية للبيع المجاني وبين دانتي المتمرد على الخالق والمخلوق، ويرى نفسه بريئاً في الجحيم لأنه لم يصلح ويبرر ذلك بمشاهدةِ أُناسٍ بدون خطايا في الجحيم لكونهم لم يصلحوا، ويرى نفسهُ مع جمعٍ من المذنبين في الفردوس للإصلاح أنفسهم والناس منعّمينْ لأنّهم وجدوا فرصة للأصلاح .

جدلية المقارنة بين الكوميديا الألهية.. ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري.

أبو العلاء المعري شاعرٌ وفيلسوفٌ من العصر العباسي 363 - 449 هجري..- 973 - 1057 م، هاجم عقائد الدين، رفضَ أن الأديان تمتلك الحقائق التي يزعمها، أعتبرمقال الرسل مزورا لذا أتُهمَ بالزندقة لأنّهُ أعلن آراءهُ بأن الدين خرافة أبتدعها القدماء لاقيمة لها ألا لأُلئك الذين يستغفلون السُذّج من الناس، وكان نباتيا لدعم حقوق الحيوان .

وأن رسالة الغفران أثمن روائع الأدب النثري العربي، وهي من سلسلة ذخائر الأدب العربي أو أسطورة اللغة العربية قبل دانتي ب—280 سنة.

وجد الباحثون تشابهاً كبيراً بين الكميديا الألهية ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري، وأثيَر جدلٌ واسع في هذا المجال وأول من أثارَ هذا الجدل هو المستشرق الأسباني الكاهن *بالاثيوس*1919 أكّدَ فيها أثر رسالة الغفران بالكوميديا وأيدتها الأقلام العربية ومنهم من قال (أعمى المعّرةِ كان معلماً لنابغة ايطاليا في الشعر والخيال) ، وآخر: أن الشاعر الأيطالي قد نسخ خطة الملهاة عن رسالة الغفران، مستدلين من أوجُه الشبه بين الرسالتين.

أوجه التشابه

1- أن الرسالتين يصفان أحوال الجحيم والنعيم.

2- وكلاهما أظهرا موقفاً كلياً من المجتمع، والأنسان، والكون .

3- كان كلٌ منهما صوفياً بضميره وشاعراً وفناناً في الفكرة والروح.

4- كان للشعراء نصيباَ كبيراً في "الجحيم" لدى دانتي والمعرى.

5- كلا النصّين ينتهيان الى السماوات العلا في حضرة النور الإلّهي.

6- يشير كلا النصّين الى أهمية الروح وتطهيرها .

7- ملخص الرحلة –في الرسالتين- تكمن في معرفة الرّبْ إإ

8- أن كلاً منهما رحلة الى العالم الآخر.

9- أتخذ المعري "أبن القارح" رفيقاً له يحاوره، وكذلك دانتي أتخذ الشاعر الروماني " فرجيل" رفيقاً له.

10- فيهما آمال وآلام الأنسانية بشكل مشترك.

11- أتفاق دانتي والمعري في الفكرة والروح وتقسيمات الرحلة .

وعلى هذا أُثيرجدلٌ كبيرٌفي أوساط النُخبْ المثقفة منهم من يؤيد وآخر ينفي ويعارض، وللحقيقة وجدتُ كفةَ النافين- في التأثر والأستنساخ- أقوى من حيث قوة المنطق و حجج التباين المكاني والزماني.، ليس هناك ما يدعوالى التشكيك في أستنساخ دانتي لرسالة الغفران من المعري، صحيح أن هناك تشابها في بعض الجوانب - مثل ماعرض في المقال - ولكن هناك شواهد تأريخية ومكانية تثبت بأن الرحلات السماوية (الخيالية) كانت شائعة في تلك الفترة الزمنية مثل الرحلة النبوية: "الأسراء والمعراج"التي فيها وصفا عميقا للجحيم والفردوس و حدثت قبل أن يولد المعري، وهي الأخرى رحلة سماوية للقاء الرب والوصول الى سدرة المنتهى التي هي غاية وأمل جميع الرحلات الخيالية .

وأن الشام ومعرة النعمان تعرضتا للغزو التتري والروماني ونهبت خزائن الكتب والمخطوطات، وأن الملك الأسباني (الفونسو) ملك قشتالة أمر بترجمة رسالة الغفران الى الأسبانية اللغة القشتالية بالذات قبل ولادة دانتي بعام 1264 م، من الجائز والمحتمل أن يطلع هذا الروائي والشاعروالفيلسوف على جميع المخطوطات والكتب المتاحة في عصره، وليس من الضروري أن يستنسخ عمل غيره، وذلك لوجود تباين وأختلاف في العقلية والعقيدة والمضمون والأهداف والغايات والمشاهد والأساليب والتخيلات وذكر الأساطير، وأن التفاعل بين ثقافات الأمم والشعوب هو مؤشر صحيح لبناء الحضارة الأنسانية ..- - لا يمكن لأيةِ أمةٍ من الأممْ أن تبني حضارتها بمعزل عن حضارات الأمم الأخرى، لأنّ الأنسانية جمعاء قد تتلاقى في بعض أفكارٍ وتختلف في أخرى .. تتأثر وتؤثرمن خلال عملية التلاقح الفكري يمكن أن تولد أبداعات عظيمة تُسّخَرْ من أجل خدمة البشرية، لهذا كلُه إني من المؤيدين لفكرة ما يدعو أليهِ البعض من أنّ الكوميديا الألهية غيرمستوحات من رسالة الغفران لأن لكلٍ من الرسالتين شخصيتها المستقلة، وذلك كلٌ منهما تحكي معاناة ما حولها.. الكوميديا الالهية تحكي تسلط الكنيسة وخطايا الصراع المجتمعي الروماني والأغريقي، ورسالة الغفران تحكي ظروف مجتمعية أسلامية بين التشظي المذهبي والعرقي التى أُدلجتْ بمدارس فكرية كالجبرية والقدرية والمعتزلة وتيار الزندقة .. وغيرها من المذاهب الفكرية .

ثم هناك فروقات كثيرة بين الرسالتين تدحض فكرة الأقتباس.. مثل

1- رسالة الغفران هي رحلة خيالية مدهشة الى الدار الآخرة (الى الجنة ثم الى الجحيم) بينما الكوميديا تبدأ (بالجحيم ثم الفردوس)

2- توضيحات المعري في الجنة مادية مليئة بالملذات، بينما توضيحات دانتي في الجنة روحانية صوفية تتركز على الوصايا السبعة الرئيسة للمسيحية.

3- حراس جحيم المعري من الملائكة، بينما عند دانتي من الشياطين.

4- أشخاص الرواة عند المعري شعراء ورواة، وعند دانتي رجال دين وعصاة .

5- الجنة عند المعري ثلاثة أقسام، وعند دانتي تسعة أقسام .

وخلاصة القول أنّ الرحلات الخيالية الى العالم الآخر فكرةٌ أنسانيةٌ مشتركة تحدثّتْ بها الأساطير، وأنّ الرسالتين تعتبران من أبدع روائع الأدب العالمي، ومن أهم الذخائرالتراثية الثّرةِ التي توجتْ خزانة الفكرالأنسانى وأبدعت في الخيال والحقيقة في البحث عن الأنسان المُصلِح والأرتقاء بالذات البشرية الى الكمال الروحي والعقلي.

 

عبد الجبار نوري

سبتمبر/2021

..........................

مصادر البحث وهوامش خارجية

- الكوميديا الآلهية ترجمة المؤرخ المصري حسن عثمان – القاهرة

- كتاب رسالة الغفران لآبي العلاء المعري – تحليل وتحقيق (بنت الشاطئ) الدكتوره عائشه عبدالرحمان- القاهرة –نت

- رسالة الغفران – تحقيق " فوزي عطوي " بيروت 1968

- قصة الحضارة – ترجمة الدكتور " زكي نجيب محمود "- 1988 بيروت