ضياء نافعالترجمة الحرفية - في الكلمات الصغيرة يمكن ان تغرق الاعمال الكبيرة.

التعليق – يذكرنا هذا المثل الروسي الطريف بالتعبير المشهور، والذي استقر بالعربية كما يأتي - الشيطان يكمن في التفاصيل. قال صاحبي، ان هذا المثل حقيقي فعلا، لأن الجهلة يحبون الثرثرة واطلاق الكلمات وحتى التنظير، في محاولة لتغطية جهلهم، ولا يهمهم بتاتا، سواء غرقت الاعمال الكبيرة او لم تغرق ...

**

الترجمة الحرفية – والعيون تنخدع.

التعليق – توجد أمثال كثيرة وعند مختلف الشعوب تتناول هذه المعنى، فلكل عالم هفوة ولكل جواد كبوة، والسباحون الماهرون يغرقون، والقرد يمكن ان يسقط من الشجرة...الخ..الخ، لكن هذا المثل الروسي يتميّز بالذات عن كل تلك الامثال،اذ انه مباشر جدا، ويؤكد على ان الانسان يجب ان يكون دقيقا جدا وحذرا جدا و متأنّيا جدا في كل خطواته، حتى اذا كانت امام عيونه...

**

الترجمة الحرفية – الجبين عريض، والدماغ قليل.

التعليق – هناك مثل ارمني يقول - الرأس كبير، لكن العقل صغير، ومثلنا العربي الطريف وبمختلف لهجاتنا عن (.. طول النخلة وعقل الصخلة..) يصف نفس الحالة، اي - (تعددت الاقوال والوصف واحد !)...

**

الترجمة الحرفية – أفضل ان تعيش فقيرا، من ان تغتني مع الذنوب.

التعليق – مثل نبيل، فالفقير الذي يريد ان يكون غنيّا يجب ان (يرتكب الذنوب !)، ولهذا يقول له هذا المثل الروسي، انه من الافضل ان يبقى فقيرا ونقيّا، من ان يكون غنيّا مذنبا.

**

الترجمة الحرفية – الكتاب في السعادة يجعلك أجمل، وفي التعاسة – أهدأ.

التعليق – مثل جميل جدا، فالكتاب هو مصدر المعرفة، وبالتالي، فانه مفيد في كل الحالات. يؤكد هذا المثل على حقيقة تكاد ان تكون شبه مجهولة لدى الانسان، ولكنها رائعة حقا، وهذه الحقيقة تقول - ان المعرفة ضرورية جدا في السعادة والتعاسة...

**

الترجمة الحرفية – لا تثق بدموع الذئاب.

التعليق – مثل رمزي عميق، يدعو الانسان ان يكون حذرا من دموع الوحوش حوله. قال صاحبي، ان هذا المثل يذكره بدموع سكبها امامه (ذئاب !) بعد كل تغييرجذري كان يحدث في مسيرة المجتمع...

**

 الترجمة الحرفية – الحجر الضروري ليس حملا ثقيلا.

التعليق – يضرب هذا المثل لحثّ الانسان على التحمّل اذا كانت هناك ضرورة لذلك، الصورة الفنية طريفة في المثل ومباشرة جدا، اذ ان (الحجر !) الذي يعتبر دائما (حملا ثقيلا)، يصبح عند الضرورة (ليس ثقيلا !)...

**

الترجمة الحرفية – لا تتحدث مع الاحول حول الاعوج.

التعليق – مثل طريف جدا، ويبدو للوهلة الاولى مرحا، الا انه في الواقع ذكيّ و دقيق جدا،اذ انه يحذر من الكلام مع شخص يرى (المستقيم اعوجا) بالاساس، اذ لا جدوى ابدا من هذا الكلام مع شخص يمتلك نظرة مسبقة للاشياء والظواهر، ولا يقدر ان يراها بشكل آخر، لانه (أحول!!!). مثل حكيم حقا.

**

الترجمة الحرفية – بالانتظار شبعانا لن تكون.

التعليق – اي بالانتظار ستبقى جوعانا. من الواضح ان هذا المثل يدعو الانسان للعمل من اجل ان يأكل كي تستمر الحياة ، لا ان يسكت وينتظر، والا فانه سيموت جوعا، وهي دعوة صادقة ونبيلة للسعي نحو حياة انسانية كريمة. لنتذكر الآية الكريمة –...وان ليس للانسان الا ما سعى، وان سعيه سوف يرى ... 

***

ا. د. ضياء نافع

..................

من الطبعة الثانية المزيدة لكتاب: (معجم الامثال الروسية)، الذي سيصدر عن دار نوّار للنشر في بغداد وموسكو قريبا.

ض. ن.

 

 

صادق السامرائيقائد آشوري معروف، أسس أول مكتبة في تأريخ البشرية في القرن السابع قبل الميلاد، إحتوت على أكثر من ثلاثين ألف من الألواح الطينية، المكتوبة باللغة الأكدية في موضوعات تعود لسنوات (627- 668) ق.م. وهي " أثمن وأقدم وأكبر مكتبة في التأريخ".

وبعد تدمير نينوى(612 ق.م) من قبل البابليين والسكوثيون والميديون، أحرقوا المكتبة فانصهرت بعض الألواح وإنفخرت أكثرها فبقيت رسائل نور للأجيال.

آشور بانيبال الذي لقب نفسه: "عناية الحاكم الآشوري المثقف آشور بانيبال ملك العالم وملك الآشورين"!!

كان في قصره مكتبة تضم أكثر من ألف لوح طيني، وقد جمع معارف حضارات وادي الرافدين والدنيا، مثلما فعل المأمون في بيت الحكمة ببغداد.

وقد عرّقتنا هذه المكتبة على ملحمة جلجامش، أسطورة الخلق البابلية، معاهدة أسرحدون، موشور سرجون، لوح كوكب الزهرة، نقش أزيكا، وغيرها من النصوص والملاحم والقصص.

والحمد لله أن المتحف البريطاني لديه العديد من الرُقم الطينية التي وُجِدت في المكتبة، وإلاّ لدمرناها كما دمرنا غيرها من الآثار.

وما يجب الإشارة إليه في هذا الموضوع، أن القائد يجب أن يكون مثقفا لكي يرتقي بشعبه إلى مطلق الرؤى والتصورات، وبه الشعب يكون ومنه يستلهم تطلعات وجود أصيل.

كما أن التنوير والتغيير بحاجة لقائد تنويري، يحب الثقافة ويؤمن بالعقل، والقدرة على صناعة الحياة الأفضل، بالتفاعل والتعلم والقراءة المتواصلة.

وآشور بانيبال يؤكد أن الثقافة والتنوير نبع الحضارة ومنطلق الصيرورة الإنسانية العليا، ولهذا جمع ما تركته الحضارات السابقة، وما ضمته قصور الملوك من قبله من مصادر للمعرفة والعلم.

كما يشير إلى أهمية المكتبة في صناعة المجتمع الواعي المتنور، الذي يكون قوة لها شأنها في الحفاظ على الدولة ودورها في الحياة، ولا تزال المكتبة من المراكز المهمة في المجتمعات المتقدمة، ولها تأثيرها في بناء المواطنة الصالحة.

وظاهرة المكتبة الكبرى الجامعة تكررت في بلاد الرافدين، وإن بدأها آشور بانيبال، فأن المأمون كدّس ثقافات الدنيا ومعارفها في دار الحكمة ببغداد، ويمكن القول بأنهما قد أصابا الحضارة الإنسانية بمقتل لوضعهما ثمراتها في سلة واحدة، وفي الحالتين أصبهما الإحتراق من قبل الأعداء أو الغزاة، ففي حريق مكتبة آشور بانيبال إنصهرت آلاف الرقم الطينية وذابت، وقسم منها تحولت إلى رقم فخارية، وبيت الحكمة تحول إلى رماد، وحبر مذاب في مياه النهرين.

ترى هل سنفوز بقائد تنويري يقرأ ويعرف قيمة الثقافة ويسعى لبناء الإنسان.!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

يسري عبد الغنيحينما أصيبت الثورة المصرية بجرح هزيمة 67 الغائر، ثم برحيل فارسها عبد الناصر عام 70، شاهد جاهين كل شئ ينهار من حوله، فأصاب شاعر الثورة احباط الانكسار ودخل في صمت المطعون المكلوم. ومع صعود الرئيس "المؤمن" - الذى كان معروفا طوال سنوات الثورة بأنور السادات لنكتشف فجأة ان اسمه الحقيقى هو محمد انور السادات !- أطلقت الاشارة لبدء حركة الهجوم الوحشى والتشويه المجانى لكل جوانب الثورة، المظلم منها والمضئ معا، حتى أن السد العالى نفسه – الذى أعترف العالم مؤخرا انه اهم عشرة مشاريع هندسية في العالم في القرن العشرين – لم يسلم من حملة التشويه الآثمة لإنجازات الثورة.

ولم يجد شاعر الثورة له مخرجا من نفق الاحباط وظلمة الاحساس بالغبن والضياع وربما لوم الذات وانكار الحلم بل ومعاداته سوى الدخول الى دوامة العمل السينمائى السهل في حركة هى اقرب الى حركات مهرج السيرك الذى يضحك الآخرين بقلب نازف – فكتب لصديقة دربه سعاد حسنى اغنيات فيلمها "خلى بالك من زوزو" الذى حقق نجاحا جماهيريا ساحقا، بين جماهير متغيرة كانت قد تعبت من وطئة احلامها طوال عشرين عاما، وتعبت من الحروب والمعارك والاناشيد، وارادت ان تنسى وترقص وتلهو على انغام تقول لها ان "الدنيا ربيع، والجو بديع، قفلى على كل المواضيع" وهكذا نظر بعض المثقفين في حزن الى شاعر الثورة وفارسها القديم وقد انكسرت قوادم احلامه (كما تنبأ صلاح عبد الصبور) وتحول مغنى الجماهيرالى مضحكها .

وهو دور استنكروه عليه ولكنه لم يستنكره على نفسه فقد كان دائما منحازا الى الجماهير البسيطة يعبر عن أحلامها وآمالها وعن ضحكاتها وأوجاعها . ولم يجد غضاضة في ان ينحاز اليها في لهوها ومزاحها وهو المنحاز أبدا للفرحة والبهجة.

وقد أراد له –وتوقع منه- البعض ان ينخرط –وهو شاعر الثورة- في حركة المعارضة الشعبية والطلابية لنظام السادات قبل حرب العبور كما فعل أحمد فؤاد نجم بأشعاره الجارفة التى لحنها وغناها الشيخ امام والتى دخلا السجون بسببها . ولكن جاهين لم يفعل ولم يكن له ان يسير في درب غير دربه فعالمه الشعرى ليس عالم احتجاج ومعارضة ضد النظام فقد كان منسجما مع النظام الناصرى الذى كان منسجما مع أحلام الفقراء وآمال المثقفين معا، وجاهين المنحاز للفرح في الحياة لم يجد في نفسه طبيعة الصدام والمعارضة والهجوم على الآخرين. بما في هذه من العنف العاطفى والخشونة الوجدانية الضرورية للتحمل والصمود . نعم هو شاعر الحلم الثورى لكنه ليس شاعر الغضب والتصدى والتعدى، ولذلك كانت لأناشيده الثورية دائما جانب الاعراس المحفوف بالأجراس والمزامير والرقصات الشعبية، فليدع التصدى والمقاومة والغضب الشعبى لغيره من الشعراء مثل نجم. فهل كان في هذا خائنا لنفسه أم متسقا معها؟

لاشك ان هذا سؤال سيستدعى إجابات متناقضة من نقاد مختلفين.

أما نحن الذين  طالما اترع قلبهم مما كان يسكب لنا جاهين كل يوم من مياه المحبة والبهجة والأمل المثير فليس عندنا له سوى فيضان من مشاعر العرفان والممنونية والإنحياز الحميم.

ولعل أجمل مايعبر عن حالة جاهين تلك بعد أنهيار أحلام الثورة التى شارك في صنعها هى رباعيته التى كتبها عندما أصابه انسداد في شرايين القلب احتاج الى جراحة في صيف 1981:

يامشرط الجراح أمانة عليك

وانت في حشايا تبص من حواليك

فيه نقطة سودة في قلبى بدأت تبان

شيلها كمان.. والفضل يرجع اليك.

لقد كانت النقطة السوداء قد احتلت قلبه الكبير وراحت تكبر فيه وتنهشه هى نفسها النقطة التى اصابت قلب مصر مع جرح 67 ومع رحيل ناصر وانهيار احلام الجيل الصاعد وتسليم السادات مفاتيح مصر للتيارات الدينية الظلامية التى أطفأت مصابيح مصر واحدا بعد الآخر وحاربت الفن والفكر والابداع والتحرر والمساواة والفرح والبهجة والانطلاق والغناء والرقص والمزامير ، فكانت هى الخاتمة السوداء لاحدى أجمل فترات النهضة المصرية في تاريخها الحديث.

سيظل جاهين صوتا مميزا مزهوا في الوجدان المصرى الى الأبد. فالشاعر الاصيل لايعرف موتا ولاصمتا. وهو الذى قال:

دخل الشتا وقفل البيبان ع البيوت

وجعل شعاع الشمس خيط عنكبوت

وحاجات كتير بتموت في ليل الشتا

لكن حاجات أكتر بترفض تموت.

وكان تاريخ5 يونيو 1967 تاريخا فاصلا في حياة جاهين فقد هزمته النكسة مثلما هزمت كل الشعب المصرى ولكن احساس الفنان غالبا ما يكون مضاعف فقد اصيب صلاح جاهين بحالة من الاكتئاب لم يشف منها حتى رحيله، فتوقف عن كتابة الأغاني والأناشيد الوطنية، و اتجه إلى الكتابة في اتجاهين الشعر التأملي العميق كما في الرباعيات والأغاني الخفيفة و كان أشهرها أغنية سعاد حسني "يا واد يا تقيل" وغيرها والطريف أن ملحن هذه الأغاني هو الموسيقي الكبير كمال الطويل الذي كان في يلحن له أغانيه الوطنية وكان آخرها "راجعين بقوة السلاح" الذى اعتبرها صلاح سبب كآبته لان ام كلثوم غنتها عشية النكسة وتحطمت كلماتها على صخور الواقع والتى يقول فيها:

راجعين بقوة السلاح راجعين نحرر الحمى

راجعين كما رجع الصباح من بعد ليلة مظلمة

وقد توفى الشاعر العظيم صلاح جاهين 21 ابريل عام 1986 حين ابتلع جرعة زائدة من الحبوب المنومة والتي كان يتناولها للتخلص من مرض الاكتئاب ولكنه اسلم الروح وهو لم يتجاوز السادسة والخمسين من العمر، مخلفا وراءه ثروة فنية هائلة تمثلت في مئات القصائد ورسوم الكاريكاتير وقد اتهمه كثيرون بالانتحار.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

مجاهد منعثر الخفاجييمكننا غسل أثوابنا في كل وقت، لكن لا يتمكن جميع البشر من غسل الضمير عما ارتكب من درن الخطايا المتعمدة.

جراح صنعناها بأنفسنا ومزقنا وسادتها الناعمة بإرادتنا، هذه الجراح من المستحيل تضميدها حيث لا تلتئم أبدا.

قتلت فينا صوت الحق بالمكر والكيد والخديعة وما أيسر ما فعلنا ونفعل بضمير مستتر .

نبرر تأنيب أفعالنا بحجة واهية ونحبس أنفاس الضمير لنخرج من الإنسانية إلى الحيوانية كخروج السمكة على حافة الماء، فهل ياترى نستطيع الدخول للإنسانية مرة أخرى؟

من المؤكد أن الضمير الحي لا يخشى من يطرق بابه منتصف الليل.

لم لا يسأل الإنسان نفسه: كم مرة علقت الشعرة الإلهية التي تضيء القلوب على الشماعة وظلمت، اغتصبت، وشيت بالآخرين؟

 العين تنطق والأفواه صامتة، ربما ينجو الشرير من عقاب القانون وفضيحة العار، لكن عند اقتراب الأجل يأتيه العقاب الأولي بالقهر ثم يدخل النار .

هل زارك ذلك الصوت الخافت ليدوي في افكارك ويقلبك في مضجعك وهداك من القلب تبيانا؟

أصنت حقوق الله والناس وحرست الأعمال من دواعي التفريط والإهمال.

بعد أن يمضي العمر نلاحظ غض النظر عن بعض الموبقات الكبيرة وتناسيها، لتعود علينا في شريط الذكريات المؤلمة ونتمنى عودة الزمان  لتختطف جوارحنا الحكمة ولا نقدم على الأفعال الشريرة التي تسببت في إطفاء الومضة النورانية في القلب .

وتأخذنا الأماني لو نحيا من جديد بعقليتنا بعد أن شارفنا على الانهيار، لا تنفع الأماني ولا الهروب أو الانعزال في سبيل إيقاف دوي الأفكار، لكنّا كأصداف هشّة على شاطئٍ غدره الليل بجَزْرٍ عتيد.

اين كنا ولم ننهض لكي لا ترتطم نجوم سقوفنا العالية بالأرض؟

ألا نعلم قتلنا في صمود الحياة بتوقف عملية شهيقٌ وزفيرٌ، ألا نرى بأم أعيننا تساقط الأقران والأقرباء كزخات مطر . تتقلب الحياة أمامنا كل لحظة، ذاك يرحل برصاصة توخز أحشاءه، أخر برفة قلب تمرّدَت على الانتظام، غيره بتخثّر قطرة دمٍ لم تحتمل الخذلان، آخرين بجائحة  ولنا في الجائحات دروس. ومع رحيل كل فرد تخور قوانا في لحظة ويبقى جاهنا ممنوعًا من الصرف.

حاجتنا إلى تغيير أنفسنا بعد معرفتها بإشعال ظلمة القلب بالنور الإلهي لتتوقد الأولى وتصلح المعوج مما مضى قبل فوات الأوان.

 

بقلم / مجاهد منعثر منشد

 

 

نبيل عرابي..وخفتت أضواء المسرح. فانتظر المتفرّجون نبضَ نورٍ يبعَثُ الحياةَ فيما حولهم، أنفاسَ صوتٍ تحرِّكُ حاسّةً ما من حواسّهم. عبروا إلى الضفّة الأخرى. فطالَ انتظارهم!

2-

..وهدأت أضواءُ المسرح. فماج الظلامُ على راحته. وأخذَ الصمتُ إجازةً من ضوضائه. وغزت الاحلامُ سحابات الخيال المنبعثة من ظنون الحاضرين، حتى ضاقت بأذهانهم، فامتدّت لتطال آخرين!

3-

..ودارت أضواء المسرح. فأعلنت المقاعدُ جهوزية صبرها، وقدرة تحمّلها، بعد أن استشاطت نفوس الجالسين غبناً، وبدأت تتسلل إلى مرافقهم ذبذبات حقيقة اللعبة!

4-

..وعادت أضواء المسرح، بعد أن فُتِحَ الستارُ القماشيّ الازرق الفتّان، وبعد أن نالت العيون حصّتها من زخارف تلفّ الخشبة برمّتها، تَعِدُ بمشاهدَ تُقاربُ الواقع، وتلتزمُ حدود الخيال، وتبقى على مسافة واحدة من كلّ عيشٍ مرسومٍ بألواننا!

5-

..وانطفأت أضواء المسرح، ومرّت كلّ أشكال الوقت والبقاء والاحاسيس التي اكتظّ بها المكان، وعلا شعاع يُنبأُ بانتهاء العرض، ويأمل بأن يكون قد نال الاعجاب المتوسّم.. عندها فُتِحت أبوابُ المخارج، ولم يبقَ على الخشبة، إلا بعض وجوه باهتة، وهندسة مكانية عابثة، وأسلاك مشوّهة، تنتظر مَن يحنو عليها، لتصل الصورة إلى ضيوف الغد الآتي.

***

نبيل عرابي

 

 

يسري عبد الغنيكان ديفو وسويفت أعظم صحفيين في عصرهما، ولقد ازداد اليوم شهرة لكونهما مؤلفين أول روايتين إنجليزيتين عظيمتين (روبنسون كروزو)، و(رحلات جليفر)، وقراءة هاتين الروايتين فيهما من المتعة ما كان لهما منذ أكثر من 290 عامًا، وكان الإنجاز الرئيسي لديفو وسويفت هو كتابة النثر الإنجليزي واضحًا مباشرًا، يمكن لأعضاء الطبقة المتوسطة تفهمه بسهولة ويسر، ففي القرن التاسع عشر، كان النثر الإنجليزي بلغة المثقفين الأكثر تقعرًا، مليئًا بالاقتباسات التقليدية من التراث، وباللمحات العلمية والفلسفية الصعبة، ويرجع الفضل في الأسلوب الجديد السهل في الكتابة، أكثر ما يرجع، إلى أثر المقاهي التي ازدهرت خلال حكم الملكة آن، حيث نقرأ أن هذه المقاهي في نهاية القرن السابع عشر كانت تعد مراكز مألوفة للحوار السياسي والفكري والأدبي، وكانت الصحف والكتيبات توزع هناك، أو تعلق ليقرأها الجميع .

هذا، ولقد توطدت هذه المقاييس الأدبية الجديدة البسيطة في أواخر القرن السابع عشر وبداية الثامن عشر في المقاهي، لتغطي ما يعرف باسم العصر الأغسطي في الأدب الإنجليزي، وهو يسمى أيضًا (العصر الكلاسيكي )، أو (عصر المنطق)، لأن العقيدة سادت بأنه لا بد لكل كتابة، شعرًا كانت أو نثرًا، أن تحذو حذو ما كان للكتاب اللاتين القدماء من أسلوب سلس سهل، وكانت كل هذه الأفكار تناقش في المقاهي التي هي بمثابة منتديات ثقافية للجميع .

وكان الشاعر الكبير، والمسرحي، والناقد / جون درا يدين (1631 م ـ 1700 م) أبًا للمقاهي الأدبية، فربما أمضى أمسياته في (مقهى ويل)، يبث أفكاره عن الأدب لشبان مثل (أديسون) و(ستيل)، الذين قدر لهما أخيرًا نشر المعرفة في مجلات مثل: (سبكتاتور) و(تاتلر)، وقد روي عن إديسون قوله: " إن غاية طموحي كان في إخراج الفلسفة من الخزائن والمكتبات، والمدارس والكليات، حتى تغشى المنتديات والأندية، ومناضد الشاي، وتتسرب إلى المقاهي " .

وبموت درا يدين عام 1700 م، احتل أديسون منصب الحكم في التذوق الأدبي في مقهى ويل أولاً، وأخيرًا في مقهى باتون .

كان أدب ذلك العصر محببًا بهيجًا، وقد كانت الطبقات العليا والوسطى قانعة بالحياة، وغاية آمالها أن تصبح الحياة أكثر راحة .

وخلال حكم كل من الملكين: جورج الأول، وجورج الثاني، كان رجال الأدب والفكر والثقافة على جانب من السلطة والقوة كبيرين في المحيطين السياسي والاجتماعي، فالسياسيون القديرون، مثل: جودولفين، وهارلي، بولينجبروك، يستخدمون الكتاب لعرض الحجج السياسية على الجماهير، ولقد استخدم كل من ديفو وسويفت في هذا السبيل .

 

بقلم: د.يسري عبد الغني

 

صادق السامرائيبُطوط: جمع بطة

كُتِبَ الكثيرعن إبن بطوطة (703 - 779) هجرية، الرحالة القرطبي الأندلسي المشهور، وإشتهر كتابه "رحلة إبن بُطوطة"، على مر العصور والأزمان، ولايزال مثار دراسة وتحقيق.

وقصتي مع إبن بطوطة، بدأت منذ الصغر حيث أوقد في نفسي روح السفر، والإطلاع على طبائع البشر.

وذات يوم وجدتني في "مول" في مدينة دبي يحمل إسمه، فتجولت فيه وقرأت ما كُتب عنه، وكأنني في رحلة بطوطية إفتراضية حية.

وكانت الأسئلة تطاردني ومنها:

ما الذي دفع بشاب أن يقرر السفر في ذلك الزمان المشحون بالأخطار؟

ما هي الغاية من ترحاله، وكيف يعيل نفسه ويعرف طريقه؟

ولماذا يكون تواصله مع وجهاء وقادة المجتمعات التي يحل بها؟

وماذا يريد أن ينجز، وهل كانت مهنته الترحال؟

وكيف طافت شهرته في الآفاق؟

ظاهرة!! إبن بطوطة ظاهرة سلوكية عبّرت عن حاجات نفسية ونوازع كامنة في البشر تجمعت وتفاعلت وترجمت إرادتها بواسطته، فكان الممثل الإتساني لرسالة حب المعرفة والإطلاع، والقوة اللازمة لإطعام الجوع الشديد لسبر أغوار المجهول، والتعرف على معاني الحياة ومشاربها، وكيف يعيش البشر في أصقاع الدنيا.

وقد سبقه إلى هذا السلوك الإستطلاعي عدد من الرحالة العرب في زمن الدولة العباسية، لكن رحلاتهم كانت مختصرة وذات مهام دبلوماسية، كأن يرسل وفد إلى بلاد ما وأحد أعضائه يسجل مشاهداته في الطريق وما يشابهها من المدونات.

إبن بطوطة ثورة معرفية متوثبة تحلت بالجرأة والثقة بالنفس والصدق والإيمان المطلق بالقدرة على الإنجاز، وإحساس كامل بالسلامة والأمان، وهذه لا تتوفر في أي شخص بتلك الأزمان.

 

د. صادق السامرائي

 

 

امان السيد كان حريا نسب المفهومين إلى ياء متكلم تخصني، غير أنني رأيت أني سأشتط في الأمر لو فعلته.

 تتنوع انعكاسات العاطفة بين هذا وذاك، والحكماء يقولون بتوازيها، ولكن من الذي يستطيعه حقا!

شرهاء نحن في الحياة، تؤرقنا غرائزنا أنى خضنا في ركابها، وأكاد أجزم أن المرء منا كتلة من الغرائز لا مكان للعقل فيها إلا وهما!

 الساحة ساحتي، ولي الحق أن أتجلى فيها برؤيتي، لذا سأتحدث عني عاطفيا، ثم عن الآخرين عقليا، فأنا لا أكاد أمسك بلجام فرسي، إلا وينزلق زئبقها مني.

 منذ فترة وأنا خارج التغطية. عبارة قلتها لصديق مقرّب، وهو يذكرني بالتزام كتابي للنشر بيننا، كدت أسمع ضحكته ترن من وراء المسنجر، ونحن يفصلنا الكثير من المسافات التي خضتها بلجام عاطفتي المتعقلة.. أكاد ألمح استغرابا ما وتمتمات: كم أنك متناقضة!

 يا إلهي، ومن يتجرأ بأن ينفي ذلك؟ّ! وأي شخص حقيقي في ذاته لا يؤكد ذاته، وإن كان يتراءى له، أو يخادع. في النهاية نحن نخادع أنفسنا جميعا!

 المهم صديقي المقرّب هتف: سأعيدك إلى داخلها.. التغطية طبعا... تركته وعدت إلى عالم منذ شهور أتبلبل فيه، كحصان أغرقه المطر، وهو يحاول العدو في اتجاهات تجتمع عليه، ينتفض، ثم يطفو، ثم يركز رجليه في الأرض، ثم يغيب ثانية عن الوعي.. هل هو مثلي مكتظّ بمشاعر حرب، بين عاطفة وعقل؟!

الأصعب من ذلك كله أن المدى يحالفك بالحظ، غير أنك حين تحصل على ما كنت تأمله، وتخطط له، ترجع ثانية إلى نقطة المسار الأولى التي تتشارك فيها الأحصنة، وتستحث الرمل بساقيك حين تقرر السفر المضني حيث اللاشيء بانتظارك، فتكتشف أنك علامة انتظار تسقط فوق نقطة وليدة تحبو وذاك الثقل يسقط فوقها..

ولأول مرة تكتشف أنك ثقيل جدا، وزنك الافتراضي، أنفاسك، كيانك الوجودي، ونبض قلبك، ودماؤك، عبر أحلام هدأت بشكل مريع.. ترى أهو الحلم الذي يجعلنا بمهوى ريشة غرزت في جناح طائر؟!

كل شيء ثقيل جدا لدرجة يشعرك بأنك منبوذ في عالم سكنته يوما، ونحتّ فيه عُمرا، وها أنت تأتيه زائرا، تجرك عاطفتك بأذيالها الأولى التي تكتشف أيضا أنك لم ترمها عنك حين قررت رحلة اللجوء الإرادي، وكان لك ذلك الجحيم، والنعيم!

تنتعش هيلين، والفرسان المنتظرون تأهبا في كياني الوجودي، وأعماقي الهلامية، أستكين قليلا وأنا أراقب استعدادهم للوثوب خارجي.. ترى كم ستنتج تلك الحرب من الضحايا لو تأججت اللحظة!

 أفضل شيء هو ألا تكون شيئا.. جرّب ذلك، وعندئذ ستصل إلى التوازي الحق بين عاطفتك وما تفلسف به الحكماء من الأقاويل، والمناشير!

 

أمان السيد

 

 

يسري عبد الغنيكتاب «الهوامل والشوامل» في الحقيقة كتابان لمؤلفين كبيرين أسئلة من «ابي حيان التوحيدي» سماها الهوامل وأجوبة من مسكوية سماها الشوامل .

ومعنى الهوامل الإبل السائمة يهملها صاحبها ويتركها ترعى، والشوامل الحيوانات التي تضبط الإبل الهوامل فتجمعها، وقد استعار أبوحيان التوحيدي كلمة الهوامل لأسئلته المبعثرة التي تنتظر الجواب، واستعمل مسكوية كلمة الشوامل، في الإجابات التي أجاب بها فضبطت هوامل أبي حيان.

أبوحيان التوحيدي هو علي بن محمد العباس التوحيدي الذي يعتبر من أعظم كتّاب النثر العربي، ولد في بغداد سنة 310هـ من أبوين فقيرين، إذا كان أبوه يبيع نوعاً من التمر يقال له «التوحيد» وجرياً على عادة الانتساب للمهن، فقد انتسب أبو حيان وأبوه من قبله لتلك المهنة.

وأبو حيان التوحيدي فيلسوف وعلاّمة وأستاذ في الكلام والنحو وإمام في الفقه، واستطاع أن يؤثر في معظم شخصيات عصره، فكان فيما كتبه صدى أمين لأحداث عصره وتياراته الفكرية والأدبية والاجتماعية، وظل علماً إلى أن توفي سنة 414 للهجرة في مدينة «شيراز» ودفن فيها.

أمّا ابن مسكويه «فهو أحمد بن محمد بن يعقوب المولود سنة 330 هجرية والمتوفى سنة 421هجرية» وقد عاش حياته كلها في ظل دولة بني بويه، التي بدأت سنة 320 هـ وانتهت سنة 447 ه، وكان أمراء هذه الدولة يتسابقون في تشجيع العلوم والآداب، محاكين بذلك الخلفاء العباسيين في العصر الذهبي للدولة العباسية، وكان «ابن مسكويه» أحد العلماء الذين عرفتهم هذه الدولة.

يدل كتاب «الهوامل» على أن أبا حيان شخصية فلسفية تستخلص الأسئلة من كل ما يقع أمامها، سواء أكانت المسائل خلقية أو اجتماعية أم لغوية أو اقتصادية أو نفسية، ففي كل ذلك يسأل، وكثيراَ ما تثير المسألة حولها، جمله مسائل فيسأل عنها أيضا.

كما يدل أن أسلوبه في أسئلته أسلوب أدبي فني رائع يمتاز حتى عن أسلوب «مسكوية» الفلسفي الذي يحوطه الغموض كما يدل على أن أبا حيان كثير الشكوى من الزمان والمكان، وشكا كثيراً لمسكويه، فقرعه مسكويه على شكواه إذ قال له: قرأت مسائلك التي سألتني أجوبتها، فشكوت فيها الزمان، واستبطأت بها الإخوان، فوجدتك تشكو الداء القديم والمرض العقيم، فانظر - حفظك الله - إلى كثرة الباكين حولك وتأس، أو إلى الصابرين معك وتسل، فلعمر أبيك - إنما تشكو إلى شاك، وتبكي على باك ففي كل حلق شجى، وفي كل عين قذى، وكل أحد يلتمس من أخيه مالا يجده أباً عنده،ولو كان حد الصديق ما رسمه الحكماء حين قالو: صديقك آخر هو أنت إلا أنه غيرك بالشخص.

كما يدل الكتاب على أن أبا حيان كان واسع الأفق متعدد النواحي وهو في ذلك أيضاً يفضل مسكويه، إذ كان أبو حيان فيلسوفاً مع الفلاسفة ومتكلماً مع المتكلمين ولغوياً مع اللغويين ومتصوفاً مع المتصوفة ونحو ذلك.

ويتسع أفقه حتى يشمل البحث في ذات الله وصفاته كما ورد في المسألة «16» وكان مسكويه أضيق منه أفقاً، كما كان أسوا منه تعبيراً، فليس له مجال كبير يجول فيه ويصول إلا في الفلسفة، ومن بديع أسئلة أبي حيان رقم 153 عن المسألة الواحدة يكون فيها حكمان من فقيهين أحدهما يحلها والآخر يحرمها ومن بديع الجواب أن المسألة الواحدة قد يختلف حكمها باختلاف الزمان والمكان والعادة ومصالح الناس.

فقد تكون المسألة حلالاً في زمان ومكان حراماً في غيرهما، كالذي روى أن أبا حنيفة أفتى بأن من غصب ثوباً صبغه بالأسود كان قد قلل من قيمته، بينما أفتى أبو يوسف بأن من صبغه صبغاً أسود فقد زاد من قيمته، والسبب في ذلك أن أبا حنيفة أفتى في زمان لم يتخذ فيه العباسيون السواد شعاراً لهم، وأفتى أبو يوسف في زمان أتخذ فيه السواد شعاراً.

وقد يسأل أبو حيان سؤالاً كان قد سئل إياه من طالب آخر، فيحيل السؤال على مسكويه، بعد أن يجيب هو بنفسه ليرى هل يجيب مسكويه نفس الإجابة، وقد سأل أبو حيان سائل: هل تخرج الشريعة عن مقتضى العقل، فإن لم تخرج فكيف يعلل ذبح الذبائح؟ وقد أجاب مسكويه: بأن من المحال أن تخرج الشريعة عن مقتضى العقل لأنها وضعت لمصلحة الناس فإن وجد ما يخالف العقل فذلك شيء ظاهري فقط.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

ضياء نافعالترجمة الحرفية – لا تزعل من خشونة كلمة، ولا تستسلم من حنان كلمة .

التعليق – مثل طريف وفريد من نوعه، يدعو الانسان ان يسيطر على ردود فعله تجاه الكلمات، والتأنّي باتخاذ القرار المناسب بشأنها . قال صاحبي، انه يتمنى تعميم هذا المثل على الجميع لانه ضروري للحياة اليومية في كل المجتمعات، فما أكثر ما زعلنا وما أكثر ما استسلمنا نتيجة سماعنا لكلمة هنا او كلمة هناك ...

**

الترجمة الحرفية – عندما ترقد للنوم، فكّر، بأي شئ تبدأ صباحا .

التعليق – كل خطوات الانسان يجب ان تخضع للتفكير السليم والهادئ، ولا يوجد مكان أهدأ من الفراش عندما ترقد للنوم . مثل حكيم جدا، وكم سيساعد الانسان عندما يصبح قاعدة عامة لحياته .

**

الترجمة الحرفية – الفأر في العنبر لا يهلك .

التعليق – قال صاحبي، ان هذا المثل سياسي بامتياز، ويتطابق مع واقع السياسيين في عنابر بلداننا . ضحكت أنا وقلت له، لن اتناقش معك، لأني أعرف مسبقا عدم جدوى النقاش مع شخص عانى ولازال يعاني من هؤلاء (الفئران !)، وهم يسرحون ويمرحون في عنابر بلداننا الغنية والعامرة بالخيرات ...

**

الترجمة الحرفية – امدح الصباح في المساء .

التعليق – يوجد مثل روسي (أشرنا اليه سابقا) يقول – لا تقل ما عملت ، بل قل ما انتهيت من عمله ، وبشكل عام، توجد امثال مختلفة تؤكد على عدم التسرع بمدح الاشياء او الظواهر قبل نهايتها، فالامور بخواتمها . مثل صحيح وحكيم وجميل .

**

الترجمة الحرفية – ويحدث الكذب ببساطة، أما الافتراء - فدائما بقصد وبتعمّد .

التعليق – مثل حقيقي فعلا، اذ حتى يوجد تعبير – (كذب أبيض)، والذي قد يضطر الانسان في بعض الحالات الى استخدامه في مسيرة حياته اليومية، ولكن الافتراء لا يحدث بالصدفة ابدا، وانما يخضع مسبقا الى تخطيط شرير ولئيم حتما ...

**

الترجمة الحرفية - عند المصيبة المرّة لا يوجد طعام حلو .

التعليق – صحيح جدا، اذ عند حدوث المصيبة يصبح كل شئ امام الانسان أسود اللون، بما فيه الطعام الذي يجب ان يتناوله – ولو حتى في حده الاقل – اثناء المصيبة .

**

الترجمة الحرفية - في الغربة والكلب يشتاق .

التعليق – قال صاحبي، ان هذا المثل رمزي واضح المعالم ويقول، ان كل انسان في الغربة يشتاق ويحنّ الى بلده حتى لو كان كلبا . سألته – ولماذا يفسّر هذا المثل هكذا، فقال، لأن الغربة ترتبط بحياة الانسان فقط وبغض النظر عن طبيعة هذا الانسان وصفاته وموقعه في المجتمع، اما الكلاب الحقيقية، فانها لا تهاجر ...

**

الترجمة الحرفية – لا تخاف من السيد النبيل، وانما من الخادم .

التعليق – هذا مثل روسي بحت، ويرتبط بتراثهم وتاريخهم، حيث كان هناك سادة وعبيد، ولكن هذا المثل – مع ذلك – يتناول حالة انسانية عامة في كل المجتمعات . لنتذكر القول العميق والعظيم في تراثنا، الذي يقول – ليس الخوف من الشبعان اذا جاع، بل الخوف من الجائع اذا شبع ...

***

ا. د. ضياء نافع

.....................

من الطبعة الثانية المزيدة لكتاب: (معجم الامثال الروسية)، الذي سيصدر عن دار نوّار للنشر في بغداد وموسكو قريبا .

ض . ن .

 

ضياء نافعنشرت صحيفة (ليتيراتورنايا غازيتا) الروسية الاسبوعية في عددها الصادر بتاريخ 25/ 11 / 2020 وعلى صفحتها الاولى صورة ملوّنة كبيرة لايغور زولوتسكي بمناسبة بلوغه التسعين من عمره . تساءلت انا بيني وبين نفسي، من هو زولوتسكي هذا، الذي نشرت صورته وبهذا الشكل البارز صحيفة شهيرة مثل (ليتيراتورنايا غازيتا) . حاولت – وانا اشتري الصحيفة – ان أتذكر، اذ كان يبدو لي انه اسم معروف لديّ، ولكنني نسيته (عمر واتعده الثمانين يا مظفر النواب !!!). استلمت الصحيفة، وبدأت رأسا بالقاء نظرة سريعة على المقالة التفصيلية عنه، وتذكرت طبعا، انه مؤلف الكتاب الشهير عن غوغول، الذي صدر ضمن سلسلة روسية شهيرة تسمى - (حياة الناس الرائعين، حسب الترجمة الحرفية، او حياة العظماء، او حياة الاعلام، حسب الترجمة السليمة الصحيحة)، هذا الكتاب الذي تميّز آنذاك فعلا ضمن الكتب الروسية عن غوغول (ظهرت طبعته الاولى عام 1979، والثانية عام 1984، والثالثة عام 1998، والرابعة عام 2005)، والذي جعل من زولوتسكي رأسا ناقدا بارزا شهيرا، وباحثا متميّزا جدا في مجال دراسة غوغول وابداعه، اذ ارتبطت باسمه آنذاك الاستنتاجات الشجاعة (في ذلك الزمن طبعا) عن غوغول، وقد تمّت ترجمة الكتاب هذا الى ثلاث لغات في حينها، وهي – الليتوانية والبلغارية والسلوفينية، حيث تم طبع هذا الكتاب في ثلاث جمهوريات (ليتوانيا وبلغاريا وسلوفينيا)، وهذه ظاهرة نادرة جدا بالنسبة لكتب تلك السلسلة، وليس عبثا طبعا، ان زولوتسكي حصل على جائزة غوغول الادبية في حينه، ثم على جائزة سولجينيتسن عام 2005، وأشارت لجنة تلك الجائزة، الى انها تمنحه اياها نتيجة بحوثة النقدية المتميّزة في تاريخ الادب الروسي بشكل عام وفي دراساته التحليلية المعمقة (ذات النظرة الذاتية المستقلة) في ابداع غوغول بشكل خاص، وهي ملاحظة ذكية جدا من قبل تلك اللجنة لتحديد مكانة هذا الباحث الكبير وقيمته الحقيقية في مجال دراسة الادب الروسي . زولوتسكي الان يشغل منصب رئيس صندوق غوغول في موسكو، الذي يسعى الى تأسيس متحف غوغول، والى تنفيذ وصية غوغول بشأن دفنه، اذ ان الكاتب أوصى الا يضعوا على قبره تمثالا له (انظر مقالتنا بعنوان – حول موت غوغول . هل دفنوه حيّا ؟) . لقد أصدر زولوتسكي (29) كتابا في تاريخ الادب الروسي و أعلامه، (8) منها عن غوغول، وأعدّ برامج تلفزيونية حول الادب الروسي، منها سلسلة برامج عُرضت من عام 1992 الى عام 1996 بعنوان – امسيات في بيت غوغول، وبرنامج آخر تم عرضه عام 2009 بعنوان – تبرير لغوغول ، وباختصار شديد، فان زولوتسكي هو- قبل كل شئ - الغوغولي الاول (ان صحّت التسمية !)، وقد قال مرّة لأحد الصحفيين الروس في حوار تم نشره، ان زوجته كانت (تغار!!!) من غوغول، لأنه كان يقضي كل وقته وهو يدرس ابداعه ومسيرة حياته .

 صحيفة ليتيراتورنايا غازيتا كرّست معظم الصفحة الاولى لمقالتها عن زولوتسكي، وصفحتين باكملهما داخل عددها ذاك لتلك المقالة التفصيلية عنه، اذ انه ارتبط مع هذه الصحيفة في الستينيات، واصبح أحد محرريها، والمسؤول عن قسم (تاريخ الادب الروسي) فيها، ونحاول في هذه السطور التوقف - ليس الا- عند ابرز المحطات الابداعية لزولوتسكي، كي نرسم للقارئ العربي صورة قلمية (ويجب القول رأسا، انها صورة تقريبية جدا جدا ليس الا) لهذا الاسم الكبير والمتعدد المواهب في دنيا الادب الروسي المعاصر، اذ ان زولوتسكي يكاد ان يكون مجهولا او شبه مجهول في افضل الحالات للقارئ العربي هذا .

ولد ايغور بيتروفيتش زولوتسكي عام 1930 . كان والده عسكريا، ويعمل في الاجهزة السوفيتية الامنية آنذاك، وتم اعتقاله عام 1937 اثناء الحملة الستالينية المعروفة ضد (اعداء الشعب !)، ثم تم اعتقال والدته ايضا عام 1941 لأنها زوجة (عدو الشعب !)، وهكذا بقي ايغور وحيدا، وانتقل الى مدرسة خاصة بالايتام من ابناء اعداء الشعب (حيث كان مبدأ القسوة والقوة سائدا، كما كتب هو بعدئذ)، واستطاع ان يلتحق بعد المدرسة في القسم الروسيي بكلية الفيلولوجيا (اللغات وآدابها) في جامعة قازان بجمهورية تتارستان السوفيتية، وتميّز حتى في سنوات الدراسة بموهبة الكتابة النقدية، وهكذا بدأ ينشر في الصحف والمجلات المحيطة به، وانتقل بعد انهاء دراسته الجامعية الى الصحف المركزية (ومنها ليتيراتورنايا غازيتا كما أشرنا) بعد ان لاحظ كتاباته المتميّزة في النقد الادبي الكاتب السوفيتي كورني تشوكوفسكي في ندوة النقاد الشباب، التي انعقدت عام 1961 .

زولوتسكي – ناقد ادبي روسي معروف، وكاتب، وصحافي له مكانة خاصة في اوساط الاعلام الروسية المختلفة من مجلات وتلفزيون وراديو، و شخصية اجتماعية بارزة يشغل مناصب ادارية كبيرة في المنظمات الثقافية الروسية . لقد قال زولوتسكي مرّة، ان شعلة الحب تجاه الادب كانت تتوهج في روح غوغول، ويمكن القول، ان هذه الشعلة نفسها قد انتقلت من غوغول الى زولوتسكي نفسه ..... 

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

يسري عبد الغنيأتذكر رحيلها في صمت وتجاهل إعلامي رهيب  عن عالمنا الفاني ابنة النيل أو عروسته الأستاذة الدكتورة / نعمات أحمد فؤاد، تلك العالمة الجليلة والباحثة المتفردة والمتيمة عشقًا وحبًا بمصر ونيلها الخالد، لقد دافعت عن مصر الغالية ووقفت ضد العديد من السلبيات في فترات عديدة من تاريخنا، لقد عرفتها حين سرت في دروب الكتابة والبحث والمعرفة فقابلتها أكثر من مرة في مجلة الإذاعة والتليفزيون وفي هيئة الكتاب وفي دار المعارف، وكنت أحكي لها دائمًا بداية معرفتي بها والتي بدأت عندما كنت مازلت أطلب العلم في كلية دار العلوم جامعة القاهرة، وكانت تكتب مقالاتها عن النيل في الأدب الشعبي، والتي جمعتها بعد ذلك في كتاب يعد مرجعًا فريدًا في هذا المجال، و كانت تنشرها على حلقات مسلسلة في مجلة الإذاعة والتليفزيون، فكتبت إليها خطابًا أشكرها على هذه المقالات القيمة التي استفدت منها كشاب في بداية حياته العلمية، وأطلب منها نسخة من كتابها عن الأديب الساخر / إبراهيم عبد القادر المازني، وبعد أقل من أسبوع وجدت من يطرق باب بيتنا في حي السيدة زينب بالقاهرة، وإذ بالطارق هو السكرتير الخاص للدكتورة / نعمات، وإذ به يحمل لي مجموعة من كتبها بإهداء عذب رقيق، وقد تميزت كعادتها دائمًا بالأسلوب الشاعري الرقراق المهذب العذب، ومن هذه الكتب كما أذكر : كتابها عن المازني، ومعه كتابها عن أستاذنا العقاد، وكتابها عن سيدة الغناء العربي / أم كلثوم، وكتابها عن شاعر الشباب والرومانسية / أحمد رامي، وكتابها المهم التي كتبته بعد حرب يونيو 1967 وأعني به شخصية مصر، وما زلت أحتفظ بهذه الكتب القيمة في مكتبتي المتواضعة، وأفتخر بين أبنائي وأحفادي بما عليها من إهداء جميل رائع ... رحم الله أستاذتي وقدوتي ومعلمتي الدكتورة / نعمات أحمد فؤاد وأثابها في مثواها كل الرحمة والغفران جزاءً وفاقًا لما قدمت لمصرمن فكر وعلم وتاريخ ودفاع عن مقدراتها الوطنية راجيًا من شبابنا أن يقرأ أسفارها الرائعة ومؤلفاتها الراقية ففيها فائدة لا تقدر بثمن، اللهم ألحقنا بها على الإيمان والخير وحسن الخاتمة .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

محسن الاكرمينأيتها الشمس أُغربي وسنرى ماذا قد يحمله الغد من متغيرات؟ أُغربي لزاما من اليوم إلى الغد، و نكشف هل الغد سيحمل شمسا مشرقة أم رذاذ مطر غيمة؟ من صبح هذا اليوم قررت بألاّ أبحث عن منطقة الغروب، وألاّ أحكي عن جمالية شمس المغيب. قررت الصمت في منتهى مغيب العين الحمئة من مرقد الشمس. من الغد الغائب لن أفسد إيماني وأتصور أن الشمس على ضخامتها تنغمر انغماسا مثل كرة النار في ماء العين الحمئة، لكني اليوم أحكي لكم أن ذا القرنين توقف عند منتهى حد العين الحمئة واكتفى برؤية الشمس تمتد في نزول غروبها خلف تلك العين سقوطا عن نظرة الناظر المنتظر.

 من بكرة الغد سأنظر إلى متسع سماء بدايات الغسق، وانتظار شروق كل فجر صبح بهي، وأصف لكم شمسي الناهضة بعد القيام من العين الحمئة منتشية.، أحكي لكم أن شمس لن ولا تغوص في غفوة نومها بالغطس في الماء البارد، ولم تكن يوما في كبد السماء مريضة بحمى ارتعاد البرد تنتظر لقاح التطعيم. أحكي لكم عن حلم الحياة بين مطر الغيمة الرخو وشمس الصفرة المائلة بالدفء.

قبل الغد تعلمت من الشمس ألاّ أمارس الدوران في حياة البحث عن مستوى الظل. تعلمت الثبات في موضعي منتصب القامة، والبقاء وفيا لنقط انطلاقة البسمة وحلم المستقبل. تعلمت من الغيمة أنها لا تحترم قوة الشمس ومرارات متكررة تمارسها سلطة ثورتها وتحجب خيوط نورها عن الأرض عنوة. تعلمت من تحول الغيمة الممطرة تشبيها لتك العيون التي كانت تبكي على صدري مطرا حارقا. تعلمت من أشعة الظل المتموجة بالتقطيع، أن ظلي مرات عديدة لا يساويني قياما، ولا حتى طولا في تفكير الواقع.

كم أنت أيتها الشمس المفزعة بالانفجار الكوني بئيسة القوة !!! حين لا أراك مشاهدة بينة بشد العينين، كم أنت ضعيفة لمرات عديدة ومتكررة حين تحول بيننا غيمة منخفضة ضعيفة التكاثف تبكي ماء على الأرض للإنبات. كم أنت أيتها الأرض الراضية المرضية تتحملين قسوة شمس الصحراء بلا مناجاة ولا اعتراض، ولا تمارسين الاستمطار الصناعي ولا الدعائي. كم أنت أيتها الأرض البريئة قد تعلمنا منك دفن الحياة من غراب قابيل وهابيل بعد القتل، كم أنت أيتها الأرض الآمنة كنت عطوفة حين سكن مروجك آدم وحواء بعد الخطيئة الكبرى. كم كانت غيمة السماء مورقة أرضا بالاخضرار، ومتعسفة بحجب نجم الشمس كرها. كم أنت أيتها الأرض تحبين التسامح والتوافق وتنظرين للشمس أنها هي من أنشأ الغيمة الممطرة بالرذاذ الضعيف، وتتجاوزين ممارستها للجفاف حين تصوب أشعتها نحوك بالموت، وحين "تبكي الشجرات، وبكى النرجس في الساحات".

أيتها الشمس أُغربي ونرى ماذا قد يحمله الغد؟ فمن حرارتك تقرع أجراس "النهر المنسي في الأحلام". منك علّمتنا النملة درس الصبر وتكرار محاولات التصويب و ربح نجاحات الحروب و السلم. منك تعلمنا أن الغيمة تمر لزاما بقرب بلادي ومدينتي، و ممكن أن تترك لنا دمعات بخاخ مطر رقيق من البكاء. تعلمنا منك أن البذرة حين تموت في تراب الدفن تنبت زهرة شجرة برية لا شرقية ولا غربية، لكنها تسر الناظر وردا ودما عند القطف.

 

محسن الأكرمين

 

 

علي سيف الرعينيالبهجة هي الاستجابة اللحظية للمشاعر الإيجابية.. تلك المشاعر المُركّزة التي تجعلنا نبتسم ثم نضحك ثم نشعر وكأننا نرغب في القفز في الهواء لأعلى وأسفل كنوع من التعبير العملي لما نشعر، وهي الطريقة التي يعتبرها العلماء أحد طرق قياس البهجة. الأمر الذي يختلف عن السعادة؛ والتي تُقاس بمدى الشعور الجيد الثابت نسبيًا الذي نشعر به لفترة من الوقت.. البهجة هي شعور جيد في لحظة معينة وهذا هو الفرق بين البهجة والسعادة.

مصادرشتى ..

اعتدنا في ثقافاتنا أن نسعى دائما نحو السعادة.. أو ما يشعرنا بالرضا حسب ما نظن، فنسعى لتحقيق سعادتنا من خلال علاقتنا الاجتماعية، كسب المال، والنجاح، وننسى في رحلة سعينا هذه الانتباه للبهجة. ويأتي هنا دور السؤال الأهم.. من أين تأتي البهجة، ما الأشياء التي تجلب البهجة للإنسان!.. يقول العلماء أن مصادر البهجة غالبًا ما ترتبط بطفولة الإنسان.. تلك الأمور البسيطة التي اعتادها في صغره والتي ساهمت بيئته في تشكيلها.. شكل حلوى المثلجات الملونة، بيوت الأشجار، المناطيد، العلب الصغيرة الوردية.. تلك الأشياء التي تتخطى حدود السن والجنس العِرق.. فباختلاف أعمارنا يبهجنا شكل قوس قزح الملون في السماء.. الألعاب النارية التي لا نحتاج حتى لمعرفة أسباب وجودها لكننا نبهج بها على كل حال، إن تلك الأشياء مبهجة لجميعنا تقريبًا.. إنها أمور مبهجة عالميًا.

نعيش اليوم عالمًا مختلفًا سياسيًا منقسمًا على نفسه.. تبدو اختلافاتنا واسعة وقوية، ورغم ذلك هنالك جزء في كل منا يجد البهجة في الأمور ذاتها.. وهو الأمر شديد الأهمية لأنه يذكرنا بإنسانيتنا المشتركة التي تفصلنا ولو لوقت قليل عن العالم المادي حولنا..

لكن ما الذي يجعل تلك الأشياء مبهجة.. هل لها أسباب عملية بعيدًا عن نشأة المرء!.. حسب أراء بعض العلماء.. نعم. هناك خصائص مادية وملموسة للأشياء التي تسبب البهجة، أو ما يسميها العلماء “فلسفة الجماليات”.. الكلمة المقتبسة من اليونانية والتي يقصد بها: ” أنا أحس”، “أنا أشعر”، ” أنا أدرك”.

الألوان الساطعة التي تستفز انتباهنا، فاللون هو علامة على الحياة والطاقة ويؤثر بشكل إيجابي على قدرتنا على التواصل، وينطبق الأمر ذاته على الوفرة والتي تعني البقاء.. وتلك من فوائد البهجة

في مجتمعاتنا.. نتعامل مع البهجة باعتبارها نوع من الصبيانية أو عدم الجدية، فانتهى بنا الأمر في عالم شديد القسوة.. رغم أننا في أعماقنا جميعًا رغبة للاندفاع للبحث عن تلك البهجة حولنا، ولدينا الأسباب لذلك.. فالبهجة ليست مجرد إضافة عابرة غير ضرورية، بل إنها ترتبط بالغريزة الأساسية للبقاء.. فالدافع نحو البهجة هي الدافع نحو الحياة.

 

بقلم/علي سيف الرعيني

 

 

يسري عبد الغنيالأمر الذي نحاول أن ننبه إليه هو أن مجال القراءة مثل مجال السياحة، كلاهما يحتاج إلى دليل. ليس لأن القارئ قد يتوه في أدغالها - فالتيه في القراءة مفيد - وإنما لأن الدليل قد يوفر عليك الوقت، فتحصل على أكبر فائدة في أقل وقت ممكن. والدليل الجيد هو الذي يضع بين يديك خارطة طريق واضحة تستغني بها عنه أحياناً. ولأن كاتب هذه السطور محسوب على القراء وله تجربة في القراءة يحسبها ممتازة، فقد سولت له نفسه طوال سنوات أن يقدم النصح في هذا الباب لكل من استنصحه. وكانت أبرز نصائحه التي لا يمل من تكرارها هي: عليكم بالأدب، ثم الأدب، ثم الأدب.

لا يكاد المرء يتصور مجالاً آخر يستحق القراءة غير الأدب، وإذا اضطر القارئ للذهاب إلى مجالات أخرى فمن باب النافلة لا الفريضة، باستثناء أصحاب الاختصاص المعين خارج دائرة الأدب. وكلمة الأدب تتسع دلالتها عند الكاتب لتشمل النصوص الدينية وبعض نصوص التاريخ أيضاً. فالقرآن المجيد والعهدين القديم والجديد، وموسوعة قصة الحضارة لوول ديورانت، مثلاً. هي مدونات أدبية أيضاً. بل إن كتاباً كالقرآن الكريم يعد كتاباً جامعاً لظواهر أدبية وجمالية مختلفة. فهو في معظمه كتاب قصص كما هو ظاهر، ولغته تعتمد على التصوير الفني كما قال سيد قطب، وجرسه الموسيقي يوظف الإيحاء بصورة مؤثرة كما قال د. شكري عياد.

إن أهمية القراءة في مجال الأدب دون غيره من المجالات تكمن فيما يستطيع أن يقدمه للشخصية الإنسانية من خدمات لا يقدر عليها غيره. فالأدب - ومعه الفن - هو مصدر نمو الشخصية، تماما مثلما أن الماء هو مصدر نمو الشجرة. والشخصية التي لا تعرف الأدب - والفن - هي بالضرورة شخصية مسطحة، أفقيه، كالحلزونة لا تستطيع أن ترى في الحياة إلا بعدها الأفقي المسطح. وهذا النموذج من الشخصية هو أحد عوائق النهوض الاجتماعي -في المجتمعات العربية خصوصاً- لأنه لا يستطيع أن يتفهم المشاريع النظرية للنهضة، التي عادة ما تتصف بالعمق والتركيب، ومن ثم يتحول إلى حجر غشيم في يد خصوم النهضة والتحول، من المستبدين والمشعوذين تجار الخرافة.

إن القراءة في مجال الأدب تضرب أكثر من عصفور بحجر واحد: فهي أولاً تضيف إلى تجربة القارئ في الحياة تجارب أخرى، تجعله أكثر خبرة بها وبأسرارها، وأعرف بنماذجها الإنسانية، ومن ثم أقدر على العيش فيها. وهي ثانياً توسع من مخيلته بما يجعله أقدر على تصور الأبعاد الحقيقية والخفية للوجود الذي يسبح فيه. وهي ثالثاً تثري قاموسه اللغوي بما يعنيه ذلك من تطوير لملكاته العقلية، إذا ما عرفنا أن اللغة تعد شرطاً في التفكير النوعي (الفلسفي)، وأنه كلما زاد رصيدك من اللغة زادت قدرتك على إجراء العمليات الفكرية الدقيقة. وهي رابعاً تمنحك من المتعة في مرافقة الأخرين - كتاباً وابطالاً - ما لا يمنحه لك أي مجال آخر من مجالات المعرفة. باختصار القراءة في الأدب تصنع شخصية أكثر ثراءً وعمقاً وحكمة وتأثيراً، وهذا ما ينبغي أن يسعى إليه المرء قبل البحث عن المعلومة الباردة التي قد يحتاجها في جدله مع الحياة.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

 

 

صادق السامرائياللغة العربية بخير ما دام الذين يكتبون الشعر بها يتكاثرون، وليس كل من يكتب الشعر بشاعر، ولا كل من يكتب مقالة أو بضعة مقالات بكاتب، لكن المهم أن أعداد الذين يكتبون بالعربية في تنامي وإزدياد، وشكرا لوسائل التواصل والتقنيات الطباعية المتطورة التي سهلت أمر الكتابة.

أقول هذا ردا على الأخوة الذين يحسبون أنفسهم منابع للثقافة وعندهم تنتهي الكتابة ويترعرع الشعر، وينادون بأعلى صوتهم، تزايد عدد الشعراء وقل نوع الشعر، وكأنهم يطلبون من الناس التوقف عن الكتابة، لأنها ما عادت ذات قيمة وأثر حسب ما يرونه ويتصورونه.

والواقع العربي بصورة عامة يشير إلى أن الكتابة بالعربية بأنواعها تتطور وتعاصر، والغيرة على لغة الضاد في مستويات جيدة، فهناك من يصحح الأخطاء وينبه على الهفوات النحوية والتعبيرية، وهذا لم يكن حاصلا قبل إنتشار التواصل بالكتابة.

والشعراء يهتمون باللغة لأنها أداتهم التعبيرية، ووسيلتهم للنظم والإبداع الفكري والمعرفي والشعري، الذي عليه أن يصل إلى ذروته وتأثيره في القارئ، ولهذا فهم يساهمون بالحفاظ على حيوية اللغة وتواكبها مع عصرها، وإستيلادها المفردات اللازمة لحياة لغوية أفضل.

وبالشعراء تتطور اللغة، وكلما زاد عددهم فأنها تصبح أقوى وأكثر تأثيرا، ولها دورها في البناء الفكري والمعرفي، وتنوير الوعي الجمعي وشد الأجيال إلى بعضها.

فالقول بأن كثرة الشعراء فيه ضرر على اللغة والشعر لا يستند على أدلة واقعية، فسنة الحياة تتنافس فيها الموجودات وتتصارع، ويبقى ما هو نافع وقادر على المواصلة وإختراق حواجز الزمن ومعوقات البقاء والنماء، وهذه الحالة تنطبق على الشعر والشعراء.

فتحية لكل من يكتب شعرا، فإن جهده مهما كان نوعه يساهم برفد اللغة بطاقة متجددة، وإبداع يؤهلها للمقاومة والمطاولة والإنطلاق المطلق في آفاق الوجود الإنساني الرحبة.

فاكتبوا ولا تتأثروا بالذين يسعون إلى تثبيط همم الرجاء والأمل!!

 

د. صادق السامرائي

 

ملحق : "4.1"

ماذا يحدث بعد اصدار الكتاب؟

المعتاد ادراجه على منصة أمازون مع تعريف مختصر بمحتوياته . ولكن مارتن يصر على انك لم تبدأ بالدعاية الصحيحة لكتابك! رغم ان كتاب ريكاردو فييت الورقي والرقمي حصل على 1500 تنزيل يوميا على مدى اسبوع من تاريخ الاعلان عنه، وتفاجأ بتراجع كتابه على لائحة الاصدارات الجديدة .لان سياسة أمازون لا تسمح بالدعاية المتعددة دفعة واحدة .

ومعنى ذلك ان تقوم بالدعاية لاصدارك على مازون وفي نفس الوقت على مواقع التواصل الاجتماعي ومنصات بيع الكتب والمؤلفات بشكل متزامن . ويؤكد تراجع عدد تنزيلات الكتاب رغم انه طرحه مجانا للقراءة من 1500 تنزيل في اليوم على مدى اسبوع الى 500 تنزيل في اليوم .

لماذا؟

لان عليك ان لا تنشر الدعاية لكتابك دفعة واحدة . عليك التوقف بعد الاعلان عن صدور الكتاب . ومراقبة او متابعة ردود الافعال ومدى تفاعل القراء مع اصدارك والاهم ان تقرأ التعليقات من فئتين مهمتين على الاقل الاولى القراء والثانية الكتاب المتخصصين بعروض الاصدارات الجديدة "النقاد" . تسمح امازون بنشر تلك الاراء على صفحة الاعلان عن الاصدار مما يفسح المجال اكثر للتعريف به وجذب المزيد من القراء او لفت نظر القراء الى الكتاب من خلال اراء القراء والنقاد المنشورة على صفحة المؤلف .

البعد النفسي بعملية الاعلان للاصدار واضحة ، اننا نتحدث عن جمهور يختلف عن الجمهور في وطننا العربي ليس لانه جمهور متعلم فقط وانما لميوله المتجذرة في القراءة العامة خارج اطار اختصاصه لذلك تنتشر فكرة نوادي القراءة واستعارات الكتب وتصل الى القرى النائية وليس فقط مراكز المدن الكبيرة او العواصم .شخصيا تصلني العديد من التنبيهات على موبايلي عن اصدارات جديدة او مؤلفات روائية او ثقافية او علمية وتصل للملايين غيري كما يمكن ان نستنتج وهي عملية تسمى اعلاميا : "الاعلانات العشوائية" . والاعلانات العشوائية لا تقتصر على الكتب والمؤلفات وانما تشمل مختلف المنتجات الجديدة المنتجة في الدول الغربية اوخارجها اي ذات مناشئ متعددة .

البعد النفسي للاعلان عن الاصدار دفعة واحدة يؤدي الى ردود فعل سلبية اتجاه الاصدار او تقليل الاهتمام بمتابعته من قبل الجمهور طالما تعددت منصات الاعلان عنه بفترة زمنية وجيزة ومتزامنة ، لانها مكررة وبدون اضافات مفيدة للقراء التي تجسدها مجموعة من التعليقات واراء النقاد السلبية والايجابية عن الاصدار .

"اذا كنت تتبع دعاية متزامنة حول اصدارك الجديدة فانك لم تبدأ بالدعاية الصحيحة لكتابك" .

نحن بحاجة الى دراسات متخصصة حول جمهور القراء في الدول العربية لمعرفة كيف نبدأ بالدعاية الصحيحة للاصدارات ، ونجهل كذلك هل الدعاية المتزامنة لها نتائج سلبية على الاصدار ام لا؟ كما حدث لكندل ريكاردو وتراجعه عن احتلال مراكز متقدمة على لوائح البيع والقراءة بعد اسبوع من الاعلان عنه بسبب الدعاية المتزامنة او المكررة التي اهملت الاضافات الجديدة للتعريف بالاصدار .

 

قيس العذاري

13.2.2021

......................

هامش :

kindle و kindles: اصدار ، اصدارات .

"اذا كنت تتبع دعاية متزامنة حول اصدارك الجديدة فانك لم تبدأ بالدعاية الصحيحة لكتابك"

وردت الجملة عن كتاب ريكاردو فييت Ricardo Fayet محرر بدار النشر المعروفة ريد ا  سي اعدت صياغة الجملة باللغة العربية لاهميتها .

صدر الكتاب عن نفس الدار بعنوان : "كيفية تسويق كتاب" How to market a book .

الارقام منشورة على موقع الدار Discovery .

المصطلحات والعبارات بين الاقواس ضبطت بواسطة القاموس الانكليزي والمورد .

 

 

صادق السامرائيعلاقة الطبيب العراقي بالقلم تبدو ضعيفة بالمقارنة مع الأطباء العرب، الذين برعوا في مجالات الأدب والكتابة المتنوعة.

وإرادة القلم وسطوته تسبق أي مهنة، فالمهنة لا تصنع كاتبا أو أديبا، بل الكاتب أو الأديب قد يستفيد من مهنته ويوظفها لصالح قلمه.

وقد نشأنا على أقلام طبية عربية وأجنبية، وما وجدنا قلما عراقيا نتأثر به!!

فكنا نقرأ ليوسف إدريس، عبد السلام العجيلي، مصطفى محمود، إبراهيم ناجي، إنطوان تشيخوف، وغيرهم.

فما برز طبيب عراقي في الكتابة والأدب، وشدَّ القراء إليه كما حصل في مصر وسوريا ولبنان.

ولا أستطيع تفسير هذه الظاهرة، فقد عملتُ مع أطباء ذوي مواهب كتابية ويترددون في النشر، ومنهم من لديه قدرات شعرية وأدبية، ويخشون الخوض فيها.

وكنتُ في الكلية الطبية أحسبُ عددا من الزملاء سيواصلون الكتابة، لكنهم كالشموع التي إنطفأت حالما تخرجت.

قال لي ذات يوم أحد الأساتذة: " أن الدول العربية تشجع صناعة رموزها في ميادين العلوم والمعارف، إلا العراق فأنه يقتل رموزه"!!

والسؤال : لماذا الطبيب العربي لديه مساهمات أدبية أكثر من الطبيب العراقي؟!!

هل بسبب أنظمة الحكم ؟

هل الشعور بعدم جدوى ممارسة الكتابة بأنواعها؟

هل هو الخوف من التبعات؟

ربما لعامل الخوف دوره، خصوصا في زمن بعض الأنظمة، التي قست وفتكت بالبشر بسبب كلمة.

كان لي أستاذ شاعر وأديب وألف بعض الكتب، وكنا نعمل سوية لإنجاز كتاب، وإذا به فجأة يتوقف، ويعتكف، وما عرفتُ السبب، وما كتبَ بعدها ولا نشر.

فهل أن الأطباء يصابون بالسكتة الإبداعية، وينفرون من القلم؟!!

وهل هذا يكفي لتوضيح أن القليل منهم تفاعل مع الكلمة وتواصل في العطاء الإبداعي؟!!

فهل من تفسير؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

يسري عبد الغنيالمستعرب  الروسي العلامه  الكبير كراتشكوفسكي يقدم لنا شخصية إسلامية تعامل معها عن قرب هي شخصية الشيخ المحمصاني، أحد خزنة مكتبة الأزهر، في معرض حديثه عن مخطوط رسالة الملائكة لأبي العلاء (لكن الشيء الذي لم أستطع فهمه من أمر هذه الرسالة، هو السبب في أنها لا تذكر إلا نادراً، ولماذا كانت نسخ مخطوطاتها  الأخرى مجهولة تماماً؟ ولم أكن أنا وحدي الذي عجبت لهذا الأمر، بل قد شاركني في هذا العجب أيضاً الشيخ المحمصاني، أحد خزنة المكتبة الذي كان يقوم دائماً بإعطاء المخطوطات وكنا نتحاور مراراً عن مختلف الموضوعات الأدبية، بل وعن مدى صعوبة تعلم اللغة الفرنسية). إن كراتشكوفسكي قدم الشخصية العربية المسلمة هنا، شخصية إنسان ذو عقل منفتح، يتحاور ويناقش ويتفاعل ايجابياً مع الآخر ويطور نفسه وينفتح على ثقافات الآخرين من خلال تعلم لغاتهم ومحاولة التغلب على صعوباتها التي كانت مشتركة بين الروسي والعربي المسلم ويقدم كراتشكوفسكي شخصيةعلمية عربية لبيئة الاستعراب الروسي تمثل دقة وتنظيم العقل العربي، فيتحدث عن المراسلات التي كانت تتم بينه وبين العالم الأديب أحمد تيمور باشا بشأن مخطوط أبي العلاء المعري (رسالة الملائكة)، فيقول: (وعندما تجددت الروابط العلمية الدولية بصعوبة وإصرار، وجدت على غير انتظار زميلاً في العمل متحمساً ومحباً لأبي العلاء تحمس روزن وتلميذه الأصغر. هذا الزميل هو أحمد تيمور باشا، المصري صاحب أحسن مجموعة خاصة من المخطوطات في القاهرة، كان قد جمعها بحب كبير وسعة معرفة كان هذا العالم كريماً لدرجة عجيبة فقد كشف كنوزه لمختلف العلماء من مختلف البلاد، وكان متواضعاً نادر الوجود فقد كان يجعل من نفسه زميلاً في العمل لمن  يراسله من العلماء إذا أحس بأن لدى هذا المراسل تذوقاً للأدب العربي، وكانت مجموعة هذا العالم تحتوي مخطوطاً آخر عن (رسالة الملائكة) فبدأت بين القاهرة ولينغراد مراسلات حية. ومن جديد ثارت مناقشة حول مختلف الأشكال وتبيان الإشارات والافتراضات المتعلقة بها. وعلى تلك القصاصات النظيفة المستطيلة التي كتبت بخط شيخ عجوز لكن بحروف جميلة واضحة كان أحمد تيمور باشا من أسبوع لأسبوع يرسل إلي بأفكاره واقتباساته في رده على أسئلتي، أو يرسل إلي مايخطر بفكره هو نفسه، وفي كل مرة بنشوة مضطرمة كنت أفتح خطاب تيمور باشا الذي كنتُ أجد فيه مراراً الجديد من الاكتشافات، بل كنت أجد أحياناً وبدون توقع شعراً وأمثالاً وأقوالاً، كنت في ذلك الوقت أشد ما أكون حاجة إليها لتوضح تلميحات أبي العلاء التي تعبنا أعواماً عديدة في محاولة كشفها وتبينها) إن الفرق واضح جلي بين تقديم الاستشراق الأوروبي الغربي للشخصية العربية المسلمة، وبين تقديم الاستعراب الروسي لنفس الشخصية. إن الأول يورث الرغبة في التملك والسيطرة والاستعمار، لعدم كفاية العقل العربي على إدارة شؤونه وتنظيمها، يورث الثاني التكافؤ في التعامل والاحترام لعقول الآخرين وشخصياتهم، وإنصافهم من خلال التعامل من موقع التكافؤ الإنساني، الذي سمح بالتعاون العلمي بين المستعرب الروسي والعالِم العربي. إن الشخصية الإسلامية المحبة للعلم الواعية، لم تقتصر فقط على عدد محدد من العلماء، وإنما برز الاهتمام الثقافي حتى لدى أولئك الذين يديرون أعمالاً ومصالح أخرى. يقول كراتشكوفسكي (فقد أردت أن أتعرف على حبيب الزيات الذي كان يعمل بتجارة الفاكهة المجففة وتصديرها إلى جميع أنحاء العالم ولكنه كان ينتهز كل دقيقة من أوقات فراغه ليبحث في المخطوطات وقد كان عالماً دقيقاً ذواقاً ومحباً للمخطوطات، وبكل هذه الموهبة التي أوتيها كان يختلس من المخطوطات القديمة صوراً منسية تتصل بالثقافة العربية ثم يعمل على إحيائها في مقالاته المتعددة التي طبعت في مابعد!!!!!).

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

 

ضياء نافعالترجمة الحرفية – من ينام في الربيع، يبكي في الشتاء .

التعليق – مثل رمزي جميل وعميق المعنى . قال صاحبي، ان هذا المثل يذكّره بحكايةعن النملة والصرصور، والتي كانوا يحكونها للصغار، فقلت له، ان الامثال والحكايات هي صور في غاية الجمال تجسّد معنى الفن وعظمته، وهي في نفس الوقت نماذج تربوية رائعة للبشر صغارا وكبارا، لانها تعكس خلاصة لحكمة الشعوب ...

**

الترجمة الحرفية – شجرة التفاح عوجاء، لكن تفاحها حلو .

التعليق – يوجد مثل (يكاد ان يكون عالميا) يقول - البقرة سوداء لكن حليبها ابيض، اي ان الشكل غير مهم بتاتا، وانما المهم هو المضمون . قال صاحبي، ربما يمكن القول، ان المثل العربي المناظر لهذا المثل الروسي، بشكل او بآخر، هو - الامور بخواتمها . المثل الروسي هذا طريف وجميل وحلو مثل التفاح...

**

الترجمة الحرفية – كل طير يحب عشّه .

التعليق – العش هو وطن الطير، وكل انسان يحب وطنه، والذي لايبدّله (...بالخلد ...) كما كنّا نقول بدرس (المحفوظات) في الايام الخوالي، الا ان صاحبي علّق قائلا – ولكن الكثير من (طيورنا !!!) اثبتوا بالدليل (الملموس!)، انهم لا يحبون (أعشاشهم !!!)، وقد لاحظ السياب هذه الظاهرة الرهيبة، وكتب ابياته الخالدة –

....ايخون انسان بلاده ؟ / ان خان معنى ان يكون / فكيف يمكن ان يكون ؟.....

**

الترجمة الحرفية – وليس تحت المطر ننتظر .

التعليق – المثل الروسي يقول لنا – نعم، يمكن ان ننتظر، ولكن في ظروف ملائمة وطبيعية، وليس (تحت المطر !) . مثل طريف جدا، ويعني – فيما يعنيه – ان هناك ضوابط اخلاقية صارمة يجب على الطرفين الالتزام بها عند اي اتفاق، حتى لو لم تكن تلك التفاصيل مذكورة بين الطرفين ...

**

الترجمة الحرفية – الشرير يبكي من الحسد، والطيّب – من الفرح  .

التعليق – مثل واقعي قلبا وقالبا، وعن طريق متابعته بدقة في مسيرة حياتنا، يمكن لنا ان نحدد فعلا من هو الانسان الشرير ومن هو الانسان الطيّب حولنا، وهذه مسألة في غاية الاهمية بالنسبة لكل انسان .

**

الترجمة الحرفية – والكلب يعرف كلمة الحنان .

التعليق – كلمة الحنان أحلى من العسل، هكذا يقول مثل روسي سبق وان أشرنا اليه، ولكن هناك اناس لا يريدون الاقرار بذلك، ويسخر هذا المثل الروسي هنا منهم، وهي سخرية لاذعة وصحيحة جدا ...

**

الترجمة الحرفية – والشيخوخة ليست مخيفة، اذا الشباب يساعدون .

التعليق – الشيخوخة مؤلمة لانها تجعل الانسان عاجزا عن خدمة نفسه، وهي حالة رهيبة فعلا، ولكن الشباب المحيط بهؤلاء الشيوخ يخفف عنهم هذا الوضع . المثل الروسي يقول - (اذا) يساعدون، و(اذا) الشرطية هذه تعني، انه من الممكن ان يساعدوا او لا يساعدوا، وعندما لا يساعدوا، فان الشيخوخة تكون مخيفة فعلا . المثل حقيقي، رغم قسوته . يوجد مثل كوري يقول – كبار السن يصبحون أطفالا مرة اخرى، اي انهم بحاجة الى رعاية مثل رعاية الاطفال ...

**

الترجمة الحرفية – والثعلب ماكر، لكن جلده يبيعونه .

التعليق – مثل واضح المعالم، فالحيلة والمكر لا تنقذ حتى الثعلب من (بيع جلده !). يوجد مثل بمختلف اللهجات العربية يقول – اللي يعيش بالحيلة يموت بالفقر. المثل الروسي أكثر وضوحا، ويضع النقاط على الحروف بدقة ...

***

ا. د. ضياء نافع

......................

من الطبعة الثانية المزيدة لكتاب: (معجم الامثال الروسية)، الذي سيصدر عن دار نوّار للنشر في بغداد وموسكو قريبا .

ض . ن .