صادق السامرائيالفرق بين التقدم والتأخر يتناسب طرديا مع الذخيرة المفرداتية للمجتمعات، فالتي يختزن أبناؤها مفردات لغوية أكثر تكون متقدمة على المجتمعات التي يفتقر أبناؤها للمفردات اللغوية.

ولهذا تجد الدول المتقدمة تضخ في عقول أبنائها ما تستطيعه من المفردات ومنذ بدايات التعلم، وحتى تجد المتخرج من الإعدادية قد إمتلك كذا ألف مفردة، بل أن إمتحان الدخول للجامعات يهتم بالمفردات، ويؤدي الطلبة إمتحانات صعبة في الكلمة ومعناها ومشتقاتها.

وفي مجتمعاتنا يوجد إهمال كبير لهذا السلوك الحضاري الأساسي المهم، فعدد المفردات اللغوية المتداولة قليلة، لا تتوافق مع إرادة العصر ومتطلباته.

ومن الظواهر التي لا بد من الإشارة إليها، أن علماء الأمة البارزين قد حفظوا القرآن في وقت مبكر، فنبغوا في ميادين العلوم والمعارف، والقاسم المشترك بينهم، أن القرآن قد زودهم بذخيرة لغوية منذ صغرهم، يتراواح عددها بأكثر من (130) ألف مفردة، جعلت عقولهم توظفها لولوج مقامات علوية في التفكير والإدراك.

إن الإنتباه لأهمية المخزون اللغوي بمفرداته، من ضرورات صناعة الأجيال القادرة على الإمساك بناصية الحاضر والمستقبل للوصول إلى موانئ العطاء الأصيل.

ولهذا فأن التعليم عليه أن يركز على تدريس الكلمة ومعناها منذ أولى مراحله، لكي يتسلح المواطن بما يعينه على التفكير السليم، ويمتلك القدرة على الإبداع والتفاعل المتميز مع التحديات، ويستطيع أن يجد حلا للمعضلات.

إن الرؤوس الخاوية تندفع نحو إنفعال إنعكاسي فتاك يصيبها وما حولها بأضرار جسيمة ووخيمة.

ووفقا لذلك فأن المجتمعات الفقيرة لغويا لن تتجاوز حدود الذل والهوان، إلا بعقول ثرية لغويا، متمكنة من التفكير والتحليل والنظر العميق، والإستنتاج الدقيق!!

 

د. صادق السامرائي

خالد بوفريواالسجن في هذه الرواية عبور من الذات المثخنة بالمعاناة إلى دقائق المعيش، وهذا هو المسار الإجباري الذي تسلكه الأرواح المتدفقة نحو المستقبل.[1]

سيرة الرماد، عنوان صريح يدل على واحدة من حالات التلاشي النهائي لنص ينتمي إلى أبجديات أدب السجون، إختار طواعية السير على نهج "مظفر النواب": (أعرف أن الكلمة مخيفة، ولكن الصمت تتجمع فيه الوساخات). إنها الذات التي تقبع بين198 صفحة من الحجم المتوسط، تسرد الزنازن المتشابهة واللباس الموحد والأكل المقيت والنوم الذي يضاجع السيستام والعادة، ورقم لا قيمة له، اللهم موقعه ضمن تسلسل لا يخضع سوى لمنطق التتابع التصاعدي أو التنازلي، و شراذم "الحاج" وتجبرها، و مقادر الرفاق الشاحمة، و سياسة التنظيمات السرية، وحميمية العلاقات خلف جلبة رزمة المفاتيح، و أيديولوجية اليسار المتقدة … كل هذا مسلط بمعاول سردية خاصة في الإقناع، شبيهة إلى حد ما "بالإقناع السري" الذي تحدث عنه "فانس باكار" في ميدان التواصل الإشهاري[2].

جاءت الرواية في قسمين موزعين على مجموعة من الفصول تتعدد بتعدد أحجامها، قسم صك فيه (مولين) بصيغة المذكر حجم صراخه خلف أقبية الظلام وسراديب العدم وقلبه معلق بوجنتي (ليلى)، وقسم تروي فيه ليلى تفاصيل تعذيبها الذي لا يتحدد من خلال بعده المادي بل هو نابع من كبرياء الذات في مخافر الديستي[3] ومحاضر "الحاج" الفارغة، بالإضافة إلى مناكفة العلاقات الرفقاتية والتطاحنات التي تفرزها.

صوت الساردين (المذكر والمؤنث)، في كل أركان الرواية وهما يحاولنا وضع اليد على جراح الحقيقة السجنية بكل عفوية ساخرة؛ نكت، طرائف، جلبة المزاح، قهقهة الحكايات، المفارقات الضمنية السوداء.. كلها تحاول الإضحاك أولاً، وتعرية عهر المكان ثانياً. إنها القوة في مواجهة الجبروت القاصي، تراجيكوميديا تتحدى صمت الظلام وفحيح برودة الجدران وأزيز الأبواب الصدئة، و قلقلة رزمة المفاتيح عند الصباح وعند مغيب الشمس. إنها نبرة الفضح عبر التفاصيل الأكثر دقة مع التصوير المباشرلأصغر الإشارات وأبسط الأفكار والمشاعر والكلام وأكثرها سذاجة وتفاهة وهزالة. السخرية خلف ديمومة صلابة القضبان، وسيلة من وسائل هزم الجلاد وقهره ورد كيده.

كيف نواجه سوط الجلاد الجاثم بالإبتسامة؟

يقول (صلاح الوديع) في هذا الصدد: " السخرية في الكتابة السجنية تعالٍ على حالة الإعتقال والتعذيب واستهزاء منها.فإذا سخرنا من هذه الظواهر صرنا أكثر تحكماً فيها، و تلك قوة السجناء في قهر العزلة والتغلب على الحرمان".[4]

 ويسترسل قائلاً : … لكل فعل رد فعل مساو له في القوة ومضاد له في الإتجاه، يمارس الفاعل السجان تلذذاً بتشظية الجسد المسجون، لكن رد فعل المسجون سيكون بالحدة ذاتها أو أكثر جاذبية عبر وساطة الفعل الساخر، وكأننا هنا إزاء قوتين : قوة التعذيب الجسدي في مواجهة التعذيب اللغوي. وهنا جاء النص السارد ساخراً من جبروت القوة، فالسخرية هي الملاذ الأخير الذي يمكن أن تحفظ به نفس إنسانية تتعرض لمحاولة القهر والمحو والإذلال إتجاه قوة جبروت لا راد لها (…) وأعتقد أن السخرية ربما لكونها الملاذ الأخير، فهي السلاح الفتاك الذي لا يستطيع اتجاهه القهر فعل أي شيء.[5]

صحيح أن ميكانيزم السرد لا يقودنا إلى الحقيقة الثابتة رغم _نسبيتها_ كما لا يمكننا من إستعادة "واقع خالص" من خلال فعل لغوي، إلا أنه مع ذلك قادر على (التشخيص). فقط، تشخيص الحقائق.و إن حقيقة (سيرة الرماد) يلخصها مقطع من ذات الرواية (ص 07)، يحق لنا بكل شرعية ومشروعية إستحضاره هنا على سبيل الختام:

(…) ماذا تبقى من العمر بعد عشرين عاماً في دهاليز الإسمنت. عشرون عاماً إلتهمتها برودة الجدار وصدأ القضبان (…) سيقذف بنا مباشرة إلى المستشفيات لنلوك فيها بقية العمر بعد أن زرع الجدر سم الجليد في أطرافنا لنحصد أمراضا بالجملة تتوزع علينا بالتقسيط (…)[6].

 

خالد بوفريوا - كاتب

..........................

[1] عبد القادر الشاوي : رواية سيرة الرماد، ظهر الغلاف.

[2] Vance Packard : La persuasion.Clandestine,édcalmann-Levy 1984

[3] الجهاز الذي يشرف على العمليات الإستعلامية والاستخبارية الداخلية بالمغرب.

[4] الكتابة والسجن، حوارات ونصوص عبد الرحيم حزل، افريقيا الشرق، 2008، ص 112

[5] نفس المرجع، ص76 - 77

[6] سيرة الرماد، خديجة مروازي، افريقا الشرق، الدار البيضاء، 2000، ص07

 

 

صادق السامرائيتوفيق الحكيم (1898 - 1987)، ولد في الإسكندرية وتوفى في القاهرة، كاتب  لامع ومن رواد الكتابة المسرحية والروائية.

تربطني به علاقة عجيبة، بدأت منذ المتوسطة وتعمقت أثناء دراستي في كلية الطب، حيث كانت كتبه لا تفارقني، وهي متنفسي الذي يحررني من ضغط الكتب الطبية، وذلك الجفاف المعرفي الذي كانت تحاصرني به، فكنت ألجأ للرسم العلمي أو التوضيحي، لكي أقتل جفاف الصفحات، خصوصا ذلك الأسلوب الإنكليزي المتعنت المعقد.

وكانت كتب توفيق الحكيم فسحتي الفكرية وراحتي الروحية، فكنت أقرؤها وكأنني على موعد للإمتحان بها!!

عودة  الروح، أهل الكهف، يوميات نائب في الأرياف، شهرزاد، الملك أوديب، حمار الحكيم، الأيادي الناعمة، رحلة إلى الغد، حماري قال لي، عصا الحكيم، سجن العمر، أدب الحياة، عودة الوعي، وغيرها من كتبه التي أضعها بين كتبي الطبية، ولا بد من قراءتها يوميا عند المساء، وأنا أتخطى في أروقة الكلية.

كانت كتاباته عميقة ومزعزعة للوعي والإدراك، وتنقلني إلى عوالم جديدة ذات أفكار براقة ومحفزة للإبداع، فأفكاره المبثوثة على السطور تتحرك حيةً في وعي القارئ المفتون بالأسلوب السردي الحواري الجذاب الخلاب.

عاصر الحكيم عمالقة الفكر والثقافة في مصر، كالرافعي، طه حسين، العقاد، أحمد أمين، سلامة موسى، أحمد شوقي، حافظ إبراهيم، سيد درويش، زكريا أحمد، محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وغيرهم من النوابغ الذين إحتفت مصر بوجودهم الساطع.

وبرغم أنه درس الحقوق في باريس، لكنه أمعن في الإهتمام بالمسرح، وعند عودته لمصر، كان ثائرا تنويريا ومفكرا ألمعيا، وكاتبا مؤثرا في تعبيد طريق الأجيال نحو الغد الأفضل.

وإتسم بالتحدي والإصرار على إستعمال المسرح لتثوير الأذهان،وتأجيج الأفكار، وإطلاق ما في الإنسان من طاقات إبداع وإبتكار أصيل وفتان، وما يسمى بالمسرح الذهني شاهد على ذلك الإتجاه البديع الإمعان.

ومواقف توفيق الحكيم ومعاركه الفكرية متنوعة، وطروحاته مقلقة للثوابت والتصورات السائدة، وخلاصة ما قدمه أنه قدح الأذهان العربية بأنوار أفكاره وشذرات عباراته الفائقة القدرة على التعبير عن الفكرة والمعنى.

تحية للكاتب الأديب الأريب الذي علمنا كيف تكون الكلمات والعبارات ذات أفكار جلية، لتحفز في القارئ إرادة التعبير الأمثل عما فيه!!

 

د. صادق السامرائي

 

ذكرى البياتي يعتبر مرض الزهايمر (بالانجليزيه Alzheimer's Disease) أحد أكثر أمراض الخرف (بالانجليزيه :Dementia انتشار  ويطلق مصطلح الخرف على حالات فقدان الذاكره وفقدانها القدرات الإدراكية بشكل عام ويتسبب الزهايمر في احداث مشاكل في الذاكره    (Memory) والتفكير وطريقة التصرف نتيجة لحدوث تغيرات مجهريه في خلايا الدماغ

يجدر التنبيه إلى أن مرض الزهايمر لا يعتبر جزءا طبيعيا من تقدم العمر والشيخوخة وانما حاله مرضيه وهنا أشير إلى أن العلاقه بين العقل والقلب ومرض الزهايمر وفي إحدى البحوث العلميه الجديدة للقلب البشري، فعلى مدى سنوات طويلة درس العلماء القلب من الناحية الفيزيولوجية واعتبروه مجرد مضخة للدم لا أكثر ولا أقل. ولكن ومع بداية القرن الحادي والعشرين ومع تطور عمليات زراعة القلب والقلب الاصطناعي وتزايد هذه العمليات بشكل كبير، بدأ بعض الباحثين يلاحظون ظاهرة غريبة ومحيرة لم يجدوا لها تفسيراً حتى الآن!

إنها ظاهرة تغير الحالة النفسية للمريض بعد عملية زرع القلب، وهذه التغيرات النفسية عميقة لدرجة أن المريض بعد أن يتم استبدال قلبه بقلب طبيعي أو قلب صناعي، تحدث لديه تغيرات نفسية عميقة، بل إن التغيرات تحدث أحياناً في معتقداته، وما يحبه ويكرهه، بل وتؤثر على إيمانه أيضاً

ومن هنا بدأتُ بجمع معظم التجارب والأبحاث والمشاهدات والحقائق حول هذا الموضوع، ووجدتُ بأن كل ما يكشفه العلماء حول القلب قد تحدث عنه القرآن الكريم بشكل مفصّل! وهذا يثبت السبق القرآني في علم القلب، ويشهد على عظمة ودقة القرآن الكريم، وأنه كتاب رب العالمين.

هناك بعض الباحثين يعتقدون أن القلب مجرد مضخة وأنه لا يوجد أي أثر لتغيير قلب المريض، بل قد تحدث تغيرات نفسية طفيفة بسبب تأثير العملية. كما يعتقد البعض أن القلب المذكور في القرآن هو القلب المعنوي غير المرئي مثله مثل النفس والروح. فما هي حقيقة الأمر؟

والحقيقة أننا لو تتبعنا أقوال أطباء الغرب الذين برعوا في هذا المجال، أي مجال علم القلب، نرى بأن عدداً منهم يعترف بأنهم لم يدرسوا القلب من الناحية النفسية، ولم يعطَ هذا الجزء الهام حقه من الدراسة بعد.

يُخلق القلب قبل الدماغ في الجنين، ويبدأ بالنبض منذ تشكله وحتى موت الإنسان. ومع أن العلماء يعتقدون أن الدماغ هو الذي ينظم نبضات القلب، إلا أنهم لاحظوا شيئاً غريباً وذلك أثناء عمليات زرع القلب، عندما يضعون القلب الجديد في صدر المريض يبدأ بالنبض على الفور دون أن ينتظر الدماغ حتى يعطيه الأمر بالنبض.

وهذا يشير إلى استقلال عمل القلب عن الدماغ، بل إن بعض الباحثين اليوم يعتقد أن القلب هو الذي يوجّه الدماغ في عمله، بل إن كل خلية من خلايا القلب لها ذاكرة! ويقول الدكتور Schwartz إن تاريخنا مكتوب في كل خلية من خلايا جسدنا. وتشير الدلائل على أنه هناك رجل يتعالج في مستشفى من الزهايمر فجائت حبيبته لتزوره فرأها من النافذه فقال للأطباء هذه حبيبتي فقالوا كيف عرفتها اجابهم دقات قلبي تسارعت عندما

رأيتها فأن كان العقل يفقد الذاكره  فالقلب لازهايمر له  سبحانك يارب ماابدعك في خلقلك وكم هو جميل لطفك ففي قلب كل منا جعلت الحب والسلام ولكن هناك من زرع الحقد والكراهية في العقول البشريه ليجعل النحر والتفرقه ولكن ارادتك يارب ارحم بعبدك فربنا رب قلوب ...

 

 ذكرى البياتي

 

شاكر فريد حسنهذه القصيدة هي أحد روائع الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش، الذي يعد أحد أهم الشعراء الذين ينتمون لشعر الثورة والحرية والوطن والالتزام، الذي حوّل أغاني التيه الفلسطيني إلى ملاحم مدهشة للعودة المؤجلة. وكان كتب هذه القصيدة بعد عام واحد من انعقاد مؤتمر مدريد للسلام. وهي قصيدة طويلة واستثنائية تراجيدية، مليئة بالثورة والاسقاطات وثنائيات الحضور والغياب والماضي، ونجد فيها الاندلس ذات حضور زماني ومكاني مختلف للتشريد والشتات والمنفى واللجوء الفلسطيني واغتصاب الأرض.

ويقسم درويش قصيدته إلى 11 مقطعًا متمثلًا الكواكب الأحد عشر التي استوحاها من القرآن الكريم في رؤيا النبي يوسف عليه الصلاة والسلام.

 وتتراوح هذه القصيدة بين التاريخ والمخيلة، وفيها يصحبنا درويش في رحلة خاطفة داخل فساد الحاضر نحو التوسيع الأهم للرحلة، او كما يقول الناقد السوري صبحي حديدي "التجواب البانورامي المفصل والجراحي في ميادين انقضاض الماضي على المستقبل، أو في احتمالات ذلك اللقاء ومضاعفاته".

وفي هذه القصيدة ينتقل درويش من الحاضر إلى الماضي، ويسقط تجربة الماضي على هذا الحاضر، محتشدًا بدلالات تحتاج إلى اعمال فكر ودراسة عميقة، وحضور علائق غائبة باعتبار أن مشهد القصة القرآنية وآخر مشاهد الاندلس تجربتان أثرت أحدهما في الأخرى. وإذا كان هذا المشهدان قد شكلا بداية الرؤيا، فإن الرؤيا المسكونة تكمن في إيجاد العلاقة الغائبة/ الحاضرة التي تبدو مشحونة بضبابية المرحلة السياسية، ومعزوفة الفناء، واحتشاد الصور.

وفي قصيدة محمود درويش هذه، تتوحد وتتوازى فلسطين والاندلس، وتغدو غرناطة محل الأشواق في مشابهة مع القدس الفلسطينية، ويتجسد الحاضر مرآة ترى الماضي الاندلسي الغابر من ناحية والمستقبل الفلسطيني من الناحية الأخرى.

وتمثل رؤية درويش لفلسطين في الغد البعيد مستلهمًا من الحاضر خلفية لهذه المطولة التوقيع على اتفاق أوسلو، الذي كان له موقفه المغاير والمختلف منه، رافضًا تأييد اعلان مبادئه، والانضمام إلى السلطة الفلسطينية، ورأى فيه خطيئة كبرى، ومجازفة تاريخية، متخذًا من النبي يوسف عليه السلام قناعًا لقصيدته لما يرمز ويمثله هذا النبي من أهمية في قضية الرؤية وقراءة المستقبل واستشرافه. 

والقصيدة ذات غنائية وإيقاعات متعددة يلعب فيها درويش، ولا تعتمد صيغة الموشح على غرار الإيقاعات الاندلسية التي نلاحظها في دواوينه اللاحقة.

ويمكنا أخيرًا القول، أن محمود درويش في "أحد عشر كوكبًا على آخر المشهد الاندلسي" يعيد إلى الشعر بلاغة الذاكرة التراجيدية والموضوع الكوني، ومن يقرأها لا يريد أن ينتهي من القراءة، بما فيها من أبعاد عميقة واستعارات بلاغية وصور جمالية ولغة شاعرية.

 

بقلم: شاكر فريد حسن 

 

 

ثامر الحاج امينالشكوى من تقلب الزمان وغدره واحدة من الموضوعات  التي استحوذت على مساحة ليست بالقليلة من تراثنا العربي وموروثنا الشعبي فقد شهدت العصور المختلفة من الأدب الشكوى من الزمان وتقلباته وتباينت مواقف الأدباء من هذه الحقيقة المؤلمة بين ناقم على الزمن ومتبرم من فعلته وبين ساخر لا يخفي حرقته من ذلك، وقد لجأ الشعراء الى القصيدة لإفراغ مكنوناتهم وهواجسهم الداخلية واظهار الحيف والوجع الذي يصرخ بداخلهم جراء لعبة الزمن الذي يرفع الجهلاء وأراذل القوم ويضع العلماء والسادات، فـالشاعر (ابن الرومي) واحد من الشعراء الذين شكوا من الدهر ودوره في قلب الموازين وتغييرالأحوال وكان اكثرهم حدة ودقة في تصوير هذا التحول:

رأيت  الدهر يرفع كل وغد ويخفض كل ذي زنة شريفة

وكالميزان يخفض كل واف ويرفع كل ذي زنة خفيفة

ويأتي بعده الشاعر الطغرائي ليصف بحرقة ما أل اليه حاله من نكوص وتراجع بعدما كان متقدما على الجميع فيقول:

تقدمتني اناسٌ كان شوطهم وراء خطوي إذا أمشي على مَهل

وقبل هؤلاء عاش الشاعر دعبل الخزاعي هذه الحيرة وقال متعجبا من لعبة الزمن وغدره:

ما أعجب الدهر في تصرفه .. والدهر لا تنقضي عجائبه

فكم رأينا في الدهر من أسد ٍ..  بالت على رأسه ثعالبه

والشاعر الشعبي لم يبتعد في هواجسه عن اقرانه شعراء الفصحى في تجسيد هذه الحقيقة المرة  فها هو الحاج زاير يرصدها في مواله فيصفها بحرقة:

والكدش أصبح لها عزمٌ شديد وباس

والزين دنگ على جف الزنيم وباس

ولم تتوقف شكوى كرام النفوس من تقلب الزمان فالشاعر " قدوري "صاحب الموال اليتيم يشير الى:

الجانوا انشاط هسه بها لزمن ركّوا

والجانوا اركاك هسه بها لزمان انشاط

ولكن شاعر الدارمي فاق الجميع في تصوير حجم الكارثة التي وقعت على رأسه، فبعد حياة العز التي كان فيها وجد نفسه تابعا ذليلا يجيب سائله:

يل تنشد اعله الحال هذا آنه حالي

راعي بحلال الجان راعي بحلالي

***

ثامر الحاج أمين

 

 

عمانوئيل خوشابامهلاً أيَها القارىء لهذِه السِطُور الشَجيَة، أُناشِدُكَ من قَلب شالَ بهِ الدَهرِ ونفذَ منُه النبضَ سُدَى.. أُناشدُكَ أَن تساعدَني في البَحث عن قلمي المفقود في تلك الزاوية المكسية بذاك الثوب القاتم الفضفاض في أرجاء مملكتي الحزينة، نعم سقط من يدي رفيق الكلمات في ذلك الفجر الصاخب بالهلوسة وهذًيان الأْيقِاع، من فجر تلك الجمعة الحزينة المتراقصة تحت نَيرِ آهات الأَنينِ و وابلِ من صيحات الصراخ المستنجد الغارق تحت دوي أصطفاق أمواج البحر الهائجة في بحر الظلمات، ملتهمة النيران تجاويف صدري التواق لنجاة شبلي البِكرَ الراقد في أحضاني، أُصارِعُ حينها بيدي المُتَخَبِطتَين أَمواج الأَمل والزِبدَة تُهَمهِمُ حول شِفَتاي كالغريق الباحث عن قِشَة ولو كانت صغيرة كي ألقي عليها فِلِذَ كَبدي الغارق في تلك الدوامة السوداء.

مازالت مشاهد ذلك التلاحِمُ الضَبابي الصاخِب أمامَ ناظِري، يرصُد تلك اللحظات الشَجِية المتلاحمة مع ملك الموت في سبيل ديمومة إِيقاع أنشودة البقاء، تارة أقف أمامه صلد الجبين حاضناً أِبني البكر وبقوة بين أحضاني، أشهق الريح بقوة الى تجاويف صًدرُه الحًنونً و أنشد له أناشيد الأمل والحياة، ثم أنتفض وهلة واقفاً ينفذُ مني ذلك الزئير الدامي، لعله أي ملك الموت يهابني وربما حينها يتراجع عن هدفه المنشود في سلب ماهو الأعز في حياتي.

أخيراً سَما القَدرغَدَّاراً، عندما نجح ملاك الموت في سرقة مجمل ميراثي، قاطفاً بدوره أجمل الأزهار من بستان حياتي، حينها تلاطم مركب حياتي بتلك الأمواج العاصفة حاملة معها شِبلي البكرعالياً الى الشواطي المجهولة، وهو يستنجدني مناشداً لي في اللحاق بركبه، وأنا بدوري أمسيت ذلك الربان الأعمى يَقتاد  زَورَقُه بدون هدف مصارعاً سلطان البحر الماكِر.  كان الصِراعَ متفاقماً في ما بيننا الى أن أنهارت قواي وركعت وقتها مستنجداً و متوسلاً بشفاعة الى شبح الموتَ بالتغاضي عن مهمته هذه ولو لفترة وجيزة، أستطيع من خلالها أن أعانق أثير الحبيب الغالي، مردداً تلك العبارات الجياشة الى الحبيب الغالي وقرة عيني أِبني البكر، راجياً منه بأن لايرحل عني اليوم، مناشداً أياه بأِنً قلبي لايتحمل فراقه أبداً.

كم تمنيت لو كنت جارفاً في أحد احلامي، ولا أرى نفسي منهار القوى مكتوف اليدين أسير الظلمات، راكعاً و نغمات الأنين والآهات تفوح من فمي وعيناي تنشد أنشودة المطر .. مطر .. مطر... جلست وقتها على الجرف حزيناً و أنا أسمع إِبني يلفظ أنفاسه الأخيرة ويردد لي:

(وداعاً يا أبتاه، أستمحيك عذراً بأن لا تهاب رحيل جسدي عنكم و سوف أستودعه بين يديك، بينما شهوة روحي سوف تَتَحَررُ بدورِها من قيود جسدي، منطلقة في رحاب الوجود السامي متتلألِأة كالنجوم الساطعة في قبب السماء وتحت ظلال أشجار سِدَر المنتهى في جنات الخلود).

أتسائل من قرة عيني رامسين بعد أن تَلَظَت النار صدري، وأمَسى بصري مأوى لتلك الدموع الغادقة تتلاطم مع مَدامِع الأحداق الى جسدك الزكي الهامد، أتسائل أبتي !! كيف لي أن لا أهاب رحيلكم عني يا أَملَ حياتي، وانت كنت لنا ذلك المربي الفاضل الناشِدِ دوماً فنون الأَشتياق وخواطر التأَمُل ، كيف لي أن أعيش بدونك وأنت كنت لنا أنشودة المستقبل، أتسائل كيف نبدأ يومنا بدون أبتسامتك و همساتك العذبة.

نعم يا رفيق العمر، لقد ودعت جسدك الطاهرعند ذلك المرقد الواقع الى جنب القديس بوتفيد، ذلك المضجع الذي يعج ربوعه بالهدوء الدامي وجمال الطبيعة المزينة بأجمل الأشجار والورود المنسدلة سجوداً حينما توارى ثراك التراب.  هناك خاطبت متسائلاً الأرض التي أرتوت من عِطرَ جسدك الزكي... لماذا أخذت مني ثراء الحبيب؟ فاجابت لي وبغرور بأن إبنك كان يعشق طبيعتي الخلابة و كثير السير والتنزه في غاباتي، حينها قلت لها أَلا يكفيك  ألحان همسات قدميه الجافية عليك؟  فأجابت!! بالطبع لاتكفيني طبطبات قدميه فوقي، وأِنما أشغف حباً له بأن أضمه بين جناحي و أطير به الى أعماقي الأزلية، نسير معاً في رحلة البحث عن خلود الحياة، ونغوص معاً في خبايا سطور ملحمة كلكامش الجليلة.

2713 رمسيس

نعم يا رفيق درب الثمانية وعشرين ربيعاً، لايمكنني بتاتاً بأن أردد حول مسامعك كلمة الوداع،  هل تناسيت العَهدُ الذي بيننا كي نحيا معاً، لا تخون عهدك وتتركني وحيداً أتأَلَم، لأِن عشقي لك أزلي ومستوطن في عروق قلبي المؤمن بحيوية روحك وشمائلك العذبة، تلك الشمائل الأزلية الجائثة على مسرح حياتي، منها أتحسس أنغام أثيرك المُتَوقد بتلك البَسمات الثَرية بالحبِ والمودةِ، و ثغورك الهلابة العامرة في فؤادي المولع بك يا صغيري، سوف تبقى روحي أسيرة أثيرَك الكائِن في وِجداني و قلبي ومنها سوف أكون أِحدَ الحُجاجِ الدائمين لمرتعك الطاهر، حاملاً معي رمز البعث والتجلي من خلال زهرتي المفضلة اللوتس لتساعدني في أستنشاق الرحيق الآزلي والمنبعث من ينبوع روحك الزكية.

هاهو قلمي يرتوي حبراً من دموع عيني، يخطط أحزان وهموم فؤادي، متراقصاً بلهف على انغام تلك السمفونية الشجية والممزوجة بذلك الهلع المعانق لتلك سطور النثر الحزينة على فقدان ميراثي. أتسائل حينها، كيف لي أن أُسطِرُ كلمات الرثاء على رحيل أِبني؟ ولم يكن في خاطري يوماً أن أرثيه والقدر يختار أن يصب في صدري بواتق أنين الحنين والآلم.  انا كنت من يُعَلِمُ الرَثاء الى رِفاق الدَرب والمسيرة ومنهم أنت يا رفيق الروح و فلذ كَبدي. كم هي قاسية تلك اللحظات التي فارقتنا جسداً، حيث لاتكتفي الدموع والكلمات بالتعبيرعن ماهو مُصابُنا، لكن لاتنسى بأن ذكرياتك لايمكن أن ترحل مع جسدك الفاني أِنما هي أزلية الدوام في قلوبنا، لايمكن لصقيع الشتاء أن يسدل عنا أحاسيسك وهمساتك الجميلة، لأن ربيع روحك تتجدد مع ذكرياتك الصاخبة بالحب والحنان، تلقي من خلالها تلك الخيوط الذهبية في تجاويف قلوبنا التواقة لك دوماً، لذلك لايمكن لموت جسدك أن يغير شئ منا لأن الحب والذكريات التي بيننا، سوف ترتقي سامية للعلا في مسيرة حياتك الجديدة.

 

عمانوئيل خوشابا

08-08-2021

.....................

توضيح: اود البيان بأن المقالة أعلاه تتعمق في وصف التراجيديا التي عشتها انا وعقيلتي حين ودعنا جسد أبني البكر رامسين ذو الثمانية عشرين ربيعاً، نعيش اللحظات الأخيرة من أنفصال روحه الزكية عن جسده في فجر الجمعة الحزينة.

 

من يبحث عن الحكمة لن يجدها في دروب السعادة.

فالحكمة موطنها الجبال الشاهقة لا الدروب السهلة.

لكلٍ منا قصة أو حكاية، رواية أو ديوان شعر، لكل منا كلمات إن لم يكتبها سطوراً على الأوراق فقد كتبها أنفاساً في الصدور وذكريات في العقول وكذلك همسات في القلوب.

فجزء من بشريتنا هي هذه القصص والروايات والأشعار والحكايات التي نقصها على الآخرين أو لأنفسنا والتي تُسعدنا أو تشق حفر صغيرة ممتلئة بالدموع في قلوبنا، فتصبح قلوبنا أرض متشققة، بها المنبسط، وبها الوعر الممتلئ بالدموع المالحة وبها أيضاً الجداول العذبة التي قد تستطيع أو لا تستطيع أن تُزيل الحفر المالحة وتغطيها بالمياه العذبة الشفافة؛ منا من يطهر قلبه وروحه من ما تركه الآخرين من شوك وملح، ومنا من يراكم الآثار والأحداث إلى أن تتحول ذاته إلى بحيرة قاتمة راكدة لن تستطيع أبداً المياه الرقيقة النقية أن تطهرها.

أما قصصنا عن الإيمان فمن النادر أن نتحدث عنها، ربما لأنها حدث بديهي في حياة كل منا، وربما لأنها تقليدية ومكررة؛ ولكننا لا ندرك أن جميع قصص الحياة العادية ليست سوى قصاصات من الأوراق التي لا تلبث أن تذروها الرياح، وأن من أحببنا بالأمس قد نبغضه اليوم، وأن ما أسعدنا في الماضي قد يحزننا الآن، أو ما أحزننا في الماضي قد يُضحكنا اليوم؛ وإن أردنا فعلاً رسم صورة لقصص حياتنا فلنصعد إلى سطح عمارةٍ ما ونُلقي بقطع الأوراق الممزقة ونرى كيف أنها تتطاير بالهواء وبعد حين لا يبقى لها أثر، تماماً مثل مرورنا في الحياة، تماماً مثل وجودنا، نحمل أوراقنا الثقيلة والكثيرة ونعتقد بأنها كل الوجود وأن كل منا هو مركز الكون ولكن الحقيقة هي أن كل هذه الأوراق سوف تتبعثر وتتطاير وتتلاشي لكي يأتي بعدها أوراق أخرى لأشخاصٍ آخرين. ولكن قصة وحيدة تبقى ولا تفني حتي بعد الموت إنها قصة كل منا مع الإيمان، سواء قبول الإيمان أو رفضه.

قالت لي بوجهها الهادئ: ( لقد مررت بظروف صعبة، عرفت المرض والتعب، الغربة والألم، فراق الأبناء والأحفاد، وكأن كل ما حولي ليس سوى كرة بلورية مُتصدعة توشك أن تنهار لتتحول إلى شظايا تجرح كل من يلمسها؛ سكن الغضب بروحي والحقد بقلبي، فلماذا أنا؟ لماذا كل هذه المصاعب والمصائب تحل بي؟ لماذا...وإلى متى...؟ رافقني ذلك السخط والغضب لسنوات أتحرر منه أحياناً ويحتلني غالباً. ولكنني وفي لحظة ما فهمت، في لحظة ما أدركت أن هناك شيء ما وراء كل هذا. آخر موقف صعب كان حين قال لي الطبيب بأنني ربما مصابة بالسرطان وأنه لابد من اجراء فحص تظهر نتيجته بعد أسبوع؛ خرجت من عيادة الطبيب هائمة على وجهي، وأول ما تذكرت هو صديقتي التي لا يفارقها القرآن، أسرعت لها وطلبت منها نسخة من القرآن، وكانت تلك أول مرة أفتح بها القرآن، بل أول مرة ألمس بها القرآن، لم أتوقف عن قراءته طوال الأسبوع؛ وحين أتى موعدي مع الطبيب أخذت كتاب الله معي، نظر لي الطبيب مُحرجاً وقال: آسف، لقد أخطأت بالتشخيص، أنت سليمة معافاة.

لم أسمع كلمات اعتذاره، خرجت أمشي في الشوارع، ولأول مرة في حياتي أعرف ما معنى الإيمان، لأول مرة أشعر بذلك الدفء الإلهي يحيطني، لأول مرة أشعر بأن كل تلك الصعوبات والمعاناة كانت مدرستي الصغيرة التي قادتني لهذا الإيمان؛ كل تلك المحن جعلتني أدرك مدى ضعفي وحاجتي لله. أعرف بأنها قد تكون قصة عادية ولكن حين أرى حزن الناس وألمهم وهم لا يعرفون كيف يواجهون تلك المواقف الصعبة، أرغب بأن أقول لكل منهم، أنت في مدرسة الإيمان، فإن لم تقودك الصعوبات إلى طريق الإيمان، فلن تجد روحك السكينة، فنحن لا نحيا لأجل أن نكون سعداء، نحن نحيا لنعلم ونتعلم، لنفهم وندرك، لنجد زهرة الحكمة بين الأشواك.)

انتهت المقابلة القصيرة وغادرت بهدوء، وجلست للحظات أفكر بكل كلمة قالتها لي، وشعرت بخفقان قلبي لسماع تلك القصة التي لا تشبه قصصنا حول الحب والزواج والأولاد؛ إنها قصة الحب لله وعشق الإيمان وإيجاد النفس والروح مع كلمات الله تعالى، قصة نرويها في الحياة وترافقنا بعد الحياة، قصة الإيمان هي القصة الوحيدة الأبدية والأزلية في وجودنا وما عداها ليس سوى سراب في صحراء شاسعة لا حدود لها، كل منا يركض وراء سرابه وننسى أن الواحة الوحيدة الحقيقية بهذه الصحراء هي من كنا مع الإيمان وماذا أخذنا منه وماذا فعلنا به وكيف وجدناه أو كيف أضعناه.

 

د. سناء ابو شرار

 

 

عبد الحسين شعبان"نحتاج إلى الفن حتى لا تميتنا الحقيقة"

نيتشه

يُعرف الشاعر من نبرته الأولى حين يغتسل بالضوء في خيال أصيل متسلّقاً الغيمة، ملتمساً قمراً وردياً بغواية عين مدربّة على النظر خارج حدود المألوف، حيث تُعزف عند جداول الرغبة الموسيقى بأصوات مرئية  ليشرئب النرجس والجمال في صهوة التشهّي والحضور.

"حين تنكرّ الموج ... لضحكات القوارب" هو عنوان مجموعة شعرية لحسن عبد الحميد طلب مني أن أكتب مقدمة لها ؛ ومع أننّي أعرفه فناناً وإعلامياً وناقداً ومختصاً بعلم النفس وكاتب قصص للأطفال، إلاّ أنني فوجئت به شاعراً ، له صوته الخاص مثلما لقصيدته رائحتها المتميّزة بلغتها المتوهجة مثل موجات البحر وموسيقاه، فاللغة ليست مجرد أداة حسب مارتن هايدغر، بل إنها ما يضمن "الموجود" في إطار الوجود بما تمتلكه من دلالة وتحقّق.

وكان آخر ما كتبه حسن عبد الحميد وأثار إنتباهي قصيدة إثر حادث انفجار المرفأ في 4 آب (أغسطس) 2020 والموسومة "آه ... بيروت"، حين تفجرّت لحظتها في داخله مشاعر حادة ، بل ينابيع دفّاقة من الألم والحزن، ذلك الذي يدفن الغبطة والرجاء، ويكفّن الكرامة والفرح، هذا الذي تطاير حتى غاب مع الأشلاء والثياب.

ولأنه إنسان حساس وشاعر تدهشه أي لفتة إنسانية فقد تأثر إلى حدود كبيرة يوم جاء إلى بيروت للدراسة في جامعة اللاّعنف، وكانت دهشته تكبر ساعةً بساعة، خصوصاً حين ارتبط بعلاقة حب معطّر مع بيروت غائصاً في تلابيبها باحثاً في حقل اللؤلؤ عن الجمال والسلام والأمل،في تلك المدينة التي ما أن تدخلها حتى تشعر بنثيثها اللذيذ وريحها الخفيفة المنعشة، التي عادة ما تسبق المطر وتفوح منها رائحة زكيّة تملأ الحارات والمقاهي والأمكنة والكتب .

وبالرغم مما عانته المدينة من استلاب معتّق، لكنها ظلّت بحروفها المنيرة تتهجّى قصائد الحب وتلوذ بالعشق وهو ما يظهر على الوجوه وفي الشفاه والكؤوس وما بين السطور، باستثنائية عجيبة.

بأبعاد روحية وأثر عقلي وانفعال حسّي كتب حسن عبد الحميد قصيدته البيروتية، تلك التي كان يريد فيها أن يؤاخي بين الجرح والحلم والبحر والبرق والبحر والغابة والبحر والجبل والبحر والتاريخ، في "أحلى مدن الله / حتى أضحى بَهاء الكون سكونْ" ، وبهذا الكبرياء والخشوع في آن ، أراد أن يعبّر عن هول الحقد " وما قدمت به نيران الشر/ وجلجلة  الطاغوت في إدانة للكراهية والقسوة وأدواتهما التي حرثت أرض الفجيعة والألم، لحجب الشمس والبحر "وصباحات أغاني ... فيروز " .

ليس ذلك سوى تبشيع ساخر من القدر اللعين حسب شكسبير ومن سخرية التاريخ وفقاً لماركس "بيروت/وجع الروح.../حين تنوح.../بنايات البوح/وتخطّ على جدران العالم، لبنان.../أبقى/ لبنان أبقى/ لبنان أبقى/ لبنان حيٌ ... لا يموت".

مثلما اهتزّت بيروت كانت القصيدة ترتعش بين أصابع حسن عبد الحميد، بل إن سبابته ارتفعت بوجه الريح تخاطب السفائن المهاجرة والمهجورة التي حاولت أن تفتح أشرعتها في بحر ملغوم أتعبه ضوضاء وهموم  وضباب موهوم.

وعلى الرغم من كل ما حصل فقد ظلّت بيروت التي لا يمكن إلاّ أن تُدخلك في تفاصيلها وتُشاركك في أحلامها، حين تهطل فيها السماء ورداً وعطراً، لتسقي فيه حدائق الروح وبساتين الأمل ، حيث الدروب مفتوحة إلى الشمس وأمواج البحر والحساسين الجميلة وأشجار البلوط واللوز والكستناء.

من لم يبكِ بيروت فلا قلب له ومن عاشها ولم يحبّها لا عقل له، تلك المدينة الأليفة التي تحتضن الغرباء والمثقفين والمتمردّين والصعاليك وترفع راية العز والإعتراض، التي لم تتعلّم إلاّ أن تقول "لا"، وكأن حسن عبد الحميد حين يبكي بيروت يريد أن يقتفي أثر الشاعر الإسباني الكبير لوركا الذي يقول "أنا الظل الهائل لدموعي" فبكى نفسه وبكى بيروت، البشر والشجر والحجر.

ولعلّ أغلب قصائد مجموعة حسن عبد الحميد تسير على هذا النسق من الرهان محاولة تعميد شجرة الذاكرة بماء المعرفة المتراصفة مع الوعي لتتخذ من الحدث مُرتكزاً في ترسلّه لاختراق خلجات الشاعر في قاعها وكينونتها وأفقها .

توزعت المجموعة إلى نصوص مكتوبة بين عامي 2016 ومنتصف 2020، وجاءت قصائدها  مسكونة بهواجس التشبّث بالحياة أمام جائحة كورونا "كوفيد - 19" حيث داهم الفايروس الغامض والمخيف البشر في كل مكان، وقد كتب معظمها في عنكاوا (إربيل) التي يقول عنها "إنها بلدة لها سطوة الحضور" وفيها نصوص مهداة إلى زها حديد ويتداخل فيها الشعر بالنثر برؤى صوفية أحياناً من بغداد إلى بيروت ومن بيروت إلى بغداد.

... لك ترجمان الشعر

يتمايل مطراً

... حين تفصحين

عمّا خبأت لؤلؤات الشوق

من بيروت ... إلى بوابة الدنيا

!!... بغداد

إن مجموعة حسن عبد الحميد "حين تنكّر الموج... لضحكات القوارب"  وقصيدة  "آه ... بيروت"  هي رسالة وفاء وحب إلى بيروت المدينة العصيّة التي ستنهض مثل طائر الفينيق من بين الرماد وحسب بابلو نيرودا "قد يقتلون الأزهار كلّها لكنهم لم يمنعوا حلول الربيع"، إنها كتابة بالروح، بل بالدم والقلب والعقل.

وقال لي بين النطق والصمت

برزخٌ فيه

قبر العقل

وفيه قبور الأشياء

حسبما يقول النِفري،ولعل حياتنا ستكون أكثر سقماً لولا الشعر، فهو النبع والرؤية والحلم.

 

مقدمة بقلم: عبد الحسين شعبان

مفكر وأديب وناقد

........................

* وقّع الشاعر مجموعته في احتفالية افتتاح صالون 15 الذي أسستهُ الشاعرة والإعلامية السورية نوال الحوار في بيروت (2-8-2021)

 

عبد العزيز ابوشيارللشاعر مصطفى ناجي


أهنئ صديقي الشاعر مصطفى نجي وردي على صدور باكورته الشعرية التي وسمها بعنوان : ومضات

والومضة الشعرية عبارة عن طلقات سريعة من مسدس الإبداع، فهل هي اختزال لقصيدة طويلة؟ أم هي مجرد عتبة لنص لم يتبلور بعد في ذاكرة الشاعر فاكتفى بسطور تترجم عزوفه عن الإسهاب والإطناب والإطالة ؟

أم تراها كتابة سجينة في عوالم ضيقة، يختارها المبدع عندما يمل الاستفاضة في نشر النص على مدى لغوي شاسع؟

الومضة الشعريّة لحظة أو مشهدٌ أو موقفٌ أو إحساس شعريّ خاطف يمّر في المخيلة أو الذّهن يصوغُهُ الشاعرُ بألفاظٍ قليلةٍ. و هي وسيلة من وسائل التجديد الشعري، أو شکل من أشکال الحداثة التي تحاول مجاراة العصر الحديث، معبرة عن هموم الشاعر و آلامه، مناسبة في شکلها مع مبدأ الاقتصاد الذي يحکم حياة العصر الحاضر. راجت الومضة في السبعينات من القرن العشرين و باتت تستقلّ بنفسها حتّی أصبحت شکلاً شعريّاً خاصّاً.و من أهم العوامل التي لعبت دوراً هاماً في نشأتها هي التحول الفکريّ و الفنيّ و متطلبات الحياة الجديدة و المؤثرات الأجنبية. کان للشاعر الفلسطيني عز الدين لمناصرة قصب السبق في تأسيس هذا النمط الشعريّ و من روّادها بعده، أحمد مطر، مظفر النواب، وتتسم الومضة بالسمات العامّة للقصيدة الحديثة، منها: التفرد و الخصوصية، الترکيب، الوحدة العضوية، و الإيحاء و عدم المباشرة و تنفرد بالاقتصاد في الايقاع و الصورة و اللغة و الفکرة والومضة الشعرية و إن تأثرت بمؤثرات في الأدب الأوروبي ولکن ليست نسخة من الشعر الياباني أو الإنجليزي بل هي إحياء أو إعادة صياغة لما نعرفه في الشعر العربي القديم من المقطعات و امتزجت فيها الخصائص التراثية و العالمية.

لن نخوض غمار التعريف بالومضة ، والتساؤلات العالقة التي تتشابك خيوطها كلما تم تناولها، بل سنقف عند شاعر عرف كيف يرتدي فصول الذات وهو يصغي لقلق الوجود بارتباطه بجمال الحرف، حيث كسر دائرة القصيدة من خلال ومضات شعرية تتوخى مواطن الجمال، هو روح شعرية شاعرية  كشفت عن بوحها بعد سنين من الكتمان  روح تحلم  بالسعادة  بوطن يسوده الوصل بالأحباب يشكو الرحيل والبعد  ومصطفى نجي يجلس على شرفة الشعر يشكو الضياع ضياع إنسانية الإنسان في عالم متوحش لا يؤمن إلا بالقوة والمادة يقول في قصيدة : ضاعت اوراق اعتمادي :

"ضاعت مني ولم أدر كيف ضاعت سألت الضياع عن الضياع كيف أضع شكواي تبسم قهقهة ثم ضاع تساءلت : عجبا كيف أضع شكايتي ونزيف بداخلي يحاصرني يوجع ألمي يجفف حنجرتي فأضيع بين الضياع"

كما أن تيمة الضياع تتكرر عنده في قصيدة حينما يأتي المساء يقول :

حينما يعبر الصمت خيمتنا وينبح الكلاب حول ثروتنا ننام ونستفيق ونصفق للخطاطيف ونتزلف تزلف العاشقين وقت الخريف تنهد خيمتنا ونضيع

والقصيدة الإنسانية عند شاعرنا مصطفى نجي والتي تنثر عطر حرفها هنا وهناك، 

 قصائد كفها نهر شعري يتدفق بتوهج غريب يستوطن أرض الشوق والحنين, وأنت تقرأ ومضاته المركزة، تخالك تتنزه وسط حديقة غناء  تمشي وسطها  مستمتعا بظلالها الوارفة ظلال الرقة وفيض العاطفة وحين يشكو الرحيل والمعاناة من ألم الفراق فهو يستحضر وقت .المساء ذلك الوقت الذي يعود الروح إلى سكونها وحنينها ويشتد شوقها كما اشتد شوق محمد الحياني في راحلة وشوق  فيروز بل جبران خليل جبران في قصيدة سكن الليل يقول الشاعر مصطفى نجي :

"سكن الليل وامتد جرحي أرقا وتراقص في عيوني السفر فلا ترحل ياحبيبي هذا المساء وتتركني والليل أناجي السماء ففاقك عذاب ..."

فبين الكتابة وبين الشاعر الرائع حرف هو بمثابة حبل سُرِّي موشوم بالألوان القزحية، فيها تختزل هويته، ومنها تتمدد إنسانيته، إنها هوية بملامح متعددة ذات مجرى يفيض بالألوان وخيوط العاطفة الجياشة .

فكيف تصير القصيدة القصيرة الومضة الحسناء  الملامح  فضاء للعذوبة حيث لا نلمس غير قلب هائم بسمات بالجمال هامس بزهور الشوق  رغم رنات الحزن التي تتصاعد أحيانا من ثنايا قصائده موسيقاها عبر جداره الشعري؟

لم يجد الشاعر ليعبر عن ذاته سوى بالشعر , فهو تنفيس , وهو عملية تطهير ذاتي تعيد العواطف إلى نصابها وبفضله يتخلص الانسان من طابو المكان والزمان وتستسلم العقول والقلوب وتتلاقى في حب وسلام وبهذا يستعيد شاعرنا توازنه العاطفي ويتخلص من الإحتقان الداخلي الذي ينبض في الروح وبالشعر وحده تحاذي الإنكسار والحيلولة دون الإنهيار فهذه الأشواق  وهذا الحب النابض في شعره ويتحايل على القواعد , وشاعرنا يصرخ صرخته الصامتة , فالشعر ملهمه الأول وجسره بإتجاه التمرد على القيود وهو يخيط الشعر في محراب القصيدة شاعر مرهف الإحساس بفكرة الحب , وتشيّد طريقها في محراب الحب كطريقة الصوفيين في العبادة , ويغني للحبيب ويتلذذ بالعذاب وهو يصرح في قصيدة دمعة حب وعشق قائلا :

العشق لب الكائنات على الدوام ولكي لا يكون العشق تاما إلا بإيلام في لغة شاعرية محلقة مصطفاه من أبجديات الروح العاشقة للجمال  وهو الذي كان بالبدء , ينشد حروفه لحن السكون ويضيىء قلوب الحزانى ويراقص النجوم يتغزل بالقمر وينثر الشعر بضوع الورود ويشدو الألحان كتغريدة الطيور ويستلقي مع الحبيب على بساط الشوق بكل الجنون , ينشد الحلم ويطرد الحزن وينسج من خيوط الشمس جداول ماء على خدود الانهار ويرسم بريشة فنان همسات الندى ولحن القلوب

وأشير إلى أن  الديوان ومضات فيه فيض من وجدانياته وفيه من العذوبة والسلاسة وعمق المعنى ما يجذب القارئ إلى التفاعل معه مبنى ومعنى.. ومعظم قصائد الديوان وجدانية وجاذبة (إبداعاً وفناً)

وإلى جانب هذا فهو لم ينس أرضه ومهد طفولته مكناس الجميلة فلم يطلب الضيافة على غرار الزجال سيدي قدور العلمي لأنه منها ويشده الحنين الدائم إليها يقول فيها :

مكناس يا جبل الماس يا موطن دفء الإحساس ويا جميلا به وفيك الناس ويا قارورة شذى كل الناس ويا جلبابا يحلو به الاستئناس ص62.....الخ

وفي اعتقادي أن الشاعر مصطفى نجي الفنان الذي يجسد الأشياء ويحولها بخيوطه إلى مجسمات طافحة بالجمال قادر على الاستمرار في الكتابة الشعرية ولئن كان يكتب ويمزق ما كان يكتبه إبان مرحلة الإعدادي فإنه اليوم سيكتب وينشر ما تخطه يمينه من درر الكلام وجميل الأشعار في مقبلات الأيام وهو نفسه يصرح في قصيدته : دعني بأنه ماض في طريق الكتابة قائلا :

دعني يا صديقي أصفف الكلم منمقا في عقد قصيدة وأمزق ما كتب في الهوى وأطوح بدساتير العشق لأجلك

وأنا على يقين بأنه سيكون موفقا في هذه المهمة غير السهلة قادرا على صياغة أجمل القصائد لأنه يمتلك ناصية اللغة العربية ممتطيا جناحي الجمال والخيال والله المستعان.

 

 تقديم الشاعر عبد العزيز أبو شيار

 

علي الجنابيدِلدِلُ، نَملةٌ مُمتَلِئةُ القوامِ، وحاضِرةُ الحُجَّةِ وذَكيّةُ،

قَرَصَتْ بَطنَ قَدَمي الطّريّة، فَجَعَلَتني أستفيقُ من رِحلَةِ في عوالَمِ غَيبٍ صَفيّةٍ وَفيّة، فعادَتْ بي إلى وَحلةِ عوالَمِ شهادةٍ شَقيّةٍ شَكيَّة.

وفي عَالَمِ الشَّهادةِ تَبدو النّفوسُ وكأَّنَّها

في كارها سَعْيَّةٌ سَبْيَّةٌ، فَتراها تَبيعُ وتَستَبيحُ بَسماتٍ منِ كَذِبٍ لأجلِ لقمةٍ من عَيشٍ هَنيّة.

وفي دّارِها سَوْيَّةٌ سَخْيَّةٌ، فتراها تَستَريحُ وتَذيعُ بسماتٍ من إرثٍ عَذِبٍ من أولي بَقيّة. أمَا وأنَّهُ أولى وأولى لبَسَماتِ الكَذِبِ تيكَ، ثمَّ أولى لها أن تكونَ على الشَّفتَينِ عَصيّةً، وأن تَحبسَ بَسَماتِ كَذبٍ زَرْيّةً رَزِيَّةٌ، وأن تَلبسَ بُردَةَ بَسَماتٍ مُوَحَّدةً، في كارِها كما في دارها، مزخَرَفةً برسماتٍ وَردِيّة ورَوِيّة، وآنئذٍ ستَبيتُ النفوسُ زَكيَّةً زَهيَّةً وبَهيّة.

لكأنَّي ب”دِلدِلَ” نَملةٌ مأمُورةٌ بحِراسةِ عوالَمِ الغَيبِ، وبهِا كانَت حَفيّةً؟ أو أنَّها مَبعوثةٌ من حَرَسِ الأبوابِ بِرِسالَةِ تحذيرٍ مُبَيِّنةٍ وجَليّة:

“إبتعدْ وإلّا ستَرتَعِد بشُهُبٍ حارِقةٍ غيرِ خَفيّة، من رَاصَدٍ نِبالُهُ لرَميتِهِ وَفِيّة”.

رَفَعْتُ النّملةُ “دِلْدِل” بينَ سبابةٍ وأبهامي بِأفَفٍ وإنفعالِ، بأنَّها قَطَّعَتْ أوصالَ خيالي، وصَرخْتُ بها مُهدِّداً بوعيدٍ زائفٍ وأحتيالي:

– أنّى لكائِنٍ مِثلكِ سَخيفٍ نَحيفٍ وبلا أمصالِ، أن يَتعاطى العُدوان بالأفعالِ! فلَأَتَرَفَّهَنَّ بتعذيبِكِ، ولَأَتَفَكَّهَنَّ بِتأديبِكِ، الآن وبإذلالِ، إمّا حَرقاً بسَعيرِ سِيجارتي على إستِعجال، أو خَنقاً بعَسيرِ دُخانِها على إستِمهال. لاغُفرانَ لكَ اليومَ، وإنّما العَفوُ عندي مُحالٌ ومن ضروبِ الخَيال.

-لن تَتَجَرَّأَ فعلَ ذلكَ، ولن أسمحَ بهِ أيُّها الغَضوبُ بإفتِعال؟

– ويحكِ! أهيَ مُناجَزةٌ؟ أَنملةٌ وتُناجِزُ بأنَفَةٍ وعنفوان، حِيالي!

-ليسَ مُناجَزةً يا رَجُل! فعُرْفُنا ماعَرَفَ المُناجَزةَ على مَدى الأَنْسَالِ. قد تَخَلِّينا عنها لبني جِنسِكم مِن كبارٍ ومِن أطفال. بلْ قلْ: هوَ دفاعٌ وحقٌّ لي مصان في كاملِ الأحوال، هذا إن كنتَ تَدري ما الميزانُ، ولاتفتري على المِكيال؟ ثُمَّ إسمعْ: إنَّ العنفوانَ لو كانَ رهينَ فخامةِ الجُثْمانِ في الأجيالِ ، لكانَ   المَهينُ “عنبسة” الفيلُ سَيّدَاً على الأوطانِ بإجلال، ولتأنَّفَ بخرطومِهِ عالياً يُطالبُ بالخَرَاجِ مِن السّحابِ الثِّقال؟

نحنُ -يا أنتَ- أمَمٌ أمثالُكُم مُنبَثِّين في بقاعٍ وأصقاعٍ وبإستقلال؟ أوَما علِمتَ أنَّ النّملَ نَمْلَى في حِلٍّ وترحال، فترانا نَسعى فنَرعى بإبتهال، فَنَعرِشُ في ذُرىً لجبالِ، كما نَفرِشُ في قُرىً لأطلال، ونَغتَمُّ ولانهتَمُّ ولا نبالي، ونَتضاحَكُ ولانتَعاركُ ولا نُغالي. نحنُ أمّةٌ تَكِرُّ على مَن إعتَدى، ولا تَفِرُّ من الرَّدى في نهارٍ ولا في ليالي.

– آه، مِن فَمِكِ أدينكِ، وقد أُلْتِ بسوءِ مَآل:

” أمّةٌ تَكِرُّ على من إعتدى، ولا تَفِرُّ من الردى”،وذلكَ خيرُ ماهُديتِ من قيلٍ وقال، فأيُّنا هُنا – ياأختَ عنبَسةَ- مَن إعتّدى ومَن بَدَأَ بالقتال؟

– أنتَ مَنِ أعتَدى، وإن غُمَّ عَليكَ هِلالُ الحقِّ، ولَكَ ما بَدَا بإستدلال! يا أخا الهَندَسَةِ، وليتَكَ كنتَ فتىً عِندَ عالِمِ النحو عنبسة، وأَخَالَكَ أنّكَ لاتَفهَمُ ماخطوطُ الهَندَسَةِ، وتَجهَمُ حَتَّى لمافي كُتُبِها من فهرَسَة، ولا تنهَمُ منها سِوى البَسْبَسَة، وما أنتَ بِقادرٍ على رَسمِ حَتَّى خُنْفُسَة، فَدَعْكَ -ياذا سيجارةٍ- مِن الغَطرَسةِ، وبئِسَ الكُليّاتُ كُليَات الهَندَسَة، وسُحقاً لها من جامِعةٍ علّمتكم، وتبّاً لها مِن مَدرَسَة. فقد مَضى قرنٌ أو يزيد على تأسِيسِ علمِ الهَندَسَة في دياركم دِيارِ الهَلْوَسَة، ومَا بَنَيتُمُ ناطِحَةً ولا جِسراً ولا بُرجاً وما صنعتم حَتَّى كابِسَةً أو مَكنَسَة!

بل ما جَنَيْتُمْ إلّا خَلْطَ طلّابِ الهَندَسَةِ، فكانَ (الوَلدُ في الصَّفِّ جَنبَ الآنِسَة)، ثمَّ كانَ عاقبتُكم..

أن أضحى البنيانُ خَائِراً فَاسِداً ، وأصبحَ الولدُ بائراً كَاسِداً، والآنسةُ أمسَتْ معَنِّسَة! وباتَتِ الهلوَسَةِ هيَ عندكم المَرهَمُ للهّمِّ والوسوسة! ولن ينفعَ مَرهَمٌ، إن مَرَّ هَمٌّ ومَرَّ هَمٌّ دونَ مَرهَمِ.

– ذَرِي أمرَ الهَندَسَةِ جانباً الآن ياآنسة عَنبَسة، فلن أنزَلقَ لما تَبغينَ للأمرِ من (أبلَسةٍ).

أفَقَرَصتُكِ أنا من بَطنِ قَدَمِكِ، يا أيَّتُها السُوسَةً المُتَسَوِّسة! ثمَّ مهلاً: ألِقدمِكِ بطنٌ ظاهرةٌ أو حتى مُغَمَّسة؟ بل أنتم لابطونَ لكمُ و لاظهورَ، لامُستَقيمةً ولامُقَوَّسة. رُبَما إستَحوَذَت على فسحتِها عيونكمُ المُخَمَّسة، فعلامَ إذاً تلامُ البَطن بذي غَطرَسة!

لعلَّكم سُلالةُ عناكبٍ مُنْطَمِسة، طُمسِتْ في غابرِ حقبةٍ لزَمَن مُنْدَرِسة، الى أفواجٍ من هَوامٍ مُتَكَدِّسَة،وفي القَذَارَة مُنْحَبِسة، ومن روائحِها باتَت أبدانُها مُتَنَمِّلَةً ومُتَكلِّسة، ومنها جاءَت تَسمِيةُ ” النَّملُ” مُنْبَجِسة؟

– أحذِّرُكَ يا صَلصالَ طينةٍ مُتَنَفِسة، تَحُـكُّ جَرَبَها وبحَكِّها تراها مُستَأنِسة، فذَر الْحَـكَّ كيلا تكونَ أردافُ (الإِسْتِ) للحَكِّ مُتَحَمِّسَة. وحِذاريَ مِن سخريةٍ سفيهةٍ سمِجةً مجَّةٌ مُبْتَئِسة، لاتَليقُ بِسَحنَةٍ فيِكَ تبدو ليَ سَحنَةً و..ودُودةً ومُؤتَلَفَة، وللمعروفِ مُتَحَسِّسَة.

– حسناً، إنَّ النَّملةَ تُهدِد! هَباءَةٌ هلاميةٌ كادَت أن تُصنفُ في السِجلِّ بكائناتٍ مِجهريةِ! تُحَذِرُ الخليفةَ في الأرضِ ذا الكَعبِ العليّة! الذي وَضَعَ حَروفاً صُوريّة فَمِسمارِية، وأتقنَ الحرثَ والصُنعَ وحفظَ الحروفَ الأبجَديّة.

أنَسيتِ أنّي أنا أول مَن نَفَعَ الأناسيّ بمَسَلّةٍ بابليّة!

(كان ذاك صفحةً من مسودة الجزء الأول من كتابٍ لي يبحثُ عن دار نشرٍ لطباعتهِ متحمّسة ومؤطر عنوانه :

(حواري مع صديقتي النّملة).

 

علي الجنابي - بغداد

 

عبد السلام دخانافكر في مصيرنا المأساوي بعد فقدان الحرية، وخضوعنا القسري للحجر الصحي، وترويضنا على نحو مقرف. أفكر في شكل سبارتاكوس وهو يقود ثورته الجديدة؛ ويحرر عبيد العوالم الرقمية، افكر في اللصوص اصحاب ربطات العنق الأنيقة، أفكر في الرفاق القدامى، وفي "الماركسية" بعد ان خدعتها الامبرالية المتوحشة، افكر في أسرار التلقيح الهجين، وفوبيا الحياة الملتبسة، أفكر في الأحبة الذين فقدناهم غيلة، افكر في قصيدة "الجُلَّنَارُ"، وغراب" إدغار آلان بو"، افكر في مصائر "نساء" قصص عادل البدوي، افكر في رقصة زوربا تَيَّمنَا بعرس محمد جعنين. أفكر في ملاحم البابليين في اللوحات التشكيلية لفائق العبودي، أفكر في القرار الأممي رقم 194؛ وحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم، أفكر في نبوءة جورج أوريل "1984"، وفقدان الحرية والخصوصية، ومراقبة حكومة "الحقيقة" لكل خطواتنا، افكر في وزارة الحب، والغرفة101، افكر في العنيد "رازوميخين"، ومكر و هشاشة الإنسان تبعا لرؤية الحكيم دوستويفسكي في رائعته" الجريمة والعقاب".

الشعور بالانتماء إلى هذه الأرض شبيه بشعور "جاك" بالانتماء إلى قمر "باندورا"، الذي تسكنه كائنات" نافي" الزرقاء في Avator تحفة جيمس كاميرون، بيد ان " جاك" الشبيه ب" تشي غيفارا" لا نظير له في هذه الأرض المحاصرة بالجائحة، ومتاريس الحظر، والإيدولوجيات الناعمة، افكر في الصراع الحتمي من اجل الماء الشبيه بالماء القاتل لفرجينيا وولف. أفكر في سنابل برج الأسد، في رسائل فدوى طوقان، في وصايا همنغواي، في شاطئ "الراس الأسود"، في خطب الحجاج بن يوسف الثقفي، في الكتب المدرسية الجديدة، في أجلاف محاكم التفتيش، في التباسات الأحزاب، في مشهد انتحار يوكيو ميشيما، في سارق النار، في مقايضة الحياة بالوهم. أفكر في ان ادخل إلى قلبي البحر، الأشجار، الورود، الجزر البعيدة، نباتات اعالي الجبال، أغاني البسطاء، محكيات كازانوفا، وصايا العشاق، مخطوطات المتصوفة، اغنية سهر الليالي لفيروز، موسيقى جون لينين، سرديات صعاليك " باب الواد"، نبوءة زرقاء اليمامة، ألوان بيكاسو، اشعار ولادة بنت المستكفي،ك افكر في عطر Bleu De Chanel الخرافي، افكر في المجازفة من جديد والقفز من صخرة الموت.

 

د. عبد السلام دخان

عمار عبدالكريم البغداديهل تعلمين ياشهرزاد أننا حينما نبتسم بصدق تنشرح لنا الصدور بلا إستئذان، فالإبتسامة مفاتيح سحرية لا يستعصي عليها قلب متقلب او قاسٍ، إنها كاجنحة نورانية تظلل الأرواح في لحظات صفاء  نادرة ".

- كأنك تعتقد أن للابتسامة إكسيرا سحريا يسير بين مسامات القلوب القاسية ويداعب نبضها كما يفعل مع الطيبين؟ .

شهريار: تحدثنا فيما سبق عن أثر تلك الابتسامة على السادي البيروقراطي، وكيف أن الإبتسامة الصادقة أشعرته بأهميته وكيانه في لحظات حاسمة، تلك الأبتسامة تفعل فعلها بلا منازع، وتجول في خاطر القساة بعفوية غريبة، لها تلين القلوب، وبها تسعد الارواح، إنها رسالة سلام يحتاج اليها القوي والضعيف، واللعوب والشريف،هي أقرب للقلوب من سواها، نحن نبتسم بصدق حينما نمتلك إرادة حب الحياة، والثقة بإمكانية التأثير على الجميع بدون استثناء .

دعيني أقص عليك مارواه الكاتب الفرنسي (انطوان دو سانت اكسوبري) عن نفسه من أحداث جرت أبّان الحرب الإسبانية الأهلية التي تطوع فيها الكاتب ضد الفاشيين الإسبان .

يقول أكسوبري: (أُخِذتُ أسيرا أثناء الحرب،  ووضعت في زنزانة المحكوم عليهم بالإعدام، وكانت نظرة الإزدراء والمعاملة القاسية التي تلقيتها، كلها تدل على أن الحكم سينفذ في اليوم التالي .

ولما حل المساء داهمني من البؤس والقلق مالم أعرفه في حياتي .. ادخلت يدي المرتجفتين في جيوبي بحثا عن سيجارة قد يكون  جنود العدو تركوها خطأً أثناء تفتيشهم ثيابي، فوجدت بالفعل سيجارة واحدة إستطعت بصعوبة إيصالها لشفتَي، لكنني لم أعثر على عود ثقاب، فقد أُخِذتْ علبة الكبريت من جيبي .

وتطلعت من خلال قضبان قفصي بالسجن الى الجندي المكلف بحراستي، وكنّا وحدنا في الزنزانة.. لكن الجندي لم يبادلني النظرات   ولِمَ يفعل ذلك وانا بالنسبة اليه بمثابة جثة لاحياة فيها ؟ .. ناديته:"هل لديك وسيلة إشعال رجاءً"، فألقى نظرة عليَّ، وهز كتفيه بلا مبالاة، ثم مشى نحوي ليشعل سيجارتي .

وفي أثناء إشعاله عود الثقاب وهو قريب مني إلتقت عيناه بعيني من دون قصد .. في تلك اللحظة إبتسمتُ، لا أدري لماذا فعلتُ ذلك .. على المرء أن يبتسم إذا كان قريبا جدا من شخص آخر .. وما أنْ إبتسمتُ حتى شعرت وكأن شرارة إنطلقت لتفلق الفجوة بين قلبي وقلب هذا الجندي، وتجمع بين روحينا، وجدته يبادلني إبتسامة بابتسامة، مع إني واثق أن ذلك لم يكن في نيته، لقد فعلت إبتسامتي فعلها عبر قضبان السجن مع ماكان بيني وبين حارسي الجندي من حالة عداء.

إستمررت في الإبتسام وكأني صرت أتطلع الى الجندي على أنه إنسان مثلي، لامجرد حارس سجن، ويبدو أن نظرته المبتسمة إليّ  كان لها البعد والتأثير نفسه عليه .

سالني: هل لديك أطفال؟.

قلت: نعم .. نعم هنالك.. أخرجت محفظة جيبي بارتباك لأطلعه على صورة عائلتي،  فما كان منه إلا أن أخرج محفظة جيبه كذلك ليرني صور أطفاله، وأخذ يحدثني عن مشاريعه وآماله المعقودة حولهم، ووجدتُ عيني تمتلئان بالدموع وأنا أخبره عن مخاوفي بأنني لن أرى عائلتي بعد ذلك اليوم، وأنه لن يتاح لي مشاهدة أطفالي وهم يكبرون، وإذا بالدموع تتساقط من عينيه كذلك، وفجأة وبدون أن ينبس ببنت شفة، فتح حارسي قفل السجن، وأخرجني بهدوء من الغرفة ومن المبنى .. ثم قادني عبر الأزقة الفرعية الى خارج البلدة، حيث تركني وعاد أدراجه الى معسكره .. لقد أنقذت حياتي إبتسامة)  .

نعم يا شهرزاد تلك الإبتسامة أنقذت حياة أكسوبري، هو لا يعرف لماذا ابتسم حينما التقت عيناه بعيني الحارس، لكنني على يقين بأنه كان يمتلك إرادة الحياة برغم أن ساعات قليلة تفصله عن المشنقة .. سحر تلك الإبتسامة أوجد لغة مشتركة بين السجين والسجان فكان ما كان . 

 

بقلم : عمار عبد الكريم البغدادي

.........................................

* من وحي شهريار وشهرزاد (21)

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

 

عقيل العبودأعجبني البحث في عالم الطيور، والنحل، وجميع الكائنات الحية بما في ذلك مملكة الحيوان، ما دعاني لأن اذهب بعيدا بحثا عما يسمونه نظام المعايشة والتآلف.

فالحيوانات بحسب اصنافها تتعايش مع بعضها البعض، تتقاسم الطعام وتشترك في مزايا الامومة، والابوة، والبنوة، هذا بالاضافة الى دفاع هذا الصنف وذاك عن جماعته في حالة وجود خطر ما.

وبالمقارنة مع الانسان رغم فارق القياس، نرى ان البشر يقتل بعضه بعضا بهذه الطريقة، وتلك من التوحش، هذا طبعا بعيدا عن الغور في ملابسات التفاصيل الخاصة بالاحداث.

والعراق هو الانموذج الذي يمكن لنا ان نستقرئ من خلاله المتواليات الهندسية للاحداث، لعلنا ندرك مقاسات وانماط هذا النوع، اوذاك من التفكير.

وآلة العقل هي من يمنح فرصة البحث عن ايجاد لغة الالفة، والمحبة مع الآخرين.

وهذا مفيد في الكشف عن آليات تشغيل هذا العقل فالبشر لم يلد ليقتل، بل ولد ليحيا بعيدا عن آفة العنف، اوليحصن نفسه من الكراهية.

والعقل هنا نتاج للدماغ الذي هو مصنع هذا العقل وحركة العقل تفيد في تحييد آلية الواقع المادي وتطبيعه لتلبية حاجيات الكائن المادية، والمعنوية.

والحاجيات المعنوية هنا تعني فهم المعنى الحسي والقيمي للفرد بدلالة فهم حقوقه الانسانية؛

فهو الكيان الذي به تتحقق الغايات الاسمى التي يتبناها المجتمع، فالطبيب، والمهندس، وعامل البناء، والفلاح وغيره  مفردات اساسية للبناء والاستقرار.

ومهمات هذه المهن هو تحقيق  الشطر الأكبر والمنافع الخاصة بالوجود الانساني.

والفكرة اننا امام مبدأ خلق هذا العقل من حيث طريقة التفكير، ولغة الوجود، فاللغة بها تتنوع الافكار وتنمو.

والتفكير به يمكن لهذا الكائن، اوذاك ان يفهم حقيقة وجوده بما ينسجم وفطرته الخلقية والاخلاقية.

والأس الحقيقي لهذا الوجود هو تنمية العقل، عن طريق إنشاء مؤسسات تعليمية تثقيفية، ومنابر تنويرية لتطبيع العقول، والافكار على المحبة والالفة، بعيدا عن القتل والجريمة والاختطاف؛ وذلك اسوة بمملكة الحيوان.

 

عقيل العبود

سان دييغو/ كاليفورنيا

 

 

 

نبيل عرابيلأوّل مرّة في حياتي، ومذ أصبحتُ مولعاً بالمطالعة، شعرت بحزنٍ شديدٍ وأنا أقرأ الصفحات الأخيرة من كتاب، بذلت قصارى جهدي كي أؤخّر الإنتهاء منه.

ما سبب ردة فعلي هذه؟ ولأي داعٍ هذا الحزن؟ فكلّ مَن يتناول كتاباً، وينوي الخوض في مضمونه، لا بدّ وأنّه سيصل إلى نهايته، بغض النظر عن أيّ انطباع تركه في نفسه، أو درجة التقييم التي نالها المؤلَّف والمؤلِّف من قِبَل القارىء.

وإذا أردتُ ترتيب الأولويات التي دفعتني لأن أخُطَّ هذه الأسطر، فسأبدأ من عملية تصنيف الكتاب، مستشهداً بشيء مما أوردهُ المترجم، نقلاً عن الروسية، في تقديمه:

"في البداية علينا أن نشير إلى أنّ الكتاب يصعُبُ تصنيفه، فهو يضمُّ ألواناً من الكتابة الروائية والقصصية والسيرة الذاتية، والدراسة النفسية والعلمية... هو كتاب عصيّ عن التصنيف".

إذا كان التصنيف صعباً إلى هذا الحدّ، فما بالُنا بما يحويه بين دفتيه..!

وحول هذه النقطة، يشير المترجم إلى أنه:

"على الرغم من مرور أعوام طويلة على صدور هذا الكتاب، وما توصّل إليه العلم، فإنّ قيمة الكتاب الفنّيّة لا تزال مبهرة"

ويضيف في المضمار عينه، دعماً لوجهة نظره:

"لقد كلّف هذا الكتاب صاحبه الكثير والكثير، فسنعرف من مقدمته ظروف كتابته والتضحية التي بذلها من أجل إتمامه"

وبالإنتقال إلى التمهيد الذي بدأ فيه المؤلّف، فهو يصرّح قائلاً:

"طوال ما يقرب من عشرة أعوام كنتُ أجمعُ مادّة هذا الكتاب الجديد، وانتظرتُ أن أحظى بعامٍ هادىء أستطيع فيه الجلوس إلى مكتبي بهدوء وأنهمك في الكتابة. لكن ذلك لم يحدث".

ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل تعدّاه إلى النقيض تماماً، حيث يتابع كلامه:

"سقطت القنابل الألمانية مرّتين بالقرب من أغراضي، غطّت بقايا الجير والطوب الحقيبة التي تحوي أوراقي، بل إنّ النيران اضطرمت بالفعل في الحقيبة، حتى إني أتساءل متعجباً: كيف نجت الأوراق؟".

وتكرّ سبحة السرد المتلوّن بالمواقف والأحداث والتحليل، لتطال أحياناً جوانب وتفاصيل لا يتوقّع القارىء أنها ستسهم بشكلٍ أو بآخر، في إيضاح الصورة المطلوبة، عبر تشابك مُتّبَع بحِرَفيّة لنسج الخيوط الرفيعة والدقيقة، وصولاً إلى إبراز أقصى ما يُمكن من ملامح لوحة الهدف المنشود مِن وضع هذا العمل بين أيدينا.

وهذا – وبدون أدنى شك أو أيّ أخذٍ ورد – يعني أنّ مشاركة الكاتب مِن قِبَل أيّ فردٍ منا في رحلته تتطلّب تأنّياً واعياً، وحذراً إيجابياً في كلّ خطوة يخطوها قُدُماً. وبالتأكيد فإنّ التشويق والإثارة هما عنصران متوافران، لكن الدقة في توصيف الجزيئيّات لاستنباط التداخل المعقّد لدورها، تفرضُ علينا بلُطفٍ التمهُّل والتوقُّف لمرّاتٍ عديدة عندها، مما قد يدفع بالنّاهل – برأيي- لأن ينصح مَن يعرف من المثقّفين النَّهمين بالسّفر على متن ما يُقارب الأربعماية صفحة، أو أنه سيتعامل مع الأمر بحرص يُشبه الأنانية، فيقرر تكرار الرحلة من جديد، بحثاً عمّا لم يكتشفه في الرحلة الأولى.

وفي الفصل الأخير، يوردُ الأديب في بدايته عبارات عفوية، يودّع فيها القارىء بأسلوبه الخاص فيقول:

"ها هو كتابي يقترب من نهايته. ماذا تبقى لي لأقوله؟ لقد قلت الكثير".

وأجدُني الآن مُلزماً بابراز هوية هذا الكتاب، الذي أثار إعجابي وشدّ اهتمامي إليه، وأوصلني في نهاية المطاف لأن أُخبرَ مَن يهمّه الأمر عنه:

عنوان الكتاب: قبل شروق الشمس.

تأليف: ميخائيل زوشينكو.

ترجمة: يوسف نبيل بساليوس.

مراجعة: د. ناصر محمد الكندري.

إصدار: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب / الكويت، ضمن سلسلة إبداعات عالمية، ابريل / نيسان 2020 ، الكتاب رقم 436.

 

نبيل عرابي

 

 

ناجي ظاهرتجربة شخصية

سؤال طالما طرحته على نفسي، اكثر من خمسين عاما هي مدة معاقرتي للكلام، وأنا اطرح هذا السؤال، في البداية كنت اطرحه على نفسي، أما فيما بعد، بعد أن بت واحدًا من كتاب القصة وصدرت لي مجموعات قصصية عديدة، تضمن بعضها قصصًا بات يدرس ضمن المنهاج التدريسي حيث أقيم، في بلادي، فقد بات آخرون يطرحون هذا السؤال.

في كل مكان اذهب إليه تقريبًا يطرح علي مثل هذا السؤال، لا سيما من قبل الطلاب الذين أقوم بتعليمهم الكتابة الإبداعية في مجال كتابة القصة.

فكيف تكتب القصة؟ وماذا عليك أن تفعل كي تتمكن من كتابة قصة تلقى القبول وتحظى باهتمام القراء؟ وماذا يطلب منك كي تنضم إلى نادي كتاب القصة؟

أجيب بداية، أن حال كاتب القصة نادرًا ما يختلف عن حال سواه من كتاب القصة، المجلين في مجالها، فهو إنسان حساس، يمتلك درجة عالية جدًا من الحساسية، يعمل أربعًا وعشرين ساعة في اليوم، كما يقول الكاتب دي فوتو في كتابه الآسر عن " عالم القصة"، ويجسد حساسية دائمة الاشتعال ومتميزة تجاه الواقع، كما يري فرانك اوكونور في كتابه الهام في مجال الفن القصصي" الصوت المنفرد".

هذا الانشغال المتواصل وهذه الحساسية المتميزة، تدفعان بصاحبهما، لان ينشغل بكل ما يحيط به، فتراه يتوقف منشغلًا بالمرأة المسنة الذي رآها وقد استقلت باص الساعة السابعة المسافر من مدينته الناصرة إلى المدينة القريبة حيفا، ويرى ما وضعته على وجهها من أصباغ وعطور لا يمكن لعطار أن يعيد إليه بهاءً كان، فيقول لسان حاله إن العطار لا يصلح ما أفسده الدهر، وقد ينشغل بهذه المرأة المسنة، وينساها ثم يعود إليها ليتذكرها مجددًا، فإذا ما بقيت، انتابه إحساس، مثل ذاك الذي انتاب الكاتب العربي المصري يوسف إدريس، بقيمة ما وقعت عينه عليه من إيحاءات، أما إذا نسيها، فانه يتأكد من أنها لا تستحق عناء التذكر وينساها إلى لا رجعة إليها، آملا في قدحةٍ أخرى، يبعثها" سقط زند" آخر على طريقة أبي العلاء المعري.

إلحاح هذه المسنة قد يدفع الكاتب مع مضي الوقت، لأن يوغل في عالم متخيل لتلك المرأة، فهي مسنة، إذن هي عاشت في زمن النضال الفلسطيني، في عام النكبة الفلسطينية، أما سبب سفرتها تلك فلا بد من أن يكمن وراءها سر، فما هو؟ انه خبر غريب مذهل تلقته تلك المرأة، على حين غرة، من محبوب لها كان مقاتلًا إبان الفترة المشار إليها، ذاك المحبوب كتب إليها ما مفاده، انه أقام منذ عام النكبة في حيفا متشبثًا بأرض الوطن، وانه لم يتصل بها منذ ذلك الوقت لسبب بسيط هو انه لم يشأ أن يكون سببًا للتنغيص عليها وعلى حياتها الشخصية مع زوجها!! أما دافع كتابته لها، فانه يكمن في سبب لا يقل أهمية عن ذاك الذي جمع بينهما أيام فلسطين، هذا الدافع يتمثل في انه بات يشعر بان أيامه قليلة على هذه الأرض، وانه يريد أن يراها في لحظاته الأخيرة.

تلك المرأة، وقد باتت واضحة المعالم وأطلق عليها خالقها مجددًا اسم كلاريس، حملت نفسها يوم الأحد، وانطلقت في باص الساعة السابعة إلى حيفا، بيدها عنوان ذاك الرجل الذي كان، على أمل أن تلتقي به ولو في لحظاته الأخيرة، لقد بات واضحًا أن تلك المرأة إنما تزينت واستقلت الباص، في تلك الساعة، لتلقي بحلم كان وآن لها أن تلتقي به ولو في لحظات رحيله الأخيرة. لكن هل ستلتقي حلمها ممثلًا بذلك الرجل؟ سؤال لا تجد له أية إجابة، لهذا تواصل السفر وفي عينيها أكثر من حلم.

يتوقف الباص أخيرًا في حيفا، هناك تسارع للنزول منه، ترتقي درج البيت في الدور الذي حدده لها، قبل أن تصل بخمس من الدقائق، تنطلق صرخة، إنها صرخة مدوّية تنبئ بموت الفته وعرفت بأية نبرة من الصوت يـُعبـّر عنه الناس.

في تلك اللحظة تدرك أنها لم تتأخر منذ ذلك العام، عام النكبة، إلى العام التي تعيش فيه، وإنما تأخرت دقائق، لا تعدو عدد أصابع اليد الواحدة، فتعود على عقبيها.

ترون والحالة هذه، أن القصة ولدت من منظر مميز ترك تأثيره الخاص في نفسية صاحب القصة، ثم تشكلت في أبعاد ذات علاقة بما عاشه الكاتب من تجربة حياتية، كونه ابنًا لعائلة من المهجرين الفلسطينيين وفدوا للإقامة في مدينة الناصرة، بعد تهجير إسرائيل القسري لهم من قريتهم سيرين، وهي مهدمة حاليًا وكانت تتبع لمنطقة بيسان. كما ترون.. القصة ابتدأت بتلك المرأة المسنة، ثم تنقلت معها لتعيش بعضًا من هواجسها وأفكارها، ثم انتهت تلك النهاية الفاجعة التي قادت إليها الأحداث، بكل ما تضمنته من فجائعية حفلت بها" التغريبة الفلسطينية"!

صاحب القصة، كما قد ترون أيضًا، اعتمد على مخزون لا باس به من المعرفة بالنفس الإنسانية، كما استعان بتجربة حياتية يومية لها زمانها ومكانها، فهي لا تحلق في فضاء الخيال إلا لترتد إلى الواقع، ولا تتضاد مع الواقع إلا لتلتصق به أكثر، هي باختصار تحاول أن توجد مساحتها المتخيلة الذاتية، غير أنها لا تقوم بأي تعاكس مع الواقع، بقدر ما تحاول أن تتصالح معه عبر فتحها نافذة جديدة على الرؤيا، تضيف إليه، ولا تنتقص من حدته بأي من الأحوال.

بناء على هذا كله، يمكننا ملاحظة أن صاحب القصة إنما يعيش تجربة فريدة من نوعها ويحاول دائمًا أن يقدمها إلينا على أنها الواقع، علما أنها ليست الواقع بحذافيره، وإنما هي واقع متخيل قد يكون اشد صدقًا من الواقع، أقول هذا لسببين احدهما أننا في القصة نلمس واقعًا متكاملًا، وليس مجتزءًا، كما هو الشأن في الحياة اليومية المعيشة، والآخر انه يقف وراء القصة، كاتب ذو حساسية دائمة الاشتعال، لا يخبو لها أوار طوال ساعات اليوم، وهو ما يمكّن صاحبها من تقديم واقع متخيل ومتكامل أيضًا.

 

بقلم: ناجي ظاهر

 

جميل حسين الساعديشاعر عراقي يعتبر واحدا من أعلام الشعر العربي في القرن العشرين، ينحدر من أسرة شامية استوطنت منذ مائة عام في بغداد، ولد في محلة قنبر علي في العام 1908. قرض الشعر صبيا، وحين بلغ سنّ السابعة عشر من عمره شدّ الرحال الى بيروت، درس اللغة والأدب على يد منير القاضي، تلقى تعليمه في مدارس بغداد ودخل الثانوية في العام 1921 ثمّ التحق بالجامعة الأمريكية في بيروت، ثمّ عاد الى بغداد ليدرّس في الثانوية المركزية في بغداد . كان احد الأعضاء المؤسسين لاتحاد المؤلفين والكتاب العراقيين . حصل على وسام الأرز من لبنان في العام 1960 . كانت حياته زاخرة بالعطاء الأدبي، فقد نظم أكثر من 200 قصيدة خلال خمسة عقود، نشر خمسة دواوين في حياته :

" الجميليات" الجزء الأول ــ مطبعة دار السلام ــ بغداد 1924 (قدّم له أستاذه منير القاضي) .

" نبض الوجدان " ــ مطبعة الرابطة ـ بغداد 1957 (قدّم له خالد الدرّة، صاحب مجلة الوادي البغدادية)

" اللهب المقفى " ــ دار الجمهورية ـ مطبوعات وزارة الثقافة والإرشاد ــ بغداد 1966 (قدّم له منير القاضي وبدوي طبانة)

" أحلام الدوالي" ــ مطبعة الأديب، منشورات وزارة الإعلام ــ بغداد 1972

" أريج الخمائل " ــ منشوزات وزارة الإعلام ــ بغداد 1972

" أريج الخمائل " ــ منشورات وزارة الإعلام، بغداد 1977 (قدّم له عبد الرزاق محيي الدين) .

ومن أعماله الأخرى: ترجم الى العربية كتاب " عرفت ثلاثة آلاف مجنون " ـ ـأليف فكتور آرسمول ـ عن الإنجليزية، بالإشتراك ــ مطبعة التفيض الأهلية ــ بغداد 1944 .

تميّز حافظ جميل بموهبة نادرة، تتدفق بوحي من الإلهام الشعري، فهو من أبرز شعراء العراق بعد الكاظمي والرصافي، حفظ الكثير من الأشعار، حتى رويَ عنه أنّه كان يحفظ جميع أشعاره، التي تضمنتها دواوينه الخمسة، وكان أحبّ الشعراء إلى نفسه أبو نؤاس وابن الرومي والمتنبي وأحمد شوقي

كتب في الغزل فأبدع، فاشتهرت قصائده الغزلية ذات العاطفة الجياشة والحب الملتهب، ومنها قصيدته الرائعة (يا تين)، التي اشتهرت في البلدان العربية، والتي لحنها عدد من الملحنين العرب، وقد نُسبت خطأ الى الشاعر المرحوم ابراهيم طوقان، وقد بعث الشاعر خطابا إلى مجلة الينبوع سنة 1946 يثبت فيه أنه هو كاتب القصيدة كاملة وليس الشاعر ابراهيم طوقان، الذي، عارضها ببعض الأبيات لا أكثر فقد كان الدكتور البارودي الحموي وكل من الشاعر ابراهيم طوقان والشاعر حافظ جميل زملاء درسوا معا في الجامعة الأمريكية في بيروت . لهذه القصيدة قصة ظريفة، فقد ذكرالشاعر للصحفي الراحل رشيد الرماحي في لقاء صحفي أجراه معه، نشر في جريدة ألف باء في العام 1977 " كان عمري لا يتجاوز التاسعة عشرة استهوتني الحياة الجامعية الجديدة وبدأت أستوحي منها القصائد الغزلية والوجدانية واشهرها (يا تين . يا توت. يا رمان . يا عنب) التي غناها المرحوم ناظم الغزالي والقصيدة قيلت في زميلتي (ليلى تين) وهي دمشقية من الشام تعلقت بها، ونظمت فيها العديد من القصائد فقد معظمها ولم يسلم من الضياع إلا ما كنت قد نشرته في بعض المجلات والصحف، واشتكت ليلى تين إلى عميد الجامعة من أنّ الطلاب يضايقونها في قصائدي عندما كانت تمرّ من أمامهم وكدت أطرد بسببها خصوصا وانّ تلك السنة التي نظمت فيها هذه القصيدة كانت بداية تعليم الجنسين في هذه الجامعة، وعندما تخرجت أتممت القصيدة وصرخت باسم صاحبتها فتوطدت علاقتي معها وزادت معرفتنا بعد تخرجنا وتخرجها هي الأخرى حين عملت كمدرسة في دار المعلمات "

أما قصيدة

ياحلو يااسمر غنى بك السمر

رقوا ورق الهوى في كل ما صوروا

***

ما الشعر ماسحره ما الخمر ماالسكر

يندى على ثغرك من انفاسك العنبر

***

والليل يغفو على شعرك او يقمر

انت نعيم الصبا والامل الاخضر

ما لهوانا الذي اورق لايثمر

***

قد كان من امرنا ماكان هل يذكر

نعصر من روحنا اطيب ما يعصر

***

نوحي الى الليل ما يبهج او يسكر

نبنيه عشا لنا ياحلو يا اسمر

***

والتي غنتها واشتهرت بها المطربة عفيفة اسكندر، فهي كذلك من تأليف حافظ جميل، ومع الاسف هناك من نسبها إلى الخليفة العباسي عبدالله ابن المعتز وهناك من نسبها للشاعر اللبناني نيقولا فوستاس، وهناك من يقول أنها للشاعر حسين مردان

لكن بصمات روح الشاعر حافظ جميل واضحة فيها، ويبدو أنّ القصيدة وقعت بين يدي الشاعر اللبناني بطريقة أو أخرى، في الفترة التي كان فيها حافظ جميل في لبنان.

2694 حفلة السفارةحفلة السفارة العراقيـــــــة في بيروت بمناسبة مهرجان شبلي الملاط عام 1961 ويظهر في الصورة الشاعر حافظ جميل والى يساره الشاعر المصري أحمد رامي

يقول الشاعر في لقائه مع الصحفي رشيد الرماحي، المذكور آنفا " كنت أجالس الرصافي والزهاوي وأقرأ عليهما بعض أشعاري .. وعندما سمع الرصافي قصيدتي يا تين يا توت تنبأ لي أن أكون شاعر العراق اذا بقيت مستمرا على هذا الطراز من الشعر الغزلي والوجداني المبتكر. وسمع القصيدة بالصدفة الشاعر أحمد شوقي عندما كان مصطافا في بيروت سنة 1927 فأعجب بها وتعرفت عليه من خلال المرحوم خليل مطران ثم انصرفت إلى عالم الوظيفة التي تدرجت فيها من معلم . مدير هواتف . مفتش عام، أجوب العراق شمالا وجنوبا حتى أحلت إلى التقاعد لأريح وأستريح معا" .

والشئ بالشئ يُذكر أقتبس هنا من مقالة نشرها الكاتب والأديب المصري أنيس منصور في صحيفة الشرق الأوسط في 21 فبراير 2011 هذه السطور" والله ما نسيت .. والله حاولت .. ذهبنا معا إلى شاعر العراق حافظ جميل .. انّه هادئ الطبع خفيض الصوت هامس دافئ النبرة، ولكن تحته بركان من المشاعر والشعر . كلنا أحمد رامي وصالح جودت وأنا في سنة 1958 كنا في بيروت ورأينا أن نزور شاعر العراق الجميل .. وذهبنا .. وطلبت إليه أن ينشدنا قصيدته الشهيرة التي لجمالها ورقتها وانتشارها تمناها وادعاها شعراء آخرون، من بينهم الشاعر الفلسطيني ابراهيم طوقان، وكان حافظ جميل يتوقع ذلك فأنشد بعضها في مداعبة فتاة اسمها (تين) "

قصيدة يا تين

ياتين ياتوت يارمان ياعنبُ

ياخير ما اجنت الاغصان والكثبُ

يامشتهى كل نفس مسها السغبُ

يا برء كل فؤاد شفه الوصب

يا تين يا توت يارمان يا عنب

***

ياتين يا ليت صرح التين يجمعنا

يا توت يا ليت ظل التوت مضجعنا

وانت ليتك يارمان ترضعنا

والكرم يا تين بنت الكرم تصرعنا

يا تين يا توت يارمان يا عنب

***

ياتين حسبك صحن الخد راووقا

ولو درى التوت ما تحسو حسى الريقا

وهبَ يجرحك الرمان تحديقا

واهرق الكرم يا تين الاباريقا

ياتين ياتوت يارمان ياعنب

***

ياتين سقيا لزاهي فرعك الخضلِ

يا وارف الظل بين الجيد والمقل

هفا لك التوت فاغمر فاهه بالقبل

فالكرم نشوان والرمان في شغلِ

ياتين يا توت يا رمان ياعنب

***

حدائق الشام عين الله ترعاكِ

ولا سرت نسمةٌ الا برياكِ

ملهى العذارى وكم يممن ملهاك

يشربن بارد طل من ثناياكِ

ياتين يا توت يا رمان يا عنب

***

يا يوم اقبلن امثال التماثيل

يرفلن في عقص بيض الاكاليل

تبعت(ليلى) و(ليلى) ذات تضليل

(ليلى) فديتك ما اقساك ياليلي

ياتين يا توت يا رمان يا عنب

***

حلفت بالكرم يا(ليلى)وبالتوت ِ

وما بصدرك من در وياقوت

لاجعلن عريش التين تابوتي

تين الخمائل لا تين الحوانيتِ

ياتين يا توت يارمان يا عنب

***

ناداك بالتين يا(ليلى) مناديكِ

والتين بعض جني الاطياب من فيكِ

لو كان يجدي الفدا في عطف اهليكِ

لرحت بالروح افديهم وافديكِ

يا تين ياتوت يارمان ياعنب

***

كتمت حبكِ عن اهلي ولو عرفوا

شددت رحلي الى بغداد لا اقفُ

هذي دموعي على الخدين تنذرفُ

يامنية القلب هل وصلٌ وانصرف

يا تين ياتوت يارمان يا عنب

***

يا تين يا خير اثمار البساتين

يا لاويا جيده فوق الافانين

طلْ الندى لك مخضل الرياحين

فافتر ثغرك عن ورد ونسرين

يا تين يا توت يارمان يا عنب

***

يا تين زدني على الاكدار اكدارا

ولا تزدني تعلات واعذارا

هبني هزاراً وهب خديك نوارا

فهل يضيرك طير شم ازهارا ؟

يا تين يا توت يارمان ياعنب

***

يا تين حسبك ظلاً نشر ريحان

يهفو على غض اكمام وافنان

من كل حانٍ العنقود نشوان

ومشرأبٌ الى توت ورمان

يا تين ياتوت يارمان يا عنب

***

هتفت بالتين فأهتزت له طربا

وقلت للتوت : كن اقراطها ذهبا

واحذر اذا انتفض الرمان وانتصبا

ان يأخذ الكرم من حباته الحببا

يا تين يا توت يارمان ياعنب

تقدم العمر بالشاعر حافظ جميل وأحيل الى التقاعد فعاش بقية عمره في هدوء إلى أن وافته المنية يوم الجمعة المصادف الرابع من أيار للعام 1984 عن عمر ناهز الثمانين عاما ودفن في مقبرة الشيخ معروف الكرخي إلى جانب والده الذي توفي في العام 1957 و نشر خبر وفاته في جريدة الجمهورية وقد حضر حفل تأبينه عدد كبير من الشعراء. وألقوا كلمات وقصائد في رثائه .

 

جميل حسين الساعدي

 

احمد عزت سليميكشف ويبلور المفكر أحمد عبد الحليم المفاهيم المعاصرة للحب:

ا - الحب هو إشباع اللذة: حيث أصبح مفهوم الحب إيروس يدل على الرغبة والشهوة وهى حركة النفس طلبا للملائم ورغبة فى التمتع باللذات الحسية والإنغماس فيها وحيث يرى شوبنهور أن كل ميل رقيق له جذوره فى غريزة الجنس الطبيعية والغريزة المتخصصة المحددة والمطبوعة بطابع التفرد وأن المغامرة العاطفية ليست سوى هذا الإمتزاج بين عنصرين لإبداع الجيل المقبل .

ب - الحب  هو الدين: حيث اعتبر الفليسوف الألمانى لودفيخ فيورباخ أن الدين هو جوهر القلب البشرى وبما ان الدين هو العلاقة العاطفية بين شخص وآخر وأنها حقيقة مباشرة وقائمة بدون وساطة فى المحبة بين الأنا والأنت وبالتحديد الحب الجنسى بين الرجل والمرأة، وأن العلاقة القائمة بين الناس مبنية على أساس ميل متبادل كالحب الجنسى أو الصداقة والتعاطف .

ج - الحب أساس المعرفة: فمن لا يعرف شيئا لا يحب أحدا كما يرى الفيلسوف إريك فورم ومن يفهم فإنه يحب ويلاحظ وكلما إزدادت المعرفة بشىء عظم الحب وأنه أساس وجود البشرية، وأنها القوة التى تبقى الجنس البشري متماسكا وبدونه ما كان للإنسانية أن توجد يوما واحدا، وأنه هو الطريق الوحيد للمعرفة الكاملة، وكما يؤكد الغزالى أنه: لا تصور أن تكون المحبة إلابعد معرفة هواك إدراك أن الأنسان لا يحب إلا مايعرفه .. ويرى إسبينوزا  أن الحب الإلهى يرتبط بالإدراك فالحب وسيلة الخلاص والسعادة وطريقة الإدراك والمعرفة وأن كل سعادتنا تنحصر فى حب الله وهذا الحب يترتب بالضرورة على معرفة الله وهى أنفس ما لدى البشر .

د - الحب هو الاهتمام الأخلاقى: وكما يرى ذلك الفيلسوف آر بى بيرى بأن الحب يلعب دورا مهما فى الأخلاق الإنسانية وأنه هو الوسيلة لإحلال التعاون والسعى نحو تعضيد وإشباع هذا الشخص البشرى فلا سوء نحو أحد، وإحسان نحو الجميع، فالحب هو تكامل شخص للتغلب غرض ما، وأنه إرادة الخير .

هــ - الحب أساس نظرية القيم: فالحب كما يرى ماكس شيللر أنه إدراك للقيمة الإيجابية للمحبوب وهو الذى يعمل على انبثاق القيمة العليا للموضوع الذى يتجه نحوه بحيث يظهر أن القيمة تنبعث من المحبوب نفسه وكان الحب يكشف القيم الذاتية الخاصة للمحبوب، فالحب لا ينصب إلا على شخص يكون بمثابة الحقيقة العينية التى تجسدها القيمة وأنها الموضوع الحقيقى للحب ويرى شيللر أن الله بوصفه أعلى صورة من صور الحب فالله هو الشخصية اللامتناهية التى لابد لنا من مقاسمتها حبها للعالم فهو المركز الأسمى للحب الذى يهب الشخص البشرى كل ما من شأنه أن يدعم حبه .

ويرى انطونى دى سانت إيكسبيرى أن الحب:ـــ " لا يكمن في النظر إلى بعضنا البعض، ولكن في النظر إلى الخارج معًا في نفس الاتجاه " ويرى علماء النفس:

1 - أن الوقوع في الحب خمس من الثانية لكي تبدأ المواد الكيميائية المسببة للبهجة في العمل على الدماغ عندما تنظر إلى شخص مميز وأن الدماغ يحصل على "ضربة" مماثلة من الحب كما يحدث من جرعة صغيرة من الكوكايين حيث أن 12 منطقة مختلفة من الدماغ متورطة فى الحب وأن هذه المناطق مجموعة من الناقلات العصبية في جميع أنحاء الدماغ، بما في ذلك الأوكسيتوسين والدوبامين والفاسوبريسين والأدرينالين، ولتصير عملية الحب عملية مشابهة لتلك المرتبطة بإدمان المخدرات، ويشرح بافوس: ـــ "الحب هو في الواقع عادة تتشكل من الرغبة الجنسية كما يتم مكافأة الرغبة، إنه يعمل بنفس الطريقة في الدماغ كما يحدث عندما يدمن الناس المخدرات "

2 - أن خريطة الدماغ من الحب والرغبة، فقد أوجدت أول دراسة تبحث في "الفرق العصبي بين الحب والرغبة الجنسية تداخلات ملحوظة واختلافات واضحة " أظهرت النتائج أن بعض شبكات الدماغ المماثلة بشكل لافت تم تنشيطها عن طريق الحب والرغبة الجنسية وأن المناطق التي تم تنشيطها هي تلك المشاركة في العاطفة، والتحفيز والأفكار على مستوى أعلى، وتشير سيكولوجية الحب هذه إلى أن الرغبة الجنسية ليست أكثر من مجرد عاطفة أساسية، ولكنها تتضمن الدافع الموجه نحو الأهداف وتوظيف أفكار أكثر تقدماً، وأنه تم بناء الحب على رأس هذه الدوائر، مع وجود مجال رئيسي للاختلاف في المخطط وعادة ما ترتبط هذه المنطقة من الدماغ بالتوازن بين الوظائف العليا والدنيا .

3 - التقبيل يساعدنا على الاختيار حيث وجدت دراسات غربية للتقبيل أن التقبيل، بالإضافة إلى كونه مثيرًا، يساعد الأشخاص أيضًا على اختيار الشركاء والاحتفاظ بهم، وأنه في دراسة استقصائية، صنفت النساء على وجه الخصوص التقبيل على أنه مهم، لكن الأعضاء الأكثر ضبابية من كلا الجنسين صنفوا التقبيل باعتباره وسيلة مهمة للغاية لاختيار رفيقة جديدة، لكن التقبيل ليس مهمًا في بداية العلاقة، كما أن لديه دور في الحفاظ على العلاقة،  وكما وجد الباحثون وجود علاقة بين مقدار التقبيل الذي فعله الشركاء على المدى الطويل ونوعية علاقتهم .

وأظهرت دراسات الحب الرومانسية والثقافية والجنسانية الشعبية الأوربية وكما أكدت الأكاديمية فرجينيا بلوم فى دراساتها: ـــ في حين أن الجنس قد "يبيع" بالفعل، فإن الحب يبدو أنه يتفوق على الجنس في كل مرة عندما يتعلق الأمر بالحديث عن طبيعة الاستقلال الفردي والسعادة، ومع التطورات التكنولوجية وانتشار السيطرة الرقمية عبر الإنترنت أصبح الحب ساحة معركة كما شملت الرومانسية فقد شملت الانتقام والاباحية وعنف الشريك الحميم وتاريخ الاغتصاب والتحرش الجنسي والعلاقات المسيئة والبلطجة عبر الإنترنت، وأصبح هناك الكثير من الضرر الذي يحدث عندما نقترب عن كثب مع الشخصيات المتنوعة، ويكاد يحاصر ويتقلص وينتهى دور الحب كعملية إبداعية لا نهاية لها فى الفكر والخيال والجمال.

 

أحمد عزت سليم

عضو إتحاد كتاب مصر

 

 

ناجي ظاهريمكن اعتبار رواية "ظل الريح"، للكاتب الاسباني كارلوس زافون (25 كانون الاول 1964 – 19 حزيران 2020)، واحدة من روايات البحث المُضني عن الذات والآخر. الكاتب في هذه الذات. وهي رواية حافلة بالغموض المحبب والتشويق الجذاب، حتى ان وزير خارجية المانيا الاسبق يوشكا فيشر، قال عنها مخاطبًا قارئها. ستقرأ الرواية في جلسة واحدة ولن تنام الليل وانت تتعقب ظل الريح.. لن يسمح لك زافون. مؤلفها. ان تتركها قبل ان تبلغ نهايتها. (ملاحظة: يبلغ عدد صفحاتها 550 صفحة).

مؤلف هذه الرواية. كارلوس زافون كاتب وسنارست اسباني من مواليد مدينة لشبونة (وهي ايضا.. المسرح الاساسي لأحداث روايته هذه) 1964. اقام منذ عام 1993 في لوس انجلوس الامريكية وتوفاه الله قبل فترة عن عمر صغير نسبيا. نشر روايته هذه عام 2001 ترجمها إلى العربية السوري معاوية عبد المجيد. وصدرت عن دار الجمل في بيروت وبغداد عام 2016. كتبت عنها صحيفة "لافيجارو" الفرنسية.. انها رواية لا تقاوم. حصلت خلال فترة قصيرة على ثناء شامل في جميع أنحاء العالم وتضمنت من الاسرار والخفايا ما جعلها مغوية مثل دمى "الماتريوشكا" الروسية. ترجمت الى اكثر من ثلاثين لغة.. منها العربية كما سلف.

تقدم هذه الرواية صورة طريفة للبحث الانساني المثابر والمصر. ويرافق قارئها بطلها دانيال في فترات مختلفة من حياته. ابتداء من مرافقته لوالده الى مقبرة الكتب المنسية. واختياره رواية "ظل الريح"، لكاتب يدعى خوليان كاراكس، مرورًا بقصص حب متشابهة بين الاثنين، واسرار تتكشف رويدًا رويدًا قد يكون ابرزها ما يتعلق بمحقق الشرطة ميرور الفظ العنيف ومساعده بلاثيوس. انتهاء بانكشاف اسرار مؤلف ظل الريح عبر كتاب/ مخطوط مذكرات نوريا مونفورت. ومصائر الشخصيات الروائية المثير للاسى حينًا والمحبة حينًا آخر.

2697 ظلال الريحمن الصعب تقديم ملخص واف لهذه الرواية التي قالت عنها مجلة "ذي نيويورك تايمس"، ان مؤلفها كارلوس زافون تمكن فيها من الجمع بين جارسيا ماركيز وامبرتو ايكو وخورخي لويس بورخس في مشهد ساحر ومعقد يغص بالبراعة الثاقبة والكتابة العجيبة!!..

لفت اهتمامي في هذه الرواية غير العادية، امران اساسيان. احدهما يتعلق بالأسلوب السردي. والآخر يتعلق بالعوالم السحرية الواقعية والمتخيلة في آن واحد. فيما يتعلق بالأسلوب السردي. يقدم القاص الروائي شخصياته النسائية والرجالية ببراعة وحذق مُعرفًا اياهم اولا بأول ومقدمًا وجودهم بحميمية تجعل القارئ. انا مثلًا. يشعر بالقرب منهم. محبة ونفورًا. في نفس الوقت. اما فيما يتعلق بعوالم الرواية المتخيلة فان القاص الروائي يتفوق في تقديمها لقارئه. غير عابئ بان بعضها خرج من رواية ظل الريح. ليحرق يعاقب ويعلن غضبه ومحبته.

انها رواية حياة وبحث، لا يكل ولا يمل، عن الهدف والمعنى.. بحث عنيد يقدم لقارئ الرواية درسًا في الاصرار والمثابرة لتحقيق الهدف والمعنى... الذات والوجود. انها رواية مميزة وتستحق القراءة. وتحتاج إلى تركيز خاص في قراءتنا لها. وقد اصابت صحيفة "الواشنطن بوست"، كبد الحقيقة. عندما كتبت عنها تقول... من الصعب على القاري ان يعثر على رواية تحتوي على هذا القدر من العواطف والمآسي والاثارة.. مثل رواية "ظل الريح".

 

ملاحظات: ناجي ظاهر

 

 

مجاهد منعثر الخفاجيالروائي الروسي الكونت ليف نيكولايافيتش تولستوي (1828- ت 1910) كان يعتنق الديانة المسيحية و يعود نسب عائلته الارستقراطية إلى رجل نبيل أسطوري يُدعى إندريس.

أشهر أعماله روايتي (الحرب والسلم) و(أنا كارنينا) وهما يتربعان على قمة الأدب الواقعي، فهما يعطيان صورة واقعية للحياة الروسية في تلك الحقبة الزمنية. وكل مؤلفاته عن الحرب جاءت إدانة لها وهجوما عليها.

إن رواية الحرب والسلم التي تدور أحداثها قبل 60 عامًا من الزمن الذى كتبت فيه تقريبا في ستينيات القرن التاسع عشر، كان لها أثر واضح في مفهوم الكتابة فى العالم , فهي إحدى أطول الروايات التي كتبت عبر التاريخ، وتضم أربعة مجلدات. وتُعَد واحدة من عيون الأدب العالمي الحديث.

هذه الرواية الملحمية تتناول مراحل الحياة المختلفة وتصف الحوادث السياسية والعسكرية التي حدثت في أوروبا في الفترة ما بين 1805 و1820م, لا سيما أثناء غزو نابليون لروسيا عام 1812م. وملخصها  البحث عن  الإنسان الذي ضيَّعته الحروب والتفرقة الطبقية.

قدم فيها الروائي فنا أدبيا يصور تاريخ أمته من خلال الجمع بين الرواية والقصيدة والتاريخ فمزج هذه الأشكال السردية ليظهر الحياة المغيبة في سجلات التاريخ.

وجهد الكاتب واضح من خلال جعله كل ما في الرواية يبدو منطقيا، ففي إطار متناسق دمج  الكثير من الأحداث والشخصيات، الحقيقية منها والخيالية، ومن خلال الوصف الدقيق يجعل القارئ شاهد عيان لأحداث حقيقية تماما.

وصل عدد الشخصيات إلى المئات بينها مائة وستون شخصية حقيقية في عمل ضخم خارق للأساليب والأنماط الكتابية المتعارف عليها , عبر عنه تولستوي بقوله: (ما كتاب الحرب والسلام برواية، ولا هو بقصيدة، ولا هو بسجل وقائع تاريخية. إن الحرب والسلام هو ما أراد المؤلف وما استطاع أن يعبّر عنه في هذا الشكل الذي عبّر به عنه).

كانت رؤية بعض النقاد لهذه الرواية على إنها عملا تاريخيا, وهذا بسبب انقطاع الكاتب عن سرده الروائي نحو التأمل في قضايا فلسفية شائكة.

فكان يطرح إجابة على سؤال من خلال مئات الصفحات عن دوافع أبطال ذلك الحدث من نابليون إلى ألكسندر الأول, مراقبًا مبادراتهم الفردية ومحاولاتهم العبثية في التحكم بمسار التاريخ, كما تهكم على نابليون حين قال ساخرًا: ألم يكن يعتقد بكل حزم أن كل مافي الكون يتوقف على مشيئته وحده؟ بينما كان نابليون في الحقيقة ليس أكثر من أداة لا معنى لها في يد التاريخ.

أما متن الرواية  الذي ضمن  تولستوي رؤاه الفلسفية والفكرية حول جملة من المسائل والقضايا الشائكة فكان أكبر من مجرد سرد روائي أو مؤلَّف تاريخي أو حتى عمل فلسفي .وهذا ما جعل النقاد في حيرة أثناء تقييمهم العمل.

ولكن الإبداع واضح في الخيط السردي من خلال الربط  بين شخوص الرواية العديدة والشديدة الثراء, فهناك مباحث اجتماعية وسياسية جمع فيها تولستوي بين المقالية واللغة الأدبية.

فالروائي من ناحية أدبية ارتقى بأسلوب واقعي معبر ضمن التحليل النفسي والصياغة الإبداعية.

اختار تولستوي حياة خمس أسر؛ من مختلف طبقات المجتمع الروسي: عائلات أرستقراطية. (آل بزوخوف، آل بولكونسكى، آل روستوف، آل كوراجين، آل دروبيتسكوى), فحبك أفكاره من خلال هذه العوائل فقسمها إلى (واقعية) و (تاريخية)و(خيالية) هذه (الأسر الخمسة) تختلف كل واحدة منها عن الأخرى من حيث ما أفرزته تفاصيل حياتها وطريقة تفاعلها مع أحداث الرواية، فبين (الأسر) ذات الثراء، وبين (الأسر) الإقطاعية، وبين (الأسر الفقيرة) التي تعيش في ضيق حال؛ ولكن أصولها العائلية تعود من أصول نبيلة.

فنجد معالجات الروائي لبعض العادات السيئة في المجتمع الروسي, إذ كانت العوائل الأرستقراطية الروسية تتكلم اللغة الفرنسية التي أدخلتها ملكة روسيا كاترين (1729 ـ 1796) إلى روسيا، وجعلتها لغة البلاط الروسي، إلى درجة أن كل فرد من الأرستقراطيين أجادها، وأحيانا أفضل من الروسية نفسها، ولم يخف الكثيرون إعجابهم بالثقافة الفرنسية، بل بنابليون نفسه. ولكن الأمر تغير بعد نهاية الحرب، وأخذت العوائل تستخدم مدرسي اللغة الروسية لتحسين لغتها، كي تواكب الاتجاه السياسي والثقافي الجديد في روسيا.

وبينت الرواية نفاق بعض القادة، حيث يطلب أحد القادة الروس من سكان موسكو التحلي بالإيمان والدفاع عن المدينة، بكل ما لديهم من وسائل وحتى أدوات الزراعة، ولكنه ما أن أصبح الخطر وشيكا حتى أمر ذلك القائد بحرق المدينة وفرّ هاربا.

يصف تولستوي الحرب كمشاهد القتل والدمار والموت الذي تجره الحروب، ويتساءل: لماذا يقتل الإنسان أخاه الانسان؟ لماذا يتعين علي ملايين الناس الذين يتخلون عن مشاعر الإنسانية وعقلها أن يسيروا من الغرب إلى الشرق ليقتلوا بشرا مثلهم؟.. ورغم أن رواية تولستوي مكرسة بالدرجة الأولي لوصف الحرب إلا أن موضوع السلام يخترق نسيج الرواية ويتقاطع مع موضوع الحرب ويصبح المعادل البديل له, إذن الحرب ظاهرة معادية للطبيعة الإنسانية.

وأخيرا فإن هذا العمل القيم والممتع يمثل صورة عن تحوُّلات المجتمع الروسي إبَّان الغزو الفرنسي.

 

 بقلم: مجاهد منعثر منشد