عباس علي مرادلم نتوقف عن التواصل عبر الهاتف رغم انف الكورونا التي بعدت المسافات القريبة وولدت نوع من الحذر، ولكن عندما بدأت تخف القيود وسنحت الفرصة سألني ابو خليل: شو عندك بكرا؟

كانت عطلة نهاية الأسبوع الطويلة لمناسبة عيد الفصح.

كان لدي التزام آخر واعتذرت، لكنه اصر وبعد بكرا، اجبته لا شيء،

إذن،  بدنا نشرب قهوة الاثنين صباحاً، اتفقنا على المكان والزمان.

صباح الأثنين وانا بطريقي الى المقهى المحدد وصلتني رسالة نصية للتذكير بالموعد، وتلتها رسالة أخرى يقترح فيها ابو خليل مقهى آخر على الشاطىء، وافقت على اقتراحه وما هي الا دقائق وكنا نأخذ اماكننا على الواجهة البحرية للمقهى وكان برفقته صديق مشترك حضر معه.

كان الموج دون كلل او ملل يطرق ابواب الشاطئ ويحمل معه من الضفة الأخرى للعالم قهوة من الذاكرة سكبها في فناجين صباحنا.

تدفق حبل من ذكريات الصبا والشباب في الحقول وبين أشجار الكروم والعصافير التي طارت وحلقت ولكنها لم تقع في أسر شباكنا التي نصبناها لأصطيادها بطمر الافخاخ بالتراب.

وكان محراث الذاكرة يقلب التراب ليخرج منها صوراً ناصعة كسنابل قمح لونتها الشمس بلونها المذهب الذي يختزن دفء الذكرى.

قطفنا من ثمار الذكريات تيناً،عنباً وصبار، ركضنا وتظللنا بفيء أشجار البطم، وجلنا في زواريب الضيعة، ودخلنا وخرجنا الى صفوفنا، وحضرت شيطنة التلامذة وتجربتنا مع المعلمين الذين حرصوا على بناء ثقافتنا مدماك فوق مدماك، ومنهم من رحل من الدنيا ومنهم من تغرب وآخرون ما زلوا يحرصون على الذاكرة في عيترون.

 الرفاق والاصدقاء عبروا وتبادلنا ذكرياتنا واياهم مجبولة بالفرح والعذاب والخوف والفقر الذي لم يقف عائقاً امام طموحنا الذي كان يحلق بأحلامنا عالياً.

 كله ونحن جالسين نقهقه بأعلى أصواتنا كأننا نعيش اللحظة بحلوها وعذوبتها وان كانت ترافقها بعض المرارة أحياناً، ونسينا انفسنا ورواد المقهى من حولنا وكأننا خارج المكان والزمان.

تذكرنا، وتذكرنا وتركنا المقهى وامواج الذكرى ما زالت تقرع ابواب شاطئ  الغربة وفرغت فناجين القهوة الا من ملح الذكريات الذي يسكن الوجدان.

انها قهوة من الذاكرة في صبيحة أثنين الفصح، لكن الذكريات بقيت معلقة على صليب الأيام الغابرة والمقيمة التي لا تعرف غربة وبعد وتنبض بدقات القلب وتسري في الاوردة والشرايين كالدورة الدموية تنقل اوكسجين الحنين.

 

عباس علي مراد

 

 

صادق السامرائيالسائد على صفحات التواصل الإجتماعي بأنواعها أشعار شعراء الأمة القدامى، ومن النادر أن تجد مقطعا لشاعر من شعراء الحداثة، مما يدل على أن الذائقة الشعرية العامة لا تتوافق مع الجديد، وتميل إلى القديم، لأنه أرقى وأجمل وأروع.

لو بحثتَ في  المواقع والصفحات التواصلية، فستجد مقاطع من قصائد لشعراء أصلاء أوفياء للغة الضاد ولمعنى الشعر، أما رواد الشعر الحديث من أولهم إلى آخرهم فلن تجد ما يشير إليهم.

مما يؤكد أن الحياة للأصيل، والبقاء والخلود له، وما هذه المنثورات الملصوقة بالشعر إلا زوبعة في فنجان الوجيع العربي ستزول حتما وتندثر.

ستثور ثائرة عدد من الأخوة والأخوات من الذين ينثرون ويحسبونه شعرا، أفسدوا فيه تذوق الشعر وأخرجوه من جماليته ورقته وعذوبته وإيقاعاته الندية، وأدخلوه في متاهات الغموض والعمه والعبثية، وكأنهم يرسمون لوحة تجريدية يتعذر فك طلاسمها.

وصار الشعر خطابات تتبادلها مجاميع تسمي نفسها نخبا، ومعظمهم يكتبون لأنفسهم، فما عاد يعنيهم القارئ، لأنهم في صوامعهم العلوية يتبادلون الرسائل الفنتازية، فيوهم بعضهم البعض بأنه يكتب شعرا لا مثيل له.

وتعسكر في المواقع الثقافية المتنوعة، وكلّ يكيل المديح لكلٍّ، فيصيبون الشعر واللغة بأضرار جسيمة.

ويخوّلون لأنفسهم تسمية ما ينثرونه بالشعر، لأنه غني بالإبهام والرمزية والتعبيرات الهذيانية، التي يتضح فيها إضطراب الأفكار وتداخل الصور والمعاني إلى درجة التشوش.

فالشعر الخالد هو الذي يتسرب إلى عقول ونفوس وأرواح الناس ويعيش في دنياهم، وليس مجرد كلمات تعبّر عن كذا وكذا وترسم صورة لحالة ما، وعندما يفقد الشعر إيقاعه، تنتفي صفته ويسقط من موكب الشعر لينام في حندس الخواء الأليم.

أقول هذا كقارئ يوجعني خلو الساحة من الشعر، وفقدان قيمة ودور الشعر، بسبب التوجهات المناوئة للشعر والتي تنتحله إنتحالا سافرا!!

فهل من شعر يا أمة الشعر؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

صالح الفهديوصلتني صورةٌ لو أنني نظرتُ إليها بتعجِّل لرأيتُ على رأسِ الشَّابِ فيها تقليعةَ شعرٍ غريبة الأطوارِ، ولأصدرتُ حكميَ المتسرِّعَ عليه، لكنني نظرتُ إليها بمهل، وكبَّرتُ الصُّورة، فرأيتُ أن وراءَ رأس صاحب الصورةِ قمَّة نخلةٍ بدت أشبه بتقليعة شعرٍ في سَعَفِها!!

استدعت هذه الصورة في ذهني فكرة "الصورة الكبيرة big picture" في علم "التفكير المنظومي System Thinking" والتي تهدفُ إلى العلاقات المترابطة للأشياء لتشكِّل في نهايتها الصورة الكبيرة، وهذا العِلْم هو عبارة عن عملية يتم من خلالها الإلمام بجميع جوانب الموقف أو المشكل، وأخذها في الاعتبار بهدف فهم النظام ككل، وهو ما يساعد على رؤية الأسباب الجذرية للمشكلات والعلاقات والروابط والأجزاء بينها، مما يساعد على تقديم نظرة شاملة لهذه المشكلات للوصول إلى حلول شاملة.

وتأمَّلتُ في القرآن الكريم فوجدتُ أن الله سبحانه وتعالى يدعو عباده إلى رؤية (الصورة الكبيرة) في قول الحق سبحانه وتعالى "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(آل عمران/191)، من أجلِ فهم الأسباب والنتائج، والارتباط والعلاقة، والجزء والكل.

هذه واحدةٌ من أكبر الإشكالات في مجتمعاتنا وهي النظرة المحدودة للأمور، مما ترتَّب على ذلك إصدار الأحكام المتهوِّرة، وانتشار الشائعات بصورة واسعة..! فالذين لا يملكون مهارة "تكبير الصورة" أو لا يريدون أن يُجهدوا أنفسهم في تفعيل هذه الخاصيَّة ثم يجادلون الآخرين بأنهم يملكون الصواب هم أشبهُ بقصَّة العميان مع الفيل، فقد ورد في كتاب "أودانا" أن أحد الملوك السابقين أمر لمدينة سافاتي أمر بجمع رعاياه العميان وتقسيمهم إلى مجموعات، وبعد ذلك أُخذت كل مجموعة إلى أحد الأفيال ووضعت أمام جزء معين من جسد ذلك الحيوان، كالرأس والخرطوم والذيل والأرجل وهكذا. وفيما بعد طلب الملك من كل مجموعة أن تصف له طبيعة ذلك الحيوان. فأما الذين لمسوا رأس الفيل فوصفوه بأنه جرَّة ماء، وأما الذين لمسوا أذن الفيل فشبهوهُ بمروحة ذرِّ الغلال، وأما أولئك الذين لمسوا قدم الفيل فقالوا إنه يشبه العمود، وأما الذين لمسوا نابه فأصروا على أن الفيل يشبه الوتد، فأخذت تلك المجموعات تتناقش فيما بينها، وتصرُّ كل مجموعة على أن تعريفها هو الصحيح وأن الآخرون مخطئون..!

هذه صورةٌ تنطبق على كثيرين لا يرون الصورة الكبيرة فيصدرون أحكامهم المجتزءة التي لا تكشفُ عن بقية الأجزاء الأُخرى، لهذا تعظم الخلافات، وتكثر المشاحنات، وتقطع العلاقات،ويعلو سوءُ الفهم، وتُصدر الأحكام من كل فردٍ أو مجموعةٍ وكلٌّ يدَّعي أن الحق إلى جانبه، والصواب لصالحه، في حين أن الجميع مخطيء لأنه لم ير أحد منهم الصورة الكبيرة، ولم يفهم العلاقات المترابطة والأسباب والنتائج..!

إن "تكبير الصورة" يحتاجُ إلى عاملٍ مهم قبله وهو "تكبير العقل" وفي الحالتين لا نعني المساحات وإنما نعني الوعي فهو المفتاح الأساسي لفهم الأمور في عمقها ومخابرها، وليس في قشورها ومظاهرها، وتكبير العقل يحتاجُ بدوره إلى ترقية الوعي، وتوسعة المدارك، وهذا يحتاج إلى تعلُّم ما يسمَّى بـ"الفكر الناقد critical Thinking" الذي يعلِّم الإنسان أن يكون حرَّاً ومستقلاً في تفكيره حينما يتأمل فيما يراه البعضُ حقائقَ، ومسلَّمات.

خُلاصةُ القولِ: أن مجتمعاتنا العربية بحاجة إلى "تكبير الصورة" من أجل التفكير بعمق في الأمور، ووضع الرؤى السديدة، وإصدار القرارات المدروسة، من أجلِ أن تتقدَّمَ في طُرقِ تفكيرها، وأنماطِ عيشها، ووسائلِ تقدِّمها، إذ لا يمكن لها أن تظلَّ محصورةً في الصور المحدودةِ، التي تعايشها بنظراتٍ عابرة، فذلك مما يبقيها في موضعِ قدمها إن لم يعيدها إلى الوراء..!

 

د. صالح الفهدي

 

 

محسن الاكرمينملعونة كل الكتابات التي لا تقتحم مناطق الظل الباردة والبحث عن الحرية والكرامة والعدل. ملعونة كل الكتابات التي لا تحمل أسلحة مقاومة أشكال الفساد والتفاهة والتغرير والتسويف. ملعونة كل الكتابات التي لا تفزع عش الدبابير بنار التنوير والتجديد. لن تغنينا كل الكتابات نفعا إن لم تسعنا بوابة العيش المشترك والسعيد في حضن تأمين السلام والإصلاحات المواكبة. قد لا نصل إلى التحديث المتكامل بتلك العقلانية العمودية بالنقد والتوجيه، ولكنا في نفس الصفحة يجب الإبقاء على السيرة التاريخية للوطن والمجتمع حاضرة، وتأصيلها بالتداول الرمزي والنفعي.

حقيقة متزاحمة بالتراكم، فكم استهلك المجتمع توابل التنوير المرن و إنشاء محاولات قتل رسوبيات الماضي، لكنا بالمقابل بقينا أوفياء لقيم من الثقافة والإرث الشعبي، وبقي العرف الاجتماعي مزدهرا. بقينا نلعب الكر والفر مع كل التصورات الفلسفية، من منظور وضعياتنا المشكلة ونحن نبحت عن حلول لتعليمات لاصقة لتحديد أجوبة عن (من نحن؟ ومن هو الآخر؟)، وكانت الخيبة رسوبنا عن استنباط كل الأجوبة الإخبارية النهائية، فأصبحنا (نحن) لا نحسن مشية الطاووس، ولا حتى علم غراب (قابيل وهابيل).

لم يعد أحادي المعرفة ولا أقصد اللغة فقط متمكنا، بل بات البحث عن التنويع الثقافي مشروعا لتشكيل الهويات المشتركة وسد فجوات الهويات الفردانية المجحفة. فمن الأكيد أن البحث عن الملاءمة الاجتماعية والكونية أصبح بحث مضني، ولم نحفل بنجاح قطف ثماره الموالية وغير الباكورية. ومن نوافل التأكيد أن يبقى التفكير المتحرك على بركة الخوف من النار يحتفي بالرمزية التقليدية في القادم من الحياة، دون التفكير في نواعم السعادة والسلام بالكلية. فمن الأكيد أننا نفكر في السعادة مثل رؤية قبلة البطل للبطلة الجميلة في نهاية فيلم الحياة، ولا نفكر في تحقيق السلام الداخلي والاجتماعي بذاك الوازع المنطقي والمنسق نحو سعادة الحياة. لنقعد قولا: فحين تفسد السياسة العامة للدولة ومكوناتها الحزبية، قد تفسد المؤشرات الكبرى البنائية لزوما، ويصبح المستقبل متقلبا بالتوتر من هنا فاعلم أن العيش المشترك لن يكون سويا في الغايات والموجهات، بل في إنشاء مخفضات للصدامات غير المحسوبة ولا المقدور على ضبط أثرها المظلم.

كم كان فصاحة الحمار مضمرة حين قال: بصيغة المطالبة بمقاربة الإنصاف في الأكل والمشرب والنوم مع نوع جنس الجمل، فحين بقيت تلك الحصيرة الخفيفة فردانية لانطلاقة رحلة التغيير، صاح الحمار حكمة (زيدها ما نايضش اليوم). هو التمثل الكافي بين رؤية الحمار و صمت الجمل حين حملنا الديمقراطية ما لا تطيق من كمّ التعليق على مشجبها. حين أغفلنا سلطة الحكامة الحاسمة في التخطيط والمتابعة والضبط، حين بتنا نصنف القوم بالتمايز والتفاضل فمنهم (الذهب الخالص) لمن يوافقنا الرأي ويقول دوما (نعم) بلا نقاش ولا جدال ولا مطالب لأنه أصلا مستفيد من (ريع  السياسة حلال) .حين صنفنا المعارضين والناقمين على الوضعيات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية باسم (الحديد المصدي). حين بات أصحاب الأعراف والوسط، من الذين يجمعون حسنة (الذهب المشحر) من السلطة، ورمز (الحديد المصدي) عند من نصبوهم من الشعب للترافع عنهم. هم إذا، فصائل من قوم متغير البنية (النحاس المصقول) والشبيه بالذئب الذي (يبكي مع الراعي) حين ضاعت أغنامه، وهم من (أكل غنم الراعي) خفية واستغل سياسة (الريع حلال) .

تسقط منا الحكمة لزوما، حين بات القوم خليطا غير متجانس من المعادن والكائنات المتحركة  بلا غايات. تسقط الحكمة، ومن بابها تسقط لعبة الديمقراطية التي لم يقدر تعبير الحمار (الإنصاف والمناصفة) على حمل حصير كان شبيها بزريبة (علي بابا)، والتي كانت ستطير به تقدما في المساواة ومقاربة النوع.

اليوم بات الفعل السياسي والثقافي من الخطابات التي لا تصنع السعادة ولا السلام عموما.  بات فرح السعادة من الصعب أن تجسدها أية كوميديا مسرحية. بات الحب مجحفا ، وبدا الحزن بديلا عن رمز التفاؤل في أحلام التغيير والتجديد. بات تضاد الأمزجة العكرة طاغيا في ظل الحظر الصحي المتناسل، وإفراغ الروح الدينية من الممارسة العقدية الجماعية. بات الفرد يمشي وهو يفكر بجسده كأنه جثة متحركة بلا عقل، وهو لا يعلم أفق الانفراج.

 

محسن الأكرمين.

 

 

2371 لقاء مع فنانة 1بدأة قناة الافلام (نت فلكس) بدأ من السابع من نيسان الجاري بعرض المسلسل البوليسي (سنابا كاش) المأخوذ  من رواية بنفس العنوان من تاليف الكاتب (جنس لابيدوز). الرواية البوليسية صور أجزاء كفلم في ثلاثية لاقى اعجاب المشاهدين والنقاد . الفلم الاول عام ٢٠١٠ ومن إخراج دانيل إسبينوزا  تلاه عام ٢٠١٢ ومن إخراج بابك نجفي.

سيعرض نت فلكس ست حلقات من المسلسل الذي يخرجه (جسبر سندرلاند) و(مونس جونسون). الممثلة السويدية ئيفين أحمد من الأصول كردية. وقد كانت عائلتها قد هاجرت في الثمانينات الى السويد. الممثلة الشابة من مواليد( اكالا) احد احياء العاصمة السويدية ستوكهولم عام ١٩٩٠.

وهي من عائلة فنية حيث مثل والدها الفنان عادل أحمد في العديد من المسرحيات في السويد وفي الخارج وباللغة الكردية.

تقوم ئيفين بأداء  دور البطولة في المسلسل الجديد. وتؤدي دور الفتاة (ليا) وهي سيدة أعمال طموحة في الثلاثينات من عمرها تعيش مع ابنها الوحيد (سامي) وتطمح في الثراء في ليالي مجتمع العاصمة السويدية (ستوكهولم ) الصاخب والمليئ بالمجموعات الاجرامية . مجتمع منقسم بين احياء الاثرياء واحياء المهاجرين اللذين يحاولون جاهدين  هالحصول على عمل والتكامل مع المجتمع السويدي. لكن يبقى المجتمع منغلقا وليس منفتحا للجميع. ليا الشابة تناضل من اجل العيش والثراء السريع مهما كلف الامر. بالمقابل يشاركها البطولة  +الممثل الشاب ألكسندر عبد الله في دور (سليم) مطرب المناسبات العربي.

شارك كذلك في المسلسل نخبة من الفنانين السويدين أمثال ئايان احمد، خالد غزال، روبين نازرى، وآخرون.

العمل القادم للممثلة الشابة ئيفين مسلسل جديد لقناة الافلام نت فلكس وبعنوان (ماكس انجر).

2371 لقاء مع فنانة 2

التقيت بها كي أطرح عليها بعض الأسئلة  حول دورها وتجربتها في هذا المسلسل فقالت:

لقد كانت هذه التجربة عملية ممتعة وشاملة. لقد عملنا بجد وقد احببت عملي مع الممثل ألكسندر عبد الله.  كانت العلاقة غرامية  ممتعة بين فنانين من الشرق الأوسط.

وترغب ئيفين بكتابة مشاريعها بنفسها في المستقبل وممتنة جدا لوالدها الفنان عادل أحمد للدعم والتوجيه وقد الهمها ابداعيا وعن قرب.

نشكر فنانتنا الصاعدة متمنين لها دوام التألق والنجاح والابداع.

 

اجرى اللقاء: توفيق التونجي

 

 

صادق السامرائيأكتب عن التراث ليس من باب الإنتماء التعصبي الأعمى الذي يتصوره على أنه نهاية المطاف وأقصى ما بلغته الأمة من العطاء، وعلينا التجمد فيه والتحول إلى مومياوات، فالنظرة المومياوية للتراث عدوان عليه وتدمير لجوهره ومعانيه الحضارية الإنسانية.

التراث صورة مرسومة في مسلة الحياة، أو شواهد معلومة واضحة في دروبها البعيدة الآماد، منها نتعلم ونتواصل بالإنطلاق.

فالإهتمام بالتراث لا يعني السكون والتوقف والتحنط في المكان، مما لا يتفق وحركة الدوران القاضية بالتغير والتبدل والسير للأمام.

وموضوع التراث تناولته العديد من الأقلام على مدى أكثر من قرن، وما ترتب عن ذلك فائدة ذات قيمة حضارية بارزة، بل كانت تصورات فنتازية جعلت من التراث أيقونة مثالية لا يمكن الإتيان بمثلها أو إجتيازها، وعلى الأمة أن تتمحن بها وتتعضل.

والعديد من القراءات كانت بمنظار مشوه وآليات تعسفية، أظهرته وفقا لنواياها وغاياتها التي تريد تمريرها بواسطته، أو أنها كانت تمتطيه لتحقيق ما يجيش في دياجير أطماعها وتطلعاتها.

وأكثر المتفاعلين مع التراث متأثرين برؤى وتصورات المستشرقين ومعظمهم غير منصفين، وبعضهم يرى الحقيقة وينطقها بلسانها المبين.

ولهذا ساد الميل نحو إعتبار التراث مانعا للتقدم، وليس طاقة نفسية ومعنوية للتوثب والعطاء الأصيل، لأنه يُحسب حجر عثرة أو حاجز ومعوق، وفي هذا تجني سافر وعدوان آثم.

وعليه فأن الإدراك التنويري للتراث يجعله قوة دافعة لتعزيز الأواصر التقدمية ما بينه والحاضر والمستقبل، ويكون مصدر إلهام لا إلجام للأجيال المتوافدة.

فالتراث مشعل وجود ومنارة إهتداء إلى مرافئ الرقاء والنماء والعلاء، ولا يجوز أن يتحول إلى أداة ترقيد وتغفيل وتخدير للأمة، التي يسعى أعداؤها بعزيمة متواصلة وإصرار متزايد لإيهامها بأن تراثها السبب الأول في معاناتها، ومنه تنبع ويلاتها.

وهذا أفك وخداع وتضليل، فالتراث قوة الأمة وطاقتها ومجدها الولود الواعد بالأصيل.

فهل لنا أن نقرأ تراثنا بعيون الواثقين؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

هشام بن الشاويإلى صديقي..

الكاتب الكبير: إبراهيم عبد المجيد

الحياة ليست عادلة على الإطلاق!

استنتاج قاس فعلا، لكنك كنت تحتاج إلى أن تعيش حياة تفتقد الحياة، لكي تكتب هذه الحكمة البليدة، بيد أن الأكثر قسوة أن تعامل - دوما- كمعتوه.

ليس مهما إن كنت تكتب بأسلوب فاتن، وأنت لم تفلح في الحصول على الشهادة الثانوية! هل كان ذلك المتطاوس في مشيته محقا في استغرابه؟ لعله كان يعتقد أن لغتك مهترئة، تشبه تلك الوزرة الزرقاء، التي ترتديها، كأنما لم يصدق أنك تكتب في الجريدة الأكثر توزيعا في المغرب، لكنه لا يعرف أنك لا تتوصل حتى بكلمة: شكرا.. شكرا هشام على هذا النص الماتع.. شكرا، لأنك تسرق بعض البهاء من فظاظة هذا الواقع.

وحده يوسف، صديقك النادل يحرضك على اقتراف المزيد من الكتابة، نكاية في وعثاء الحياة. ما جدوى هذا الهديل، وقد ارتضيت لنفسك تلك الصورة الخاطئة، التي تكفن اسمك الآن.. هنا؟! لماذا؟ لأنك لا تريد أن تنافق أحدا؛ أن تبتسم في وجوههم، على رغم حزنك الفادح، الإحباطات التي تفتك بنضالك من أجل حياة حرة كريمة.. أنت غير لطيف، في نظرهم، لأنك لا تمزح مع زبائن هذا المحبس.

ثمة من حالفه الحظ، ويسدد أقساط الدين، بكامل امتنانه لدويلة، انتشلته من الفقر والبطالة، ويتلقى أجر - وليس ثواب- دفاعه المستميت عن إيماننا المشترك، في نهاية كل شهر.. بينما أنت لا تكف عن مراسلة سكرتارية المجلات العربية، للسؤال عن مكافأة مادة، نشرتها قبل أشهر.. تصر على إزعاجهم، لأن الريح تصفر في رصيدك البنكي.

هل جرب أحدكم أن يكاتب شخصا لا يعبأ به، وهو منكسر؟ هل جرب ذل أن يكون متسولا، لبضع دقائق، وهو الشامخ في ضعفه الإنساني، وبكائه !؟ بماذا ستحس حين يرد عليك شاعر ومسرحي سعودي - بكل صفاقة- ويصفك بالمرتزق، متناسيا أنك شاركت في تحرير العدد؟! وعندما حاولت أن تستكتب بعض الأعدقاء من أجل المطالبة بصرف مكافآت متأخرة، خذلوك، لاذوا بصمت القبور، حرصا على سمعتهم الأدبية، قانعين بصفة الشيطان الأخرس.

تمعن في تهورك، تكاتب صديقا مشيرا إلى أن حرفة الأدب قد داهمتك، وأن ثلة من الزملاء الذين لا يغيبون عن المجلات نهائيا، أساتذة، بينما أنت بلا دخل قار، لا تملك أي شيء من حطام الدنيا، ومع ذلك يصرون على تهميشك! ما جدوى أن تكتب بعض تغريداتك بدموعك، وأنت - في نظر الجميع- شخص لا يطاق؟!

كثيرون.. اقترحوا عليك وضع سلم على الرصيف، كما يفعل بقية التجار، لم تجبهم بأنك لست ممن يحتلون الملك العمومي، ولا تحبذ إعاقة المرور. أغلب زبائنك من الحرفيين، يجهلون أنك تكتب في الصحف، ولم تستغرب حين نصحك أحدهم بأن تقرأ القرآن الكريم، حين أجبته على تطفله الوقح بأنك تتصفح رواية، بينما صفعك وغد آخر بقوله إنه يحبذ أن تستغل  وقتك في ذكر الله، بدل أن تستمع إلى موسيقى، لا يعرف أنها محض هسيس أحزان تسافر في الدم!!

وهذا أستاذ، يحول أوقات فراغ التلاميذ إلى حصص دروس الدعم، ويحرص - أيضا- على معرفة ثمن الإسمنت، وسعر المتر المربع من هذه الكرة الأرضية، التي يريد الجميع امتلاكها بأية طريقة، ولو بافتعال حروب أو استعمار جديد، بأي شكل.. بينما -أنت - لا تملك منها شبرا واحدا!! سدد كل رصاص استغرابه نحو مطبوع رواية "ليلة عرس" ليوسف أبو رية، أثناء استراحة من القراءة الإلكترونية عبر اللوح الإلكتروني. اعتقد أنك تتصفح مطبوع دعاية لمنتوج ما، وبنبرة استنكار وقح، قال: أنتم أيضا تقرأون!

كنت ترتدي الوزرة الزرقاء. لم ترد عليه، بينما كانت أعماقك كمرجل. لم تخبره بأن لديك سبعة كتب، وأن لا أحد من الأدباء يطيق ذلك البناء، الذي كان يكتب قصصا تفوح منها رائحة تزكم الأنوف.

لم تكن تحب السوشيال ميديا. لكن صديقا ألح عليك أن تعود إلى المشهد، حتى لا ينساك الجميع، مثلما نسوا بعض الكتاب الكبار. وللأسف، لم تجد في تويتر إلا التجاهل، أو الحظر بدون سبب، أو أن تكتب لك زميلة: المعذرة، أنت تزعجني..وآخرون، لا يقرأون رسائلك، فقط، لأنهم يعملون في مجلة، ينظرون إليك، كما لو كنت صرصارا...

ومثلما بدأت..

تنتهي منفيا

بين المسامير، البراغي و...الصنابير.

في محل مطموس الوجود، مثلك تماما!

لكن هذه المرة، شبه مفلس... نعم، مفلس الجيب والقلب!

 ولأنك نذرت عمرك للهباء، يقترح عليك أحد الأغبياء أن تجتهد قليلا، وهو يرمق الأرفف شبه الفارغة...

 من يصدق أنك كنت كاتبا متعاونا مع جريدة مستقلة موؤودة؟!

 كنت تتصل برئيس التحرير هاتفيا، حين يتأخر  تحويل ذلك المبلغ الرمزي، والذي كنت تعتبره ثروة حقيقية، فلا يرد عليك. لم تكن تعرف أن تلك الثروة سوف تتلاشى إلى الأبد. ترنو إلى زبائن المقهى الفاخر -المحاذي للمصرف- بحقد أسود، وأنت تبصق بلا لعاب على شباك البنك الأوتوماتيكي، تتحسر على عمر ضاع سدى، وتحمد الله على نعمة التسكع.. بجيوب كفؤاد أم موسى.

الآن، لم يعد بإمكانك التسكع في اللامكان، ولا التشرد في الزمان. صرت مثل ثور الساقية، لكنك تدور في حلقة مفرغة..تستيقظ مبكرا، من أجل لا شيء!

الآن، ينظرون إليك في شفقة غير معلنة، ينقصها قليل من التشفي، وتتساوى - اجتماعيا- مع سفيه ضيع إرثه في القمار، الخمر، النساء!

لكن، ما يؤلمك حقا.. أنك لم تتذوق طعم هذا الثالوث الحرام!

هذا كل ما في الأمر، بتعبير شعراء قصيدة النثر.

صديقي يوسف، النادل.. كلما قرأ جديدي، عاتبني بشدة، لأنني أهدر هذه الطاقة في اللاشيء، بينما زوجتي تطلب مني كتابة رواية، بنبرات أليمة، ويقتلني ذلك القهر، الذي يختبئ في عينيها، وتدين دموعها هذا التردي الشامل!

لكن، عماذا تكتب؟

خيالك معطوب بسبب هذا الموت المجاني، المسمى مجازا: حياة، ولأنك لا تحب القروض.. تموت بالتقسيط، وتذوي شمعة الروح بين يدي شيخ ضرير، يسمى مجازا: الواقع المغربي!

هل تكتب عن تقاعس ساعي البريد ، منذ سنوات، عن جلب رسائل الفرح من البلاد العربية؟ لم تعد جوارحك تختلج، عند سماع هدير محرك دراجته النارية. لم تعد تعبأ بغيابه ولا بحضوره.. ترى، هل صار كباقي جيرانك الأوغاد؟ أغلبهم طفيليو مآتم، يعتقدون أنفسهم أحياء... وهم لا يجيدون الاستمتاع بهذه الحياة، ولا يقدرون هذه النعمة العظمى، بسبب بخلهم المسلح.

هل تلعن من ابتدع تلك الأماكن، التي تأوي تلك العيون الضالة، مثل كلاب الشوارع، التي تنهش عورات الآخرين، وأنت لا تعلم من أين يأتون بكل هذا الوقت المسفوح على كراسي المقاهي؟!

هل تكتب عن سخطك، الذي يتفاقم، وذلك الشيخ يصر على أن يقف على رأسك - مثل قدر بغيض- في استجداء ذليل، لا يليق بالهاتف الفاخر، الذي رأيته يخرجه من جيبه، بينما هاتفك الحسير، قد ينطفئ أحيانا، حين تباغته رسالة قصيرة من زوجتك تطلب فيها أن تحضر الحليب للأبناء!

كن رحيما، لا تحدثه عن ذلك الزحام الذي لم يره أمام هذا المنفى، وأنت جالس وحدك!..

 تحرص على ألا تؤذي شيخوخته. تكبح جماح غضبك، تبتلع كلمات تترنح في أعماقك مثل هذا الهديل، الذي لا يريد أن ينتهي، والذي بدأ كتغريدة مهملة، بيد أنها تمددت، مثل جرح استيقظ متأخرا، وبدأ يتمطط في أعماقك. تغريدة تصر على أن تتحول إلى حقل شاسع من البكاء. اللعنة ! تأثير تويتر مرة أخرى.. قصيدة النثر تريد أن تتسرب إلى كتاباتك مجددا، وتحرمك من سياط سخريتك السوداء، التي تلسع بها كل شيء. لكن أجمل هدية من تويتر، كانت صديقك القديم.. الشاعر التونسي، الذي كلما أمعن في هجاء مفردات هذا الوقت الجاحد، وامتدح السكر والبار، كتبت له ضاحكا، غير عابىء بأي شيء: " اركل يا عبده، هههههههه".

حقا، لا شيء يستحق أن تكتب عنه.

 فقط، حين تسأم تويتر، ويذبحك إصرار الأصدقاء - هناك- على تجاهلك ونفيك، تلج الموقع الأحمر، وأنت تتلفت يمنة ويسرة، كأنما ستندس في مبغى.. نكاية في هذا الماخور الكبير المسمى مجازا : حياة! ربما تجد امرأة بخيلة في إغرائها، تضع قطرة واحدة من فتنتها - واحدة تكفي- في عيون مشاهديها، وهي تتعمد أن تشد ثوبها، بحركة تبدو، كأنها عفوية، وهي تلمس نتوءات جسدها؛ حركة تطيح بعدّاد المشاهدات، وترفع عدد الدولارات في آخر الشهر، بعد أن تحرث حقولا شاسعة من الفضول النهم، الذي ينهش القلوب الأثيمة، وتنكل بما تبقى من رجولة عربية، ترتق في مخيلتها المنهكة بقية القصة، التي لم تكملها الأصابع المدربة...

تلعن عاهرة أربعينية تبيع جسدها المشاع مثل حقول جرداء، وهي تدافع عن دعارتها الضوئية، مدعية الفضيلة، فلا أحد يستطيع أن يلمس جسدها، وهي بيتها، كما أن الأستروجين لا يمرح في عينيها، إلا بين يدي زوجها!

 تلعن حظك البائس مع المجلات، تلعن تجارتك الكاسدة في زمن الخيبات.. تلعن كل شيء.. بكل حقد، تعلن في مظاهرة انفرادية أنك فشلت في كل شيء إلا في الخسران، وأنت متخم بصمتك الصاخب، وترانيم عزلتك الفارهة تغنيك عن كل ثرثرات العالم، تتساءل:ما جدوى الكتابة إذا لم تركل كل هذا الهراء الذي يطوقنا، من كل الجهات!؟

كأي شخص غير متزن، وربما غير سوي، تكتب برعونة هذا الهراء.. مثقلا بنشيج الروح وهشيم براءة مسروقة. هذا الهذيان الذي لم يعبأ به أي أحد في تويتر، لأن الكتّاب يفضلون التعاطف مع المصائر التراجيدية بين دفتي كتاب، يتعاطفون مع الأوهام فقط، ويتركون جثتك تتعفن على رصيف هذا الواقع المقيت..  ثم يغتالونك في نميماتهم اليومية، كأنما ينتظرون موتك، وبعد أن يتأكدوا أنك توغلت في الغياب، سيدعون أنك كنت صديقا طيبا، حلو المعشر.

تفكر في ما يشبه النهاية غير السعيدة لهذا النواح الداخلي، وأنت رهين هذا المحبس الموحش، والمتوحش أيضا، لأنه يقضمك من الداخل ببطء.. تفكر في نص قديم، كتبته في البدايات.. ثم، وبكثير من الخزي تتذكر  أنه فاتك أن تكتب - قبل سنوات- أن هذا الأخ الأصغر، هو من  سيتكفل بأقساط تمدرس ابنك الصغير!!!

باب الخسارات

دائما أهرب من الطرقات!.. 

 لا أحب أن أفتح الباب، ولا أن أعرف من الطارق، وقبل أن يهرع الأخ الصغير مثل عاصفة ليطل من الشباك، أغمغم: إذا سأل عني أي شخص.. فأنا غير موجود! ويعرف من أقصد..

لا أعرف لماذا يصران على طرق باب ارتكن إلى زاوية النسيان؟ فإذا لمحت أحدهما في الشارع - في أيام عطلهما- استدرت بسرعة مغيرا الاتجاه أو ذبت في الزحام… قد يكون الطارق… لكني أمقت "هذا الحب"، لأنه يذكرني بطريق الأشواك…

لم أقبل أن يكون الحب شفقة تختلس… فلم آخذ منهما إجابات امتحان لغة العم سام،

وتركت

الورقة

بيضاء…

***

هشام بن الشاوي - المغرب

 

2368 ألكسيه پيسمسكيترجمة: عادل حبه

كانت المسارات الأدبية المتعرجة لأليكسيه فيوفيلاكتوفيتش پيسمسكي مؤثرة وناجحة في الستينيات والسبعينيات من القرن التاسع عشر: حيث تمت ترجمة آثاره إلى لغات أخرى، وتمت مناقشته بشدة وبحدة على صفحات المجلات الرصينة.

لقد تمت قراءة روايته الرئيسية " ألف روح" (A Thousand Souls)، والتي كانت في سياق الأدب الرائج في ذلك الوقت كانت غير عادية تماماً، حيث اعتبرت رواية مهنية، وإذا جاز التعبير، "رواية تجارية".

لم تمتزج عصارة ومذاق التفاصيل اليومية، التي تشكل الكثير منها الخطوط العريضة للرواية، مع الحركة التصاعدية للبطل، الذي بدا أقل حيوية كما تصورها الحياة اليومية.

ثم ترسخ مجد بيسمسكي بواحدة من أفضل المسرحيات الروسية متمثلة في تراجيديا "القدر المرير"، واستمر نجاحه الذي لم يسمح بالتشكيك في عظمة المؤلف.

ثم صدرت رواية "البحر المهتز"، وفقد پيسمسكي سمعته، أولاً في نظر الجمهور الليبرالي، ثم في نظر القراء البسطاء.

كان يُنظر إلى حدة پيسمسكي الموجهة ضد العدمية على أنها ضرب من عدم إيمان بالتقدم بشكل عام، ولم يكن أليكسي فيوفيلاكتوفيتش يؤمن بها كثيراً حقاً، معتقداً أن ثمارها ستكون فاسدة وسامة للوطن؛ ورأى في التجارة روح الفساد، التي كتب عنها بفظاظة في العديد من المناسبات.

ومع ذلك، فإن "البحر الهائج" أصبح سلسلة من روايات الرواد وروايات التحذير من عواقب الحركة الثورية التي تعد بنزيف الدم الزائد، وبصفة عامة، وبشكل عام مسار التنمية - الطريق التقني المختار لبائع التجزءة ؛ ولكن التاريخ لا يستمع إلى النصيحة أبداً.

تم تمييز الأعمال اللاحقة لـپيسمسكي بلون كثيف وقاتم وقمعي، وكانت جميعها متأثرة بالإدمان على الكحول والأدوارالعامة في القيادة.

ومع ذلك، لا تزال كتب پيسمسكي حاضرة حتى اليوم: فهي مليئة بتلك التفاصيل الدافئة والكتالوجات البيتية التي تمثل بإحكام الوقت الذي أتيحت فيه الفرصة للكاتب لتسلق السلم الأدبي. رغم أن أحداً لم يسميه كاتباً روسياً عظيماً.

2368 ألكسيه پيسمسكي 2

تنطوي المدرسة الطبيعية على حقيقة مصنفرة، فمع بعض الشحذ والصقل؛ على وجه الخصوص، اكتسب پيسمسكي الشهرة حيث ظهر لأول مرة في عام 1846 في مجلة ميخائيل بوغودين "الموسكوفي"، بعد نشر قصة "الفِراش"، حيث تم الجمع بين الواقعية والأدب الساخر: إما أنها تم اعتراضها بواسطة شرائط السخرية، لأن الصورة لم يتم السخرية منها بل أشير إليها، فماذا يقولون...

من الصعب الآن أن نتخيل في الستينيات أن پيسمسكي كان أدنى من دوستويفسكي وتولستوي في وزنه الأدبي، ولكن ككاتب مسرحي تنافس مع أوستروفسكي ...

.....إن مسرحية "عصر التنوير"(The Enlightened Time ( تعرض لنا مجتمعاً معيناً قائم على"نتف الصوف من الخراف "، و باسم النشاط هناك قدر لا بأس به من الفلفل (ناهيك عن الخيوط الرفيعة الممتدة إلى مكتب سيئ السمعة لتحضير السموم) ...

على خشبة المسرح، تتكشف العمليات الملتوية بشكل غريب بوجود "هيكل الأعمال"( البزنس) هذا: بالطبع، يتم إبراز الشخصيات بوضوح: على سبيل المثال، مدير الشركة وزوج الشخصية الرئيسية في الرواية: فهو متعجرف، وقح، ذو عينان أشبه بالصفائح، عينان تعكسان الثقة لصاحبها بالقوة اللامحدودة للمال. إنه طيب، ممتلىء، نسخة طبق الأصل، قوي، وذو تركيبة مالية، مناسب بالطبع لممارسة للاحتيال، وتجعل الطبق الموجود آنذاك حافلاً بالفلفل اللاذع.

فلا يمكن للمجتمع أن يعيش بدون نصابين.

إن الطريقة التي تنعكس في الأدبيات تعكس درجة وقياس فهم المجتمع للضرر الذي تسببه.

رواية "ألف روح" هو العمل الأكثر أهمية لبيسمسكي. فهي رواية اجتماعية، حافلة ومشبعة بالكثير، فالبانوراما تكشف للقارئ بشكل واسع  المجتمع الروسي قبل الإصلاح بوضوح، ويُنظر إليه من زوايا مختلفة، ويلعب في ظلالها شخصيات متنوعة.

.. إنه كاتب هاو، متسول خريج جامعة كالينوفيتش، تم تعيينه من قبل  مدير المدارس في بلدة ريفية  في حفرة مستنقع؛ تمتع قبل كل شيء بقدرمن الراحة والرفاه لأجل نوع آخر من اللعبة، فهو لا يعير أي اهتمام للفتاة التي تحبه، وقع في حب ابنة جنرال في منتصفة العمر، التي يُحسب إرثها سيىء الصيت بـ "آلف روح".

هناك الكثير من المحتالين والمختلسين والمغامرين وشخصيات أخرى: رغم أنهم لن يصلوا إلى الألف؛ ويتكشف شريط هذا المسار، ويتم بناء الرواية بنشاط، شأنه في ذلك شأن أي عمل مهني في أعماق المجتمع، وجزء من نفس الكلاسيكيات الفرنسية - بلزاك...

.. ثم أدهشنا برواية "البحر العكر"، وهي رواية موجهة بالأساس ضد العدميين، الذين سمموا الفضاء في ذلك الوقت بشدة؛ ووقف بتحدي في صف عدد من الروس الأقوايء ومن شتى الألوان بوجه اليوتوبيا.

لم يحلم على الإطلاق بأن يصبح ممثلاً، وقام بيسمسكي بقراءة أعماله دائماً بنجاح.

كان وزنه في الحياة الفكرية للمجتمع بارزاً.

على مر السنين، فقد قوته پيسمسكي، وانحصر اهتمامه بتاريخ الأدب أكثر من نفسه ...

وهو ما أعتقد أنه كان غير عادل: لقد كان بيسمسكي ذكياً: ككاتب نثر وكاتب مسرحي. ومن السهل الاقتناع بذلك من خلال إعادة قراءة المجلدات التي تركها.

 

 

صادق السامرائيعبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي القريشي (113 - 172) هجرية، الملقب بصقر قريش (أطلقه عليه أبو جعفر المنصور)، عبدالرحمن الداخل، عبد الرحمن الأول.

أسس الدولة الأموية في الأندلس عام 138 هجرية بعد سقوط دولة بني أمية سنة (132) هجرية، وقد نجا بأعجوبة من الإبادة الجماعية لبني أمية التي قام بها العباسيون، الذين تعقبوهم وما تركوا من أحفادهم أحدا.

وبقي مطاردا لستة سنوات ومتخفيا إلى أن دخل بلاد الأندلس، وإنطلق فيها مؤسسا لدولته التي إستمرت (400) سنة من بعده.

ولم يطلق على نفسه لقب خليفة، وتعامل بذكاء مع الدولة العباسية، فسمى نفسه "أميرا"، وبهذا تفادى إثارتها ضده.

من شعره:

"أيها الركب الميمم أرضي ... أقر من بعضي السلام لبعضي

إن حسمي كما علمت بأرض...وفؤادي ومالكيه بارض.

قدّر البين بيننا فافترقنا...وطوى البين عن جفوني غمضي.

قد قضى الله بالفراق بيننا...فعسى باجتماعنا سوف يقضي"

ويُذكر أنه كان أصهبا خفيف العارضين بوجهه خال، طويل القامة نحيفا وأعورا واخشم.

ترك (11) ولدا، و (9) بنات.

في عام (170) هجرية، أسس المسجد الجامع في قرطبة، والذي لا يزال قائما ومعلما سياحيا متميزا.

المسكوت عنه تأريخيا أن العباسيين قاموا بأفظع إبادة جماعية وتطهير عرقي ضد الأمويين، بل أيشع قتل للمسلمين، إبتدأت بجرائم (أبي العباس السفاح) ضدهم، وبلغت ذروتها في زمن (أبي جعفر المنصور)، الذي زاد عليها بإبادته لأبناء عمومته من العلويين، إذا كان منهجه أن يقضي على من يجد فيه ما ينافسه على الحكم، فكان السيف فعالا وبتارا.

فالهدف هو الكرسي، ويأتي مَن يستثمر في المأساة ويوظفها بآليات مذهبية وطائفية، ويغفل عن دور الكرسي في مآسي العرب والمسلمين، ففي بداية الدولة العباسية كان أي منافس على الحكم يلقى حتفه فورا مهما كان أصله ونسبه وقربه من المتسلط في الكرسي.

وقد أبيد الأبرياء بسبب الشك بأنهم من بني أمية، وأن ينجو عبد الرحمن الداخل من هذه المجزرة لأمر محير، وأن يبقى متخفيا ومطاردا لستة سنوات، لظاهرة  تثير الدهشة والتساؤلات.

يُقال:" أن عم أبيه مسلمة بن عبدالملك كان له باع طويل بعلم الحدثان وقد وصلته نبوءة تقول بأن عدوا سيأتي من الشرق ويقضي على الحكم الأموي، إلا أن فتى من بني أمية سوف يتمكن من إقامته من جديد في بلاد الأندلس، وعندما نظر مسلمة إلى عبد الرحمن لأول مرة في رصافة هشام بعد وفاة أبيه رأى في وجهه العلامات التي تدل على أنه الأموي المقصود"!!

أذكر هذا، لأعود إلى "كل ميسر لما خلق له"، فالإنسان يولد وخارطة مسيرته في الحياة تكون معه، ويمضي بها إلى حيث تأخذه مهما قست الظروف وتكالبت عليه.

وعبدالرحمن الداخل يقدم لنا مثلا واضحا عن الإرادة المنغرسة فيه،  التي أخذته إلى تأسيس دولة في بلاد لم يعرفها من قبل، فهو إبن دمشق وترعرع فيها، حتى سقوط دولة الأمويين.

مَن الذي أخذه بهذا الإتجاه؟

ولماذا لم يفقد أمله بالحياة رغم سطوة العباسيين وتوحشهم؟

وكيف تجاوز المخاطر الجسام ونجا من القتل؟

هل هي إرادة الله الفاعلة في خلقه؟

تساؤلات من الصعب الوصول إلى جواب لها!!

لكن عبد الرحمن الداخل، أطلق وجودا عربيا أصيلا في بلاد الأندلس، شعشع بحضارته ومعطياته المتميزة على آفاق الدنيا بأسرها، ومنها دولة بني العباس التي صارت تغار من إنجازات بني أمية في الأندلس.

بل أن أبا جعفر المنصور كان يفكر بغزوها، وكذلك المعتصم، لكنهما أحجما لأسباب خارجة عن إرادتهما، ومضت دولة العرب في الأندلس، وسلطة الموالي في دولة بني العباس، وسقطت دولة العباسيين في (1258) ودولة العرب في الأندلس في (1492)، أي بعد سقوط الدولة العباسية بأكثر من قرنين.

 

د. صادق السامرائي

 

صادق السامرائيأبو موسى أوتامش، مولود في سامراء على الآرجح ومقتول فيها، وهو من الموالي وكانت علاقته بالمنتصر بالله قوية، وتعاظم أمره في زمن المستعين بالله الذي إستوزره، فاستحوذ على أموال الدولة، وصار من المتنفذين المستبدين الجشعين فيها.

وكما يذكر المسعودي فأنه كان من المتهمين بقتل المتوكل أو شارك بذلك، وتأسد في سلوكه وبطشه وإستحوذ على أموال كثيرة، وبسبب سلوكه أثار ضغينة العديد من القادة الأتراك من حوله.

وهو شخصية دموية من موالي المعتصم في سامراء، وقد بطش وعذب وفتك بأناس كثيرين، وكان وزيرا سفاحا ومتنفذا، وهو القائل بعد مقتل المنتصر بالله: " متى وليتم أحدا من أولاد المتوكل، لا يبقي منا أحدا، فقالوا: مالها إلا أحمد بن المعتصم، وهو إبن أستاذنا".

وأوتامش هو الذي حرض المستعين بالله على منافسه (أحمد بن الخصيب)، فأخذ أمواله ونفاه إلى جزيرة أقريطش.

وعقد المستعين لأوتامش مع الوزارة الإمرة على مصر وسائر المغرب، وحصلت ثورة في بغداد فتصدى لها بغا وأوتامش.

وكاتب أوتامش إسمه شجاع (أميا لا يقرأ ولا يكتب ولا يفهم)، لكنه هو الحاكم والناهي في أمور كثيرة.

ويبدو أن المستعين بالله كان مسيّرا ولا مخيرا، ولا حيلة عنده سوى أن يسلم أمره لهؤلاء ويتركها تجري على عواهنها حتى يحكم الله بها.

وما جاء في مقاتل الخلفاء: "وإستبد أوتامش بأمور الخلافة مما أوغر صدر بُغا ووصيف، فكادا له بان أغريا موالي الأتراك به، وتطور الحال فخرجوا إليه وهو في الجوسق مع المستعين بالله، وأراد الهرب فلم يتمكن وما إستطاع المستعين أن يحميه، فحاصروه ليومين وفي اليوم الثالث دخلوا عليه الجوسق فقتلوه (863) هو وكاتبه شجاع بن القاسم، ونهبت داره ".

وفي المسألة تظهر شخصية المستعين ونقمته على أخيه المتوكل، فهو يعيّن قتلته وزراء عنده، كأوتامش ومن بعده (باغر التركي)!!

وهذه التفاعلات السلبية بين أبناء بني العباس من أهم الأسباب المغفولة التي أفقدتهم هيبتهم، وحولتهم إلى دمى بيد الأغراب من الموالي وغيرهم.

ففي تفاعلاتهم هناك دوما تعبيرات عن الكراهيات والأحقاد الشديدة المروعة، وما إتعظوا من سلوكهم، فطمع الخلافة قد أذهب بصيرتهم، وجعلهم يسفكون دماءهم، فالأخ يقتل أخاه والإبن يقتل أباه، وإبن العم يستبيح دم إبن عمه، وهكذا مضت حياتهم في قتال حتى نهايتهم المروعة في بغداد.

 

د. صادق السامرائي

 

حاتم حميد محسنترجمة: حاتم حميد محسن


أحجار البندقية

بهجة غامرة مهيبة

فن التعالي

**

وسط واد من أوراق الربيع

وحيث تنشر الكرمة جذورها الضالة

والسقوط الثقيل لأوراقها الخريفية،

الزيتون ينفض ثماره اللذيذة

والرياح العليلة والمياه لن يصمتا ابداً

يصنعان من الأغصان الرقيقة والحصى النقية عودا موسيقيا عالميا.

والطيور الزاهية ومن خلال الأوراق الكثيفة الداكنة

تخترق بحركة سريعة وتغمس ريشها في الندى،

الصمت والظل في كل الطرقات الساكنة

بعيدا في أعماق السماوات الصامتة

حيث النجوم الساكنة الباردة المتناثرة

تنتصب قمة كارارا الشاحبة(1)

لا صوت عاصفة ولا زوبعة حمقاء

يمكنها ان تكسر قشعريرة العزلة الرخامية

هم لا يستمعون ولا يجيبون لرقودهم  الجذاب

لاعشب أخضر ولا نسمات شيء متحرك يمكن ان تغيّر أجواء الموت.

***

.....................

حصل جون رسكن (1819- 1900) على التعليم في البيت بواسطة ابويه، ابوه التاجر أعطاه كتب الشاعر البريطاني بايرون  وشكسبير للقراءة، بينما امه الانجيلية ألقت به في أعماق انجيل الملك جيمس. في سيرته الذاتية يتذكر رسكن بفرح طفولته وكيف انها اتسمت بغياب شيئين: الاصدقاء والالعاب. لكن موهبته كانت متعددة، هو صنع اسمه كمبتكر وناقد فني، راعي للفن، رسام، فنان في التلوين المائي، ناقد اجتماعي، وانسان سخي محب للخير. هو كان نصير للجمال في الفن والطبيعة ومؤمن بإمكانية ان يرفعنا الفن الى ما وراء التجربة العادية للحياة. هو ربما اكثر شهرة كشخص متحدث عن فن ما قبل الرافائيلية(2).

عند زيارته البندقية، لاحظ رسكن في مقارناته بالفن المعماري انحطاط اوربا. الانحسار المادي البطيء في البندقية جسّد الانحدار الروحي والاخلاقي في اوربا، مع خسارتها للايمان الديني وفساد قيمها المتمثل بالانغماس الحسي والاستهلاك المادي. التصنيع وما رافقه من تقسيم العمل والانتاج الواسع، حطم روح اوربا ، رسكن ذاته عانى أزمة ايمان، معلنا انه واجه "عدم تحول" عظيم من المسيحية الانجيلية بعد مقارنة المشاعر الجمالية التي امتلكها حين ينظر الى لوحة معينة بملل أحس به  وهو يستمع الى موعظة كئيبة. لا فائدة من تنقيب الجيولوجيون في اسس الايمان: "تلك المطارق الرهيبة" حسبما يذكر رسكن، "انا أسمع طقطقة في نهاية كل إيقاع لآيات الانجيل". كان قويا كمترجم للفن والمجتمع، لكنه كان أقل بطريقة اخرى. زوجته حصلت على الطلاق بادّعائها ان زواجهما لم يكتمل بعد سبع سنوات. هو رفض الطعن برجولته وأعلن عن استعداده لإثبات عكس ما يدّعون.

هوامش

(1) كارارا مدينة في شمال ايطاليا تشتهر بطبقات الرخام الجميلة.

(2) ما قبل رافائيل هم مجموعة من الفنانين في العصر الفكتوري. هم اعتقدوا ان الفن يجب ان يكون مشابها للعالم الواقعي قدر الإمكان. لو انت ترسم حديقة، فان الحديقة التي ترسمها يجب ان تبيّن الحديقة كما تراها. ذلك يعني انك لا تستطيع رسم عشب ازرق حينما تعرف انه اخضر. لاحقا اغلب الناس اعتقدوا ان احسن رسام في كل العصور هو الايطالي رافائيل. انت ترى لوحاته في الاماكن الشهيرة مثل الفاتيكان. هو احب خلق لوحات دينية لحياة المسيح. ما قبل الروفائيليين لم يحبوا هذا وارادوا رسم ما عرفوه. ومن هنا جاء اسمهم. انه يعني حرفيا ما قبل رافائيل.

 

يسري عبد الغنيعلاقة الإنسان العربي بتراثه علاقة عضوية حيث أن هويته القومية برمتها تتغذى من التراث، لارتباطه في وعيه بأبعاد حضارية وتاريخية ودينية وسياسية على حد سواء. فتعلقه بما يختزنه ماضيه من إنجازات عملية وفلسفية وأدبية أشد من تعلق أي إنسان آخر بتراثه شرقاً وغرباً.‏

إن الإنسان العربي ينتمي انتماء كليًّا إلى تراثه، ويتماهى فيه معنويًّا دون تحفّظٍ، حيث يشعر بأن تعلّقه به هو امتدادٌ لتعلّقه بتصوّره للدنيا والكون،وحتّى لِــما بعد الحياة، فيتخذ التراث بُعْدا روحانيا ونفسيا ممّا يضعه خارج دائرة التفكير، وداخل دائرة التقليد، فالمساس بالتراث غير وارد عنده،وكذلك مساءلته..إذ هذا التراث قيمة عليا عنده يتعامل معها بشكل مثالي؛ لكن هذه المثالية تبدأ بتجميد هذا التراث. في هذا المضمار يقول الدكتور فريدريك معتوق:

«… فعلاقة العربي بتراثه “علاقة عضوية حيث أن هويته القومية برمّتها تتغذى من التراث، لارتباطه في وعيه بأبعاد حضارية وتاريخية ودينية وسياسية على حد سواء. فتعلقه بما يختزنه ماضيه من انجازات علمية، وفلسفية، وفكرية، وأدبية أشد من تعلق أي إنسان آخر بتراثه شرقا وغربا. من الممكن أن تبتر الإنسان الإفريقي، أو الأسيوي عن تراثه، دون أن يموت حضاريا. أما العربي إنْ قطعته عن تراثه، حكمت عليه بالموت؛ ذلك أن للتراث عند الإنسان العربي مدلولا دينيا، اجتماعيا وعصبيا. حياته المعاصرة مبنية على هذه المعادلة الموروثة والمعيشة في آن”.

الدكتور المرحوم محمد عابد الجابري في كتابه” نحن والتراث” يذهب إلى أبعد من ذلك حيث يؤكد على أن الإنسان العربي بما في ذلك المثقف مؤطرٌ بتراثه الذي يحتويه احتواء كليا يُفقده استقلاليته، وحريته، فهذا الإنسان تلقّى ولا يزال يتلقّى تراثه منذ ميلاده ككلمات، ومفاهيم، كلغة وتفكير، كحكايات وخرافات وخيال، كطريقة في التعامل مع الأشياء، كأسلوب في التفكير، كمعارف وحقائق..كل ذلك بعيدا عن الروح النقدية، فهو عندما يفكر، يفكر بواسطة هذا التراث ومن خلاله، إذْ يستمدّ منه رؤاه واستشرافاته ممّا يجعل التفكير في هذه الحالة لا يعدو أن يكون ” تذكّرًا..ولذلك فالجابري يرى حتى القارئ العربي عندما يقرأ نصّا من نصوص تراثه يقرأه متذكرًا، لا مكتشفًا، ولا مستفهمًا.

نستخلص ممّا أورده الجابري أن كل الشعوب في المعمورة ترتبط بتراثها بنسب معيّنة، وتفكّر به ومن خلاله، ولكن الفرق شاسعٌ بين من يفكر بتراثٍ ممتدٍّ إلى الحاضر، ويشكل الحاضر جزءا منه..إذْ هو تراث متجدّد يخضع باستمرارٍ للمراجعة والنقد، وبين منْ يفكّر بتراث توقّف عن التطوّر وانقطع عن ديناميكية الحياة في كل أبعادها منذ قرون..تراث تفصله عن الحاضر مسافة حضارية طويلة.

إن هذه الخصائص من أهم العوامل المساعدة في دعْم العلاقات الإنسانية بين الشعوب. وقد اختلفت الدراسات، وتنوعت الاتجاهات في طرائق تناول هذا العلم نتيجة للظروف التاريخية التي مرّ بها هذا التراث مع تأكيدها أهمية دراسته انطلاقاً من جملة اعتبارات مثل: إن الاستناد للتراث ونتائج الأسلاف يُـعدُّ ضمانة لاستمرارية وجود الأمة بهويتها، وخصوصيتها المميزة، وأن هذا يحقق التوازن في معادلة (الماضي الحاضر المستقبل)، كما يعد التراث الثقافي بكل مكوّناته وزُخْـمه، أحدَ العناصر الأساسية لمقومات أي أمة لاحتوائه خلاصة تجاربها وخبراتها التراكمية، وأن الانتهال من تجارب الأسلاف يعني تجدد الأفكار الملهمة للأجيال القادمة، وأن الاتصال والتواصل بماضي الأمة، وروحها المتجلية في نتاجها يعزز الاندفاع الايجابي الذي تتطلبه الحياة المعاصرة ويضمن في الوقت نفسه، التوازن لتفاعل عطاء وفكر الأمة مع العطاء والفكر العالمي المعاصر، فلا اقتباس لحد الذوبان، ولا انغلاق لحد الوقوع في الذاتية الضيقة.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

  

عبد اللطيف الحسينيفي يوم الشعر العالمي

نمتُ نصفَ قرن، وفقتُ الآنَ لأُفيق احتفالاتِنا بيوم الشعر العالميّ في بيوت عامودا الطين، تلك التي تمكثُ في الأطراف بعيدةً عن لصوص النهار وحرافيش البعث.من خلال الشعر تعرّفتُ على ماركس السرياليّ، ومن خلال رياض صالح الحسين عرفتُ حسين مروة، ومن خلال محمد الماغوط دخلتُ عالمَ الثورة ولن أخرج منه، فالحياةُ ثورة دائمة"لأنّها فكرة، والفكرةُ لا تنتهي أو تموت، بل تجدّد".الشعرُ علّمني أن أثورَ على الذات والآخر. الذاتُ تودُّ البقاءَ في تعاليمها المُغلقة، فأوّلُ الثورة على الذات هو كسرُها والابتعادُ عنها لتصبح الذاتُ هي الآخر"الكأسُ أجملُ مكسورةً ممّا هي معافاة".والدي كان مَعلماً في الفقه واللغة ومُعلّماً في تفسير الشعر وتفكيكه، أتذكّرُ تعاليمَه وأتلمّسُه الآن حين يشرح بيتاً واحداً لعدّة ساعات لابن الفارض، فأخرجُ من جلسة أبي، وكُلّي روحانياتٌ ومواقفُ ومخاطبات، من تلك الجلسات تعلّمتُ النظم الكلاسيكيّ موسيقياً، وتعلّمتُ النظم التفعيليّ في الثانويّة، ثرتُ على النظمين تيمّناً بمكتبة أخي محمد عفيف التي كانت تضمُّ سعدي يوسف وبريفير وسان جون بيرس وأدونيس، في مناخ رطب كنتُ أقرأُ أدونيس، فخَطَفَ والدي الكتاب مني ليعيده إليّ قائلاً:"أنت تقرأُ أدونيس دونَ أن تفهمَه".للأمانة لا أفهمُه حتى الآن.فلماذا أفهمُ ما يُقال؟.

منذ أكثر من ثلاثين عاماً أتنفّسُ الشعرَ كتابةً وقراءةً وعادةً وتقليداً دونَ أن يخذلَني يوماً، لكنّي خذلتُه عشرات المرّات أو مِئاتها دونَ أن يعاتبني، فقد مرّت سنواتٌ على تغريبتي التي كانت تغريني بعناق فضائها الشعريّ، لكنّي خذلتُها.

كان الشعرُ رفيقي في بلاد العجم التي أقمتُ فيها سنواتٍ أو التي غادرتُها بعدَ أشهر أو أيام، كنتُ أردّدُ بعدَ مغادرتي تلك البلادَ:"إنّي إلى قوم سواكم لأَميلُ" ففي الأرض منأى للكريم عن الأذى.

في مرحلة تالية من تغريبتي أجسُّ وأترجمُ حياةَ الألمان "المشرّدين وصيّادي الأسماك والسكّرين منهم"أسألهم عن غوته و شيلر و نيتشه. أسكرُ مُنصتاً بأحاديثهم عن كُتّابهم.

يا إلهي! هؤلاء المشرّدون العامّةُ يعرفون ويحفظون كلَّ شيءٍ عن أدبائِهم، أقارنُهم بعامّة السوريين الذين لم يسمعوا بمحمد الماغوط و سعدالله ونوس.

خذلتُ الشعرَ الذي يَوَدُّ ما لا أودُّه حتى وصلتُ إلى حافة يَودُّ الشعرُ ما أودُّه.

الشعرُ رفيقي، وحبّذا لو كان رفيقَ الناس أجمعين.

 

عبداللطيف الحسيني.هانوفر.

 

 

عبده حقيتشير الهيمنة الثقافية إلى السيطرة أو التحكم من خلال الوسائل الأيديولوجية أو الثقافية. عادة ما يتم تحقيق هذه الهيمنة من خلال المؤسسات الاجتماعية، التي تسمح لمن هم في السلطة بالتأثير بقوة على القيم والمعايير والأفكار والتوقعات والنظرة العالمية وسلوك بقية المجتمع.

تروم الهيمنة الثقافية من خلال تأطير النظرة الشمولية للطبقة الحاكمة، والبنيات الاجتماعية والاقتصادية التي تجسدها، إلى إظهار على أنها عادلة وشرعية ومصممة لصالح المجتمع ككل، على الرغم من أن هذه البنيات جميعها قد تفيد فقط الطبقة الحاكمة. إن هذا النوع من السلطة يختلف عن التحكم بالقوة، كما هو الحال في الديكتاتوريات العسكرية، لأنه يسمح للطبقة الحاكمة بممارسة السلطة باستخدام الوسائل "السلمية" للأيديولوجيا والثقافة.

لقد طور الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي مفهوم الهيمنة الثقافية من نظرية كارل ماركس القائلة بأن الأيديولوجية المهيمنة في المجتمع تعكس معتقدات ومصالح الطبقة الحاكمة. وقال جرامشي بأن الموافقة على حكم المجموعة المهيمنة تتحقق من خلال انتشار الأيديولوجيات والمعتقدات والافتراضات والقيم - من خلال المؤسسات الاجتماعية مثل المدارس والكنائس والمحاكم ووسائل الإعلام من بين عوامل أخرى. إن هذه المؤسسات تقوم بعمل التنشئة الاجتماعية ضمن معايير وقيم ومعتقدات الفئة الاجتماعية المسيطرة . وبالتالي فإن المجموعة التي تهيمن على هذه المؤسسات تهيمن كذلك على بقية المجتمع.

تتجلى الهيمنة الثقافية بقوة عندما يعتقد أولئك الذين تحكمهم المجموعة المهيمنة أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية طبيعية وحتمية، وليست من صنع أشخاص لهم مصلحة خاصة في أنظمة اجتماعية واقتصادية وسياسية معينة.

لقد طور أونطونيو جرامشي أيضا مفهوم الهيمنة الثقافية في محاولة لشرح سبب عدم حدوث الثورة التي قادها العمال والتي تنبأ بها ماركس في القرن العشرين. من بين الأمور المركزية في نظرية ماركس عن الرأسمالية هي الاعتقاد بأن تدمير هذا النظام الاقتصادي قد تم بناؤه في النظام نفسه لأن الرأسمالية تقوم على أساس استغلال الطبقة العاملة من قبل الطبقة الحاكمة. ورأى ماركس أن العمال لا يمكنهم أن ينالوا الكثير من الاستغلال الاقتصادي إلا قبل أن ينتفضوا ويسقطوا الطبقة الحاكمة . ومع ذلك فإن هذه الثورة لم تحدث على نطاق واسع.

وأدرك غرامشي أن هيمنة الرأسمالية كانت أكثر من البنية الطبقية واستغلال العمال. من جانبه أدرك ماركس الدور المهم الذي تلعبه الأيديولوجيا في إعادة إنتاج النظام الاقتصادي والبنية الاجتماعية التي تدعمه، لكن غرامشي من جهته اعتقد أن ماركس لم يعطِ الدور الكافي لقوة الأيديولوجيا حقه .

في مقالته بعنوان " المثقفون "التي كتبها بين عامي 1929 و 1935 وصف غرامشي قوة الأيديولوجيا في إعادة إنتاج البنية الاجتماعية من خلال مؤسسات مثل الدين والتعليم. وقال بأن مفكري المجتمعات، الذين يُنظر إليهم غالبًا على أنهم مراقبون منفصلون في الحياة الاجتماعية، هم في الواقع جزء لا يتجزأ من طبقة اجتماعية مميزة ويتمتعون بمكانة عظيمة وبالتالي فإنهم يعملون كـ "نواب" للطبقة الحاكمة، ويقومون بتعليم وتشجيع الناس على اتباع المعايير والقواعد التي وضعتها هذه الطبقة.

وشرح جرامشي الدور الذي يلعبه نظام التعليم في عملية تحقيق الهيمنة الثقافية، في مقالة له بعنوان

" في التعليم ".

في دراسة الفلسفة تحدث غرامشي عن دور"الفطرة السليمة" – إن الأفكار السائدة حول المجتمع وحول مكانتنا فيه - في إنتاج الهيمنة الثقافية على سبيل المثال فكرة "رفع الذات عن طريق التمهيد" وهي فكرة مفادها أنه يمكن للمرء أن ينجح اقتصاديًا إذا حاول ذلك بجهد كافٍ، وهو شكل من "الفطرة السليمة" التي ازدهرت في ظل الرأسمالية، والتي تعمل على تبرير النظام . بعبارة أخرى، إذا كان المرء يعتقد أن كل ما يتطلبه النجاح هو العمل الجاد والتفاني، فإن ذلك يعني أن نظام الرأسمالية والبنية الاجتماعية المنظمة حوله عادل وصالح. ويترتب على ذلك أيضًا أن أولئك الذين نجحوا اقتصاديًا قد كسبوا ثرواتهم بطريقة عادلة ومنصفة وأن أولئك الذين يكافحون اقتصاديًا، بدورهم، يستحقون دولتهم الفقيرة . هذا هو الشكل الصحيح من "الفطرة السليمة"

باختصار، إن الهيمنة الثقافية واتفاقنا الضمني حول معناها هو نتيجة التنشئة الاجتماعية، وتجاربنا مع المؤسسات الاجتماعية، ومواجهتنا مع الصور الثقافية اليومية، وجميعها تعكس معتقدات وقيم الطبقة الحاكمة. .

 

عبده حقي

مترجم بتصرف.

 

 

سعيد الشيخيكتبون ما يشبههم، أو ما يشبه زمانهم الأغبر، وهم على قطيعة مبينة مع وظيفتهم التنويرية

ولّى ذلك الزمن الذي كانوا فيه نجوماً تأتلق، لتبدد ظلام خرائط الجمهوريات والممالك المنفلتة حديثاً من براثن الزمن الكولونيالي، التي تتلمس الطريق إلى الاستقلال والحرية، وحينها كانوا من صنو الأنبياء، حيث الأفكار من هداهم تتقولب مناهج ويقيناً للضالين أن يهتدوا على شكل الأوطان، دستوراً وأمناً لسيادة قيم الإنسان، يجترحها الوعي المبدع بذائقته الفنية، لإطلاق عجلة الإنتاج إلى رحاب الترقي، تحت شمس العالم المترامي، ولا يُسقطون .البوصلة الدالة أبدا إلى العدالة

٭٭٭

اليوم، يكتبون ما يشبههم أو ما يشبه زمانهم، مثقفو السوق، وحسب العرض والطلب. وما حولهم سوى الحطام والاستبداد، يخالفون وظيفتهم، حينما يرتضون أن يكونوا جزءاً من هذا الحطام، ومن هذا الخراب المنتشر، ويرتضون أن يتحولوا إلى مجرد مداميك الهاوية، وينفخون على الجمر لبثّ الاشتعال. إذا قلنا إنّ الأنظمة السائدة مصابة بالعجز، فإذا بهم سادة العجز. يجترّون كلماتهم المتفحمة من كثرة سواد القلب، الممتد إلى جدار العقل. يتصدع هذا الجدار، ومن تشققاته، يخرج الدخان الأسود، فإذا بالبلاد واقعة تحت ضباب كثيف، والسواد يملأ المعمورة كلها، والكلّ يتخبّط.

٭٭٭

مشهد الثقافة العربية الراهن لا يختلف عن مشهد أوطاننا المحترقة. الكلّ في الأتون، ولا ريادة ثاقبة تأخذ زمام المبادرة نحو طريق الخلاص، لأن الأرجوحة الفكرية أفرغت اليقين من لمعان الهداية. الشارع الذي من المفترض والبديهي أن يكون نبض كتاباتهم، وشاهد خطاهم، ينصبون معه القطيعة ويوصمونه بالغوغائية والتخلف، يجترون ما تقوله قوى الظلام والاستبداد. عينة واسعة من الفلاسفة والكتّاب إياهم، الذين يبذرون في الحياة العربية بذور الطائفية البغيضة. وهؤلاء هم أول من يقع في غواية المعاني وخطابات التضليل، التي هي نتاج عقولهم الدكناء. وينفخون في بوق الغوغائية سمفونياتهم الرديئة، إمعانا في عصر الانحطاط، وإصراراً عجيباً على المشاركة في إدارة الأزمة.

السؤال البديهي: كيف لا يختلف المشتغلون في الفكر من فلاسفة وكتّاب ومفكرين مع أسباب الأزمة؟ وبدل أن يخالفوا عناصر البلاء لشعوبهم، كيف ينصبون أفكار الفتنة كمصائد تنتظر ضحاياها؟ والكتابة لديهم تصبح في إطارها العام تخصيبا للحقد والكراهية..والسؤال الصارخ هنا: كيف للمثقف أن يكون داعية لسفك الدماء؟

٭٭٭

من الطبيعي أن يغتبط المفكر التنويري لسقوط الفكر الظلامي المضاد. ومن غير الطبيعي أن يغتبط هذا المفكر لفكرة الموت والنفي للآخر ككائن، حيث تبدو الثقافة، هنا، لا تسير في إطارها التثقيفي والاجتماعي، ولا بد أنّ انحرافاً خطيراً قد أصابها، وقد أصاب بالتحديد إنسانية النص وعطب الحواس. وفي أثناء هذا الوضع، وإلى المستقبل، إنْ لم يتمّ تدارك الخلل، فإنّ أي نتاج، هو نتاج مهزوز من إنسان مختل، شقي ويدعو إلى الشقاء.

 

سعيد الشيخ

 

 

حسني التهاميآنية الهايكو: يمكننا وصف الهايكو الكلاسيكي بأنه بيتٌ شعري مقسم إلى ثلاثِ شطرات، تشتملُ على سبعةَ عشرَ مقطعاً صوتياً (5-7-5) موزعة كالتالي: خمسة مقاطع صوتية في السطرِ الأول وسبعة في الثاني وخمسةُ مقاطعَ في السطرِ الأخير، ينقلُ الهايكست من خلالها مشهداً جمالياً من البهاءِ الكونيِ بكائناتِه الدقيقةِ وتفاصيلِه اللا متناهية المذهلةِ بصورة تعكسُ خبرته وعمقَ تجربتِه وقدرته الإبداعية في التقاط هذا المشهدِ الآني المتفجرِ بالدلالاتِ والمعاني، فعند القول بأن الهايكو لقطةٌ آنيةٌ نعني أن الحدث الفعلي وقت التقاط الصورة يتم في لحظة عابرة، لكنها تستدعي في طياتِها تجربةً إنسانيةً ممتدةً من أعماق الماضي، وربما تستشرفُ ملامحَ مستقبليةً تُرسمُ عبر مشهد حسي مُستقى من واقعه الحياتي:

"ليستِ الريحُ ما يَهُزُ أعطَافَكِ

أيتُها الصَفصافةُ-

إنما أنفاسُ أبي

(حسني التهامي، ديوان وشم على الخاصرة، ص5)

يستدعي الهايكست عبق الماضي عبوراً بلحظةٍ آنيةٍ وهي اهتزازُ أعطافِ الصفصافة، لتمتدَ فيما بعد وتشكلَ الحضورَ المستقبلي لأنفاسِ الأب التي تمثلُ ديمومةَ الحياة والذكرى، فالمتأمل في بنية الهايكو يجد أن المشهد كان مسبوقا بشيء ما كان يحدث قبله، وأنَّ أحداثا أخرى سوف تأتي لاحقا.

الموسمية (الكيغو) Kigo:

يتضمن الهايكو الكلاسيكي كلمةً موسمية، إما مباشرة بذكر أيٍ من الفصول الأربعة صراحة أو ضمنية مثل (أوراق ذابلة- زخات مطر- أزهار- يوم قائظ)، كل هذه الكلمات والعبارات تشيرُ إلى فصلٍ معين من فصولِ السنة. تمثل الموسمية المشهد الأمامي في نص الهايكو الذي يمهد للحدث؛ إذ لا يُمكنُ تصورُ الهايكو التقليدي دون تلك الإشارة التي تُنشئ العلاقة الوثيقة بين الشاعر والطبيعة، بناءً على ماسبق يمُكن تعريف الهايكو الكلاسيكي بأنّه شعورٌ إنسانيٌ مستخلص من عوالم الطبيعة ومرتبط أيّما ارتباط بفصولها ودوراتها.

إن سر ارتباط اليابانيين بالطبيعة يرجع إلى النزعة الدينية التي ترفعها إلى منزلة الآلهة، فالزهرة مثلا عند شعراء الهايكو لا تصور جمال الطبيعة فحسب، بل يكون لها كيانٌ وجودي أيضاً؛ إنها تمثل العلاقة الوجودية بين الشاعر والكون الذي يعيش فيه ويتجاوب معه بمشاعره وأحاسيسه.

(1)

صباحٌ ربيعيٌ

قطةٌ تتمَطى

تحتَ شجرةِ "التيكوما"

(2)

شجرةُ أكاسيا-

على الغُصْنِ العَاري

تحطُ يمامةٌ

(مزار الأقحوان 37)

في النص الأول يأتي التعبير عن الموسمية بشكل صريح تارة في عبارة "صباح ربيعي"، وتارة أخرى بذكر "شجرة التيكوما"، بينما تأتي الإشارة إلى فصل الربيع ضمنية في النص الثاني في عبارة "الغصن العاري".

أحيانا يَذكرُ الشاعرُ أكثرَ من فصلٍ في نصٍ واحدٍ كما في قصيدة باشو:

" أول يومٍ في الربيعِ

أظلُ أفكر

في نهايةِ الخريفِ"

يبدو أن الكيغو الرئيس الذي يمثل خلفية النص ويحدد الجو العام للالتقاطة هو بداية فصل الربيع الذي تم فيه الحدث (التفكير المستمر في نهاية فصل الخريف).

إن الأساسَ في الهايكو الكلاسيكي الناجح هو الإشارةُ إلى الطبيعةِ والكائناتِ المرتبطةِ ارتباطًا وثيقًا بها، بينما لم يلتزم الشعراء – حتى اليابانيون- في الهايكو الحداثي بهذه الخاصية، فقد استبدلوها بعبارات تحمل تفاصيل جديدة من واقع الحياة اليومية أو القضايا الكونية.

 

حسني التهامي

 

2355 حسين السكافمرة أخرى يطل علينا الروائي العراقي حسين السكّاف بعمل إبداعي آخر من خلال روايته "وجوه لتمثال زائف" الحائزة على جائزة كتارا للرواية العربية. سردية حسين السكّاف ترصد واقعاً صادماً في بلد اختار أن لا يسميه مباشرة، ولكنه لا يحتاج إلى جهد كي يعرف القارئ أنه يقصد بلده الأم، العراق.

المشهد المرعب للواقع الذي يسرده السكّاف بوصفية متقنة من كاتب محترف ومتمكن من  أدواته ومتقن لحرفة السرد القائم على تأثيث المشهد بتفاصيل تجبر القارئ على تصديق كل ما حدث، حيث تستفز ذاكرته كي يربط المشهد الروائي بالخبر الإعلامي وبأحداث كانت متداولة ولكن في المحصلة يُفلت الأمر لصالح السرد الروائي بسبب اللغة والمفردات والتوصيف الذي اعتمده المؤلف في إغناء المشهد والابتعاد عن طريق تحرير الأحداث صحفياً.

يسرد السكّاف سيرة قاتل محترف ونذل ووصولي وانتهازي بامتياز باعترافه الشخصي.

بطل الرواية هو "مرهون الصاحب" الصبي الذي تهجرهُ أمه ليكون تحت رحمة زوجها دون أن تترك أثراً أو سبباً لإختفاءها حتى يصبح قاتلاً منذ الصغر دفاعاً عن نفسه ضد الاغتصاب إلى أن يصبح قاتلاً محترفاً ومنفذ لمخططات السلطة عن طريق القتل، والتصفية والتفخيخ والكواتم.

بطل الرواية، نموذج أفرزته ظروف الحكم الدكتاتوري وما بعد الدكتاتورية، ليصبح نموذجاً لأدوات الأحزاب والعصابات والسلطة الجديدة.

ونموذج صارخ لانعدام القيم والثوابت في المجتمع الجديد "ما بعد الدكتاتورية" وكذلك نموذج لمثقف الصدفة الذي يحتمي بالثقافة السطحية ويمارس القتل والبشاعة بدم بارد وهو يستذكر أقوال كبار الكتّاب والفلاسفة.

أي رعب وبشاعة يعيشها العراقي؟ سؤال يطرحه المؤلف في روايته حيث يأخذنا إلى عالمٍ صادمٍ مهووس بالقتل!

عندما تُنتَج سلطة هجينة ليس لها مبادئ أو خط واضح أو ملامح كوريث مُنَصَّب لسلطة همجية المنهج، فإن أبطال حاضرها حتماً سيكونون على شاكلة "مرهون الصاحب" وكل الشخوص الذين من حوله ممن يتلقى منهم أوامر مهماته القذرة وكذلك سيكون هناك حتماً ضحاياها وأدواتها لتنفيذ أهدافها.

لقد استطاع حسين السكّاف التقاط تلك اللحظات الفاصلة في كل حدث ليرسم لوحة غنية التفاصيل حتى يكاد أن ينفذ تحت جلد كل شخصية من شخوص الرواية، حيث إننا نصادف في الرواية شخوصا متنوعة شكّلت نسيجاً منسجماً يعكس صفة المرحلة ويؤرخ لها بشكل الأفعال التي اقترفتها، سواء كانت خيرة أم شريرة ، من مفسدين وجلادين وسجانين، وأنذال، وساسة، ووزراء، ورئيس جمهورية، وقوادون، ومومسات ومثقفين وصناع قرار وباعة أعضاء بشرية وأطباء كفروا بقسم أبقراط، فنانون وضحايا مشاريع "التفصيح" البشري حيث المتاجرة بالأعضاء البشرية.

وتطول قائمة الشخصيات التي تركت بصمتها في العمل وإن كانت شخصيات عابرة، تختفي بفعل إجرام بطل الرواية "مرهون الصاحب" أو تؤدي دوراً صغيراً قد لا تنسجم الرواية بدونهم.

إن الحرفية في الكتابة التي أجادها حسين السكّاف والتي عززتها إمكانياته المتطورة في النقد الفني والأدبي وإمكانياته في الكتابة المسرحية وكلاهما يشترط الدقة والتفصيل والالتقاط الحاسم للحظة الفعل.

لقد استطاع الكاتب أن يوظف هواية البطل "مرهون الصاحب" الاحتفاظ بتذكار من كل ضحية- يحتفظ بشيء معدني كان بحوزة الضحية، حركة بارعة تتكرر مرات عديدة في مسار الرواية - للتذكير بأفعاله  "صحوت مبكراً كعادتي، وقررت الذهاب إلى غرفتي في بيت الندائي، لأودع كيس السجن هناك، وأُلحِقُ رموز وأشياء القتلى إلى أغراض من سبقوهم قبل دخولي السجن للمرة الثانية، وهناك جلستُ على الأرض وأفرغت الكيسين، ورحتُ أتذكر الأشخاص بدلالة أشياءَهم، بدءاً من مفاتيح مانع ونعاله البلاستيكية، وحقيبة نقوده التي لم تعد ذات قيمة تُذكر، وصولاً إلى فازة الضابط حاتم، ثم إسوارة وخاتم زوجة الدكتور كريم، وساعة الرجل العجوز الذي مات خوفا، ومن ثم مصاغ سهام الجميلة، وانتهاءً برمز آخر ضحية خدرتها وبعثتها إلى مستشفى التفصيخ..." صفحة 223، من خلال جمعها في أكياس ثم لتنتهي أخيراً قطعاً منصهرة في تمثال... "أفرغت أكياس الضحايا قطعة إثر قطعة في بوتقة المصهر الكبيرة، ومع كل قطعة، كانت ذاكرتي تعيدني إلى لحظات الموت، إلى العيون الشابحة صوب السماء، وأرواح تئن زافرة آخر أحلامها، كنت أشم رائحة الدم الساخن، واسمع آخر الكلمات، حتى شعرتُ بأنني أقتل ضحاياي مرة أخرى" صفحة 507.

بصهر التمثال استطاع الكاتب حسين السكّاف أن يؤرخ للمرحلة ويخلّد أحداثها المؤلمة كرموز لتلك الأحداث وما يدور في محيط شخوصها، مرحلة أنتجت نَماذِج فاقدة الجذور والمحتوى.

لقد أضاف الكاتب حسين السكاف عملاً إبداعياً إلى قائمة الأعمال التي سوف يكون لها  أثراً في مسار الرواية العراقية الحديثة .

 

قراءة: محسن عواد

مالمو/ السويد 02/04/2021

 

 

يسري عبد الغنيوكان دور قاسم أمين مختلفًا، والمشهور عنه هو أنه: نادى بتحرير المرأة المصرية، ويبدو أننا قد نسينا عامدين أو متعمدين دور جدنا العظيم / رفاعه رافع الطهطاوي، والذي من مؤلفاته المهمة (المرشد الأمين في تعليم البنات والبنين)، الذي يهمنا أن الناس قد اختلفوا في قاسم أمين، فمنهم من مجده ورفعه إلى عنان السماء،  ومنهم من لعنه وخسف به أسفل سافلين .

بعض الدارسين قالوا: إن محمد عبده هو صاحب الفكرة التي أوحى لصديقه المستشار / قاسم أمين، بكتابتها ونشرها في كتابيه: (تحرير المرأة) و(المرأة الجديدة)، فكان لهما دوي هائل في المجتمع المصري والعربي والإسلامي .

عندما أذهب إلى مقابر أسرتي في حي الإمام / الشافعي جنوب القاهرة، أمر على مدفن المستشار / قاسم أمين، والذي يبعد عن مقابرنا بأقل من خمسين مترًا، أسأل نفسي: لماذا لا يتذكر الناس حقيقة مهمة في حياة قاسم أمين الفكرية ، قبل موضوع الدعوة لتحرير المرأة، وأعني بذلك مهاجمته الشديدة للاحتلال البريطاني، ودفاعه المجيد عن مبادئ الثورة العرابية المحبطة، ودفاعه الرائع عن مصر والمصريين ضد من أراد الإساءة إليها ؟ !!.

هذه الأفكار بلا شك كانت من نتائج المناقشات الدائمة والواسعة مع محمد عبده وسعد زغلول، فقد أصدر قاسم أمين المستشار بمحكمة استئناف القاهرة، كتابًا قيمًا باللغة الفرنسية عنوانه (المصريون )، هذا الكتاب كان ردًا على (دوق هاركور)، القاضي بالمحكمة المختلطة بالقاهرة، وقد زعم هذا القاضي المتعصب أن الاحتلال الإنجليزي يعمل على تقدم المصريين وترقيتهم، فتصدى له قاسم أمين وفند آراءه كلها تفنيدًا علميًا متميزًا، وأوضح أن مصر قبل الاحتلال البريطاني كانت أحسن وأفضل حالاً، رغم كل ما حدث في أواخر عهد الخديوي إسماعيل من كوارث ونكبات وديون .

وقد بين قاسم أمين في تحليل علمي مدعم بالبيانات والأرقام والإحصائيات كل ما حدث في مصر بسبب الاحتلال الإنجليزي الغاشم من تخلف وفقر وجهل ومرض، ودلت الأرقام على أن التعليم كان يتراجع كل يوم إلى الوراء من ناحية عدد المدارس، وعدد التلاميذ والتلميذات، وأصبحت الشهادة الابتدائية كافية للتعيين في الوظائف الحكومية، وبذلك تحول التعليم على يد الاحتلال إلى إعداد طبقة من الموظفين أنصاف المتعلمين أو أقل من ذلك بكثير .

إن كتاب (المصريون) لقاسم أمين من الكتب المهمة التي ظهرت في مصر خلال العصر الحديث، رغم أنه لم يترجم من الفرنسية إلى العربية حتى يومنا هذا بكل أسف، ولو تمت ترجمته عندما صدر في سنة 1894، لأحدث ضجة أخطر من كتاب (المرأة الجديدة) وكتاب (تحرير المرأة)، لأن القضية التي أثارها (المصريون) ليست مفردة أو من جانب واحد، إنها مجموعة من القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المكتوبة بشكل علمي حديث، كان لزامًا أن نننشره للناس جميعًا ليعرفوا ماضيهم وحاضرهم وواقعهم ومستقبلهم، وهنا أناشد وزارة الثقافة المصرية (أدام الله فضلها) أن تعيد إصدار هذا الكتاب المترجم  إلى اللغة العربية مرات ومرات مرفقًا به دراسة تضيء جوانبه المهمة، ونقدمه إلى شبابنا الباحث عن المعرفة لعله يعرف تاريخه، وبذلك نعمق فيه معنى الولاء والانتماء والمواطنة .

ولكن الناس انشغلت برأي قاسم أمين في تحرير المرأة، وأقاموا القيامة قبل موعدها، وهاجوا وماجوا واشتعلوا ولم يهدأوا حتى الآن، مع أن المسألة التي أثارها المستشار في كتابه (المصريون) كانت مسألة سياسية عامة، مسألة مصيرية مهمة، أما كلامه عن المرأة فكان مسألة اجتماعية، وها هي المرأة قد أخذت جميع حقوقها غير منقوصة نتيجة التعليم والوعي، وعليه فمن الضروري أن ننتبه إلى أن قاسم أمين كان يتحدى سلطات الاحتلال البريطاني صاحبة الأمر والنهي، كان يناضل بقلمه ويكافح من أجل شعبه وأمته بالفكر الجاد والكلمة الشجاعة، وكان من الممكن جدًا أن يسجن أو يعتقل أو يفقد وظيفته، ولكن المناضل الشريف الذي لا يعرف العمالة والخيانة والتآمر على بلاده لا يهمه أي شيء من أجل وطنه وأمته، أبعد ذلك يأتي بعض السفهاء فيقولون: إن قاسم أمين كان عميلاً إنجليزيًا؟!! .

نعم، كان التاريخ المصري في حاجة ماسة إلى حركة الرومانسية الوطنية التي قادها الزعيم الشاب / مصطفى كامل بين ثورتي: ثورة الفلاحين التي قادها زعيم الفلاحين (على حد عنوان مسرحية أستاذنا / عبد الرحمن الشرقاوي، عرابي زعيم الفلاحين) سنة 1881، وثورة الشعب سنة 1919، التي قادها سعد زغلول، وقد أطلق بعض المؤرخين الإنجليز على حركة / مصطفى كامل الرومانسية، ثورة الأفنديات أو ثورة أبناء الذوات .

ولكن أبناء الثورة العرابية كانوا يعيشون في أتون الواقع وعذاباته، يعيشون وسط تفاعلات وتطلعات الشعب المصري، وكان على قمة هؤلاء الأبناء العظماء: محمد عبده وسعد زغلول وقاسم أمين، وكان محمد عبده الأستاذ الإمام هو الأب الروحي لحركة النهضة الجديدة التي تمثلت في تحرير المرأة والدعوة إلى تعليم كافة فئات الشعب، وكان لمحمد عبده المفكر المصلح المجدد، دورًا بارزًا في الحركتين .

 

بقلم/د. يسري عبد الغني

 

 

يسري عبد الغنيمخطوطاتنا العربية والإسلامية، بكل ما تحمل من علوم ومعارف وجماليات، هي كنوزنا الروحية، وذاكرة الأمة، ولكن الآلاف منها متناثرة في المكتبات الأجنبية في العالم، حيث اقتناها الغرب عاشقاً وطامعاً، واستولى على كثير منها بعد أن كانت محفوظة في خزائن الكتب في المساجد والمدارس ودور العلم وقصور الخلفاء والأعيان.. وقد استنار الغرب بحضارتنا العربية الإسلامية العريقة، واستفاد منها في علومه ومعارفه،

تضم المكتبة الوطنية السويدية في ستوكهولم، مئات الآلاف من الوثائق والكتب العريقة والمخطوطات النادرة، منها بضع مئات مكتوبٌ باللغة العربية، التي تم الاستحواذ عليها عن طريقين، إما عن طريق حروب السويديين مع شمال ووسط أوروبا، أو إهداءات خصَّ بها المستشرقون مكتباتهم عبر القرون.

ويعود الفضل في ذلك إلى الاستشراق، الذي لم يكن غائباً عن الساحة السويدية في القرنين التاسع عشر والعشرين، بل سطعت أسماء مستشرقين أمثال: كارل يوهان تورنبرج الذي قام بفهرسة مجموعة مخطوطات جامعة أوبسالا، كما حرص المستشرقان كارل زترستين وهنريك صمويل نيبرج، على سعيهم في الحصول على المخطوطات العربية والإسلامية لإغناء مكتبتهم الوطنية.

وتحتوي المكتبة السويدية الوطنية على نفائس المخطوطات، مثل «الناسخ والمنسوخ» لهبة الله البغدادي، الذي يعود إلى القرن الحادي عشر الهجري، وكتاب «الموسيقي الكبير» للفارابي الذي يقع في 93 ورقة، وهناك مخطوط في غاية الأهمية عن أسس الموسيقى العربية ويتمثل في «الرسالة الشرفية في النسب التأليفية»؛ تأليف صفي الدين الأرموي الموسيقي والمنظر الكبير - من أصول أرمينية - وتحقيق محمد الأسعد قريعة، وتصدير محمود قطاط، وكان له الأثر الأكبر في تقدم دراسة التراث العربي الموسيقي على مر العصور.

وتمتلك المكتبة السويدية مخطوطة رسائل حمزة بن علي الزوزني، المتوفى 433 هجرية، مزخرفة وملونة ومذهبة، تحتوي على 145 ورقة، تضّم مجموعة من الرسائل، منها: رسالة القرمطي إلى مولانا الحاكم، بدر التوحيد، ميثاق النساء، البلاغ والنهاية، السيرة المستقيمة، كشف الحقائق.. وغيرها، ولا بد من ذكر مخطوطة «رسالة عمر بن الوردي في رسم الدائرة»، وهي مخطوطة مزخرفة ملونة، في غلاف أنيق مذهّب، مكتوبة سنة 1015 هجرية، وتقع في 161 ورقة، وبها خرائط ورسوم لشكل الأرض ولمواقع البلدان وموضع الكعبة.

وتعتني السويد بفهارس المخطوطات في جامعة أوبسالا، كان أسبقها ظهوراً فهرس كارل يوهان تورنبرج (1807- 1877)، وآخرها صدوراً فهرس كارل فلهلم تسترستين (1866- 1953)، وهناك أيضاً بطاقات فهرسة خاصة لتسهيل الوصول إلى المخطوطات.

إضافة إلى تلك المحتويات الزاخرة من المخطوطات، تمتلك المكتبة السودية مخطوطات هامة أخرى مثل «الحِيَلُ الروحَانِية» للفيلسوف الشهير أبو نصر الفارابي، و«الحكمة العروضية» للشيخ أبو علي الحسين (ابن سينا)، و«سِرُّ الخليقة» 933 ميلادية، مؤلِّفها الحكيم بلينوس، وهي تعد أقدم مخطوطة بجامعة السويد ودول الشمال الأوروبي، و«كُمامةُ الزَّهر» لأبي محمد عبد المجيد بن عبد الله الفهري الأندلسي، و«ميزان الطبيب» لابن البيطار (ضياء الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد المالقي)، و«كتابُ الجوهرتين العتيقتين» لمؤلِّف غير مشهور اسمه الحسن بن أحمد بن يعقوب بن يوسف كنيته: أبو محمد ولقبه ابن الحائك الهمداني.

وبالإضافة إلى مخطوطات المكتبة الوطنية السويدية، تضّم جامعة أوبسالا التي يعود تاريخها إلى ما قبل أربعمائة سنة، وتخرّج فيها معظم العلماء والباحثين والأطبّاء والقانونيين والمشاهير، معهد الاستشراق المتخصصّ في الدراسات العربية والإسلامية في كافة اتجاهاته السياسية والاقتصادية والاجتماعيّة والثقافية واللغوية، ويعتني هذا المعهد بدراسة العالم الإسلامي شرقاً وغرباً، وتتركز دراساته على الجوانب التاريخيّة للعالم العربي والإسلامي، بل يمتد إلى عصور ما قبل الإسلام أيضاً.

ولعل أهم الباحثين الذين تخرجوا في هذا المعهد، هو السفير السويدي الذي عمل في دمشق، وهو أنغمار كارلسون صاحب كتاب «أوروبا والإسلام»، الذي أنصّف الحضارة العربية والإسلامية، وقدم الباحثون السويديون من معهد الاستشراق عدداً كبيراً من رسائل الدكتوراه في شعر محمود درويش ونزار قبّاني والنابغة الذبياني والصموأل، وغيرهم من رموز الثقافة العربية وأعلامها.

وكان للمستشرقين في السويد دور كبير في جمع المخطوطات العربية والإسلامية وفهرستها وترقيمها ودراستها، أمثال هنريك صموئيل نيبرغ 1889 ـ 1974، تخرج بجامعة أوبساله وسمّي فيها أستاذاً للعربية، وأحد أعضاء المجمّع السويدي الثمانية عشر، وألقى محاضرات حول «حماسة أبي تمام»، ونشر كتاباً عن محيي الدين ابن عربي، وآخر عن «المعتزلة»، ونشر بالعربية كتباً منها «الشجر» لابن خالويه، و«التدابير الإلهية» لابن عربي، و«الرد على ابن الراوندي» و«الفرق بين الفِرَق» للخياط.

وعملت السويد على تحويل هذه المخطوطات إلى إصدارات رقمية، ضمن ما أطلقت عليه (المكتبة الرقمية للمخطوطات)، التي أفاد منها الباحثون والدارسون، كما أصدرت جامعة أوبسالا مخطوطات تجاوز عمرها الألف عام، مثل مخطوطة سر الخليقة وصنعة الطبيعة التي كُتبت سنة 322 هجرية، وترمي الصيغة الرقمية إلى تسهيل عملية توفيرها إلى الباحثين والدارسين في أنحاء العالم.

وقد أهدت السويد سبع أسطوانات رقمية عن المخطوطات العربية والإسلامية إلى مكتبة الإسكندرية، وكل أسطوانة تحتوي على نسخة رقمية كاملة من مخطوط نادر، وهي قصيدة البردة للبوصيري، ديوان سلامة بن جندل، «الزيج الجامع» لكوشيار الجيلي، «غِيَاثُ الأُمم في التياث الظُّلَم» للجويني، «البديع في نقدِ الشعر» لأسامة بن مُنقذ، «اللُّمع في النحو لابن جني»، «التاريخ الكبير» للمقريزي.

وتقدم المكتبة فهرساً متكاملاً للمخطوطات المتوفرة لديها، ويمكن للباحثين والدارسين استخدامها بسهولة أو طلب نسخة منها على موقعها، ويمثل إصدار المجموعة الرقمية الخاصة بجامعة أوبسالا السويدية حدثاً هاماً في مجال المكتبة الرقمية للمخطوطات. ومكتبة جامعة أوبسالا، من أعرق الجامعات الأوروبية، تضم 5 ملايين كتاب، بالإضافة إلى 1280 مخطوطة شرقية، منها حوالي 540 باللغة العربية، والمتبقي منها باللغتين الفارسية والتركية، ويرجع تاريخ هذه المجموعة الشرقية إلى بداية القرن الثامن عشر، وكانت النواة الأولى لها عبارة عن مخطوطات مهداة إليها، ثم بدأت تتزايد بمرور السنوات.

وتسعى السويد أن تقيم علاقات وطيدة بين الثقافة العربية الإسلامية والثقافة الغربية، لذلك تعمل على تشجيع الباحثين والدارسين على دراسة اللغة والتاريخ، سواء من السويديين أو الأجانب أو العرب.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

صادق السامرائيموفق الدين عبداللطيف البغدادي (557 -629) هجرية، عالم موسوعي، مكتشف داء السكر وعلاجه.

وهو عبد اللطيف بن يوسف بن محمد بن علي أبو محمد موفق الدين الموصلي البغدادي عرف يإبن اللباد وإبن النقطة، كان عالما بالطب والتشريح والكيمياء والنبات والفلك والمنطق، كما كان مؤرخا وجغرافيا وعالما بالحديث والنحو.

ولد في بغداد وجاب مدنا كثيرة طلبا للعلم والعمل ثم عاد إليها وتوفي فيها.

مؤلفاته:

لديه ما يزيد عن مئة مصنف ومنها " المجرد في غريب الحديث، الواضحة في الفاتحة، شرح بانت سعاد، شرح نقد الشعر لقدامة، إختصار كتاب الحيوان للجاحظ، أخبار مصر، إختصار كتاب الأدوية المفردة لإبن وافد، مختصر في الحميات، مقالة في المزاج، البادئ بصناعة الطب، النصيحتين للأطباء والحكماء "، والكثير من مؤلفاته مفقودة.

ومن إنجازاته الطبية إكتشافه (مرض السكر)، وحصر أعراضه السريرية بإسترسال البول وكثرته، والعطش الدائم، والهزال وجفاف البدن، وجعل علاجه بالحمية، والتغذية المقننة والهدوء، وراحة البال والنفس.

فهو رائد مرض السكر، وأول من أشار إليه بعلمية، ووصفه سريريا وإقترح العلاج، الذي لا يزال معتمدا رغم توفر الأدوية، فالحمية من أساسيات علاج مرض السكر.

ولابد من التطرق إلى النزعة الموسوعية، فهو من العلماء الموسوعيين الأذكياء، الذين تفاعلوا مع ما يستجد في الحياة، ووفقا لملاحظاته يُعْمِل عقله ويستنتج ما يراه مناسبا للتصدي والتطور، وحتى أنه كان مهتما بالحمضيات وتطعيمها وإنتاج أصناف جديدة منها.

فهل أن الموسوعية طاقة كامنة في أعماق الجينات البشرية؟

أم أن القدرات العقلية والإدراكية التي يتصف بها أمثاله أكبر من المعارف السائدة في زمانهم؟

 

د. صادق السامرائي