محمود محمد عليفيلم "ريش" Feathers" من الأفلام التي كرمت في مهرجان الجونة السينمائي الأخير 2021 م من خلال حصوله على جائزة عالمية جديدة، حيث كرم صنّاع الفيلم، خلال احتفالية نظّمها المركز القومي للسينما، برئاسة السيناريست، محمد الباسوسي، وبحضور الدكتور خالد عبد الجليل مستشار وزير الثقافة لشؤون السينما، وهذا الفيلم هو فيلم دراما مصري للمخرج عمر الزهيري لعام 2021. كتب الفيلم المخرج الزهيري بمساعدة الكاتب أحمد عامر، وقام بالبطولة مجموعة من الأشخاص الذين لم يسبق لهم التمثيل من قبل. يتناول الفيلم في إطار من الدراما والخيال من إبداع المخرج، الذي خلق هذا العالم بمفرداته وأبجدياته الخاصة، بما في ذلك إيقاع وموسيقى وألوان وديناميات الفيلم، التي تطرح قضية فنية أكثر منها مجتمعية أو سياسية، تثير كل هذا الجدل، الذي يراه صحيّاً، وتابع: "من الطبيعي أن يعجب الفيلم بعض الناس ولا يعجب البعض الآخر" .

علاوة علي أن فيلم "ريش" من أوائل الأفلام الروائية الطويلة للمخرج، عمر الزهيري، وقد اشترك في تأليفه مع السيناريست، أحمد عامر، وهو من إنتاج الفرنسيين جولييت لوبوتر وبيير مناهيم، بالمشاركة مع "فيلم كلينك" والمنتج محمد حفظي. وحول فيلمه يقول الزهيري إنه أراد "كسر المتعارف عليه في الأفلام وحركة الكاميرا، لإيجاد جانب مختلف يتيح فهم الشخصيات من منظور آخر". ويتابع: " لقد اتبعت تكنيك الفن الفوتوغرافي نفسه، حيث بإمكان اللقطة الواحدة إتاحة مئات التوجهات في اللحظة التي يتلقاها الإحساس والعقل، فتركت المتفرج يتأمل تماماً ويخلق قصته. صحيح أن القصة قاسية والفيلم عنيف بمشاعره، لكن السمّ هنا ممزوج بالعسل".

وفيلم "ريش" هو التجربة الإخراجية الأولى في الأفلام الروائية الطويلة للمخرج عمر الزهيري وتدور أحداث الفيلم حول عائلة فقيرة مكونة من أب وأم وثلاثة أطفال. وفي أحد الأيام يقرر الأب الاحتفال بعيد ميلاد أحد أبنائه فيُحضر ساحرا لتقديم فقرات مسلية للضيوف، لكن عندما يستعين الساحر بالأب في تأدية فقرة يدخله إلى صندوق خشي كبير ويحوله إلى دجاجة ويختفي الأب، ومن هذه المفارقة العبثية تنطلق أحداث الفيلم إذ تلجأ الزوجة لكل السبل لاستعادة الأب وتبحث عن الساحر لكن دون جدوى، وبعدما تستنفد ما لديها من جنيهات معدودة تبدأ في الاعتماد على نفسها لتدبير متطلبات الأسرة وتدفع بابنها الأكبر للعمل في المصنع الذي كان يعمل فيه أبوه لسداد ديونهم، وبعد أن يستقر وضع الأسرة نسبيا يظهر الأب من جديد لكن حالته المزرية وفقده للكلام والحركة يجعله عبئا جديدا على الأسرة، وقال الزهيري في حديث لرويترز "الفكرة تبدو هزلية وأقرب إلى النكتة بتحول الزوج إلى فرخة، لكن عندما نقترب من الحكاية نراها مشكلة كبيرة، مشكلة حياة أو موت؛ وأضاف «الفيلم مختلف تماما وفيه سينما متجددة وفيه تجريب بشكل كبير. الاختلاف أحيانا يكون مربكا لبعض الناس، وتابع قائلا «أي شيء فيه تجديد تقابله محاولات للتصنيف، لكن في النهاية أنا مصري، والفيلم مصري، والفيلم ليس ملك صنّاعه بل هو ملك الجمهور".

وقد حصد قبل مهرجان الجونة السينمائي الأخير علي جائزتين في مهرجان «كان» بفرنسا، ونال إشادة كبيرة لدى عرضه دوليا، لكن هذا لم يحُل دون تعرضه للنقد والهجوم عقب مشاركته في مهرجان الجونة السينمائي بمصر.

واللافت أن هذا الفيلم لم تعترض عليه الرقابة، بل إن مبادرة حياة كريمة، التى تستهدف تغيير حالة الفقر في كثير من القرى، اعتبرت أن مصر أكبر من أن يسئ لها فيلم سينمائي، بما يعنى أن الظروف كانت مهيأة لإجراء نقاش حول العمل الفني نفسه ونقده أو الإشادة به تبعًا لرؤية كل مشاهد.

ولذلك هناك اختلاف على دور الفن، والسينما فى القلب منه، والتباين بين من يركز على ما هو جمالي وترفيهي، كما يقول الأستاذ طلعت إسماعيل في مقاله «ريش» الحرية، بدعوى مساعدة الناس على تحمل الواقع بضغوطه الهائلة، وبين من يسلط الضوء على تفاصيل الحياة اليومية لواقع آخر أشد قسوة، مسرحه عالم المهمشين والفقراء، ليس وليد اليوم، كما أن ساحته لا تقتصر على السينما المصرية وحدها، بل هي حالة موجودة فى العديد من البلدان التي تعرف صناعة السينما، وخصوصا في العالم الثالث؛ فالبعض يريد حصر ما يعرض على الشاشة في قصص ملونة بستائر وردية ومخادع مخملية، والبعض الآخر يريد فتح الحجرات الخلفية التي لا ترى الشمس، وتعانى الرطوبة، وتسكنها وجوه تغضنت بفعل غائلة الأيام، وجور بنى الإنسان، والهدف الرئيس تغيير الواقع إلى الأفضل وعدم الاستسلام لصورة غير حقيقية.

وهذا جوهر الخلاف القديم والمتجدد الذى كان طرفاه من خرجوا من قاعة عرض «ريش» في الجونة، حيث أبدى عدد من الفنانين (من أمثال: شريف منير وأشرف عبد الباقي وأحمد رزق) من الذين حضروا الفيلم غضبهم من الصورة التي نقلها العمل عن المجتمع والإسراف في مشاهد الفقر التي تضمنتها الأحداث، واعتبروا أنه يسيء للبلاد، ولا يقدم الصورة الحقيقية لمصر.

وقد كشف الفنان شريف منير عن سبب موقفه من فيلم ريش، الذي عرض ضمن فعاليات اليوم الرابع لمهرجان الجونة السينمائي، وذلك بعد تعرضه لهجوم وانتقادات بعد انسحابه من عرض الفيلم وإعلان استيائه منه؛ حيث قال شريف منير رداً على الانتقادات والهجوم الذي ناله بعد انسحابه من فيلم ريش، خلال مداخلته مع الإعلامي عمرو أديب في برنامج الحكاية، إنه يحترم المنتج محمد حفظي صاحب العلامات البارزة في السينما، وهو منتج فيلم ريش، مشيراً إلى أنه صديق عزيز.

أوضح شريف منير أن صورة الفيلم مؤذية نفسياً، وبعيدة عن الواقع سواءً في الماضي أو الحاضر، قائلا: "حتى الأسر اللي كانت عايشة في العشوائيات قبل تطويرها، ما كانتش كده، أسرة عايشة في عذاب ومعاناة مش طبيعية".  وأضاف شريف منير أن الفيلم تغاضى عن التطويرات التي حدثت في مصر خلال الفترة الأخيرة، مؤكداً أن سُكان العشوائيات والمناطق المُهمشة، في الماضي لم يعيشوا بمثل هذه الصورة البائسة، لذلك فقد شعر بالضيق والاختناق أثناء عرض الفيلم، مشيراً إلى أن انسحابه يعد رأياً شخصياً وهو حر فيه. وأكد شريف منير على فكرة أن سُكان العشوائيات، انتقلوا للعيش في بيوت نظيفة وأماكن أفضل لذلك فيجب على العين الابتعاد عن مثل هذه المناظر المسيئة لمصر بشكل عام وبدون استناد حقيقي. وتابع شريف منير أنه التقى محمد حفظي أثناء خروجه من القاعة، ولمّا سأله عن سبب انسحابه من الفيلم، أخبره منير بأنه لم يسعد بالفيلم من الناحية التقنية ومشاهدة الصورة ولا من الناحية الفنية على حد سواء، مشيراً إلى أن الإبداع الوحيد في الفيلم هو استعانة المخرج بأشخاص عاديين لتقديم فيلمه وليس بممثلين حقيقيين، بالإضافة إلى فكرة تحول الرجل إلى دجاجة.

وقال الفنان "أشرف عبد الباقي" في بث مباشر عبر "فيسبوك": "بحضر أفلام كتير لزمايلنا الفنانين وساعات كتير مش بيعجبني الفيلم أو المسرحية ولكن بقعد لنهاية العرض". وتابع: "كنت بتفرج على الفيلم والأحداث مشوقة جدًا، ولكن خلال أحداث الفيلم حصل حاجة وخصوصًا هو بيتكلم عن الطبقة الفقيرة جدًا، وعارف الطبقة دي لأني واحد عشت فيها، وعارف ناسها وحياتهم لكن شايف أن في أحداث غريبة شوية".

وأوضح: "اتكلمت مع محمد حفظي منتج الفيلم عن هذه النقاط بعد انتهاء العرض، وكلمته عن حاجات كتير منها الديكور، وبصراحة الراجل تقبل الكلام عادي خالص، لأن في بعض المشاهد التي أثارت غضبي بسبب الفنانين مش الفيلم".وتابع : "في ناس كتير خرجت من الفيلم وده شىء عادي جدا، لكن الفيلم كان جميل وأتمنى أنهم يقدموا أفلام تاني وتشارك في مهرجانات تانية".واستطرد: "كنت متحمس لمشاهدة الفيلم الذي حاز على جائزة هامة من مهرجان كان، وكان الجميع سعيدا بهذا الحدث، لكن اللغط الذي وقع حول فيلم (ريش) جاء بسبب تقديم فكرة غريبة وبطريقة جريئة، خاصة أن المخرج اعتمد على ممثلين غير محترفين، ونوعية هذه الأفلام لا تلقى إعجاب الجميع مثل الأفلام التجارية". وأضاف، أنه شاهد فيلم "ريش" بعين المتفرج، قائلا: "لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع، أعجبت ببعض تفاصيله ولم يعجبني أشياء في الفيلم وهذا أمر طبيعي في السينما".. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

نبيل عرابيهناك أصناف من الكتب لا أشعر بأي انجذاب لقراءتها، وهذا أمر طبيعي بالنسبة لكلّ مَن يهوى المطالعة، وبذلك يكون لكلّ صاحب اهتمام اتجاهه في هذا المضمار، ويكون لكلّ صنف مَن يوليه العناية التي يستحقها، وبذلك أيضاً يستمرّ كوكب المعرفة وحب الاطلاع في الدوران ضمن فلك كل مَن يهوى تفاصيله الدقيقة، وفي كلّ المجالات، دون توقّف على مدار الساعة.

ما دفعني لقول هذا هو أنني، ولسبب ما زلت أجهله، وقعتُ في شباك إحدى المسرحيات الهندية المصنفة تحت مُسمّى الميتولوجيا، أو الأساطير والخرافات المرتبطة بكثير من الشعائر والطقوس التي مازالت تُمارس في الشرق الأدنى، وهي تتحدّث– وفقاً لما جاء في التمهيد- الذي كتبه المترجم عن تراجيديا انشطار الذات والفصل بين المادّيّ والروحي، والجسد والعقل. وبالتأكيد فقد تمّت المعالجة للمادّة التراثية في ضوء العصر ليقدّم خطاباً مسرحياً متعدد الدلالات والمستويات التي ترتبط بالإنسان الهندي بوجه خاص، والإنسانية بوجه عام، لأنّ المسرحية التي نحن بصدد الحديث عنها تعتبر مثالاً تتجلّى فيه سمات المسرح الهندي المعاصر، وتتجلّى فيه براعة مؤلّفها ككاتب مسرحي.

واعتبر المترجم أن هذا العمل الفني هو بمثابة خطاب فلسفي نفسي واجتماعي سياسي من خلال لغة شعرية إيحائية مليئة بالرموز والإشارات.

أما الكاتب فهو يقول عن مسرحيته أنها كُتبت في شكل ياكشاجانا حيث الحكي هو روح هذا الشكل، مع استخدامه للغناء والتمثيل الصامت والرقص على نطاق واسع، وذلك لإبداع تجربة مسرحية شاملة، فيقوم البهاجافاتا (الراوي) بتقديم القصة عن طريق التحدّث بصيغة الغائب، بينما الشخصيات الأخرى تقوم بتجسيد ما يرونه ومسرحته عن طريق صيغة المتكلّم.

وبأسلوب أوضح يشرح المترجم الأمر بأنّ ما تتميّز به المسرحية بنائياً يتمثّل في توظيف البهاجافاتا (الراوي) الذي يروي ويغني في الوقت نفسه. يقوم بإخبار الجمهور داخل الشخصيات المسرحية التي توجد في المشهد المسرحي، وقد يهيىء المتفرّج لاستقبال ما سيراه أمامه عن طريق التركيز على مقولات معينة أو على انفعالات، وأفعال وردود أفعال معيّنة.

ويخلص المترجم إلى أنّ ما قام به مؤلّف المسرحية يتّفق مع هويّة المسرح الهندي، الذي يمتدّ تاريخه إلى ما قبل الميلاد بخمسمائة عام.

وقد استوقفتني مقاطع وفقرات عدة  في سياق المشاهد والحوارات أذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر:

- أمسكَ الصورة المنعكسة بين يديه المشكّلتين ككأس وتأمّلها. سقط الماء من بين أصابعه. أمسكها مرة أخرى، ومرة أخرى سقطت منه. عندئذٍ جأر بصوته فبدت الغابة كلّها تصرخ، صاح "الفتاة، الفتاة" ثم بكى. (ص 58)

- إنّ رؤية صورة لشخص ما منعكسة، ويتوحّد هذا الشخص معها يكون هذا معناه رؤية شكل للروح. لكنك لا تستطيع أن تفهم كلّ ذلك لأنك متعلّق بالجسد. إنّ الناس الذين يرفضون النظر إلى ما هو أبعد من الجسد لا يمكنهم فهم مثل هذه الأمور. (ص 62 )

- سيبزغ الغد لكن ليس كالمعتاد. سيكون الصواب والخطأ في وضعهما الحقيقي، وسيرحل ظلام الشك بعيداً. هل تعرف.. لن يكون هناك ركن في القصر لا يغمره الضوء. سوف يستيقظ الفجر، وبراعم عالم جديد سوف تتفتّح. سيتحوّل الحزن القديم إلى ابتسامات. (ص 113)

وبالإنتقال إلى تفاصيل هوية هذه المسرحية نجد أنّ:

عنوانها: سيري سامبيجي.

المؤلّف: تشاندرا سيخار كامبار.

ترجمة وتقديم: د. مصطفى يوسف منصور.

مراجعة: د. عصام عبد العزيز.

إصدار: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت. سلسلة

إبداعات عالمية، العدد 319، أغسطس/ آب 1999.

***

نبيل عرابي

 

عمار عبدالكريم البغداديفي آخر هذا المقام ياشهرزاد نستطيع القول: إننا حين نستحضر النورانية في قلوبنا - منبع كل خير – تنطلق المحبة كألوان الطيف لتبهج النفوس .. إبتسامة بنكهة الصباح  ترسم الفرحة،ثم إنتقاء للحروف يصنع جسور الثقة، فكلمات حانيات تعزز مكانتنا في قلوب الناس، فإذا عصفت بنا ريح عاتية التزمنا الصمت حتى نستعيد التوازن بتأمل المنتصر ثم ننطلق من جديد لنواصل مسيرة العطاء .

نحن نخوض معارك يومية بين (الأنا) والنورانية، وكلما مالت الكفة الى المحبة ازدانت نفوسنا بالسعادة، وانتشرت أنوارها الى أعماق بعيدة، حتى كأن أحدنا فنارٌ على شاطئ بحر لجي تهتدي به النفوس لتصل الى  بر الأمان .

ومادمنا بهذا السمو فإن الأمواج العالية لا تصل إلينا لطفئ الضياء، فإن تهاوت طاقة المحبة انطفأ مصباح  الهداية، وتلاش الفنار، وضيّع معه كل دليل يقي أحبابنا وأصحابنا والخيرين شر الغرق في الهموم .

إنها أمانة ياشهرزاد تهبها السماء للسرائر النقية،وتذكرنا بها كل يوم ابتسامة الطفل  البريئة،ولعلنا نرتدي أقنعة لنتحاشى بها السيئين لكننا بحاجة الى وجوهنا من غير رتوش حينما نقابل الخير،أوحتى من نجد عندهم  النزر القليل منه،  فتلك الإبتسامة  الصادقة الممتزجة بتعابير السعادة كفيلة باستنهاض المحبة في القلوب.

هكذا بكل بساطة نبتسم لنشعر بالسعادة، نتحرك ونجلس ونتحدث بتفاؤل، فتتغير الأحوال الى أحسن الحال، السماء لا تهبنا السعادة لكنها تمنحنا القدرة على استحضارها في قلوبنا وقلوب الآخرين .

أصدق أنواع الحديث ذلك الذي نصارح به أنفسنا بأننا غير مسؤولين عن أودية مظلمة نختبئ فيها،منذ عقودنا الأولى، أوصلتنا إليها عبارات التنكيل وكسر الهمة، وبالنتيجة فنحن قادرون على بلوغ أعلى القمم لو ألغينا تلك التصورات،ومنحنا أنفسنا ما تستحق من التقدير والثناء .

نحن نلهم أنفسنا الخير بانتقاء الكلمات التي نرددها، ونزيد من روابط الثقة والمودة مع الناس بالطريقة ذاتها، الناس كل الناس يحبون أن يسمعوا الكلمات الحانية بشكل مستمر، وإنْ كنّا في كثير من الاحيان لا نشعر برغبة التعبيرعن تلك المودة المعلومة ابتداءً، لكن الأهل والأصدقاء والأحباب والزملاء والجيران يرغبون بسماعها دائما، ذلك أنهم بشر، والمقياس موجود في ذات كل واحد منا .

ولذلك يقول رابي تلوشكين: "مايحتاجه منا الآخرون على نحو دائم هو أن يعرفوا أننا مهتمون بهم، وأن أفعالهم الطيبة تشعرنا بالأمتنان، وأننا نحبهم .. الأمر بهذه البساطة".

ولو أدركنا ياشهرزاد أن الثناء،الذي تشح به نفوسنا على الآخرين، ينعكس تقديراً وامتنانا يشعرنا بالسعادة لملأنا الدنيا بالمديح الصادق،وتعطرت ألسنتنا بأعذب الكلمات، لكننا نعتقد في غالب الأحيان أننا أجدر بذلك الثناء، فتتغنى (الانا) لنزداد عزلة من غير أن نحقق أي انتصار .

واذا كان " أعمق دافع في الطبيعة البشرية هو الرغبة في الشعور بالأهمية والقيمة" كما يقول جون ديوي، فعلينا أن نعلم قيمة الكلمات التي تبلغ مسامع الناس،وأثرها على نفوسهم.

نحن نبحث عن المحبة ونريد أن تكون لنا أهمية وقيمة عند الناس، لكننا لانفكر إلا ما ندر بأن هذا الشعور متبادل، وعلينا أن نكون سباقين في إيصاله للآخرين ليرتد إلينا محبة وتقديرا .

ربما يستمع إلينا الآخرون حينما نتحدث عن أنفسنا وتجاربنا بإسلوب شيق متفائل ويزيد ذلك من تقديرهم لنا، لكننا لا ننال محبتهم إلا حينما نتحدث عنهم وعن إنجازاتهم بكل خير .

التعبير بالمجاز يختصر المسافات الى قلوب الناس، ويزيد من حماسهم وعطائهم، لكننا نفقد المصداقية حينما نفتقر الى لغة الجسد المصدقة لتلك الكلمات، لو قلنا ألف مرة لإنسان ما إننا نحبه بوجه متجهم،او بايماءات رأس مطرقة فلن يصله ذلك الإحساس، ولو اقسمنا بأغلظ الأيمان .

إذاً فالمحبة مجموعة أحاسيس صادقة نابعة من تصورات طيبة تتجسد بالإبتسامة والحركة والتعبير والكلمة لتبلغ أعمق نقطة في وجدان الآخرين،وتنشر السعادة في نفوسهم .

 

بقلم : عمار عبد الكريم البغدادي

...............................

* من وحي شهريار وشهرزاد (33)

مقتبسات من مؤلفي : شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

 

الطيب النقرأسرتنا تلهبها سياط العوز، وتدميها مخالب الحرمان، كان والدي يشرِق بماء دمعه كلما رأى ملابسنا الرثة البالية عجزت عن تغطية أجسادنا الهزيلة الضامرة، فيمضي حاسر القلب، كاسف البال، لقد كان يزاول مهنا شتى في اليوم الواحد، كنت أراه دائماً دائب السعي، كثير الحركة، يضرب من أفق إلى أفق، ويخرج من غور إلى غور، حتى ذوت عافيته أنهكته الحمى التي اشتدت عليه فعلِقته أوهاق المنية، وسكن نسيسُهُ، وطوته الغبراء، نعم لقد انطفأت تلك الومضة التي كانت تدرأ عنا الظلام، لم تجد مراغم ولا سعة سوى الاستسلام، بعد أن استنفدت كل أسلحتها فعصفت بها الأنواء، واكتنفتها العتمة الصماء، نعم لقد سكت هذا الدوي، وقرّ ذلك الهدير، وخلف وراءه غصة لا تنساغ، وكربا لا ينجلي، مضى من لم أرى فيه ضراعة الجانب، ووضاعة الشأن، رغم تدثره بلفائف الفقر، وعيشه في مرعاه الجديب، لقد كان يتعفف عن قبول الصدقات العجاف، ويحرص على أن يعيلنا من ثمار جهده، حرص العابد المتحنث على صلواته، فبنى بيته على دعائم من العز، وشاد ذكره على رواق من المجد، لقد غرس ذلك الفقير المعدم الذي ينحدر من أسرة خاملة، وقرية حقيرة، في نسله خصال تجعل من صاحبها منيع الحوزة، عزيز الناحية، صفات لا يستطيع أن يتحلى بها حتى من يأكلون في صحاف الذهب، ويهيمون في أودية الغنى والجاه، لأنها صعبة المرتقى، وعرة الطريق، صفات كالجوهرة النفيسة لا يخبو بريقها، وتبلى ديباجتها، ولو نٌضْدت عليها الصفائح، وهيل على نضارتها التراب، لقد طوتك أخاديد الأرض يا والدي، وجثمت حولك جلاميد الصخر، ومازال ذكرك يُشيّع بالحمد، ويُذيّل بالثناء، لأنك صغت من الشقاء والإباء عصارة المجد، وأكاليل السّناء.

والدي هناك أشياء كثيرة تعتلج في صدري أعلم أنك غاضب مني لأنني نجست يدي وتاريخك الناصع بقبول الصدقات، وأن أحد أصدقائي له أياد سابغات في حياتي، ولكن ماذا أفعل؟ لقد اشتد عليّ أذى المتجبرين، وكيد المعتدين، أدري أنك كنت تتوقع من فلذة كبدك كل شيء إلا التورط في مثل هذا الخطأ الفادح، وأن مثل يجب أن يقبع بين ثنايا نفسه ذائباً من الخجل والحياء، ولا يخاطبك…

ولكن ماذا أصنع يا والدي؟ لقد استولت طغمة على مقاليد الأمر، ونشرت بنود النفاق والفاقة في كل طريق، وطمرت ينابيع العز والفضيلة في كل واد، طغمة لها قلوب أقسى من الصوّان، وأفئدة أعتى من الجلمود، ثلة تقذف بالغيب، وترجم بالظنون، جردتني من تجارتي التافهة التي كنت أقتات منها، وأحالت حياتي لحطام، ويبدو أنها لن تشعر بسكينة الرضا، إلا حينما تراني أجوب أرصفة الشوارع، ذابل الجفن، خائر البدن، أسال الناس الحافا، ليتك تصغي بسمعك يا والدي الذي أودعك الثرى، لن تسمع إلا تذمراً من طغيان الغلاء، وتضجراً من سوء الحال، ليتك ترى الفقر المدقع الذي جدد الغطاريف حبله، ونشروا فضله، وأشاعوه على الناس، ليتك تستنشق عرق القبليّة المنتن الذى أورق عوده، وذكّ العباقرة من تضوعه، ليتك تتذوق مرارة الظلم والاستبداد الذي رسخت قواعده، واشتدت وطأته، وأفنى جلّ الشعب بمضّه وحموضته، ليتك تلتمس جحافل البغض، وسخائم الحقد، بين أبناء القطر الواحد الذي يؤول عربهم وزنجهم إلى مجد أصيل، وشرف أثيل، وبيت رفيع الدعائم.

والدي لقد هرعت إليك فراراً من جحيم معاناتي اللافح، ومعاذ الله أن اختلق أشياء لا تمت للواقع بصلة، ولكن لأشكو مروجاً فيحاء قد نٌزعت، ورياضاً خضراء قد طٌمست، مهلاً يا أبي فقد غلوا يدي عن الحركة، فلا تكمم لساني عن الشكوى، لن استطيع احتواء المعاني التي تجسد واقعي المرير، وأنت تمطرنى بوابل كلماتك الجامحة، أنا آسف يا والدي لم أقصد أن يعلو صوتي على صوتك، فأنت تعلم كم أُجلك وأُقدرك، ما أتمناه فقط أن تمنحني وقتاً أُفضي فيه إليك بدخيلة نفسي وبعدها أصدع برأيك كما تشاء، لا يا أبي لم يكن هجومي لتلك الناجمة التي سامتنا بخسف اسفافاً أو ردّ فعل غاضب لإقالتي من وظيفتي، بل لأن هؤلاء البهاليل السادة قد هدموا معبدي الذي يموج بالحسن، ويومض بالسعادة، ويتدفق بالجمال.

 

د. الطيب النقر - كوالالمبور

 

شاكر فريد حسنهناك علاقة عضوية وطيدة بين الإنسان الفلسطيني وشجرة الزيتون، لما تمثله من رمزية تاريخية وثقافية، كرمز للصمود الفلسطيني والتمسك بالأرض حتى الجذور والبقاء في الوطن الغالي المقدس.

وينتشر في الأراضي الفلسطينية عدد كبير من أصناف الزيتون، التي تم اصطفاؤها وتحسينها عبر آلاف السنين ليلائم كل صنف الغرض من زراعته، ومن هذه الأصناف: الزيتون السوري/ الشامي، والمليسي، والبري، والنبالي المحسن، ومرحابيا، والرصيعي، ومعالوت، والذكاري وغير ذلك من أصناف.

وفي موسم الزيتون، الذي يبدأ عادة في شهر تشرين أوّل، تتكثف جماليات عديدة، ويتداخل في صورتها الكلية الصمود والجّد والأصالة والبهجة والذكريات الجميلة.

وفي الأدب الفلسطيني لازمت شجرة الزيتون الحديث عن رمز ثقافة أهل فلسطين، وفي رواية أم سعد للروائي الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني فإن لشخصية الواقعية للسيدة الرفيعة ترتكز على انفعالات وجدانية تحركها العلاقة مع الأرض وغرس أشجار الزيتون وقطف حباتها. أما في رواية "العشاق" للكاتب رشاد أبو شاور تبدو شجرة الزيتون عنصرًا دائم الحضور في الأحداث ورفيقًا دائمًا يلازم أبو خليل، وعن ذلك يقول أبو شاور: "الفلاح الفلسطيني وشجر الزيتون وجهان لشيء واحد، وهي بالنسبة له حقيقة كفيلة بمناهضة مزاعم صهيونية باطلة تريد ابتلاعها، وبذلك يشعر إنها تقتلعه ويرى في زوالها نهائيًا زوال وطن".

وعلى الدوام شكلت شجرة الزيتون عنوانًا و"موتيفًا" أساسيًا بارزًا في القصيدة الفلسطينية والشعر الشعبي الفلسطيني، ونجدها شديدة الحضور، قوية الملامح، رائعة النبض، فيها دفء وحرارة التجربة. وقد أبدع الوجدان الجماعي الفلسطيني في كلمات أغاني الدلعونا، التي صاغ ايقاعاتها مجبولة بعرق الفلاح وعبق الأرض والتراب والتاريخ المضمخ بدماء الشهداء يزكيها بروائح التضحية والفداء، ويتجلى ذلك في هذه الأهزوجة الشعبية:

الزيتون اشتاق اللي زرعوها

وزيتات الموني منها أخذوها

عودوا تجاه اللـه عودوا شوفوها

الأوراق اصفرت، ذبلت العنوقا

شعبي للوطن قدّم هدية

روحه العزيزة لأجل القضية

ولا يمكن يرضى بالصهيونية

ع تراب بلادي أرض الزيتونا

وتقودنا أغاني الدلعونا للتقدير الشعبي للقعدة والجلوس تحت ظلال وأفياء الزيتونة، وملتقى العشاق وأهل السمر في ذلك الزمن الجميل، حيث نستشف معاني الغزل والوجدان من خلال هذه الأبيات:

غربي المارس، شرقي المارس           دخلك لفيني أكلني القارص

بكرا يا بنيّا بتيجي المدارس               ونتلاقى سوا بفاي الزيتونا

على دلعونا ليش دلعتيني                 اعرفتيني شايب ليش أخذتيني

سقا اللـه ايام العنب والتيني               وأنا واياكي بفي الزيتونا

شفت الحلوة تحت الزيتوني              من اول نظرة علقت عيوني

باللـه يا اهلي اوعوا تلوموني             بحب السمرة أنا المجنونا

طاحت تتخطم بالثوب الأزرق            واللي يعاديها في البحر يغرق

حلّت العصبة وبين المفرق               اللـه يجمعنا بفي الزيتونا

بظِل الزيتوني وفي ظل التيني          بطلب يا حلوي منك تلاقيني

حبك يا سمرا هللي ساليني               وقضيت العمر منك محروما

وشاعرنا الشعبي الأستاذ سعود الأسدي، أمير القصيدة المحكية، كثيرًا من غنى وتغنى وتغزل بالزيتونة وكأنها ست الصبايا، فلنسمعه يشدو قائلًا:

زيتونتي يا مظللة تراب الجدود يا موشحة بالعز في عرق الجبل

يا خفقة الموال ع شفاف الخلود يا حلم اشواق العذارى للقبل

يا بسمة الاطفال في ليل الوعود يللي العطايا من كفوفك تنقبل

في كرمك الفلاح غنى للوجود كلمات خلو الكون يصحى من الخبل

وهذا شاعر الكفاح والمقاومة وسيّد الكلام الراحل محمود درويش الذي أطلق على ديوانه الشعري "أوراق الزيتون"، يفتتح قصيدة له بهذه الكلمات:

لو يذكر الزيتون غارسهُ

لصار الزيت دمعا!

يا حكمة الأجدادِ

لو من لحمنا نعطيك درعا!

ثم يؤكد على بقاء الفلسطيني في أرضه وزيتون الشعر، قائلًا:

لا يعطي عبيد الريح زرعا!

إنا سنقلع بالرموشِ

الشوك والأحزان.. قلعا!

وإلام نحمل عارنا وصليبنا!

والكون يسعى..

سنظل في الزيتون خضرته،

وحول الأرض درعا!!

وفي قصيدة أخرى له بعنوان "شجرة الزيتون الثانية" يقول:

شجرة الزيتون لا تبكي ولا تضحك. هي

سيدة السفوح المحتشمة ظلها تغطي

ساقها، ولا تخلع أوراقها أمام عاصفة.

تقف كأنها جالسة، وتجلس كأنها واقفة.

تحيا أختاً لأبدية أليفة وجارة لزمن

يعيها على تخزين الزيت النوراني وعلى

نسيان أسماء الغزاة، ما خلا الرومان

الذين عاصروها واستعاروا بعض أغصانها

لضفر الأكاليل. لم يعاملوها كأسيرة حرب،

بل كجدة محترمة ينكسر السيف أمام

وقارها النبيل. في فضة حضرتها المتقشفة

خفر اللون من الإفصاح، والنظر إلى ما

وراء الوصف، فلا هي خضراء ولا فضية.

أما الشاعر المرحوم جمال قعوار المعطاء، والناثر بسخاء وصدق، دون رياء وكبرياء، فقد قال عن الزيتون:

يا شجرة الزيتون يا زينة الأشجار

يا أمنا الحنون يا بهجة الأنظار

وشاعر الشعب والوطن والغضب والثورة المرحوم سميح القاسم، في قصيدته "المنفى" يوصي أن يدفن تحت شجرة زيتون في سفوح جبل حيدر.

أما الشاعر الشهيد راشد حسين الراقد في (مصمص)، ففي محاكاته لاورشليم، عندما جاءها زائرًا، فأحبته وأحبها، ويطلق عليها ويصفها بـ "ربة الزيتون"، حيث يقول:

أمدينةَ الزيتونِ! زيتون الهوى أثمرْ

لما بسطتِ على فؤادي زندَكِ الأخضرْ

وعصَبْتِهِ بلظى محبةِ فارسٍ أسمرْ

وزرعت في قلبي عينينِ للحُبِ

من قسوة الرومانِ في لحظتيهما آثارْ

ومنَ الربيع عليهما ستران من أنوارْ

يا ربةَ الزيتونْ!

زيتونُ حُبي يوم جئتُ اليكِ قد أثمرْ!

وأخيرًا يمكننا القول، ان القصيدة الفلسطينية مزينة وموشحة ومفعمة بشجرة الزيتون واوراقها الخضراء، التي باتت رمزًا تعبيريًا للصمود والبقاء في الوطن والتشبث بالتراب والعطاء والحياة والمستقبل.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

 

ضياء نافعكنت أتجول بين لوحات سلفادور دالي الغريبة والعجيبة والجميلة وأتأملها باندهاش واعجاب شديدين، فاقترب مني الفنان التشكيلي الغريب الاطوار دالي وسألني متعجبا – ما الذي جاء بك الى معرضي؟ فأجبته بسؤال ايضا – ولماذا هذا التعجب؟ فقال ضاحكا – لانك تتنفس هواء الادب الروسي فقط، ولا يوجد هذا الهواء هنا، وأخشى عليك ان تختنق بين لوحاتي،  فقلت له وانا اضحك ايضا – نعم، أنا أتنفس هواء الادب الروسي، هذا صحيح، ولهذا أنا هنا، اذ ان بعض الاجواء والملامح في لوحاتك تذكرني بنتاجات غوغول الادبية، فصمت دالي قليلا وبرم شاربيه المعقوفتين، ثم قال لي – ادعوك لشرب القهوة والدردشة عن هذا الموضوع الطريف جدا بالنسبة لي،  فهل تتقبّل دعوتي؟ قلت له – نعم وبكل سرور. وهكذا بدأنا بهذا الحديث الممتع ونحن نشرب القهوة معا، واظن ان هذا الحديث ربما سيكون ممتعا للقراء ايضا، ولهذا اقدم خلاصته لهم ...

سألني دالي في البداية – اين رأيت أجواء وملامح نتاجات غوغول الادبية في لوحاتي؟ فقلت له – في كل لوحاتك، اذ ان عوالكما الفنية، انت وغوغول، مشتركة ومتشابهة بشكل واضح، اذ انكما تستخدمان الخيال الجامح والجميل، الخيال الغريب جدا ولكنه مفهوم للمتلقي، بل وان المتلقي هذا يندهش امام هذا الجمال غير الاعتيادي في اطار هذا الخيال غير الاعتيادي، فقال دالي – لقد سمعت مثل هذه الآراء الغريبة جدا عندما تحدثت مرة مع بعض اللاجئين الروس في باريس، وحتى قال لي أحدهم – ان دالي هو غوغول في الفن التشكيلي، ولكن هذه اول مرة اسمع تلك الآراء من عراقي، ولهذا دعوتك لشرب القهوة والدردشة معك حول ذلك، لانني أعرف، ان العراقيين عموما ينظرون الى غوغول بعيون بيلينسكية بحتة . ضحكت أنا، وقلت له، هذه اول مرة ايضا اسمع بكلمة (بيلينسكية!) هذه، فما قصتها ؟ ضحك دالي وقال – لقد رسم بيلينسكي صورة غوغول في النصف الاول من القرن التاسع عشر، وعكس بيلينسكي في صورته تلك خصائص ذلك العصر ومشاكله باخلاص، واراد ان يؤكد على صحة آرائه الشخصية البحتة في كل شؤون الحياة (بما فيها الآراء السياسية) عبر نتاجات غوغول،  ولازالت هذه الصورة ذات الصفات النموذجية لذلك الزمان (ملصوقة!) في رؤوس وعقول الكثيرين من الروس طوال قرنين من الزمان تقريبا، اذ ان الاحداث الهائلة في ذلك البلد تسارعت، ولم تسمح لهم ان يتأملوا تلك الصورة القديمة لغوغول او تطويرها، او حتى تشذيبها في الاقل وجعلها تتناسق وتتناغم مع خصائص الازمنة اللاحقة المتنوعة جدا، التي تلتها، والعراقيون يكررون هذه الصورة القديمة ليس الا، الصورة التي (استنسخوها!) طبق الاصل في اواسط القرن العشرين بروسيا السوفيتية، عندما تعرفّوا على الواقع الروسي آنذاك . صمتنا كلانا، دالي وأنا، بعد هذه الاستطرادات الفكرية الحاسمة التي قالها دالي، ثم اضطررت أن اقطع هذا الصمت، وقلت له، انت لا تعرف الظروف الرهيبة، التي مرّت بنا في العراق، والتي جعلت المثقف العراقي (يستنسخ!) الصور والافكار، ولكن المثقف العراقي وبالتدريج بدأ يتطور، وهو اليوم يختلف عن هؤلاء، الذين (استنسخوا الصور طبق الاصل في ذلك الزمان!) كما قلت انت . ابتسم دالي وقال  لي، انه لا يتابع دقائق احداث العراق ابدا، ولا اي بلد من هذه البلدان المشابهة له، ولكن الصدفة فقط هي التي أتاحت له ان يستمع الآن الى أقوال عراقي، وقال - (المهم بالنسبة لي، هو اني اريد ان اعرف اين وجدت العناصر المشتركة بيني وبين غوغول) . انتعشت أنا، وقلت له – ان لوحتك الغريبة والرائعة (اصرار الذاكرة)، حيث  الساعات المائعة ذكرتني بغوغول، اذ انك اردت هناك ان توقف الزمن، واوقفته فعلا، لكن الاجواء المحيطة بهذا الفعل الفلسفي الجبار قد ماتت، اي انك اوقفت الزمن لكنك فشلت في ايقاف الحياة وديمومتها، وهذا ما فعله غوغول قبلك بالضبط في الثلث الاول من القرن التاسع عشر، اذ انه انهى مسرحيته المشهورة (المفتش) بمشهد صامت رهيب، حيث تجمّد فيه كل ابطال المسرحية، اي انه اوقف الزمن ايضا، ولكنه فشل بايقاف الحياة . انت كررت نفس الفكرة الفلسفية (التي يحلم بها الانسان دائما)، ولكن بشكل فني جديد ومدهش وجميل وخاص بك وحدك ويرتبط بخيالك الجامح، هذا  مثل واحد ليس الا، مثل وجدت به أنفاس غوغول في لوحاتك، واريد ان اتحدث لك عن مثل آخر، اذ انك عرضت في احدى افلامك كيف ان بطلك (أضاع فمه)، الا يذكرك هذا الشئ ببطل غوغول الذي (أضاع أنفه) في روايته القصيرة - الانف ؟ ضحك دالي، وقال، هذه ملاحظات دقيقة جدا، وربما انعكست في نتاجاتي عبر اللاوعي ليس الا، وهي تحتاج الى تأمّل عميق وهادئ، واراد ان يضيف شيئا، الا ان جرس المنبّه اللعين ايقظني من نومي ... 

 

أ. د. ضياء نافع       

 

 

نيرمين ماجد البورنوما أحوجنا أن نتعلم ثقافة الاختلاف لا الخلاف، وأن نتعلم ثقافة الاحتواء لا النفور والجفاء، أعجبتني مقولة الفيلسوف ويليام جيمس: "إن تاريخ الفلسفة هو تاريخ التصادم بين الأمزجة البشرية" لكنه يجب أن يكون تصادم محمود للتلاقي وليس تصادم عميان للخلاف، جميعنا يدرك أن هناك بعض البشر قد آتاه الله عقلا راجحا وبصيرة وفكرا ثاقبا فتجده مبذر في اعطاء الفرص والحكم وقد منحه الله نعمة القبول، والبعض الأخر للأسف يعاني من ضمور وقصور في النظر والفكر والعقل فلا يستطيع إحاطة الموضوع بنظرة شاملة فتجده يقسو وينافق ويطعن بلا هوادة بالناس بدون ذرة رحمة في قلبة، "العيب مش في العيش.. العيب في اللي أكل العيش" جملة قرأتها واستوقفتني وتأملت كثيرا في مفرداتها ومعانيها والوجوه التي قابلتها في حياتي والتي لم تحترم العيش ولا العشرة، ولم تصن العيش والملح ، لكن السؤال أين تكمن المشكلة؟ وهل القلوب تحجرت وجفت؟

اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية، لان النقاش البناء هو حوار عقول، والمودة هي حوار عواطف، لذلك الخلاف البسيط في وجهات الرأي لا ينهي الود والحب، بل على العكس، الخلافات بعض الأوقات مهمة لكي تظهر مكنونات الناس ولكنها محمودة عندما تنتهي باعتذار وجلسة مصارحة، أما التجاوز والتغافل أعتبره وسيلة لدفن وتراكم المشاكل فوق بعضها البعض، قد تجعل الشخص يقسو رغم لين قلبة ويعتزل وقد يتحول الى شخص انطوائي لا يتحمل النفاق والغباء والتلون، وقد يلجأ للبكاء على أتفه الأمور والأسباب ويبكي في داخله ويحزن ويري انكساراته تتهاوي أمام عينيه ويعيش صراعات وخيبات وطعنات ويكتفي من كل شيء في الحياة وتتبدل معاني كثيرة لديه فتصبح السعادة والتفاؤل مجرد أوهام وسراب فتستقر بقلبه الخيبات ويتجلى بملامحه الانكسارات، ان الضرر النفسي الذي تلحقه الكلمات يستغرق وقت أطول في الشفاء من الضرر الجسدي، فسبحان الذي جعل الكلمة الطيبة في ديننا صدقه، إن أسوأ أنواع الابتلاء في الدنيا أن تبتلي بغليظ الفهم، محدود الادراك، يرى نفسه أفهم وأعلم الخلق وهو أجهلهم.

2934 التجاوز الصامتلقد قيل في المثل الصيني" إنك لا تستطيع أن تمنع طيور الحزن من أن تحلق فوق رأسك، ولكنك تستطيع أن تمنعها من أن تعشش في شعرك "، جميعنا بلا استثناء يوجد لدينا وجع مدفون داخلنا ولا أحد يعلم ما هو وكيف تمر به وكيف تواجهه وتتغلب عليه، منا من عاش فترة صعبة وعاني من لكمات وكلمات، ومنا من أحب بصدق  لكنه لم  يجد الاحتواء والتقدير، ومنا من حلم بحلم ولم يتحقق، أحلام وأمنيات ومواقف وأشخاص كثيرة قد تمر في حياتنا ونتوجع منها لكنها تعلمنا دروس وعبر، نحن لا نخسر علاقاتنا بكثرة المشاكل والمشاحنات والخلافات بل بتراكم الخيبات التي تميت الروح والقلب وبكثرة التضحيات التي لا يدري عنها أحد ولكنها الأقسى.

نحن بحاجة الي أشخاص أسوياء نفسيا وروحيا وعقليا، أشخاص لا نضطر أن نزين وننمق الكلمات أمامهم وبحضورهم، بل نتكلم بعفوية على سجيتنا حتى ولو كنا لا نخلو من السيئات، أشخاص لا يسيئون ويحللون الكلمات والمواقف على أنها  متعمدة تحمل معان وتفسيرات وتأويلات ومن ثم يطلبون منا التبريرات،  نحن بحاجة الى أصدقاء لا يتغيرون ولا يتبدلون مع تقلب المزاج والظروف والأحوال مثلما تتبدل الفصول، أشخاص يخافون على أحبابهم من كلمات تخرج من أفواههم فتجرح اصدقائهم بدون قصد، أشخاص يعملون بصمت دون انتظار رد الجميل، فلذلك كونوا حريصين على انتقاء من يليق بقلوبكم وأرواحكم ولا تستهلكوا مشاعر الاخرين بالخطأ فالاحترام فوق كل شيء فوق الصداقة فوق القرابة وفوق الحب أيضا.

هل تخيلت يوما كمية الصراع الذي تكابده يوميا من قسوة الحياة وظروفها فوق تعبك لكي تعيش بأمان وبسلام، تحارب أحزانك بصمت لأنك لا تريد أن تري وتشعر  بنظرة الشفقة من أحد، هل تخيلت يوما حجم التعب وأنت تحبس الدمع ولا تذرفه وتواسي وتطبطب على نفسك لكي تحيا حياة آمنه صحية، انا لا أنكر أنه من حقك أن تعيش حزنك بكل تفاصيله  لكن لا تبالغ في العتاب والقسوة على نفسك، ولا تعطي الأشياء أكبر من حجمها، وتوقف عن كونك مخذول ومكسور فمن لم يطرق بابك وانت محتاج اليه فلا مرحبا به، وأعلم انه في رحيل البعض حياة وفي ابتعادهم سعادة وفي مسح رسائلهم وأرقامهم وصورهم طمأنينة وفي انقطاعك عنهم سكينة، وادرك جيدا أن لا أحد يعلم كم صبرت وكم تجرعت الويل والألم وحدك وكم كافحت وكم ضحيت وكم ابتليت وكم اختفي بريق عينيك وانطفأ وذبل  وكم أصبح جسدك هزيل، لا أحد يعلم كم  مرة هدم جدار قلبك وكيف أعدت بناءه مره أخري، لا أحد يعلم كم من مره اختنقت وسط الحديث وكم من مرة مرضت وعانيت، واعلم انه مسكين من لم يخض وذاق الوجع والالم بحياته لان الخيبات بمثابة الدروس تؤلم وترمم وتنضج ومن ثم تجعلك تضحك على خيباتك، فلا تعطي الأشياء فوق حجمها، فقط صون الود وأحسن الرد وأحفظ الوصال واترك الدنيا تصفي حساباتها، كل شيء زائل ولن يبقي سوى أثر عملك وتلك الدروس المستخلصة من الألم والوجع الذي مررت به وأحمد الله على نسختك الجديدة الأكثر نضجا والأشد صلابة، واملأ قلبك بالإيمان كي لا يصدأ، ولا تربط نفسك وحبالك بشخص لأنه على قدر الاستناد يأتي السقوط، وتوقع من الجميع كل شيء.. خاصة في الخيبات والطعنات لأن ليس الجميع كما تتمنى وليس الجميع مجبر في أن يكون ما تتمنى!

 

د. نيرمين ماجد البورنو

 

 

البرامج السياسية الساخرة تعتبر من أبرز أساليب الاتصال السياسي في الوصول إلى الجمهور، يوجد في الوطن العربي العديد من برامج السخرية السياسية تحظى بمتابعة كبيرة، تمثِّل السخرية أحد أساليب التعبير عن الذات، والآراء، واتجاهات الإنسان حول الواقع من حوله، وهي أيضًا وسيلة للنقد والتعامل مع السياسيين ومساءلتهم باعتبارهم أشخاصا عاديين وليسوا منزهين عن الخطأ تتلقى برامج السخرية السياسية في العالم العربي مجموعة من الانتقادات حيث يطالب البعض بوضع حدود للمواضيع التي تتناولها، واعتبار انها تتجاوز بعض الخطوط الحمراء التي يضعها المجتمع نفسه، انتقادات أخرى وجهت لهذه البرامج مفادها أنها تتناول القضايا السياسية الكبرى بسطحية وتسعى لتحقيق الربح المادي والشهرة أكثر من سعيها إلى إثارة القضايا المهمة ومناقشتها أمام الرأي العام

ويعيد البعض إقبال الجمهور العراقي على برامج السخرية والفكاهة على حساب وسائل الإعلام التقليدية، إلى ما يراه نوعا من السخط العام على العلاقة المختلة بين المواطنين والحكومة وعلى الانقسامات المجتمعية والطائفية التي تعاني منها البلاد،، تضاعفت نسبة إقبال العراقيين على مشاهدة برامج وقنوات السخرية والفكاهة، التي تركِّز غالباً على نقد السياسيين والخطاب الإعلامي الطائفي، في السنوات القليلة الماضية، ويُعدّ هذا الفن حديثا نسبياً على الساحة الإعلامية العراقية؛ إذ بدأ في الظهور بعد الانتشار الواسع لمثل هذه البرامج في بعض التلفزيونات العربية، وبشكل خاص برنامج "البرنامج" الذي كان يقدمه الإعلامي الساخر باسم يوسف في مصر عقب ثورة يناير/كانون الثاني عام 2011 والنجاح الكبير الذي حققه.وحقّقت السخرية والفكاهة -سواء أكانت برامج تُذاع في محطات التليفزيون أو على قنوات وصفحات في مواقع التواصل الاجتماعي- شعبية جارفة حتى باتت الأكثر مشاهدة في العراق

ويأتي برنامج "البشير شو"، الذي يقدمه الإعلامي العراقي الساخر أحمد البشير على قناة "دويتشه فيلا" الألمانية، على رأس أعلى البرامج مشاهدة على القنوات العراقية، وفي مجتمع محافظ اجتماعياً، ومنقسم سياسياً، وتتوزع فيه المناصب الحكومية بين الكتل السياسية توزيعاً طائفياً وعرقياً، وتتبع فيه وسائل الإعلام - إلى حد كبير - جماعات سياسية ودينية، يواجه الإعلاميون الساخرون في العراق كثيراً من العقبات حتى يصل صوتهم إلى الجمهور،، قد لا تكون القنوات الفضائية التابعة للحكومة والأحزاب هي النافذة المناسبة لنقد الأوضاع الحالية بحرية كاملة، وهو ما يدفع بعض الإعلاميين الشباب للتوجه نحو مواقع التواصل الاجتماعي، لتقديم برامج ساخرة بسقوف حرية أعلى من تلك المتاحة رسميا، وسرعان ما بدأت برامج أخرى بالظهور على الشاشات العراقية وفي مواقع التواصل الاجتماعي، لكنها كانت أقل حدة في النقد مراعاة لشروط هيئة الإعلام والاتصالات الحكومية ،ويأتي في مقدمة هذه البرامج (ولاية بطيخ) الذي يحظى بنسب مشاهدة عالية، لكن طابعه يميل إلى النقد الاجتماعي أكثر، وتعرض كادر البرنامج لتهديدات عشائرية وهجوم مسلح على بيت مقدمه، بسبب ما وصف بالتهجم على زعيم تاريخي لإحدى عشائر جنوب العراق، مما أدى إلى تدخل جهات سياسية وأمنية لإنهاء الأزمة، هذه الكوميديا السوداء تشعر المواطن بما يشبه "الثأر" من هؤلاء الأشخاص الذين لا يستطيع مواجهتهم بنفسه، خاصة تلك الجهات التي تمتلك نفوذا عاليا، وأحدثت هذه البرامج تفاعلا في أوساط الشباب، تجلى ذلك في نسب المشاهدة المرتفعة، وصفحات المعجبين والمتابعين، وانتشار المصطلحات الساخرة المستخدمة في تلك البرامج على ألسنة المراهقين والشباب وحتى كبار السن أحيانا. يستخدم أسلوبا "بناء" في النقد لا يميل إلى التجريح والإسقاط، لأن سقف الحرية منخفض ويجب أن تكون الكلمات محسوبة بعناية، لدرجة أن "العراقي بات يشعر بأنه غريب في وطنه".ورغم أن بعض السياسيين يحاولون التقرب من مقدمي هذه البرامج وتقديم عروض سخية لهم بعد ان اتسعت موجة السخرية المتلفزة وأصبحت منتشرة على نطاق واسع في الشاشات العربية وفي وسائل التواصل الاجتماعي -موقع يوتيوب تحديدًا- وأصبحت تستقطب مشاهدات واهتمامًا لافتًا، خصوصًا في الفترة الأخيرة. ويتضح ذلك من خلال نسب المشاهدة العالية التي باتت تستقطبها هذه البرامج حيث تصل مشاهدات بعض هذه البرامج إلى أكثر من ثلاثة ملايين مشاهدة مثل برنامج "جو شو" في موقع يوتيوب، بينما تصل مشاهدات بعض الحلقات في موقع فيسبوك نحو 14 مليون مشاهدة، فضلًا عن ازدياد عدد البرامج السياسية الساخرة لتصبح منتشرة في مختلف الشاشات العربية، حيث تزامن ظهور البرامج الساخرة مع اندلاع ثورات الربيع العربي في البلدان التي شهدت انتفاضات، وتمكنت من تحطيم الكثير من القيود والمحرمات السياسية، وأتاحت قدرًا كبيرًا من الحرية في مواجهة الأنظمة الحاكمة ونقد سياساتها. كما أنتجت الظروف السياسية المضطربة في أغلب بلدان الربيع العربي، نتيجة ما عُرف بـ"الثورات المضادة"، أوضاعًا سياسية واقتصادية وإنسانية غير مستقرة وأصيبت تلك المجتمعات بحالة من الإحباط والخوف من العودة إلى أحضان الأنظمة الاستبدادية التي انفجر الشارع لإسقاطها، ومن ثم مصادرة الثورات التي مثَّلت بارقة أمل للشعوب العربية للخلاص من حقبة الديكتاتوريات

هذه البرامج بحاجة إلى تطوير مستمر، وإدخال قوالب وأشكال جديدة في معالجتها تضمن من خلالها جذب المزيد من الجمهور والاحتفاظ بحضور متجدد غير ممل. كما تحتاج إلى مستوى عال من الحرية، وضمان حرية أعلى لمقدمي هذه البرامج ليتمكنوا من تقديم خدمة مجتمعية موضوعية، تسهم في تعزيز الحوار السياسي المجتمعي، وتسهم في تهيئة الفضاء العربي للتحول الديمقراطي.

 

نهاد الحديثي

 

 

عقيل العبودصرتُ أُتابعُ وبشغفٍ برامج العروض، والتقارير، والموضوعات، والأخبار العالمية، بغية إضافة أشياء، ومعلومات تفيد العقل، والروح، لما فيه خدمة التفكير، والمعرفة؛ ذلك بعد أن أصابني الصداع، والغثيان، جراء الإدمان على مشاهدة البرامج الخاصة بالبث التلفازي العراقي؛ بما في ذلك تداعيات الصراع بين الكتل، والأحزاب، والتيارات، وأنماط التصريحات، والتحليلات السياسية، وغير السياسية للمعنيين، خاصة هذه الأيام، حيث يتم إشغال عقول العامة بموضوع الانتخابات، وأصوات الناخبين، وصناديق الاقتراع.

علما أن هنالك تسويقا إعلاميا هائلا لعروض يتعلق البعض منها بعمليات التجميل، والتسوق، إضافة إلى مهرجانات ما يسمى بملكات جمال العراق مع عدد من المقابلات المتعلقة بحسب المسميات الإعلامية الحالية "بالفنانات، والمبدعات، والإعلاميات" حيث يتم الحديث عن تجاربهن الحياتية في باب الملبس، والمأكل، والمشرب، وعمليات التجميل الخاصة ب"موضات الفتنة، والجمال"، وموضوعات هامشية أخرى.

ولذلك ومع عصر ترويج مساحة هذا النوع من الثقافات، صار هنالك تغييبًا تامًا، أو تدرجيا للفن والمسرح، والموسيقى الواعية، وكذلك هبوطا هائلا لمناقشة موضوعات المعرفة، والعلوم، والانجازات العلمية، والطبية، حيث غابت لغة المبدعين بين دهاليز الغربة، وأخطبوط السياسة البائسة للإعلام العراقي، ما يطيب لي تسميته (بالنعش الحضاري).

لذلك استغاثة، قررت مواصلة رحلاتي الاستكشافية لحضور أدبيات، ومنجزات الذوق الرفيع؛ هذه النكهة التي تضيف إلى العقل، والروح روعة، وعلوًا، ورفعة، وجمالا - حيث تسمع محاضرة عن انجاز علمي، أو معرفي على غرار ما يسمونه (TED)*

والاستمتاع بمقاطع أخرى من قنوات البث التلفازي العالمي، أوبعض الفضائيات، حيث تسمع عن قصة شابة يافعة تذهب في رحلة فضائية إلى القمر، وأخرى تتعلم فنون قيادة الطائرة، ورائد فضاء في التسعين من عمره يذهب برحلة استكشاف جديدة

ومع هذا النوع من المشاهدات، يتم بث مراسيم الاحتفاء بأصحاب العقول، والمنجزات، والاختراعات العلمية في باب الطب، والكومبيوتر، والعقل الصناعي، بل وحتى الأدبيات الخاصة بالنثر، والفلسفة، والشعر.

لذلك ومع ما يسمى بالقلق المعرفي، بات ينتابني شعور بالخيبة، والخذلان، والانكسار على وطني الذي تحول إلى فريسة تنشها الضباع، والنمور ليس على طريقة استنزاف الثروات، والموارد البشرية، والمادية فحسب، بل على شاكلة استهداف العقل الحضاري المبدع، حيث يجري تطبيع خارطة العقل البشري، ومكوناته الإنسانية باتجاه التهميش، والتركيع، والترويع، والتجويع

ذلك بعد ان تراجعت لغة الإعلام الملتزم، والثقافة الرصينة، وجميع مفردات النهضة الحضارية، إثر إشغالها بموضوعات لا صلة بحقيقة الإبداع.

 

عقيل العبود/ كاليفورنيا

......................

* بعد أن تم تهميش لغة الحضارة، والمعرفة، وتغييب العقل الواعي بفعل أخطبوط السياسات، والاحزاب، والكتل التي ما انفكت تنهش في جسد الحياة العراقية.

* برنامج خاص بالمؤتمرات، والابتكارات العلمية، وبلغات مختلفة.

 

عمار عبدالكريم البغداديالصمت كالوقوف على قارعة الطريق لنتأمل الأصوات والحركة من حولنا، إمّا أن نواصل بعده المسير الى مكان آمن بعيد عن الضجيج، أو ننحدر الى زحمة لا يبدو لها اخر .

وان كان الصمت بمعنى التأمل في لحظة ضاغطة فهو بكل تأكيد يحقق عدم التأثر وحفظ المدخلات والدفاع عن القيمة العليا في أنفسنا، وهو لا يختلف كثيرا عن لحظة مواجهتنا للمتجهم الثاني في أحد صباحاتنا، وقلنا في حينها: (أن في تلك اللحظة الحاسمة رسالتان متضادتان، الأولى قادمة من صاحبنا المتجهم مفادها: "لن يكون يومكِ سعيدا "، والثانية منكِ أنت ياشهرزاد، فإمّا أن تبتسمي ابتسامة مازوخي راضخ لقرار السادي غير المعهود الذي ظهر فجأة، وتعيشين يوما تعيسا مضطربا تواسين فيه المتجهم وتبادلينه إحساس الحزن والألم لسبب مجهول، وإمّا أن تأخذي نفسا عميقا، وتبعثي برسالة مضادة " ابتسامة نابعة من القلب " مفادها: "أنا سعيدة فابتسمْ ربما يكون يومك سعيدا أيضا) .

نحن نستقبل في اليوم الواحد عدة طعنات، منها مايكون مسموما أو نتيجة حماقات تتعلق بمستوى الإدراك، ورفعة السلوك أو دناءته، ولعلّ من أقساها كلمات جارحات، وفي الحالات كلها مازلنا نعيش بين عمقين إثنين لا ثالث لهما (التأثر والتأثير) وكما أسلفنا (فإمّا أن نتأثر فنزداد غرقا، وإمّا أن نؤثر فنطفوعلى السطح).

وإذا كنا نأخذ نفسا عميقا لاتخاذ القرار المناسب، في لحظة اصطدامنا بوجه متجهم في الصباح وقد تخلو وجوهنا من التعبير، ونظهر جمودا عن الحركة تنطلق بعده ابتسامتنا المتحدية، فإننا في لحظة الصمت بعد كلمات دنيئات، أوعبارات جارحات بحاجة الى اظهار تعابير التأمل، وأعمقُها النظر في وجه المسيء من غير تعبير ظاهر، فالامساك عن الكلام، في لحظات الطعنة، كالهروب الى طبيب محترف يتفحص الجرح في (حضرة الصمت) ليخبرنا أن العلاج مرهون بتجاهلنا للألم وإن كان الجرح عميقا، إنها كاللحظات التي نواجه فيها سيلا عارما منحدرا من أعلى قمة تدركها أبصارنا، فان تعاملنا معها ببصيرة وجدنا في ذواتنا صخرة أمنة نختبئ خلفها حتى يسكن صوت الهدير، وحينها سواء بقينا صامتين، وغيرنا مسارنا بعيدا عن مجرى السيل، أو تحدثنا بما يبقينا في مأمن من مواجهة سيل آخر ففي كلتا الحالتين نكون قد حققنا الإنتصار .

شهرزاد: وكيف لنا أن ندرك المسار الأفضل بعد لحظات تأمل وصمت؟

شهريار: لو تحققنا من معنى الصمت بعد الطعنة إبتداءً لعرفنا طريقنا من غير دليل، فالصمت وفقا لاهل العلم هو قدرة الإمساك عن الكلام الباطل، أمّا السكوت فهو القدرة على الأمساك عن الكلام في الحق والباطل، لذلك قيل: (إن الساكت عن الحق شيطان أخرس)، من هنا ياشهرزاد وعلى اعتبار أن الطعنات المسمومات والعبارات الدنيئات قد أتتنا بقصد ووعي، فنحن قادرون، بعد صمت وتامل، على الحديث بمنطق متكامل يحدد مكامن الخلل، ويرد السفاهة الى مواطنها، ويلقم صاحبها حجرا، وأمّا الطعنات الحمقاوات فإن الصمت مشفوع بابتسامة ساخرة ومغادرة المكان أعظم رد يزيد صاحب الطعنة حيّرة، ويمنحه وقتا طويلا للتفكير، كيف لا يكون انتصارا إن اجبرنا الأحمق على التفكير والتامل ؟!، وربما الإنتهاء عن سلوكه السيء الى الأبد .

شهرزاد: لكننا نصمت أو نؤثر السكوت في كثير من الأحيان على الرغم من أن الكلام ودي ولا يحمل نعرات السفه أو التجريح، وربما يبقى أحدنا صامتا حتى نهاية الحوار، ما السبب ياترى؟ .

شهريار: أسباب كثيرة تدفعنا الى الإمساك عن الكلام في ساعة حوار قد تبدو شيقة، الجلسات والأمسيات تجمع مستويات فكرية مختلفة، وبرغم أننا أقررنا بأمكانية التعلم من الجميع دون استثناء، لكان تبادل أطراف الحديث في شان ما يظهر تلك الإختلافات، نحن نركن الى الصمت حينما ندرك أن ما قد نتفوه به لا ينفع المتحدثين، قد نسكت للنصت ونتعلم، وقد نمسك عن الكلام لأبداء الإهتمام بما يقال، ولا أخفي عليك سرا يا شهرزاد إنْ قلتُ: إن صمت العقلاء في كثير من الأحيان دلالة واضحة على أن ما يقال لا ينفعهم لا من قريب ولا من بعيد .

ولعلنا ندرك بعضا من معاني الحكمة التي تتجسد في حضرة الصمت، حينما نعلم أن البسطاء يتناقلون الأخبار، والمتعلمون يناقشون تفاصيلها، أمّا العقلاء والعباقرة فلا يجادلون إلا أفكارا، فكيف يجتمعون على طاولة واحدة ؟!.

يقول افلاطون: " الحكماء يتكلمون لأن لديهم شيئا يقولونه، أمّا الجهلاء فيتكلمون لأن عليهم أن يقولوا شيئا ما " .

وعلى الرغم من تحفظي على لفظ الجهلاء على قاعدة (كل شيء بعد الفهم سهل) وإن التعلم كفيل بمحو هذه الصفة، فإنني أتفق مع الفيلسوف العظيم على أن الحكماء لا يتحدثون إلا لإضفاء جو من المعرفة والتدبر لما يدور في فلكنا من أسرار الحياة والقيم العليا والمبادئ القويمة، والغالبية العظمى عنها غافلون .

وقد يجمع المثل الشهير (اذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب في بعض الأحيان) معاني ما تطرقنا إليه هنا .

وعادة مايقع صاحب الفكر النير بإشكال كبير حينما يلتزم الصمت، ويكون محاطا باهتمام المتحدثين، وهم ينتظرون منه كلمة واحدة تؤيد ما يتداولونه من أخبار وحوادث، وهو لا يجد فكرة أو عمقا فيما يقولون.

 والمفارقة أن يكون الصامت من البسطاء فلايجد مايقوله، فيتحرى في داخله عن عبارات تسعفه من دون فائدة، لكنه متأنق، ويبدو مظهره جذابا، فتنجذب إليه النظرات، وهو عاجز عن الكلام، وربما يعلم، في قرارة نفسه، أنه في مأمن من حرج أكبر حتى يتكلم، وفي كثير من هذه المواقف يدرك أهمية ان يتعلم حتى يكون قادرا على مواكبة مايدور من حوله .

يقول أبراهام لينكولن " ان تظل صامتا ويظن الناس أنك أحمق أفضل بكثير من أن تتكلم وتثبت ذلك "، فاذا كان الصمت دافعا للأصغاء والتعلم فان من يصفه لينكولن بالأحمق هو حكيم في تلك الساعة لأنه آثر الصمت على الكلام .

وأخيرا ياشهرزاد .. أجزم بأن أعظم لحظات الصمت تلك التي نتلقى فيها تأنيبا غير مستحق ممن نحب، فنصارع (الأنا) بكل معانيها، لنثبت لأنفسنا أن المحبة التي تتدفق من بين أضلعنا أعظم بكثير من أن تسيء لمن نحب وإنْ جار علينا .

 

بقلم: عمار عبد الكريم البغدادي

.............................

* من وحي شهريار وشهرزاد (32)

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

 

صادق السامرائيبَذُخ: عظُم، تكبّر، تطاول، إفتخر، وبُذُوخ مصدر بذخَ

أبو جعفر عمر بن علي بن البذوخ القلعي المغربي، طبيب وشاعر وكاتب وصيدلي،عربي أصله من قلعة بني حماد بالجزائر، عاش معظم حياته في دمشق وعمّر طويلا، وأصيب بالعمى، وتوفى فيها سنة (575) هجرية.

وهو من نفس المدينة التي جاء منها إبن خلدون، ويصفها الإدريسي بقوله: "مدينة القلعة من أكبر البلاد قطرا، وأكثرها خلقا، وأغزرها خيرا، وأوسعها أسوارا، وأحسنها قصورا ومساكن، وأعمّها فواكه، وخصبا، وحنطتها رخيصة، ولحومها طيبة سمينة"

كان عالما وطبيبا وخبيرا بمعرفة الأدوية المفردة والمركبة، مطلع على الأمراض ومداواتها، وإهتم بعلم الحديث، وحقق كتب الطب القديمة، وله شعر كثير، ويعتني بإقتناء الكتب.

كان له دكان عطر في اللبادين بدمشق أشبه بالعيادة، يعالج فيه المرضى، ويحضّر الدواء لهم.

مؤلفاته:

"شرح كتاب الفصول لأبقراط، شرح كتاب تقدمة المعرفة لأبقراط، كتاب ذخيرة الألباء، المفرد في التأليف من الأشباه، حواش على كتاب القانون لإبن سينا، أرجوزة"

قال إبن أصيبعة:" كان عارفا بالأدوية المفردة والمركبة، وله حواس على كتاب القانون، وله إعتناء بعلم الحديث والشعر، وعمّر عمرا طويلا، وضعف عن الحركة، ثم عمي في آخر عمره بماء نزل في عينيه"

قال خير الدين الزركلي:" عالم بالأدوية المركبة، له معرفة بالطب".

ويصف إبن أبي أصيبعة شعره : "ويشعر وله رجز كثير، إلا أن أكثر شعره ضعيف منحل"

ومن شعره قصيدة طويلة مطلعها:

"يارب سهل لي الخيرات أفعلها

مع الأنام بموجودي وإمكاني

....

عشر الثمانين يا مولاي قد سلبت

أنوار عيني وسمعي ثم أسناني"

وهو يمثل الإرادة العلمية عندما تنبثق في أعماق الإنسان، فتقوده إلى سوح تجسيدها والتعبير عن جوهرها، وقد ترجم ذلك بوضوح في إنطلاقه من موطنه وتوطنه دمشق، التي كانت حاضرة الإزدهار العلمي والنشاط المعرفي الوهاج.

 

د. صادق السامرائي

 

 

صادق السامرائيالرثاء يطغى في "الشعر ديوان العرب"، ويكاد أن يتسيّد دواوين الشعراء الكبار حتى في القرن العشرين، ويأتي بعده المديح والغزل والإفتخار، أما معالجة الحالات الإنسانية والفكرية والجمالية النبيلة السامية، فأنها قليلة وربما غريبة .

فأغراض الشعر معروفة وما تبدلت ولا يزال الرثاء سيّدها، ولو تأملتم الشعر الحديث لوجدتم الرثاء هو الذي يسوده أيضا، وتصفحتم أي موقع ثقافي فيه شعر، لتبين أن معظم المنشور رثائي بكائي، وفيه جلد عنيف للذات، والعجيب في الأمر، أن شعر البكاء والدموع والإنقضاض على وجود الأمة، والتقليل من قيمتها ودورها يلقى رواجا، ولولا الإقبال عليه لما تواصل الشعراء بكتابته.

فما فائدة الرثائيات المهيمنة على مشاعرنا ورؤانا؟

إنها ترويح عن الذات المنكوبة، والعاجزة عن التصدي للتحديات، بإرادة ذات قيمة إنجازية إنتصارية على معاناتها وويلاتها، التي ربما تستلطف تثميرها وتطويرها.

والرثاء والمديح تجارة مربحة إعتاد عليها شعراء التسول والإرتزاق في مسيرة الأمة الثقافية، والذين يمكن وصفهم بشعراء "الجدية"، لأنهم يستجدون بشعرهم، ونحسبهم كبارا ونبرر لهم، لكن الدارس المتعمق لشخصياتهم يكتشف النسبة العالية من النفس الأخرى فيهم.

ويبدو أن شهرتهم وترسخهم في أذهاننا على أنهم سادة الشعر ورموزه الكبار، أسهمت في تمسكنا بأغراضهم البالية وأشعارهم الإستجدائية، التي أمعنوا فيها بالكذب والتحليق في مدارات تضليلية وهمية، لإستدرار العطايا والمكرمات من الشخص المَعني.

والتجديد الصادق الأصيل في الغرض الشعري، وليس بالشكل وحسب، كما توهم المتجددون، وإنطلقوا في نحيبهم وندبهم وبكائياتهم المرسِّخة لليأس والبؤس والحرمان، وكأنهم أسهموا بلا قصد بتأمين عناصر ومفردات التردي والإنكسار في أجيال أمةٍ، عليها أن تكون ذات مقام رفيع ودور بديع.

فالرثاء السائد عندنا ربما لن نجد له مثيلا في أمم الدنيا، التي يكون الشعر فيها قائدا ورائدا لمنطلقات حضارية متجددة.

فهل سنتعافى من ذرف الدموع على السطور؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

- علاقتي بالرسم كانت منذ طفولتي .. فخالي الهادي البجاوي فنان موهوب أثر في بداياتي كثيرا..

- الرسم والتلوين تعلة لبث جانب من الجمال الذي تحتاجه الذات في كل هذا الضجيج المتناثرهنا وهناك

- رسمت الأبواب والمشاهد والتقاليد والمجتمع والمرأة البدوية والبورتريه والأحوال زمن  كورونا والخيول..


 الرسم والتلوين منذ طفولة عابرة ظلت فكرتها شاسعة يقيم فيها الفنان حالما وراغبا بشدة في تجميل المكان ..هذا المكان القائل بالعذوبة وبالجمال في عالم متغير وتتهدده العولمة قتلا للخصائص وهدما لبهاء كامن في الذوات والتواريخ..

الفن هذا السفر الجميل القادم من أزمنة هي السعادة..سعادة النظر والحواس وبهجة النفس وهي ترسم ما حف بها من عبارات الحنين والجمال ..لتقول شيئا من سيرتها وهي تنظر للتفاصيل والعناصر بعين القلب ..انها فسحة اللون في مياه الزينة تقصدا لتأثيث الامكنة والأحوال حيث العنوان اللافت هو الابداع..

هكذا نمضي مع عوالم تجربة تخيرت الذهاب عميقا في دروب الفن لتشير الى الحميمي الكامن في الدواخل بين النوستالجيا والجمال والأصالة والمستجد..

تعاطت فنيا مع المشاهد الزاخرة بالروح التونسية والمكان بجمالياته وحكاياته الباذخة والطبيعة الصامتة والحالة الكورونية حيث تغير الأحوال زمن الكوفيد لتشير كذلك الى جولنب من شؤون وشجون المرأة البدوية وهي تعمل بكد وجد زمن اللامبالاة والضجيج

كما أنها اهتمت بالبورتريه وجمالياته المقترحة في التعاطي والتلوين ..2918 فن

هكذا هي عوالم الفنانة التشكيلية عواطف البجاوي العرفاوي التي رافقها الحلم بتحويل العالم الى علبة تلوين منذ صغر سنها وتواصلت مع كل ذلك وفي قلبها أشياء من تجميل العالم وممكنات ذلك التي منها الولع والشغف والرغبة الشديدة لأجل كون يغمره السلامو بهاء العناصر والتفاصيل..

هي من أعضاء اتحاد الفنانين التشكيليين التونسيين ومنخرطة في جمعية الفنانين التشكيليين التونسيين الفلسطينيين ولها مشاركات متعددة في ملتقيات فنية وتشكيلية وهي تعد لمعرض خاص ..

اللوحة الفنية في تجربة الفنانة عواطف مجال للسفر وما الرسم والتلوين سوى تعلة لبث جانب من الجمال الذي تحتاجه الذات في كل هذا الضجيج المتناثر هنا وهناك وكون محفوف بالرداءة والتداعيات المريبة..هي ترسم لترمم ما تداعى من  ألق الأحوال ولتقول بأن الرسم مجال لقاء وحوار وتعارف وابداع وامتاع قتلا للرديء والعابر والخاوي..

عن عوالمه ع الفن والرسم تقول الفنانة عواطف "...علاقتي بالتلوين والرسم كانت منذ طفولتي حيث كان خالي الهادي البجاوي فنانا موهوبا أهدى ذات مرة " بورتريه  " لبورقيبة رسمه بابداع وأعجبه ليمكنه من مواصلة تعليمه بال" بوزار " ولكنه غادر الى فرنسا بعد الاستقلال ليتخصص في الديكور ..هو أثر في بداياتي حيث كان كثيرا ما يحرضني على الرسم ..و رسم كل شيء...هكذا كانت بداياتي ثم أنهيت دراستي ليتغلغل حب الفن والرسم في داخلي  ..في تلك السنوات كنت في بنزرت اشارك مع التلاميذ في مسابقات في فن الرسم ..و بنزرت ألهمتني الكثير..بعد انهاء دراستي عدت للتكوين في الفن التشكيلي بانضمامي الى معهد خاص للفنون E.A.D...

تعمقت تجربتي وصرت أبحث عن لوني الخاص وقد أعجبت بتجربة الفنان الطاهر مميطا وتأثرت به ..كنت أحب الفن بصفة عامة وكانت مرحلة مهمة بالنسبة الي تعاطيت خلالها  مع الفن التشخيصي ..ابحرت في عوالم الفن بكثير من الولع وأخذت الأمر بجدية .. وفي هذا السياق هناك تجارب ناجحة في تونس تعاطت مع الفن بحب وتلقائية لنذكر مثلا عمار فرحات والحبيب بوعبانة وحمدة دنيدن وغيرهم من المتألقين ..هناك تجارب ناجحة لفنانين عصاميين ولكن لهم الكثير من الموهبة وشغف الفن والعطاء والصدق..

اشتغلت في لوحاتي على مواضيع متعددة من الأماكن والأبواب والمشاهد والطبيعة الميتة والتقاليد والمناسبات ثم المجتمع والمرأة الريفية والبورتريه واهتممت كذلك بالحرفيين وخصائص ما هو أصيل وعميق في حياتنا التونسية ..اشتغلت في عديد اللوحات على عوالم ومناخات المرأة البدوية من حيث اللباس والتقاليد ..كذلك رسمت البحر بألوانه وحالاته المتعددة صخبه وسكونه وأمواجه واهتممت بالخيول اذ رسمتها في تنوع مشهدياتها وقد لاقت هذه الأعمال اهتماما واعجابا لدى متابعي منجزي الفني ..في بعض لوحاتي رسمت مشهديات في جزيئات وأنا أرسم حكايات حيث تتحول اللوحة الى سردية ملونة وفق ثيمات ومواضيع محددة منها المرأة البدوية والكورونا ...و حين أرسم فاني أرى في الرسم والفن عامة ما يشبه السفر الى عوالم مختلفة غاية في الجمال والحنين والعمق ..هي عوالمي وهواجس وعناوين كبرى في مخيلتي ..اشتغلت على نساء سجنان وابداعهن الفني ومعاناتهن ...معارضي تعددت بين المعارض الفردية الخاصة والمعارض الجماعية في تونس وخارجها في الامارات العربية المتحدة  والمغرب والأردن وفرنسا وألمانيا...الرسم هو غرامي وهاجسي وأسعد كثيرا بملاحظات واعجاب جمهوري وأحباء فني ومتابعي أعمالي ...

الرسم هو ملاذي وسكينتي وهو الحلم الذي نحتاجه بحب وصبر وعناد ..أرسم لتجميل العالم وليعم السلام ..الرسم اشتغال جمالي لأجل القيم والنبل والسلام والمحبة ..سيظل الفن التشكيلي مجال تواصل وابداع وحوار يحتاجه الانسان والعالم زمن العولمة وأتمنى الاهتمام بالفنانين ودعمهم والتفكير بجدية في متحف الأعمال الفنية وسوق الفن...".

عواطف فنانة تمضي في سفرها الفني هذا تقول بالمغامرة والدأب والجدية حيث اللون فكرة القلب وشغف الحال وبراءة الأفعال..هي ترسم وفي الآن ذاته تعلي من شأن البهاء..بهاء الأمكنة والأحوال والتفاصيل..نحتا للقيمة وتقصدا للكامن فينا من خير وجمال وذاكرة..

 

ضياء نافعاطلعت على مقال  بالروسية عنوانه – (الاكاديمي غفوروف بعيون الصحافي والسياسي العربي خليل عبد العزيز). المقال بقلم تاج الدين ماردوني، وهو حاصل على شهادة دكتوراه علوم في الفيلولوجيا وباحث علمي في قسم الشرق الاوسط والادنى بمعهد اسيا واوروبا في جمهورية طاجيكستان (والمجلة العلمية لهذا المعهد هي التي نشرت المقال في نهاية آب / اغسطس 2021)، ويمكن القول – وبكل ثقة -  ان هذا المقال  يعدّ بحثا علميا حقيقيا ورصينا وأصيلا بكل معنى الكلمة، بحثا يعتمد بالاساس على قراءة معمّقة وشاملة وذكيّة لكتاب (محطات من حياتي)، الذي أصدره خليل عبد العزيز في بغداد عام 2018، مع التركيز على موضوعة مهمة جدا (بالنسبة لتاريخ طاجيكستان المعاصر) وهي - موقع ودور غفوروف (تلك الشخصية الطاجيكية السوفيتية المرموقة في عالم السياسة السوفيتية والدراسات العلمية للتاريخ آنذاك)، ومكانته في كتاب خليل عبد العزيز المذكور، والدور الذي لعبه في المسيرة الشخصية لعبد العزيز اثناء عمله في معهد الاستشراق التابع لاكاديمية العلوم السوفيتية آنذاك، عندما كان غفوروف رئيسا للمعهد.

عنوان هذا البحث (أجبرني!) على ان اتوقف عنده، وان اطالعه بانتباه وبشكل دقيق وعميق، اذ انه يعني (فيما يعنيه)، ان كتاب العراقي خليل عبد العزيز اصبح مادة لكتابة بحوث من قبل باحثين أجانب من خارج العراق والوصول الى استنتاجات مبتكرة واصيلة في تاريخ بلدان اجنبية، وهي ظاهرة جديدة (قلبا وقالبا !) بحياتنا الفكرية في العراق، ظاهرة تثير طبعا الاعتزاز و الفخر عند كل عراقي (وقد شعرت بذلك خصوصا، عندما قرأت اشارة صريحة جدا في ثنايا ذلك البحث تقول، ان الطاجيك سيعرفون اشياء جديدة لم يسبق لهم الاطلاع عليها عن النشاطات السياسية والعلمية لغفوروف من كتاب خليل عبد العزيز!)، وهذا اولا، أما ثانيا، فانها ظاهرة تستحق ان نتوقف عندها – نحن العراقيين -  بتأمّل وندرسها بشكل واسع وشامل، ونكتب ردود فعلنا حولها، اذ انها ظاهرة جديرة بهذا الاهتمام، وهو ما نحاوله بايجاز في مقالتنا هذه .

من الواضح تماما، ان هدف الباحث د. تاج الدين ماردوني من كتابة بحثه هذا هو دراسة اهمية غفوروف ودوره في مسيرة جمهورية طاجيكستان، اذ ان هذا الشخص (اي غفوروف) كان السكرتير الاول للحزب الشيوعي الطاجيكي الحاكم من عام 1946 الى عام 1956 (والسكرتير الاول للحزب الشيوعي يعني الشخص الاول في الدولة آنذاك)، عندما كانت طاجيكستان تدخل ضمن دولة الاتحاد السوفيتي، وكان غفوروف واقعيا الشخص الاول فيها زمن ستالين، ولكن غفوروف وصل الى هذا المنصب باعتباره شخصية علمية مرموقة ايضا، اذ كان مؤرخا كبيرا، وكان اختصاصه – تاريخ شعوب أسيا الوسطى، وهو مؤلف كتاب – (الطاجيك)  الخاص بتاريخ الشعب الطاجيكي ، ولهذا، وبعد وفاة ستالين عام 1953 ومجئ خروشوف (وكل التغيّرات الجذرية المعروفة و المرتبطة بهذا الحدث، التي تمّت في الاتحاد السوفيتي)، انيطت لغفوروف مهمة اخرى، وهكذا اصبح رئيسا لمعهد الاستشراق التابع لاكاديمية العلوم السوفيتية باعتباره حاصل على شهادة دكتوراه علوم في التاريخ، وباعتباره عضوا في اكاديمية العلوم السوفيتية، وقد شغل هذا المنصب من عام 1956الى تاريخ وفاته عام 1977، ورئاسة هذا المعهد موقع سياسي مهم جدا سواء في الاتحاد السوفيتي آنذاك، او في روسيا الاتحادية الان، وليس من باب الصدفة ابدا، ان جاء بريماكوف رئيسا للمعهد بعد غفوروف، ويعرف القارئ طبعا، ان بريماكوف اصبح بعدئذ وزيرا للخارجية الروسية ثم رئيسا للوزراء .

ان مرحلة ادارة غفوروف لمعهد الاستشراق التابع لاكاديمية العلوم السوفيتية (الروسية حاليا)، التي امتدت طوال هذه السنين،تعدّ مرحلة تاريخية مهمة في مسيرة المعهد سياسيا وفكريا، اذ انها رافقت  تحولات كبيرة في مسيرة السياسة السوفيتية آنذاك، والباحث الطاجيكي تاج الدين ماردوني استفاد بعمق من كتاب خليل عبد العزيز (محطات من حياتي)، لتسجيل الدور الهائل الذي لعبه غفوروف في سياسة الاتحاد السوفيتي باكمله تجاه البلدان العربية واقامة اوثق العلاقات معها (السياسية والثقافية معا) عن طريق نشاطات معهد الاستشراق التابع لاكاديمية العلوم السوفيتية، وكيف استطاع بمهارة عالية توجيه ذلك خدمة لسياسة بلده، هذا الدور (غير المدروس كما يجب) في الاوساط الاكاديمية الطاجيكية، وحتى الاوساط الاكاديمية الروسية ايضا، وحاول الباحث الطاجيكي الاستفادة القصوى من كتاب خليل عبد العزيز لابراز دور غفوروف واهمية وقيمة تلك الشخصية الطاجيكية المعاصرة .

تحية اكبار واعتزاز للباحث الطاجيكي د. تاج الدين ماردوني على بحثه العلمي الرائد هذا، وتحية اكبار واعتزاز  لمؤلف كتاب (محطات من حياتي) د. خليل عبد العزيزعلى كتابه التاريخي المهم في مسيرة الحياة السياسية العراقية المعاصرة، مع التمنيات له بانجاز الطبعة الثانية المنقّحة والمزيدة لكتابه المذكور ...

 

أ. د. ضياء نافع

 

المولدي فروجسيداتي سادتي كنا تحدثنا سابقا في غير هذه السّاحة عن مسألة تبدو للعيان سهلة ولكنها عسيرة على العقول وقلنا في معرض حديثنا عن العربية واختلاف النحويين حول جذعها واصلها وفصلها، وعن الحروف في اللغة العربية وأسباب نزولها وعلاقتها بذات المتكلم، وبعد فحص وتمحيص ودراسة وتلخيص اكتشفنا ان الحروف لا تتساوى في الصفة ولا في المدلول ولا حتى في القيمة والاحترام عند الكاتب آو السارد وتأكد لنا أن أكثر الحروف شرّا وخبثا هو حرف السين .هذا الحرف أساء إلى لغتنا العربية واثر في سياسة بلدنا الحوارية. وها نحن نقدم بكل حماس على فضحه وتعرية مسيرته، وستكتشفون في هذه الأسطر سرّ اهتمامنا به وسبب تركيزنا عليه وسوف تلتمسون لنا العذر عندما تتأكدون انه لا يستأهل سوى كسر عظامه وأسنانه الثلاث.

سيداتي وسادتي

اخترت أن أبدأ كلامي بحرف السين فلا تتسرعوا في السؤال عن سبب ذلك فأنا أصارحكم بأنه ورد إلينا عن بعض الأسلاف السمحين الطيبين أن العربية حاولت مرارا  إسقاط حرف السين  من سجل الحروف ومحوه من حسبها ونسبها فكلفت اللسان بسحقه سحقا وسحله سحلا  فحاول المسكين سنينا طويلة لكنه لم يستطع فأصابه البؤس واليأس والهم والغم والكدر والقهر فاكتفى بسبه سبا قاسيا ولم يجد مهربا الا العمل على نسيانه وسماه سمّ اللغات وسوس الألسن.

فقد بات واضحا أن هذا الحرف تلبس بنا جميعا منذ أن دخلنا إلى المدرسة فركب ألسنتنا ودفعنا الى أن نصيح ونملأ القسم حسا رافعين سباباتنا نحو السماء نتسابق في سيدي/سيدي نرفعها الى مدرّسنا حتى نكاد أن نلامس رأسه. نستأذنه في إجابة خاطئة أو سليمة فيسمح لنا بالكلام لنسكت بعد الإشارة ومنذ ذلك الوقت سرت بيننا عادة المسكنة وصرنا نحسب لحرف السين ألف حساب، وأصبحنا كلما رغبنا في التهرب من القيام بعمل أو أردنا أن نضع وعدا بدون تنفيذ، أصبحنا نسوّف فنقسم أننا سنفعل وسنفعل وسنكون عند حسن الظن ولكننا ننكث العهد ونحنث في القسم. هذا الحرف الملعون استعمل معنا سياسة النسنسة والوسوسة يحشر نفسه في كل كبيرة وصغيرة فيتقدم الكثير من الأفعال خاصة تلك التي تميل بمحدثها نحو القبح والفعل الدنيء ويسير بنا إلى عدم الانضباط والتسيب فيحملنا قسرا إلى معان عافانا وعافاكم الله تدلّ على الانسياب والتسيّب مثل: سال وساق وساس وسار وساد وسطر وسبح وسعى وسرى وسرب وسام وساب وساد أو الى معاني الجريمة أو المرض فسمم وسعل وسقم وسوف وسخر وسخط وسرق وسلب وسبا وسجن وسحق وسحل وسقط وسطا وسوط وسلط وسد كلها أفعال تشي بالسوء. وكذلك فعل بالكلمات فدخلها من أحد جوانبها كالدنس او النجس فاستوطن بعض الكلمات ايضا فالسقم والسرطان والسعال والسل وسعل العين والسلاح والسكين والساطور والسيف والسهم والسندان كلها لا تسر القلب ولا تفرح النفس .

أما إذا سمحنا له بأن يتضخم ويكبر ويشتدّ عوده فسيصبح دالا على قوة الصوت وضخامته فصاح وصحِل صوته، وصخّ الحجرُ، وصدح الطائر، وصرخ، وصرّ، وصؤل البعير، وصدّ، وصرم (قطع) وصفد، وصكّ، وصلت بالسيف، وصلب وصمد وصمل.

ولقد رأيت بأم عيني كيف ان حرف السين يندس في الناس ويسري فيهم متمسكنا كالسلحفاة او يسير سير السكير مرة على اليمين ومرة على اليسار ومرة يسقط في وسط الكلمة ومرة يسيطر عليها ليسلبها معناها فانا أنبه السيدات والسادة الى ان سوس الحروف هو حرف السين الذي تتأسس عليها السياسة ويحبّه السياسيون لأنه أباح لهم فعل ساس يسوس وجعل من السياسة سوسا للشعوب.

 

المولدي فرّوج

 

ضياء نافععنوان القصة مثير جدا للقارئ الروسي، وغير الروسي ايضا، اذ ان القارئ (اي قارئ) يتوقع ان يجد هناك (احداثا ذات نكهة باريسيّة طريفة !)، والاحداث الباريسية دائما (تثير!) الخيال ضمن الأجواء الذاتية، والخيال الباريسي يعطّ طبعا بكل تلك المغامرات، وهو (اي الخيال) مثل النفس (الامّارة بالسوء!)، رغم ان هذا السوء (جميل ورومانتيكي !!!)، الا ان قصة تشيخوف القصيرة (الى باريس) لا تتضمن ابدا احداثا باريسية ورومانتيكية من هذا القبيل لا من قريب ولا من بعيد، بل هي قصة ترسم صورة ساخرة (وقاتمة ومؤلمة جدا في نفس الوقت، ولكن ليس بشكل مباشر وصريح) للواقع الروسي المرير آنذاك ليس الا (وهو واقع لم يتغيّر كثيرا بمسيرة الزمن، ولازالت سماته وخصائصه واضحة المعالم الى يومنا الحالي)، وفي هذه النقطة بالذات تكمن روعة تشيخوف، وسرّ ديمومة ابداعاته الفنية لحد الآن في روسيا اولا، وخارج روسيا ايضا، بما فيها عالمنا العربي طبعا، وهذا ما نحاول الكلام عنه بايجاز في سطور مقالتنا هذه عن قصة تشيخوف القصيرة – (الى باريس).

نشر تشيخوف قصته – (الى باريس) عام 1886، وكان عمره حينئذ 26 سنة ليس الا، وقد تخرّج لتوّه في كلية الطب بجامعة موسكو . لم ينشر تشيخوف هذه القصة باسمه الصريح، بل باسم مستعار هو (تشيخونتيه)، وقد ظهرت القصة في مجلة روسية فكاهية من الدرجة الثانية (ان صح التعبير) اسمها (اسكولكي) اي (الشظايا)، والتي أطلق عليها أحد الطلبة العراقيين المرحين في كليّة الفيلولوجيا بجامعة موسكو في ستينيات القرن العشرين تسمية عراقية طريفة جدا، وهي  - (واحدة من المجلات القرندلية في الامبراطورية الروسية !) .

ترتبط هذه القصة بحدثين تاريخيين محددين، الحدث الاول روسي بحت، والثاني عالمي بحت، وهذا شئ نادر جدا جدا في مسيرة تشيخوف وابداعه، اذ ان نتاجاته عموما تتناول عادة احداثا اعتيادية جدا، والتي تجري في مسيرة الحياة الانسانية اليومية بغض النظر حتى عن الانتماء القومي للانسان . الحدث الروسي في تلك القصة هو ما اعلنه عضو الاكاديمية الروسية (غروت) حول كتابة بعض الحروف باللغة الروسية ، هذا الاعلان الذي أثار ضجة وردود فعل مختلفة في الاوساط الروسية، وكان تشيخوف (ومعظم المثقفين الروس آنذاك) ضد ذلك الاعلان، اما الحدث العالمي، فهو افتتاح المعهد الخاص بعلاج داء الكلب في باريس، والذي يرتبط باسم العالم الفرنسي الشهير لوي باستور . لقد ذكر تشيخوف هذين الحدثين باسلوب غير مباشر(و دون ان يركّز عليهما بشكل خاص)، ولكنه مع ذلك، أشار اليهما معا في قصته المشار اليها في هذه المقالة، دون ان يلاحظ القارئ الاعتيادي حتى تلك الاشارة الدقيقة، ولا زالت قصة تشيخوف هذه تذكّر القارئ الروسي بهذين الحدثين، رغم ان من المفروض ان يكون الامر عكس ذلك تماما، وفي هذه النقطة طبعا يكمن دور الفن واهميته في مسيرة المجتمع الروسي وغير الروسي ايضا .

مضمون القصة بسيط جدا (مثل معظم نتاجات تشيخوف)، فهناك اثنان يعودان الى البيت ذات مساء وهما في حالة سكر، احدهما معلم، وكان يتحدث لصديقه بشكل تفصيلي عن كيفية كتابة نهاية الاسماء في حالة المضاف اليه حسب المقترحات الجديدة لكتابة حروف الهجاء الروسية، وكان الثاني لا يستمع لهذا الحديث، لانه كان مشغولا بمراقبة مجموعة كلاب تعوي في الشارع، واراد ان يطردها، فعضوا اصبعه، وكذلك مؤخرة المعلم نفسه، وفي اليوم التالي نصحهم أحد معارفهم ان يعالجوا انفسهم من عضة الكلب في باريس بالمعهد الخاص بداء الكلب، وهكذا قررا السفر بالقطار الى باريس، ولكن شاهدوا احدهم وقد رجع بعد يوم فقط، وأخبرهم، انهما توقفا في مدينة كورسك، ووجدا ان المطعم غالي، فذهبا الى مكان ارخص، وهناك شربا حتى الثمالة، ونفذت نقودهما، وهكذا رجع الاول الى البيت، كي يرسل للثاني نقودا ليرجع هو ايضا الى البيت.  وهذا كل مضمون تلك القصة .

قال تشيخوف مرّة، انه يكتب (للقارئ الذكي)، الذي (تكفيه الاشارة !) كما يؤكد مثلنا المعروف، وقد اطلعت على تعليقات أحد القراء  حول هذه القصة، ومن الواضح انه ليس ضمن القراء الاذكياء(ولا ارغب ان اسميّه بشكل آخر !)، ويقول هذا القارئ، ان القصة (التي تقع بصفحتين !) لا تستحق القراءة بتاتا، لانها ترسم صورة لاثنين من التافهين، وان الحياة بالنسبة لهما تكمن بالادمان على الكحول ليس الا، وتذكرت قول مكسيم غوركي، الذي كتب ما معناه، ان التفاهة في المجتمع هي العدو الاكبر لابداع تشيخوف .

قصة تشيخوف (التي تقع بصفحتين !) ترسم لنا التفاهة فعلا، وتجعلنا نضحك عليها، والضحك هو شجب للتفاهة، قصة تشيخوف  تجعلنا (نضحك!) على التفاهة، وتجعلنا في نفس الوقت (نلطم !) ايضا، لان التفاهة موجودة في حياتنا اليومية ......

 

أ.د. ضياء نافع

 

فيصل عبدالوهابجرت مناقشة رسالة الماجستير بالأدب الانكليزي المعنونة "أحداث الحادي عشر من أيلول لدى الشعراء الأمريكيين المعاصرين" للباحثة زينة يونس خلف في كلية التربية للبنات\جامعة تكريت في 13\10\2021. وقد ابتدأت المناقشة د. ردينة عبد الرزاق بالقول أن الرسالة تحتوي على موضوع واسع يتناول مسائل سياسية واجتماعية وتاريخية  ويحتاج إلى جهد كبير كالذي قامت به الباحثة في هذه الرسالة. وانتقدت ملخص الرسالة كونه ضعيفا ولا يشتمل على شروط كتابته. وانتقدت المقدمة كذلك لطولها واحتوائها على موضوع سياسي فقط. كذلك انتقدت الباحثة لأنها لم تبد رأيا في الرسالة ومع أي اتجاه تقف. وهي تقصد بذلك الاتجاه الذي يقول بأن أحداث الحادي عشر من أيلول سنة 2001 سببتها جماعة إرهابية حسب الرواية الرسمية للحكومة الأمريكية آنذاك، والاتجاه الآخر الذي يدعى بنظرية المؤامرة والذي يقول أن الأحداث وقعت بعلم الحكومة الأمريكية أو أنها سمحت بوقوعها لتنفيذ مخططاتها في احتلال أفغانستان والعراق. وقالت أنه باعتبارنا عربا ومسلمين ينبغي أن نساند اتجاه الشاعر أميري بركة الذي يؤمن بنظرية المؤامرة لأنها تمثل وجهة نظرنا أيضا كما ينبغي على الباحثة أن تركز على هذا الشاعر لا أن تعده مساويا للشعراء الآخرين.

وأشادت الأستاذة انتصار رشيد بلغة البحث والانتقال المرن من فقرة إلى فقرة في الكتابة، كما أن كمية المقتبسات كانت بقدر مناسب ولكنها اعترضت على صيغة العنوان واقترحت أن يكون "حادثة الحادي عشر من أيلول في أعمال الشعراء الأمريكيين المعاصرين" وليس "لدى الشعراء الأمريكيين المعاصرين". كما اقترحت أن تضاف كلمة "جدلي" على العنوان باعتبار أن هناك وجهتي نظر متقابلتين أو جدليتين في الدراسة. واعترضت أيضا على المقدمة الطويلة لأنها احتوت على سرد تاريخي للمؤامرات السياسية في العالم لفترة طويلة. ثم سألت الباحثة عن ماهية المفاهيم التي تعزز فكرتها عن نظرية المؤامرة ومنهم هؤلاء الذين نظّروا لهذه النظرية؟  واعترضت الأستاذة انتصار رشيد على كون الدراسة في معظمها تشكل دراسة سياسية وليست أدبية. وقالت أنها تفضل لو كانت الدراسة عن "تروما" أو الصدمة التي سببتها أحداث الحادي عشر من أيلول وانعكاسها في الشعر الأمريكي المعاصر أو دراسة "البارانويا" أو "الشعور بالاضطهاد" وأثرها في تشكيل نظرية المؤامرة في الشعر الأمريكي المعاصر.

كما اقترحت د. أنسام رياض، رئيس اللجنة، على الباحثة أنها لو درست تلك الأحداث ضمن مفهوم أدب ما بعد الحداثة أو تثبيت عبارة دراسة مضامين أو أفكار في العنوان على الأقل. وقالت ان العنوان يخلو من المنهج. واتفقت مع ما قالته الأستاذة انتصار في أنه ينبغي أن تدرس الأحداث كفكرة مؤامرة وليس نظرية. وقالت أيضا انه كان على الباحثة أن تعتمد المصادر الأدبية وليس السياسية في دراسة الموضوع. ثم كررت ما قالته الأستاذتان قبلها بخصوص التساؤل عن السبب في عدم ابداء الباحثة لرأيها في مساندة أي من الاتجاهين. وقالت نحن متهمون كعرب ومسلمين بالإرهاب من قبل الغرب فينبغي على الباحثة أن تدفع عنا هذه التهمة في هذه الدراسة.

ثم اختتمت الجلسة بملاحظات المشرف على الرسالة وهو كاتب هذه السطور حيث قال أنه ينبغي أن تكون الدراسة الأكاديمية موضوعية تدرس وجهات النظر المختلفة دون الانحياز إلى أي منها مثلما يحصل في المقالات أو الدراسات السياسية المحضة. كما أن الشاعر أميري بركة يعبر ضمنيا عما نحسه كعرب ومسلمين، باعتباره مسلما، عن الأحداث التي ساهمت بها أيادٍ خفية. وقال أيضا أن الدراسة ليست سياسية أصلا وإنما هي دراسة كيفية انعكاس أحداث الحادي عشر من أيلول في الشعر الأمريكي المعاصر أو كيفية تناول هؤلاء الشعراء للأحداث في شعرهم. كما أن مصطلح "نظرية المؤامرة" لا وجود له أصلا بمعنى "النظرية" بمفهومها العلمي وإنما هو مصطلح جرى استخدامه مجازا، وبهذا فإن عناصر المؤامرة متوفرة وأوردتها الاقتباسات في الرسالة كدرجة حرارة انصهار معدن هيكل البناية المستهدفة والتي لا يمكن الوصول إليها بالطريقة التي اتبعت في الهجوم وسقوط البناية بشكل رأسي أو عمودي وليس على أحد الجوانب والمتفجرات التي وضعت في أسفل البناية والمصورين الجاهزين للتصوير قبل الحادثة والسكان اليهود الذين منحوا إجازة في يوم الحادثة. أما عن المقترحات التي طرحتها الأستاذات فقال أنه لا ينبغي أن نقترح دراسة أخرى للباحثة وإنما ربما تصلح كمقترحات لدراسات أخرى يتبناها الباحثون الآخرون.

 

د. فيصل عبد الوهاب

 

نبيل عرابيعندما يسمو الإنسان فوق شرطه المادّي الذي لا يمكن له أن ينفصل عنه دون أن يفنى، يصعد في مراقي الروح ويكتشف عوالم أين منها عالم التراب اللاصق به. تصفو نفسه وتتفتّح له الآفاق ويدرك ببصيرته ما لا يراه ببصره.*

مهما كنتَ متمرّساً في الكتابة، أيّاً كان نوعها، فإنّكَ ستشعر أحياناً كثيرة بأنّكَ بحاجة إلى وميضٍ ما، أو كلمةٍ ما تكونُ مفتاحاً أو مُفتتحاً لسيلٍ يتدفّق من الحبر، راسماً أشكالاً متفاوتة التعرّجات والاستقامات والإنحناءات تتراصفُ فوق أسطرٍ وهمية حيناً، ومُتخيّلةٍ حيناً آخر، تحملُ أثقالاً من المعاني والتأويلات المشعّة، كانعكاس رسائل الشمس فوق ماء راكد، أو غائرة بدرجات متفاوتة  كمحطّات الانتظار عند كلّ توقّف لقطارٍ ما، انطلق برحلة محدّدة لكنّه لا يستطيع أن يُدرك سلفاً ما ستدوّنه صفحات السجلّات الموَثِّقة ما بين كلّ إقلاع وعودة.

وعندما تقع عيناك على ضالّتك.. لن تضيّع الوقت في رفع الصوت عالياً: "وجدتها..وجدتها"، بل ستسارع إلى الإنصياع لأمر دماغي إبداعي صدر بسرعة الضوء، فإذا بكلّ كيانك ينفصل بشكل أثيريّ عمّا حولك، فتنهمك في تنفيذ الأمر ، دون أن تَرِدَ في مُعجم ذهنك عبارة: "ثم اعترض"، لأن الحوار الداخليّ سيكون قد بدأ بالتداعي طليقاً، وبثّ الإشارات المتتالية قد سلك الموجة غير المرئية بنسبة عالية من النقاء، وأما تفاصيل الوجه فهي ترجمة فورية لكلّ حركات اليراع المتواترة، المتأثّرة بالخلايا الحيّة التي تتدافع سريعاً، فتختلط بالمداد المتقطّر، وتمتزج بأدقّ تفاصيل البوح والاعتراف، على امتداد مساحة محدودة الأطراف والزوايا بالعرف الرياضي المتداول، لكنّها أبعد من تلويحة أفق، وأطول من جذع نخلة تقاوم الريح بانحناء طوعي، كلّما ناءت بحِملها ثماراً وسنواتٍ عجافا.

 

نبيل عرابي

......................

* هيا طارق زيادة، مقطع من مقدمة ديوانها (أحمل في أوراقي الدعاء)، دار الجديد، بيروت، لبنان، 1999.

سناء ابوشرارللسعادة معنى واحد

وللألم معاني كثيرة

السعادة تلميذة

والألم معلم قدير

لو كان لنا الخيار بين الألم والسعادة لاخترنا جميعاً السعادة، لو كان لنا الخيار بين أن نتعلم الكثير على يد الألم المعلم القدير أو نمشي بمتعة مع التلميذة المرحة لاخترنا جميعاً أن نمشي مع هذه الطفلة المدللة.

ولكننا وحين نواجه الحقائق ندرك أن الألم هو من يكشف خفايا الأشياء والأشخاص ويكشف كذلك ما تعاني منه أجسادنا وعقولنا وأرواحنا، هذا المعلم الكبير لا يمر بحياتنا دون هدف ولا معنى، ويأتي دائماً في الوقت المناسب بالنسبة له لا بالنسبة لنا؛ وحين ندرك ونفكر عميقاً بحكمة الله تعلى في الابتلاء فلابد لنا من احترام هذا الألم لأنه لم يأتِ إلينا فقط ليجعلنا نعاني وتصبح الحياة معه لا تُطاق، هذا المعلم لا يهتم بما نشعر به من ألم بل يهتم بما سيعلمه لنا، وإن كنا سنستمع لما يقوله لنا.

تمضي السنوات ونتمتع بصحة جيدة وحين يأتي المرض نغضب ونتذمر ولا نتحمل الألم الذي يحمله المرض وننسى وبسرعة أننا تمتعنا ولسنوات بالصحة والحركة والحيوية، فيأتي الألم ليُذكرنا بنعمة الصحة التي نسيناها مع طول العافية. نعيش مع من نحب سنوات من السعادة ثم تتسلل الخيانة أو الشك أو الغضب أو الملل ليُفسد تلك الشبكة الوردية التي تمددنا بين خيوطها بأمن معتقدين أنها ستدوم إلى الأبد، فيأتي الألم ليقول لنا أنه لا شيء يدوم وأن كل ما حولنا يتغير حتى ذواتنا.

نمنح الثقة للآخرين ونعطيهم كل أسرارنا معتقدين أنهم خزنة حصينة وعصية على الفتح ولكنها قد تفتح دون كسر، فننصدم بالخيانة ونغضب لأن الألم أزاح تلك الستارة الكثيفة التي منعتنا عن رؤية حقيقة الآخر، فمنا من يبكي ومنا من يشتم ومنا من يحقد والقلة القليلة فقط من ينظر عبر النافذة ويشكر لأن الستارة الداكنة فُتحت وانكشف ما خلفها.

أحياناً كثيرة يقبع خلف السعادة الوهم، وأحياناً كثيرة يقبع خلف الوجوه المبتسمة الحقد والحسد وأحياناً كثيراً يقبع خلف الثراء اللؤم، فالسعادة في أحوال كثيرة مُضللة لأنه جزء من شعورنا بها وحاجتنا إليها هو إغفال الحقيقة والحياة مع الوهم، فالإنسان بطبيعته يقبل أن يحتال حتى على نفسه لأجل شيء من السعادة، وهو ما يبرر بجزء ما الإدمان على أشياء ضارة في الحياة.

لكن الألم لا يمكن أن يلبس القناع، فهو صادق، مجرد وبريء، لأنه يأتي كما هو بلا احتيال ودون مواربة ويجبرنا على التعامل معه بصدق لأننا لا نحتاج له، بل هو أكثر ما لا نريد في هذه الحياة. ولكن لكي نفهم الألم لابد أن نسأل من تعرضوا له لفتراتٍ ما من حياتهم وأي الدروس تعلموا من هذا الألم سواء جسدي أو معنوي وسوف يقولون لنا ولو بعد سنوات أن أفضل ما حدث لهم هو هذا الألم لأنهم تعلموا الكثير منه وأنه كشفوا الكثير معه.

بالطبع لا يتمنى أحد منا أن يعيش الألم ونتمنى جميعاً أن نحيا حياة سعيدة، ولكن من المهم أن يكون هناك زاوية ما في صدورنا تتقبل الألم إن أتى، لابد أن نستقبل هذا المعلم القدير بما يليق به من الاحترام، وأن الله تعالى بحكمته العليا لم يرسله عبثاً؛ واحترام الألم هو الصبر على هذا العطاء، فحتى إن لم نستقبله بما يستحق من التقدير والصبر لن يدوم فقط بل سيكون أكثر صعوبةً وأبعد من أن يزول. الألم يقودنا نحو الحقيقة، الألم يُسقط جميع الأقنعة، الألم دائماً بداية لشيء جديد في الحياة لأن ما كان لم يعد صالحاً للاستمرار، الألم يُجبرك على الاعتناء بجسدك، يجعلك ترى الحياة بطرق متنوعة ويعطيك عشرات الخيارات بدل الخيار الوحيد مع السعادة، وأعظم ما في الألم أنه يجعلنا نعرف القيمة الحقيقية للسعادة التي قد تتحول لروتين مع طول مدتها فلا نقدر ما نمتلك ولا الأشخاص الذين نعيش معهم، حتى ان الشعوب التي عانت من الألم هي الشعوب التي ازدهرت بعد تلك المعاناة.

لذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:

" إن عِظَمَ الجزاء مع عِظَمَ البلاء، وإن الله عز وجل إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضيَ فله الرضى، ومن سخطَ فله السُخطُ".

 

د. سناء أبو شرار

  

ثامر الحاج امينالموروث الشعبي ثروة كبيرة من الآداب والفنون والقيم والعادات والتقاليد والمعتقدات والمعارف الشعبية الذي يقوم المخيال الجمعي بحفظه وتسويقه من جيل الى آخر عبر التداول الشفاهي للحكايات او عن طريق توظيفه الفني، ويعتبر الموروث الشعبي جزءا هاما من الهوية الوطنية لأي شعب ويستحوذ على مساحة ليست بالقليلة من تاريخ وثقافة الشعوب، فذاكرة المدن زاخرة بالحكايات والمعتقدات الشعبية والطقوس الفلكلورية ومنها مدينة الديوانية التي لا تختلف عن سواها من المدن في هذا الحقل الانساني فقد شهدنا وعشنا في ستينيات القرن الماضي جانباً من طقوسها الفلكلورية ومنها أحياء يوماً اطلقوا عليه  (الشنبه سوري) حيث حرصت شريحة واسعة من الديوانيين على التجمع في هذا اليوم عند مقام النبي ايوب ــ الذي يتوسط منطقة (أهل الشط) ــ في جو من المحبة والفرح تسوده الإلفة والمشاركة الشعبية العفوية ويزدان المكان بالبالونات الملونة وتنطلق عاليا أصوات المزامير والدبكات الشعبية ممزوجة بنداءات الباعة وعرباتهم المزينة بالدمى والاشرطة الزاهية اضافة الى ضحكات الصبيان وهي تتقافز فوق ألسنة النيران حيث تصبح أجواء هذا الكرنفال الشعبي اشبه بيوم المولد عند الأخوة المصريين . والغريب ان السلطة الحاكمة أنذاك لم تمنع او تتدخل في اقامة هذا الكرنفال الذي يكون اشعال النيران فيه واحدة من أبرز طقوسه بالرغم من جذوره الفارسية، اذ يحتفل الايرانيون بيوم الأربعاء الأخير من السنة الفارسية ويطلقون عليه (جهار شنبه سوري ) الذي يعتبر احد الايام المقدسة عند الفرس حيث يمثل وداع آخر شمس في السنة الشمسية واعلان قدوم الربيع، ففي هذا اليوم يتوجه الايرانيون الى اشعال النيران في الحدائق وفي الريف والشوارع والقفز فوقها، وترمز هذه الحركة لسحب كل ما هو سلبي من جسد المرء وروحه الى اللهب ونيل الدفء والنور بدلا منه، والطريف ان " فرح ديبا " زوجة الرئيس الايراني الأسبق محمد رضا بهلوي واثناء وجودها في المنفى بعد الاطاحة بحكومة زوجها عام 1979 تشير في مذكراتها الى انها في مثل هذا اليوم من كل عام حريصة على اشعال شمعة والقفز فوقها حيث تَعتبر هذا التقليد جزءا من هويتها، ومن الطبيعي ان تشترك المجتمعات المتجاورة بعدد غير قليل من العادات والتقاليد والطقوس، وذلك بفعل الاحتكاك الاجتماعي والثقافي والتجاري الذي تفرضه حاجات اقتصادية وجغرافية و عوامل اخرى.

 

ثامر الحاج امين