محمد بنيعيشأولا: أصولية وخصوصية مصطلح التوحيد

من أهم خصوصيات الأمة الإسلامية أنها أمة التوحيد، والذي قد يأخذ طابعا شموليا في كل مرافق وجودها وتصوراتها وعلى أساسه تنبني قمتها وقاعدتها حيث لا قمة ولا قاعدة وإنما الناس سواسية كأسنان المشط.

ولقد كان أول نداء نادى به الرسول صلى الله عليه وسلم حين أمره الله تعالى بالدعوة إليه هو توحيد الله قبل توحيد العباد، فكانت دعوته وهو مازال في مكة كلها مرتكزة على قوله "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله…" الحديث[1].

فكانت هذه الكلمة هي أصل التوحيد، والتعبير الذي لا يقبل التأويل والنسخ والتعديل بل هو كلام محكم كل الإحكام جامع لكل ما يقتضيه التوحيد من معان ومضامين مانع لكل شوب أو تداخل في المفاهيم، وإنما هي كلمة تحمل قوة ما بعدها من قوة في النفي ودقة ما بعدها من دقة في الاستثناء ووضوحا ما بعده من وضوح في الإثبات،  حيث لا ثابت إلا ما أثبتته هذه الكلمة ولا ذات تختص بصفة الألوهية إلا ذات الله سبحانه وتعالى.

إذن كانت هذه الكلمة التوحيدية القول الفصل في تحديد مستحق الألوهية وحولها تكونت العلوم والمعارف العقائدية بشتى أنواعها وشعبها وتأسست على إثرها مذاهب ومدارس عقلية وروحية وسلوكية، كل مذهب قد اغترف منها بحسب استعداده وطاقاته الفكرية والروحية وبحسب بعد نظره وعمق غوصه على استخلاص المعاني.

وهكذا أخذت المذاهب سواء كانت مذاهب فردية أو جماعية ذات طابع مدرسي تفرز أفكارا وتفسيرات لمعاني الكلمة ومستلزماتها، منها ذات الطابع التقريري المحض والتعبير الذوقي المنبعث عن الإيمان المبدئي بالعقيدة المعبر عنها، ومنها ذات الطابع الاستدلالي والأسلوب البرهاني ذي الطبيعة البحثية، يأخذ مرة صورة المعرفة من أجل المعرفة ومرة أخرى صورة جدلية هدفها الإقناع واتخاذ موقف الدحض والدفاع.

وأمام هذا التنوع المعرفي واتجاهاته المنهجية وأمام هذا التركيز الأساسي على مدلول الكلمة ومضامينها، أخذ يتكون ما سيصطلح عليه بعلم التوحيد بصفته – أي المصطلح – يعتبر جامعا لكل المذاهب الفكرية المتفرغة للكلمة ومستلزماتها وبصفته النعت الأساسي لعقيدة المسلمين ورأس علومهم، بحيث أن المصطلحات الأخرى التي سمي بها علم التوحيد لا تعطيه الخصوصية الدقيقة والضامنة كما يعطيه له مصطلح التوحيد. وذلك كعلم الكلام وعلم العقائد والنظر والاستدلال والفقه الأكبر وأصول الدين… إلخ.

فمصطلح علم التوحيد لا يوجد حوله خلاف من حيث مدلوله أو سبب تسميته لأنه من أساسيات الدين الإسلامي: ولأن أصل الأصول في الإسلام هو الإقرار بالألوهية لله الواحد الأحد الفرد الصمد بدون تشبيه ولا تمثيل في ذاته وصفاته وأفعاله. ومن أجل هذا المعتقد سمي العلم الذي يبحث في هذه العقيدة تقريرا واستدلالا بعلم التوحيد تسمية له بأهم أجزائه وهو إثبات الوحدانية لله تعالى في وجوده وذاته وصفاته وأفعاله.

وعلم التوحيد بهذا المصطلح أشمل من كل المصطلحات التي قيلت كمرادفات له، وذلك لأنه يجمع بين النظر والعرفان والسلوك وذوق الوجدان كما أنه يجمع بين الدفاع والإقناع وبين العقل والسماع.

ثانيا:حدود  الترادف الاصطلاحي بين علم التوحيد وعلم الكلام

ولربما يكون قد جانب الصواب كثير من العلماء والبحاث حينما يستعملون مرادفات لعلم التوحيد تحمل وإياه على قدم المساواة نفس المعنى الشمولي والدلالات التي يقتضيها هذا المصطلح.

فنجد النشار مثلا يقول "علم الكلام أو علم التوحيد أو علم أصول الدين، علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، وهذا العلم فيما أعتقد هو النتاج الخالص للمسلمين"[2] وبنفس الأسلوب يتحدث أبو ريدة فيقول "كان النظر في الدين بأحكامه وعقائده يسمى فقها ثم خصت الاعتقادات باسم الفقه الأكبر وخصت العمليات باسم الفقه وسميت مباحث الاعتقاديات باسم علم التوحيد أو الصفات تسمية للبحث بأشرف أجزائه، أو علم الكلام، لأن أشهر مسألة قام حولها الخلاف هي مسألة كلام الله، أو لأنه يورث قدرة على الكلام  في الشرعيات كالمنطق في الفلسفيات"[3].وكثير هم البحاث الذين وضعوا علم الكلام مرادفا لعلم التوحيد دون الإشارة إلى تميز أحد المصطلحين عن الآخر بوجه من الوجوه، لكن حينما نعود إلى تعريفات المتقدمين من العلماء فإننا نجد لديهم دقة في تحديد المصطلح وخصوصياته أكثر مما عليه المعاصرون، بل إن بعض هؤلاء المتأخرين أضافوا إلى تعريفاتهم ما لم يقله المتقدمون، وذلك كما نجده عند النشار في النص السابق، بحيث قد أضاف إلى تعريف ابن خلدون مصطلحات أريد بها توسيع دائرة التعريف والتبيين لكن العكس هو الذي حصل بحيث أفقد المصطلح الذي قصده ابن خلدون خصوصيته ودقته، ومضمن النص الخلدوني كالتالي: "علم الكلام علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة، وسر هذه العقائد التوحيد، فلنقدم هنا لطيفة في برهان عقلي يكشف لنا عن التوحيد على أقرب الطرق والمآخذ ثم نرجح إلى تحقيق علمه وفيما ينظر ويشير إلى حدوثه في الملة وما دعا إلى وضعه"[4]

وحينما عرض ابن خلدون للتوحيد بعد تعريف علم الكلام وخصوصياته، أخذ مسلكا عقائديا ومعرفيا، خال من كل رائحة للجدل أو المناظرة، أو الحجاج، وإنما هو عرض معمق مقصود لذاته ومبرهن عليه بأدلة عقلية واستنتاجات علمية تعتمد على واقع النفس الإنسانية وقدراتها الإدراكية ومستوى حدود في الاستدلال والبرهنة، وذلك من حيث تحديد مفهوم التوفيق والتوقيف، ثم بين بعد ذلك كيف تطور النظر في التوحيد من علم مقصود لذاته إلى علم ظرفي ومرحلي فرضته الوقائع والأحوال التي طرأت على منهج النظر والاستدلال كما يقول "إلا أنه عرض بعد ذلك خلاف في تفاصيل هذه العقائد أكثر مثارها من الآي المتشابهة، فدعا إلى الخصام والتناظر والاستدلال بالعقل زيادة إلى النقل، فحدث بذلك علم الكلام…

فموضوع علم الكلام عند أهله إنما هو العقائد الإيمانية بعد فرضها صحيحة من الشرع من حيث يمكن أن يستدل عليها بالأدلة العقلية فترفع البدع وتزول الشكوك والشبه من تلك العقائد"[5].

ورأي ابن خلدون هذا ليس إلا ملخصا لرأي سابقيه من المتخصصين في علم الكلام أو المؤرخين له  والمعارضين لبعض قضاياه كابن تيمية مثلا، الذي يرفض بشدة اعتبار علم الكلام كمرادف لأصول الدين بل إنه حمل على المتكلمين حملة شعواء فيها نوع من المبالغة والإسراف في النقد كما سنرى في حينه.

وفي رأيي أن كلا طرفي قصد الأمور مستبعد في هذه المسألة، فلا الذين رأوا علم الكلام كمرادف تام لعلم التوحيد قد أصابوا الهدف ولا الذين حاولوا إقصاء علم الكلام عن تمثيله لعلم التوحيد كانوا موضوعيين وعلميين.

لكن بين هذين الاتجاهين في تحديد علم التوحيد من حيث احتواؤه لمصطلح علم الكلام أو عدمه كمرادف تام أو مخالف تام نجد موقفا وسطا موضوعيا يحدد وظيفة علم الكلام ودوره داخل دائرة علم التوحيد بمفهومه الواسع. وقد مثل هذا الموقف بصورة واضحة أبو حامد الغزالي في قوله: "فإذن علم الكلام صار من جملة الصناعات الواجبة على الكفاية حراسة لقلوب العوام عن تخيلات المبتدعة، وإنما حدث ذلك بحدوث البدعة، فليعلم المتكلم حده من الدين وأن موقعه منه موقع الحارس في طريق الحج، فإذا تجرد الحارس للحراسة لم يكن من جملة الحاج"[6]

وهذا الاعتبار الذي خصصه الغزالي لعلم الكلام ودور المتكلمين حذا ببعض المعاصرين إلى القول بأن "علماء الكلام أشبه بوزراء الداخلية في العصر الحاضر، مهمتهم المحافظة على الأمن العقلي الداخلي والمحافظة على النظام الداخلي للحضارة الناشئة"[7]

فالغزالي كان أدرى بواقع مصطلح علم الكلام وأبعاده، ولهذا فإنه بعدما أدرك خصوصيته وعدم مجاراته لشمولية علم التوحيد وغاياته ألف كتابا سماه "إلجام العوام عن علم الكلام" ولو كان الغزالي يفسر علم الكلام بعلم التوحيد كمرادف  تام وكامل الأركان لما تجرأ على طرحه هذا والمتمثل في حظر علم الكلام على فئة عريضة من المسلمين، ولو فرضنا أن علم الكلام مرادف لعلم التوحيد فهذا يعني أن الغزالي يمنع علم التوحيد على العامة من المسلمين، وهذا ما لم يقصده، وإنما مقصوده شيء آخر وهو محاولته صرف العامة عن الدخول في مجادلات وشبهات ليس بمقدورهم فهم رموزها وإشاراتها، كما أنه ليس مطلوبا شرعا وجوب التدقيق فيها بصورة تفصيلية، وإن كان مطلوبا معرفة أصول التوحيد بصورة جملية لتثبيت العقيدة والاستقرار على أصولها.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

..................................

[1] رواه مسلم من حديث جابر في كتاب الإيمان.

[2] علي سامي النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام دار المعارف ج 1 ص 54.

[3] حسام الألوسي: دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي، ص 52.

[4] ابن خلدون: المقدمة، مطبعة محمد عاطف ص 342.

[5] نفس المصدر، ص 348.

[6] الغزالي: إحياء علوم الدين. مكتبة محمد علي صبيح أولاده ج 1 ص 23.

[7] حسن حنفي: التراث والتجديد دار التنوير للطباعة والنشر ط 1 ص 132.

 

مجدي ابراهيمجميلٌ أن يكون لك قلمُ حر، تكتب ما تريد في الوقت الذي تريد، ولا عليك أبداً فيما يقال حولك أو فيما يُقالُ فيك؛ لأنك في تلك الساعة التي تضع فيها قلمك على الأوراق، تستجيب "لنداء القلم" فتؤدي الرسالة، صادقاً ومخلصاً ومؤمناً بما تفعل، ليست لك غاية فيما تريد أن تؤديه إلا ابتغاء وجه الله والوطن، من حيث إنك تؤدي ما عليك من أمانة الكلمة التي جعلك الله عليها شاهداً ولها مؤديّاً.

وجميلٌ كذلك أن تجد في نفسك رغبة عارمة في أن يكون كلك لله: لفظك وفعلك، وفكرك وقولك، وضميرك وعملك، تنأى بنفسك عن تُرَّهات الأنداد والقرناء: أنداد السوُء وقرناء المنافسة على الزائل في هذه الدنيا. جميلٌ أن تكون لك مثل هذه الطلاقة الروحانيّة في كشف "القيمة"، والدفاع عنها، والطرْق الدائم على فاعليتها، والإيمان بدوامها واستمرارها، رغم ما تراه أمامك من جحود ونكران، ومن تغيير يفرضه تطور وتحديث ليس لنا لمقاومته سبيل.

جميلٌ أن تقول ما يمليه عليك ضميرك، وتحتسب كل ما قلته أو تقوله لله، وفي سبيل الله، فإذا نجحت كنت بالله مُوفّقاً، وإذا أخفقت وفشلت كنت مع الله صابراً؛ لعلمك أن الله لا يضيع أجر المحسنين، ومن ورائك بذل المجهود، لا رقيب ولا حسيب عليك إلا ضميرك بين يدي الله. جميلٌ أن ترى الواغش البشري من أولئك المتطفلين المتسلطين ينتهزون الفرص فيصعدون على أكتاف الآخرين، ووسيلتهم التي لا يعرفون لهم وسيلة سواها هى التملق والزلفى والنفاق والتطبيل، إنما هى وسيلة يجيدونها ويصوِّبون سهامهم ضاربة إليها في الصميم, ثم تنأى بنفسك عن كل هذا، وأكثر من هذا؛ ليكون لك عصمة الرقابة الباطنة التي تعصمك من الغفلة عن النجاح بغير تعب، والصلاح بغير جهاد، والوصول بغير ضريبة مفروضة من بذل المجهود. جميلٌ منك أن تسعي وأن تطلب معالي الأمور بعزة النفس، ولا تذلُّ لمخلوق - كائناً من كان - ولا تطأطئ الرأس لإنسان مهما وُجِدتْ فيه جبروت الأناسي؛ لأنه صلوات ربي وسلامه عليه قال:"اطلبوا الأشياء بعز الأنفس؛ فإن الأمور تجري بالمقادير"؛ فهذا - يا صاح - جبروت الطغيان الخاوي من الامتلاء، هو فراغُ في هواء، لا مضمون فيه ولا مفهوم، خواءُ غير قابل للاحتواء!

جميلٌ منك أن تكون في كل ما تراه دالاً على الحياة الجادة الصادقة طالباً، ومجدَّاً فيما تطلب، رامياً إلى أن تصبر على أعمالك وأقوالك، وأن تتقي بصبرك أفاعيل العجزة المُفلسين. جميلٌ منك كل هذا، وأكثر من هذا؛ فمن نعماء الله علينا نحن البشر الضعفاء أنه قدَّر لنا في هذه الحياة ما يمكن أن نسير عليه ونسلكه، ولا نسلك غيره من طرائق سواه. ولولا أنه سبحانه رفق بنا وبصَّرنا بالحقائق التي يجب أن نكون عليها، ويجب أن نلازمها وتلازمنا، وبيَّن لنا ما هو حق وما هو باطل وألهم العقول أن تعتقد في مبادئ هى من جنس ما فرض ومن نوع ما أوجب، لكانت الإنسانية في كل زمن وفي كل عصر غاية في السقوط والحيرة والضلال، فريسة لطمع الأهواء وفتك الشهوات.

ألا .. فليرحم الله عبداً عَرَفَ قَدْرَ نَفْسَهُ. والله تعالى عَلَّم الإنسان كيف، وبما، يعرف قدر نفسه فيتعامل من ثمَّ مع الحياة والأحياء بمعرفة هذا "القدر" الكامن في أغوار النفس وأعماق الضمير. فنحن أحرارٌ بمعرفة ما وقر في ذوات نفوسنا، ونحن أحرار بمقدار ما يتسنَّى لنا قهر النفوس على "يقين" الإيمان بالله.

ومن هاهنا؛ تنشأ "الرسالة" في ضمير الكاتب: أن يكون حراً، وأن يكون قادراً على توظيف "الحرية" لنفسه قبل الآخرين توظيفاً أميناً يجعلنا نحن القارئين من بعده على اعتقاد لا شك فيه، بما يُدوِّن من مقبول الآراء، وبما يقول، وإنيِّ لأعني بالحرية هنا تلك "الطلاقة الروحانية" التي تتسع، ولا تنقبض، للقيام بتبعات الرسالة؛ تبعةً، تبعةً، لا ردَّةً فيها ولا نكوصاً، ولا خنوع فيها ولا استسلاماً للطوارئ والغيَر الخارجية.

للمنفلوطي - رحمهُ الله - عبارة قالها في "النظرات"، تصوِّر هذا المعنى أيَّما تصوير، وتسبح في فلكه، وتدعو لأن تجيء تبعة الكاتب مرهونة بما تقف عليه نفس الكاتب من حرية وتحرُّر عن العلائق والقواطع والأغيار .. فماذا قال ..؟

قال:" الكاتب كالمُصوِّر: كلاهما ناقل، وكلاهما حَاكٍ، إلا أن الأول ينقل مشاعر النفس إلى النفس. والثاني ينقل مشاعر الحس إلى الحس، وكما أن ميزان الفضل في التصوير أن تكون الصورة والأصل كالشيء الواحد، كذلك ميزان الفضل في الكتابة أن يكون المكتوب في الطِّرْس خَيَالَ المكنون في النفس .. " (أ . هـ).

فعلى سِنِّ اليراع تجيء مكنونات النفس "قيماً علوية" في طريق التغيير؛ لتكون إصلاحاً لبني الإنسان. مصدر هذا القيم مما لاشك فيه هو "الوعي" : الوعي المأخوذ من فاعلية التجربة الحيويّة مع الأشياء والأحداث والعلاقات، ومن قبل ذلك "الوعي" المأخوذ من فاعلية التجربة الروحيّة مع الله - سبحانه وتعالى - فتجاربنا مع الله أوفر، وأكمل، وأصدق، وأدعى لأن تجيء أقلامنا مستقيمة بغير انحراف أو اعوجاج على طريق الصواب؛ ففي كل إنسان جزءُ من هذا الوعي، وله أن يطمره وله أن يظهره، فلئن كان هو وعياً خاصَّاً في جوهره تحكمه فاعلية التجربة مع الله؛ فهو مع ذلك ليس مقطوع الصلة بالإدراك الإنساني العام، تماماً كما لا نستطيع قطع الصلة بين الإنسان ومداركه العقليّة.

الوعي كالعقل: قاسمٌ مشتركٌ لا يخلو منه حظ الإنسان؛ فإذا كان العقل قاسماً مشتركاً بين جميع الناس؛ فأحرى بالوعي أن يكون على هذا الوصف. وعليه؛ فأحرى بالكاتب الذي يخاطب جمهور القراء أن يكون موصوفاً بهذا الوعي قبل أن يكتب بقلمه حرفاً واحداً. للكلمات مباني تؤدي إلى معاني، وللمعاني مستويات، هذه المستويات قوة مضمرة باطنة لا يكشفها إلا قلم التحليل توفيقاً من عند الله، سواء كانت هذه الكلمات ممَّا يجري فيه القول في مجال الفكر والحياة أو في مجال العقيدة والدين.

حقاً..! إنّ الإنسان في جميع الأحوال مُوَزَّع القوى بين مطالب الأرض ومطالب السماء، لا لشيء إلا لأنه إنسان؛ فليس هو بالروح الخالص ليكون إلى مطالب السماء وحدها منصرفاً، ولا هو بالحيوان ليكون إلى مطالب الأرض وحدها محققاً، ولكنه إنسان، وإنسانيته تقضي إلا يكون مُسْرفاً في الجانب الذي يهبط به إلى طريق لا يرى فيه مقدار هاته الإنسانية على الصفة المثلى فكان بها إنساناً على الحقيقة لا على شيء آخر سواها.

فما من شريف هو شريف إلا أستحق من الشرف مكاناً يليق بالكرامة الآدمية الدائمة وهو بعيد عن مطالب الإنسانية "الخاصَّة" في كونه ذا طاقة روحية تُفْرز القيم الأخلاقية مع إفراز سائر القيم الوجودية السائدة على وجه الزمان كمالاً أو ما يقرب من الكمال، يحتذي الأمثلة العليا التي لا تتقيد بقيود الزمان والمكان، ولا تعرف النسبي المتغير، ولا المصلحة الشخصية أو المنفعة الخاصة.

وإنما الخصوصية المُرَادَة هنا هى تلك الخصوصية التي نطلقها على الإنسان من حيث هو إنسان وكفى، يشاركه في الإنسانية جميعُ الأناسيِّ الذين هم على شاكلته في الجوهر الطيب والمضمون الصالح والخلق الكريم. إنّ طلاقة القيم التي تجعل من الإنسان إنساناً لمرهونة بذلك الأمد الذي يُعَلق عليه الوجود الروحي في الطبيعة الآدمية، ويستقيم بمقتضاه؛ فلا خلاف - من ثمَّ - بين إنسان وإنسان مادامت في الإنسانية كلها مثل هذه السجايا التي تسعي دوماً إلى الكمال.

وعليه؛ فلا يمكن أن تكون قيم العدل والحق والسلام والمساواة والإخاء والتعاون والمحبة سائدة، عاملة، فعالة، في المجتمعات والشعوب بغير أن نَفْقَهَ مثل ذلك "الوجود الروحاني" الذي يولدها؛ فتنبثق منه بالضرورة، وتتفجَّر ينابيعها الكبرى عنه بمقدار استطاعتنا نحن على التوليد والتفجير والانبثاق، أو بمقدار استطاعتنا على أن نغترف من هذا الخضَم الواسع الكبير ما نشاؤه.

فإذا عُدْنا على ما بدأناه؛ قلنا إن أقلامنا ينبغي أن تقاس بمدى مداركها لهذه الزاوية النورانية وإلا جاءت أقلاماً لا تكتب ولا تدري ماذا تكتب، لكأنما تحجَّر المداد في أجوافها، فلا تريد أن تكتب. وهل تكتب الأقلام على الحقيقة حقاً إلا بمدد من قوة الروح والمعرفة مطواع سيَّال؟ لكن الله - جلَّت قدرة الله فيما قدَّر- لم يشأ أن يجعل لنا أقلاماً مدادها سيَّال وأفكارها غَضَّة لينة مطواعة تجرى مع المداد بمقدار ما يجرى المدادُ صدقاً بين أيدي الكاتبين!

لا مناصَّ للقلم الذي يريد أن يفعل شيئاً في هذه الدنيا إلا أن يجيء كل ما يخطه من كلمات وعياً مصقولاً من أعلى، هو من جوفه هو لا من أجواف آخرين.

أقول؛ لا مناصَّ للقلم الذي يريد أن يفعل شيئاَ ذا إرادة إلا أن يثق بذاته، وبوعيه، وبالمصدر الذي استمد منه هذا الوعي مثل هذه الثقة العصماء، وأن يكون رقيباً على نفسه مثل هذه الرقابة الرشيدة، واللحوحة، في توخِّي الرشد والهداية والتميُّز بحيث يجيءُ الأمر فيها موكولاً على اليقظة الدائمة والتنبـُّه الموصول. كيف؟!

فَرِّغ نفسك من عوائق السِّوَي، وحاذر مجانبة الأغيار، وتوجه إلى الله بالكلية، وتأمل من بعدُ قوله تعالى:"إن الذين اتقوا إذا مسَّهم طائفٌ من الشيطان تذكروا فإذا هم مُبْصِرون"؛ فماذا أنت واجد؟ تجد هاهنا مصدر الوعي الملهم. وهاهنا مركز اليقظة الدائمة وموطن التنبـُّه الموصول. ها هنا بحق "عبقرية التدين الرشيد" ومنبعها؛ لكأنما الجانب الغامض (= الباطن) في الإنسان هو موطن العبقرية فيه، لكن بأي معنى من المعاني يحتمله هذا "الغموض"؟ لا شك إننا هنا لا نعني عدم الوضوح، ولا نعني قلة الإدراك للأشياء، ولا نعني غياب الحقائق والمفاهيم؛ فكل هذا وغيره يعني لدينا الغموض الذي يقود الإنسان إلى الخلط والاضطراب، وأباطيل الخَطْل الغارق في الجهالة العمياء.

إننا نعني بالجانب الغامض هو كل ما هو "باطن" في الإنسان، مستتر غير ظاهر، خفيُّ غائر في الأعماق التي لا تُرى، ثم - إنه من بعد ذلك - مشروط بشروطه التي تتولاه وترعاه وترقبه في كل حال. وعلى هذا الجانب الغامض العميق تربو عبقرية التدين وتزيد، بمقدار ما تزداد في الإنسان وتربو أغواره الداخلية، عمقاً وغموضاً واستتاراً غير مكشوف لكل إنسان، ولا لأي إنسان. ومن ها هنا كانت عبقريته. ومن ها هنا, جاء صنيعه الخارق للعادة يعتادها الناس مِمَّن يعملون ويحسنون أو لا يحسنون.

وعبقرية التَّديُّن جزءٌ لا يتجزأ من عبقرية التَّوجه نحو الغيب المجهول، الأصل فيها "الانتباه" اليقظ، والتركيز المفرط والإخلاص الشديد للرؤية يراها الرائي حين يرى؛ فينزوي في رؤياه مدركاً لأغوار ما يرى في باطنه وخفاياه، فلا يتزحزح قيد أنملة عَمَّا كان قد أدركه، ولو لاقى في سبيله المنون.

ومن أجل هذا؛ لا نستغرب أوصاف العلماء الغربيين للعبقرية حين وصفوها بحق بـ "الانتباه" وشدّة التيقظ؛ لكأنهم جندوا أنفسهم للبحث في مزايا النوابغ والعظماء، فلم يجدوا وصفاً للعبقرية أدق ولا أصوب غير "اليقظة والانتباه". غير أننا نبحث في تراثنا المهجور!؛ ذلك الذي أصبح اليوم مهجوراً بحكم الإهمال؛ فنجد اليقظة ضد الغفلة، والغفلة إنما هى سَهْمٌ من سهام الشيطان، توجب الاستعاذة بالله، بل هى في قانون الأولياء والعارفين ذنبٌ كبيرٌ يستلزم "التوبة"، ويقتضي الإنابة والرجوع فوراً وبغير تباطؤ أو تسويف. فقد كان رواد العارفين وأقطابهم يتوبون عن الغفلات؛ لأنها في نظرهم من الكبائر، ولما كانت كل كبيرة من الكبائر تمليها غفلة عن الحق يرمي بها الشيطان أو ترمي بها النفس في بواطن صاحبها، صارت بالضرورة حجاباً عن الحق ضد اليقظة والتنبه، أي ضد الانتباه. والمحجوبون عن الله بالغفلات كثيرون، والموصولون بغير حجاب هم المتنَبِّهون المتيقظون لا لشيء إلا لأنهم هم المتقون.

هكذا تعلموا دوماً من أسرار القرآن؛ إذْ يصعد الكتاب العزيز في طراز رفيع وعال من المعاني يجبُّ بآية واحدة من سورة الأعراف (201) كل ما كتبه الغربيون في معنى العبقرية من حيث كونها يقظة وتنبُّه ولا تزيد، وعبقرية التدين الرشيد على وجه الخصوص تضمُّها الآية الكريمة:"إنَّ الَّذِيِنَ اتَّقُوا إذا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكروُا فإذا هُمْ مُبْصِرُون"؛ إنها قمة العبقرية يضفيها القرآن على المتقين. فلتلحظ أولاً "التقوى" بمثابة الأصل الأصيل الذي يشترط توافره لاستقبال البصيرة الواعية وحدة الانتباه العنيف. ولتلحظ ثانياً رمز الغفلة وهو مسُّ الشيطان أو طائف منه، ثم تلاحظ ثالثاً "فعل التذكرة"؛ وهى الحركة الفجائية التي يحكمها الأصل الأصيل تنطلق منه فلا تعود إلا بالبصيرة؛ لكأنها القنطرة التي يتمُّ خلالها العبور حقيقةً من الأصل والمصدر إلى قمة العبقرية (البصيرة) لكن هذه الحركة ليست حركة ذهنية وكفى، بمقدار ما هى حركة كيان واع بكل ما يملك من إمكانيات وقدرات، هى حركة إنسان بكليته الإدراكية، حتى إذا ما كانت ها هنا غفلة أعقبها عند المتقين تذكرة. والتذكرة أولى مراحل الانتباه اليقظ الفعال في الحركة الفجائية التي تقاوم جذبة الغفلة من فورها؛ إذْ لا يكتمل التنبُّه إلا بالبصيرة.

ثم تأتي الملاحظة الأخيرة في كلمة (مُبْصِرُون) ليكتمل الانتباه ويرشد إلى أن الرؤية هنا ليست رؤية بصرية عيانية، رؤية مُقلة وجارحة؛ بمقدار ما هى رؤية قلبية وازعها الأوحد فيما يبدو من سياق الآية ذاتيٌ خاص يقصرها النسق الإلهي على طراز خاص هم أولئك الذين اتقوا، لا كل إنسان ولا أي إنسان، وإنما هو إنسان خاص متفرِّد بأصل مشروط بالتقوى. والتقوى أمرُ باطن لا يطلع عليه لأنها علاقة خاصة مخصوصة بين العبد وخالقه، فهى بحق ذلك الجزء الغامض غير المكشوف لكل إنسان ولا لأي إنسان.

أي نعم ! هى السريرة الباطنة التي تحكم عمل العلاقة بين العبد والرب. وعلى هذا الغموض المستتر المبطون تقوم عبقرية التديُّن في كل قوة روحيّة تتصل بأسباب السماء، ولا شرط لقيامها في البداية غير إماتة الجانب المظلم في الإنسان، جانب الغفلة وما يتولد عنه من عوائق أخلاقية بغيضة وآفات شهوانية شرهة ورذائل حيوانية خسيسة، وعلائق من الأمراض والخبائث يضج تحت وطئتها الإنسان ويَسْوَدُّ بها وجه المجتمع - ظاهره وباطنه - في عصور ندعوها بعصور التقدم والاستنارة مجازاً لا حقيقة.

ولا صلاح للإنسان ولا للمجتمع إلا في هذا الموات، أعني موات الجانب المظلم بغفلاته وَسَهَوَاته المتعمدة ونكوصه عن الطريق. وقد تسألني: وما علاقة الموت بالعبقرية؟! فأجيبك بأن الموت بهذا المعنى هو أرقى درجات الوعي والعبقرية فيما لو صدق صاحبه وترقى من موت صادق إلى حياة حقيقية؛ إذْ لما كانت العبقرية يقظة وانتباهاً كان الموت بهذا المعنى أيضاً هو التعبير المباشر لأوصاف العبقرية الحقة والصادقة؛ فإن درجة الانتباه الشديد ليست تتأتى إلا بالموت (موات الغفلات وإحياء اليقظات).

صدقت نظرات القدماء وتأملاتهم حين قال أحدهم, وهو أفلاطون:" الدنيا حُلم، والآخرة يقظة، والمتوسط بينهما الموت، والناس في الدنيا كأضغاث أحلام".

ولماذا نَذْهًب بعيداً؟ ألم يقل سيّد الخلق صلى الله عليه وسلم:" الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا"؛ انتبهوا من ماذا؟!

من غفلاتهم وسباتهم وعبوديتهم للأغيار، ولكل ما يعبدون من غير الله. انتبهوا على الحقيقة التي تغافلوا عنها أو تجاهلوها حتى إذا ما ماتوا تيقظوا انتباهاً ليصطدموا بحق ما عرفوا، وبحقيقةٍ لم تلابسهم ولم تخالط ذواتهم من قبل. وصدق قول الله تبارك وتعالى: "فبَصَرَكَ اليوم حديد".

علينا أن نعبئ من تلك القيم العلوية حياتنا بدلاً من قراءة الأفكار الهدَّامة التي لا تجدي نفعاً من قريب أو من بعيد. وكما نقرأ القرآن بترتيل وتنغيم علينا أن نقرأه لا على الغفلة والخداع بل على حضور التقوى والإخلاص فيه لله، بمعنى أن نقرأه بوعي وفاعلية حيَّة وداخلية بدلاً من التسابق على تكرار آياته والانتهاء منها كما لو كانت مهمة عاجلة تقتضي الإنجاز! ثم ماذا؟ ثم ننسى فلا نذكر إننا بحاجة مَاسَّة إلى تصحيح التوحيد.

*   *   *

لا شيء يبقى من معدن الذات غير أن تعلم أنها لا يمكن أن تقدّم للإنسانية خيراً ليس هو فيها، ولا أن تعطي عطاءً وهى محرومة منه، لاشك أن الإحساس الداخلي بالعطاء الإنساني يجعل من الفرد قوة قوية قادرة تلازمه في كل حين؛ لأنه إحساس ناشئ عن تشبُّع الروح بالوعي السرمدي واتصالها بمصدر هذا الوعي، وهو كذلك إحساسُ ناشئ عن إنكار للأنانية والذاتية، وإدراك للطلاقة الروحيّة في الحالة التي ينتصر فيها الفرد الفذ على نفسه، ويَفْقَهُ أن الانتصار على النفس قوة من أقوى قوى النفس لا يتيسر مأتاها لكل إنسان ولا لأي إنسان في كافة الأحوال.

لأهل الله من كمَّـل العارفين أقوالٌ في معرفة الذات والوقوف على أسرارها بغير إحصاء. ومن جملة هذه الأسرار أنهم عرفوا ذواتهم من اعتبارات كثيرة، ومن وجهات في التفرُّد والامتياز لا يحصيها هذا المقام ولا مقام غيره، لا نخال أننا نعزلها عن الحياة الشعورية ومناشط التقدير الآدمي. كانت لهم مُبدعات حول ما يسمونه "بقوة الهمة" وهى طاقة فاعلة، عاملة، محركة لوعي الإنسان، ومشكِّلة لفاعلية هذا الوعي في سائر مناحي الحياة. فالهمَّة المجموعة على أمور يُرَاد لها أنْ تؤدَّى؛ إذا هى لم تتجمَّع خيوطها خيطاً خيطاً بحيث تكوِّن لُحْمة الحياة الشعورية الباطنة وسداها، فقلَّ أن تجدي نفعاً ذا بال.

ومعنى أن تكون الهمة مجموعة هو نفس المعنى الذي تكون به الهمة قوية مؤثرة فعالة، ولا تكون الهمة قوية ومؤثرة وفعالة إلا إذا هى عالجت بقوتها عوائق الحياة؛ لا أي حياة ولا كل حياة، ولكنها الحياة الكريمة يسلكها الإنسان ويعيشها ويحياها، فيُكرم بما يسلك ويعيش ويحيا. تلك هى الحياة القائمة على الإرادة كيما يتصدّى الإنسان بحياته القائمة على الإرادة لغوائل الفناء. فإذا لم تكن هنالك قوة إرادة فقلَّ أن تكون هاهنا حياة حقيقية، والذي يضمن وجود الحياة الحقيقية هو الذي يضمن في الوقت نفسه وجود الهمَّة مع وجود الإرادة؛ فلا يزال الكيان الآدمي محفوظاً بعصمة الرقابة على وجوده إذا قويت لديه الإرادة وارتفعت من ثم "الهمة". وقوة الإرادة أو ارتفاع الهمَّة ليست كلمة هينة بسيطة تلوكها الألسنة التي اعتادت أن تلوك الكلمات حتى تعدمها قيمتها وحيويتها، ولكنها عمل دائب وفعل متواصل ومجهود شاق لا يخلو من مغالبة وصراع مع الأهواء والآفات.

وفي الإرادة جزءٌ منها اكتساب، وجزءٌ منها توفيق. والثاني مترتب على الأول ضرورة:" إنَّ الله لا يغيِّر مًا بقوْمٍ حَتى يُغَيِّروُا مَا بأنْفُسِهِم". "وَاتَّقُوا الله وَيُعَلِمَكُم الله".

إنَّ حياتنا الإنسانية لا تتحرك إلى أعلى ولا تشي بالتفوق والامتياز على سائر الحيوات الأخرى إلا إذا تفوَّقت فينا الإرادة، وامتازت إرادتنا بالهمة القوية الفاعلة، أي ارتحلت تلك الإرادة وتفوقت في نفسها لتتصل بالهمة فتتعلق الهمة بالأعلى دون الأدنى، بالباقي دون الزائل، وبالوجود دون العدم. وكلما أدركت الهمة متعلقاتها فعرفت فيما عَسَاه تَصْرف هذا التعلق أبالأدنى أم بالأعلى؟ صار التوجه لديها ضرباً من الحياة تختاره على يقين الإيمان، ولا تختار سواه من حيوات.

وفي الحق أن أخلاقنا لا تنضبط إلا بهمَّة، وأقلامنا لا تتحرك إلا بهمَّة، وأفئدتنا لا تتصفى إلا بهمة، وألسنتنا لا تنطق بالحق إلا بهمة، ومطايانا لا تسير إلى غاياتها إلا بهمَّة. إن أقلامنا المهجورة لا تتحرك إلا بهمَّة تحتاج إلى تحريكها نحو قول الصدق ودعوة الحق وتوخي الصواب ونداء الحقيقة.

ومن عوائق عدم حركتها ذلك الخذلان الذي نجده دوماً في حياتنا بغير وضوح في الرؤية وبغير وضوح للسبيل. أقلامنا مهجورة تخط على الأوراق كلمات ضبابية ليس فيها روح ولا حياة، والسبب الذي يؤدي إلى كونها مهجورة أنها أقلام تضرب في واد غير ذي زرع، فكأنما لا ضربت ولا أحسَّ أحدُ بأنها تضرب على وتر حساس من ديدن المعرفة وهِجِّيرِ الإدراك.

 

د. مجدي إبراهيم

 

  

 

 

اياد الزهيريوكما قلنا في البدء أن الديانة الهندوسية، هي ديانة مفتوحة ، ولم توضع لها حدود صارمه، وأنما نهاياتها، نهايات سائبه، أي ديانة مرنه وسياله، وأن كانت لها بعض المعالم الثابته وخاصه فيما يخص النظام الطبقي الأجتماعي، والأيمان بتناسخ الأرواح . هذه الخاصيه جعلت منها ديانه ذات أمتدادات عقائدية تتصف بالتغير والتبدل مع الزمن، وقد بينا ذلك في الجزء الأول والثاني من حلقات الديانه الهندوسية، وسنبين في الحلقة الثالثة والأخيرة الفروع التي تفرعت من الهندوسية، والتي ولدت من رحمها و ولكنها أخذت سبيل آخر مختلف، وخاصه الموقف من النظام الطبقي، ولكن بما أن مسألة الألوهة هو محور بحثنا، لذا سيكون هو المحور الوحيد في أطار أهتمامنا .

من الأمور التي ينبغي الأشارة أليها والتي تؤكد المسار المتحول في عقائد هذه الديانه، هو الأنظمة الفلسفية المختلفة التي سُجلت في حساب الهندوسية، والتي شكلت ملامحها الفكرية، التي عبرت عن مخاض عقائدي عبر تاريخ طويل يمتد من 500 ق م الى وقت ظهور حركة (الآريا سامج) التي تأسست عام 1875 م وهي ذات أتجاه ليبرالي، وما بين هذين التاريخيين نشأت الكثير من الفرق والمدارس الفكرية والعقائدية ذات الأساس الهندوسي، ومن هذه الطرق التي ظهرت قديماً الجاينية والبوذية والتي سنحاول التطرق لها في بحث خاص بأعتبارها ديانة كبيرة أشتقت بالأساس من الهندوسية، وشملت معظم منطقة الشرق الأدنى، كما ظهرت طرق ومدارس متأخرة، من أمثال البراهمو ساماج أو الحركة الليبرالية، وهي تعتبر حركة ضمن الهندوسية العصرية، وقد تأسست 1828 م (موسوعة تاريخ الأديان ج4 فراس السواح)، وهي حركة تدعو الى عقيدة جوهرية تقوم عليها كل الأديان، وهي وحدانية الله (الكينونة الخالدة) مؤلفة الكون وحافظته، وكذلك حركة (الأريا ساماج) وهي حركة لا تؤمن بالشرك والألحاد، كما يمكننا الأشارة كذلك الى حركة أخرى تُدعى (راما كريشنا) هي الأخرى ظهرت بالقرن التاسع عشر على يد شخص يسمى (راما كريشنا) وهو برهمي هندوسي بالأساس والذي يعتقد بأن جميع المخلوقات هي عبارة عن صور مختلفة عن الله، وأن جميع الآلهه والآلهات انما هم جوانب متعددة لبراهما مطلق واحد، ولكن أهم وأشهر هذه الحركات، والتي جذبت الكثير من الهنود أليها، الا وهي الديانه السيخية التي أنسلخت من صلب الهندوسية، والتي يعود زمن أنشاءها الى القرن الخامس عشر الميلادي . هذه الديانة عبرت عن أنعطافة كبيرة في مسيرة الهند الدينية، والمهم أنها ولدت من رحم الديانه الهندوسية، والتي تأسست على يد مؤسسها المعروف ب (نانك) . أن النقطة الجوهرية في السيخية هو التأكيد على التوحيد، والذي بالحقيقة يتوازى مع التوحيد الأسلامي، وهذه نقلة نوعية فيما عُرفت عليه الديانه الهندوسية التي بدأت بالتعدد وأنتهت بوحدة الوجود على يد البرهمية، ولكن من المهم الأشارة الى أنها تتوافق في كثير من عناصرها مع الهندوسية، الديانة الأم. هناك رأي يقول أن السيخية قد تأثرت بالتوحيد الأسلامي بحكم وجود المسلمين القوي بالهند، وكان أحد كبار مفكري السيخية، والمدعو (كبير) من الذين أزدروا الأصنام، وكان يقول لا يمكن للاله أن يحل في حجر، وقد أعلن بأعتباره موحداً، حيث قال (أن حب الله كان كافياً لتحرير أي شخص) . قد يسأل سائل كيف يزدري (كبير) الأصنام وأنت تدعي أن الهندوسية بدأت بالأصنام وأنتهت بوحدت الوجود، الجواب أن فلسفة وحدة الوجود أقتصرت على طبقات الحكماء والمثقفين والمتعلمين من الهندوس، أما الديانه الشعبيه الهندوسية ففيها خليط من الالهه، وبأشكال وعناوين وطبيعة مختلفة، وهذا الأمر نراه في أكثر الأديان سواء كانت سماوية أو غير سماوية، حيث يلعب المخيال الشعبي والجهل الدور الكبير في نشوء عقائد وتصورات مختلفة عن الديانة الأم ومنها ديننا الأسلامي الحنيف، حيث أن الدين الشعبي قد جاء بالكثير من العقائد التي لا علاقة لها بالأصل.

أن التوحيد السيخي هو تعبير عن أتجاه توفيقي مع ثاني أكبر ديانة في الهند وهو الأسلام، لكن تبقى السيخية تتفق كثيراً مع العقائد الهندوسية الأخرى.

أن التوجه التوحيدي عند أكبر شخصية سيخية وهو نانك واضحاً وشفافاً في أعلان مبادئه التوحيدية عبر ترنيمته الخاصة والتي جاء فيها

((لا اله الا الله الواحد الذي أسمه الحق، الذي يجردنا من الخوف والبهتان.

الخالد، الموجود بذاته، غير المولود، الكريم الجواد، الواحد الحقيقي، كان في البدء الواحد الحقيقي، كان في أول الزمان، الواحد الحقيقي الذي كان، ويكون، وسيكون أبداً يانانك)).

أن هذه النصوص المذكورة أعلاه من قِبل السيخية، هو تعبير عن أتجاه أصلاحي من داخل الديانه الهندوسية، وتكشف عما عانته الهندوسية من ترهل وتآكل في نسيجها الفكري والأجتماعي نتيجه للتغيرات الكثيرة والغير منضبطة الملامح، بالأضافة لنظامها الطبقي الذي مارس أضطهاد قاسي للطبقات التي رُسم لها أن تكون في الدرك الأسفل من السلم الأجتماعي، وكانت السيخيه عبارة عن ثورة في جانب العقيدة الالهيه، وثورة في الجانب الأجتماعي، حيث كانت ضد النظام الطبقي التميزي، والذي أُدلج بطريقة وتفسير ديني هندوسي، والقائم على عقيدة تناسخ الأرواح، وَسَيَران قانون (كارما).

أن نانك قد سمى الاله ب (الأسم الحق) لكي يتجنب أسمه في الأسلام (الله)، وعند الهندوس (راما)، (شيفا)، (براهما)، وقد وصفه بأنه خالد، والحاكم القدير، الظاهر الباطن، الخالق والمدمر واللطيف ... وقدَّر الله بسره الغيبي مصائر كل المخلوقات وجعل الأنسان سيدها لتخدمه كلها، وقد وجدنا في ترنيمة سيخية تجمع فيها الالهه الثلاثة ذات الأصول الهندوسية ويعود بها الى الاله الواحد كأصل لها؛

((مايا الالهة الميثولوجية، نشأت من الواحد، وولد من رحمها ثلاثة تلاميذ مقبولين للواحد براهما، وفيشو، وشيفا،

يُقال ان براهما هو الذي يعطي العالم قوامه وفيشنو هو في حفظ ديمومته، وشيفا المدمر هو من ستعيده اليه ويمتصه، وهو من يضبط أمور الموت والدنيوية، الله يدفعهم للعمل كما يريد هو، هو من يراهم دائماً، وهم لا يرونه أبداً) (موسوعة تاريخ الأديان ج4 فراس السواح).

خلاصة القول في هذا النص السيخي أن الله هو من خلق المايا (القوة الساحرة)،وهو الخالق الحقيقي وليس المايا، أي هناك تركيز على الله، وهو أصل الأشياء.

السيخيه قد نأت بنفسها عن الهندوسية الأم لما رأت فيها من حالة التخبط ، وما أصابها من ضبابيه في مسألة االألوهه، لذى حسمت السيخيه أمرها بوضوح تام نحو التوحيد، وبشفافيه عالية، حيث تنطق أحدى ترانيمهم بنزعة توحيدية واضحة (فأعبدوا الله الواحد لكل الناس، المعلم الالهي الواحد)، وأن من ضمن تعهدات المنضمين الى هذا الدين، هو أن يتعهدوا بعبادة اله غير مرئي، وأن يعظموا الشيء المرئي والمقدس الذي هو كتابهم (الجرانث).

خلاصة القول أن الهندوسية بدأت بتعدد الالهه، ومرت بأنساق مختلفه منها وحدة الوجود، ومنها الأيمان بالروح المطلقه (البرهمان –أتمان) الذي يمثل أصل الأشياء، والذي تتماهى فيه كل الأرواح بأعتباره أصلها، حيث يَدّعون أن العلاقة بين الفرد والبرهمان –أتمان شبيه بتلك التي بين الأنهار والمحيط حيث تختفي فيه، ففي أدبياتهم يقولون (كما الأنهار الجارية تختفي في المحيط) أنه الأتحاد الكامل بين الفرد والنفس العليا، وهو تسليم النفس لحضرة الألوهية، وقد عبرت عنه الأوبانيشاد بعبارة (هذا العالم كله من براهمان)، هذا الأعتقاد هو من جعل البرهمي يدعي أنه الأسمى على الأرض مهما كان مستوى طبقته لأن كل واحد منهم هو جزء من الكينونه الألهية الفائقة العظمة (موسوعة تاريخ الأديان-ج4 فراس السواح)، في حين حسمت السيخيه أمرها بشكل قاطع في مسألة الألوهيه كفرقه منشقه عن الهندوسيه لتعلن أعتقادها الواضح والحاسم بأن هناك اله واحد أزلي (لا اله الا الله الواحد الذي أسمه الحق) كما جاء في أحدى ترنيمات مؤسس السيخيه (نانك).

 

أياد الزهيري.

 

اياد الزهيريفي الجزء السابق، توصل العقل الهندي القديم الى نتيجه لملم فيها آلهته العديده، جامعاً لها في الروح الكليه، والحقيقة النهائية التي تمثل الجوهر، وكل ما سواه هو عرض له، او ما تدعى بالثنائية الموضوعية والذاتيه، وهي (برهمان-أتمان). وأن هذه الروح موجوده في كل كيان حيوان أو جماد، وأنها تمثل الحقيقة الجوهرية لكل مظهر كوني موجود، وهذا يعني أنها العالم والعالم هي، وقد عبروا عنها في أحد أناشيدهم (...ان نفسي هذه موجودة داخل القلب في برهمان) . هذه الرؤيه أو العقيدة أطلقوا عليها عقيدة وحدة الوجود، وهذا المبدأ قريب لمبدأ الحلاج في عقيدة وحدة الوجود الذي عبر عنها (أنا من أهوى ومن أهوى أنا. نحن روحان حَلَنا بَدَنا ....فأذا أبصرتني أَبصرته ..). هذه العقيدة أعتقد بها الهندوس في أحد مراحل تطور عقيدتهم المفتوحة والسائبة النهايات كما قلنا في بداية الكلام عنهم. أن هذه العقيده عن الاله يعتريها شيء من الغموض، وذلك بلحاظ أن العالم قد جاء بنفحه من (برهمان-أتمان)، وأصبح برهمان-أتمان كينونة هذا العالم، ولكن من الواضح أن من نفخ سابق بالزمن والوجود على من أصبح نتيجة لهذه النفخة، وبالتالي يحصل هناك سابق زمني وجودي بين الأثنين ، وهذه مسأله واضحة من طريقة التسلسل الزمني، ولكن مع ذلك تراهم يصرون على وحدة الوجود بين العالم وروحه الكلية التي تمثل جانب الكينونة فيه، ولكن يبدو أن الهنود لم يستطيعوا الأنفكاك بين هذين الوجودين المختلفين وكأن كل واحد منهم صنو للآخر ولا يستطيع الأستغناء عنه، ولكنهم يقرون بأن العالم الموضوعي سيذوب ويفني، حيث يحل العدم المطلق، وأن النفوس التي كانت تسكنه ستتجمع، وتعود الى الكينونه، التي هي تمثل الروح المطلقه، أي لا وجود الا للرب (براهمان-أتمان)، ولكن وبنفخه منه يرجع الوجود ثانيةً، وهكذا الأمر دواليك، حيث أنهم يؤمنون بهذه الدوره للخلق، ولكن عندما يريد الأنسان التحقيق بما يقول حكماء الهندوس، سيرى أن المادة مفصولة ومخلوقة، لأنها تتراوح بين الوجود والعدم، ولا وجود دائم الا لبرهمان-أتمان، وهذا أعتراف واضح وضمني بالخالق الأول، لكنهم وبحكم البعد الحسي الذي يهيمن على عقولهم ومشاعرهم يعرقلهم بالأندفاع الى المجرد التام، الخالق للوجود، وهي حاله غير غريبة في وضع أنساني يكون فيه العقل في سلم بداياته الأولى بعملية الأرتقاء العقلي في عالم المعرفة . أن ما سعي العقل الهندوسي يكاد أن يصل في نهاياته الى المجرد، لأن بعض رسائل الأوبانيشاد تنطق بما يُسمى بالحقيقة النهائية، وكما يسموها أيضاً بمملكة الكينونة الخالدة، والتي لا تشبه مطلقاً هذا العالم المليء بالتغير والأنحلال وآلية الولادة والوفاة...) . أنهم يعتقدون بما يُسمى بالوجود الحق، الغير هذا العالم المادي.

يتضح من ذلك أن الهندوسية سارت في طريق تطورها نحو محاولة الأتحاد مع المطلق، وأن هذا المطلق هو الروح الكلية والأزلية التي يسعى اليوغي عن طريق الرياضة الروحية (اليوغا) بالأندماج به عن طريق التأمل بالروح المطلقة، وأن جسده الحالي لا يمثل الا وعاء لنفسه التواقه بالسكون مع النفس الكبيره والأزلية، والتي يسميها أحياناً بالروح العالمية الخالدة، كما أن هناك بعض الكتابات الهندوسية، تصف الأنسان الهندوسي المتأمل، بأنه من يركز ذهنه على الواحد، وأن من يمنح نفسه الى النفس العلوية، ومتخلياً عن الأثم والمعاصي، يمر بلا عقاب الى بركة الأتحاد مع براهمان اللانهائية (موسوعة تاريخ الأديان ج4 فراس السواح).

هناك من بين عقائد الهندوسية من تتجه صوب قوة فائقة القدرة والقوة، فيصفون البرهمان بصفات أسطورية لا يمكن لكائن يتصف بها غيره، وذلك من مثل هيئته البالغة الضخامة، وما لدية من أفواه لا تعد ولا تحصى، وعيون لا حصر لها، ووجوه تلتفت في كل أتجاه، ولو دققنا بهذه المواصفات لرأينا المحاولات المضنيه في الوصول الى أساس القدرة الكلية، ولكن بوسائل حسيه، وهذا هو السبب في تعثر وصولهم الى الذات الالهيه المجرده . أن الحكمة الهندوسية تحلم بالظفر بالروح المطلقة لكن أدواتها المعرفية المتواضعة، ومحدودية مجساتها البايلوجية تعيق تحقيق حلمها، الذي عبرت عنه في هذا المقطع من أنشودة الأوبانيشاد ؛

(أذا حدث وأنفجرت آلاف الشموس في السماوات بشكل مفاجيء، وغمرت الأرض بأشعة لم يُرَ مثلها، عندئ من الممكن أن نحلم بذلك الواحد المقدس والمبجل).

أن رؤية الهندوس وعقيدتهم بفناء العالم، وأن النهاية الأزليه هو الروح المطلقه التي يمكن أن تضمه لها، هو من جعله يتخلى عن جسده، ويعيش حالة الزهد الى أقسى حالاته، لأنه يعتير الجسد مادة، والمادة تمنع الروح من الأنطلاق والتأمل في الروح الكلية، هذه الفلسفة هي من كشفت حياة الزهد والكفاف في حياة الهندي وأهماله لجسده، أنه يتوق لنشوة الأتحاد مع البرهمان-أتمان. وكما قلنا أن هذه الديانه متحركة المواقف فيما يخص الاله، وأن كانت لها مواقف ثابته في شؤون أخرى، مثل نظام الطبقات، وعقيدة تناسخ الأرواح، وهي أن الأنسان يمكن أن تنتقل روحه الى كائن أخر سواء كان أنسان أو حيوان أو نبات وحتى جماد، وهذه ما تسمى بتدوير الولادة، أما تكون نحو الأعلى أو نحو الأسفل، وهذا يعتمد على سلوك الأنسان ونوع الأخلاق التي يمارسها مع الأخرين، وهناك عندهم قانون كارما تُوضح فيه هذه التفاصيل، ولكن على العموم هناك ما هو متغير وخاصة مسألة الالهه وطبيعتها وعلاقتهم بها، ولذلك نرى بين فتره وأخرى تخرج علينا فرقه أو طائفة تحمل عقيده حول الالوهه تفترق فيها عن ما سبقتها، لذلك حتى في مسألة وحدة الوجود التي أفترضت الوحده التامه، نرى هناك من جاء ببعض الأفكار التي تحمل شيء من الأختلاف، الا وهو رجل أسمه (سانكارا (788-820م) حيث لا تخلو أفكاره من الغموض والأبهام، حيث يفصل سانكارا بين العالم والبراهمان، ولكن في نفس الوقت مرتبطين مع بعضهم بشكل غير مستقل، فهو يصف البراهمان بالغير مشخص، والغير موصوف، وأنه خارج نطاق التجربة الأنسانية، وأنه لا يفنى ولكن لا تربطه بهذا العالم علاقة سببيه لأن الكون على حد زعمه ظهر بفعل وقوة المايا، وهي قوة سحرية جاءت على يدي الاله أشفارا، وتنتهي بسلسله الى اله مستتر هو براهمان، وهنا أتسال كيف لا تربطه علاقة سببيه بالعالم، والسلسله تنتهي به؟ فهم يلتقون مع من سبقهم أن هناك قوة المايا، كقوه وسطية بين الالهه والعالم، وأن العالم جاء عن طريقها، وهذه القطعة من أناشيد متأخرة من الأوبانشياد يكشف ذلك:

(ان صانع الوهم يعكس الى الخارج هذا العالم كله من براهمان...)، فنرى هنا أن المايا هي القوة الساحرة التي أظهرت العالم، ولكن هذا الوهم غير مطلق، فالمطلق فقط هو البراهمان (اشفارا)، وأن أشفارا هو المبدأ الالهي الحي، والذي يكون تحت أسماء مختلفة مثل (فيشنو، شيفا، براهما) هم عبارة عن ظهور الهي ثلاثي الأبعاد صدرت من (براهمان-أتمان)، وهو بالحقيقه أن اشفارا هو (براهمان –أتمان)، وبالتاي هو الخالد بلا مكان ولا زمان، وأنه الضابط الباطني لكامل العالم في مختلف أجزاءه كما تُشير الأوبانيشاد في ذلك حتى تُسمى بالتوحيد المؤهل، أو بالحقيقة النهائية أو الكائن الأعظم. ففي الأعتقاد السابق كانت هناك وحدة تامه للوجود أما سانكارا فقد فككها بعض الشيء وأضاف لها قوة المايا، وهكذا تمر الهندوسيه عبر الزمن بأطوار متعدده يتخللها الكثير من التباينات والتحولات في مسألة الالوهية وطبيعتها. فعلى سبيل المثال كمصداق على هذه التحولات والفرق التي خرجت من رحم الهندوسيه، هي الجاينية والبوذيه والسيخية، وهي توجهات أدلت بدلوها عن الهندوسية الأم في مسألة الالوهه، وأحدثت أنعطافات كبيره، حتى أثرت على تماسك وأمتداد الهندوسية في الهند مما أصابها بعض الوهن والتلكأ في أنتشارها، ولكن مع ذلك بقى عامة الجمهور الهندي سادراً بديانته الشعبية بعيداً عن النخب الفكريه وقد نرى بعض الموظفين البرطانيين الذي عملوا بأدارة الهند أنذاك وقد وصفوا حالة التدين في الوسط الشعبي فذكروا (الفرد العادي لا يلقي بالاً في حياته اليومية لمستقبل وجود لاحق، هو أنسان قانع بعبادة الهة القرية الصغار، الذين يتطلع أليهم من أجل المطر والمواسم الخيرة، والنجاة من الطاعون والكوليرا..).

نلاحظ أن التعدد يقوى ويضعف بين الحين والآخر، لذا الهندوس يأتون بالهه معاونون للحقيقة المطلقة (براهمان-أتمان) ويكونون كمساعدين الى جنبه، وهؤلاء الالهه الثلاثة هم (براهما-شيفا-فيشنو)، وحتى هؤلاء الثلاثة، وحتى هذه الالهه الثلاثة تستوعب وظائف مئات بل آلاف الالهه المحلية في المدن والقرى المختلفة، وهذا التعدد بالوظائف ما لمسناه بالديانات التي تطرقنا عنها سابقاً (السومرية والبابليه والسورية والمصرية واليونانية) وسميت بالآلهه الثانوية، وكذلك الأمر يتكرر هنا بالديانه الهندوسيه وهذا دليل أشتراك الكثير من الأديان بمشتركات كثيره، وهذا دليل على سير التفكير الأنساني في المسألة الدينيه بطريق شبه متوازي خلال تطور التفكير الأنساني عبر التاريخ، فهنا نرى الهنود وقد قسموا هذه الآلهه حسب وظيفتها، فمثلاً يختص الاله (براهما) بالخلق، والاله (شيفا) بالتدمير، والاله (فيشنو) بالحفظ، ويبقى (براهمان-أتمان) فوق كل ذلك.

لم يقف قطار التغير على الديانة الهندوسية عند هذا الحد، بل سار قُدماً بأتجاهات مختلفة، كما وهناك من رجع القهقري الى الديانه الهندوسيه القديمه وأعتبروها هي الأصل بعد أن رأوا التغير الذي عصف بمبادئها، مما خلق حالة من الأضطراب والحنق بين صفوف أتباعها، مما حدى بهم بالرجوع الى أصل الديانه لكي يتخلصوا مما عَلق بها مما يعتبرونه من تشوهات، لذى رجعوا الى الفيديه القديمه والتي تحتوي فيها على عدة الهه.

من الفرق التي أنحدرت من الهندوسية قديماً مثل الجاينيه والبوذيه، أما التي جاءت بعصور متأخرة فكانت مثل السيخية و والحركة الليبرالية بقيادة (رام موهانروي) عام 1828 م وأتباعها يُدعون بـ(البراهمو ساماج) وهو توجه يسعى الى أن كل الأديان لها نواة روحية واحدة والأيمان بوحدانية الله والتي يدعوها بـ(الكينونة الخالدة والممتنعة التي لا تخضع للبحث، مؤلفة الكون وحافظته)، كما هناك من أنصاب بردة الفعل القوية على ما طرأ من تغيرات لم تعجبه على الديانه الهندوسية وأعتبرها نوع من الشعوذه والأنحراف ، فرجع الى الفيدا بأعتبارها الديانه الأصلية التي لم تدنس بالشرك والألحاد، بالأضافة الى ظهور حركة (راماكريشنا) وهي الأخرى أنبثقت من الهندوسية، والتي دعى منظرها (راماكريشنا) الى أن جميع الآلهه والألهات أنما هم جوانب متعددة لبراهمان مطلق واحد. يتبع

 

أياد الزهيري

 

 

محمد بنيعيشأولا: التوصيف النفسي والعاطفي للمرأة بين ابن حزم وعلم النفس الحديث

إن تحليلات نفسية المرأة عند ابن حزم الأندلسي من خلال كتاب"طوق الحمامة"بالتركيز على أنها ذات جانب انفعالي غريزي طاغ على شخصيتها وسلوكها قد تسير جنبا إلى جنب مع ما توصلت إليه بعض الدراسات الحديثة، أعرض لبعض الاستنتاجات في علم النفس الجنسي حيث يقول فيها بعض الباحثين-أوسفلد اشفارتس-:

"إن المرأة تحتوي على مخالفة غريبة لا حيلة لها فيها، إذ تضطر المرأة إلى إثارة الرجل وتحديه، غير أن كل شيء يتعلق برد الرجل على هذا التحدي وتلك الإثارة!.

فلقد أعطيت المرأة القدرة على الاختيار إذا ما أتيح لها الاختيار فقط، ومعنى ذلك أن مصيرها بيد الجل طالما أن الحياة الجنسية هي سبب وجودها، وأن حياتها الجنسية لا يمكن أن ترضيها إلا إذا كانت كاملة، ولهذا يعجز النساء عن المحافظة على اتزانهن الداخلي بسبب هذا النزاع، لا تستغرب أن الكثيرات منهن يصبن بعصاب جنسي حقيقي"[1].

يضيف صاحب هذا الرأي معرفا بصفات المرأة على أن هناك"طائفة أخرى من الصفات تنتسب إلى ما يمكن تسميته "بنزعة موبيوس الطفولية"ولا يعني ذلك غباوة النساء الفيزيولوجية"كما يدعي موبيوس، بل يدل ذلك على أن جسم المرأة أقرب من الناحية البيولوجية إلى تركيب جسم الطفل من جسم الرجل وكذلك الشأن فيما يتعلق بتفكيرها تقريبا، ويمكن لمعظم الصفات التي تعتبر خاصة بالنساء أن تنتمي إلى المرح وعدم الشعور بالمسؤولية والخضوع للنوازع والأهواء وقلة اليقظة وكراهية السخرية والعجز عن قيادة النفس وعدم الدقة.

ويجب علينا أن نذكر ما قلته في مطلع هذا التحليل عن النزاع الجوهري في وجود المرأة وذلك أن للمرأة دماغا ولكن أيضا لها قلب، وليس من العدل في جانبنا أن نجعل من الأوضاع الاجتماعية فقط سبب هذا النزاع، ذلك أن المشكلة أكثر أهمية"[2].

فبخصوص انشغالات النساء ومدى تعمقهن الفكري وتدقيقهن في القضايا المعقدة ذات البعد الاجتماعي والمصلحة العامة قد نجد تقاربا كبيرا بين هذا الباحث الغربي وابن حزم، إذ أن هذا الأخير كان يرى أن الرجال هم أهل الفكر والانغماس في المعقولات والمجابهة الفعلية لمتطلبات الحياة، بينما النساء فارغات البال منطويات على أنفسهن لا يفكرن عند وجود بطالة بينهن إلا في الدواعي الشهوانية وما قرب منها.

بينما يرى أوسفلت شفارتس أن طريقة الرجال في النظر إلى الحياة غاية في نفسها، بل هم ينظرون إليها كوسيلة للنجاح، وهناك مظهر آخر لهذا الموقف وهو أنهم يعتقدون أنهم لا يصلون لتحقيق شيء بدون شيء وأنهم يجب أن يستحقوا كل شيء كاللذة وغيرها.

وهذه طريقة الرجال في النظر إلى الحياة لأن الرجل يهمه الفعل، كما أن النظرية تتعارض ومزاج المرأة؛لأن ما يهم المرأة هو أن تكون فقط، وهذا في نظري -على حد تعبير الباحث- هو السبب الجوهري لما يحس به النساء من اضطراب في المجتمع الحالي، لأن طريقة المرأة في الحياة هي أن"توجد"وأن تستمتع بالحياة بكل ما فيها من تمام وثراء.

فهي فنانة خبيرة بفن الحياة، وهذا هو ميدان نجاحها الخاص بها، نرى الآن مقدار صحة كل ما قلناه عن سر المرأة، ذلك لأن الوجود الصافي الذي لا يتدخل فيه الفكر إنما هو شيء لا يفهمه الرجال بل هو يخيفهم"[3].

ثانيا: المراة والرجل والشروط الموضوعية لتحقيق التوازن والكمال

هذه الآراء رغم أنها قد تتوافق مع ما ذهب إليه ابن حزم من بعض وجوهها إلا أنه سيتجاوزها حينما يطرح بعض القضايا الجوهرية التي تمنح المرأة القدرة على التوازن، وذلك من خلال الدعوة إلى الحفاظ على سلامة نفسيتها بتطبيق ما تأمر به الشريعة الإسلامية من التزام ضوابط وصمامات أمن لاجتناب المعاصي والتزام التعفف والطهر، وليس ذلك إلا بغض البصر وسعيها إلى إخفاء مفاتنها واجتناب الاختلاط بالرجال لحد تقارب الأنفاس.

وإنما تنبغي المباعدة بينها وبين الرجل قدر الإمكان كما في الحديث الشريف الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "باعدوا بين أنفاس الرجال والنساء"، وحتى لو توفرت الظروف لهذا الاختلاط وخاصة عند المحبين- كما يرى ابن حزم- فإن أفضل ما يأتيه الشخص في حبه هو: التعفف، الذي لن يتيسر إلا إذا كان صاحبه ذا قوة في إيمانه وخشية من الله تعالى.

يضاف إلى هذا أنه رغم ما ذهب إليه في تحليله لنفسية المرأة ووصفها بالضعف والانفعال وما إلى ذلك - مما رأينا- إلا أنه في الجملة يرى أنها قد تصل إلى درجة الكمال وأن خصائصها النفسية ليست موجبة لنقصان مقامها وفضلها، وإنما قد يتساوى الرجال والنساء ولو في رتبة الصحابة وغيرهم من الفضلاء حيث يقول:

"فلسنا نشك أن المهاجرات الأوليات من نساء الصحابة رضي الله عنهم يشاركن الصحابة في الفضل، ففاضلة ومفضولة وفاضل ومفضول، ففيهن من يفضل كثيرا من الرجال، وفي الرجال من يفضل كثيرا منهن.

وما ذكر الله تعالى منزلة من الفضل إلا وقرن النساء مع الرجال فيها كقوله تعالى: "إن المسلمين والمسلمات"[4]، حاشا الجهاد فإنه فرض على الرجال دون النساء.

ولسنا ننكر أن يكون لأبي بكر رضي الله عنه قصور ومنازل مقدمة على جميع الصحابة، ثم يكون لمن تستأهل من نسائه تلك المنزلة منازل في الجنة دون منازل من هو أفضل منهن من الصحابة، فقد نكح الصحابة رضي الله عنهم التابعيات بعد الصحابيات وعليهن، فتكون تلك المنازل زائدة في فضل أزواجهن من الصحابة فينزلون إليهن ثم ينصرفون إلى منازلهم العالية"[5].

ويقول أيضا في تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم : "كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون":

"والكمال في الرجال لا يكون إلا لبعض المرسلين عليهم السلام، لأن من دونهم ناقص عنهم بلا شك، وكان تخصيصه صلى الله عليه وسلم بالكمال مريم وامرأة فرعون تفضيلا على سائر من أوتيت النبوة من النساء بلا شك، إذ من نقص عن منزلة آخر ولو بدقيقة لم يكمل، فصح بهذا الخبر أن هاتين المرأتين كملتا كمالا لم يلحقهما معه امرأة غيرهن أصلا، وإن كن بنصوص القرآن نبيات وقد قال تعالى: "تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض"[6].

فالكامل في نوعه الذي لا يلحقه أحد من أهل نوعه، فهم الرجال الرسل الذين فضلهم الله تعالى على سائر الرسل، ومنهم نبينا محمد و إبراهيم عليهما الصلاة والسلام بلا شك، للنصوص الواردة فيهما بذلك في فضلهما على غيرهما، وكل من النساء من ذكر عليه الصلاة والسلام"[7].

وهكذا فليس الكمال حكرا على الرجل ولا على أي طبقة من الطبقات ولا طائفة من الطوائف إلا إذا كانت ذات مرتكزات سليمة وخصائص مؤهلة لتحصيل درجة سامية من الرقي ، الذي بدوره قد يتفاوت فيه الرجال كما النساء "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون".بحيث ستبقى الأحكام حول الأفضلية من غيرها مجرد ظنون وإسقاطات ذاتية لا يبررها إلا ما يصدر عن الشخص أيا كان من الفضائل والإنجازات الدالة على سموه المعنوي والمادي المفيد لنفسه ولمحيطه.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

..........................

[1] أوسفلد شفارتس: علم النفس الجنسي، تعريب شعبان بركات، منشورات المكتبة العصرية للطباعة والنشر صيدا بيروت 1972ص197

[2] نفس  ص198

[3] نفس  ص206

[4] سورة ا|لأحزاب  آية 35

[5] ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل دار الكتب العلمية بيروت ط2-1420-19993ص49

[6] سورة البقرة آية 253

[7] ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء النحل طبعة دار الكتب العلمية ج3ص188

 

 

مجدي ابراهيملطائفُ المَنَن في فضائل الشيخ أبي العباس المرسي وشيخه أبي الحسن، هو كتاب الترجمة الشخصيّة لقطبي المدرسة الشاذليّة، الإمام أبي الحسن الشاذلي، وتلميذه الإمام أبي العباس المرسي. يَعْرض ابن عطاء الله السَّكندري حياتهما وآثارهما في الفكر والواقع؛ أعني آثارهما النظريّة مُطبَّقة على حياتهما الحيَّة الواقعيّة.

ويجودُ قلم ابن عطاء في هذا الكتاب؛ وصَّافاً مُبْدِعاً في الوصف والتصوير، حتى ليُخَيَّل إليك وأنت تقرأ "اللطائف" أنك تعيش بروحك وبشعورك هنالك في تلك الحقبة وفي ذلك الزمن، ومع هذين القطبين الكبيرين، تعيش حياتهما في لحظة القراءة وتتنسم أذواقهما بتبتّل يصفو مع الشّذرة التي يقدّمها ابن عطاء، وتحيا في بواطن الشعور ما كانا يحييانه ويفكران فيه، ويؤمنان به على البصيرة الفائقة والوعي الصوفي العالي المستنير.

وليس هذا بغريب على ابن عطاء الله الأديب الوَصَّاف: صافي الفكرة من خيانة التجسيد القبيح، صفيُّ العبارة من علائق الأوْشَاب والأخلاط، جميل الأحدوثة في أطايب الكلم الجميل، ذكي الفؤاد وهو يطيل، وَذَكِيُّه كذلك وهو يميل إلى التقصير، نقيُّ البيان من لوثة الحشو والحشر والتقعير: صَاحِبُ الحكَم، وَصَّاف الفكرة العلويّة.

لم يكن ابن عطاء في هذا الكتاب ـ  فيما يبدو ـ يضع نصب عينيه سوى الصورة التي استقرَّت في مخيَّلته عن شيخيه الجليلين، وكفى: يرسم عبارتهما رسماً مؤثراً يأخذ بمجامع القلوب؛ ليُحدِث في الشعور هَزَّة إيمانية جليلة؛ وليعيشه القارئ حياة من خلال ما يقرأ ويفهم ويتصوَّر، ثم يعمل بمقتضي الفهم والتصور. ويهدي ـ  بما يقول الأشياخ ـ  سُدَفِ الظلام الحائر لدى الحائرين: يُنيرها ويبدِّد ظُلمتها بنور التوفيق والعناية، ويمضي على الطريق بعون الله، وجزاؤه أن يكون مع الله، والله مع السائرين.

كان ابن عطاء الله السكندري ـ ولا تزال آثاره ـ بما كتب في هذا الكتاب وفي الحكم أيضاً، ريحانة المدرسة الشاذلية تَعَطَّرَتْ على سنان قلمه شذرات الإمام الهُمَام أبو الحسن الشَّاذلي، ولولا ما كتب ابن عطاء في هذا الكتاب، وفي التنوير، وفي الحكم، ما كُنّا لنَعْرف شيئاً بمثل هذا الجمال والتأثير ورُقيَّ الأداء عن الشيخ أبي الحسن الشاذلي، والأغرب من هذا: أن معرفتنا بالشيخ أبي العباس المرسي تكاد تنقطع لو أن الفرصة لم تكن لتتاح لابن عطاء لكتابة "اللطائف". ربما قد يكون هناك مصدر آخر غير "اللطائف"، يمدُّنا بمناقب الشاذلي الإمام وسيرته وإشاراته وبعض معارفه؛ من طريق ابن الصّبَّاغ في كتابه الجامع "درَّة الأسرار وتحفة الأبرار"؛ ولكن تلميذه أبو العباس المرسي تتلاشى معرفتنا به تماماً لو لم يكتب ابن عطاء الله هذا الكتاب وغيره من الكتب التي صَنَّفَها في آداب الطريقة، أقول هذا: على المستوى النظري، على مستوى الكتابة والتأليف وتدوين الآثار.

ولكن ما من شك في أن الطريق العملي للشَّاذُليَّة باق على صعيد السلوك والعمل؛ وهو الأهم في الدلالة على الطريق، أعني أن مستوى العمل والممارسة والانخراط في التسليك هو الفاعلية النشطة الباقية، وهو مدار الاهتمام من الشاذليّة على التعميم. عنصر الفضل في هذه المدرسة يكمن في "التوجُّه" ويحيط سلامة "التوجه" بالعمل الدائم ورعاية السلوك الديني على مقتضاه. لم يكن السلوك بمنأى عن "التوجَّه" ولا يجيء "التوجّه" بمعزل عن العمل في إطاره. ليس ثمة انفصال بينهما. أغلب آثار الشاذلية تدور حول النشاط الديني والسلوك العملي: فكرة  تخضع لمقتضى التطبيق، وتطبيق يتلازم مع الفكرة التي يمليها "التوجّه" كما تفرضها آفاقه العلوية. رحاب الشاذلية سماحة وعي واتّساع مدراك تسمح باللقاء المباشر وتحقق الشهود الكامل.

لم يرث علم الشيخ أبي الحسن الشاذلي بالمباشرة والخصوصية غير أبي العباس المرسي، وهو أجَلُّ من أخذ عنه الطريق، ولم يضع لا هو ولا أستاذه شيئاً من الكتب، وكل ما تركاه جملة أقوال في التصوف: تعاليم وإرشادات، وبعض الأدعية والأحزاب. وكان يقول، فيما يروي الشعراني عنه: "علوم هذه الطائفة علوم تحقيق، وعلوم التّحقيق لا تحتملها عقول عموم الخلق"؛ وكذلك شيخه أبو الحسن الشاذلي، رضوان الله عليه، لم يضع شيئاً من الكتب، ولما سُئل في ذلك كان يقول:"كتبي أصحابي"!

وعندي أنها لإشارة عالية تكشف عن ذَوْق الطريق حتماً بالمعاملة والممارسة والرياضة والتجربة؛ ليكون التصوف بمقتضاها حركة عمل وعلاقة علم، وليس هو مُجرَّد نظر فارغ من الممارسة أو مجرد قراءة سطحية سرعان ما تتبخر مع الأيام، هو على التحقيق فاعلية تجريبية: أعني خوض غمار الفعل الحيوي المباشر والدوام عليه وتمثله حياة خالصة تُعاش بعيداً عن عبث الأغيار.

إنه ليُربّي الرجل تربية علميّة على أسس الطريق ثم يرقيه في خضم المعاملة بالتي هى أحس؛ فيكون العلم قرين العمل، والعمل قرين الحال.

كتبي أصحابي؛ لأن التربية الرُّوحيَّة التي كانت ممثلةً في أبي الحسن الشاذلي لهى هى تربية الرجال. وصناعة الرجل في التصوف خَاصَّة أهم وأقوى من صناعة الفكرة النظريّة المعزولة عن الحياة والمُجَرَّدة عن فاعليتها وحضورها في دنيا الواقع العملي.

كتبي أصحابي؛ لأن الكلمة يقولها الشيخ لها من التأثير الإيجابي الفوري بحيث تنقلب من ساعتها إلى واقع مُحقق منظور، وتتحوّل لدى مُتَلَقِّيها إلى عمل يظهر في سلوكه بالمباشرة؛ بسبب أنها حياة روحيّة صادرة بالفعل عن التجريب.

كتبي أصحابي؛ لأن الصُّحْبَةَ للرجال أقوى للنفس وأفعل من صحبة الأفكار التي لا تدل على مِكْنَةٍ في ذاتها أو على قوة. الرجل الإنسان الذي يحيا الحياة الروحية ويعشها تجربة وممارسة وفاعلية ليس كالنصّ الصامت الميت الذي لا ينطق إلا إذا أنطقوه. صحبة الرجال صدق في الحال ما دامت صدقاً في الطريق؛ وهى من بعدُ لأنفع من مفعول الأفكار الهدَّامة، وبخاصّة إذا جاءت تلك الأفكار عاصفة في معترك الحياة الدينية والرّوحيّة.

كتبي أصحابي؛ وليس لي من صحبة إلا الرجال. والرجل الذي لا يمثل فكرة ولا ينهض برسالة ولا يعطي من ذاته ما يدل على فكرته، أو على رسالته؛ خيرٌ من صحبته القطعية؛ لأنه ليس برجل ولا هو بإنسان يستحق الحياة.

وللمدرسة الشاذلية في مصادرها العلمية (النظريّة) طريقان: الأول طريق ابن الصَّبَّاغ، وهو قد استقى كل معلوماته عن الشيخ أبي محمد ماضي خَادِم الشيخ أبي الحسن الشاذلي نفسه، وهذا الكتاب أقدم كتاب عن الشاذلية وشيخها أبي الحسن الشاذلي، طبع منذ أكثر من مائة عام تقريباً في تونس، ثم توالت طبعاته في القاهرة، وألحقت به ملاحق وزيادات.

ومنه إلى أحمد بن محمد بن عبَّاد المحلي الشافعي المتوفى سنة (1153هـ)، صاحب كتاب "المفاخر العليّة في المآثر الشاذلية"، ثم الفروع. والطريق الثاني: طريق أبو العباس المرسي؛ فابن عطاء الله السَّكندري، ثم الفروع .. هذان هما الطريقان اللذان يمدَّانا بالمعلومات النظرية عن الشاذلية، وما سواهما يأخذ عنهما إمَّا نقلاً أو محاكاةً أو تربيةً أو ترقيةً أو تجربة. وفي التجربة فقط يجود البيان!

حين ترجم "الشعراني" في طبقاته الكبرى للشيخ أبي الحسن الشاذلي قال: " وقد أَفْرَدَهُ سيدي الشيخ تاج الدين بن عطاء الله هو وتلميذه أبو العباس بالترجمة، وها أنا أذكر لك ملخَّص ما ذكره، ثم لخص الشعراني بعض ما وَرَدَ في لطائف المنن في طبقاته (الطبقات الكبرى، جـ2، ص 4 وما بعدها). ولكن هذا التلخيص إنْ كان يفي بمقصود الشعراني من حيث علمه وخبرته بأسرار الطريق كونه شاذليّاً يدين بالولاء للطريقة الشاذلية، فهو لا يفي من جهة أخرى بمقصود القارئ النهم الشغوف بمعرفة المزيد عن المعلومات الوافية لكتابات الشاذلية، وبخاصّة ابن عطاء الله، المعبّر الحقيقي عن هذه المدرسة، والناطق باسمها، والمدَّون لإشارات شيوخها الأوُّل.  

وكتاب لطائف المنن لابن عطاء من الوثائق الصوفية لهذه المدرسة، يُحتَفي به من الأوساط الأدبية والمعرفية خير احتفاء، ويُحقق تحقيقاً علمياً على يد الإمام الأكبر المرحوم الدكتور عبد الحليم محمود ـ طيَّبَ الله ثراه ـ ليكون مصدراً أساسياً لتعاليم السادة الشاذلية كما جاءت على يَرَاع كتابها العارف ابن عطاء الله السكندري، ثم ليجيء نبراساً ينير الطريق بشذى الولاية والعرفان للمريدين والطالبين على مَرّ الأزمان.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

اياد الزهيرينتجه شرقاً الى الهند حيث وجود منشأ الكثير من الديانات بعد أن غادرنا الزرادشتية في أيران الى حيث الهندوسية في الهند، الأرض التي ضجت ولا تزال بالأديان والالهه لنستكشف عوالم آلهتها عبر العديد من الأديان والمعتقدات، ولكن تبقى الهندوسية هي محور دراستنا بأعتبارها هي الديانة الأكبر في الهند . نشأت بالهند في فترة ما قبل هجرة الأقوام الآرية من أواسط أوربا الى أرض الهند ديانات محلية لسكانها الأصليون، الذين يمتازون بالبشرة الداكنة الأقرب للبشرة الزنجية، وذوي الشعر المجعد، حيث يشير المؤرخون الى ما قبل 1500 ق م، حيث سادت عندهم عبادة الآلهه، وكانوا كغيرهم من الأقوام التي سبق وأن تطرقنا لهم بدراسات سابقة كالرافدينيون والسوريون وعرب الجزيرة والمصريون وحتى اليونانيون، حيث عبدوا آلهة متعددة، فكان لكل مجموعة اله، حتى لترى لكل عائلة اله خاص بها يحتفظ فيه في بيته . هذا التعدد جاء نتيجة أعتقاد الهنود القدامى أن هناك قوى سحرية وخفية تكمن وراء الأشياء والظواهر، لذلك تجد الهنود منهم من يعبد حجر ذو شكل معين، ومنهم من يعبد نبات ومنهم من يعبد حيوان، ومنهم من عبدوا قوى الطبيعة كاله السماء والشمس والأرض والنار، والريح والماء، وهذا ما ميز أرض الهند بكثرة المعابد والمقامات والأضرحة، في الغابات والمدن والأرياف والجبال، وهنا هم لم يختلفوا كما قلنا عن الأشعوب الأخرى، وأن كانوا هم أكثر تعدد في عبادة الالهه من الشعوب الأخرى، ولكن لا يمنع من وجود التماثل بالعباده بين شعوب الأرض، فمثلاً الاله (ديوس) اله السماء عند الهنود، يقابله الاله زيوس عند اليونانيين وجوبتر عن الرومان وأنيليل عن السومريين وحورس ونوت عند المصريين، وهم كغيرهم من الأقوام الأخرى التي نحت نحو تجسيمي، حيث لا يسعهم ولا تطمئن نفوسهم الا بقرب آلهه مجسمه بقربهم تحميهم وتلبي لهم حاجتهم الدائمة والمختلفة، فقد سموا اله السماء (فارونا) وجعلوا منها أباً، واله الأرض (بريثيغي) وجعلوا منها أماً واله المطر (بارجانيا) والنار (اجني) والريح (فايو) والشمس (سوريا) أو مترا، أما أهم الالهه هو اله النار، اله الشعلة المقدسة، أما اله المطر فهو (أندرا) وهو من يجلب للهندي الأمطار التي تمثل له أهمية كبرى مما جعلوه أعظم الالهه مقاماً، وهذا هو ما أشرنا اليه حيث أن قرب أو بعد الالهه عنهم تقرره مدى حاجتهم اليه، وهذا هو سر التعدد والتحول مابين الالهه عندهم، وكغيرهم ممن سبق ذكرهم فأن هناك اله يختص بالأخلاق ورعايتها ويراقب تطبيقها وهو الاله (فاروفا) الذي هو أيضاً كما ذكرنا اله السماء في البدء ثم تطور عندهم ليصبح أكثر الهة الفيدا علواً في الأخلاق والمثل الأعلى للآلهه، وهو من يراقب العالم بعينه الكبرى، ويعاقب على الشر ويكافيء على الخير، ويعفو عن ذنوب التائبين، وكان حارساً على القانون الأبدي ومنفذاً له، وهذا ما يذكرنا بالآله أوزوريس في الديانة المصرية القديمة، الذي كان يمثل اله الأخلاق.

تُشير الدراسات التاريخية الى حدوث هجرات لأقوام من أصول أرية من أواسط أوربا الى شمال الهند وأستوطنت على ضفاف نهر الأندوس قبل 1500ق م، وهناك من يقول أبعد من ذلك بكثير، وقد حملت هذه الأقوام معها ديانتها الخاصه بها، وقد زحفت هذه الأقوام بأتجاه الوسط والجنوب وامتزجت مع الأقوام الهنديه الأصلية، وهنا أخذت تبرز عندهم الديانه الفيديه . أن الأقوام الآريه الزاحفة داخل الأراض الهنديه كانت من ضمن أهم آلهتها هو الاله (اندرا)، وهو سيد الالهه، كما أنه اله الحرب، كما كان لهم اله آخر يُدعى (رودرا) وكانوا يخشونه بأعتباره اله العواصف المدمرة، لذلك كانوا يناجونه بكلمات التضرع؛

أيا رودرا، لا تؤذ أنفسنا العزيزه علينا

لا تؤذينا في قطعاتنا ولا في خيولنا

أيا رودرا، لا تذبح أبطالنا في غضبك.

هذا المزيج بين الهة السكان الأصليين والقادمين، وما مروا به من أرهاصات وتحولات فكرية عبر الزمن تولدت عدهم ما يُدعى بالآلهه الفيديه والتي تمخضت عن ظهور الديانه الفيديه والتي تضمنت للآلهه أناشيد وصلوات وتبتلات، تمثل مجمل الديانه الفيديه، وهي ديانة بدأت متعددت الالهه، مشركة، وقد بنوا ثقافة غزيرة بلورة لظهور هذا الدين الذي يمتد لجذور سحيقه. لكن مع الزمن بدأ يظهر عندهم أتجاه نحو وحده أجمالية، وهنا ظهرت لنا شخصيات ذكرتها ترانيم متأخرة في (الريغا فيدا) من أمثال الاله (فيشا كارمان) الذي هو من صنع العالم، والاله (براجاباتي) رب المخلوقات، وهناك الاله (بوروشا) الاله الكوني والمانح للحياة لكل الكائنات الحية، وهو مخرج العالم بأسره من داخل ذاته، وهنا نلاحظ أتجاه لوجود مرجعي يتكثف في عدد محدود من الاله، فنرى أن الترنيمة 129 من الكتاب العاشر تشير الى حقيقه كونية عظيمه لا تسميها، ولكنها تشير اليها على أنها ذلك الشيء الوحيد، وهنا يمكن ذكر بعض من هذه الترنيمة؛

كان الخلاء لا يزال ممسكاً بالممكن الذي لم يتشكل

الى ان قامت قوة الدفء بأنتاج الواحد المتفرد

ثم تحركت الرغبة في ذلك الواحد لتتحول الى كينونة .

فقد أعتقدوا أن هناك كينونة مبدعة مجهولة الأسم، قبل وجود الآلهه وكل الأشياء، وهي من قررت خلق العالم. الهنود القدامى أطلقوا ألقاب عديده على هذه الكينونه المبدعه، فهم سموها (آغني، ياما، فارونا وغاروتمان ووو). لم يكن هذا التصور عن خلق العالم الوحيد في كتاب الفيدا، والسبب أن هذا الكتاب كُتب في مدة بين 500 ق م الى 500 م، وكان خليط متراكم من التصورات والأفكار والأعتقادات، والدليل أن هناك أساطير أخرى لمسألة الخلق فيه والتي تقول أن العالم كان أما بقرة أو حصان أو أنسان كوني أزلي خضع لعملية تضحية فَتَقطَع فأنتج الجبال والأنهار والمخلوقات الأخرى، وهذا الأنسان الأصلي يُسمى (بوروشا) ويدعى بالقربان الكوني، كما هناك أسطورة أخرى، تقول أن هناك بحر أزلي حمل بيضه ذهبية والذي خرج منه المنشأ (براجاباتي) الخالق، صانع الالهه والناس والحيوانات، وهذه الأساطير يرجع أصلها الى أزمان سحيقه سبقت الهندوسية، وقد تناقلت شفوياً عبر الأجيال والتي تجمعت ودونت بالفيدا التي تألفت خلال الالف سنه الى 800 جزء، ولكن مع وجود هذا التعدد في الأساطير التي تفسر نشوء العالم، وهذا التعدد في الالهه الكبير عبر الزمن والذي يُذكر أن للهنود 330 مليون اله، ولكن الهنود أتجهوا نحو نهايات قريبة للتوحيد، وهنا يصف فرانكلين ادغرتون هذا التوجه في تكثيف الالهه فيقول (اما أنه يتم جعل اله محدد يستوعب كل الالهه الآخرين ... أو أنه يمنح صفات لا تعطى في المنطق الدقيق الا لألوهية موحدة واحدة)، وهنا يتبين برغم التعدد الا أننا نرى توجه بمخاطبة حقيقة كونية واحدة هائله كما أشرنا بذلك الشيء الواحد بالترنيمه 129 من الكتاب العاشر من الفيدا، كما تذكر الفيدا في بعض سطور هذه الترنيمه ؛

وماذا اذا كان العالم مصنوعاً أم أنه وجد بذاته

انه يعرف بثقة كاملة، وحده هو الذي يحرس ويراقب في أعلى السماء.

نرى أن الفكر الهندوسي ينتهي باله واحد مقدس وأن لم يحسموا أمرهم بتسميته، وأحياناً يُسموها قوة الدفء، كما في فترات لاحقه أطلق حكماء الهند علية عدة أسماء ( آغني، ياما، ماتاريسان).

في خضم هذه الفوضى الفكرية والسائبة النهايات للديانه الهندوسة، نرى في غضون 200 ق م خرجت علينا مجموعة من الأرشادات التي سُميت بالبراهمانات، وهي ذات مضمون وتوجه تدفع بأتجاه التوحيد، حيث أدعوا أن هناك (براهما سفايانيبهور) ويُدعى براهما الموجود بذاته، والخالق الشخصي للكون، وهو القادر على تغير مجرى الكون، وهو القوة التي لها القدرة على فرض الطاعة على الالهه والناس على حد سواء، ويسموه (براهمان). أن حكماء الهنود تراهم يدورون حول توحيد غامض ومشوش، ولكنهم يرغبون بالوصول الى نقطة أو حالة مركزية . فكلمة (براهمان) نراها تشير في الهندوسية الى معنى الروح الفائقه، العالمية، وهو المطلق . (اليوكبيديا).

ولو نظرنا في تاريخ الديانه الهنديه القديمه لرأيناها تؤمن بحقيقة وجود عالم خارجي وبقواه السحرية، وهذه الفترة يدعوها بالهندوسية الأصلية، وهي من زمن ما قبل الآريين، وهذا الأمتداد بالأضافة لما جاء من قبل الآريين المهاجرين، ومجهولية المؤسس لهذه الديانه هو من جعلها مفتحة الأبواب بدخول وخروج الأفكار عليها، وسوف نجد في الجزء القادم من هذا البحث كيف ظهرت تيارات وفرق ومذاهب أخرى من هذه الديانة، وحدث ذلك بأنسيابية عالية نتيجة لعنصر التسامح والقبول بالآخر من قبل الديانة الهندوسية، وهذا ما سمح لها بالتطور والنمو والأضافة الفكرية المستمرة، لهذا نراها بدأت بالتعدد الضخم للآلهه وأنتهت الى الأيمان بالحقيقة الكلية التي تدعى براهمان – أتمان، وهو الوجود الشامل، وهنا نكشف شذرات من ترانيمهم التي تظهر عقيدتهم وتصورهم عن البراهمان ؛

(خالد هو وموجود كرب،

ذكي، موجود في كل مكان، حارس هذا العالم،

هل هو من يحكم هذا العالم على الدوام)

نلاحظ مدى التوجه الى الخالق الأوحد، ومن ناحيه أخرى يعتريهم التسائل والريبه في أخر سطر، عندما يقول (هل هو من يحكم...) أنه مخاض وقلق فكري لدى حكماء الهند القدامى، ولكن نرى في تطور لاحق يصفون الخالق بصورة تصفها هذه الكلمات في أحد ترانيمهم (في البدء كان هذا العالم براهمان. الواحد اللامحدود، لا محدود بالنسبة للشرق، ولا محدود بالنسبة للشمال ... لا محدود بالنسبة لكل الجهات...).

هناك فكرة أيضاً دخلت على الديانة الهندوسية، وهذا هو أستمرار لديدن الهندوسية في جريان العقائد تلو العقائد الى صفحات كتبها، بأعتبارها ديانة مستمرة التكون، هذه الفكرة تدعى قوة المايا، وهي قوة سحرية تقول أن الغير ظاهر هو مصدر لكل الأشياء والكائنات، والبرهمان المستور هو وحده الحقيقي بالمطلق ولا يفنى، وقد جاء في بعض كتابات الأوبانيشاد (أن البرهمان المستور عبر قوته الخلاقة المتأصلة في ذاته بأنتاج البيضه الذهبية التي عند فجر الخلق ... وأصبح الاله الخالق الفعال براهما، وخلق براهما العالم من خلال القوة السحرية (مايا) المتأصلة في البرهمان). وهنا يتبين أن برهمان المستور هو المصدر النهائي للعالم الخارجي، وهو الحقيقة النهائية، ويعبرون أحياناً عنه ب (برهمان- أتمان) بتصور ثنائي (موضوعي وذاتي). يتبع ج2

 

أياد الزهيري

 

محمد بنيعيشأولا: نفسية المرأة وقرب الملاحظة عند ابن حزم

يبدو من خلال مطالعة كتب ابن حزم وخاصة "طوق الحمامة" أنه قد أدرك بدقة كثيرا من الفوارق النفسية بين الرجال والنساء.وفي هذا الموضوع قد نتوافق معه وقد نختلف كثيرا، تماما كما اختلف تصوره ووعيه بين مرحلة الشباب المبكر المنفعل ومرحلة الكهولة والتريث والتبصر.

لهذا فليست كل القوانين والسلوكيات التي تصدق على الرجال يمكن أن تتحكم وتوظف لدى النساء وذلك لأسباب، منها: الخصوصية النفسية والبنية الجسدية والتكوين الثقافي والاجتماعي.. كما أنه ليست كل النساء يمكن أن ينطبق عليهن الوصف الآتي ذكره، ولكنه بحسب الظروف والواقع والعادات والثقافات. إلا أنه مع ذلك يصور لنا واقعا أندلسيا في مرحلة متأخرة طغى فيها جانب العواطف والغراميات والألحان والسهرات فكان ما كان مما لست أذكره ولكن من غير ظن خيرا كان أم غيره...

فهناك بعض الأحول والطبائع الخاصة بالرجال وبعضها الآخر لا يعني سوى بالنساء.

لكن كيف أمكن له معرفة هذه الفوارق بشكل وبلغة علمية كما عرض لبعضها في كتابه "طوق الحمامة" أو "الأخلاق والسير"؟.

فهو قد كان ذا اتصال وثيق بالعنصر النسوي وخاصة المرأة الأندلسية وبيئتها الخاصة، ومن هنا فقد لاحظ أشياء كثيرة لديهن، كما خرج بنتائج قلما يوجد مثلها عند المفكرين النفسيين قبله وذلك في شكل ملاحظة موضوعية وتتبع دقيق للحركات عندهن.

فكان أهم مجال ظهرت فيه المرأة بخصوصياتها النفسية عن الرجل هو مجال الحب وعوارضه وأسبابه، حيث يقول عنه: "ولقد اطلعت من سر معتقد الرجال والنساء في هذا على أمر عظيم، وأصل ذلك أني لم أحسن قط ظنا في هذا الشأن مع غيرة شديدة ركبت في ...

لكن اهتمامه كان منصبا على النساء أكثر من الرجال؛كما يحكي عن حاله معهن: "فلم أزل باحثا عن أخبارهن كاشفا عن أسرارهن وكن قد أنسن مني بكتمان، فكن يطلعنني على غوامض أمورهن، ولولا أن أكون منبها على عورات يستعاذ بالله منها لأوردت من تنبههن في الشر ومكرهن فيه عجائب تذهل الألباب"[1].

فهنا إشارة إلى صفة خلقية من الضروري وجودها في الباحث الذي يروم الوصول إلى مداخل النفوس التي يتحرج أصحابها من إبراز مكامنها، هذه الصفة هي سوء الظن، وفائدته تتجلى في عدم الثقة بالأقوال السطحية والحركات الظاهرية للأشخاص عند البحث العلمي والتنقيب.

بل ينبغي تعقب الشخص المراد البحث عن نفسيته وذلك باستمرار ومواصلة إلى النهاية، مع وعد للمستنطق أو المراقب بعدم إفشاء أسراره والالتزام به حتى يستأنس المبحوث فيه بالباحث ويدلي إليه بكل أسراره الداخلية، ومن ثم يتحصل على المعلومات الضرورية لتكوين نظرية نفسية أو أخلاقية بخصوص الحالة المتوخى تقنينها.

ثانيا: المرأة الأندلسية والمتلازمة العاطفية والوجدانية من منظور ابن حزم

إن أهم خصائص نفسية امرأة -كما يذهب إليه- هي طغيان الجانب العاطفي على التفكير العميق لديها، ولهذا فعقلية المرأة تتسم في غالبها بالقصور النوعي المقيد وخاصة في تصور الأبعاد المترتبة عن فعل ما.

إذ هنا يتشبث بفكرة - حسب رأيه-أن النساء ضعيفات التمييز بالنسبة إلى الرجال خصوصا، ولسن بذات القدرة المتواصلة للتعمق في المسائل العقلية التجريدية.

بحيث إنهن في كثير من الأحيان لا يميزن بين المنفعة والمضرة لمآلهن رغم وضوحهما، بل إنهن لا يكدن يتخلصن من الشعور بذواتهن أو الاتحاد والاندماج بالموضوع المتفرغات له، خاصة المواضيع ذات الأبعاد التجريدية والمنافع العامة، فهن بطبيعتهن منطويات على أنفسهن لا يستطعن الخلاص من تأثيرات غرائزهن وخاصة الغريزة الجنسية.

لهذا فإنه إن بدا نوع من المساعدة من طرفهن والتضحية فإنه أكثر ما تكون خاصة بالمساعدة في تحقيق زواج لفتى من فتاة أو العمل على مساعدة فتاة يتيمة لتجهيزها لزوجها [2]، وهو ما نلحظه من كثرة الجمعيات النسوية التي تهتم بشؤون المرأة والطفل ومزاعم الإدماج الاجتماعي والوقاية ...وهو ما ينعته علماء النفس الحديث بالمشاركة الوجدانية حيث يتأثر الإنسان بحالة غيره ويشاركه آلامه وأفراحه ويعمل على مواساته"[3].

يعلل ابن حزم هذا الميل الخاص بالنساء، وخاصة غير ذات تكوين علمي ومعرفي،  بأنهن:"متفرغات البال من كل شيء إلا من الجماع ودواعيه والغزل وأسبابه، والتآلف ووجوهه، لا شغل لهن غيره ولا خلقن لسواه، والرجال مقتسون في كسب المال وصحبة السلطان وطلب العلم وحياطة العيال ومكابدة الأسفار والصيد وضروب الصناعات ومباشرة الحروب وملاقاة الفتن وتحمل المخاوف وعمارة الأرض وهذا كله متحيف للفراغ صارف عن طريق البطل!"[4].

هكذا يعلل سبب هذا النقص والسلوك الضيق عند بعض النساء وليس كلهن، فهو رهين بالبطالة وقلة الانشغال بالأمور المعقدة والعميقة، الشيء الذي سيصرفهن إلى التفكير المفرط في المجال الجنسي، مما قد يتساوى فيه معهن حتى الرجال عند توفر نفس الحالة من البطل كما عبر عنه، وليس أنه لديه تمييز عنصري بالدرجة الأولى.

لكن مع هذا فالجانب العاطفي يبقى عند النساء أقوى من الجانب العقلي الذي قد يعتبر ميزة وليس نقيصة، وخاصة عندما يوظف في الحضانة والوفاء في الحب وشدة التعلق بالمحبوب.

بسبب هذا فقد يدخلن حسب رأيه من هذا الجانب في حكم الصبيان[5] وناقصي التمييز، نظرا لبعض التصرفات التي تصدر عنهن رغم أنهن قد يكن في سن التمييز وكمال الأهلية والرشد.

هذا الطبع لديهن قد يجعلهن أشد كلفا من الرجال عند التعلق والميل الكلي نحو الشخص الذي يحببنه، وذلك لغلبة الخيال عليهن واستبداده بأفكارهن.

فهن وإن كن يشتركن مع الرجال في الحب عن طريق الوصف فتعلقهن بهذا الوصف يبقى أقوى منهم لأن "حب النساء في هذا أثبت من حب الرجال لضعفهن وسرعة إجابة طبائعهن إلى هذا الشأن وتمكنه منهن"[6].

عند هذا الضعف الملازم لبنيتهن النفسية فقد يكن أكثر تعرضا للغرور والعجب واستجابة للتغرير ووقوعا في شراك المخادعين.

إذ أكثر ما تغتر المرأة؛بأختها المرأة، لأن الرجل قد يعجز في كثير من الأحوال عن أن يصل إلى امرأة رغب في مواصلتها، لكنه سيلجأ إلى وسائل عبر عنها ابن حزم بالسفير!.

بحيث سيكون أهم عنصر في تحقيق هذا الهدف هي المرأة نفسها، نظرا لأنها سريعة الانفعال والتأثر والانخداع بالمرأة من جنسها، فتكون هي المغرية والمغرورة أو المغرَّر بها.

فليس أنسب للإيقاع بالمرأة في شباك المخادعين من الرجال إلا عن طريق امرأة مثلها، تثق بها وتظن بها المساواة والسعي في مصلحتها ومشاركتها وجدانيا، إذ من هنا قد تقع فريسة الخطيئة وتغلب عليها العاطفة والخيال الذي هو من أعراض ضعفها.

لهذا فإنه يحذر بعض النساء الحديثات السن من الثقة ببعض من يظهرن الصلاح ويتزيين بأزياء خاصة، حسب الظروف والبيئة التي كانت عليها الحياة الأندلسية آنذاك، أو يزاولن أعمالا وصناعات تتيح لهن الاتصال بالرجال والنساء على حد سواء"[7].

ونظرا لوجود هذه الحالات النفسية المميزة للمرأة عن الرجل فإن البعض منهن لا يمنعهن عفافهن أو تقواهن من إبراز أسرارهن العاطفية للعامة، وليس ذلك إلا لأنهن ضعيفات البنية النفسية، فيردن أن يعوضن هذا الضعف بإبراز كمالهن عن طريق الاشتهار بقدرتهن على سلب لب محبيهن.

فبخصوص هذا الموضوع يذكر أنه قد قرأ في "بعض أخبار الأعراب أن نساءهن لا يقنعن ولا يصدقن عشق عاشق لهن حتى يشتهر ويكشف حبه ويجاهر ويعلن وينوه بذكرهن"، ويعلق على هذه الظاهرة بأنه لا يدري"ما معنى هذا، على أنه يذكر عنهن العفاف، وأي عفاف مع امرأة أقصى مناها وسرورها الشهرة في هذا المعنى"[8].

ثالثا: مفهوم الصلاح وشروط تثبيته بين الرجال والنساء

فالواقع حسب تحليل ابن حزم هو أن هذه الظاهرة دليل على ضعف نفسيتهن من حيث قوة التعقل لديهن كما سبق الحديث عنه، ولهذا فالمرأة إذا أهملت تعرضت للانهيار والتسيب وقد تتأثر بهذا الإهمال سواء من الناحية النفسية أو الجسدية.

فهي إذن ذات بنية ضعيفة في كلا المجالين"وإنما النساء رياحين متى لم تتعاهد نقصت وبنية متى لم يهتبل بها استهدمت، ولذلك قال من قال :إن حسن الرجال أصدق صدقا من حسن النساء وأثبت أصلا وأعتق جودة لصبره على ما لو لقي بعضه وجوه النساء لتغيرت أشد التغير، مثل الهجير والسموم والرياح واختلاف الهواء وعدم الكن"[9].

كما أن لضعف بنية المرأة الجسدية انعكاسا على البنية النفسية لديها –في رأيه- وهذا لا يعني بالكلية أن بنية الرجل غير مدخولة أو ضعيفة، بل إنها قد تشترك مع بنية المرأة في هذا الضعف النفسي خاصة، ولكن ليس على نفس مستواها.

فهو له طبيعة المبادرة بالنسبة إليها، بينما هي تبقى متحفظة في غالب أحوالها، خاصة إذا بقيت على حالها ولم تستثر غرائزها.

ولهذا فالناس كثيرا ما يغلطون في تفسير معنى"الصلاح غلطا بعيدا، والصحيح في حقيقة تفسيرها أن الصالحة من النساء هي التي إذا ضبطت انضبطت وإذا قطعت عنها الذرائع أمسكت، والفاسدة هي التي إذا ضبطت لم تنضبط وإذا حيل بينها وبين الأسباب التي تسهل الفواحش تحيلت في أن تتوصل إليها بضروب من الحيل.

والصالح من الرجال من لا يداخل أهل الفسوق ولا يتعرض إلى المناظر الجالبة للأهواء ولا يرفع طرفه إلى الصور البديعة التركيب، والفاسق من يعاشر أهل النقص وينشر بصره إلى الوجوه البديعة الصنعة، ويتصدى للمشاهدة المؤذية ويحب الخلوات المهلكات.

والصالحات من الرجال والنساء كالنار الكامنة في الرماد لا تحرق إلا من جاورها إلا بأن تحرك، والفاسقان كالنار المشتعلة تحرق كل شيء ...وأما امرأة مهملة ورجل متعرض فقد هلكا وتلفا"[10].

إن ضعف القدرة على التحكم في النزعة الجنسية عند الرجل والمرأة قد يكون على حد سواء بالنسبة إلى كليهما وخاصة في حالة توفر الظروف المثيرة للشهوة، إذ الانفعال في هذه اللحظة يتساوى فيه الجميع، بل إن الرجل قد يكون أسرع للوقوع في شباك الغريزة العمياء، نظرا لأنه يمثل العنصر الإيجابي الفاعل والمندفع بالنسبة إلى المرأة التي هي بمثابة الجانب السلبي المنفعل في العلاقات الجنسية.

لهذا فقد غلط من رأى أن الوفاء في قمع الشهوات في الرجال دون النساء "بل الرجال والنساء في الجنوح إلى هذين الشيئين سواء، وما رجل عرضت له امرأة جميلة بالحب وطال ذلك ولم يكن ثم من مانع إلا وقع في شرك الشيطان واستهوته المعاصي واستفزه الحرص و تغوله الطمع، وما امرأة دعاها رجل بمثل هذه الحالة إلا وأمكنته حتما مقضيا وحكما نافذا لا محيد عنه ألبتة"[11].

ذلك لأن تكشف الرجل للمرأة أو العكس قد يحدث انفعالا لكليهما، ربما يذهب بقوة العقل والتحكم في الخيال مما سيدعو كلا الجنسين إلى إصدار حركات لاإرادية ومنبعثة من أقصى الحياة الباطنية للإنسان.

فليست توجد امرأة - كما يرى ابن حزم- تشعر بأن رجلا يراها أو يسمع حسها إلا و"أحدثت حركة فاضلة كانت عنها بمعزل وأتت بكلام زائد كانت عنه في غنية مخالفين لكلامها قبل ذلك، ورأيت التهمم لمخارج لفظها وهيئة تقبلها لائحا فيها ظاهرا عليها لا خفاء به، والرجال كذلك إذا أحسوا بالنساء"[12].

"وأما إظهار الزينة وترتيب المشي وإيقاع المزاح عند خطور المرأة بالرجل واجتياز الرجل بالمرأة فهذا أشهر من الشمس في كل مكان، والله عز وجل يقول :"قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم"، وقال تقدست أسماؤه"ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن".

فلولا علم الله عز وجل برقة إغماضهن في السعي لإيصال حبهن إلى القلوب ولطف كيدهن في التحيل لاستجلاب الهوى لما كشف الله عز وجل عن هذا المعنى البعيد الغامض الذي ليس وراءه مرمى، وهذا حد التعرض فكيف بما دونه"[13].

هكذا كما عهدناه في كل طرح إلا ويجمع بين النص الديني وبين الملاحظة والتجربة، في منهجية ذات آفاق واسعة وهادفة لإثبات مذهبه في تحليل نفسية المرأة وصورها الاجتماعية.

بحيث إن جل أفكاره في الموضوع لو تتبعناها لوجدنا أنها تستند على آية أو حديث في تقرير فكرة من تلك التي سطرها في مؤلفاته.لكن يبقى هل نتفق معه في كل تفسيراته أم نختلف معه في بعضها، فهذا التوقف وارد لا شك فيه، غير أنه يمثل مادة معرفية وفكرية دقيقة وجادة تحتاج إلى تمهل وتجديد .

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.....................

[1] بن حزم:طوق الحمامة  ص165

[2] ابن حزم:طوق الحمامة ص78

[3] محمد الصادق عفيفي :الحب ومذاهبه النفسية والجمالية ص163

[4] نفس  ص79

[5] ابن حزم:الأخلاق والسير  ص76-77-78

[6] ابن حزم:طوق الحمامة  ص38

[7] نفس  ص58

[8] نفس ص38

[9] نفس ص58

[10] ابن حزم:طوق الحمامة  ص164

[11] نفس  ص163

[12] نفس   ص 164

[13] نفس  ص165

 

 

احمد بابانا العلوي1- ملامح الديانة اليهودية في التاريخ

الدين اليهودي هو مجموعة من العقائد والشرائع والطقوس، وقواعد السلوك والأخلاق.. تبلورت ونضجت على مدى آلاف السنين. وتاريخ النبوة في  إسرائيل يواكب التاريخ الإجتماعي لتلك المجموعة البشرية.. فهذا بداية القرن الرابع قبل الميلاد عند الموثقين في التزام النقول المروية في النصوص المقدسة.. إلى ما بعد ذلك بقرون... ممن يرون في الكهنة والأحبار الذين تلوا الأنبياء، استمراراً لظاهرة الوحي والنبوة في هذا المجتمع..

إن طائفة الفريسيين والربيين أو الرباننين يقولون بهذا الاستمرار فيطلقون على "الشنة" وهي ومدونة تضم الاجتهادات والفتاوى  والشرائع التي وضعها الأحبار بعد انقضاء عصر النبوة .. بأنها التوراة الشفوية..."

هناك التحام عضوي في اليهودية بين ما هو دين وما هو قومي..

يعتبر العهد القديم المرجع الأول والأساسي للتاريخ الإسرائيلي ولتاريخ الشرق الأوسط القديم: حيث امتزجت الحضارات الفرعونية والأشورية والبابلية والكلدانية والفارسية  والكنعانية في بوتقة واحدة  تنازعت القيادة والتوجيه في هذه المنطقة.

من هنا ضرورة النظر في النص الأساسي الذي يقوم عليه الدين اليهود: العهد القديم، ويحتوي على ثلاثة أقسام (التوراة، والأنبياء، وكتب الأمثال أو أسفار الحكمة والحكماء...)

والتوراة والأنبياء يحكيان قصة العبرانيين منذ البداية إلى القرن الرابع قبل الميلاد أي ظهور الشخصية الاسرائيلية على مسرح التاريخ الإنساني.. ودورها في التحولات الدينية والروحية التي شهدتها الحضارة الإنسانية..

تتألف التوراة من خمسة أسفار أو كتب تنسب إلى موسى وتوصف بأنها أنزلت عليه  في طورسيناء...

ويرى " زيجموند فرويد في كتابه "موسى والتوحيد" أن موسى تأثر بدعوة الوحدانية للفرعون أخناتون، ويقول بأن أكثر أتباع موسى الذين انخرطوا في دعوته كانوا من السامين البدو، من عبريين وأدوميين وبابليين وكنعانيين وغيرهم وفيهم من غير الساميين نازحون من جنوب وادي النيل ومن الصحراء الغربية ومن بحر إيجة والبحر الأبيض المتوسط ومن المحتمل أن تكون هذه الأخلاط من الناس مكونة من بعض الحرفيين والجنود المرتزقة والعبيد وأسرى الحروب ونحوهم أي من الطارئين على البلاد من غير المصريين أما المصريون فهم قلة قليلة من شيعة موسى .. ومن بينهم اختار موسى سبعون رجلا لقيادة حركته..(1)

وبغض النظرعن هذا التخمين التاريخي، على طريقة كشف العقد النفسية وفروض الخيال التي تتردد على بساط البحث حول الأبعاد التاريخية لشخصية موسى عليه السلام ودعوته..

فالأصح أن إدراك كنه الدعوة  الموسوية وأبعادها التاريخية لا يستقيم إلا في سياق الدعوات النبوية التوحيدية التي بدأت بالدعوة الإبراهيمية، ولم يظهر لها نظير في غير الأمم السامية وختمت بالدعوة المحمدية.. فلا تفهم واحدة منهامنفصلة عن سائرها وقد ذكرنا في كتاب الرسول في مرآة الفكر الإستشراقي بأن دعوة ابراهيم هي فتح جديد في تاريخ العقيدة بدأت بدعوة النبوة التي ترفع راية التوحيد والتي تجعل الإيمان يعلو على الملوك وعلى النجوم والكواكب".

ورفعت مكانة الإنسان في ميزان الخليقة، وفتحت نظر الإنسان إلى الكون  والحياة، ولم يكن قصاراها أنها فتح ديني يصحح الإيمان والاعتقاد.. ولم يكن التوحيد مجرد عبادة صحيحة بل هو علم ونظر أصوب ومقياس للطبيعة أدق وأوفى.."(2).

فسيرة موسى ورسالته تتلخص في أنه أراد أن يخرج قومه من الوضع الذي كانوا فيه وفقا لهداية الوحي، والإلهام فرأى أن عقيدة التوحيد التي دعاهم إليها كفيلة  بحمايتهم من الضياع بين العشائر والملل..(3)

وقد ختم عهد النبوة والرسالة في بني إسرائيل بظهور عيسى عليه السلام واختزل القوم مفهوم النبوة التوحيدية الهادية إلى غاية واحدة وهي أن النبي دليل آمان والمخلص الموعود فكان حكيما وساحرا وعرافا..

وأغلب الظن أن دعوة النبوة التوحيدية تعرضت لكثير من الخلل والإنحراف وتحولت من عقيدة توحيدية إلى نعرة عنصرية..

فماهي إذن أوجه التغيير والتحول التي أدت إلى نشأة وتفشي ظاهرة الأنبياء في المجتمع الإسرائيلي... 

2- بزوغ  ظاهرة النبوة في بنى اسرائيل

إن ظاهرة النبوة ظاهرة فريدة في العالم الإنساني، لم تظهر بين الأمم في غير السلالة السامية، ولا بد لها من سبب تكشف عنه دراسة النبوات في هذه الأمم، وسببها من جانب تاريخي ، فيما ظهر من مباحث المقارنة بين الديانات، أن النبوات الكبيرة والزعامات الروحية التي أثرت في مسار الحضارات الإنسانية كانت ترتبط بالمدن والحواضر التي تجتمع فيها الثروة والعصبية وتتوسط بين عالم الحضارة وعالم البداوة..

وحيث يسود الترف والمتعة والفاقة والحسرة وتسخير الاقوياء للضعفاء.. والشك في إصلاح الأمور.. فتذكر العقيدة وطمأنينة الضمير ... وقد تيقظت لوجودها وشعرت بمكانتها .. وبالخطر المحدق والحالة التي تنذر بالزوال..

والتطلع إلى حالة للتبديل والتغيير..(4)

لهذا تترقب هذه الحواضر مصدراً للهداية النبوية تهيآت لها حماسة النفوس والشعور بقيمة العهد والأمانة في العلاقة الإنسانية..

فهداية الأنبياء تتمثل في دعوة الأنبياء.. وفي العهد القديم قسم يتعلق بظاهرة أنبياء بنى اسرائيل وما وقع من أحداث  للعبرانيين، بعد موسى  منذ دخولهم إلى أرض فلسطين... إلى أن أخرجوا منها في السبي البابلي، والواضح للدراس أن هذا القسم يمتد على  حقبة زمنية تقدر بألف سنة (من 1300 إلى  300 ق م) ويرى  "لوسيان جوتيه" في مقدمته للعهد القديم.. أن هذا القسم الذي يضم الأنبياء الأول والأنبياء المتأخرين..وأن الشطر الأول من هذا القسم جنح نحو التأريخ السياسي والعسكري والإداري البحت، ولا تبدو فيه النبوة إلا من خلال الأحداث... بينما تمحور الشطر الثاني حول النبوات وجاءت في المقام الثاني..(5)

بدأت فكرة النبوة في نبي اسرائيل تتبلور بشكل واضح ، كما تحددت صفات النبي في مفهومهم وهي صفات زعامة سياسية ودينية.. وإن كانت لا تسعى إلى الحكم، ولكن إلى التأثير فيه وتوجيهه.. يفتتح النبي صمويل هذا الدور السياسي والاجتماعي للأنبياء في بني اسرائيل، كان عبقرية من تلك العبقريات القديمة، التي تظهر في أوساط البدو، فتشق طريقها، وهو طريق جديد..

إن الكهانة التي تمثل السلطة الدينية عند العبريين كانت محصورة في سبط اللاوين، ولم يكن صمويل من هذا السبط وبناء على ذلك وجد طريق الزعامة الدينية التقليدية موصودا في وجهه فلجأ لتحقيق طموحه إلى الإنتفاع بأفكار تدور حول مفهوم النبي فطوره وخط لنفسه في النبوة مسلكا مبتكرا.. أصبح تقليدا من بعده عند بني إسرائيل..(6)

يروي سفر "صمويل" الانتقال من صفة القاضي (الحاكم) إلى صفة النبي والجهود التي بذلت في تأسيس ملك بني إسرائيل والعلاقة العضوية بين الملك والنبوة.. وبعد مرحلة السبي البابلي في عهد الإمبراطور الكلداني "بختنصر".

سوف تبدأ مرحلة الأنبياء المتأخرين وأبرزهم حسب ترتيب الأسفار في العهد القديم، يأتي على النحو التالي: (إشعيا، إرميا، حزقبال.)

ثم الأنبياء الأثنى عشر الصغار.. وهم ( هوشع، يوئيل، عاموس، عويدا، يونس ، ميخا، ناحوم، حبقوق، صفنيا، جحاي، زكرياء، ملاخي..(7)).

وهكذا انتهى مفهوم النبوات عند العبرانيين. بأن النبي يسمى نبيا باعتباره خطيبا أومفسرا...

ونستنتج من هذا أن النبوات لم تعد تتلقى الوحي من الله لكنها تستلهمه بالاستعانة بالخيال الخصب، والتطلع للخلاص..(8)

ولا شك أن كثيرا من تعاليمهم قد تعدت حدود الذهن ، لأننابالكلمات والصور نستطيع أن نكون افكارا تزيد عن تلك التي نكونها بالمبادئ والمفاهيم الذهنية، التي تقوم عليها معرفتنا الطبيعية، وبناء على ذلك، يتبين لنا السبب الذي جعل الأنبياء ، يدركون تعاليمهم ويعرضونها دائما بلغة الأمثال أو الألغاز، وجعلهم يعبرون عن الحقائق الروحية بطريقة جسمية، فهذه الأساليب هي التي تتفق تماما مع طبيعة الخيال.. ولما كان الخيال مبهما ومتقلبا فإن الأنبياء يستعملون  التعبير عن الأحكام الروحية بلغة غامضة..

على أي أساس إذن قام الأنبياء يقينهم في الموضوعات التي يدركونها بالخيال دون ضمان من مبادئ الفكر المؤكدة.." فكلما زادت القدرة على الخيال الحي، قل الاستعداد لمعرفة الأشياء بالذهن الخالص.. (9)

ولكن الخيال وحده لا يتضمن بطبيعته  اليقين، فلابد للحصول على اليقين من آية تثبيت الإيمان..

وهذا يدل على أن الأنبياء، كان لهم دائما آيات تجعل لهم يقينا بالأشياء التي يتخيلونها ومع ذلك فإن يقين النبي لم يكن يقينا رياضيا، بل كان يقينا خلقيا فحسب بمعنى أنه يقين الأشياء التي تدركها الروح دون  أن تكون هناك فكرة واضحة ومتميزة ودون معرفة بها، إنها معرفة من الدرجة الأولى نستعملها لتوجيه سلوكنا..

و من نافل القول أن من لديه معرفة صحيحة لا يحتاج لتبرير نفسه  ومن تنقصه هذه المعرفة الصحيحة لا يقدر على تبرير نفسه.. فصفاء القلب والتقوى ضمان كاف لصدق الأنبياء (10).

إن جمهرة الأنبياء الذين نعنيهم هم أنبياء العهد القديم الذين سبقت الإشارة إليهم، وقد قاموا  بدور الوعاظ وكثر عددهم بعد إنقسام مملكة سليمان كرد فعل على تضخم سلطان الهيكل.. وفساد الكهنة.. فكان خطابهم الوعظي يتمحور حول أصل من أصول الديانة وهو الأمل في  الصلاح وفي طلب الكمال والخلاص من العيوب... ويشتد هذا الأمل حين تشتد الحاجة إليه..

وكانوا يترقبون ظهور رسول يسمى " المسيح" ، ولم يعرف بهذه الصيغة قبل كتب التوراة، وتفسيراتها ، في التلمود والهجادا، وما إليها.. ومرجع التسمية في أسفار  الأنبياء، أن المسح بالزيت المبارك شعيرة من شعائر التقديس والتكريم.. وكان مسح  الملوك من أول شعائر التتويج والمبايعة فكان شاؤول وداوود من هؤلاء المسحاء.. ثم أطقلت كلمة مسيح مجازا على كل مختار ومنذور، وتكرر في كتب التعاليم الإشارة إلى الرسول المنتظر باسم المسيح... (11) .

واشتد الإيمان بانتظار المسيح بعد زوال مملكة داود وهدم الهيكل الأول..

فكثرت الوعود على لسان الأنبياء بعودة الملك.. ثم ترقى الوعد بالإيمان بالمسيح الملك، إلى الإيمان بالمسيح المختار والمنذور للهداية والصلاح..

وقد صاحب هذا الرجاء الإسرائيلي في أطوار تاريخهم المتعاقب،.. فيقوي الرجاء في المسيح الملك كلما ضعفت الدول المسيطرة على فلسطين ويعود الرجاء في المسيح الهادي كلما استحكم  سلطان الغالبين وبدى الخروج عليهم بعيدا وعسيرا...

وهكذا تتراوح تفسير الرسالة المنتظرة بين رجعه الدولة وبعثه الهداية على حسب أطوار التاريخ. .(12)

3- نفود الأنبياء في مواجهة سلطان الهيكل

لقد عظم سلطان الهيكل وكهانته حين تحول السلطان القومي كله إليهم، وأصبح  هذا السلطان  ملاذ المتطلعين إلى كل رئاسة  قومية تصمد إلى الدولة الأجنبية.. ومن ناحية أخرى جنحت الضمائر المتعطشة إلى الروحية جنوحا متمردا على القديم مؤمنا بانتظار البعث من غير جانب " الهيكل" وما جمد عليه مع الزمن من الموروث والمأثورات.. (13).

لقد تكاثر عدد الأنبياء وتنوعت أعمال الرئاسة والتعليم، من بين القبائل والاسباط..

فقد كان عمل النبي في بني إسرائيل كعمل الواعظ والفقيه الذي يفسر النصوص.. ولم يكن قيامهم إنكارا للأنبياء من قبلهم، بل هو تفسير للكتب والنذر، وحظ على إتباع السنن التي رسمها الأنبياء السابقون..

ينتمي الأنبياء إلى أصول وطبقات اجتماعية متباينة.. ويشتركون في مناهضة الخطة الدينية الرسمية لكهنة المعبد..، مما دفع الكهان غلى التبرم منهم ونعتهم بأنهم كذابون بخاطبون الناس بغير كلام الوحي..

وكثيرا ما كان بعض الأنبياء ينعي على زملائه ويخالفهم في النذر والتفسير نصوص الشريعة.. يقول " أرمنيا" من عند أنبياء أور شليم خرج النفاق إلى الأرض كلها.. فلا تسمعوا كلام الأنبياء الذين يتنبأون لكم، فإنهم يبطلون عملهم ويتكلمون برؤيا قلوبهم..، وكان المعهود  في أنبياء بني إسرائيل كما روت كتب التوراة أن يطلبوا حالة هذا الكشف كما يطلبها المتصوفة والنساك..  ومنهم من يستعين بالسماع ليشعر بصفاء الروح، ويستلهم الغيب..

وكان الغالب على سامعي النبوءات أن يطلبوا آية يعلمون بها أن المتكلم ينطق بوحي من الله.. ولكن طلب الآية لم يكن عندهم دليلا على اليقين والإيمان..

يلجأ الناس إلى الأنبياء ، يستشيرونهم فيما يقدمون عليه من أعمال، لعلمهم أنهم أقرب إلى الله وأدنى أن يطلعوا على الغيب المحجوب عن أنظار الدنيويين المنغمسون في هموم الحياة..

وغالبا ما يقصرون رسالتهم على النذر بالعقاب كلما خرج الشعب عن سنة الأقدمين وأنحرف عن سوء العبادة، كما تلقاها آباؤهم من الأنبياء السابقين..(14).

إن ظاهرة النبوة والأنبياء عند بني إسرائيل ظاهرة فريدة في دعوات النبوات.. فأحوال النبوة في بني إسرائيل تخالف من جملة وجوه ما هو معلوم من تواريخ الأنبياء الذين اقدموا على مصاعب جمة، وفتحوا بدعواتهم فتحا جديدا، فحطموا آلهة وسفهوا أحلاما وغيروا عقائد، ووضعوا شرائع لتدبير شأن الحكمين  والمحكومين.. ولعل ما ميز أنبياء بني إسرائيل أوأغلبهم  سواء الذين أتوا بعد موسى أو بعد  سقوط ملك داوود وسليمان.. هو التطلع إلى الخلاص باستعادة ملك داود..

فظهرت جماعة من الوعاظ ، الدعاة، والخطباء الملهمين المتنبئين..مزجوا في خطابهم ودعواتهم بين العصبية القومية والهداية الدينية..

وربطوا بين الخلاص القومي والخلاص الروحي وبين التاريخ الظاهر والتاريخ الباطن، وبين تفسير النصوص الموروثة، و النذر التي تقرأ طوايا الغيب وتتنبأ بما سيكون..

خرجوا على سلطان الهيكل وكهنته الذين جمدوا على النصوص والحروف والرسوم..  انصرفوا عن جوهر العقيدة ولباب الإيمان.. ولا شك بأن ظاهرة الأنبياء من دلائل الحاجة إلى الإصلاح من سلطان الهيكل المحاط بالشبهات، فالحاجة إلى الإصلاح إنما تثبت إذا استنفدت النحلة السائدة كل طاقاتها.. وبدت قاصرة عن تزويد الروح بما تطمئن له وتفتقر إليه..

فكل نحلة قاصرة إذا زاغت عن السواء تجد إصلاحها على يد الراشدين من أنبياء الديانة أو من يقومها من العارفين.. في عصر كان موبوءا بالرياء الذي باطنه جمود وعلى وجهه طلاء..

أما العقيدة الصحيحة فهي فكرة وضمير، لا مسألة حروف وأشكال..

وكان الناس يبحثون على الأنبياء، ولا يعتبرون ظهورهم خارقة يستهولونها أو يستغربون تكرارها..لأن النبي كان الشخصية الرئيسية التي تدور حولها رواية اسفار العهد القديم.. فهو بمثابة البطل الأسطوري الذي يستجيب للإلهام  الإلهي فينذر ويبشر، وأن يكون البرهان المطلوب منه على قدر الرجاء المنتظر..  في الإصلاح والصلاح.. وهو رجاء عظيم يعلقه المرتجون على برهان عظيم.. (15).

لقد ذاع نفود الأنبياء العبريين منذ نهاية القرن التاسع قبل الميلاد فظهر (إلياواليشع) وكان القرن  الثامن عصر الأنبياء ("عاموس وهوشع وإىشعياوميخا" ..) وفي القرن السابع قبل الميلاد ظهر النبي إرمنيا.." أما رسائل "صفينا وناحوم" فيرجع تاريخها إلى ما قبل النفي الأول  إلى بابل عام 598 قبل الميلاد، ويعتبر حزقيا ، آخر نبي كبير وهو نبي المنفى ..

ولما انتهى النفي إلى بابل سنة 558 ق .م عااد اليهود إلى فلسطين وأعيد بناء معبد القدس واستأنف النشاط النبوي، ومن هنا كتب ( حجاي وزكرياءوأشعيا الثالث  وملاخي، ودنيال..) والفترة التي تلي النفي هي فترة كتب الحكمة (الأمثال وأيوب والجامعة ونشيد الأنشاد..(16).

والجدير بالملاحظة أن كتب العهد القديم ومدوناته التي تؤرخ للشعب اليهودي منذ ظهوره على مسرح التاريخ حتى عصر السيد المسيح.. لم تكتسب شكلها النهائي إلا في القرن الأول بعد الميلاد.. (17).

ما يهمنا من التركيز على شخصية الأنبياء هو الرسالة التي تضمنتها مدوناتهم وأسفارهم وما توحي به من معاني (تفتح له الحياة أعماقها وتدنيه من أبعد أسرارها.. أو تنذر بلعنة مكتوبة " (18).

4- ظاهرة الأنبياء وتطور العقيدة الدينية

إذا كان الدين لا زمة من لوازم الجماعة البشرية والإيمان تبعا لذلك طبيعة روحية.. والغاية من تعلق الجماعة البشرية بالدين تقرير مكانة الإنسان في الكون وفي هذه الحياة..

ومن هنا كان ينظر إلى الشرق منذ القدم أنه مهبط الأسرار العلوية، وأنه تعلم من خبر السماء .. ما لا تعلمه الأمم الأخرى.. وأن  كهان الشرق يطلعون على الغيب وينفذون إلى بواطن  الديانات ..(19)

وقد ظهرت في الشرق العديد من النحل من بينها نحلة " إزيس" ونحلة المتنطسين التي كان أتباعها يعتكفون في الصوامع للتأمل والدراسة الفلسفية والرياضة الروحية.. ويذهب  بعض المؤرخين أن هؤلاءالمتنطسين هو أساتذة النساك اليهود الذين يسمون الآسيين والإسيين وفي كتب المقابلة بين الأديان فإن عبادة الإله الواحد الخالق للكون ترجع إلى أصل واحد سواء عند المصريين ( أتون) أو اليونان "أدونيس"أو عند العبرانيين " أدوناي" بمعنى السيد أو الرب.. (20)

وقد وصل المصريون إلى التوحيد وبقيت أسماء الإله الواحد متعددة على حسب مظاهر التجلي لذلك الإله.. أما اليهود فقد سموا الإله الواحد باسم الجمع ( الوهيم) أو الآلهة ثم أصبح الجمع علامة التعظيم(21).

فالتطور في الديانات إذن، لم يكن على سلم واحد متعاقب الدرجات، بل كان على سلالم مختلفة تصعد وتهبط، والتوحيد هو نهاية تلك الأطوار في جميع التجارب الروحية الكبرى..

فظاهرة الأنبياء في بني إسرائيل ترتبط بتطور العقيدة فالنبي شخصية مستقلة  عن المذاهب   السائدة قادر على عرض شعائرها وعقائدها في خطاب متماسك من القواعد والمثل العليا والفكر والإيمان..

وكانوا أحادا لا ينتمون إلى جماعة أو فريق غير جماعة الأمة.. فهم  ينذرون قومهم بالمخاطر المحدقة والمفاجآت..

مما يجعل الأنذار، سيكون عمل من مهام النبوة.. كما أن فكرة المسيح الثابتة في عقيدة بني إسرائيل من صفات النبوة لأن الأنبياء كانوا يمسحون بالزيت المباركة كما جاء في كتاب الملوك..(22)

فالمسح يضفي القداسة على كل ما يتم مسحه.. وبهذه الصفة أدرج الأنبياء المسحاء في سلك التقديس.. ونصبوا أنفسهم بأنفسهم باعتبارهم فقهاء في العلوم الدينية، ولكنهم لا يحسبون من الكهنة الوارثين لأن وظائف الهيكل كانت محصورة  في أصحاب الكهنة وهي وظيفة دينية موقوفة على سلالة هارون ولا يتولاها غيرهم من الأسباط...

وقد كثرت الكهانة التي يمارسها الأنبياء والكتبة والفقهاء الذين لا يعملون في الهيكل ولا يحسبون من رؤسائها الوارثين .. مما أصاب المكانة التقليدية للهيكل بضربة قوية وفتح الباب للدعوة الدينية غير المصحوبة بالمراسم الكهنوتية، والشعائر الهيكلية ..(23)

وكان من بين الأنبياء متعصبون ومتهوسون، ومجاذيب .. وقال في  بعضهم "حزقيال" : قل للذين هم أنبياء من تلقاء ذواتهم اسمعوا كلمة الرب ويل للأنبياء الحمقى الذاهبين وراء روحهم ولم يروا شيئا.. رأوا باطلا وعرافة كاذبة.. القائلون وحي الرب والرب لم يرسلهم..(24)

لقد عرفت ظاهرة الأنبياء تحولا عبر العصور وهذا التحول يحدد نهاية عصرمن  العصور وبداية عصر جديد في تاريخ النبوة.. ففي عصر تتغير صفات رجل الله ووظائفه ومن ثم تغير اسمه من الرائي إلى " النبي" أي من الذي ينبئ بالغيب   ويبحث  في أكباد القرابين أو في الأقداح والأزلام والأنصاب، وكانوا يفسرون الإشارات ويشتغلون بالسحر والعرافة وكشف المغيبات بما لديهم من علم الباطن..(25).

ثم جاء التحول في شخصية الرائي إلى نبي ملهم عالم بفقه الشريعة، وبتراث الأنبياء السابقين، يستمد نفوذه من السلطان الروحي والخيال الخصب والعصبية الدينية والقومية التي تسعى لاحتكار الهداية الدينية والدنيوية لسلالة واحدة من البشر.. فلم تكن عقيدة العبرانين ديانة إنسانية يتساوى فيها جميع البشر.. بل نشأت ديانة عصبية قبلية لقوم معلومين ولم تستقم على التوحيد والتنزيه الإلهي قط .

كان العبرانيون ينكصون حينا بعد حين إلى شعائر الأوثان والأصنام، ويصفون الإله بصفات الوثنية في الديانات القديمة..  وكانت فكرة السيادة في عبادتهم للآلهة غالبة على فكرة الخلق كما كانت غالبة على أديان الحضارات السالفة.. فلم ينكروا تعدد الأرباب ولكنهم أنكروا سيادتها ويدينون بالولاء للإله " يهوا كما يدين الشعب لملكه  (26).

ومن البديهي أن لكل دين موطن حس دقيق وحماسات مرهفة، لها انعكاساتها التي يستغلها أصحاب المصالح وصناع السياسة لتحقيق مآرب عاجلة أو أجله، الأمر الذي يثير مسألة العلاقة بين الدين والسياسة..

و ليس جديدا أن يتشابك الديني بالسياسي، فالتاريخ حافل بمثل هذه الظاهرة.. فكان هذا شأنها في جميع أطوار تاريخ العبرانيين..، كان الأنبياء يجمعون بين أمانة الرسالة وأمانة الزعامة..

فكان موسى عليه السلام نموذجا لهذه القيادة ثم جاء الأنبياء من بعده من تلاميذه وتابعيه يقضون وقتا في التمرن والاستعداد والرياضة الروحية والتدبر الطويل قبل أن يقوموا بمهمة التبليغ والقيادة..  فكان أنبياء بني إسرائيل جميعا يسعون من خلال مهمة الهداية  وإلى ترقب الخلاص  على يد من يجمع بين امانة الرسالة وأمانة الحياة..

أما عندما يصير الأنبياء مجرد رواة وخطباء بارعون في تفسير النصوص وتأويلها حتى يزول الجوهر واللباب.. في سبيل  الظواهر والأشكال ، بحيث يتساوى فيها  الصدق والرياء، مما يترتب عنه ضياع الفضيلة نتيجة لجمود النصوص.

5- الظواهر والأشكال وحرية الضمير

وعند بزوغ دعوة السيد المسيح كان هناك عالمان متقابلان: عالم الظواهر والأشكال، والجمود على ظاهر النصوص وعالم حرية الضمير، طلق من القيود والأشكال..

لقد بلغت الظواهر والأشكال غايتها فطغت من الهيكل، وأحاطت بجميع مناحي الحياة.. فكان حكم شريعة الظواهر والأشكال مسألة امتياز يحتكره أصحابه بفضل السلالة والعنصر ويرجع الأمر فيه إلى الموروثات والمأثورات..(27).

أما محور حرية الضمير فهو الجوهر الصميم لعالم المعاني الروحية، والقيم الأخلاقية  الذي تدور عليه الدعوات الكبرى.. وهي من الآثار الروحية التي تركها الأنبياء والرسل وتورث كما تورث الآثار المادية، إذ يرثها أولئك الذين صاروا على نهجهم، ونهلوا من علمهم، وهذا هو موروث الوحي..

لقد تضمن الوحي  المعاني الأصلية للفطرة الإنسانية " قيم الحكمة" وقيم " الفطرة" وهي مرجع كل دعوة لا سيما الدعوات الدينية الكبرى ..

لقد دخلت دعوة أنبياء بني إسرائيل المتأخرين إلى نطاق" العصبة العنصرية" التي تستمد من الأساطير والأباطيل التي تحجب الحقائق عن النفس الإنسانية. فلما جاء السيد المسيح عليه السلام أنكره الغلاة الجامدون على الرسوم والأشكال..

كان القوم ينتظرون " ملكا مخلصا" وليس رسولا هاديا.. ولم يستطيعون إدراك ظاهرة تحول الدعوة  من الخاص إلى العام، والعالم الإنساني يتهيأ للدعوات على حسب حاجته إليها.. فالإنسان لا يسعوه أن يعيش في العماء والخواء.. ويتطلع إلى استبدال الأوهام بصحيح الحقائق..

إن الحماسة الروحية التي كانت لازمة لتوحيد العقيدة لم تعهد في غير الأديان الكتابية  أو الإلهية .. كان لب رسالة المسيح دعوة " الهدايةللضمير الإنساني والعطف والإلهام ومكاشفة القلوب والإفهام(29).

إن العبرة بما أحدثته قيم الوحي الروحية والأخلاقية في الضمائر وطوايا النفوس.من فتوح الإصلاح ومطالب الكمال...  وذلك بتحكيم العقل في مسائل النصوص، بالجمع بين البرهان وبين الصدق والإيمان في سبيل الحق، والهداية والمحبة بين الناس...

أما النقيض فيوجد فيما تضمنته الأسفار والنصوص والرسوم من الأشكال والظواهر.. من تحجر الأوضاع في الدين والإجتماع..، وقد غلبت المظاهر على كل شيء ، وتهافت الناس على القشور دون حياة اللباب.. كما أن النزوع إلى التضخيم والتجسيم تفقد من قوة الضمير بمقدار ..

ويؤدي إلى "موت  الفطرة" و" موت الحكمة" مما يعني تعطيل منظومة القيم المرجعية، التي بموجبها  تتحدد المسؤولية الأخلاقية للإنسان باعتبار سلوكه سلوكا هادفاينطوي على الرغبة في تحقيق قصد معين وينطلق من حرية الإرادة وحرية الإختيار...

وبالتالي فإن انعدام القيمة يجعل السلوك الإنساني عبثيا...

فالإنسان كائن أخلاقي يتميز بالإرادة والمسؤولية ، وينشد تحقيق  الكمال حسب طاقته وملكاته، فكل فعل حميد هو قوة أو دليل على قوة، فالصبر قوة والشجاعة قوة والعدل قوة.. فالقيمة هي التي تحدد الباعث عن إنجاز الفعل وتوجيه السلوك والقدرة على احتمال التبعة..

وأن يتصرف الإنسان كما يليق بالكرامة الإنسانية..(30)

لأن الإيمان معرفة بالقلب والإقرار  به باللسان والعمل بالجوارح وكل عمل خير إيمان، وكل  ما ازداد الإنسان خيرا إزداد إيمانه وكلما نقص نقص إيمانه ..(31).

فنقص الإيمان إذن دليل على  تحجر نظام المجتمع وتحجرت معه الشرائع والقوانين وقد تحجرت العقائد الكتابية بين بني اسرائيل وغلب المظهر على المتشبثين بالنصوص واختلفوا على اللفظ والتأويل..

أشكال ومراسم وقشور خلو من المعنى والغاية .. فسادت العلاقات بين مكونات المجتمع وطوائفه...(32)

وتجلت آفة العصر في مظاهر الترف الصارخ ومظاهر العقيدة الجامدة وخواء الضمير.. فجاءت رسالة السيد المسيح تعترض على المظاهر وتضيق بالخلاف على النصوص والحروف..  وتبشر بعقيدة قوامها أن ملكوت السماء في الضمير، وليس في القصور والعروش.. وأن آفة التناحر على المظاهر لا تؤدي إلى خلاص..

وأن الإنسان خاسر إذا ملك العالم وفقد نفسه.. فجاءت الدعوة في موقعها الصحيح من التاريخ فكشفت  تقطع الأسباب بين الأمم والطوائف  وبين الأحاد.. وقد اتسم العصر كله بالعصبية ، عصبية القوة الإمبراطورية الرومانية وعصبية العشيرة والسلالة الإسرائيلية..

قوة قاهرة ظالمة وطوائف تشيع بينها الشحناء والبغضاء ونزاع الأهواء على المآرب والمال والسلطان...

فرسالة المسيح أرادت أن تصحح ما علق بجوهر النبوة من موروثات التقاليد العبرانية خلال عصور الانتقال من البداوة إلى التوطن في بلاد كنعان.. وبعبارة أخرى الانتقال من الأسطورة  إلى التاريخ..

6- العهد والخلاص بين الأخلاق والسياسة

لقد بلغت الثقافة اليهودية،أوجها في القرن السادس قبل الميلاد، وأسهمت بكتب أنبيائها الكبار في الحضارة الكونية.. وتأسس على مفهوم "الميثاق" و"العهد" (la notion d’alliance) نزعة تفوق عرقي وعنصري وبهذا الصدد يذهب عزرا (esdras) إلى القول بالعرق المقدس (race sainte) كما يحرم الزواج أو الاختلاط بالأعراق الأخرى..

ويقول نحميا(néhémie) بأن  عرق اسرائيل منفصل عن جميع الأعراق  الأجنبية .. مما يعني النقاء العرقي والاستعلاء..(33)

وقد ارتبطت ظاهرة النبوات بالسياسة (liaison du prophétisme et de la politique) منذ ظهور القبائل العبرانية وعبر العصور المتطاولة  حيث شكل الأنبياء عنصرا أساسيا في هيكل الحكم والسلطة ففي عهد الملكية أصبح للأنبياء سلطة تحكيم ومراقبة مكونين حلقة من الجمعيات المترابطة.. وكان لهم حضور فعال في الأزمات السياسية الكبرى  كما أن تنصيب الأسر الحاكمة  في مملكة الشمال تعود إلى حلقات الأنبياء ..(34)

وما يميز النبوة التراتية الرابطة بين الوحي والعهد والوعد بالنصر النهائي في الآخرة.. وهذا ما يحيل على عقيدة التبشير " بالمسيح المنتظر(lemessianisme ) .

إن النبي ليس بكاهن ولا رسول ولا بعراف.. بل هو القاضي الذي يحاكم كل مؤسسة وكل عمل بحسب غايته ومن ثم يعطيه معنى ..

لقد أضاف الأنبياء الكبار مفهوم جديدا للزمن: زمن الأمل وزمن المشروع .. وأبدعوا حين أعطوا للنبوءة بعدا جديدا انطلاقا من مفهوم جديدللعهد:  فمصير الشعب وتقلبات أطوار تاريخه مرتبط بوفائه أوخيانته للعهد وتعاليم شريعته  التي أوحى الله بها وأن مصائبه تأتي من عصيانه للشريعة ..، فطاعة الشعب للعهد تجعله يستحق إنجاز الوعد الإلهي ومؤهل لتحقيق مملكة الله، بالاستجابة لندائه، والأنبياء هم الشهود والرسل..

والشعب يترجم تحقق تجليات الإرادة الإلهية المتجددة في التاريخ..

والتاريخ هو حركة جذرية دائبة في حياة البشر..  وهو خاضع لإيقاع الكوارث الناجمة عن عدم الإلتزام بالمشروع الإلهي..

كما أن النصر لا يتحقق إلا بإلتزام بالمشروع.. وتتم إضاءته بوعد المسيح بالخلاص في نهاية الدهر..

فالبني إذن هو من اختاره الله باعتباره وسيطا إلهيا للبشر وفي نفس الوقت مكلف بتبليغ رسالته إلى الشعب.

فرسالة النبي لا تقبل التجزئة فهي سياسية ودينية، تتناول تارة الأحداث الداخلية وتارة أخرى السياسة الخارجية..(35)

فالأنبياء هم من يحدد الموقف لشعوبهم من دون التقيد بما ورد في  كتب التوراة المنسوبة إلى موسى حول الطاعة والخضوع وما يترتب عنها من علاقة السيد بالعبد بين الله والإنسان.. ويفضلون أن تكون العلاقة من خلال زواج رمزي (symbolismeconjugal) يقيم علاقات محبة ووفاء متبادل وتندرج هذه الطريقة في تصور الزمن باعتباره زمن للأمل والعمل والمشاركة في بناء المستقبل بإرجاع كل شيء إلى غايته.

بحيث تكون النبوة التراتية مرجعا للمثل الخلاقة وفي نفس الوقت لكل حكم سياسي يتجاوز مستوى الوسائل لكي يكون قادرا على تمييز الغايات من أجل  العمل لتحقيق القصد الإلهي..

ومن هنا انبثق أهم موضوع الذي لا زال يحتفظ براهنيته، إذ أن مستقبل شعب وقوته تكمنان في ثقته في القيم التي قام  بصياغتها ..

ومن الخطأ الفادح اختزال رسالة الأنبياء في الطقوس والشريعة على حساب إبعاد النبوءات"Distanciation Prophétique".

بالنسبة للنظام القائم والسياسات السائدة.. ولعل أكبر خطر يهدد دولة إسرائيل هو بوضوح حاجيتها إلى أنبياء في الوقت الذي تعاني فيه من سطوة شريعة الحاخامات المتشددين...

لقد أفرغوا رسالة الأنبياء من مضامينها الروحية والأخلاقية وحولوها إلى إرث خاص ودعوة للعصبية والقومية الضيقة  التي تمجد العرق والعنصرية وتروج لها بالقول "بأن إسرائيل  هي محور العالم وعصبه ومركزه وقلبه.. (36)

وهذا، يعكس ما جاء في طقوس العهد القديم للعبرانيين وحدهم، ولم تكن له صلة  برسالة النبوة المتضمنة للخطاب الإلهي الذي يدعو إلى السعادة،  والفضيلة والعيش المشترك بين الناس كافة..

فوعد الله الأزلي و"ميثاقه" هو للأتقياء من الناس جميعا، ولا يخص شعبا بعينه ولا سلالة ولا  عرقا، ولا قبيلا..

وبالتالي فيجب ألا يظن أن الله قد وعد الأتقياء من اليهود وحدهم، واستبعد الآخرين، بل يجب أن نعتقد اعتقادا جازما بأن الأنبياء الحقيقيين من غير اليهود، قد وعدوا المؤمنين من أممهم بهذا الإختيار... أي أن الميثاق الأزلي لمعرفة الله وحبه هو ميثاق شامل لجميع البشر..(37)

خاتمة

حاولنا خلال هذا البحث أن نعرض بعض وجوه ظاهرة الأنبياء عند بني إسرائيل خلال العصور المتطاولة، وتطرقنا إلى الأسباب التي أدت إلى تحولها من دعوة الهداية الروحية  والفضيلة الأخلاقية إلى النزعة الطقوسية العصبية  والعرقية المستمدة من الرسوم والأشكال والنصوص الجامدة والمحرفة بالإضافة إلى الرموز الأسطورية للحضارات القديمة التي دخلت إلى التقاليد العبرانية وأثرت في ثقافتهم وتفكيرهم..

ونتيجة لهذه العوامل كلها تحولت النبوة على يد سدنة الهيكل والكتبة والطوائف الدينية إلى مجرد مذهب طقوسي يجعل  من الدولة إلها ويحصر الخلاص في النعيم الدنيوي، ولهذا السبب جاء المسيح يبشر بجزاء روحي، وكان همه الوحيد إعطاء تعاليم خلقية وتمييزها عن قوانين الدولة.

والجدير بالملاحظة أن الهدف من شريعة موسى كان تنظيم المجتمع بقوة القانون ويقرن أمره  بالتهديد والعقاب بغرض إخراج القوم من حالة البداوة والفوضى إلى حالة النظام والإنضباط للتأهل لاستقبال رسالة السماء..

إن المذهب الطقوسي يعد انتكاسا وانحرافا صريحا عن قيم النبوة الهادية.

ففي كنف الجمود والجحود تصبح  النصوص شغلا للتأويل وإظهار البراعة في اللعب بألفاظ والشطط في إصدار الفتاوى وإيقاع الأحكام والعقوبات..

وبالتمادي في هذا الأمر تحولت الشريعة إلى متون طقوسية وحروف عند الحرفيين من علماء الديانة الذين يؤولون النص خدمة للأهواء والمصالح والسياسات السائدة.

إن روح الشريعة هي "القوام" الذي يقوم به كل شيء.. والفضيلة التي يقوم بها ضمير الإنسان.. والحكمة التي ترفع من مقام الإنسان في الكون .. فممارسة الفضائل تطهر النفس بصفة مستمرة،  فتعاليم الشريعة تحقق الكمالات والسعادة الروحية في الحياة..

أما الطقوس فتتعلق بمزايا مادية ومنافع دنيوية مثل الشهرة،والانتصارات والثروات واللذات وسلامة الأبدان..

لا تبشر الطقوس إلا بسلامةالدولة والرخاء الدنيوي.. ومن ثم لا يوجد في المزامير أي ذكر للشعائر بل للتعاليم الخلقية فقط كما أن حكم سليمان تحدد السعادة الحقة في الحكمة وتبجيل العلم..

وبعد انهيار دولتهم لم يعد اليهود ملزمين بالمحافظة على شريعة موسى وبدأوا في الإندماج في الأمم الأخرى..(39)

ومجمل القول أن حكم الظواهر والأشكال و  الكبرياء ، جعلت الفضل بين الأمم  محتكرا ، لبني اسرائيل والكهانة بالنسب والميراث والفضل في الدين والعلم حرفة يحتكرها الكتبة والأحبار، وسدنة الهيكل..

وجاءت دعوة  المسيح عليه السلام  لتنقض ما ادعوه واستأثروا به..

فرسالة النبوة تهدي إلى معرفة الله حق المعرفة.. وأن الأفضلية تكمن في التقوى المؤسسة على الفضائل الخلقية والكمالات الروحية.

وتعاليم الأنبياء منبثقة عن نور الفطرة الإلهية لهداية البشر بما تودعه في النفوس من القيم والحوافز والمثل ومن حرية الضمير وحرية التمييز بين الخير والشر.. وكيف يتسامى الإنسان إلى مقامات الملكوت الأعلى..

وشتان بين دعاة الصولجان وشريعة الاستكبار وبين الأنبياء الداعين إلى رضوان يتحقق في ملكوت السماء يعمل الناس من أجله في هذه الحياة، فيستحقون ثوابه في العالم الآخر.. وتلك هي الغاية وراء كل ختام..

أحمد بابانا العلوي

.........................

الهوامش

1- حسن ظاظا، الفكر الديني اليهودي أطواره ومذاهبه، دار القلم دمشق والدار السامية بيروت، ط3/1995، ص19.

2-  أحمد بابانا العلوي، الرسول في مرآة الفكر الاستشراقي، دار أبي رقراق، ط 1/2016، ص 118.

3-  نفس المصدر، ص 121.

4-  عباس محمود العقاد، محمد كتاب الهلال، ص 14.

5-  حسن ظاظا ، مصدر سبق ذكره ، ص 32.

6-  المصدر  السابق، ص 35.

7-  المصدر السابق، ص 45.

8- اسبينوزا رسالة في اللاهوت والسياسية ترجمة حسن حنفي، دار الطليعة ، ط 1997، ص 134.

9-  نفس المصدر ص 143-144.

10-  نفس المصدر ، 146-147.

11-  عباس محمود العقاد، حياة المسيح، كتاب الهلال، ص29.

12-  المصدر السابق، ص 29.

13-  المصدر السابق، ص 30.

14-  المصدر السابق، ص 31.

15-  نفس المصدر ، 34-35.

16-    موريس بوكاي، القرآن  الكريم والتوراة والإنجيل والعلم، دراسة الكتب  المقدسة في ضوء المعارف الحديثة ، مكتبة مدبولي ، ط 1، 1996، ص 27-28.

17-  حول تاريخية كتب العهد القديم، ومضامينها وترجمتها إلى اللغات الأخرى، ونقدها أحيل في هذا الصدد إلى الكتاب القيم للأستاذ أحمد شحلان (قضايا من أصول موسى إلى البابا بينديكت ، مطبعة الرسالة، الرباط، ط1/2017.

وكتاب أسماء وردى ، مناهج نقد العهد القديم عند الغرب، دار صفحات للنشر الإمارات ط1/2016.

18- جبران خليل جبران، " النبي" دار العلم والمعرفة ط :2011، ص 75.

19-  حياة المسيح، ص 61.

20-  نفس المرجع ص 64.

21-  العقاد ، كتاب الله، ط 2006، ص22.

22- المصدر السابق، ص 94.

23-  العقاد ، حياة المسيح، ص 47.

24-  أحمد شلبي ، مقارنة الأديان (1) اليهودية)ط18/1997، ص169.

25- الرسول في مرآة الفكر الاستشراقي ، ص119.

26-  العقاد ، ابليس، كتاب الهلال، 1967.، ص94.

27- حياة المسيح، ص130.

28-  طه عبد الرحمن ، ثغور المرابطة مقاربة إئتمانية لصراعات الأمة الحالية ط12018/ ص46.

29-  حياة المسيح ، ص261.

30-  محمد الكتاني، منظومة القيم في الإسلام، ط2-2011، ص13.

31-  ابن حزم في الفصل نقلا عن محمد يوسف موسى فلسفة الاخلاق في الإسلام ط3، 1963، ص 47.

32-  حياة المسيح ص105.

33- Roger Garaudy appel aux vivants points actuels1980-p152.

34- المصدر السابق، ص 153.

35- Appel aux vivants p154.

36- AndreNeher : l’essence du prophémisme ; paris c.levycoll diapora1972, p111.

37-  رسالة في اللاهوت والسياسة، ص187.

38-  المصدر السابق، ص 207.

39-  المصدر السابق، ص 209.

 

 

عادل بن خليفة بالكحلةإصلاحيٌّ اشتراعيٌّ يحارب «الراية العُمِّيَّة»

محمد سعيد رمضان البوطي رجل مُشْتَرِع. فهو يَصْدُرُ في ممارَساته الاجتماعية العامَّة والسياسية من قراءة  عالِمة في النص السيادي الديني (القرآن الكريم والسنّة النبوية).

ولذلك لا نجده بْراغْماتيًّا، أو متقلب المواقف السياسية، فهو ثابت في مواقفه السياسية، وهي منسجمة لأنها تعود إلى أصول في فقهه السياسي. ولذلك نجده متحفظا، إلى درجة التناقض أحيانا، مع الإسلام الإخواني لأنه في نظره غير مُشْترِع وغير صادر عن اجتهاد فقهي في نظره، ومع الإسلام السلفي جذريًّا لأنه في نظره غير سُنّيّ أي لا يصْدُر عن الفقه السياسي لأهل السنّة والجماعة.

من الضروري أن نفهم أهم ثوابت الشيخ محمد سعيد البوطي في الفقه السياسي حتى نستطيع فهم مواقفه السياسية. ولعل أهم تلك الثوابت ما تتناول: الجهاد، وأهل الذمة، والعلاقة بالحكم والحاكم.

ثوابت الشيخ البوطي في فقهه السياسي:

- مدلول «الجهاد»:

يؤكد البوطي في كتابه الجهاد في الإسلام أن «الجهاد بالدعوة إلى الله هو أساس الجهاد وعماده، وهو الذي استغرق من حياة الرسول (ص) الفترة الأطول، وهو الجهاد الماضي إلى يوم القيامة، والمستمر في كل الظروف والأحوال»[1]. ويؤكد فيه أيضا أن الجهاد القتالي، هو فرع من فروع الجهاد، «محدود بظروف خاصة، ومقيد بشروط معيّنة، من تكوّن المجتمع الإسلامي وتميّزه في دار الإسلام ونشوء حِرَابة تهدد مكتسباته»[2].

فالجهاد القتالي الذي شُرّع بتأسيس دولة النبي، إنّما شُرّع في نظره « دفاعًا عن هذه الحقوق الثلاثة:

الأرض التي أورثهم الله إياها، والجماعة المسلمة التي ترسّخ وجودها فوق تلك الأرض، والنظام السلطوي الذي أعطى تلك الجماعة القوّة والفاعلية. وقد علمت أن المسلمين لم يكونوا يملكون شيئا من ذلك من قَبْلُ»[3].

فالنبيّ لم يُقاتل من أجْل الحصول على دار إسلام، أو دولة، أو لإيجاد جماعة مسلمة، وإنما قاتل لكي يَحْرُس دولةً ودارَ إسلامٍ وجدهما جاهزتَيْن. ولم يُقَاتِل حِقْدًا أو مُرادَّة على حقد وإنما دِفَاعًا عن حِمًى وجده جاهزًا بعد بيعتيْ العقبة، أي عن حِمًى كان قد تحقق سلميًّا بالدعوة.

يقف البوطي أمام الآيتين (5) و(29) من سورة التوبة: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشهُرُ الحُرُمُ فَاقتُلُوا المُشرِكينَ حَيثُ وَجَدتُموهُم وَخُذوهُم وَاحصُروهُم وَاقعُدوا لَهُم كُلَّ مَرصَدٍ. فَإِن تابوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلّوا سَبيلَهُم إِنَّ اللَّـهَ غَفورٌ رَحيمٌ﴾(٥) و ﴿قاتِلُوا الَّذينَ لا يُؤمِنونَ بِاللَّـهِ وَلا بِاليَومِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمونَ ما حَرَّمَ اللَّـهُ وَرَسولُهُ وَلا يَدينونَ دينَ الحَقِّ مِنَ الَّذينَ أوتُوا الكِتابَ، حَتّى يُعطُوا الجِزيَةَ عَن يَدٍ وَهُم صاغِرونَ﴾ (٢٩).

فيؤكد أنه لو كان « الكُفْر» هو مُسَوّغ قِتال المشركين ما كان الله تعالى يطلب من الرسول معاملتهم بالرفق والرعاية والحماية، كما جاء في الآية (6) من سورة التوبة : ﴿وَإِن أَحَدٌ مِنَ المُشرِكينَ استَجارَكَ فَأَجِرهُ حَتّى يَسمَعَ كَلامَ اللَّـهِ، ثُمَّ أَبلِغهُ مَأمَنَهُ. ذلِكَ بِأَنَّهُم قَومٌ لا يَعلَمونَ﴾ (٦). فاللطف معهم كان بسبب انتفاء الحِرَابة منهم. أمّا من حيث مناسبة النزول، فلم يقل أحدٌ – في بحث البوطي – أن الآيات الثلاث نزلت قبل آية السيف حتى يُحْكَم بنسخها بها.

وأما ما يخص آية قتال أهل الكتاب، فالبوطي يؤكد أن مبرّر هذا القتال هو وجود الحِرَابة في أهل الكتاب، فإذا انتفت حِرابتهم انتفى مُوجب قتالهم من المسلمين. ولذلك كانت الجزية هي مُنهِية العدوان البيزنطي الوحيدة، وبذلك يكون صَغار هرقل والبيزنطيين (ومن في معناهم). فالصَّغار ليس بسبب الخلاف الديني وإنما بسبب الحِرَابة1.

وينبه البوطي أن الآية أمرت بالقتال لا بالقتل، والقتال هو المقاومة لمَن بدأ بقصد القتل2.

فإذا وثق المسلمون في التعاون وحسن الجوار، لابد أن يعودوا إلى الأصل، وهو المودة مع الآخرين: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّـهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ. إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ( الممتحنة(٨) ) .

من ناحية أخرى، يؤكد البوطي عدم جواز إعلان الجهاد القتالي إلا من الإمام؛ إلاّ دفاع المرء عن حياته وداره وممتلكاته وعرضه، أو عند اقتحام العدو حِمى المسلمين، فالأمران لا يستوجبان إذن الإمام.

1- 2 دلالة الحُكْم في الفقه السياسي للبوطي:

أكد البوطي حق الإنسان في ما يسمّونه «الديمقراطية» و«الشورى» مَبدَئيا، وحقهم في نبذ الاستبداد.

وقد حاول تبديد تخوف بعض الناس من «الأحكام الإسلامية» بتعلة أنها قد تحد من الحرّيات، بقوله: «إن هذا الخطر واهم (...) ولا يستند إلى حقيقة دينية موجودة في الإسلام»1. فالناس في نظره هنا إما لم يَدْرسوا الإسلام جيّدا، أو إن بعض من يُسمّون «الإسلاميون» يخططون فعلاً لما يخافه بعض الناس، بناءًا على «رعونات شخصية وعصبيّات وأوهام»2. فالله تعالى « لا يُلزم عباده في الدنيا بأن يتمسكوا بشرائعه، وإنّما يطلب منهم أن يتمسكوا بها طوْعًا ولا يلزمهم بها كرْها. أفيملك الأنبياء والرسُل، ومَنْ بعدهم من الحكام، أن يجبروا الناس على ما لم يجبر الله به الناس؟!»3. وهو يستدل على ذلك بأن الفِرق «الضّالـّة» في الإسلام لم تضمحل بالقهر والعقاب، وإنّما بَادت باستمرار الحوار.

أما في ما يتعلق بـ«الحدود»، فالبوطي يؤكد أنها لا تتعارض مع الحرّية، إذ شُرعت لحماية حرية الأفراد والمجتمع، ومع ذلك هناك شروط شديدة وقاسية لتنفيذ الحكام تلك الحدود، وأهم تلك الشروط أن توفر الدولة الحريّات والحقوق قبل تفكيرهم في تنفيذها.

أما «المرتدّ»، فإذا كان أمر ارتداده شخصيا غير معلن، فلا حق لأحد في « الشق على قلبه»، كما جاء في الحديث النبوي. وأما إذا جاهر به في سياق الحوار مع الآخرين، فالإسلام يدعونا إلى الحوار والجدل بالحكمة، إذ لو كان دينه « الجديد» مبرّرًا لعقابه لعوقب مُعتنقُهُ الأصليُّ قبله. وأما إذا كان ارتداده في سياق محاربة للمجتمع الإسلامي، فعلى الحاكم (وليس غيره) أن يأخذه بجريرة المحاربة لا بجريرة اختيارٍ4..

يرفض البوطي تكفير الحكام توطئة لاستعمال السلاح من أجل افتكاك الحكم، مؤكدا أن ذلك يتناقض مع الأحاديث النبوية، ومنها:« من خرج على أمتي يضرب برّها وفاجرها، لا يتحاشى مؤمنها ولا يفي بذيِ عهدها فليس مني» (رواه مسلم والنسائي وأحمد). وقد أكّد  البوطي أن العجز عن الدعوة والإقناع العقليّ هو مبّرر هذه النزعة الخوارجية – القَتْلية.

إن مجرّد ابتعاد الحاكم على الأحكام الدينية ليس موجبًا للخروج عليه، وإنما الموجب الوحيد في نظر البوطي هو «الكُفر البواح»، ويُعلن أن أهل النزعة الخوارجية- حتى في العصر الراهن- لا دليل لهم يثبت مشروعية نزعتهم من القرآن الكريم والسنّة النبوية.

يُعلن البوطي أن الحاكم، إذا لم يتلّبس بـ«كفر صريح»، أي غير القابل للتأويل، ينبغي التسليم له درْءًا للفتنة. لكنْ من واجب المسلمين نهْيه عن الجور ونصحه بالعدل والشورى. أما عدم حكم الحاكم المسلم بالشريعة، فيرجعه البوطي إلى التكاسل أو الركون إلى الشهوة أو المصلحة، وقد يكون إنكارًا1. وعلاج ذلك عنده إنما يكون بالجهاد الدَّعوي- السّـِلْمي الدائم والقائم على الحجيّة العقلية والموعظة الحسنة حتى يصبح قرارًا جماعيا.

وهو يؤكد ان السعي لتحرير فلسطين ينبغي أن يكون هو الأولوية، «فنقض الفتاوى التي تبّرر التخاذل أو تحرم العمليات الاستشهادية أو تدعو للخروج من فلسطين المحتلة باعتبارها دار حرب، أو التي تجيز الصلح مع العدو وتطبيع العلاقات معه»2.

لقد ثمَّن وجود «الجبهة الوطنية التقدمية» لإصلاح النظام السوري، ولكنه لم ينتم إليها، لأنه يرى أن عالم الدين ينبغي أن يكون راعيا ومرشدًا لا مُنافسًا. فوجوده بها ممثلا القوى «الإسلامية» «سيكون إيذانا بأن الإسلام قد تقاسم مع أعضاء هذه الجبهة النفوذ والسلطان. وهو إعلان ضمني بأن علاقة الإسلام ببقية أعضاء الجبهة قد غدت علاقة تنافس سياسي، كعلاقة أي من الأعضاء الآخرين بالبقية، وهذا تقليص لسلطان الإسلام وحكمه، ثم تحجيم له، بل سعي للقضاء عليه»3.

إن إيمان البوطي العميق بالوحدة الإسلامية جعله يتحفظ من النزعات القومية إذ يراها ممّا ساعد على انكشاف فلسطين «عارية أمام العدو المتربص بها[4]. فالنزعة القومية العربية، في نظره «استطاعت أن تحيي دفين القوميات الصغيرة الأخرى في صدور أربابها، فإذا بالقوميات تتناطح، وإذا بهيبة الفلسفة التّحريرية تنحسر عنها»[5].

ولقد تبَّرا البوطي – كرديًّا- من النزعة الانفصالية لدى بعض كُرد سوريا واعتبرها «عمالة» و«خيانة»، فهو وَحْدوي داخل الوطن السوري وداخل أمّة الإسلام و وطنها الكبير[6]. ضِمْن وِجهة نظر فقهية خاصة[7].

البوطي والفتنة السورية والحرب العالمية على بلاد الشام:

2-1 رؤيا عام 1996 وأخرى عام 2010:

حذر البوطي عام 1996 مِنْ مؤامرة قريبة « يُقضى فيها على الجهاد باسم الجهاد. لا بالأسلوب القديم، وإنّما بطريقة أخرى، وضع صورة مزيَّفة للجهاد بحيث تشرئب إليها أعناق المسلمين جميعا ويشتغلون بها. وأثناء انشغال المسلمين بهذه الصورة المزيفة يتم القضاء على الجهاد الحقيقي الذي شرّعه الله سبحانه»1.

يوم 10/08/2010، رأى الشيخ رؤيا خطيرة، « وقد أمره الرسول (ص) بأن يبلّغها» لإخوانه ومريديه و«قادة وطني». تتمثل الرؤيا في «وباء نازل من السماء بمظهر مادّي مرعب ذي بقع سرطانية حمراء تبعث على التقزز والاشمئزاز. ومع هبوطه السريع نحو الأرض أخذت [البقع] تنفصل منه حيوانات كثيفة وكثيرة طائرة، راحت تنتشر بسرعة فوق دمشق. وقد علمت أنها جراثيم وباء متجه نحو البلد»2.

أعلم الجميع أن البلاد مقبلة على ما سمّاه «فتنة»، داعيًّا إلى « العودة إلى الله من القيادة والشعب»3.

يرخي المجتمع بثقله على الفرد أثناء النوم، وذلك أشد على الفرد ذي المدى القيادي والرعائي، كأمثال الشيخ البوطي. واشتراعيته التصوفية، تجعله متماهيًا أكثر من غيره بمؤسس النص السيادي لشريعته، ولذلك تستدعي رؤياه النبيَّ ليكلّفه بالتكاليف الرعائية. وهذا غير ممكن – عادةً- مع القياديين غير الاشتراعيين، وغير العِشقيّين في علاقتهم بالنَّبوية المحمدية.

المظاهرة الأولى ودعوته علماء الدين للتدخل الإيجابي:

يوم 15/03/2011 كانت أول مظاهرة بدمشق، متأثرة بما حدث في تونس وليبيا ومصر تعلن «الشعب يريد إصلاح النظام»4.

يوم 04/04/2011 (أي بعد أقل من شهر من تلك المظاهرة) أعاد التذكير برؤياه. وفي اللقاء التشاوري- الذي ضم عددًا من علماء الدين الإسلامي-  كانت نصائح الشيخ متمثلة في:

دعوة الناس للتهدئة « لأن هذه المظاهرات ستُستغل بخطة مرسومة لتكون فتنة تودي بالبلاد والعباد».

الضغط والمطالبة بالتعددية الحزبية الموسَّعة أكثر من الجبهة التقدمية، « وهي أبواب الإصلاح الآمنة والوحيدة».

وريثما تتم الاستجابة، طلب من الحاضرين ترشيح «شبّان ثقات لا يحملون سمة دينية للبدء بتشكيل نواة حزب لا يحمل أي صفة دينية». وقال لهم: « من يريد أن يشتغل بالسياسة ينبغي أن يتخلى عن هيئته ومظهره الدينيَّيْن»، مقدّرا أنهم سيجدون ثمرات وسيلة التعبير هذه خلال عام، وأعلن أنه سيتعاون معهم، وإن لن يكون طرفا في هذا الحزب.

ولكنه لم يجد استجابة منهم، و« كانوا بين ساخر ومستهزئ، وبين متعجب»، نابزين إياه بأنه يؤمن بمصداقية المنامات، فقال لهم: « هذا واجبٌ كُلّفْتُ به»1.

طالب الشيخ حتى أبريل 2011 بالإصلاح، وأيّد ما كان من مبادرات رئيس الجمهورية (تعديل الدستور، الإعداد لانتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة ...)، قائلا يوم 04/04/2011: « أما الدعوة إلى الإصلاح والقضاء على الفساد وأسبابه، فهو ضرورة لا مندوحة عنها، بل هي ضرورة يوجبها الشرع عليها قبل أن يوجبها المنطق».

وقد أعلن يومها أن منطلق الإصلاح الوحيد هو «الحوار» و«التفكير» و«النقاش»، موضحا: «هذه الكلمات تلتقي تحت المصطلح القرآني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».

يوم 24/04/2011 قدَّم الشيخ مقترحا عمليا جديدًا، هو تأسيس لجنة متابعة شعبية: « لديّ اقتراح أيها السادة والسيدات، أرجو إن وجدتموه منطقيا أن توافقوني عليه: تشكيل لجنة متابعة شعبية، على أن تكون لها جذور مؤسَّسِيَّة. تكون هذه اللجنة ذات صلة قوية بالشعب على اختلاف فئاته وجماعاته، وعلى صلة بقمة المسؤولية». وقد طالب بأن تُعبَّد الطريق أمام هذه اللجنة لجعل ما تراه اللجنة مراسيم للتطبيق، لقد اعتبره اقتراحه فتوًى: « هذا هو الطريق الديني، الأمين، الآمن، الحضاري».

ولكنْ مرَّةً أخرى، لم يكن علماء الدين حيويّين، ولم يكن «الإسلاميون» في أكثريتهم موافقين له، سواءًا كانوا سلفيين أو إخوانيين، فقد كانوا تحت تأثير الخطاب الإخواني لقناة الجزيرة والخطاب السلفي-الجهادي لقناة صفا السعودية. فاتهمهم الشيخ بـ«التشاؤم».

يوم 24/04/2011، كانت العبرات تخنق صوته، وهو يأسف لتحول يوم الجمعة من «يوم أُنْس، يوم فرحة الأسرة، يوم راحة، (...) إلى يوم رعب، يوم خوف». ذكـَّر بأن الحديث النبوي سماه «اليوم الأزهر»، و أعلن أن قسْما كبيرًا من النّاس أصبحوا لا يصلّون يوم الجمعة لأن الجماعات الدينية جعلته «يوم الغضب».

وأكّد أن أكثرية «منخرطي» تلك الجماعات لا يدخلون للجامع للصلاة، وأكثرهم لم يكونوا من المتدينين قبل عام 2011، فلما يخرج الناس من الصلاة يندسّون في الشارع بين المصلين، ويبدؤون في الهتاف، وبذلك تُختلق «المسيرة». وعوض أن تكون المظاهرة صغيرة بحكم حجمهم الصغير، تصبح بنَقْلِ هواتفهم الخلوية كبيرة، بينما أكثرية الموجودين قَسْرًا بـ «المسيرة» ليسوا منها1.

2-3 من المطالبة بـ «الإصلاح» إلى المطالبة بـ«الإسقاط»: الشيخ يعترض على الفتنة المسلحة والحرب الأهلية:

يوم 06/06/2011، ارتفع سقف المطلب من «إصلاح النظام » إلى «إسقاط النظام». في اليوم نفسه كانت مُرَادَّة الشيخ البوطي بتصريحه أن الصهيونية والولايات المتحدة الأمريكية والغرب وراء الأحداث التي استغلت ضرورة الإصلاح: «الطريقة التي رُسمت لسوريا هي هذه: مسيرات ثم إسقاط، ثم بعد ذلك تخريب حتى مِنْ لا شيء: قتل، تحريق، وغير ذلك».

حَذَّر البوطي في خطابه ذاك مِنْ أن هدف الاستخبارات الاستعمارية هو «إيجاد القتل واستحرار القتل، وازدياد القتل»، وأنها تريد جرًّ البلاد إلى «الحرب الأهلية». وإذا كانت الحرب الأهلية لن يستطيع أحد «أن يملك اختيارًا فيها». وحَذَّر آنئذ مِنْ أن في المرحلة الثالثة: « سيأتي المُعَلّـِم الكبير، الذي يختفي وراء ما يحدث الآن، وراء الأسوار، من أجل أن يحُل المشكلة، آخذًا منَّا إتاوات»، وسيكون «الحل»: «تقسيم سوريا إلى ثلاثة أقسام أو أربعة أو خمسة».

خرج السلاح المخبَّأ إلى العَلن، فبيَّن الشيخ البوطي يوم 20/07/2011 حكم الشرع في مسألة الخروج على الحاكم، ودعا الناس « إلى اعتزال الفتنة بالتزام بيوتهم». فلقد أعاد ما دَوَّنه في عديد كُتُبه العلمية منذ الستينيات من القرن العشرين، أن الخروج على الحاكم يقتضي أن نجد كُفرًا بواحًا، مُفَنّدًا وجود ذلك لدى القيادة السورية، « بل وجدنا مظاهر للدين والإيمان»2.

وقد أكّد البوطي في خطابه ذاك أن حكمه الفقهي ليس مسألة خلافية:« لا والله. ليست المسألة خلافية، بل أجمعت عليها الأمة. وأنا أنقل لكم كلام إمام من أئمة كثيرين ينقلون الإجماع. الإمام النووي3 معروف، يقول: ( وأما الخروج على أئمة المسلمين فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فاسقين، ظالمين، وتظاهرت الأحاديث الكثيرة في بيان ذلك)».

في خطبة الجمعة يوم 24/06/2011 بالجامع الأموي1، كان الشيخ يحذر من سفك الدماء:« يقول حبيبنا المصطفى في خطبة الوداع كلاما يرسله إلينا، نحن، من وراء الأيام، يخاطب من خلال أصحابه الأجيال المتتابعة المتتالية إلى يومنا هذا: (ألا لا تعودوا بعدي ضُلاَّلا يضرب بعضكم رقاب بعض.) ألا هل بلغت؟! اللهم فاشهد!)».

ويضيف:« هل سمعتم عاقلا يخرّب داره من أجل أن يُقرّ عين عدوه؟! هل سمعتم عاقلا يزهق نفوس إخوانه من أجل أن يُفرح عدوه؟! (...) يا ناس إياكم أن تفتحوا بابًا ثم تدخلون منحدرًا لا تملكون الوقوف فيه! (...) الخطوة الأولى تدفعكم وتبعثكم إلى النهاية التي نرى مظهرا من مظاهرها الآن!»2.

في خطبة الجمعة، يوم 05/08/2011 كان الشيخ يقرأ الحديث النبوي: « من جاهد أو قاتل تحت راية عُمِّيَّة فقُتِل ، فقِتْلَتُهُ جاهْلية». وأضاف: « ما الراية العُمِّيَّة؟ هي تلك القيادة التي لا نَعْلم من هم أصحابها الحقيقيون ولا نعلم الغاية منها، ولا نعلم النهاية التي توردنا. ونحن إذا أردنا البحث في الذين يُمسكون بهذه الراية سنجد الموساد الإسرائيلي والاستخبارات المركزية الأمريكية. ولسوف تأتيكم قريبا أنباء تفصيلية تضع النقاط على الحروف».

وقد نبّه في الخطاب إلى أن «فئات» التقت « قبل أيام، وتواصتْ بتأجيج نيران الفتنة في الشام، في سوريا، من أجل الوصول إلى الغاية التي لم نرسمها نحن، وإنما رسمها الموساد والاستخبارات المركزية الأمريكية»3.

و واصل الشيخ في خطابه التحذير من «الفتنة» : « رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حدثنا عن هذه الفتن، ووصفها، ووصف هذا الذي مررنا به بأدق وصف. ثم إنه أمرنا بالابتعاد عنها، وحذَّر تحذير تحريم من الدخول فيها والولوغ إليها. قال في حديث طويل، وصف فيه هذه الحالة، قال لكل فرد من المسلمين: (عليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة ) (....). ويقول في حديث آخر: (اعْمَدْ إلى حجر، فدُقَّ عليه حدَّ سيفك4، واترك تلك الفئات والجماعات، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت، وأنت على ذلك) (...) هل جئت بهذا من عندي أيها الإخوة؟! أبدًا، أنا ناقل!!»5.

وهو يفنّد في هذا الخطاب ما اتهمه به الشيخ القرضاوي وغيره من قادة «الربيع العربي» إذ أوّلوا مواقفه السياسية « بأنني من أتباع النظام وأنني من شيوخ السوء، فيعني ذلك أن هذه التهمة هي نفسها تُهمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا لا أشك في أن محمدًا رسول الله لو ظهر بيننا وذكّر بنصائحنا هذه، لجاء من يقول له: (يا محمد، أنت من أتباع النظام ومن مشايخ السوء!)».

الشيخ البوطي يخاطب قاتلهُ:

لقد سئل  ناصر الدين الألباني، عن كتاب البوطي: السلفية مرحلة زمنية مباركة لا منهج إسلامي، فقال: «أنا لم أقرأه»، مبرّرًا ذلك بأنه يعرف البوطي:«أنا أعرف الرجل معرفة شخصية». وكلمة «الرجل» تنبئ بازدراء وتنكير، فلقد كان بإمكانه أن يتعامل معه بصفته «فقيها» أو«شيخا». ويضيف:«إذا أحسنَّا الظن بالرجل قلنا إنه لا يَعْفَهُ الدعوة السلفية ماهي، وإن أسأنا الظن فيه فواقعه الآن-يُعْلمُ من جلساته التي تُبث الآن في التلفزيون السوري – يؤكد أنه يعرف الدعوة السلفية ويحاربها، لأنه الآن يدافع عن نظام حافظ الأسد في سوريا1، ويزْعَم أن الإسلام في سوريا خير من كل البلدان الإسلامية الأخرى»2. لكنه لم يناقش في ذلك التصريح استدلالات البوطي، ولم يفرق بين النقد و«المحاربة»، ولم يبيِّن حيثيات دفاع لم يعترف به البوطي. وقد كان الأوْلى مناقشة كتاب البوطي ذاك، ممَّا يثري الفكر الديني الإسلامي.

وقد دَعَا الألباني على البوطي في إحدى حواراته الشفوية معه. وهذا الدعاء إنما هو لعْنة و تحريض عليه، أو بالأقل يجعل المؤمنين محل توقف أو ريبة نِسْبية من عالِم.

أمَّا البوطي، فقد استُفْتِي هو أيضا في مُواطنه الألباني، فلم يصنّفه «رجلا»، بل صنّفه «عالما» و«شيخا»، ولم «يُسئ » الظن فيه، كما فعل الألباني في تصريحه: « الشيخ الألباني من العلماء الذين كنت أجلّهم، ولم يكن بيني وبينه إلا ما يكون بين العلماء من الحوار والنقاش لكشف الحق وتمييز الباطل(...) وعندما زارتني مطلقة الشيخ الألباني أرادت أن تتحدث عن بعض ما تراه عيوبا أو مثالب له منعتُها عن ذلك»3.

وإنه لموقف إيتيقي، جمع فيه الشيخ الفقهية بالتصوفية، في حين أن الألباني كان مجرد عالم مَسَانِيد حديثية كبير، وكان يفتقر إلى التصوفية.

الأمر نفسه كان في موقف رمز الإسلام الإخواني، الشيخ يوسف القرضاوي، والبوطي، من بعضيهما. فلقد نفى القرضاوي، هو أيضا، عالِمية البوطي، في قناة الجزيرة ببرنامجه الإفتائي «الشريعة والحياة» بين عامي 2011 و 2013، معتبرا إياه من «بقايا العلماء»، فهو«فاقد للعقل»، والعقل هو الشرط الأول للعلمية. فقد قال في تعريفه به، إنه «مِنْ بقايا العلماء، للأسف، يتحدثون بالباطل، ويدعون لمناصرة بشار الأسد». وقدّم مثال ذلك دون موارية:« عالِمٌ فقد هويته، وفقد عقله، وفقد كل ما في الناس العقلاء، الشيخ البوطي، سعيد رمضان البوطي». كان « الشيخ البوطي»، وأصبح –إذن- «سعيد رمضان البوطي». فاقدًا «هويته» العالِمية، بل «هويته» العاقِلية.  وبذلك يلتقي مع محمد بديع، مرشد الإخوان المسلمين، الذي أعلن: « من يصلي وراء البوطي كافر»، ودعا إلى ما دعا إليه الشيخ القرضاوي تجاه البوطي1.

وفي الحصة نفسها، سأله مقدّم برنامجه: «هل يجوز استهداف من يُعِين النظام السوري، وعلى رأسهم علماء السلطة؟». و«الاستهداف»  هو بمعنى «القتل». فأجاب المفتي القرضاوي: «الذين يعملون مع السلطة يجب أن نقاتلهم جميعا، من عسكريين، مدنيين، وعلماء وجاهلين. من كان مع هذه السلطة الظالمة، المتجبرة في الأرض، التي قتلت الناس بغير حق، هو ظالم مثلها، فيأخذ حكمها [الفقهي]. فيجب على كل من يُقاتِلُ أن يُقاتِل هؤلاء. يجب أن نقاتلهم جميعا»2. ولقد كان أحد أبناء البوطي قَدْ قتلته نفس الرمزية –انتقاما منه- في ثمانينيات القرن العشرين.

لم يكن الشيخ القرضاوي اشتراعيًّا، فهو يُعلن عدِيد المرات: « يخطئ النبيّ أحيانا في الأمور التي تتعلق بالتشريع»3. فإذا كان، بإمكانه تجاوز تشريعات النبي، فيستطيع أن يتّخذ مواقف متضادة من سنة إلى أخرى، بناءًا على أنه يستطيع أن يُشرّع متى شاء دون العودة إلى أصول ثابتة أو مَبانٍ اجتهادية. والغريب أنه لم يَتّخذ من «النظام القطري» و «النظام الأردني» و «النظام السعودي» و«النظام المغربي»4 الموقف نفسه، فهل ذلك يعود إلى أنها سلفية أو ضمن حلف غربي؟

على عكس ذلك كان الشيخ البوطي متحرّجًا إيتيقيا- في الردّ على تحريض القرضاوي عليه، لأنه متصوف وأخلاقيٌّ، لا يريد أن يدخل في معركة شخصية، فبحث عن إجماع: « ما أقوله أعتقد أنه لا يختلف عليه اثنان. أقول – مضطرّا- شيئـًا عن أخينا، الشيخ يوسف القرضاوي».

لم ينف عن القرضاوي العالِمية والمشيخيّة:« نحن لا نشك في فضل هذا الإنسان وعلمه، وأنا أعرفه من قريب، وبيني وبينه مودّة أيضا». فوضع الخلاف في سياق أخلاقيّ-إنسانيّ.

ثمّ بيّن أن خلافه معه، إنما هو اشتراعي-علمي، وذكَّر بموقف أهل السنّة والجماعة من الإصلاح. ثم أضاف: « إنه يَعلم أن الطريق الغوغائية ليست هي الطريقة التي تصلح الفساد. الطريقة الغوغائية هي التي تفتح الأبواب للفتنة. العزْف عن وتر الطائفية لا يُصلح الفساد – أيها الإخوة- أبدًا، وإنما يزيده، بل يَخْلُق الفساد. فأنا أعجب من أن أخي، الشيخ، يوسف القرضاوي، يعلم هذه الحقيقة».

ثم يقدّم –في نفس المداخلة نفسها- تعجّبه من عدم قيامه بالدعوة إلى الإصلاح وفق الطريقة السنيّة- فقهيًّا- : « ترى ما الذي يمنعه، وقد ملأته الغيرة بين جوانحه لحقوق الإنسان والحريّات والقيم في هذه البلدة- وأنا أتفهَّم غيرته – من أن يتوجه إلى دمشق، ولسوف يجد من يؤهلون ويرحبون به، في سوريا رئيسًا وحكومة وشعبا، فيجلس شريكا مع من يجلسون مع السيد الرئيس، فيكون هو الآخر ممن يتناقشون ويبْحثون، ومن ثَمَّ يَنال هو الآخر ثوابا من عند الله؟!». وأضاف بحذره الإيتيقي: « أنا أسأله سؤال مستعلم لا سؤال ناقد». ثم ذكّره: « كانت دمشق في ما مضى قد رحبت به، في ما مضى، في أعقاب حرب غزّة، وكان قد أتيح له أن يجلس للسيد الرئيس. امتلك فرصة ذهبية رائعة. عندما جاء، كانت مشكلة الحزب «الواحد» قائمة، وكانت مشكلة « الطوارئ» قائمة، وكانت مشكلة « الحرّيات» قائمة، فلم يتحدث عنها، وإنما استبدل ذلك بالمديح الذي كاله جِزافًا للسيد الرئيس (...) هلاَّ ذكّرْتـَهُ – يا أخ- بهذه الإصلاحات التي تثور من على منبر صلاة الجمعة [بالدَّوْحة] عليها، تثور وتثير من أجلها (...) أُتِيحَ لك أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وأن تتخذ لنفسك شهادة بين يدي الله يوم القيامة!!». ثم حَذّره تحذيرًا إيتيقيّـًا: « عليه أن يُحكِّم الضوابط بَدل أن يُحَكّـِم الظروف  والمصالح الحزبية، التي تدعوه آنًا إلى أن يصمت فيصمت، وتدعوه آنًا إلى أن يتكلم ويثور، فيثور ويُثير»1.

قبل أقل من 24 ساعة، كان الشيخ البوطي في مقابلة تلفزيونية، متفائلا:« الأزمة في إدبار ومدتها لا يعلمها إلا الله تعالى وهذه الحرب العالمية على سوريا ستنتهي بالخيبة بإذن الله، وستفوز سوريا على أعقاب هذه الآلام وهذه الدماء التي سالت (...) سينتهي ذلك كله بالنصر الفريد(..) وسيُدَرّس [دفاعنا] في الأكاديميات العسكرية بالعالم». وخاطب القتلة بقوله:« أحسن جزاء لمن قَتَلوا السوريين وخَرَّبوا سوريا هو العفو! ينبغي أن نتخذ الموقف الذي اتخذه سيدنا يوسف من إخوته: ﴿قالَ لا تَثريبَ2 عَلَيكُمُ اليَومَ يَغفِرُ اللَّـهُ لَكُم وَهُوَ أَرحَمُ الرّاحِمينَ﴾﴿٩٢﴾ (سورة يوسف).

وبذلك يمارس الشيخ البوطي مرة أخرى، الموقف الإيتيقي، فلا وجود لموقف إفتائيٍّ لديه إلا وهو موقف إيتيقيٌّ في الآن نفسه، على عكس المواقف الفقهية لرمز الإسلام السلفي (الشيخ الألباني) ورمز الإسلام الإخواني (الشيخ القرضاوي)، إذ كانت مواقفهما مواقف قطِيعية، غير تواصلية، وغير تفهمية، أي هي مَبْدئيّـًا تمارس القتل الرمزي للآخر.

وهذا الموقف الإيتيقي الأعلى للبوطي (العَفو) يلتقي في علويته مع بيعه بَيْتَهُ ليساهم في الدعم الشعبي السوري للمقاوملة الفلسطينية أثناء حرب غزّة.

كان الداعية عدنان إبراهيم مصدومًا من مَقتله :« إن أمّة تَقْتُل خيارها يجب أن تخاف على مصيرها»، بينما كان المطران عطاء الله حنَّا، مطران القدس يشارك المسلمين المقيمين في مدينة صوفيا (إذ صادف يوم مقتله وجوده هناك) في مظاهرة مندّدة باغتياله.

خاتمــة:

يمكننا أن ننقد البوطي في «محافظته» في فقهه السياسي وفقه النساء وفقه الفن، فذلك من حقنا الكامل، ولكنْ يجب أن يكون ذلك وفق سياق علمي؛ لا أن نذهب في اتجاه قتله رمزيا وجسديا.

كان البوطي اشتراعيا، خضع في مواقفه السياسية لبحثه العلمي في الفقه السياسي الإسلامي؛ مُنذ تخرجه من الأزهر، مِنْ قبل تسلم حافظ الأسد للسلطة. في الآن نفسه، كان أخلاقيًّا: إذ عفا عن قاتله الحقيقي (الفتوى الإخوانية بقناة الجزيرة...) وقاتله العملي، وكان قبل ذلك إصلاحيًّا في علاقته بالسلطة والمعارضين وعلماء الدين والجماهير. عودة مواقفه السياسية وعلاقته بالسلطة والمعارضة لا علاقة لها بهوى شخصي، ولا باشتراكه مع حافظ الأسد في الأصل الطبقي- الفلاَّحي الواحد، بل هي مرتبطة بنظرية في الفقه السياسي وأخلاقية تصوّفية.

ومأساته الحقيقية، تتمثل في عدم وجود علماء دين حريصين على الفعل السياسي إذ خذلوه عديد المرات عام 2011 لضعف همَّتهم، ولم يكن «الإسلاميون» اشتراعيين مثلهُ، ولم تكن الجماهير قابلة للانتظام التصوّفي مثله.

لقد دَافع الشيخ، طيلة حياته العلمية والعملية، بهدوء علمي وإيتيقِي،  ووفق ضوابط ارْتآها، عن الإسلام السنيّ، ناقدًا بعالِميةٍ وأخلاقيةٍ الإسلامَ السلفيَّ والإسلام الإخوانيَّ، و وقف ضد ما سمَّاه «الغوغائية» و«تدمير الوطن».

لقد كان الشيخ استيضاحيّـًا- اشتراعيّـًا في عالِميته، إيتيقيا في مُمارَسته، رافضًا لغوغائية «الرّاية العُمّـِيّة».

 

د. عادل بن خليفة بالكَحْلة

(باحث اجتماعي وإناسي)

.............................

[1] ـ عليوان (هشام) والغوش(فادي)، البوطي: الدعوة والجهاد والإسلام السياسي، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، بيروت، 2012، ص 107.

[2] ـ م. س.

[3] ـ البوطي (محمد سعيد)، الجهاد في الإسلام: كيف نفهمه وكيف نمارسه،  دار الفكر، دمشق، 1993.

1 ـ «الجزية»، لا علاقة لها بالدين المخالف للإسلام، وإنما هي «جزاء» ماليّ، يُنهي عدوان المعتدي. فليس كل أهل الكتاب معتدون، بل بعضهم: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.

2 ـ البوطي، م. س ص 59.

1 ـ عليوان(ه) والغوش (ف)، م م، ص 128.

2 ـ م، س، الصفحة نفسها.

3 ـ م، س، الصفحة نفسها.

4 ـ م، س، ص 130.

1 ـ م، س، ص 139.

2 ـ م، س، ص 146 [ أفتىَ الكثير من الفقهاء السلفيّين: حُرْميّة العمليات الاستشهادية في فلسطين].

3 ـ م، س، ص 127.

[4] - البوطي، «هكذا نشأت القومية»، مجلة حضارة الإسلام، يناير 1963.

[5] - عليوان (هـ) والغوش (ف)، م م ، ص، 161.

[6] - لقد كان كرد سوريا مندمجين في الاجتماع السوري، «متساوين مع غيرهم فيه»، ولذلك نجد منهم من كان رئيسا للجمهورية، ورئيسا للحكومة، وقادة بارزين بالجيش، وأعضاءًا متميزين في الحركة اليسارية والحركة الإسلامية. ومن أهم مثقفيهم: محمد كُرْدعَلي، والمفتي التّقريبي: أحمد كفتارو، ومجاهد الاحتلال الفرنسي: إبراهيم هنانو... وقد فهم البوطي الثقافة الكردية، ومن ذلك إعادة إبداعه قصة « مَمُوزَيْن». فانشقاقية بعض كرد سوريا لا مبرّر لها سوى التحريض الإمبريالي...

[7]- راجع ذلك في كتابه: حقائق عن نشأة القومية،  دار الفكر المعاصر، دمشق، 1994، (مثلما نُشرت كتب راشد الغنوشي في دمشق الأسد، نُشر هذا الكتاب بها رغم اختلافه الإيديولوجي مع فكرة القومية).

1 ـ الخطاب موجود على موقع الشيخ البوطي

2 ـ م. س.

3 ـ م. س.

4 ـ مَطلب «الاصلاح» له عدة مبرّرات سلبية يعترف بها القائمون على النظام أنفسهم، رغم نجاحه في الاقتصاد الاجتماعي- التضامني وفي الاكتفاء الذاتي، وقد أكد المؤرخ الفلسطيني – الأمريكي حنّا بطاطو « عدم وجود أدلة على أن [حافظ]الأسد أعطى في سياساته الاقتصادية تفضيلا ملحوظا لطائفته أو أن أغلبية العلويين تتمتع بأسباب الراحة في الحياة أكثر من أغلبية الشعب السوري». أنظر: بطاطو (حنّا)، فلاحو سوريا: أبناء وُجَهَائهم الريفيين الأقل شأنًا وسياساتهم، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدّوحة، 2014، ص 182. وقد كان حافظ الأسد أوّل رئيس جمهورية مِن أصل فَلاَّحي – ريفي.

1 ـ … من موقع الشيخ البوطي.

1 ـ ... مداخلته يوم 24/04/2011 (موقع الشيخ البوطي).

2 ـ انظر موقع الشيخ البوطي.

3 ـ يحيى بن شرف النووي سوري، وموطنه من الجهة التي خرج منها السلاح الخوارجي الحديث في سوريا(محافظة درعا)، ولذلك كان اختيار البوطي لكلام هذا الإمام الشافعي.

1 ـ نستغرب تسميته بهذا الإسم...فهو يحمل جسد النبي يحيى، ثم أصبح كنيسة، قبل أن يصبح جامعا فالأصح تسميته: «جامع النبي يحيى».

2 ـ الخطبة في موقع الشيخ البوطي.

3ـ ....موقع الشيخ البوطي.

4 ـ أي اجتثَّ كل نزعتك السَّبُعية.

5 ـ من موقع الشيخ البوطي

1 ـ ...كان الألباني صامتا عن النظام الأردني الذي عاش في كَنفه، ولكنه شكّك في سلفية النظام السعودي ومؤسسته الدينية...

2 – www. Youtube.com/otailu82.

3 ـ البوطي(محمد سعيد)، الفتاوى، الفتوى عدد 35328.

1 ـ « إدريس هاني يرثي البوطي»، تِلِكْس بْرِيس، 20/3/2013.

2 ـ موقع قناة الجزيرة، الشريعة والحياة.

3 – www.youtube.com/otaibu82.

4 ـ ...عاشت المملكة المغربية حراكًا سلميًّا يشبه الحراك السلمي السوري في بدايات عام 2011، ولكنّ اتفاقًا عالميا بين الاخوان المسلمين والسلفية العالمية بالدخول في العملية الديمقراطية منعها من التحول إلى «دار جهاد». والأمر نفسه،  بالنسبة إلى المملكة الأردنية،   على حدود الدولة الصهيونية( وللإخوان فيها عضوية قارة بالبرلمان).

1 ـ … من موقع الشيخ البوطي...

2 ـ «التثريب» هو التوبيخ والتّعْيير بسبب الذنب.

 

اسحق قوميأما اللهجةُ الغربيةُ:

 لها خمسُ حركاتٍ وهي: فتوحو تُقابلُ الفتحةَ بالعربيّ وسقوفو تُقابلُ الضمةَ المائلةَ إلى الفتحِ. وربوصو وهي كسرةٌ مائلةٌ إلى الفتحِ، وعصوصو تُقابلُ الضمةَ بالعربيةِ، وحبوصو وتقابلُ الكسرةَ بالعربيةِ.

ويلاحظُ أنّ حروفَ الهجاءِ السّريانيةِ 22 اثنان وعشرون حرفاً، مثلُ الأحرفِ الفينيقيةِ. بينما نجدُ أنّ الحروفَ العربيةَ 29 حرفاً (تسعةٌ وعشرونَ حرفاً)وترتيبُها يختلفُ عن ترتيبِ الأبجديةِ السّريانيةِ، ولدى السريانُ حروفٌ مضاعفةٌ يختلفُ فيها اللفظُ حسبَ وقوعِها في سياقِ الجملةِ. وهي الحروفُ التاليةُ:

الباءُ وتلفظُ باءً أو (v) حسبَ وقوعِها في الكلمةِ... التاءُ وتلفظُ ثاءً أحياناً... الجيمُ وتلفظُ بالجيمِ المصريةِ أو بلفظِ الغينِ... الدالُ وتلفظُ دالاً و ذالاً... الحاءُ وتلفظُ خاءً في السّريانيةِ الشرقيةِ... الكافُ وتلفظُ كافاً عربيةً وخاءً...

وهناكَ تقاربُ لغويُّ بينَ السّريانيةِ والعربيةِ، يتوزعُ بينَ اللفظيّ، وعبرِ الأعدادِ، وفي الكلماتِ رغمَ تغييرِ حرفٍ واحدٍ بينَ اللغتينِ أحياناً وفي الألفاظِ المتباعدةِ التي تمتلكُ رسوباتِها في العربيةِ !

كلماتٌ عربيةٌ ـ سريانيةٌ متشابهةٌ، وهنالكَ ما لا يحصى من الكلماتِ المتشابهةِ بينَ اللغتينِ العربيةِ والسريانيةِ، سواءً بصورةٍ مباشرةٍ أو غيرِ مباشرةٍ. هنا نسجلُ عينةً بسيطةً على سبيلِ المثالِ.نماذجَ كلماتٍ متشابهةٍ بصورةٍ غيرِ مباشرةٍ Lبعيرو = بهيمة // برتقالي = ليمونوا // حصان = سسيو (بالعربيّ ساسَ الخيلِ) // بقرة = تورتو (مؤنثُ ثورٍ).

أما الخلافاتُ اللغويةُ بينَ لهجاتِ الآراميةِ فليسَ بوسعنا الحديثُ المسهبُ عنها لكننا نشيرُ بعجالةٍ إلى أنّ تلكَ الخلافاتِ كانتْ منذُ نشأتِها ما بينَ بلادِ آشورَ وآرامَ ويزدادُ الخلافُ في الفترةِ المسيحيةِ والانقساماتِ التي حدثتْ ما بينَ النساطرةِ واليعاقبةِ.

وأما عن اللغةِ التي يسمونها بالسورتِ، فبعدَ مراجعتِنا لعددٍ من المقالاتِ التي تخصُّ هذا الجانبَ تبينَ لنا بأنهُ ليسَ هناكَ دراساتٌ علميةٌ إنما هناكَ استنتاجاتٌ تقولُ: إنّ اللغةَ التي يتحدثُ بها أهلُنا في شمالِ العراقِ اليومَ وجنوبِ شرقي تركيا يسمونها بالسورثِ. هذهِ اللغةُ كانتْ قد ولدتْ منذُ القرنِ الثامنِ أو العاشرِ قبلَ الميلادِ في بلادِ موزوبوتاميا نتيجةَ اختلاطِ اللغةِ الأكاديةِ بالآراميةِ. وهذا التلاقحُ اللغويُّ بينهما حدثَ عندما جلبَ الآشوريون ما يقاربُ من أربعةِ ملايين آراميٍّ من مناطقِ شمالِ وغربِ سوريةَ الحاليةِ إلى قلبِ الإمبراطوريةِ الآشوريةِ.وأكثرُ من ذلكَ الوجودِ الآراميّ في جنوبِ ووسطِ العراقِ اليومَ أدى إلى تزاوجٍ لغويٍّ وأنتجَ لغةً مشتركةً ومستقلةً بنفسِها عن لغةِ أهلِ المنطقةِ برمتِها وباتتِ اللغةَ المحكيةَ لكلّ من آشورَ وبابلَ منذُ القرنِ الثامنِ قبلَ الميلادِ. أما نحنُ لايمكنُ أن نجزمَ بالأمرِ على أنها هذهِ هي الحقيقةُ مالم يكنْ هناكَ دراساتٌ فائضةٌ حولَ هذهِ اللغةِ سيما هناكَ أدبٌ شعبيٌّ شفهيٌّ يمثلُ الثقافةَ الشعبيةَ التي تختزنُ حِقباً تاريخيةً واجتماعيةً. وما لم يتوفرْ مرجعٌ مؤكدٌ عن هذهِ اللغةِ.

وممَن عَمِل َ في المجالِ اللغويّ نستطيعُ أن نتلمسَ البداياتِ التي كانتْ مع:

1- يوسف الأهوزي نسبةً إلى الأهوازِ وكانَ أستاذاً في مدرسةِ نصيبين وتوفى في 580م.

2-ويعقوب الرهاوي، المتوفى 708، وقيلِ 710، اشتغلَ بآدابِ اللغةِ السّريانيّةِ وألّفَ فيها كتاباً كانَ عمدةً وسنداً يُرجعُ إليهِ.

3-وأشهرُ نحاةِ السريانِ (يشوع دناح) المتوفَّى في القرنِ الثامنِ.

4- حنين بن اسحاق 873.

5-والياس الطيرهالي 1049 وقد نهجَ في اللغةِ السريانيةِ منهجَ نحاةِ العربِ وغيرِهم.وقالَ صاحبُ (اللباب): (إن الحروف   الهجائيةَ في اللغةِ الساميّةِ تُبدلُ من حروفٍ أخرى وتبدأُ بالساكنِ، وصيغةُ الجمعِ تتبعُ الفعلَ إذا أُسندَ إلى فاعلِ جمعٍ بخلافِ العربيّةِ):

ولا نريدُ أن ندخلَ في جوانبَ لغويةٍ ومقارناتٍ بينَ الضمائرِ في اللغاتِ الساميةِ بل نكتفي إلى أنّ هناكَ تقارباً واضحاً في هذا المجالِ.

ولكن من خصائصِ السّريانيةِ أن ليسَ للسّانِ السّريانيّ أداةُ تعريفٍ للأسماءِ. والخصوصيةُ الثانيةُ هي وجودُ أداةٍ خصوصيّةٍ لإضافةِ الاسمِ إلى اسمِ آخرَ، وهي الدالُ تدخلُ على المضافِ إليهِ. وأنّ ميمَ الجمعِ تُقلبُ فيهِ إلى نونٍ. والمثنّى لم يبقَ منهُ أثرُ في اللسّانِ السّريانيّ.

والحركةُ التي لا يعقبُها مدٌّ أو حرفٌ مشدَّدٌ أو حرفٌ ساكنٌ تسقطُ دائماً في اللفظِ السريانيّ إلاَّ إذا أوجبَ إبقاؤها صعوبة.والحروفُ الهجائيةُ في اللغةِ الساميّةِ الأصليّةِ تُبدلُ من حروفٍ لأخرى.والاسمُ المفردُ وجمعُ المؤنثِ السالمِ إذا لم يلحقْ بهما شيءٌ يطلقُ آخرهما بالألفِ. والنونُ في بعضِ الأسماءِ الأوَّليّةِ تُقلبُ إلى راءٍ.

كما نجدُ صيغتين فُقدتا من اللغاتِ الساميةِ وبقيتا في اللغةِ السّريانيةِ وهما سفعل وشفعل.

كذلكَ وفي السّريانيةِ يصيرُ آخرُ الاسمِ (آ) وهو أداةُ التعريفِ. (الكتاب: خْثوبا). (الخبز: لِحْما)

 كما يبدأُ الفعلُ بالنونِ في صيغةِ المستقبلِ مثلُ: (سأقتل: نْكوتيل)

أصولُ الكلماتِ في السّريانيةِ ثلاثيةٌ كما في اللغاتِ الساميةِ. وهي الفاءُ والعينُ واللامُ، وما عداها زائدٌ إذا تغيَّرتِ الحركاتُ في وسطِ الكلمةِ تغيَّر المعنى ولا يوجدُ باللغةِ السّريانيّةِ تضعيفٌ،ولا مثنى وإن وجدْنا بعضَ الآثارِ لذلكَ. وتبدلُ النونُ راءً في بعضِ الأسماءِ (ابن: إبرا)، (ابنة، برجا).

وقدْ ظلتِ السريانيّةُ لغةً أدبيّةً حيّةً حتى القرنِ الرابعِ عشرَولم تزلْ لغةً طقسيّةً لدى الكنائسِ السّريانيةِ الشرقيّةِ والغربيّةِ حتى اليوم.

وأما عن الخطوطِ في اللغةِ السريانيةِ بلهجتيها:

1- الخطُّ الأسرنجيلي: ويعني المدورَ نسبةً إلى شكلهِ أو نسميهِ خطَّ الإنجيلِ. ويُسمى بالتقليدي. وبالسريانيةِ (سرطوأيونكَليو). وهو أقدمُ الخطوطِ وأكثرُها شيوعاً في القرونِ المسيحيةِ الأولى وقد يُسمى بالغربيّ. ويُعرفُ بالبسيطِ واليعقوبيّ والمارونيّ ويحتوي هذا الخطُّ على خمسِ حركاتٍ.

2- خطُّ مدنحايا أي الشرقيّ.ويُسمى أحياناً سوادايا ومعناهُ الشائعُ. وتكتبُ به (كنيسةُ المشرقِ الآشوريةُ والكنيسةُ الكلدانيةُ).

3- سرطو (غربي).

وهناكَ خطوطٌ أخرى منها الأورشليمي والمارديني والمنكاري. وهناكَ مَن يختصرُ هذهِ الخطوطَ فيقولُ: (شرطو أو سرطو. غربي، مدنحايا شرقي وأسطرنكيلا أو أسطرنجيلي أي تقليدي).وهناكَ كتابةٌ كرشونيةٌ ومعناها أن يُكتبَ بالسريانيةِ معاني اللغةِ التي تُترجمُ إليها كالعربيةِ أو التركيةِ أو الفارسيةِ.

خلاصة ُالقولِ، إنّ اللغةَ الآراميةَ التي اخترعَها الآراميون الأوائلُ أصبحتْ مصدراً لمعظمِ الكتاباتِ الحاليةِ في العالم.

ولأنّ الكثيرَ من أبناءِ السريانيةِ يكتبون باللغةِ العربيةِ أبحاثَهم وكتاباتِهم فقد وجدْنا أن نُقدمَ في هذا السياقِ ما الصلاتُ الحضاريّةُ واللغويّةُ بينَ السّريانيّةِ والعربيّةِ.

هُناكَ علاقةٌ وثيقةٌ ما بينَ السّريانيّةِ والعربيّةِ قبلَ الإسلامِ وبعدَهُ، ولا يُخفى على أحدٍ ممَن قرأَ التاريخَ ليتبينَ فضلَ (السريانِ) الكبيرَ على العربِ والعربيةِ. ولولاهم ما كانَ للعربِ تلكَ المعرفةُ في اللغةِ والخطِّ والترجمةِ وغيرِها. وهنا نقفُ عندِ الخطِّ العربيّ الذي تمَّ اشتقاقهُ من الخطِّ الاسطرنجيليِّ حيثُ تمّ أولاً اشتقاقُ الخطِّ الكوفيّ من الخطِّ الاسطرنجيلي وكانَ ذلكَ في القرنِ الأوّلِ قبلَ الإسلامِ حيثُ كانَ السريانُ الأوائلَ الذين علّموا العربَ القراءةَ والكتابةَ.

كما نتجَ عن إحدى حالاتِ الآراميةِ (السريانيةِ) الكتابةُ العربيةُ المربعةُ والخطان التدمريُّ والنبطيُّ، ومن هذا الأخيرِ جاءَ الخطُّ العربيّ بأشكالهِ العديدةِ.

وقد جاءَ في العقدِ الفريدِ لابن عبدِ ربهُ وفي الجزءِ الثاني..أنّ ثلاثةً من طيء اجتمعوا ببقعةٍ (وهم مرارُ بنُ مرة. وأسلمُ بنُ سعدة.وعامرُ بنُ جدره) فوضعوا الخطَّ وقاسوا هجاءَ العربيةِ على هجاءِ السريانيةِ.فتعلمهُ قومٌ من الأنبارِ. وجاءَ الإسلامُ وليسَ أحدٌ يكتبُ بالعربيةِ غيرُ بضعةِ عشرَ إنساناً. وهكذا قالَ: السيوطي في المزهر ج1.وصاحبُ الفهرستِ ص40 نقلاً عن ابنِ عباسٍ ما يشبهُ قولَ صاحبِ العقدِ.كما روى البلاذري في فتوحِ البلدان ص471كلاماً مطولاً على هذا النحوِ، مفادهُ أن اللغةَ السريانيةَ أساسُ العربيةِ.وقالَ: الآثريّ الشهيُر فيليب برجه في كتابهِ عن أصولِ الكتابةِ ص287. ما تعريبهُ (أنّ الكتابةَ العربيةَ وجدتْ.وكانتْ نصرانيةً قبلَ أن تتحولَ إلى إسلاميةٍ).وإذا قلْنا نصرانيةً فنقولُ بذاتِ الفعلِ سريانيةً.فالفضلُ الكبيرُ إذاً في تعلمِ الكتابةِ للعربِ يرجعُ لنصارى السريانِ الذين علّموها لنصارى العربِ حيثُ كانوا وحيثُ بشروا.ونحن إن قلْنا عربٌ لا نقصدَ إلاّ سكانَ شبهِ جزيرةِ العربِ.ولا نعني مطلقاً سكانَ سوريةَ من الذين يتكلمون بما يريدون تسميتَهُ اليومَ بالعربيةِ.لأنّ هؤلاءِ همْ مسيحيون سريانٌ أقحاحٌ منهم مَن أسلمَ عندِ الغزو الإسلامي.ومنهم مَن بقيَ على دينهِ.

هذا بالنسبةِ للخطِّ ومعرفةِ اللغةِ. أعتقدُ أنّ قراءاتي التاريخيةَ في هذا الجانبِ كانَ للسريانِ دورٌ لايتوقفُ عندَ هذا الحدِّ. بل همُ الذين أغنوا مسيرةَ النهضةِ العلميةِ عندَ العربِ وهمْ مَن علّمهمُ القراءةَ والكتابةَ. وقاسَ العربُ هجاءَ العربيةِ على هجاءِ السريانيةِ. ومن قبلُ نجدُ أثرَ السريانيةِ في بلادِ الحجازِ ومكةَ والمدينةِ. وجاءَ أن الرسولَ العربيّ محمداً بنَ عبدِ اللهِ:يقولُ لحسانَ بنِ ثابتٍ أتجيدُ السريانيةَ قال لا؟! قالَ اذهبْ وتعلمْها لأنها لغةُ الملائكةِ.هذا ما جاءَ في كتابِ صبح الأعشى للقلقشندي.فقد روى محمدٌ بنُ عمرِ المدائني.في كتابه القلم والمداواة.قولَ الرسولِ والذي يقطعُ الشكَّ باليقينِ.

 (لزيدٍ بنِ ثابتٍ أَتحسنُ السريانيةَ؟! قالَ.لا..قالَ.تعلمْها لأنها لغةُ الملائكةِ…).

ويقولُ صاحبُ صبح الأعشى.أنّ حسانَ ذهبَ وتعلمَها في سبعةَ عشرَ يوماً.وإذا سألنا أنفسَنا ما الذي تعلمَهُ حسانُ في هذهِ المدةِ القصيرةِ وهل كانَ عبقريَّ زمانهِ…؟ لقد تعلمَها نحواً وصرفاً (قراءةً وكتابةً).لأنهُ كانَ يتحدثُ بها كلاماً.سيما وأن محمداً بنَ عمرِ المدائني. يعدُّ كلامَ الرسولِ من الأقوالِ المسندةِ لا الضعيفةِ؟.

ولماذا لم يحضَّ الرسولُ زيداً بنَ ثابتٍ على تعلّمِ اللغةِ العربيةِ؟!! أولاً لم تكنِ اللغةُ العربيةُ قد وجدتْ آنذاكَ.وثانياً هو كانَ قد سمعَ عن هذا الأمرِ ــ بأنّ اللغةَ السريانيةَ هي لغةُ الملائكةِ وآدمَ ــ.أجل كانَ يسمعُ كلَّ هذهِ المعارفِ في ديرِ حراءِ الذي كانَ ديراً للرهبان. ونُشيرُ إلى أن زوجةَ الرسولِ الأولى خديجةَ ابنةَ عمِّ المطرانِ ورقةِ بنِ نوفلٍ (مطرانِ مكةَ أو بكةَ). الذي كانَ على مذهبِ النساطرةِ.كانتْ لغتُها سريانيةَ اللهجةِ الآشوريةِ الشرقيةِ، النسطوريةِ. ولم يذكرِ التاريخُ أنهما كانَا على خلافٍ لغويّ لأنهما كانا يتحدثان الآراميةَ (السريانيةَ) المستعملةَ هناكَ...ونعني (اللهجةَ الشرقيةَ الآشوريةَ).

ويقولُ البير أبونا في كتابهِ (تاريخُ الكنيسةِ الشرقيةِ) ج1.إن ّاللغتين العربيةَ والسريانيةَ تنتميان إلى دوحةٍ واحدةٍ هي الآراميةُ.وهنا أتحفظُ على ماجاءَ في قولِ البير أبونا من أن السريانيةَ والعربيةَ تنتميان إلى دوحةٍ واحدةٍ.وتحفظي يشملُ السريانيةَ لأنها والآراميةَ ذاتُ الدوحةِ (الشجرةُ الوارفةُ).إنما أرى أنّ العربيةَ من خلالِ ماسبقَ فهي غصنٌ من أغصانِ الآراميةِ (السريانيةِ).وهنا نتحدثُ علمياً عن العربيةِ المكتوبةِ وليستِ العربيةُ التي كانَ يتحدثُ بها عددٌ من القبائلِ ولكلٍّ منهم لهجتهُ الخاصةُ بهِ.

وأمّا أثرُ السريانيةِ على العربيةِ فقد أقرّ ذلكَ عددٌ من الباحثين هذا التأثيرَ وأثرَ السريانيةِ على اللغةِ العربيةِ.وأهمُّ هؤلاءِ (بروكلمان ومجموعةٌ من الباحثين)، إذ " في القرنِ الرابعِ قبلَ الميلادِ، قامتْ دولةُ الأنباطِ العربيةِ، وامتدتْ من خليجِ العقبةِ إلى دمشقَ، وشملتْ معظمَ شمالي جزيرةِ العربِ، وكانتْ عاصمتُها سلعَ أو البتراءَ.وعربُ البتراءِ استعملوا الآراميةَ في كتاباتِهم بينما كانوا يتحدثون باللهجةِ التي يسمّونها عربيةً ويقول بروكلمان: إن الكتاباتِ المختلفةَ التي نقشتْ على قبورِ سلعَ (البتراءِ) ، تدلُّ على أن الأنباطَ قد استعملوا في هذهِ النقوشِ اللغةَ الآراميةَ التي كانتْ لغتَهم الرسميةَ حتى في ظلِّ الأخمينيين". أجل لأنّ الحروفَ الهجائيةَ لم تكنْ قد استنبطتْ عندَ عربِ الشمالِ وحينَ ظهرتِ الحاجةُ للكتابةِ كانَ من الطبيعي أن يأخذوا أبجديتَهم التي كتبَ بها القرآنُ من الآراميةِ التي استعملَها الأنباطُ.

وبعدَ الإسلامِ: تبدأ عمليةُ التلاقحِ الثقافيّ بينَ السّريانيةِ والعربيةِ في عهدِ الأمويين بشكلٍ واضحَ المعالمِ وتبلغُ أوجهَا مع الفترةِ العباسيةِ، ما كانَ له الأثرُ البالغُ في النهضةِ العلميةِ التي عرفتها الحضارةُ الإسلاميةُ في هذهِ الفترةِ.

لقد " كانَ لاتساعِ دولةِ الإسلامِ، وحاجةِ العربِ إلى ما عندَ الأممِ من العلومِ أقوى البواعثِ على طلبِ الفلسفةِ والعلومِ، ونقلِ تلكَ العلومِ إلى اللغةِ العربيةِ، وبما أن الطابعَ العربيّ هو الذي ميزَ الدولةَ الإسلاميةَ في عهدِ الأمويين 41 – 132 هـ / 661 – 749م، بقيتِ الدولةُ الأمويةُ عربيةَ المظهرِ، كما لم يبتعدِ الخلفاءُ الأمويون عن هذا الطابعِ إلا في المجالاتِ التي دفعتُهمُ الظروفُ إليها دفعاً، لقد كانوا بصددِ إرساءِ أسسٍ جديدةٍ لدولةٍ ناشئةٍ على نهجٍ لم يكنْ للعربِ بهِ عهدٌ من قبلُ، وكانَ بودّهم أن يستكملوا كلَّ مقوماتِها، ولم يكنْ بدٌّ من أن تواجههم مشكلاتٌ نتيجةَ لما يمارسون من نشاطٍ جديدٍ، كلُّ ذلكَ جعلهم يلجؤون إلى ذوي الخبرةِ فيما جدَّ من أمورٍ، فهم لم يناقضوا أنفسَهم حين استمدوا العونَ من كلِّ قادرٍ عليهِ من أهلِ الثقافاتِ اليونانيةِ والسريانيةِ، ما أتاحَ للعقليةِ العربيةِ أن تُلقحَ بلقاحٍ علميّ جديدٍ حملهُ إليها السّريانُ على وجهِ التحديدِ ".

" وكانَ للناطقين بالسّريانيةِ الفضلُ في يقظةِ العربِ العامةِ، ونهضتِهم الفكريةِ في بغدادَ زمنَ العباسيين خاصةً، ما لم يكنْ مثلهُ لأمةٍ، تلكَ النهضةِ التي غدتْ ولا تزالُ مفخرةَ العصرِ العباسي القديمِ، فقد كانَ العالمُ العربيّ الإسلاميّ ما بينَ 133 – 236 هـ / 750 – 850 م مسرحاً لحركةٍ من أبرزِ الحركاتِ وأخطرِها في تاريخِ الفكرِ …

فكانَ السّريانُ همُ العقلَ والروحَ والوعيَ والتحققَ والتجسدَ الذي عبرتْ عليهِ هذهِ العلومِ لتصلَ إلى العربِ المسلمينِ،لابل همْ أسُّها ونسغُها، وهمْ ولولاهمْ ما وجدنا تلكَ العلومَ اليونانيةَ محمولةً في الفكرِ العربيّ فيما بعدُ وكانَ أن استفادَ العربُ من وجودِ السريانِ التراجمةِ وأصحابِ المدارسِ الذين مكنّوا العربَ من التعرفِ إلى الأنشطةِ الثقافيةِ اليونانيةِ، وفي جهةٍ ثانيةٍ لابدّ من الإشارةِ إلى رغبةِ الحاكمِ العربيّ في تطويرِ آلياتِ الفكرِ عبَر هؤلاءِ الجهابذةِ السريانِ.

 والحقُّ يُقالُ، إنَّ شغفَ بعضِ الخلفاءِ بالعلمِ وتعلقهمْ بالمعرفةِ كانَ لهما الفضلُ في بروزِ هذهِ الناحيةِ، ولقد وجدَ هؤلاءِ المثقفون من الخلفاءِ ورجالاتِ البلاطِ إسنادَ هذهِ المهمةِ الساميةِ والضروريةِ إلى علماءِ السّريانِ ليكونوا واسطةَ العقدِ في حركةِ الترجمةِ والنقلِ التي نشطتْ على أيديهمْ أكثرَ من سائرِ الأممِ، إيماناً منهم بقدرةِ هؤلاءِ على القيامِ بهذهِ المهمةِ الشاقةِ، وقد ساعدَهمْ في ذلكَ مرونةُ لغتِهمُ السريانيةِ وإحاطةُ هؤلاءِ التراجمةِ بالعلومِ التي ترجموها مع تضلعِهم العميقِ فيها، بالإضافةِ إلى تعمقهمْ في آدبِ اللغتين العربيةِ واليونانيةِ.

وبعدَ هذا فقد مرَرْنا على اللغةِ الآراميةِ السّريانيّةِ الآشوريةِ، وتشكلِّها الأولِ، وكيفَ تطوَّرَتْ، وأثرتْ في مختلفِ اللغاتِ السابقةِ لها، فاستوعبتْها وهضمتْها وطوَّرتْها، وأغنتْ بحرفِها الآراميِّ السريانيِّ المتطورِ أصلاً عن الأبجديةِ الفينيقيّةِ التي كانت ــ أحدَ أغصانِ الآراميةِ ــ ورأينا أثرَها في العالم ِالمشرقيّ وحتى مصرَ والبلادِ التي سيسكنُها العربُ الذين كانوا يتحدثون إحدى لهجاتِ اللغةِ الآراميةِ وكيفَ سيأتي اليومُ ليستعيروا ويقيسوا أبجديَّتَهم بعدَ خطِّهم من اللغةِ السريانيّةِ، كلُّ هذا وتأثيرُ السريانيّةِ على اللغةِ العربيّةِ فيما بعدُ وتقارضُهما في العديدِ من الكلماتِ وحتى في الصيغةِ النحويّةِ والصرفيّةِ.

إنّ اللغةَ السريانيةَ (الآراميةَ) لايمكنُ أن تكونَ اللغةَ الأكاديةَ ولهجتيها. ولايمكن أن تكونَ اللغةَ الكنعانيةَ الفينيقيةَ الأوغاريتيةَ ولا السينائيةَ ولا لغةَ بيبلوس ولا تلَ العمارنةِ في مصرَ بل هي لغةٌ مستقلةٌ أثبتتْ جدارتَها وهي التي نكتبُ بها كما أسلفنا.مع الإشارةِ ونكررِ.

إن اللغةَ السريانيةَ المحكيةً ليستِ اللغةَ السريانيةَ المكتوبةَ.ونعودُ مرةً ثانيةً لنؤكدَ للإخوةِ أنّ علينا أن نميزَ بينَ الأسلوبِ السياسيّ الدبلوماسيّ والمنطقِ العلمي المبني على وثائقَ تاريخيةٍ وأبحاثٍ علميةٍ، وهو أن اللغةَ التي يتحدثُ بها الآشوريّ والطوعبدينيّ والسوريّ الجزريّ وأبناءُ شعبِنا أينما وجدوا في المغترباتِ ومن الذين ولدوا في بيوتٍ تتحدثُ اللهجةَ الشرقيةَ (لهجةَ آشورَ) أو ممن ولدوا وأهلُهمْ يتحدثون اللهجةَ الغربيةِ، لهجةَ الرّها.فإنهمْ يتحدثون السريانيةَ المحكيةَ. فإذا كُنّا نقرّ من خلالِ الوقائعِ التاريخيةِ بأنّ الإمبراطوريةِ الآشوريةِ هي إمبراطوريتُنا.فإن اللغةَ التي نتحدثُ بها اليومَ هي اللغةُ الآراميةُ، السريانيةُ والتي سادتْ على الإمبراطوريةِ الآشوريةِ وتحدثتْ بها وليستْ باللغةِ الآشوريةِ التي كانتْ لهجةً أكاديةً على الإطلاقِ. ــ إلا إذا أخذنا اسمَ اللغةِ من خلالِ الشعبِ الذي يتحدثُ بها وهو ليسَ بالشعبِ الذي أنتجَها في شكلِها الأبجديّ أقلَ ما يمكنُ ـــ وكما سبقَ وقلنا اللغةُ الآشوريةُ (اللهجةُ الشماليةُ للغةِ الأكاديةِ) كانتْ قد انتهتْ منذُ ما قبلَ الميلادِ بسنواتٍ طِوالٍ.

هذا القولُ الذي نتبناه لا نتبناه إلا من خلالِ المعطياتِ التاريخيةِ والبحثيةِ ولا نتبنى رأياً مزاجيّاً أو شوفينياً.فإذا كانَ لنا إمبراطوريةٌ آشوريةٌ. وعرفنا العالم في المحافلِ الدوليةِ باسمِ القضيةِ الآشوريةِ فهذا لايمكنُ أن يُلغي أنّ اللغةَ التي نكتبُ ونقرأ بها ومن خلالِها هي اللغةُ الآراميةُ التي سُميتْ بالسريانيةِ.

ونحنُ في قياسِنا للغتِنا نأخذُ بقياسِ لغتين الأولى هي اللغةُ العربيةُ:

 التي سُميتْ بالعربيةِ نسبةً إلى يعربَ بنِ قحطانَ.فإننا نقيسُ عليها وبها اللغةَ الآراميةَ (السريانيةَ) والتي تُنسبُ إلى آرامَ بنِ سامٍ بنِ نوحٍ.

أو قياسُنا الثاني:كما في موضوعِ وحقيقةِ اللغةِ الإنكليزيةِ:

 التي ظلتْ تسميتُها مستقلةً عن الأقوامِ التي تتحدثُ بها.

 إنّ التاريخَ البشريَّ بجميعِ محمولاتهِ ومنتجاتهِ الفكريةِ والثقافيةِ والعلميةِ والإبداعيةِ. هو في حالةِ مثاقفةٍ دائمةٍ ولايمكنُ أن تكونَ المجتمعاتُ البشريةُ عبارةً عن سجونٍ مغلقةٍ بل هي في حالةِ تواصلٍ وتأثيرٍ وتأثرٍ، تأخذُ وتعطي، وهكذا اللغاتُ بشكلٍ عامٍ. ولايمكنُ أن تكونَ السريانيةُ حالةً لاتخضعُ لهذهِ القوانينِ الاجتماعيةِ والصيرورةِ التاريخيةِ.

فالسريانيةُ هي نتاجُ تجربةٍ بشريةٍ تمتدُ منذُ ما قبلَ سومرَ وأكادَ وبابلَ وآشورَ وآرامَ ودمشقَ وفينيقيةَ وسيناءَ والحبشةِ. إنها تمثلُ كلّ الفكرِ اللغويّ لشعوبٍ سبقتِ الآراميين في مكتشفِهم الجديدِ الذي هو أبجديةٌ آراميةٌ ومع تطورِ الزمنِ سُميتْ بالسريانيةِ.

والسؤالُ الهامُ جداً هل اللغةُ الإنكليزيةُ في كندا تُسمى باللغةِ الكنديةِ؟ أو في أمريكا تُسمى باللغةِ الأمريكيةِ، هل في الهندِ اللغةُ الإنكليزيةُ تُسمى الهنديةَ؟!!

إنّ اللغةَ الإنكليزيةَ هي إنكليزيةٌ أينما وجدتْ أو مَن تحدثَ بها. هكذا لغتُنا.

وخلاصةُ البحثِ ونتيجةً لماسبقَ، لمجموعةِ الأفكارِ التي طرحناها فإننا نقفُ على أنّ لدينا لغةً ندعوها بالسريانيةِ.وبعضُنا يقولُ عنها إنها آشوريةٌ وربما قالَ إخوتنا كلدانيةٌ.

بدأ ظهورُها قبلَ الميلادِ وأصبحتْ لغةً للتخاطبِ في بلادِ ما بينَ النهرين كلِّه منذُ القرنِ السادسِ قبلَ الميلادِ وحتى ما بعدَ الميلادِ.ورأينا كيفَ بدأتْ تخبو عندما زاحمتْها اللغةُ العربيةُ.وإذا ما وقفنا على محصلةٍ لنتائجَ بحثيةٍ في تاريخِ اللغاتِ الساميةِ.علينا أن نقرَّ بـ:

1- أن اللغةَ التي نكتبُ ونقرأ بها ومن خلالهِا.هي لغةٌ آراميةٌ وليستْ سريانيةً ولا آشوريةً ؟!!!

إذْ لم تكنِ اللغةُ الآراميةُ محضَ مصادفةٍ أو على شكلِ برقٍ واختفتْ سريعاً ـ نعني بهذا أنها بقيتْ أكثرَ من ألفين وسبعمئةِ سنةٍ تُسمى بالآراميةِ وسُميتْ بالسريانيةِ لأسبابٍ متعددةٍ منها ما أطلقهُ الإغريقُ على شعبِ سوريةَ.

فالسؤالُ المنطقيّ يطرحُ نفسهُ من خلالِ هذهِ المغالطةِ التاريخيةِ والمنطقيةِ والواقعيةِ والعلميةِ بالنسبةِ للغةِ. اليونانيون أطلقَ التسميةَ على شعوبِ المنطقةِ تسهيلاً لهم في التعاملِ مع الاسمِ. (السريانِ.أو بالآشوريين).

لكنّ هذهِ التسميةَ تسميةٌ غيُر صحيحةٍ وغيرُ علميةٍ لأنها تُخالفُ الحقيقةَ العرقيةَ واللغويةَ لتلكَ الشعوبِ كما قلنا وبيّنا سابقاً، أي أنهم ظلموا الآراميين ولغتَهم بالتسميةِ. وعلينا أن نتفهمَ هذا الإجحافَ بحقِّ الآراميةِ والآراميين هذا أقلُ ما يمكنُ في البلادِ والممالكِ الآراميةِ الواقعةِ شرقي البحرِ المتوسطِ (بحرِ الرومِ) وحتى معَ الممالكِ التي بناها وأسسّها الآراميون في شرقي الفراتِ والتي تزيدُ على خمسِ وعشرين مملكةً آراميةً..

ثانياً:إذا كانَ الأمرُ كما يطرحهُ المثقفون والكتبةُ السريانُ أمثالُ المطرانِ الشاعرِ والباحثِ المرحومِ اسحق ساكا الذي عرفتهُ مديراً لمدرسةِ الخابورِ للسريانِ الأرثوذكسِ بالحسكةِ منذُ نهايةِ الخمسينياتِ من القرنِ العشرين، والتقينا في هولندا وألمانيا بمطلعِ التسعينياتِ من القرنِ العشرين الماضي حيثّ يقولُ في كتابهِ (كنيستي السريانية). وفي الصفحة 22 و23 إنّ السريانيةَ ليستْ متأتيةً كما قالَ بعضُ الباحثين من (كورش ملكِ الفرسِ) ولا من التسميةِ السياسيةِ آثورّ والصحيحُ برأيهِ جاءتْ من خلالِ أقوالِ علماءٍ أمثالِ (مار ديونيسيوس يعقوب بن صليبي مطران آمد (ديار بكر (1171) والمؤرخِ الكبيرِ مار ميخائيل البطريرك الأنطاكي 1199.فقد قالا إنّ السريانيةَ متأتيةٌ من سيروس الملكِ كنسبةٍ إليهِ (وهو ليسَ بسورس أو قورش الفارسي).. وهذا كانَ قد ظهرَ قُبيلَ النبي موسى وجنسهُ آراميّ وقد استولى على بلادِ سوريةَ وما بينَ النهرين وباسمهِ سمِّيتْ سوريا وأهلَها بالسوريين وعلى القياسِ نفسهِ فقد سُمِّيتْ قيلقيةَ نسبةً إلى قيليوس أخيه لسيروس ويتابعُ المطرانُ اسحق ساكا فيقولُ:

لقد تسمّى السريانُ بالسريانِ قبلَ السيدِ المسيحِ.أي بعدَ مجيء السلوقيين الإغريقِ ويُعيدُ موضوعَ كلمةِ سوريّ أو سريانيّ إلى الترجمةِ السبعينيةِ التي حدثتْ عامَ 280 قبلَ الميلادِ حيثُ تُرجمةُ لفظةِ آرامَ بكلمةِ سوريّ. وهكذا حلّ الاسمُ السريانيُّ السوريُّ محلَّ الاسمِ الآراميِّ. ويأتي أخيراً ليؤكدَ أنّ السريانيةَ أو السريانَ حلّتْ محلَّ الآراميةِ بفضلِ المسيحيةِ، وأنّ الاسمَ يأخذُ جانباً دينياً لا سياسياً.وقالَ المطرانُ كما غيرهُ إنّ الاسمَ السريانيَّ جاءَ من خلالِ اعتناقِ الآراميين للمسيحيةِ فأرادَ الآراميُّ المسيحيُّ أن يتميزَ عن الآراميِّ الوثنيِّ فقالّ بالسريانيِّ اسماً والسريانيةِ لغةً. أو أنهم قَبِلوا بالتسميةِ اليونانيةِ أن تُطلقَ عليهم.على الرغمِ من أنهم يعلمون بأنّ اسمَهم القوميَّ (الآراميَّ) سينمحي للأبدِ، وهكذا اسمَ لغتِهم.فهل كانوا على وعي مما يفعلون ؟! أم أنهم أمامَ مجدِ المسيحيةِ وتعاليمِها كلُّ شيءٍ لايستحقُ الوقوفَ عليهِ وعندَهُ؟!! كما فعلَ أهلُ الرها في مؤلفاتِ الفيلسوفِ والشاعرِ والمفكرِ برديصان حيثُ حرقوا ومزقوا وأتلفوا كلَّ ما كتبهُ هذا العبقريُّ لعاطفةٍ هوجاءَ لدى أهلِ زمانهِ الحمقى.ومما جاءَ في كتابِ (السريانُ الآراميون عبرَ التاريخِ) للخوري شابو الخوري. حيثُ نجدهُ يؤكدُ مَن سبقهُ بأنّ الآراميةَ لغةٌ لجميعِ الآراميين المنتشرين في بلادِ آرامَ ومن فارسَ إلى البحرِ المتوسطِ، وكانَ يُطلقُ عليهمُ اسمَ الآراميين لكن عندما استولى اليونانُ على هذهِ المنطقةِ عامَ 312 قبلَ الميلادِ أطلقوا على الأرضِ اسمَ سوريا مُحرفاً عن آشورَ ثمّ اختصروها إلى سوريا معَ أن شاعرَهمْ هوميروس دعا سكانَها بالآراميين ويقولُ: إنّ العلامةَ الأبَ (دي كارا) كانَ قد قالَ إنّ اسمَ سوريا موجودٌ في الآثارِ المصريةِ قبلَ علماءِ الإغريقِ لابل قبلَ استيلاءِ الآشوريين على سوريةَ، وكانَ ذلكَ مكتوباً باللغاتِ الثلاثِ الهيروغلوفيةِ والمصريةِ واليونانيةِ بقرونِ. ويوردُ الخوري في كتابهِ (السريانُ والآراميون عبرَ التاريخِ) تعددَ اللهجاتِ الآراميةِ فيقولُ:

الفينيقيةُ، الرهاويةُ، الفلسطينيةُ، التدمريةُ، النبطيةُ، السامريةُ، المندائيةُ ولكن أفصحَها هي اللهجةُ الرهاويةُ وبها تمتْ كتابةُ الأسفارِ الإلهيةِ.

ومهما يكنْ ومهما طالتْ مناكفتُنا للأفكارِ لابدّ أن ننتهي إلى أنّ هؤلاءِ الآراميين السريانَ الذين لم يعيروا أهميةً إلى اسمِهم القوميّ أوقعونا في ورطةٍ حقيقيةٍ دامتْ أكثرَ من ألفي عامٍ. وهي سببُ خلافاتِنا اليومَ حيثُ تظهرُ توابعُها الارتداديةُ وأعني بتلكِ الخلافاتِ الواقعةِ اليومَ المؤيدَ للاسمِ السريانيّ والمعارضَ وبينَ لغةٍ سريانيةٍ وتلكَ آشوريةٍ أو كلدانيةٍ.

 ومن أجل هذا نأتي ونُعيد:

آ- الحقيقةُ أنّ اللغةَ التي نكتبُ ونقرأ بها هي آراميةٌ وليستْ بسريانيةٍ أو آشوريةٍ.

لأنّ (السريانيةَ تعني حقيقةً آشوريةً بحسبِ ما أطلقهُ الإغريقُ علينا).

 وعلينا أن نميزَ بينَ مفهومي (الاسمِ والتسميةِ).فالاسمُ الحقيقيّ للشعبِ ذاكَ المتأتي من مبدأ وجودهِ وصيرورتهِ التاريخيةِ والجغرافيةِ والثقافيةِ.وما بينَ التسميةِ التي يُطلقُها الغرباءُ على هذا الشعبِ أو ذاكَ وخاصةً تلكَ التي لا تكونُ مطابقةً لحقيقةِ اسمهِ ولغتهِ.فما أطلقهُ الإغريقُ من تسميةِ سريانَ على جنسٍ هو آراميّ فهو ولايمثلُ الآراميين.

لكنّ المعضلةَ تكمنُ في عدمِ قبولِ الآشوريّ للغةِ التي دخلتْ على حياتهِ منذُ ستمئةِ عامٍ قبلَ الميلادِ وهي اللغةُ الآراميةُ، فهو لايقبلُ إلا وأن يُسمّيها بالآشوريةِ.على الرغمِ من أنّ اللغةَ التي يكتبُ ويقرأ بها الآشوريون والكلدانيون في نينوى وما جاورَها من أرضِ آشورَ هي آراميةٌ وليستْ كما يقولون إنها لغةٌ آشوريةٌ ويعنون بما عُرفتْ تاريخياً والتي كانتْ إحدى لهجاتِ اللغةِ الأكاديةِ.

ب- لنستقرْ على أمرٍ علميّ يتمثلُ في أن نُعيدَ ترتيبَ حقائقِنا اللغويةِ بتاريخيتِها وما أتاها عبَر مسيرتِنا فنقولُ:

إنّ اللغةَ التي نقرأ بها ونكتبُ هي آراميةٌ وليستْ بسريانيةٍ ولا آشوريةٍ ولا كلدانيةٍ.

لأنّ الفضيلةَ تقتضي أنْ نصوبَ خطأ تاريخياً أفضلَ من البقاءِ عليهِ. مع العلمِ نقرُّ على ما في هذا الأمرِ من صعوبةٍ تفوقُ صعوبةَ بناءِ مدينةِ في الهواءِ ـ وننبهُ إلى أننا سنبقى نتوهمُ بحقائقَ ليستْ هي الصحيحةَ ولا تحملُ النتائجَ العلميةَ لأبحاثٍ لغويةٍ ولها مفاعلاتٌ سلبيةٌ ومناكفاتٌ فكريةٌ ستؤدي لمزيدٍ من الانشقاقاتِ.

أجل. وبلى ونعم.نعلمُ علمَ اليقينِ من دونِ أدنى شكِّ بأنهُ أمامَنا أكثرَ من ألفي عامٍ حيثُ كانَ قد استقرَ الاسمُ السريانيّ سواءً أكانَ على اللغةِ أو الشعوبِ في المنطقةِ. (اللغةُ السريانيةُ، الشعبُ السريانيّ وهو في حقيقتهِ آراميٌّ وفينيقيٌّ في سوريةَ، وآشوريٌّ في العراقِ الحالي).

نحن نعلمُ بأنّ أهلَنا الذين ينحدرون من بلادِ آشورَ وأرضِ نينوى التاريخِ لايقبلون لابل يرفضون أن نسمّي لغتَنا بالسريانيةِ.فهذا الكلامُ مرفوضٌ جملةً وتفصيلاً.

من هنا تأتي أهميةُ المشروعاتِ العلميةِ لترسيخِ قناعاتٍ واقعيةٍ وعلميةٍ من خلالِ الصيرورةِ التاريخيةِ لانتشارِ وتبني الآراميةِ بينَ أهلِنا في آشورَ منذُ ما قبلَ الميلادِ لأنهُ لايمكنُ لعاقلٍ ويرفضها. إنما يمكنُنا أن نقرَّ في سياقِ العلميةِ والتاريخيةِ بأنهُ لاضيرَ من قولِنا إنّ اللغةَ الآراميةَ لغةُ شعبِنا المنحدرِ من آشورَ ونينوى وسوريةَ الداخليةِ، وأنّ اللغةَ السريانيةَ (الآشوريةَ) لغةُ قومين (آراميّ في الغربِ وآشوريّ في الشرقِ).

ونحنُ على قناعةٍ هناكَ العديدُ ممن لا ولن يقبلَ بهذا الرأيّ. بل سيبقى متمسكاً برأيهِ المؤلهِ والمقدسِ على الرغمِ من أن أغلبَ أمثالِ هؤلاءِ ليسوا بأكثرَ من مستهترين.فهمْ في الحقيقةِ معوقاتٌ أمامَ وحدةِ شعبِنا أينما وجدوا.

هذا هو رأينا الذي نتبناهُ بالمطلقِ مع تأكيدنا أنّ هذا الملفَ وأعني ملفَ اللغةِ وتسميتِها ليسَ مكتملاً ولا أفرضُ رأياً على أحدٍ، وأكررُ نحن بحاجةٍ إلى نتائجَ بحثيةٍ أوسعَ وأكثرَ قُرباً من الحقيقةِ التاريخيةِ، وأريدُ أن تمثلَ تلكَ الأبحاثُ طيوفَنا كافةً.وأنّ هذهِ الإشكاليةِ تستلزمُ الدعوةَ إلى عقدِ مؤتمرٍ عامٍ وشاملٍ كتبنا في هذا الصددِ من قبلُ وهاكم ما كتبناهُ وطالبنا بهِ:

الدعوةُ إلى مؤتمرٍ لحلِّ إشكاليةِ التسميةِ الواحدةِ، واللغةِ الواحدةِ، والعلمِ الواحدِ. والخطابِ السياسيّ الواحدِ.رأيّ حرٌّ غيرُ ملزمٍ موجهٌ إلى الحريصين والمعنيين من أبناءِ شعبِنا على مختلفِ تسمياتهِ المناطقيةِ والهجويةِ والطائفيةِ والقبليةِ.

إذا أردنا أن ننقذَ ما بقيَ لنا من وجودٍ على أرضِ أوطانِنا، ونُحييَ عظمةَ تاريخِنا وحضارتِنا التي كانتْ قبلَ آلافِ السنين. وإذا أردنا أن نوقفَ الزمنَ ليسمعَ لنا، ولقضيتٍنا العادلةِ، وحقوقِنا المشروعةِ على ترابِ أجدادِنا.

فلا يتمُّ ذلكَ لا بالدعاءِ إلى اللهِ ولا بكثرةِ القديسين، ولا بجهودِ أحزابٍ مضى على نضالاتِها أكثرُ من سبعين عاماً ولم تفعلْ شيئاً.لنتوحدَ أمامَ رؤيةٍ واحدةٍ تقومُ على الأسسِ التاليةِ:

1- يتمُّ الإعلانُ عن مؤتمرٍ شاملٍ وجامعٍ ومانعٍ عنوانهُ:

 (كيفَ نحلُّ إشكاليةَ التسميةِ واللغةِ والعلمِ الواحدِ والخطابِ السياسيّ الواحدِ؟).

والبدايةُ أراها أن تتشكلَ لجنةٌ من مجموعةِ مثقفين مهتمين من أبناءِ شعبِنا نسمّيها لجنةَ المؤتمرِ.تتبنى مشروعَ إقامةِ مؤتمرٍ عالميّ بإشراكِ علماءِ لغةٍ عالميين ممن لهم اهتماماتٌ لغويةٌ وتاريخيةٌ.وبعدَ أن تستقرَ اللجنةُ على مجموعةِ محاورَ تقومُ بالإعلانِ عن المؤتمرِ وذلكَ بتوجيهِ دعوةٍ إلى صفوةِ المثقفين والباحثين والتاريخيين والإعلاميين والمفكرين والفنانين التشكيليين والسياسيين وحتى خيرةِ رجالاتِ كنائسِنا وإلى الشخصياتِ المستقلةِ المثقفةِ أصلاً من أبناءِ مكوّناتِنا العرقيةِ والطائفيةِ.

2- إخطارُهم بأنّ مَن يودُّ أن يكونَ مشاركاً ومحاضراً في هذا المؤتمرِ عليه أن يُسجلَ اسمَهُ لدى لجنةٍ نُسمّيها لجنةَ المؤتمرِ.بعدَ أن تكونَ اللجنةُ قد كتبتْ ونشرتِ التعليماتِ التاليةَ:

آ- كلّ من يودُّ حضورَ المؤتمرِ كمشاركٍ فعّالٍ (محاضرٍ) عليهِ أن يُقدمَ بحثاً علمياً. وبمنهجيةٍ بحثيةٍ تقومُ على المناهجِ التاليةِ: (المنهجِ التاريخيّ، المنهجِ الوصفيّ، والمنهج التحليلّي والمنهجِ المقارنِ)، لمعالجةِ الإشكاليةِ التي دعا إليها المؤتمرُ.نكررُها هنا لئلا يقولَ أحدٌ إنني لم أفهمْ قصدَكم.

كيفَ نتوصلُ إلى تسميةٍ جامعةٍ مانعةٍ يعتمدُها شعبُنا أمامَ المحافلِ الدوليةِ، وكذلكَ بالنسبةِ للغتِنا. وهكذا للعلمِ الواحدِ كي يمثلَنا؟!!

ب- مدةُ تحضيرِ وتقديمِ الأبحاثِ من قِبلِ الباحثين:تُحددُ بثلاثةِ أشهرٍ تُقدمُ إلى لجنةِ المؤتمرِ ـــ التي أرى أن تتشكلَ من أطيافِنا جميعاً وبالتساوي ـــ ويتمُّ اعتمادُ كلّ الأبحاثِ المقدمةِ دونَ استثناءٍ أو إقصاءٍ لأحدٍ مادامَ هذا الباحثُ كانَ قد سجلَ اسمَهُ لدى اللجنةِ المعتمدةِ ويُمثلُ أحدَ أطيافِنا حتى لو كانَ ممن يتحدثُ العربيةِ أو التركيةِ أو الفارسيةِ أو الكرديةِ أو الإنكليزيةِ أو الفرنسيةِ أو الألمانيةِ وغيرِها.

ت- يتمُّ تحديدُ مكانِ المؤتمرِ ومدتهِ. وذلكَ بحسبِ أعدادِ المحاضرين على ألا يزيدَ عددُ الأبحاثِ المقدمةِ يومياً على أربعِ محاضراتِ (صباحيةً ومسائيةً).يتلوها مناقشةٌ مسجلةٌ بالصوتِ والصورةِ وأكثرُ من مُحْضرٍ (كاتبِ جلساتِ). وتتخللُها فتراتُ استراحةٍ. (قاعةُ المؤتمرِ تكونُ مزودةً بالأجهزةِ البصريةِ ووسائلِ الترجمةِ).

ث- تشكيلُ لجنةِ تقييمٍ للأبحاثِ المقدمةِ.

تتكوّنُ هذهِ اللجنةُ من أساتذةٍ وأئمةِ اللغةِ والتاريخِ وعلمِ النفسِ والتربيةِ والقانونِ والسياسةِ والدبلوماسيةِ. (لجنةٌ مستقلةٌ تعملُ بسريةٍ كاملةٍ على متابعةِ الأبحاثِ أثناءِ الإلقاءِ والمناقشاتِ وتختارُ بحثاً من الأبحاثِ الأربعةِ المقدمةِ يومياً ليوضعَ كبحثٍ في مسابقةٍ تصفويةٍ لكاملِ الأبحاثِ التي ستُقدمُ في المؤتمرِ).

ج- شرطٌ غيرُ قابلٍ للنقاشِ. يقولُ: إن حضورَ هذا المؤتمرِ المزمعِ عقدهُ. أن تكونَ أعدادُ الحضورِ بالتساوي بينَ جميعِ التسمياتِ التاليةِ لأنها تمثلُ أبناءَ شعبِنا.

 (1- الآشوريون، 2-الكلدانيون، 3- السريانيون، 4- الآراميون ,5-والموارنة) (مع تحفظي بأن السريانيةَ هي امتدادٌ للآراميةِ)..مع حضورِ نخبةٍ من كلِّ الطوائفِ الكنسيةِ (تكونُ قد سجلتْ اسمَها سابقاً).

شرطٌ أساسيّ حضورُ كلّ هؤلاءِ لإقرارِ نجاحِ هذا المؤتمرِ فوجودُ كلّ مَن يستحقُ الحضورَ والمشاركةَ أمرٌ هامٌ.على أن يكونَ هناكَ أكثرُ من خمسِ شخصياتٍ من كلّ التسمياتِ السابقةِ كمراقبين أيضاً في المؤتمرِ. عملُهم ينحصرُ في التنبيهِ لأيّ خطأ قد يحدثُ سهواً من قبلِ اللجانِ المعنيةِ بالمؤتمرِ من خلالِ مناقشاتِها.

ح- بعدَ الانتهاءِ من الجلساتِ النهائيةِ لمناقشةِ الأبحاثِ. تتمُّ عمليةُ قراءةٍ للأبحاثِ المستبعدةِ وتحديدِ الأسبابِ (التعليلُ المنطقيّ والعلميّ) ويُمكنُ هنا تقديمُ اعتراضاتٍ جديدةٍ قدْ يؤخذُ بها أو لا تأخذُ بها اللجنةُ المقيمةُ للمؤتمرِ والأبحاثِ.كما ويتمُّ تسميةُ الأبحاثِ التي أجمعتْ عليها لجنةُ الاختيارِ.فيتمُّ قراءةُ عناوينِ الأبحاثِ وأسماءِ الباحثين. وتعليلِ أسبابِ قبولِها في سياقِ المسابقةِ النهائيةِ.

خ- عندِ اكتمالِ قراءةِ الأبحاثِ المستبعدةِ والأسبابِ.تتمُّ عمليةُ تحضيرِ العناوينِ للأبحاثِ التي تمَّ اختيارُها لتكونَ عناصرَ دراسةٍ معمقةٍ من قبلِ المجتمعين كافةً بمشاركةٍ لكلّ مَن يودُّ المشاركةَ 3 دقائق فقط لكلِّ متداخلٍ.وبعدَها تتمُّ تصفياتٌ حتى يبقى معنا 3 ثلاثة أبحاثٍ نهائيةٍ. وهنا يتمُّ اختيارُ أفضلَ الأبحاثِ التي حددتِ التسميةَ بتعليلاتٍ علميةٍ وموضوعيةٍ وتاريخيةٍ وكذلك اسمَ اللغةِ واختيارَ العلمِ الواحدِ.

د- قبلَ الانتهاءِ من المؤتمرِ تتمُّ عمليةُ استراحةٍ لمدةِ يومٍ كاملٍ وبعدَهُ تتمُّ قراءةُ الإقرارِ النهائي للمؤتمرين على أن تكونَ التسميةُ لشعبِنا قد أُنجزت بكلّ موضوعيةٍ وعلميةِ غيرَ قابلةٍ للنقاشِ أو الرفضِ.

اسمُ الشعبِ....؟!!! اسمُ اللغةِ….؟!!شكلُ ولونُ العلمِ الواحدِ….

ذ- استدراكٌ في السياقِ نفسهِ:يمكنُ أن يُكلفَ المؤتمرُ منذُ اليومِ الأولِ الكتّابَ والشّعراءَ والفنّانين التشّكيليين بكتابةِ أناشيدَ يتمُّ اختيارُ أفضلِها من قبلِ المؤتمرِ. وكذلك الأمرُ بالنسبةِ للوغو يُمثلُ أطيافَنا وكذلك علماً موحداً لنا.

ثم أرى أن يكونَ ما أقرهُ هذا المؤتمرُ ملزماً لكلّ أطيافِ شعبِنا سياسياً، واجتماعياً وكنسياً.وعليهِ نبدأ فعلياً أعمالَ نضالِنا بأن يتبنى المؤتمرُ عمليةً تقومُ على التوصلِ لقناعةٍ مطلقةٍ بأن النضالَ القوميّ يجبُ أن تتمَ فيهِ عمليةُ خصخصةٍ لأحزابِنا ومنظماتِنا وهيئاتِنا وقنواتِنا التلفزيونيةِ والإذاعيةِ والصحفيةِ (لتوحيدِ خطابِها)..وأن يُعتمدَ على تشكيلِ أربعةِ أحزابٍ لاغيرَ تمثلُ نضالَنا لاسترجاعِ حقوقِنا المغتصبةِ بما فيها حقُّنا التاريخيُّ في أرضِ أجدادِنا ولو على جزءٍ منها.

وأن نعتمدَ الواقعيةَ السياسيةَ والموضوعيةَ ونبتعدَ عن كلّ ما يُسيء إلينا وإلى حضارتِنا وإنجازاتِنا الحضاريةِ والإنسانيةِ.والذي نستنتجهُ ونستخلصهُ مما سبقَ هو التالي:

إنّ لغةَ أيّ شعبٍ كان ليستْ دليلاً ومؤشراً على عرقهِ وانتمائهِ الدمويّ.

ومن هنا فإنّ لغةَ الشعبِ الآشوريّ الذي تكوّنَ هو الآخرُ عبرَ الزمنِ من شعوبٍ عديدةٍ وإن كانَ أكثرُ من 73% منه ينتمي إلى أرومةِ آشورَ. فإنّ لغتُهَ التي كانَ يتحدثُ بها وكانتِ الأكاديةَ لم تعدْ هي هي لغةَ القراءةِ والكتابةِ.بل حلتْ محلَّها اللغةُ الآراميةُ التي كانتْ قد سيطرتْ على الإمبراطوريةِ الآشوريةِ والبابليةِ الأكاديةِ الكلدانيةِ وأصبحتِ اللغةَ المحكيةَ والرسميةَ لتلكِ الشعوبِ.

أسجلُ خلالَ هذا البحثِ المقتضبِ أمرين اثنين هما:

1- إنّ اللغةَ السريانيةَ التي هي بالحقيقةِ لغةٌ آراميةُ وأننا قَبلنا بتسميتها بالسريانيةِ بناءً على ما أطلقهُ الإغريقُ عليها وعلى بني آرامَ فعلينا أن نقبلَ إضافةِ كلمةِ آشوريةٍ إليها لأنّ كلمةَ سريانَ تعني آشوريّ والعكسُ صحيحٌ بمعنى أنها لغةٌ آراميةٌ آشوريةٌ.

2- وعلينا تصويبَ العديدِ من الآراءِ التي كانتْ قد طُرحتْ منذُ أكثرَ من ألفِ عامٍ وما تلاها والتي تبيّنَ خطؤها من خلالِ التنقيباتِ الأثريةِ والدراساتِ العلميةِ التي تمَّ طرحُها مؤخراً. فإذا أبقينا تلكَ الآراءَ القديمةَ في سلوكيتِنا وتكوينِنا العقليّ والمعرفيّ ومثاقفاتِنا فنحن نعيشُ في حالةٍ كارثيةٍ حقيقيةٍ لأنّ الأجيالَ الحاليةَ والقادمةَ ستتبناها وستكونُ أحدَ الأسبابِ الإضافيةِ في عدمِ تحقيقِ الوحدةِ بينَ مكوّناتِنا. كما وأتبنى رأياً يقومُ في جوهرهِ على العلمِ ومنتجاتهِ ومثاقفاتهِ وليسَ على المزاجيةِ والرغباتِ الهوجاءِ في هذهِ المسائلِ.لهذا علينا تقعُ المسؤوليةُ التاريخيةُ والأخلاقيةُ إن لم نُعدْ ترتيبَ منتجاتِ أفكارِنا في مثلِ هذهِ القضايا وغيرِها، ونتبنى إعادةَ كتابةِ التاريخِ ومحمولاتهِ بأدواتٍ علميةٍ وموضوعيةٍ في كلِّ جوانبهِ التي تهمُّ المجتمعَ المشرقيّ قبلَ غيرهِ، وتهمُّ أبناءَ شعبِنا الآراميّ السريانيّ الآشوريّ الكلدانيّ المارونيّ.فإننا نسيرُ إلى منطقةٍ مظلمةٍ من توثيقِنا ومثاقفاتِنا على مختلفِ الصعدِ. وأخصُّ هنا الحديثَ عن اللغةِ وعلينا أن نثقَ بعدَ هذا الجهدِ المتواضعِ بإمكانِنا أن نسميها لغةً آشوريةً بالقدرِ نفسهِ الذي نقولُ فيهِ إنها لغةٌ سريانيةٌ.وأنْ نتخلى عن المنهجيةِ الشوفينيةِ والتعصبِ ونحن نجهلُ الحقائقَ.وألا نرفضَ الحوارَ الجادَ في أيّ فكرةٍ خاصةً تلكَ التي نعتبرُها تمسُّ ثوابتِنا ــ قد تكونُ تلكَ الثوابتُ قد بناها أسلافُنا على غيرِ حقيقتِها وواقعيتِها. ولانظلمُهم فالوسائلُ العلميةُ لم تكنْ بهذا القدرِ كما أن ظروفَهم وما عانوه من مذابحَ واضطهاداتٍ كلِّها كانتْ عواملَ ضاغطةً على كلّ مايطرحونه خاصةً عندما تشتتوا وعاشوا من دونِ إرادتِهم السياسيةِ وكلِّ مايتعلقُ بمنتجاتِ الحياةِ وصيرورتِهم التاريخيةِ. وما دمنا ندعي البحثَ عن الحقيقةِ علينا أن نتبنى مناهجَ الحقيقةِ العلميةِ وليسَ حتى المتواترَ من مثاقفاتِنا علينا أن نتخلصَ من المرحلةِ التي سبقتْ وكانتْ أغلبُ محطاتِها في هذا الجانبِ غيرَ علميةٍ لأننا على ثقةٍ بأنّ طمسَ الحقائقِ سيأتي الوقتُ لتنفضحَ كلُّ أسرارِ الماضي بمحمولاتهِ أمامَ الاكتشافاتِ والتنقيباتِ القادمةِ.

وأودُّ أن أرسخَ فيما قبلَ النهايةِ هذهِ المعلوماتِ عساها تكونُ مقنعةً، لهذا علينا أن نتأكدَ من معلومةٍ تقولُ بالنسبةِ إلى رعايا الإمبراطوريةِ الآشوريةِ ليسوا جميعاً بآشوريين بل كانوا يكتسبون آشوريتَهم من خلالِ المواطنةِ.إذْ كانَ هناكَ أكثرُ من عشرين قوميةً دخلتْ في بوتقةِ المواطنةِ الآشوريةِ ولكنها حافظتْ بالوقتِ نفسهِ على اسمِ قوميتِها مثال: الآراميون والكنعانيون (الفينيقيون).والآرارتو (الأرمن) والحثيون والفلسطينيون.ومع هذا وجدنا ذوبانَ العنصرِ الأكاديّ (البابليّ) في بوتقةِ الإمبراطوريةِ الآشوريةِ التي غلبَ عليها العنصرُ الآراميّ واللغةُ الآراميةُ قبلَ سقوطها بحوالي مئةِ عامٍ وأكثرَ.وكانتْ قوميةُ الأمةِ الآشوريةِ آنذاكَ تقومُ على هويةِ الدولةِ السياسيةِ والإداريةِ.ومن عدالةِ الإمبراطوريةِ الآشوريةِ أنها كانتْ تعاملُ الكلَّ ضمنَ حدودِ المواطنةِ.ولكن الآراميين كانوا قد أحاطوا بنينوى وكالح ودورشاروكين من كلِّ أطرافِها كما الأراضي الواقعةِ ما بينّ دجلةَ والزابين وتلكَ الأرضُ كانتْ مثلثاً آشورياً، وعلينا أن نعلمَ بأنّ بعضَ الملوكِ الآشوريين كانَ قد تزوجَ من نساءٍ آرامياتٍ، مثلَ الملكةِ الآراميةِ القديرةِ ناقية-زاكوتو زوجةِ سنحاريب ووالدةِ أسرحدون وجدةِ آشوربانيبال،وكلُّ هذا ساهمَ في حملِ اللغةِ الآراميةِ أن تشقَّ طريقَها إلى قصور الملوك الآشوريين.

وأخيراً وليسَ آخراً أتمنى أن أكونَ قد قدمتُ مجموعةَ أفكارٍ بنيتُها على الأبحاثِ التي تعتمدُ العلميةَ والموضوعيةَ والتاريخيةَ والتنقيبيةَ وليستْ تلكَ التي غُررنا بها لعقودٍ من الزمنِ. كما ولا أدعي بأنني وقفتُ على كلّ الحقائقِ بل هو مشروعٌ سيتنامى إذا ما حققنا دعوةً دعونا إليها.وأقصدُ دعوةً إلى عقدِ مؤتمرٍ عامٍ وشاملٍ لكلّ الباحثين والعارفين والمهتمين بشأنِ اللغةِ الآراميةِ السريانيةِ الآشوريةِ وغيرِها من أمورٍ تهمُّ شعبَنا بالدرجةِ الأولى وتهمُّ الأجيالَ الحاليةَ والقادمةَ.

والخلودُ لشهداءِ شعبِنا عبرَ التاريخِ. المجدُ للهِ ولشعبٍ يؤمنُ بحقهِ في الحياةِ ويناضلُ من أجلهِ.

 

المدرّس: اسحق قومي.ISHAK ALKOMI

شاعر، وأديب وباحث سوري. أحد المهتمين بشأن الأقليات في الشرق الأوسط.

آذار 2021م.ألمانيا. مدينة شتاتلون.

........................

الهوامش:

1- الحصافة: أيّ ونعني هنا بالحصافة كان محكماً لا خلل فيه.

2- تقارض. يتقارض، تقارُضًا، فهو مُتقارِض، والمفعول متقارَض، تقارض الصَّديقان الكتبَ: أقرض كلّ منهما الآخرَ.

 

المراجع:

1- بحث حركة الترجمة السّريانية في العصر العباسي للباحث اسحق قومي 2016م.المقدم للمؤتمر العالمي الثاني الذي نادت به جامعة القاهرة عام 2016م.

2- ويكيبيديا

3- كنيستي السريانية للمطران اسحق ساكا. ص.22و23.

4-صبح الأعشى للقلقشندي.

5-الآثري الشهير فليب برجه (أصول الكتابة) ص 287.

6- البير أبونا في كنيسة المشرق.

7- البلاذري في فتوح البلدان ص 471.

8- السيوطي في المزهر.ج1.

9- كتاب القلم والمداواة.محمد بن عمر المدائني.

10- بروكلمان ومجموعة من الباحثين.

11- كتاب اللمعة الشهية في نحو اللغة السريانية.للمطران اقليمس يوسف داود.1897م.

12-عالم الساميات ثيودورنولدكه. الألماني.

13- إبراهيم السامرائي"دراسات في اللغتين العربية والسريانية"دار الجيل بيروت ومكتبة المحتسب عمان الطبعة الأولى 1985 ص 88.

14- إبراهيم السامرائي"دراسات في اللغتين العربية والسريانية"دار الجيل بيروت ومكتبة المحتسب عمان الطبعة الأولى 1985 ص 88

15- الأباتي جبرائيل القرداحي، المناهج في النحو والمعاني عند السريان، تقديم الأب جوزيف شابو، دار المكتبة السريانية ـ حلب ، 2008 ، ص: 3

16- البراهين الحسية في تقارض السريانية والعربية ، ص: 10، 11.

17- مروج الذهب ومعادن الجوهر للمسعودي - المكتبة التوفيقية - القاهرة - 1997م.

18- د. أحمد محمد علي الجمل ، أثر جهود السريان على الحضارة العربية الإسلامية ص: 3

19- الشحات سيد زغلول،السريان والحضارة الإسلامية، النهضة المصرية العامة للكتاب،ص: 91

20 - هانز شيدر ، روح الحضارة العربية، ترجمة بدوي، نقلاً عن " أثر جهود السريان في الثقافة العربية

21- أخدت فكرة التقسيم هذه أبعاداً أخرى أكثر سلبية مع الاستشراق الفرنسي "ارنست رنان"الذي اعتبر في كتابه "التاريخ العام للغات السامية"الذي نشر سنة 1878 أن السلالة السامية أدنى مستوى في تفكيرها وإنتاجها الأدبي والحضاري.

Louis Hjelmslev «le langage»les éditions de minuit paris 1966 p: 22

Ferdinand de Saussure»cours de linguistique générale» grande bibliothèque Payot paris 1995 p:

Louis Hjelmslev «le langage» p:

Ibid p0.

23- موسوعة العيون المعرفية للديانة المندائية (الصابئة).

24- العقد الفريد لابن عبد ربه.ج2.

25- السريان الآراميون عبر التاريخ.للخوري شابو الخوري طباعة 2006م.ص68.

26- محاضرات للدكتور خزعل الماجدي حول الشعوب السامية واللغات السامية (يوتوب).

27-الأول:1. Moscati, S. (ed.), AN INTRODUCTION TO THE COMPARATIVE GRAMMAR OF THE SEMITIC LANGUAGES: PHONOLOGY AND MORPHOLOGY (Harrassowitz, 1964) pp. 3-21.

28= 2. Albright, W.F., and Lambdin, T.O., THE EVIDENCE OF LANGUAGE in CAMBRIDGE ANCLIENT HISTORY (1966) Vol. I, Chap, IV.

ألمانيا في 4/3/2021م

 

مجدي ابراهيمتتصل بنظرية المضمون الديني التي نقررها هنا كما قررناها في السابق في أكثر مصنفاتنا، مسألتان جوهريتان تدوران حول التصوف ما له وما عليه، ومن يتأمل كتابات المدرسة الشاذلية وأقوال الإمام أبي الحسن الشاذلي وتلميذه أبي العباس المرسي ثم كتابات ابن عطاء الله السَّكندري على وجه التحديد، وبخاصة "الحكم" و"التنوير في إسقاط التدبير "؛ تركيزاً من جانبه على فكرة أدب العبودية، واتصالها مباشرة بإسقاط التدبير، سيلاحظ أن هاتين المسألتين هما من الأهمية بمكان بحيث لا تخلو مجمل الكتابات العطائيّة من الإشارة إليهما على طريق التحقيق سواء من قريب أو من بعيد.

ومن يتعمّق في مقولات الإمام الشاذلي ومقولات تلميذه المرسي وكتابات ابن عطاء خاصَّة، لن يجد غضاضة فيما نقوله حول هاتين المسألتين؛ لأن لهما من الأصول الصوفية كتجارب روحية، ومن مقررات المدرسة الشاذلية سنداً أصيلاً من شأنه أن يعطي الاتصال المباشر بحقيقة التصوف كونه تجربة فردية وحالة روحيّة مباشرة، تتأتى من حُسن الظن بالله؛ فحيثما يكون حسن الظن يكون الإيمان، وإذا فُقدت الثقة بالناس لم يبق لك إلا حُسن الظن بالله؛ وحسن الظن بالله من أولى علامات الإيمان، ولا إيمان مع فقدانه، ولا خوف من أحد مع وجوده، ولا لوم على أحد إذا هو أحسن الظن بالله، وقُوبِل من الناس بفقدان الثقة وسوء التقدير.

المسألة الأولى هى أدْلجَة النَّص الصوفي، والمسألة الثانية هى لغط حول التصوف، وربما اتصلت الأولى بالثانية اتصالاً وثيقاً نظراً لتداخل معطياتهما وتشابك أهدافهما من قريب، لذلك ستبدأ بطرح المسألة الأولى ثم نعقبها بالثانية مباشرة.

(1) أَدْلَجَة النّص الصوفي:

كثيرون من المنظّرين، أصحاب الرؤى والاتجاهات الفكريّة والمعتقدات العلميّة، يعرضون للتصوف قدحاً، وعلى غفلة، فيتعرّضون؛ في زعمهم، لأخطر ما فيه، فلا يرون منه - مع ما فيه من خطورة - إلا ما يُشْبه الهوس؛ يُحلق صاحبه بعيداً عن واقعات الحياة وفروضها، مع أن هذا الشيء الخطر ليس من التصوف في شيء، هو فقط من أدمغتهم، تحليلاً وتخريجاً، وتلويثاً إنْ شئت قلت: ومن أبخرة عقولهم الملوثة بلوثات الفكرة الأرضيّة.

فتارة ينسبون إليه ضعف التوجّه، وينعتون صاحبه بفقر القوة على ملاقاة الحياة الصاخبة بمتطلباتها اليومية، وتارة يضفون إليه الحيل الهروبية والانسحابية لهزال نفسي يمس تكوين الشخصية، وتارة يقارنون بينه وبين الابتكارات العلميّة بغية إخضاعه عنوة إلى تطبيقات المنهج العلمي مع أنه ليس بعلم، وتارة يصفونه بالمرض العصابي يلمُّ بأشخاص فقدوا تحقيق رغباتهم الدنيوية، فتمكن منهم المرض العضال فلم يجدوا سوى التصوف يريحهم من عناء الأزمات، وتارة ينسبونه إلى مصادر غير إسلامية: يونانية أو فارسية أو هندية أو مسيحية كما فعل قادة الفكر الاستشراقي، مع فارق في التخريج غير قليل، في نسبة الإبداع الفكري الإسلامي برمته إلى مصادر غير إسلامية؛ وهكذا دواليك: حالات غربية من الإسهال النظري المُدْلج لمعرفة كُنه الحقيقة الروحيّة بغير طرقها ومناهجها وأدواتها ووسائل الاتصال بها. وإنما في بطن التجربة تجود المعرفة ويجود البيان!

أقول؛ إنّ هذا الشيء الخطر هو توهم كشف حقيقة التصوف مع أن ما كانوا تعرّضوا له ليس بتصوف؛ لأن الكلام عن التصوف شيء وحقيقة التصوف شيء آخر، وكذلك تجئ الكتابة عن التصوف شيء، والاتصال بالحالة الصوفيّة شيء آخر؛ تماماً كحلاوة العسل أو تجربة الحُب، أو لذة الجماع، كلها أمور مهما وصف لك الواصفون من شأنها، فلن تستطيع أن تتحقق منها ما لم تحصّلها بنفسك: تتذوقها، وتباشرها، وتعايشها حياة خالصة، وتجرّبها بنفسك غير خاضع فيها لرأي سالف ولا بمعرفة نظريّة سابقة على التجريب.

وهذا هو الفرق الفارق بين القراءة الأيديولوجية للنصوص الصوفية كونها مجرّد كلمات خاضعة لمشارط التحليل والنقد والتنظير، ثم لمناهج تستنها مدارس فكرية بعينها وتوظّفها توظيفاً حسب مقتضياتها وأهدافها فيما تراه، وبين التصوف في ذاته؛ كونه سلوكاً له قواعده النظريّة غير أنها موقوفة على الاستشعار والاستبصار، والاستغراق في قلب هذه القواعد إلى حياة مُحَقَّقة في الواقع الفعلي.

فلن تكون متصوفاً مهما قرأت ألآلاف ألآلاف المصنفات الصوفية، أو كتبت في هذا الميدان ما لا يُحصى عدّه من المؤلفات. لن تكون متصوفاً على الحقيقة ما لم تضرب نفسك بأقدم حذاء، وتتجرّع مرارة الصبر في غير تعبيس، وتأخذ الحقيقة من أهلها لا من عقلك أو من نفسك! أما العنجهية الفكريّة والصَلَف المعرفي والأيديولوجيات النظرية؛ فهى تخريج بليد فاسد؛ بل وموغل في الفساد، يفسد أذواق النصوص الصوفية ويُلقي بها في متاهات الأوهام.

كل ما كتب في التصوف أو عنه ليس بتصوف، إذا نحن عددنا التصوف بالفعل هو:" الأخذ بالحقائق"، على حد تعبير معروف الكرخي المتوفى عام ٢٠٠ من الهجرة، والحقائق لا تدوّن في كتب، ولا يُنَظّر لها، ولا تكشف للباصرة النظرية، أو للمعوان العقلي، ولكنها مع ذلك تكشف. إنما تكشف بتجليات باطنة تتجلى (فضلاً) من عون الله على قلوب الأتقياء، لذلك كان التصوف أمراً باطناً، لا يُطلع عليه، هو علاقة خاصّة مخصوصة بين العبد وربّه، هو الإخلاص وكفى.

مَنْ يودْلِج لهذه العلاقة دون أن يعرفها أو يشم منها رائحة، يضرب في واد غير ذي زرع، ثم لا يخرج بشيء إلا كما يخرج به غربال من بئر.

(2) لغط حول التصوف !      

وقد ردّد بعض علماء علم النفس الذين اخضعوا التصوف لمقاييسهم المادية، واعتبروه مرضاً نفسياً ومجرَّد حالات غير سويّة، بعض العبارات الجائرة عن التصوف، وتابعهم فيما رددوه بعض أذنابهم المقلدين؛ لأنهم حصروا أنفسهم في دائرة التجربة الحسيّة وحدها، وصار اختلاف المنهج من العوائق المُسدلة أمام فهمهم للحالات الصوفية. ومادام المنهجُ مختلفاً فلابد أن تجئ الرؤى متباينة والنتائج لا شك مختلفة. هذا يبحث في الحسِّ والتجربة الحسيّة، وذاك منهجه الذوق والتجربة الروحيّة، والذي يقيس هذا بذاك هو من الجهالة بمكان بحيث يريد أن يقيس الشيء، وهو يجهل كيف يُقاس!

ولو رجع هذا الذي ردّد بعض عبارات علماء النفس إلى مؤلفات عالم النفس الأمريكي وليم جيمس، أو إلى كتابات ليوبا، وباستيد، وأندرهيل، وثولس، وغيرهم من علماء النفس الديني تحديداً؛ لعرف أن هذه الآراء قتلت طرحاً وبحثاً من قبل، ولكفى نفسه مؤنة التقليد الأعمى لآراء تمّ الرد عليها من قبل علماء النفس الديني أنفسهم. أضف إلى هذا، أن المرض النفسي أو العقلي يصاحبه فقدان لشعور مستمر للأنا، والصوفي في كل حالاته لا يفقد استبصاره لذاته مطلقاً ولا شعوره بوحدته الذاتية مع الحق .. الحالة الصوفية، كالبرق الخاطف لا يثبت ولا يدوم: فناءُ وبقاء، غيبةُ وحضور، سُكر وصحو، جمع وتفرقة، قبض وبسط، أوجاع لا حصر لها تعانيها الذات العارفة بين وصال وجذب، ونكوص وانقطاع ممّا لا يخطر على بال مخلوق سواه.

وإذا نحن جعلنا من الصوفي شخصاّ مريضاً؛ لجعلنا من الشاعر والكاتب والمُلهم والفنان والموسيقى جميعاً مرضى عصابيين، لا لشيء إلا لأنهم يعانون مشاعر خاصّة تنزع بهم إلى التفرّد والامتياز، وتفْرِقهم عن غيرهم مِمَّن لا يعانون معاناتهم، إنما هى تجارب روحيّة ذاتيّة لا يعانيها غيرهم من أفراد الناس العاديين.

مَنْ يقول بنسبة التصوف إلى المرض، يصطنع منهج المماثلة في دراسة حالات التصوف، وهذا خطأ في الحكم العلمي؛ لأنه لم يقم بتجربتها فيتعذر مماثلة الصوفي في حالاته الوجدانية والشعورية مماثلة حقيقية، وعلماء النفس الذين يعتمدون التجربة الحسيّة، ويصدرون أحكامهم على المتصوفة من خلالها، ليسوا بصوفيّة ولا مسّت قلوبهم حقائق التصوف العلوية، ولا هم يدرسون صوفية موجودين بالفعل، يتعاطفون معهم أو يفتقدون التعاطف معهم، سيّان. وإنما يكتفون بتحليل قشور عرضيّة مِمّا كان تركه قدماء الصوفية من آثار أدبية، ويقيمون عليها أحكامهم جُزافاً في غير تحقيق، الأمر الذي يعني أن دراستهم ليست دراسة تجريبيّة مُنصفة بالمعنى الحقيقي للكلمة.

التقليد للآراء السابقة، والإيغال في ترديدها ترديد الببغاوات دون صدور الرأي تحقيقاً عن صاحبه، هو عندي لا يدل على تفكير؛ بل يدل على خروقات وتجاوزات، ولا يسمح على الإطلاق بوصف قائله بالمفكر، بخساً وجوراً لصفة التفكير. والاستناد على مغالطات منهجية وتقويم قيم الحوار العلمي على أساسها، شيءٌ يقدحُ في جديّة هذا الحوار. والتقليلُ من شأن معارف أثبتتها وقائع التجربة الحياتيّة على حساب علوم أخرى يُرَاد لها الغلبة والانتصار، هو تقليل في الوقت نفسه من شأن الإنسان: مواهبه وملكاته وقدراته؛ لأن إعلاء جانب على جانب فيه فضلاً عن كونه يفقده التوازن المطلوب ويقدح قطعاً في ميزان العدالة لديه، فهو أيضاً يُلقيه مدحوراً في حماة الاعوجاج. ويمكن التركيز على هذه النقاط الآتية كإجابات قاطعة لما يتردد في أذهان البعض ممَّن يدور بيني وبينهم حوارات، وهى لا شك إجابات تعطيها تجارب المتصوفة وآثارهم العِرْفَانِيّة:

فالأولى: وهى هل بالفعل أن الصوفية يعتقدون إن حواسهم شديدة الرهافة لدرجة أنهم يستقبلون رسائل إلهية؟ والجواب، نعم! الحواس لدى الصوفية مرهفة، ومشاهداتهم بالطبع أعلى وأرقى من غيرهم؛ لأن الوعي لدى الصوفي عالي ليس بالعادي. الصوفي صاحب مجاهدات مضنية شاقة، وعن هذه المجاهدات تصدرُ أحوال هى ثمرة ونتيجة، وبالتالي لا تستغرب عنه مثل هذه الهواتف الربانية، أو الرسائل الإلهية، ولا أشياء من هذا القبيل، وغير هذا الكثير والكثير.

والثانية: هى دعوى الخلاص؛ بوصول الصوفي إلى قرار الولاية فلا يقوم بواجبات الشريعة ولا بفروضها، وليس يلزم عن وصوله تطبيقاتها اليومية والوقتية، على حين يعدُّ غيره من الهالكين إذا هو لم يقم بتطبيق هذه الواجبات أو تلك الفروض، وهى دعوى من الكذب والافتراء على الصوفيّة بحيث لا يمكن أن تمر على عقل عادي له مِسْكَة من وعي أو من تفكير. الصوفي دائماً لنفسه مُتّهم، شاعراً بالتقصير يتوب ويستغفر، ويجعل من الاستغفار عادةً له وديدناً .. فكيف يشعر أنه من أهل الخلاص؟!

والثالثة: وهى عداوة الواقع ومجافاة جوانب الحياة المادية ومتعها التي أتاحها الخالق جل وعز، وهذه النقطة فيها أغاليط كثيرة إذْ الحياة الواقعية من خلق الله، والصوفي يعبد الله فكيف بالبداهة ينكر ما خلق؟ نعم هو على عداء ولكن مع الفساد.

والرابعة: وهى اعتقاد الصوفي أن كبت الشهوات وتعذيب الجسد والعزلة عن الناس طريق لصفاء النفس، وهذا يتناقض مع الحياة الطبيعة الفطرية التي تقوم على التواصل والتفاعل. والواقع أن هذا نقداً برانيّاً غير متغلغل في وقائع التجارب الصوفية؛ فليست عزلة المتصوف دائمة، وإلا كانت مرضاً؛ بل عزلة للتصفية والاختبار، ولا تعذيبه للجسد يؤدي به إلى قتل النفس بل هو من جنس إرادة الامتناع عن الرغائب من أجل القدرة على مواجهة الحياة الروحية الشاقة؛ هو نوع من التطهير. وليس الصوفي وحده من يقطع الشهوات من أجل التصفية والتطهير، ولكن قطع الشهوات ـ كما يقول ابن رشد إمام العقلانية ـ شرط في صحة النظر .. ليس قطعها بالمرة ولكن ترويضها.

والخامسة: وهى مدى تأكيد تجارب المتصوفة الروحية عن طريق الوسائل والقياسات العلمية لكي يقتنع الآخرون بها، وهذا يرتد إلى المنهج والموضوع بين التصوف وغيره من علوم، وهما بالطبع مختلفان، ولا يمكن إقناع الغير بحقيقة التصوف إلا بالتجربة الصوفية نفسها، خوضها ومباشرتها، وإلّا بالسلوك المروّض على ارتقاء المعالي.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

اسحق قوميإهداء

إلى الحقيقةِ أينما وحيثما وجدتْ

وإلى الساعين لتحقيقِ الحقِ والعدلِ والخيرِ والجمالِ

إلى أبجديتنا الأولى وعشتارِ الفصولِ

إلى جدتي التي أنتظرُ عُرسَها ولو بعدَ مليونِ عام

إلى بلادِ الشمسِ وما بينَ النهرين

أقدمُ بحثي هذا.

مقدمة

إذا كانتِ الغايةُ من الكتابةِ مجردَ فنتازيا، فالأمرُ مختلفٌ عنهُ فيما إذا كانتْ همّاً وجسراً تعبرُ من عليهِ ملايينُ الأفكارِ التي تُشكلُ وزناً نوعياً لمادةٍ بحثيةٍ هي في غايةِ الأهميةِ بالنسبةِ أقلَ ما يمكنُ للشخصِ الكاتبِ نفسهِ لكونهُ لا يراها بعينٍ كما بقيةُ من مروا على تلكَ الفكرةِ نفسِها. وبعضُهم لم يكلفْ نفسَهُ أن يفكرَ بجديةٍ حولَ حقيقةِ أمرِ لغةٍ هامةٍ بالنسبةِ لهُ، ولمستقبلِ الأجيالِ التي تتحدثُ بها وتسمعُ عبرَها. مع العلمِ ما لهذا الأمرِ من مؤثراتٍ في الواقعِ الاجتماعيّ والذاكرةِ الجمعيةِ والتاريخيةِ والمستقبليةِ لأجيالٍ نثقُ أنها بحاجةٍ إلى من يُضيء لها الدروبَ. وإذا لم نضعْها أمامَ أبحاثٍ رصينةٍ في أمورٍ عديدةٍ فأعتقدُ أنها ستعيشُ أقسى رحلةٍ جماعيةٍ تشبهُ في الحقيقةِ ذاكَ التيهَ الذي عاشهُ موسى وشعبُ بني إسرائيلَ.

 من هنا تكمنُ أهميةُ التفكيرِ في بحثٍ حولَ جوهرِ اللغةِ السريانيةِ أو الآراميةِ التي نتحدثُ بها لهجاتٍ شرقيةٍ وغربيةٍ، سوريةٍ وعراقيةٍ وطورعبدينيةٍ وفي معلولا وجبعدين. نكتبها بأبجديةٍ واحدةٍ وبخطوطٍ معينةٍ. أجل هي مبتدأُ تفكيرنا، وحقيقةُ واقعِنا، ومعبرةٌ عن أحلامِنا، سفينةٌ تجمعُنا مع لغاتٍ محليةٍ وعالميةٍ، وإنسانُها مفكرٌ وشاعرٌ وعبقريٌّ ومنهُ فلاحٌ مجدٌ ومزارعٌ حصدَ بيادرَ العمرِ ولم يكلّ. ومن خلالِ لهجاتِها نرى التباعدَ بينَ الإخوةِ وأولادِ العمومةِ. من هنا يتبينُ لنا خطورةُ الفكرةِ التي نُحاولُ البحثَ والنبشَ بها وعنها.

في الحقيقةِ كثيراً ما ترددتُ في أن أكتبَ في هذا البحثِ الشائكِ والمليء بالمتفجراتِ والقنابلِ الموقوتةِ وغيرِ الموقوتةِـ والأسلاكُ الشائكةُ التي أراها موجودةٌ على أرضِ الواقعِ.

وهناك جملةُ أسبابٍ تدفعني لهذا القولِ مع التأكيدِ أنّ جميعَ الآراءِ والأفكارِ التي طُرحتْ - من خلالِ محاضراتٍ وأبحاثٍ وربما كُتبٍ - حتى اليومَ حولَ اللغةِ السريانيةِ الآراميةِ الآشوريةِ كلِّها لا تؤسسُ لمدرسةٍ شاملةٍ جامعةٍ مانعةٍ تقتنعُ بها أغلبُ مكوّناتِ شعبنا.

ومن جملةِ الأسبابِ والدواعي التي كانتْ دافعاً لهذا البحثِ هو أنني وجدتُ أنّ اللغةَ السريانيةَ التي هي في حقيقتها آراميةٌ في أبجديتِها وتطورِها لدى أهلِها والناطقين بها. كانوا قد قَبِلوا بأن تُسمى السريانيةَ بحسبِ ما أطلقهُ عليهم وعلى لغتهم المحتلُ الإغريقي ذاتَ يومٍ ويعودُ الأمرُ إلى 312 قبلَ الميلادِ. وأما ما وجدتهُ لدى الشرقيين من أبناءِ شعبِنا فهذهِ اللغةُ متغربةٌ في الاسمِ والهويةِ عندهم. لا يعترفون بهويتِها ولا تسميتِها بل يُسمونها بلغةِ أجدادِهم الآشوريين الذين كانوا يتحدثون اللغةَ الأكاديةَ (لهجةَ آشورَ) قبلَ أكثرَ من ألفين وخمسمئةِ سنةٍـ. وهذا الخلافُ الكبيرُ بينَ أهلِها أبناءِ سوريةَ الكبرى وبلادِ ما بينَ النهرين وأخصُّ أرضَ آشورَ يتجذرُ بينَ العامةِ والخاصةِ، بينَ الكنائسِ بتسمياتِها الطائفيةِ وما بينَ الشعبِ، بينَ المثقفين أو مَن يدعون بالثقافةِ، وبينَ الباحثين.

أقولُ هذا من خلالِ خبرةٍ حقيقيةٍ عرفتها منذُ أن كنتُ في سوريةَ ولكنها ظهرتْ جليةً واضحةً لي عندما تمَّ قبولي كباحثٍ في المؤتمرِ العالمي الثاني للغةِ الآراميةِ السريانيةِ الذي دعتْ إليهِ جامعةُ القاهرةِ كليةُ الآدابِ عامَ 2016م. والدعوةُ كانتْ مقدمةً من عميدِ كليةِ الآدابِ الأستاذِ الدكتورِ معتز سيد عبدالله، ومع العلمِ أعرفُ منهجيتي في البحثِ عن الموضوعِ الذي تمَّ تعيينهُ ويخصني، وعليّ أن أبحثَ بهِ وهو الترجمةُ في العصرِ العباسي الثاني. ولأنني أريدُ أن أحيطَ بمعلوماتٍ واقعيةٍ من خلالِ أشخاصٍ وأكثرَ من فضاءِ الباحثِ ككلٍّ فقد ارتأيتُ أن أتواصلَ مع ثلةٍ ممَن أثقُ بأنهم أصحابُ خبرةٍ في شأنِ اللغةِ الآراميةِ السريانيةِ بلهجتيها الشرقيةِ والغربيةِ. ولكن في الحقيقةِ صُدمتُ من أحدهم وأيّ صدمةٍ على الرغمِ من الاحترامِ الذي يجمعُنا سويةً منذُ عشراتٍ من السنين. وصرخَ قائلاً ومنفعلاً عن أيّ لغةٍ تتحدثُ. أجل قلتُ لهُ عن اللغةِ التي هي آراميةٌ أو سريانيةٌ. فأقامَ الدنيا ولم يُقعدها. ومثلُ هذا النموذجِ هناكَ المئاتُ ممَن يدعون بالثقافةِ فهذهِ النماذجُ بالحقيقةِ لا يمكنُ إقناعُها، إلا إذا تمتْ دراساتٌ حقيقيةٌ ضمنَ مؤتمرٍ عامٍ وشاملٍ يسوي هذهِ المعضلةَ ليسَ في اسمِ اللغةِ وحقيقتِها بل في اسمٍ نطلقُهُ على شعبِنا ومن خلالِ هذا الهاجسِ كنتُ قد دعيتُ قبلَ أشهرٍ إلى مؤتمرٍ عامٍ هدفهُ التوصلُ إلى تسميةٍ موحدةٍ ولغةٍ واحدةٍ في اسمِها.

لهذا نرى أهميةَ الدوافعِ التي كانتْ سبباً في أن أُنجزَ هذا البحثَ، ولنا أن نتصورَ مدى الخلافاتِ إذا بقينا هكذا من دونِ حلٍّ للمعضلةِ. وأعتقدُ أنّ الجماعاتِ الحكيمةِ هي التي تُبادرُ لحلِّ مشاكلِها العالقةِ أفضلَ من أن تورثَ لأبنائها محطاتِ عِداءٍ وتفرقةٍ وتباعدٍ.

أما مَن سيتهمني ومنهم مَن سيُهاجمني، ومنهم مَن سيثيرُ الغبارَ عليّ. كلّ هؤلاءِ ومعهم بعضُ المتفلسفين ممَن يُجيدون لغتَنا (شرقيةً كانتْ أم غربيةً) فهؤلاءِ أعدُّهم أصحابَ عواطفَ غيرِ ناضجةٍ في حكمِهم عليّ بعدَ قراءتِهم لبحثِي هذا. ومهما كانَ لن يشكلوا عقبةً أمامَ الحقيقةِ الواقعيةِ والموضوعيةِ التي نُحيطُ بها حتى اليومَ بالنسبةِ لموضوعِ لغتِنا هل هي آشوريةٌ أم كلدانيةٌ أم سريانيةٌ أم آراميةٌ؟!!

فاللغةُ فيما توصلتُ إليهِ آراميةٌ، سريانيةٌ، آشوريةٌ وعلينا أن نتفهمَ أثرَ التاريخِ والجغرافيا والسياسةِ في هذهِ التسمياتِ كافةً. وأرى أن أرسخَ هنا فكرةً تقولُ: إنّ الدليلَ الماديّ على أيّ حضارةٍ يكمنُ في أبجديتِها عندَ هذا القومِ أو ذاكَ وما تُخلفهُ من آثارٍ وعمرانٍ وعلومٍ وثقافةٍ لا يمكن أن تُخفى عن أعينِ التاريخِ مهما حاولَ أعداؤها أن يُغيبوها ولو بأن يردموا عليها تُرابَ الدنيا فستظهرُ ذاتَ يومٍ.

كما نذكرُ بأنّ منهجيتَنا البحثيةَ تقومُ على أن شرعيةَ أيّ بحثٍ علميّ تأتي من خلالِ مراجعَ ومصادرَ مختلفةٍ، وهذا الأمرُ لا يختلفُ عليهِ اثنان. ولكن لنوضحَ نقاطاً مهمةً في موضوعِ المصادرِ التاريخيةِ التي نستمدُ منها مادةَ توثيقِنا فقد تكونُ على أنواعٍ مختلفةٍ فمنها أولاً:

آ- ما يُسمى بالمراجعِ: ونعني بها الكتبَ والأبحاثَ والأوابدَ الحضاريةَ ونتائجَ التنقيباتِ الأثريةِ وحتى ما يُنشرُ في اليوتوب أو من خلالِ محاضرةٍ متلفزةٍ وجميعُ ما يمكنُ أن نسميَهُ مادةً حسيةً أو بصريةً أو مسموعةً والتي تُقدمُ لنا مادةً علميةً لتشكيلِ بحثٍ علميّ.

ب- المصادرُ: ليسَ كلّ بحثٍّ يمكنُ أن تُستمدَ مادتُهُ العلميةُ من نتائجِ الدراساتِ التنقيبيةِ وقراءاتِ اللغاتِ القديمةِ وفكِّ أسرارِها وطلاسمِها. فهناكَ مواضيعُ تدخلُ في الجانبِ العلميّ من خلالِ عمليةِ التوثيقِ عندما يكونُ أكثرُ من شاهدِ عيّانٍ يُحيطون بمعرفةٍ تؤدي غرضاً توثيقياً سواءً أكانتْ تلكَ الجزئيةُ ظاهرةً طبيعيةً أو اجتماعيةً أو تاريخيةً أو تنقيبيةً أو عاداتٍ أو تقاليدَ أو تواريخَ شفهيةً فكلُّها تُشكلُ مادةً علميةً لبحثٍ رصينٍ وتتوقفُ علميتُهُ على المنهجِ الذي يتبعهُ الباحثُ. ففي حالةِ شهودِ العيّانِ إذا التقتْ أفكارُ أكثرَ من واحدٍ من الشهودٍ حولَ هذهِ الفكرةِ أو تلكَ فيكونُ التوثيقُ هنا في حدودِ العلميةِ والواقعيةِ، لأنّ هناكَ جوانبَ عديدةً تخصُّ التوثيقَ العلميّ ولكننا لسنا بحاجةٍ إلى علماءِ آثارٍ أو أكاديميين يُقدمون لنا خبراتِهم وأبحاثِهم لنعتمدَها. لهذا نقولُ لمَن يظنُّ أنّ أيّ بحثٍ علميّ يجبُ أن ينطلقَ من العلماءِ والباحثين، ومَن لهم معرفةٌ حقيقيةٌ باللغاتِ القديمةِ وغيرِ القديمةِ ـــ مع عدمِ نكرانِنا لأهميةِ تلكَ المعرفةِ ـــ لكونِها تزيدُ من مشروعيتِها وأهليتِها عندما يكونُ كاتبُها وموثقُها يعرفُ عدةَ لغاتٍ فهذهِ فضيلةٌ أجل.لكن ليسَ كلُّ الأمورِ التوثيقيةِ تُقاسُ بهذا المقياسِ فهناكَ مواضيعُ بحثيةٌ تُعدُّ بكراً لم يسبقْكَ إليها أيّ باحثٍ.لهذا عليكَ أن تفتشَ عنها بينَ عدةِ مراجعَ ومصادرَ.

ومن تلكَ المراجعِ والمصادرِ سيكونُ التوثيقُ الذي بدورهِ سيُشكلُ مادةً علميةً لغيركِ من باحثٍ.

في ختامِ هذهِ المقدمةِ أقولُ إنّ أهميةَ البحثِ الذي بينَ أيدينا هو محطةٌ لحلَّ خلافاتٍ تاريخيةٍ ووجدانيةٍ وقوميةٍ علينا أن نسعى إلى حلّها بشكلٍ علميٍّ وموضوعيٍّ معتمداً المناهجَ التاليةَ في دراستنا هذهِ، أولُ تلكَ المناهجِ هو المنهجُ التاريخيُّ والمنهجُ التحليليُّ الذي من خلالهِ نستخرجُ مادةَ بحثِنا، والمنهجُ الوصفيُّ، كما ورأيتُ أن أستخدمَ المنهجَ النقديَّ والمقارنَ في بعضِ الأماكنِ وليسَ بمنهجيةٍ هوجاءَ، بمنهجيةِ الحكماءِ والمثقفين والعارفين وليستْ تلكَ التي لدى العامةِ، وإن بقيتْ من دونِ حلٍّ فإنها ستتأزمُ وستضعُنا في مواقفَ لا نريدُها إنما هي الحقيقةُ.

تمهيد:

ولأنّ عنوانَ البحثِ يدورُ حولَ اللغاتِ القديمةِ إلى اللغةِ السريانيةِ فالبدايةُ ستكونُ من كلمةِ اللغةِ:

اللغةُ كما نعلمُ جميعاً هي وسيلةٌ للتعبيرِ عن مكنوناتِ العقلِ، والحاجةُ للتواصلِ، وبها نقيسُ مدى قدرةِ العقلِ على استهلاكِ العالمِ معرفياً، كما أنها كائنٌ اجتماعيّ عرقيّ بيئيٌّ ينمو ويتطورُ، وهي نظامٌ صوتيٌّ، لهُ دلالاتهُ، ورموزهُ، وتقنيتهُ، تنمو في محيطٍ اجتماعيّ وتكونُ أداةً للتفاهمِ والقدرةِ على الحكمِ والتحكمِ في سياقاتِ النشاطاتِ الإنسانيةِ المفيدةِ. وقد نشأتِ اللغةُ وتطوَّرتْ من خلالِ عمليةِ العملِ، وكما قيلَ لكلِّ قومٍ لغتهُ.

أمّا لغوياً فتعني: لغى ولغو والهاءُ عوضٌ، وجمعها لغى ولغاتٌ أيضاً، والنسبةُ إليها لغويٌّ، واللغا: الصوتُ، ويقالُ أيضاً لغى بهِ: أي لهجَ بهِ.

وهي الألسنُ، وهي فعلةٌ من لغوتُ: أي تكلمتُ، أصلُها لغوةٌ والجمعُ لغاتٌ ولغون. وقد أشارَ ابنُ خلدونَ إليها بأنَّها: (عبارةُ المتكلمِ عن مقصودةٍ، وتلكَ العبارةُ فعلٌ لسانيٌّ يشيءٌ عن القصدِ لإفادةِ الكلامِ، فلا بدَّ أن تصيرَ ملكةً متفردةً لها وهي اللسانُ. وهو لكلِّ أمةٍ حسبَ اصطلاحاتِها).

أما ابنُ سنانَ الخفاجي فيذكرُ أن اللغةَ هي: " ما تواضعَ القومُ عليهِ من الكلامِ ".

 واللغةُ هي أصواتٌ أو ملكاتٌ في اللسانِ. تختلفُ باختلافِ الأمةِ، وهذهِ الأصواتُ يستخدمُها كلُّ قومٍ للتعبيرِ عن أغراضِهم ومعانِيهم، وهي ليستْ مجردَ وسيلةٍ بحسبِ تعبيرِ (مالينوفسكي) بل هي وسيلةٌ لتنفيذِ الأعمالِ وقضاءِ حاجاتِ الإنسانِ، فالكلمةُ من وجهةِ نظرهِ إنما تستعملُ في أداءِ الأعمالِ وإنجازِها لا لوصفِ الأشياءِ أو ترجمةِ الأفكارِ.

وقلنا في موضعٍ آخرَ إنّ اللغةَ والفكرَ توءمان. وهي الوعاءُ الذي يحفظُ فكرَ الأمةِ وعواطفَها، وتاريخَها وأمجادَها.وعلينا أن نميزَ ما بينَ لغةٍ محكيةٍ بقيتْ حبيسةَ مجتمعِها ولجماعةٍ عرقيةٍ معينةٍ.مثالُنا هذا نجدهُ في القارةِ الإفريقيةِ حيثُ هناكَ لغاتٌ عدةٌ لا يفهمها سوى أهلِها.

بينما هناكَ لغاتٌ كانتْ عالميةً ذاتَ يومٍ وتُعدُّ في الوقتِ الحاضرِ من أهمِّ لغاتِ الشرقِ الأوسطِ وإنْ ليستْ رسميةً لكنها محوريةٌ في كثيرِ من القراءاتِ الروحيةِ والتاريخيةِ واللغويةِ.ولها أبجديةٌ واضحةُ المعالمِ منذُ ما يزيدُ على ثلاثةِ آلافِ عامٍ على أن نقرَّ بتطورِها من خلالِ احتكاكِها بالواقعِ الماديّ والاجتماعيّ والتطورِ التاريخيّ والسياسيّ للمنطقةِ برمتِها ولكنِها بالمحصلةِ أنتجتْ منظومةً حضاريةً (القراءةَ والكتابةَ) تتطورُ تبعاً لقدرةِ هذا المجتمعِ أو ذاكَ على استخدامِها كوسيلةٍ ليسَ للتفاهمِ وحسبِ بلْ لتكثيفِ الجانبِ المعرفيّ والأدبيّ والعلميّ أيضاً.

فالأبجديةُ اللغويةُ مرحلةٌ حضاريةٌ تدلُ على مدى التقدمِ العقليّ والاجتماعيّ لهذهِ الجماعةِ أو تلكَ.

وأمّا عن موضوعِ النشأةِ الأولى للغةِ الإنسانيةِ.فنحن أمامَ عدةِ آراءٍ تختلفُ فيما بينها. وليسَ هناكَ من رأيّ إلا ويختلفُ عن غيرهِ في هذا الجانبِ.إنما الزمنُ كفيلٌ بالكشفِ عن حقائقَ لنشأةِ اللغةِ الإنسانيةِ الأولى. وهذا لن يتمَّ إلا عندما نتوصلُ للكنوزِ التي تُخفِيها المدنُ الأولى.تلكَ التي غطاها الفيضانُ العامُ (الطوفانُ). فأرضُ العراقِ الجنوبي محطاتٌ لكشفِ وفكِّ أسرارِ نشأةِ اللغةِ الإنسانيةِ الأولى.

ولكنّ بعضَهم يعدُّ اللغةَ كانتْ منذُ أن وجدَ الإنسانُ وبهذا نرى أزليتَها وأنها هبةٌ خلقيةٌ وتتميزُ مع الإنسانِ فالحيواناتُ أيضاً لها لغاتٌ إنما الإنسانُ بحسبِ قدراتهِ العقليةِ، وتختلفُ لدى الأقوامِ البشريةِ حيثُ أنها تعبرُ عن مدى قدرةِ كلّ منهم على تفسيرِ الظواهرِ والعالمِ، وهذا ما سميناهُ استهلاكَ العالمِ، كما أنها تُعتبرُ عندَ علماءِ الأنثروبولوجيا إحدى المدارسِ السيكولوجيةِ للشعوبِ التي تتحدثُ بها. وهناكَ نظرياتٌ عدةٌ ومنها تلكَ التي ترى بأنّ اللغةَ اللغةُ كظاهرةٍ اجتماعيةٍ، ويعني هذا القولُ أنّها ضرورةُ وحاجةُ الإنسانِ إلى التفاهمِ مع أبناءِ جنسهِ. فمقتضياتُ الحياةِ الاجتماعيةِ تُفترضُ لغةً يتفاهمُ بها أبناءُ المجتمعِ. وفي ذلكَ تأكيدٌ على ما قالَهُ: دى سوسير (بأنّ اللغةَ أساساً ظاهرةٌ اجتماعيةٌ ينبغي دراستُها في ضوءِ علاقتِها بالمتحدثين بها ومشاعرِهم النفسيةِ، وأنّها دائرةٌ تشملُ المسموعَ والملفوظَ والمتصدرَ، وهي تحرّكُ قسماً نفسياً وآخرَ وظيفياً. تستمدُ قاعدتَها من ذاتِها، وجميعُ المؤثراتِ في اللغةِ ترجعُ إلى المجتمعِ والظواهرِ الاجتماعيةِ).

وهناكَ نظريةُ النظرياتِ العلميةِ لنشأةِ اللغةِ، ونظريةُ المحاكاةِ والتقليدِ، ونظريةُ (يوهي هو) التي تقولُ إنّ اللغةَ بدأتْ بمقاطعَ غيرَ مفهومةٍ وغيرَ مقصودةٍ، ولكنّها أصبحتْ فيما بعدُ مصطلحاتٍ، كما تعترضُنا نظريةُ (بوهووه) التي تقولُ إنّ الدوافعَ الغريزيةَ هي أساسُ اللغةِ ـ للتعبيرِ عن انفعالاتِنا.وهناكَ نظريةُ نشوءِ اللغةِ والتناسلِ.

هذهِ النظريةُ تقولُ لقدْ وجدتِ اللغةُ كاملةً ثمّ أعقبَ نشأتَها التوالدُ والتكاثرُ. ولهذهِ النظريةِ أربعةُ محاورَ. ونظرياتٌ فلسفيةٌ في نشأةِ اللغةِ. ونظريةُ الغريزةِ المتكاملةِ. ونجدُ مَن يرى بأنّ نشوءَ اللغةِ هو هبةٌ من اللهِ. وهناكَ تفسيراتٌ اجتماعيةٌ بعضُها يقولُ:إنّ اللغةَ دليلُ أصالةِ الإنسانِ وقدرتهِ الابتكاريةِ. والحقيقةُ لم نوردْ شرحاً عن كلّ نظرية لأننا نراها تختلفُ بحسبِ آراءِ مؤسسِيها وغايتُنا من إيرادِ عناوينَ تلكَ النظرياتِ لنرى كم هي تلكَ الآراءُ والعناوينُ حولَ نشأةِ اللغاتِ.

والحقيقةُ نحن لا نُريدُ تأسيسَ بحثٍ لغويٍّ عامٍ وشاملٍ لكلّ اللغاتِ العالميةِ قديمِها ووسيطِها وجديدِها. وإنما موضوعُنا هو تأسيسُ بحثٍ عن اللغةِ السريانيةِ التي تُشكلُ في حقيقةِ وجودِها الاجتماعيّ والتاريخيّ موضوعاً يستحقُ الوقوفَ عليهِ أقلُ ما يمكنُ من خلالِ هاجسِنا حولَ حلَّ إشكاليةِ التسميةِ بينَ أبناءِ شعبِنا، ولأنّ هناكَ عدةَ أسبابٍ جوهريةٍ أراها ذاتَ تأثيرٍ سلبيّ على وحدتِنا بينَ مكوّناتِنا الشرقيةِ والغربيةِ وبينَ مذاهبِنا الدينيةِ، وغايتُنا الوحيدةُ هي أن نتوصلَ إلى قاعدةٍ أساسيةٍ تقتنعُ بها كلُّ مكوّناتِ شعبِنا المناطقيةِ والطائفيةِ بتسميةٍ واحدةٍ. مع العلمِ أنّ اللغةَ التي يكتبون بها ويقرؤون هي الآراميةُ السريانيةُ.ولا نقولُ باللهجاتِ التي يتحدثون بها.

فمنهم من يُسمّيها بالآشوريةِ، وخاصةً أهلَنا الذين ينحدرون من شمالِ العراقِ. وبعضهم يقولُ إنها كلدانيةٌ. والقسمُ الآخرُ يقولُ إنها آراميةٌ. وهناكَ مَن يقولُ إنها فينيقيةٌ أو كنعانيةٌ. وضمنَ هذا الصراعِ الفكريّ، اللغويّ كيفَ نستطيعُ أن نؤسسَ قاعدةً تجمعُ هؤلاءِ على تسميةٍ واحدةٍ ؟!!

للإجابةِ عن هذا السؤالِ بعلميةٍ وواقعيةٍ وتاريخيةٍ وبحثيةٍ نقولُ:

لو ذهبْنا إلى متاحفِ العالمِ في برلينَ وباريسَ ولندنَ، ودخلْنا جناحَ الآشورياتِ وأردْنا أن نقرأ كلمةً واحدةً من تلكَ اللغةِ المكتوبةِ على مسلةِ حمورابي مثلاً، فأنا على يقينٍ بعدمِ قدرةِ أيّ من الموجودين أن يقرأ كلمةً واحدةً إلا مَن يعرفُ اللغةَ الأكاديةَ. تلكَ اللغةُ التي تفترقُ عن اللغةِ التي نكتبُ ونقرأ بها ويريدون أن نسمّيها باللغةِ الآشوريةِ.

ومن تجربةٍ حقيقيةٍ حدثتْ معي عندَما زرتُ متحفَ برلينَ وجناحَ الآشورياتِ في الربعِ الأولِ من تسعينياتِ القرنِ العشرين الماضي وبعدَ مسيرةٍ طالتَ حوالي سبعَ ساعاتٍ من خلالِ وسيلةِ النقلِ (الباص) حافلةٍ كبيرةٍ. كانَ من جملةِ الحضورِ أن حضرَ شابٌ يدرسُ يومَها اللغاتِ الشرقيةَ في الجامعةِ فقالَ: هذهِ اللغةُ الآشوريةُ وعندَما سمعتْهُ يتحدثُ مع أحدِهم تقدمتُ إليهِ وقلتُ لهُ: هل ما تقولهُ تقتنعُ بهِ؟!! قالَ: لم أفهمْكَ. قلتُ: هذهِ ليستِ اللغةَ الآشوريةَ بل هي اللغةُ الآشوريةُ الأكاديةُ التي كانَ أجدادُنا الآشوريون قبلَ أكثرَ من ألفين وخمسمئةِ سنةٍ بها يتحدثون. علينا أن نميزَ في حديثِنا بينَ اليومِ وقبلَ ألفي عامٍ. سكتَ ويبدو أنهُ لم يرقْ لهُ حضوري وبعدَها التزمتُ التجوالَ مع ولدي البكرِ وابنتي الذين كانوا يُشاركونني الرحلةَ.

لهذا أدعوكم للواقعيةِ والعلميةِ والموضوعيةِ. في أنّ كلّ ما نتداولهُ من مثاقفاتٍ لغويةٍ في هذا الجانبِ يعودُ أغلبُها إلى آراءٍ ظهرتْ منذُ مئةِ عامٍ خلتْ لكبارِ اللغويين، وعلماءُ الآثارِ اعتمدوا في آرائِهم على نتائجِ أبحاثٍ تنقيبيةٍ، ولكن هناكَ آراءٌ لكتّابٍ أو مَن يدعون بالثقافةِ نلحظُ في سياقِ كتاباتِهم التعصبَ الذي ولا يمتُ بصلةٍ للعلميةِ والواقعيةِ وحقيقةِ اللغةِ وتطورِها. وأعني أغلبُ آرائِنا تتلبسُها العاطفةُ لأننا نتمسكُ بتسميةٍ تُخالفُ في جوهرِها ما نحنُ عليهِ من لغةٍ.

ومع جلّ تقديري إذا ما أردنا أن نؤسسَ لبحثٍ في هذا الجانبِ وننتهي إلى قناعةٍ راسخةٍ تقومُ على العلمِ، وليسَ على العاطفةِ. علينا أن نجتهدَ في البحثِ عن حقيقةِ اللغةِ التي نتكاتبُ بها ولا ضيرَ إن أشركْنا في بحثِنا موضوعَ اللهجاتِ في هذا السياقِ. لكونِ اللغةِ المحكيةِ تختزنُ الكثيرَ من مفرداتٍ ومعانٍ للغاتِ التي سبقتِ اللغةَ التي نكتبُ بها اليومَ. وإذا كانتِ المفاهيمُ القوميةُ ترتكزُ على مقوماتٍ (ثقافيةٍ وجغرافيةٍ وتاريخيةٍ).

فالثقافةُ بشكلٍ عامٍ يدخلُ بها اللغةُ والعاداتُ والتقاليدُ والموروثُ الشعبيّ الذي استمرَ عبرَ أجيالٍ معَ هذا القومِ أو ذاكَ. وكما أنّ الهويةَ القوميةَ لأيّ أمةٍ أو شعبٍ هي الأرضُ (الجغرافيا). فـالهويةُ التاريخيةُ للشعبِ هو اسمهُ وهو الحكمُ الفيصلُ في هذا الموضوعِ مع ما سبقَ من مقوماتٍ.

كما وعلينا أن نميزَ ما بينَ الاسمِ والتسميةِ، فالاسمُ يكونُ مبتكراً ذاتياً متولداً من خلالِ أنساقٍ تاريخيةٍ للشعبِ وحركتِهِ عبرَ الزمنِ.أمّا التسميةُ قد تأتي من الآخرين وبحسبِ لغتِهم وعلينا أن نميزَ بينَ هويةِ الشعبِ وهويةِ اللغةِ. والسؤالُ الشرعيّ هنا حولَ اسمِ اللغةِ التي نكتبُ ونقرأ بها

هل نسمّيها باللغةِ الآراميةِ أو السريانيةِ أم الآشوريةِ أم الكلدانيةِ؟!!

فإذا كُنا نُنسبُ اللغةَ إلى قومٍ فالتسميةِ ستتغيرُ بحسبِ اسمِ القومِ.

أمّا إن نسبنا القومَ للغةِ فعندها أيضاً سيتمُّ تغييرٌ في المفاهيمِ السائدةِ.

ولأنّ دراستَنا هذهِ تعتمدُ العلميةَ والموضوعيةَ بحسبِ ما هو متوفرٌ لدينا من أفكارٍ وآراءٍ ولا ندعي بأننا نقفُ على الحقيقةِ كلِّها. إنما هو اجتهادٌ واستنتاجٌ واستقراءٌ من خلالِ مصادرَ مختلفةٍ توصلنا إلى هذا الرأي.

ونحنُ نسجلهُ في ذاكرتِنا الجمعيةِ في وقتٍ تزدادُ خلافاتُنا من خلالِ تسميةِ لغتِنا وتاريخِنا واسمِ قوميتِنا.

فالتسلسلُ المنطقيّ للأحداثِ التاريخيةِ وتاريخِ المنطقةِ بشكلّ عامٍ واللغويّ منه بشكلٍ خاصٍ بعيداً عن الآراءِ السياسيةِ والكنسيةِ والطائفيةِ والمثاقفاتِ المتداولةِ نقولُ:إنّ ما نسمِّيه وندعيهِ اليومَ بأنّ شعبَنا يعودُ في أصولهِ إلى أرومةٍ واحدةٍ هذا كلامٌ غيرُ علميّ ولا يقبلهُ الجاهلُ.

فشعبُنا في الحقيقةِ يعودُ في أصولهِ من خلالِ الجنسِ إلى شعبٍ آشوريّ وكلدانيّ في الشرقِ خالطتهُ شعوبٌ مختلفةٌ عبرَ مسيرتهِ آرية وغيرِ آريةٍ. كالعيلاميين والسومريين وكالفرسِ والميديين والأرمنِ والحثيين وغيرِهم، ولأنّ الإمبراطوريةَ الآشوريةَ ضمتْ تحتَ أجنحتِها أقواماً عرقيةً عديدةً لم تغادرْ أرضَها وأغلبُها ذابتْ في بوتقةِ هذا الشعبِ الآشوريّ العريقِ، كما ولدينا في الغربِ من بلادِ آشورَ وما بينَ النهرين الشعبُ الآراميّ، الفينيقيّ والعموريّ وهو الآخرُ تزاوجَ عبرَ التاريخِ معَ بعضِ مكوّناتهِ المحليةِ ومعَ اليونانِ والرومانِ والحثيين والهكسوسِ والكنعانيين والمؤآبيين والعبرانيين والعرِب والقائمةُ تطولُ هنا وهناكَ، وليسَ هناكَ من شعبٍ ويستطيعُ أن يدعي بصفاءِ عرقهِ خاصةً منطقةِ الشرقِ الأوسطِ. إنما الحقيقةُ هناكَ شعبٌ آشوريّ وهناكَ شعبٌ آراميّ (عرقياً).

ومن جهةٍ ثانيةٍ أرى أنهُ لا يمكنُ أن نبني آراءَنا ونُسجلُ ذاكرتَنا بناءً على ما أطلقهُ الغرباءُ علينا من اسمٍ تبنيناه جُزافاً لأسبابٍ مختلفةٍ كانتْ في حينها لها قوةُ التاريخِ فهذا منقصةٌ إذا لم نستيقظْ لشخصيتِنا الحقيقيةِ ونعتمدُ على جهودٍ بحثيةٍ يقدمُها لنا العلماءُ والمفكرون والمثقفون والمنقبون من أبناءِ شعبِنا. وجوهرُ ما نقصدهُ هنا هو حولَ الاسمِ الحقيقيّ لشعبِ بلادِ الشمسِ الذي هو آراميّ من خلالِ أرومتهِ العرقيةِ. دمشقيّ الجغرافيا وما جاورها مروراً بحمصَ وحماةَ والغابِ وإدلبَ وحلبَ حتى شمأل، ومعهُ أولادُ عمومتهِ على الساحلِ، من الفينيقيين الذين همْ بالأساسِ أولادُ عمومةِ الآراميين ومعهم في الجنوبِ الكنعانيون ومن الأنباط والعموريين. وعلينا أن نميزَ بينَ الفكرِ السياسيّ والأجندةِ السياسيةِ والحزبيةِ والحقائقِ العلميةِ والتاريخيةِ.

أقولُ هذا ليسَ من أجلِ التفرقةِ وإنما من أجلِ الحقيقةِ التي سايرَها أغلبُ العارفين منّا في هذا الجانبِ منساقين بالعواطفِ التي طالما دمرتْ إمبراطورياتٍ في العالمِ.

 أعيدُ صياغةَ القولِ في موضوعِ اللغةِ وتسميتِها الحقيقيةِ.التي نكتبُ بها ولا أقصدُ اللهجاتِ التي يتحدثُ بها أهلُ آشورَ ولا أهلُ طور عبدين وغيرُهم. إن اللغةَ التي نكتبُ بها هي اللغةُ الآراميةُ مع أخذنا بأسبابِ تطورِها وتأثرِها بالطبيعتين الجغرافيةِ والبشريةِ السكانيةِ.ــ وإن سموها بالسريانيةِ نسبةً إلى الجنسِ وهذا منطقي أيضاً في علمِ القياسِ ــ لكنني أراهُ يُغبنُ الحقيقةَ العلميةَ والوجوديةَ لتسميتِنا التي جاءتْ من خلالِ ما أطلقهُ الإغريقُ على شعبِنا في بلادِ الشمسِ (سوريا).

ويمكنني القولَ هناكَ في المنطقِ والقياسِ وجهاتُ نظرٍ تُساعدُنا في التوصلِ لثوابتَ حولَ اسمِ لغتِنا ومثالُنا هنا.أولاً إنّ اللغةِ الإنكليزيةِ:

لم يتغيرِ اسمُها لا في الهندِ، ولا في أمريكا، ولا كندا ولا غيرِها من مكانٍ. وكلّنا يعلمُ أنها تعودُ بالأصلِ إلى أنها لغةٌ جرمانيةٌ كانَ قد جلبَها المستوطنون الأنكلوساكسون إلى إنكلترا (بريطانيا). وتأثرتْ بعدةِ لهجاتٍ منها اللهجةُ النورمانيةُ (الإنكليز والفرنسيين) كما وتأثرتْ بلغةِ النوارسِ القديمةِ من قبلِ الغزاةِ الفايكنك ومعَ أنها من أصولٍ جرمانيةٍ ونشأتْ في إنكلترا ومرتْ في مراحلَ (قديمةٍ ووسيطةٍ وحديثةٍ) وتأثرتْ بالمتغيراتِ إنما الشعوبُ التي تتحدثُ بها لا تُنسبُ لها، ولا هي تُنسبُ إليهم.

لهذا أرى أن نتبنى هذا القياسَ المهمَ أيضاً في موضوعِ تسميةِ لغتنا. وإذا ما تبنينا قياسَنا على اللغةِ الإنكليزيةِ لصحَّ قولُنا إنّ اللغةَ هي آراميةٌ نسبةَ إلى آرامَ بنِ سامٍ بنِ نوحٍ. وكلّ الشعوبِ التي تتحدثُ بها عليها أن تسمّيها بالآراميةِ كلغةٍ وافدةٍ إليها ماعدا الآراميين في ما سمّي فيما بعد بالسوريين.

 فالاستنتاجُ والاستقراءُ الحقيقيّ يبدأ من هنا. فمن الطبيعيّ أنّ أهل آشورَ الذين كانوا قد غيّروا لغتَهم الكتابيةَ من اللغةِ الآشوريةِ (الأكاديةِ) إلى الآراميةِ وراحوا يتحدثون بالآراميةِ المحكيةِ وإن حملتْ معها ألفاظاً وكلماتٍ وجملاً أكاديةً وفارسيةً وفينيقيةً آنذاكَ. ولكن الأبجديةَ التي بها يكتبون ويقرؤون حتى اليومَ في كنائسِهم هي الآراميةُ التي سمّوها بالسريانيةِ. وأمّا بشأنِ كلمةِ سريانَ وسريانيّ وتعني آشورَ وآشوريّ فهناكَ عدةُ شواهدَ ومراجعَ نرى أنها تقولُ وما لفظةُ سريانَ إلا نحتٌ من الأصلِ (آسور)).فعندما نتوصلُ إلى أنّ كلمةَ سريانَ تعني آشورَ آسوريا أو أسوري نسبةً إلى شعبٍ أو قومٍ ولا تعني اللغةَ. فإننا بذلكَ ننتهي إلى أنّ السريانيّ يعني الآشوريّ وأنّ اللغةَ السريانيةَ تعني اللغةَ الآشوريةَ والعكسُ صحيحٌ.

وهذا ما ذهبَ إليهِ المفكرُ الفرنسيّ رينان.

وهناكَ رهطٌ من الباحثين يُجمعون على أنها تنسبُ في الأصلِ إلى آشورَ بنِ سامٍ بنِ نوحٍ. وعلى الأرجحِ أن الاسمِ تحرّف إلى سريانَ على أنهُ لفظٌ يونانيّ أطلقُ على شعوبِ المنطقةِ قبلَ الميلادِ ببضعةِ قرونٍ (تعريبُ آسورَ) السينُ والشينُ تتبادلان كما هو معلومٌ ومنهُ سميّتِ البلادُ المعروفةُ اليومَ بسوريةَ، وهناكَ آراءٌ تدعي بأنّ التسميةَ جاءتْ من باني مدينةِ أنطاكيةَ الملكُ سيروس.

 أمّا المطرانُ يوحنا إبراهيم (الغائبُ الحاضرُ).حيثُ يدحضُ هذهِ المصادرَ بقولهِ: (إن أمةً عظيمةً كالأمةِ السريانيةِ لا يمكنُ أن تتركَ اسمَ لسانِها وتستبدلهُ باسمٍ آخرَ أعجميّ وضعتهُ أمةٌ غريبةٌ. وهنا يقدمُ دليلاً على أنّ جميعَ الأقوامِ السريانيةِ القديمةِ الذين ليسوا بآراميين يسمّون ذواتِهم منذُ القديمِ سريانيين مع العلمِ أن هذهِ التسميةَ ظهرتْ في عهدِ نبوخذ نصر. والنتيجةُ نقولُ إنّ السريانَ همْ أهلُ سوريا وبلادِ ما بينَ النهرين منذُ أقدمِ الأجيالِ). وهذا الرأيّ على الرغمِ من أنني أحترمهُ في بعضِ أجزائهِ إلاّ أنني لا أتبناهُ لكونهِ يعتمدُ على أنّ اللغةَ تُعطي اسمَها للشعبِ ويُسمى الشعبُ باسمِ لغتهِ. فقد اعتمدَ على أنّ اللغةَ الآراميةَ استطاعتْ أن تدحرَ اللغةَ الأكاديةَ بلهجتيها في آشورَ وبابلَ وحلتْ محلَها منذُ القرنِ السادسِ قبلَ الميلادِ فبهذا القولِ والاستنتاجِ نراهُ يؤكدُ رأيّاً يقولُ إنّ الشعبَ يتغيرُ اسمهُ بحسبِ اللغةِ وهذا ما لا أوافقهُ فيهِ وإلا لكانَ أهلُ أميركا أطلقوا على أنفسِهم الشعبَ الإنكليزيّ أو الشعوبَ الإنكليزيةَ.

وقبلَ أن ندخلَ إلى عالمِ اللغاتِ التي سادتِ الحضاراتِ القديمةَ أرى أن نعرجَ على ما جاءَ لدى الباحثِ الدكتورِ خزعل الماجدي بشأنِ الأقوامِ أولاً واللغاتِ ثانياً ولنا بعدَ ذلكَ رأيّ فيما نراهُ.

فقبلَ أن نطلعَ على محاضراتٍ للدكتورِ خزعل الماجدي حولَ الشعوبِ الساميةِ واللغاتِ التي تحدثتْ بها تلكَ الشعوبُ، وكيفَ تداخلتْ في التاريخِ والجغرافيا. كانتْ لنا قبلَ هذا عدةُ تحفظاتٍ حولَ العديدِ من الاجتهاداتِ مما يخصُّ الجنسَ واللغاتِ ونعني تلكَ التي تخصُّ الجانبَ العرقيَّ أو اللغويَّ لتلكَ الشعوبِ.

ورأينا أنّ كلّ ما قرأناهُ وسمعناهُ هو مجردُ اجتهاداتٍ ليسَ إلاّ وستبقى هذهِ الأبحاثُ غيرَ مكتملةٍ ومثبتةٍ نهائياً بل هي تشبهُ الرمالَ المتحركةَ في الصحراءِ.لأننا أمامَ مفاهيمَ متحركةٍ لهذهِ الأمورِ ولربما ظهرتْ فيما بعدُ آراءٌ من خلالِ الأبحاثِ والتنقيباتِ الجديدةِ التي تدحضُ جميعَ الأبحاثِ القديمةِ. لهذا لانجزمُ في رأينا ونتبناهُ على أساسِ نظريةٍ مكتملةٍ وكاملةٍ.

 وأهمُّها ما يتعلقُ بالشعوبِ الساميةِ واللغاتِ الساميةِ. والنظرياتِ الغربيةِ التي تجاوزتِ العشرَ نظرياتٍ التي تخصُّ نشأةَ الشعوبِ الساميةِ. ومن الجديرِ ذكرهُ أن تلكَ النظرياتِ لا تثبتُ أمامَ الأبحاثِ العلميةِ التي تقومُ على الحفرياتِ وعلمِ الآثارِ أو على المقارناتِ اللغويةِ المكتوبةِ بل كانتْ اجتهاداتٍ واستنتاجاتٍ من خلالِ التاريخِ المكتوبِ عبرَ عدةِ مصادرَ أو قراءاتٍ خاصةً بعدَ جولاتٍ في الأماكنِ. ونرى أنها تحتوي على مغالطاتٍ تاريخيةٍ وجغرافيةٍ وبعضُها جاءتْ من خلالِ فكرٍ لا يقومُ على المنهجيةِ البحثيةِ المتسمةِ بالعلميةِ والموضوعيةِ. كما يوجدُ تخبطٌ وقعَ بهِ بعضُ هؤلاءِ العلماءِ من حيثُ التفسيرُ لنشأةِ تلكَ الشعوبِ. وبعدَ جهودٍ واضحةٍ تُحسبُ للدكتورِ خزعل الماجدي حيثُ ينقلُنا إلى ما يتبناهُ من أفكارٍ والتي يُسمّيها فرضيةَ سار Sar Hypothesis ويعتمدُ في تأسيسِها على علمِ الآثارِ والاستنتاجاتِ العقليةِ.

 فيقومُ بتقسيمِ الشعوبِ الساميةِ إلى الساري (السارُ تعني السماءَ). والآري (آر تعني الأرضَ في اللغةِ السومريةِ).

 وكما هو معروفٌ فقد تشكلتْ هذهِ الشعوبُ منذُ العصرِ الحجريّ، النحاسيّ في شمالِ الهلالِ الخصيبِ وتعودُ في ثقافتِها إلى:

1- ثقافةِ تلِ حلفٍ: التي تقعُ غربي رأسِ العينِ السوريةِ. وتُسمّى غويزانا (4900 إلى 4300 قبلَ الميلادِ).

2- ثقافةِ أريدو: (أبو شهرين في جنوبِ العراقِ) من 3400 إلى 4000 قبلَ الميلادِ.

3- ثقافةِ العُبيد: من 4000 إلى 3500 قبلَ الميلادِ. وبعضُهم يُعيدُ هذهِ الثقافةِ إلى ما قبلَ هذا التاريخِ حيثُ يقولُ إنهُ قبلَ العُبيدِ كانتْ تُسمّى بثقافةِ عويلي نسبةً إلى التلِّ الذي ظهرَ منذُ 6500 قبلَ الميلادِ واستمرَ إلى 5400 وفي زمنِ تلِّ عويلي يتمُّ اختراعُ العجلةِ الفخاريةِ وبدايةِ العصرِ النحاسيّ. ويقعُ هذا التلُّ غربي مدينةِ أريدو.

4- ثقافةِ الوركاءِ الأولى:وتبدأ من 3500 إلى 3100 قبلَ الميلادِ وأخيراً ثقافةُ جمدت نصر التي تبدأ من 3100قبلَ الميلادِ.

ونميزُ في موضوعِ الشعوبِ الساميةِ الأولى والأساسيةِ التسمياتِ التاليةَ:

1- الشعبَ السوباري (وهنا قرأتُ كتاباً لمكس فون أوبنهايم الرحالةِ وعالمِ الآثارِ والدبلوماسيّ الألماني الذي جاءَ إلى سورية، رأسِ العينِ وتلِّ حلف بالذاتِ وكتبَ جملةَ كُتبٍ من بينها كتابهُ الموسومُ بعنوانِ (حضارة تل حلف) يقولُ (إن الآشوريين همْ أحفادُ الشعبِ السوباري).وأرضُ الشعبِ السوباري هي أرضُ آشورَ ولكلمةِ سوبارتو علاقةٌ مع الشمسِ.

2- الشعبَ سونارتو (شنعار) شعبَ سهلِ شنعار في بلادِ ما بينَ النهرين.

3- الشعبَ سومارتو (الشعبَ الأموري أو العموري).

وهو أكبرُ الشعوبِ الساميةِ قاطبةً. وقد ظهرَ هذا الشعبُ في حوالي 4000سنةٍ قبلَ الميلادِ.

 ويُقسمُ إلى شعوبٍ متعددةٍ أهمُّها:

آ- آرام: أي المرتفعُ أو الذين يعيشون في المرتفعاتِ. والآشوريون يقولون على مَن يسكنُ المرتفعاتِ آرا رمتا (أبناءُ المرتفعاتِ).

ب- كلدو. شعبُ السهولِ وهو أمورو أيضاً.

ت- عربُ الصحراءِ وهم بقايا الأموريين الذين ظلوا على ثقافتِهم الصحراويةِ. والحقيقةُ أساسُهم غربي الفراتِ والبلادِ الشاميةِ. وأقدمُ ظهورٍ لهم لا يتجاوزُ بينَ القرنين الثاني والسابعِ الميلاديّ. وهؤلاءِ العربُ لم يأتوا من الجزيرةِ العربيةِ بل ذهبَ قسمٌ منهم من بلادِ الشامِ والعراقِ للجزيرةِ العربيةِ فيما بعد. وينسبُ الدكتورُ خزعل الماجدي ممالكَ عديدةً للعربِ فيقولُ عن (الرّها والحضرِ وميسانَ والحيرةِ هذهِ يعتبرُها تعودُ إلى الممالكِ العربيةِ العراقيةِ بتعبيرهِ، وأمّا الممالكُ العربيةُ في الأراضي الشاميةِ فيقولُ (تدمرُ والرستنُ والغساسنةُ والجابيةُ والرصافةُ واليطرونُ في لبنانَ). وهنا أتحفظُ على أفكارهِ في هذا الجانبِ وبشدةٍ وخاصةً ما يخصُّ الرّها وتدمرَ واليطرونَ.

ث- اليمن في الجنوب.

 

اسحق قومي - ألمانيا

 

محمد بنيعيشأولا: النشأة ودور المرأة في تكوين ودغدغة الشخصية:

هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب، أصله من الفرس وجده الأقصى في الإسلام هو يزيد مولى يزيد بن أبي سفيان بن حرب، وكان جده خلف بن معدان هو أول من دخل الأندلس في زمن عبد الرحمن بن معاوية، أما آباؤه الأقربون فأصلهم من قرية إقليم الرواية كورة نبلة من غرب الأندلس.

ولد بقرطبة سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، و بها سكن هو أبوه ونالا فيها جاها عريضا، بحيث كان أبوه أبو عمر أحمد بن سعيد أحد وزراء المنصور بن عبد الله بن أبي عامر، ووزر لابنه المظفر بعده، وقد تقلد أبو محمد ابن حزم بدوره منصب الوزارة لعبد الرحمن المستظفر بالله، ثم نبذ هذه الطريقة-على حد تعبيره-وأقبل على قراءة العلم وتقييد الآثار والسنن.

بهذا فيكون قد نشأ في حضن أسرة لها مكانتها المرموقة في المجتمع، مالا وجاها ومكانة اجتماعية، ومن ثم فلا غرابة أن ينشأ الولد في هذا الجو مدللا ومرفها.

فكان من أوائل من أولاه حقه في الدلال والرعاية- كما يحكيه- النساء، بحيث كان احتكاكه بالجو النسوي أكثر من مجالسة الرجال، خاصة في مرحلة صباه و مراهقته...

فقد وكل أبوه الجواري والخادمات لتعليمه والقيام بشؤونه كما يحكي:"ولقد شاهدت النساء وعلمت أسرارهن ما لا يكاد يعلمه غيري، لأني ربيت في حجورهن ونشأت بين أيديهن ولم أعرف غيرهن ولا جالست الرجال إلا وأنا في حد الشباب وحين تفيل وجهي، وهن علمنني القرآن وروينني كثيرا من الأشعار ودربنني في الخط ولم يكن وكدي وإعمال ذهني من أول فهمي وأنا في سن الطفولة جدا إلا تعرف أسبابهن والبحث عن أخبارهن وتحصيل ذلك، وأنا لا أنسى شيئا مما أراه منهن، وأصل ذلك غيرة شديدة طبعت عليها وسوء ظن في جهتهن فطرت به فأشرفت من أسبابهن على غير قليل"1 .

في هذا الجو إذن نشأ؛وعلى هذه النفسية ترعرع، فكان أساتذته الأوائل هم النساء كما ذكر، مما ولد لديه ردود فعل مبكرة ستحدد الاتجاه النفسي لديه فيما بعد كرجل علم وباحث موضوعي.

كما أن هذا الجو سيكون حقل تجربة واقعية ومباشرة للقضية محل الدراسة، وسيمثل خصائص وعيه في هذا الميدان، إذ من الناذر أن يتيسر لولد من وسط سياسي العيش في بيئة نسوية تمارس حركاتها وسلوكها بشكل عفوي وتلقائي من غير تكلف أو تصنع، كما أن وجوده أيضا هنا لم يكن نابعا عن مخطط مدروس أو عمل مسرحي أو تجسس مرتب، وإنما كانت ملاحظاته غريزية ومن شغف نفسي محض وحمية ظرفية.

في حين أن الانفعالات والأحوال التي بدت على سلوك أولئك النسوة كان فيها نوع من اللاشعور وإبداء للبواعث الدفينة في أعماق النفس حينما تواتي الفرصة للتعبير على السجية وبدون رقابة أو توجس.

هكذا إذن اجتمع الملاحظ والملاحظ في خاصية نفسية دقيقة وكفيلة بوصف الحالة أو الظاهرة وصفا علميا واقعيا وإعطاء النتيجة السليمة في نهاية المطاف.

مثال هذا كمن يريد مراقبة تنفس المريض بدقة، بحيث بمجرد ما أن يشعر هذا الأخير بالعملية والمقصد حتى يبادر بتلقائية وبانعكاس شرطي إلى تغيير مستوى تنفسه سواء أراد ذلك أم لم يرد، ومن ثم فستكون النتيجة غير صحيحة.

فلئن كان هذا المثال لا ينطبق كليا على موضوع ملاحظة ابن حزم للنساء اللواتي كان يعيش في وسطهن، لأنه لم يكن له برنامج مخطط للوصول إلى النتيجة المستهدفة إلا أنه قد ينطبق كليا على أولئك النسوة اللواتي كانت تصدر عنهن أفعالهن وحركاتهن بعفوية وتلقائية نفسية تعبر عما يختلج كوامن نفوسهن وما يدور في خلدهن.

ثانيا: نكبة السلطة وآثار ازدواجية الصدمة

إن هذا الرفاه في العيش سوف لن يطول كثيرا ، كما يقول الشاعر في حق الأندلس نفسها:

لكل شيء إذا ما تم نقصان

فلا يغر بطيب العيش إنسان

هي الأمور كما تداولتها أمم

من سره زمان ساءته أزمان

فلا بد من هزات توقظ المضاجع وتروع النفوس، ربما تكون مصحوبة أحيانا بالهلاك المتلف أو الصحوة الكاملة والوعي الذاتي بالحياة وقيمتها ومتطلباتها.

فالهزات قد تكون عامة وحضارية وتكون خاصة وشخصية...وبما أن ابن حزم كان من خاصة أهل الأندلس، نظرا للمنصب الذي كان يشغله أبوه فإنه سوف يتعرض لنكبات لم يستطع أن يخفي معها تألمه وتبرمه منها .

هذه النكبات جمعت بين فقدين لحبيبين في آن واحد وهما:حب الجاه والسلطان والحب العاطفي المتمثل في كلفه عن مقتبل عمره بفتاة ستحول دونها وإياه الفتن والنكبات...

يقول واصفا حالته النفسية اتجاه هذا الفقد المزدوج:"ثم انتقل أبي رحمه الله من دورنا المحدثة بالجانب الشرقي من قرطبة في ربط الزاهرة إلى دورنا القديمة في الجانب الغربي من قرطبة ببلاط مغيث في اليوم الثالث من قيام أمير المؤمنين محمد المهدي بالخلافة، وانتقلت أنا بانتقاله وذلك في جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، ولم تنتقل هي بانتقالنا لأمور أوجبت ذلك، ثم شغلنا بعد قيام أمير المؤمنين بالنكبات ...وامتحنا بالاعتقال و الترقيب والإغرام الفادح والاستنار، وأرزمت الفتنة وألقت ياعها وعمت الناس وخصتنا إلى أن توفي أبي الوزير رحمه الله، ونحن في هذه الأحوال بعد العصر يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي القعدة عام اثنتين وأربعمائة.

ثم ضرب الدهر ضرباته وأجلينا عن منازلنا وتغلب علينا جند البربر فخرجت عن قرطبة أول المحرم سنة أربع وأربعمائة..."2.

لقد ظل وفيا لوطنه رغم ما تعرض له من الجلاء، خاصة بعد غزو ما اصطلح عليه بالبربر الذين عملوا على طمس المعالم الحضارية لقرطبة، كما يذكر ذلك المؤرخون، لا مجال للتفصيل في هذا الآن.

بحيث سيحاول الرجوع إلى قرطبة التي أصبحت كما يصفها مستندا على رواية بعض العائدين منها:"أنه رأى دورنا ببلاط مغيث في الجانب الغربي منها وقد امحت رسومها وطمست أعلامها وخفيت معاهدها وغيرها البلى وصارت صحاري مجدبة بعد العمران وقيافي موحشة بعد الأنس وخرائب مقطعة بعد الحسن وشعابا مفزعة بعد الأمن ومأوى للذئاب ومعازف للغيلان وملاعب للجان ومكامن للوحوش بعد رجال كالليوث وخرائد كالدمى تفيض لديهم النعم الفاشية، تبدد شملهم فصاروا في البلاد أيادي سبا، فأين تلك المحارب المنمقة والمقاصير المزينة التي كانت تؤذن بفناء الدنيا وتريك عواقب أهلها وتبرك عما يصير إليه كل من تراه قائما فيها وتزهد ف طلبها بعد أن طال ما زهدت في تركها وتذكرت أيامي بها..."3.

هذا الوصف يعبر لنا عن مدى تأثره النفسي بما أصاب قرطبة بعد التخريب الذي لحقها من جراء غزو البربر لها وتهديم أهم معالمها، كما أن النص يصور لنا الطفرة السلبية التي حدثت في مسيرتها العمرانية بالانتقال المفاجئ من مستوى حضاري راق إلى انحطاط خمن له بقرب فناء الدنيا، وهو يعني قرب سقوط الأندلس عموما.

إن هذه النكبات التي تعرض لها ستجعله يعدل عن طموحاته السياسية ويزهد في الرياسة مع لزوم المنزل والانكباب على العلم دراسة وتأليفا ...

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

..........................

1- ابن حزم :طوق الحمامة، تحقيق الطاهر أحمد مكي، دار المعارف ط2ص79

2- ابن حزم: طوق الحمامة ص147

3- ابن حزم :طوق الحمامة  ص127

 

محمد بنيعيشيكاد الباحثون يجمعون على أن هذا الحدث العظيم، أي الإسراء والمعراج، قد وقع بعد تراكم المصائب والعوارض على حياة الرسول (ص) من وفاة زوجته السيدة خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها ثم رحيل عمه أبي طالب، الذي كان لا يألو جهدا في نصرته وحمايته، وكذلك بعد الرد العنيف من أهل الطائف ودخوله في جوار المطعم بن عدي، وعند تكثيف الجراءة والإذاية ضده من طرف قومه الذين كانوا ألد أعدائه وأشد مناوئيه.

ولقد كثرت الروايات والصيغ في عرض قصة الإسراء والمعراج ما بين مقل ومكثر وموجز ومفصل وحذر وسارح، قد يمتزج فيها الحق بالباطل والواقع بالخيال والأدب بالفكر والمبالغة بالتقصير، وهكذا كدليل على أن الحدث عظيم ويستحق كل هذا الاهتمام والتفهيم، كما أن له قيمته وسعته قد توازي سعة الأكوان والأرجاء التي طافها النبي (ص) رحلة وطول مسافة، حيث الدقة وكثرة الحقائق والمعنى وعمق الرقائق التي عايشها ولامسها في تلك الساعة من الليلة واية ليلة هاته.

فقد يكون الإسراء باعتباره مسارا أفقيا هو أقل الأضلاع مسافة في هذه المعادلة والرحلة الهندسية المتكاملة مع المسار العمودي الأوسع مجالا والأفسح مساحة، ومع هذا فقد يؤسس ما قد يصطلح عليه بالزاوية القائمة التي تمثل الوسط الهندسي والمرجع الرئيسي لكل الزوايا المتبقية من حادة ومنفرجة وغيرهما، طالما أنها كلها ترتكز على النقطة أصل الخط ومنبعه .وليس هناك أقوم من الوجود الكوني المرئي كقاعدة ومنطلق نحو قياس العالم غير المرئي،  وهذا ما قد يصطلح عليه بقياس الغائب على الشاهد عند المتكلمين والمناطقة عموما.

قلت: إن الإسراء بالنسبة إلى المعراج لم يكن سوى نقطة الارتكاز لفتح المجال نحو التطلع إلى هذه الرحلة اللانهائية والتي قد تتخطى كل قواعد الزمان والمكان والواقع والإمكان، وتضع قواعد الجاذبية والفيزياء على محك الامتحان والزمن في دائرة النسبية وأوجه التوافق والتطابق.

ومن هذه التلميحات، التي قد نجر إليها جرا، فمسألة الإسراء والمعراج تمثل مجمعا معرفيا ستتداخل فيه التخصصات والخصائص والثوابت والمتغيرات بالمواقف وتتلون السلوكيات والمعارف عند الحقائق والمجازات، وتتكامل العقائد مع التشريعات، ويتواصل عالم الأحياء مع عالم الأموات وما هو كائن وكان وآت .

ومن هنا فليس الموضوع مجرد رحلة بسيطة أو حدث عابر، ولا هو أيضا محطة في مسيرة أو حلقة في سيرة، وإنما هو بحر لا ساحل له ومجال أوسع من كل تصور وخيال ووصف أو استدلال .

وكيف لا؟ وهو قد اندمج مع عالم سيصفه القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف بأنه عالم الخصوصية : (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28))1 وأنه فيه:"ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"2.

ومن هنا فإدراج الإسراء والمعراج في مواضيع السيرة النبوية قد لا يتركنا على اعتدالنا ملتزمين التخصص، وإنما سيجرنا شئنا أم أبينا نحو الانسياب والاسترسال في الوصف واستكناه المغالق، والتردد بين الذوق والشوق، والتطلع بكل حنين إلى عالم الفوق .ومع كل هذه الجاذبية فقد نعمل ونجتهد ما في وسعنا بالتزام التحفظ والاختصار وحصار الأشواق والخيال والألفاظ، حتى لا نطير أو نستطار فنتيه من غير كوابح وننحرف عن المسار.

فالنص القطعي في المسألة قد جاء ابتداء وجملة من القرآن الكريم، مخصصا سورة هي الإسراء بعينه في قول الله تعالى: "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ".

فالآية مختصرة ومجملة، ودالة على الغاية الأساسية من هذه الرحلة النبوية نحو :"وأن إلى ربك المنتهى". وهي تتضمن التنزيه لله تعالى وإثبات القدرة والإرادة وصفات الكمال من سمع وبصر.وبهذا فالمحور فيها هو معرفة الله تعالى، معرفة كاملة سليمة وصحيحة، وتوحيده التوحيد الخالص بالاعتراف بألوهيته وربوبيته، وأنه الواحد الأحد الفرد الصمد المنزه عن العوارض والعوائق والعجز والنقص وكل قوادح الكمال .

وهذه المعرفة قد شملت توحيد الذات والصفات والأفعال، فليتأمل المتدبر في الآية سيجد هذه المعاني جلية وواضحة كل الوضوح.أما تفاصيل الرحلة وتنوع المحطات فليست إلا منحا وتنوع مشاهد مما يستلذ به ويستأنس به المسافر في طريقه من غير الوقوف أو العدول عن غاية وهدف الرحلة.

فالرحلة قد انطلقت بالليل وانتهت بالليل، أي أنها غيب في غيب، ولا يحيط بكل أسرارها إلا مالك هذا الغيب الذي قد يطلع على بعض منه من ارتضاه من عباده الرسل خصوصا.كما أنها من حيث المكان قد حددت المحطة الرئيسية، من المنطلق إلى المنتهى، أفقيا ثم عموديا كإشارة إلى الجمع بين الحقيقة والشريعة، بين عالم الأرض وعالم السماء لكمال المعرفة .

وهذا التطابق يؤكد محورية "المسجد الأقصى" في سيرة النبيsوعند المسلمين اعتقادا وتعظيما، وذلك باعتباره مكانا مقدسا متطابقا ومتلاصقا مع المسجد الحرام في وظيفته وقيمته ومؤداه المعرفي إلى العروج نحو عالم الملكوت، ملكوت السماوات والأرض.

والتطابق هنا قائم في تسمية المسجد الحرام بنفس تسمية المسجد الأقصى، أي يوجد وصف جامع بينهما يرتكز على صفة المسجد بالدرجة الأولى لا غير.أي أنه ليس بهيكل ولا قصر ولا دير ولا كنيسة .وهو بهذا الوصف يكون ملكا لله الذي هو أعلم حيث يجعل رسالاته. وهو ملك لرسله الذين هم أولى باستخلاف ملكيته وتحقيق أمر الله فيه عبودية وخضوعا وتعظيما وتقديسا.

فلا للسياسة ولا للملك الدنيوي وحسابات أصحاب المادة والزخارف أي دخل أو حق التصرف فيه بغير حق أو تحويل وظيفته ورسالته لأغراضهم واحتيالهم، كيفما كان حال هؤلاء وأولئك، أفراد أو جماعات ودول .كما أنه بحكم ختم النبوة والرسالة فقد بقي أتباع آخر نبي ورسول هم المسئولون عن حمايته وحفظ وظيفته وحرمته، وليس هؤلاء سوى المسلمين لا غير.بحكم النص الديني والتاريخ والتسلسل النبوي الذي لا نبي فيه بعد سيدنا محمد (ص) خاتم الأنبياء والرسل .

في حين قد نجد في آية الإسراء إشارة ضمنية إلى مسألة المعراج مفتوحة على مصراعيها، إذ لم يكن المسجد الأقصى هو الهدف النهائي من الرحلة وإنما مثل المحطة التي منها سيمر المعراج إلى عالم الملكوت، كما أنه سيكون مجمع أغلب الأنبياء ممن لهم نسبة ما، أو ترقوا وتم لهم الفتح من خلال هذا المكان، وبالضبط في عين الزمان، ألا وهو الليل الذي فيه تتحدد النسبية ويتفاوت الشعور باجتيازه سرعة وبطء، بحسب المقام ونوع الرحلة بعدا أو قربا.

وهذه الإشارة تتجلى في قول الله تعالى:" لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ".حيث القصد والغاية الرئيسية من الرحلة.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

....................

1- سورة الجن آية 26-28

2- جزء من حديث رواه البخاري ومسلم

 

اياد الزهيرينتناول في هذا البحث أحد الديانات القديمة والكبيرة المجاورة جغرافياً للديانات (الرافدينية، السورية، المصرية، اليونانية) القديمة . لا شك بأن الديانة الزرادشتية برزت كديانة وضعت حداً فاصلاً للديانات القديمة التي ظهرت في بلاد فارس، وهي ديانات وثنية، وتتصف بتعدد الآلهه، وهي تشبه الديانات التي ظهرت في الديانات القديمة التي ذكرناها في حلقاتنا السابقه، ومن آلهة الديانات الأيرانية القديمه على سبيل المثال لا الحصر هو الاله (ميثرا) اله الشمس، والاله (أناهيتا) والبعض يُسميه أنيتا  اله الخصب والأرض)، و(هوما) الثور المقدس، وأنتار أو أندارا اله الحرب، وهناك اله يدعى أورووانا اله قبة السماء، وغيرها الكثير، وقد قُدمت لهذه الالهه القرابين على مذابح معابدهم، وهم هنا لم يختلفوا عن الديانات للأقوام المجاورة لهم من رافدينية وسورية ومصريه وحتى أغريقية قديمة. هذه الديانة كما قلنا كانت حداً فاصلاً بين ديانات تعددت بها الآلهه الى دين توحيدي، يؤمن باله (أهورامزدا) واحد أزلي، مطلق، حكيم، لاتدركه الأبصار، موجود في كل مكان، عالم بالغيب، ورحمن، وقدير، وهو نور، وجعلت هذه الديانة من الشمس كرمز له، وأن الله لا جنس له. يدعي البعض بأنها أقدم الديانات التوحيدية التي ظهرت بالتاريخ، وأنا أشك في ذلك، والسبب أن نبي هذه الديانه، قد كان معاصراً حسب بعض المصادر التاريخية لكورش الكبير، ملك الامبراطورية الفارسية في القرن السادس قبل الميلاد، كما هناك مصادر تشير الى أدلة لغوية وأثرية بأن وجودها يرجع الى تاريخ سابق لهذا التاريخ، وحددوها بين (1500-1200) ق.م، وهناك من يقول أنه عاش مابين (1000-650) ق.م، كما ويشير المؤرخ الأغريقي (هيرودوتس) الى القرن الخامس ق.م ولكن كل هذه التواريخ المذكورة على أختلافها، تبين أنها جاءت بعد الديانة التوحيدية الأبراهيمية، حيث يُذكر أن النبي أبراهيم حسب مصدر الويكبيديا أن ولادته كانت بين(2324-1850) ق.م وهذا يعني أن الديانة التوحيدية الأبراهيمية هي أسبق تاريخياً من الديانه التوحيدية الزرادشتية . على العموم أن محور بحثنا بالأساس هو الاله في الديانة الزرادشتية، وهي ديانة جاءت من بعد ديانات عديدة تَعبَّد فيها أنسان منطقة شمال شرق أيران الحاليه، وبعض مناطق أفغانستان وآسيا الوسطى، حيث أرتباط الأنسان بالطبيعة وخضوعه لقوانينها وتأثره بتقلباتها، وما أفزعه من ألغازها، وما حيره من طلاسمها، التي وقف أزاءها حائراً منذهلاً، خائفاً مسحوراً، متسائلاً، وهو يعيش بين أحضانها متوسلاً بأله يلوذ به من أعاصيرها وزلازلها، ويعطيه من خيراتها، ويعلمه عن مصيره فيها . هذه الحاجة وتلك التسائلات ألزمته بالحاجة الى اله يهدأ عليه من روعه، ويبث في قلبه الطمأنينة والسلام، وأن يتلمس منه منهج، يحسن من خلاله أختياراته في الحياة.

جاء زرادشت بعد شوط طويل من تخبط ذلك الأقليم في عباداته المتسمه بالوثنية، فأستوقفه قومه فيما يعبدون، فهجرهم بعيداً، وأنزوى في الجبال يتأمل الى أن جاء لهم بدين زعم من خلاله أن وحياً من الله قد نزل عليه، وأن الله (أهورامزدا) هو من خلق السماء والأرض، ولا غيره سواه، وهو مصدر الخير، ودعاهم الى هجر عبادة الالهه القديمة المدعوة بالديفا، باعتبارها أوثان،  وأن الله خالق الكون، هو من يجب أن يُعبد، وهذا النص الزرادشتي يوضح ذلك (انني أنكر الديفا، وأشهد بأني عابد للاله أهورامزدا،مؤمن بزرادشت عدو الديفا، ونبي الله، حامد وعابد للكائنات القدسية الخالدة الأميشاسبينتا، ومعاهد الرب الحكيم على بذل ما أستطعت من خير)، هذه الأفكار والمعتقدات التي جاء بها زرادشت  كانت نقلة نوعية كبيرة في عالم التدين وخاصة التصور عن الاله  بين أبناء قومه ذوي الأصول الآرية، وأن في مباديء هذا الدين فيه عالم من الملائكة والذين يُسمون ب(الخالدين المقدسين) ويُعرفون ب(بأميشاسيتناس). كما أن هناك قوة تمثل الشر، وهي لا ترقى لمستوى الاله وتُمثل بالشيطان ويُطلق عليها (أهريمان)، وأن هناك الكثير من التفاصيل التي هي أمتداد لمباديء الأديان السماوية يُرجع لها في كتب تتناول الدين الزرادشتي لأننا بخصوص فقط تناول طبيعة الآله في هذه الديانة.

يكشف لنا نص من مقتبس من كتاب (أوفيستا) ترجمة (حامد عبد القادر) ص5 والذي يعكس رؤية وفلسفة زرادشت ومعالم طريقه في عقيدة الاله (ياألهي... الى من أهرب، والى أي البلاد أذهب . ان النبلاء والرؤساء قد أنصرفوا عني، ولم يستمع أحد من عامة الشعب الى قولي، حتى أؤلئك الأفاكون حكام البلاد الدجالون، أرشدني كي أحظي برضاك . أني أدرك السر في خيبة آمالي، وأعرف السبب في فشل مسعاي، أني رجل فقير فلم يستمع اليَّ الا القليل، اياك أدعو اله الخير، واياك أستصرخ مبعث النور، فأمنحني العون والتوفيق ...أرشدني الى الطريق المستقيم المفضي الى أكتساب التفكير السليم، ربي متى ينبثق فجر الهداية لهذا العالم ... أني أضع فيك كل ثقتي، فكن أنت نفسك عوناً لي على النجاح في رسالتي وتنفيذ ما أمرتني به) . في هذا المقتبس، هو جزء من مناجات وأستصراخ زرادشت الى ربه الواحد الأحد، الذي يسمع ندائه، والذي يطلب العون منه في أتمام المهمه الملقات على عاتقه من قِبل الهه الذي كلفه بأيصال رسالته الى قومه العابدون للوثن . كما يمكننا الأشارة الى نص يؤكد فيه زرادشت وحدانية الله، ينقله لنا زين الدين عمر الشهير بأبن الوردي في كتابه (تاريخ أبن الوردي) في ج1. ص71، يقول النص (انه خالق النور والظلمة، وانه واحد لا شريك له). كما أن طبيعة اله زرادشت ذو طبيعه وحدانية يتجلى كذلك في هذا النص، كما ورد (بالأفيستا)  (أني لأدرك أنك أنت وحدك الاله وأنك الأوحد الأحد، وبأني من صحة ادراكي هذا أُوقن تمام اليقين أنك أنت الاله الأوحد...) أن وحدانية الله تتجلى في هذا النص بأوضح صوره، وأنقى معانيه. ولكن هناك من وقع في أشكالية خطيرة تقول أن الزرادشتي يعبد النار، وهذا خطأ كبير، وقع فيه الكثير، في حين أن النار هي رمز للنور الذي هو الله، وهي رمزاً مقدساً، كما هي الشمس عندهم كذلك. هناك نصوص تؤكد وجود ديانة توحيدية  قبل  ظهور زرادشت ولكن أصابها ما أصاب الأديان الأخرى من التحريف والفساد، محاولاً أرجاعهم الى التوحيد، فجاء بالأفيستا، وهنا يذكر (...أراد بي أن يختتم  هذه الحياة الدنيا فجئت الى الحق هادياً ولأزيل ما علق بالدين من أوشاب...) وهذا يؤكد ما ذهبت اليه في مقدمة البحث بأن الزرادشتية، هي ليست أول الأديان التوحيدية في العالم. ومن هذا النص يمكن أن نورد أحد الآراء التي تدعي بأن زرادشت هو مصلح وليس نبي، بأعتبار أن هناك من يقول أن الزرادشتية جاءت قبل ظهور زرادشت بكثير، حتى تُرجعها بعض المصادر الى الألف الرابع ق.م، في حين الكثير من المصادر تؤكد على أن زرادشت عاش بين (628-551) ق.م وأنه جاء لتقويم ما حصل من أنحرافات على هذا الدين . أنا أقول أن زرادشت هو كنبي أو كمصلح جاء كأمتداد لديانات سماويه سبقته، تقوم على أساس التوحيد. فالتوحيد هو النقطة الأساسية التي ركز عليها الدين الزرادشتي، ونرى ذلك أضافة للنصوص السابقة، هذا النص في كتابهم الأفيستا (لا اله الا هو أهورامزدا)، وأهورا مزدا تعني  (الله الحكيم)،  وللفائدة ننقل ما يؤكد هذا الخط التوحيدي والسماوي من خلال حديث للرسول محمد (ص) نقلاً عن كتاب (الأموال) لمؤلفه (ابن أبي عبيد) ص39 عندما سُل النبي (ص) عن المجوس قال ( سُنوا بهم سنَّة أهل الكتاب) ونقله كذلك الترمذي في جامع الترمذي (ج4 ص147)، وهناك من الفقهاء والعلماء من أيد كتابية هذا الدين، مثل أبن حزم الأندلسي، حيث يقول في كتابه المُحلَّى ص 445 (وأما المجوس، فقد ذكرنا في كتاب الجهاد أنهم أهل كتاب، فحكمهم كحكم أهل الكتاب) وأكد ذلك الأمام محمد بن أدريس الشافعي (المجوس-الزرادشت، والصابئون والسامرة أهل كتاب)،بالأضافة الى ذلك أكد الأمر أبي حنيفة النعمان، ومن علماء الشيعة من أكد كتابية الدين الزرادشتي، وقد ذكر ذلك في الكافي ج3 ص567 (أنه سُئل أبو عبد الله عليه السلام عن المجوس، أكان لهم نبي؟ فقال نعم...) وأكد ذلك العلامة الأردبيلي في كتاب (مجمع الفائدة)، حيث ذكر (قيل كان لهم نبي وكتاب قتلوه وحرقوه، وأسم نبيهم زرادشت وأسم كتابه جاماست) ج7 ص438، وفي كتاب الطهارة للسيد الخوئي (ج2 ص48) أنه قال (ثم أنه أذا بنينا على نجاسة أهل الكتاب بمقتظى الأخبار المتقدمة وسالم الأصحاب فهي الما تختص باليهود والنصارى والمجوس...)، ويُشير كذلك العلامة الحلي في (تحرير الأحكام) ج3 ص461  (اليهود لهم كتاب التوراة والنصارى لهم الأنجيل أما المجوس فقيل لهم كتاب ثم نُسخ ورفع بين ظهرهم فلهم شبهة كتاب فلحقوا بالكتابين في أحكامهم) .

صحيح أن الديانة الزرادشتية كغيرها تعرضت للتغير والتشويه والزيادة والنقيصه بسبب  المناقلة الشفوية لتعاليمها بين المؤمنين بها، وهي فتره أمتدت أستناداً الى المصادر التي تدعي ظهورها بالقرن السادس ق.م ولكن تاريخ تدوين كتابهم (الأفيستا) دُون في القرن الثالث أو الرابع  الميلادي وهناك من يقول بالقرن الخامس، ومنهم الباحث فراس السواح في كتابه (موسوعة تاريخ الأديان) ج5 ص13  في العهد الساساني،و كغيره، مثل الكثير من العقائد والأديان لم تسلم من التشويه والتحريف عبر الزمن، ولا ننسى أحتلال الأسكندر المقدوني لأيران عام 334 ق.م وتدمير الكثير من آثارهم وحرق مكتباتهم وقتل كهانهم، مما عرض كتابهم (الأفيستا)  الى الضياع، ولذا سمى الأيرانيون الأسكندر بالملعون ، ولكن بقت بعض الأناشيد وبعض النصوص الطقسية .والأبتهالات (الياشت) كما خرجت بعض الكتب التي تدافع عن ديانتهم بوجه الديانات القادمه كاليهودية والمسحية والأسلامية، وهي عبارة عن ملخصات للأفيستا، خلاصة القول أن الاله في الديانة الزرادشتيه هو ذات الاله في الديانات السماوية التوحيديه، اله واحد أحد، مصدر الخير، وخالق الكون، والرازق والمحاسب يوم الحساب، ولكن وكما ذكرنا طرأت عليه ما طرأ على غيره من العقائد والأديان من تشوهات عبر الزمن، وهذا حصل لكل الأديان ومنها الأسلام الذي لم يسلم من الأسرائيليات وما وضعه الوضاعون في الحديث النبوي من أمثال أبو هريره وكعب الأحبار، وأبن أبي العوجاء وغيرهم الكثير.

هنا نعرض مقطع من أناشيد الغاثا لزرادشت، والتي تلخص  موقف وتصور الديانة الزرادشتية  عن الاله بشكل واضح:

من هو قديم الزمان

من رسم المسار للشمس والقمر

من أمسك الأرض ورفع السماء فلا تقع

من أنبت الزرع وصنع المطر

من خلق الأفكار الخيرة

من سخر الليل والصباح والظهيرة تذكرة للناس

من سخر البقر والأنعام لرخاء الناس

من علم الناس الأحترام للوالدين

من هو خالق كل شيء حسن وخير في الكون

فالزرادشتيون لم يؤكدوا فقط على وحدانية الله، بل على ماهية الخير فيه، بالأضافة للخلود والكمال، وأنه ذو طبيعه مغايرة للمادة، وهو يمثل الحكمة المتعالية، وهو خالق كل شيء في الوجود. هناك نص من الغاثا يظهر بها الأراده الالهية على الوجود ؛

من هو بالأحداث موجد الحق في البدء

من أختط للشمس مسارها وللنجوم

من جعل القمر بدراً فهلالاً فمحاقاً

من أرسى الأرض ورفع السماء

من سخر الرياح تجري بالسحاب

من أوجد الصبح والظهيرة والليل تذكرة لذوي الألباب

الخلاصة؛

*الزرادشتية ديانة توحيدية، أخلاقية

* الله هو مصدر للخير فقط

* الاله أزلي، لا كفء له، وهو اله كل الوجود ومبدعه، ويتصف بالرحمة

* الاله ينفذ أرادته من خلال روح القدس  سبينتاماينو، وعبر وسائل أخرى كوسطاء للتعبير عن الأرادة الألهية 

 

أياد الزهيري

 

 

مجدي ابراهيمالمنهج الذي نتوخَّاهُ ونحرصُ عليه هو أنه من واقع النصوص نثبت الآراء. ولا نثبتها جزافاً بغير فحص النص والوقوف على دلالاته؛ فقراءة النص الأصيل في عيونه الأولى هى التي تكوِّن الرأي الصحيح. أمّا الآراء التي تأخذ بالتقليد والمحاكاة للغير، أيّا كانوا وكائناً من كانوا؛ فلا يعوّل عليها عندنا قيد أنملة؛ لأنها ببساطة شديدة لا تكشف عن تجربة مع المقروء، ولا تعطي معاناة صاحبها مع النص الأصيل يعوّل عليه ولا يعوّل على سواه.

من تلك اللفتة المنهجية التي تقرَّرت عندنا نتناول كتاب "القصد المجرَّد في معرفة الاسم المفرد"؛ فهو من مؤلفات ابن عطاء الله التي تخدم فكرة التوحيد، وينضمُ إلى ما كتبه في "الحِكَم". لم يكن الرجل ممَّن يتركون أوقاتهم بغير خدمة. الوقت هو "العبودية" عنده وعند غيره من الصوفية المحققين. والعبودية على الحقيقة معرفة التوحيد وممارستها، التي هى فيما يقول ابن عطاء الله "أكسير الزيادة، وكيمياء السعادة، وقاعدة كل قدم وحال ومقام، وأسُّ أصول دعائم الإحسان والإيمان والإسلام: معرفة التوحيد المُجرّد عن إضافة التقييد المحفوظ عن تصميم التقليد الموصوف بعلم الأسماء والصفات، الجامع لذكر معاني اسم الإلهية.

ولما كان شرف العلوم على قدر شرف المعلوم، وشرف العالم على قدر شرف علمه، صار لا شيء أشرف من الحق وطلبه، ولا شيء أشرف من معرفة الحق في الدنيا، وفي الآخرة بالنظر إلى وجهه.

وعلم التوحيد موقوف على معرفة الواحد وصفة وحدانيته. ومن لم تفده المعرفة علماً بالله وبصفاته في حقيقة توحيده، فهو محجوب، والمحجوب مفقود.

يبدأ الكتاب بالقسم الأول يحصر فيه الآيات التي وردت فيها اسم "الله"؛ ليتكلم في اشتقاقه وأقسامه، وذكر تفصيل حروفه وتعلق أقسامه ومقتضى أحكامه، إذْ كان القصد المجرد، قسمين: الأول هو: الذي يدور حول "الاسم" (الله)، وفيه نلحظ شهود "وحدة الوجود"، أو توحيد المشاهدة، وفيه كذلك أقسام الأسماء وهى أنواع أربعة سوف نذكرها تباعاً في هذا الكتاب. أما القسم الثاني من القصد المجرد؛ ففي معرفة فضله وشرف قدره وشرح معاني أسراره واختصاص فوائده وذكره؛ لكأنه بهذين القسمين يُطلعنا على شقيِّ المعرفة؛ ليثير فينا في القسم الثاني، قسم "الذكر" الشوق إلى التطبيق، هنالك معرفة قبل العمل، وهى الجزء الخاص بالعلم، المفروض تحصيله لكل من أراد السلوك، والتي يغلب عليها الطابع النظري، فهى من وادي المعرفة النظريّة.

وهنالك معرفة بعد العمل، وهى من روافد المعرفة الوهبية الخالصة، وهى معرفة الذاكرين الذين يعرفون معاني أسرار الاسم المُفْرد واختصاص فوائده والاطلاع المباشر على فضله وشرف قدره. وفي القسمين نجد الجانبين: جانب المعرفة النظرية، وجانب التطبيق والسلوك والممارسة. وهذا الجانب الأخير ممّا يقود إلى المعرفة الاختصاصية بفضل من الله وتوفيقه، وهو موضوع القسم الثاني من الكتاب.

ــ القسم العملي (الذكر):

ولنبدأ بما جاء في هذا القسم؛ القسم العملي (الذكر) قبل أن نتكلم في القسم الأول: لقد سبقت الإشارة حين قلنا إن هدف ابن عطاء الله من المعرفة هو التطبيق؛ حتى ولو كانت تلك المعرفة تتعلق بالاسم المفرد "الله"، فالقصد المجرد من المعرفة هو ممارسة حياة روحية بعينها تطبيقاً لهذه المعرفة، ولا يمكن أن يكون هناك تطبيق بغير ذكر دائم لا مقطوع ولا ممنوع لهذا المعروف. قال تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا" (سورة الأحزاب: الآية 41 - 42). وقال عز وجل:"الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ" (سورة آل عمران: الآية 191)، وفي الحديث عنه، صلوات الله وسلامه عليه، عن الله تعالى:"من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين". ولمّا سئل صلوات الله وسلامه عليه: أي الأعمال أفضل يا رسول الله قال: "أن تموت ولسانك رَطْبٌ بذكر الله"؛ وعليه؛ فالاشتغال بذكر الله، فيما يرى ابن عطاء خَاصَّة، من أفضل العبادات، وعليه يبني المؤلف القسم الثاني من قصده المجرّد في معرفة الاسم المفرد، ويسوق الشواهد والدلائل لتأكيد أن الذكر سبب المعرفة كما أنه سبب الوصول، وأنَّه مفتاح الطريق إلى الله على الحقيقة.

ومن إشاراته أنه يذكر أن من تخصيص هذا الاسم المفرد بالذكر، أنه ما من لفظة بالذكر من "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" إلاّ وفيها تخصيص، وإشارة، ومعنى، وفوائد عجيبة، وأسرار وحكم، مع ما يضاف إليها من علوم ومعارف جليلة. فهاهنا "قُلْ" إشارة إلى الأمر. و "هو" إشارة إلى الإثبات لوجوده. و"الله" إشارة لاسم ذات الألوهية. و"أحد" إشارة لإفراد الأحَدِّية. و"الله" إشارة لذكر الاسم المُفْرد للتوحيد. و"الصمد" إشارة لتنزيه الذات عن نفس البشريّة. أما "لم يلد"؛ فهى إشارة إلى كمال التنزيه عمَّن سواه. "ولم يُولد" إشارة إلى إثبات الأزلية والقدم؛ ونفى السَّبقيّة والحدوث والعدم؛ وهى إشارة إلى عدم الضد، والشبيه، والنظير، والكفو، والند.

ويروح ابن عطاء فيعرض للذكر ثلاثة مقامات: ذكر باللسان، وهو ذكر عامة الخلق. وذكر القلب وهو ذكر خواص المؤمنين. وذكر الروح وهو لخاصَّة الخاصة به ينفرد العارفون في أحوالهم الروحية العجيبة، وبه يتمتعون في رحاب الحضرة بخطابات التأنيس؛ وذلك لأن هذا الذكر هو هو ذكر العارفين بفنائهم عن ذكرهم، وشهودهم إلى ذاكرهم. ولذاكر هذا الاسم المفرد (الله) حالات ثلاثة أيضاً: حالة الوَله والفناء، وحالة الحياة والبقاء، وحالة النعم والرضا، ولكل حالةٍ رجالُ ذاكرين.

وهكذا؛ فالكتاب كله مليء بالنوادر والإشارات. الهدف منها حثُّ العارف على كثرة الذكر؛ إذْ "العارف يتأسف في وقت الكدر على زمن الصفا، ويَحنُ إلى زمان القرب والوصال في حال الجفا، هو من الذين قال فيهم عليّ، رضوان الله عليه، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى". فالذكر تطبيق للمعرفة وشروع في التوحد مع المعروف والاستغراق فيه، والزيادة منه فضيلة شرعية وكل فضيلة فيه داعمة للتوجه القلبي. والقسم الثاني من الكتاب كالممارسة للمعرفة: هو بمثابة الجانب العملي من الحياة الروحية، أو هو العمل والعبادة، وفيها يكمن التحقق بالاسم المفرد قصداً مُجَرَّدَاً خَالِصَاً لا شك فيه.

ــ شهود وحدة الوجود:

وإذا رجعنا إلى القسم الأول، والذي نعنونه بعنوان (شهود وحدة الوجود)؛ والذي ذكرنا فيه أنه يدور على الجملة حول فكرة عميقة في التصوف هى "توحيد المشاهدة" على لغة ابن عطاء الله واصطلاحه الصوفي؛ أو "وحدة الوجود" على مذهب ابن عربي وتصوفه؛ فإنّ الذي يقرأ ابن عربي وابن عطاء، يجد تقارباً من الوهلة الأولى من حيث الذوق الصوفي والوعي بالمدارك التصوفية العليا.

الذوق يعطي التقارب والتشابه والالتقاء، ويدلُّ بالمباشرة على وحدة الروح التصوفية في الإسلام من أول وهلة. إنّما التفرقة النظرية تعطي الاختلاف؛ فهناك اختلاف بين المدرستين نظرَّياً: مدرسة ابن عربي فلسفية موغلة في التفلسف والمعرفة النظرية المستقاة من طريق الاكتساب؛ فإذا أردت فكراً فلسفياً صوفيّاً خالصاً؛ فلتتجه إلى ابن عربي فمصادره الفلسفية وخاصة "الأفلوطينية" أظهر من أن ينكرها أحد. وأمّا مدرسة ابن عطاء الله فسُّنية الاتجاه، المصادر الخارجية فيها بعيدة، ونسبتها إلى الغزالي والمكي والقشيري، والتصوف السُّني خاصّة، أكبر وأدق من نسبتها إلى اتجاهات فلسفية خالصة كما سبقت فيما تقدَّم الإشارة إليه.

المصدر الإسلامي غالب على اتجاه المدرسة الشاذلية ذات الاتجاه السُّني المحافظ، اتجاه الغزالي، الذي أكده ابن عطاء الله ورعاه فيما كتب وألف؛ ولكن هل كانت وحدة الوجود عند ابن عربي خالصة المصادر الخارجية بعيدة كل البعد عن المصدر الإسلامي؟

لم يقل أحد بهذا إلا من خبط في التصوف خبط عشواء، وتحدث بكلام غير مسؤول؛ بل الذي يجعل التقارب مشهوداً بين ابن عطاء الله السَّكندري وابن عربي؛ هو وحدة الرُّوح التَّصَوفيَّة في الإسلام، وتأسيس وحدة الوجود على دعائم ذوقية، على التجربة الصوفية، وأنت إذا قلت "تجربة صوفية" غلَّبت المصدر الإسلامي فيها على سائر المصادر الأخرى. قدَّمت مصدرها الإسلامي وأخَّرت المصادر الخارجية، قَدَّمت مضمون التجربة، وأخرت شكلها ومظهرها الخارجي؛ إذْ المتصوف المسلم في الغالب، لا .. بل من المؤكد يعوّل في تجربته الروحيّة على مضمونه الديني ينتسب إليه.

ولمّا كانت التجربة الدينية الصوفية لا تقوم على الثقافة، ولكنها تقوم على العمل بمقتضى المضمون الديني، وعلى الهداية النبوية: القَولية والفعلية، الباطنة، والظاهرة؛ فإنها ممّا لا ريب فيه تستوحي الدين الذي تنتسب إليه، والعقيدة التي تدين لها بالولاء.

فالمتصوف المسيحي يتكئ على دينه وعقيدته. واليهودي نقطة انطلاقه عقيدته. والبوذي لا يستقي تجربته من مصر القديمة. ولكنه يستقي تجربته الصوفية من تعاليم بوذا. والهندوسي يتمسك بتعاليم كتبه المقدسة ولا يتركها إلى مقدس آخر يراه. وهكذا يكون حال الصوفي في الإسلام يدخل التجربة وليس في ذهنه عقيدة ولا دين سوى عقيدة الإسلام وديانته. فإذا قلت: فما بالُ التأثر والتأثير؟ لا أقول لك: إنّه مجرد تشابه شكلي وكفى، وبخاصّة إذا تعلق الأمر بالمطالب الروحيّة العامة وحقائق الخلود؛ ففيها يكثر التشابه وتصعب التفرقة. ولكن أقول لك: إمّا قبل التجربة وإمّا بعدها؛ فلو كان قبلها يترك المتصوف كل تأثير خارجي وينتمي في التجربة إلى "المضمون"؛ إلى الدين الذي ينتمي إليه، ولو حَدَثَ بعدها يظل المتصوف على كشوفاته حال التجربة، والذي يُدْنِيِهُ من متصوف آخر ينتسب إلى دين مختلف أو ثقافة مغايرة هو: فَرْضُ التشابه .. ليس إلاّ.

أمّا في بطن التجربة؛ فليس في قلب المتصوف إلاّ عقيدته الدينية التي ينتسب إليها ويدين لها بكل الولاء، وليس له إلا مضمونه العقدي يتكئ عليه ويستبطن خوافيه.

ومن الخطأ على هذا: القول بأن التجارب الصوفية كلها من حيث المصدر واحدة، أي نعم! قد تتشابه جميعاً شكلاً ينقصه المضمون، لكن مصدر العقيدة الدينية مختلفٌ لا شك فيه.

ومن هنا؛ فقد يتشابه تصوف ابن عطاء الله مع تصوف ابن عربي في اتحاد الهدف وتوحُّد الغاية، وقد يتفقا كل الاتفاق في انتساب التجربة إلى الدين الواحد والعقيدة الواحدة، وقد لا تفرّق في الجوهر الباطني العميق بين "توحيد المشاهدة" في تصوف ابن عطاء الله السَّكندري، وبين "وحدة الوجود" في تصوف ابن عربي بالمفهوم الإسلامي لا بالمفهوم الهندوسي؛ وبخاصّة لو وضعنا في الاعتبار دعائم الذوق المؤسس لفقه الطريق، وقيامه ناهضاً عاملاً في جوف صاحبه مرتكزا بالجملة على دعائم عقيدته الدينية، ولكن مع كل هذا يظل الاختلاف بينهما نظريّاً من حيث الشكل، جائزاً مقبولاً في كل تصوِّر معقول.

هذه مدرسة وتلك مدرسة، هذا اتجاه وذاك اتّجاه. كان هذا من الضرورة بمكان قبل أن نَقْدِمَ على حديث ابن عطاء في توحيد الشهود في هذا الكتاب الذي نعرض أهم محتوياته. يرى ابن عطاء الله أن:"لا إله إلا الله دائرة بين النفي السالب والإثبات الموجب؛ فالنفي السالب لجميع صفات الحدوث والنقص والعدم، والإثبات الموجب لجميع صفات التنزيه والكمال والقدم؛ فمن نظر إلى وجود الحق بعين القدم ونظر إلى ما سواه بعين الحدوث والعدم؛ فقد شاهد أزليته. وقال:"ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله قبله". ومن نظر إليه بعين البقاء، ولخلقه بعين الفناء؛ فقد شاهد سرّ أزليته، وإذ ذاك يقول: "ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله بعده". ومن نظر إليه بعين العلم والقدرة، وللخلق بعين الجهل والعجز وقصور المنّة؛ فقد شاهد فعله وإحاطته وهنالك يقول:" ما رأيت شيئاً إلاّ رأيت الله معه".

وأصلُ المشاهدة ينقسم إلى ثلاثة أقسام، فيما يرى المؤلف، الأول: مشاهدة فعل بفعل. الثاني: مشاهدة صفة بصفة. الثالث: مشاهدة ذات بذات، فمن نظر إلى الحق بالحق تجلت له الأسماء والصفات، وسريانها في المكونات، والعلم في المعلومات. ومن نظر إلى الأشياء بالعلم ظهرت له الصنعة في المصنوعات، والأفعال في المفعولات. ومن نظر بالله لا به انقطعت الإضافة وتلاشت المحدثات، وفنيت العبارات والإشارات".

وفي المشاهدة الأخيرة تعبير دقيق عن: حال الصوفي في تجربته وتحققه قطعاً بمراتب الشهود، كما أن فيها تعبيراً عن "وحدة الشهود" في التصوف السُّني، وعن "وحدة الوجود" كما هى عند ابن عربي ولكن بدلالتها الإسلامية؛ فكل الأشياء قائمة بالله؛ فمن نظر بالله، لا به أي لا بنفسه، غاب في الفناء عن الأكوان وانقطعت في حقه الإضافة وتلاشت المحدثات، ثم لم يستطع التعبير ولا الإشارة، وهذه أوصاف التجربة الصوفية في خصوصيتها، يلزم عنها الفناء ضرورة، أو هى نفسها تجربة الفناء محققة وواقعة، وفيها يتقرّر لدينا توصيف شهود ابن عطاء وشهود ابن عربي بأنهما: "شهود لوحدة الوجود".

هذا هو الاصطلاح الذي نرتضيه للتوفيق بين "توحيد المُشاهدة" عند ابن عطاء ومن جرى مجراه في التصوف السَّني، وبين "وحدة الوجود" الروحيّة الصوفيّة عند ابن عربي والجيلي والصدر القونوي، ومن جرى مجراهم من تلاميذ وحدة الوجود؛ نرتضيه لأن نصوص ابن عطاء نفسها تثبته ولا تنفيه؛ بل تكشف عنه القراءة المتأنية في ظلال تلك النصوص.

ــ معاني الأسماء الإلهية:

ثم يتوسّع ابن عطاء الله في معاني الأسماء الحُسنى؛ فيورد تقسيم العلماء إليها على أربعة أقسام، وفي كل قسم منها دلالة من الصفة على الاسم. الأول: منها هو ما يدل على "الذات الكريمة الجليلة المنزهة القديمة العظيمة". وذلك كل ما دلت التسمية به على وجود ذاته وهو راجع إلى نفسه. كموجود، وذات، وإله، وقديم.

والثاني: وهو راجع إلى صفة ذاته القديمة. وهو ما لا يقال إنه هو ولا إنه غيره. وذلك كل ما دَلَّت التسمية به على صفة ذات نفسه كالحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام.

والثالث: وهو راجع إلى صفة أفعاله. وهو ما يُقال أنه غيره والاسم فيها غير المسمى، وذلك كل ما دَلّت التسمية به على صفة فعل من الأفعال؛ كبارئ؛ ومصوِّر، وخالق، ووهاب، ومحيي، ومُمِيِت، ورازّق.

والرابع: وهو راجع إلى صفة التنزيه، ويُقال إنه هو هو، والاسم والمسمى فيها واحد، كأسماء الذات، وذلك كل ما دَلَّتْ التسمية به على نفي النقائص كلها عنه تعالى؛ كعزيز، وجبار، ومتكبر، وكبير، ومولى، ومتعال، وذي الجلال والإكرام، وجليل، وعظيم، وعليّ، ومؤمن، ومهيمن، وغني، وقدوس، وسلام.

لكنما الاسم المفرد، فيما يرى ابن عطاء الله، وعلى حد تعبيره، إنّما هو جامع لجميع الأسماء كلها، وهى شارحة له ومشيرة إليه، ومعبرة عنه ومشاركة له، وهو متضمنٌ لها على وجه الإجمال. والعالم كله: علويه وسفليه، بما فيه من عجائبه وغرائبه، صادر عنه (أي عن الاسم المفرد، جل ذكره)، وهو على قسمين (أي العالم): عالم أمر، وعالم خلق. بيد أن عالم الأمر هو الحاكم على عالم الخلق، إذ كان يلي اسم الألوهية في المرتبة العليا.

ولم يكن ابن عطاء وحده هو من أشار إلى تلك اللفتة؛ بل سبقه إليها كثيرٌ من العارفين ممّن كتبوا مصنفات فيها كالقشيري في "التحبير في التذكير". وابن عربي في "النور الأسنى بمناجاة الله بأسمائه الحسنى". والغزالي في "المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى". وقلّدهم ابن قيم الجوزية في "شرح أسماء الله الحسنى". ولكن ابن عطاء تفرد بينهم بخصوصية التجربة المشحونة بعطايا الذوق الفاعل صدوراً ووجوباً ومستنداً وتقريراً.

فلئن تعدَّدت الأسماء الإلهية؛ فالمقصود منها واحد، وهو الله، فكل الأسماء هى صفته ونعته، وهو أولها وأصلها. وهنا تفوح رائحة وحدة الوجود من كلام ابن عطاء، ولكنها وحدة وجود إيمانية إسلامية من الدرجة الأولى، أو كما قلنا ذوقية، فهى من أول وهلة تشتم فيها عبق الإيمان ومذاق التجربة وحلاوة المعاناة في سبيلها. ليست هى بالطبع كوحدة الوجود "البراهمانية" الهندية، وليست كوحدة الوجود المادية، ولكنها وحدة وجود روحية تقدم "الله" على العالم، وتجعل التصور تحت رهن الفكرة الإلهية؛ فكل ما في الوجود مخلوق لله، وليس للعالم قيام بذاته من ذاته؛ فوجوده لولا الله إلى زوال، فهو عدم محض عدم.

ولكن ابن عطاء يعبر عن هذه الفكرة ـ التي تبدو وكأنها "وحدة الوجود"، وهى في الواقع محض إيمان ـ بمذاقات التجربة الإيمانية الحيّة التي يلزم عنها في الغالب ردُّ كل شيء إلى الله، والتصرف في الأكوان بمقتضى العبودية له، وإسقاط التدبير معه، بمقدار ما يلزم عن معاناة هذه الأذواق القول بوحدة الوجود بمفهومها الإسلامي بعد التخلص المُفروض من واغش الروعونات والآفات.

وذوق الإيمان الخالص لا ينقبض عن لقاء وحدة الوجود، ويحتم القول بها لا كنظرية فلسفية بل كتجربة دينية صوفية؛ إذْ أنه:"لا نزاع في أن فكرة وحدة الوجود (Pantheism) في أساسها وليدة فرط إيمان تدفع إليها عاطفة قوية وشعور فياض، وهى لهذا تلائم كبار الصوفية والروحانيين".

ولئن كان ابن عربي هو أول واضع لمذهب وحدة الوجود في التصوف الإسلامي؛ فمن المؤكد أنه مذهبٌ يقوم على دعائم ذوقية أساساً.

وعليه؛ نكاد نجزم أن وحدة الوجود فيما لو أخذت بهذا التخريج فهى ليست سُبَّة للقائلين بها، ولا هى بالتهمة التي يفر منها قاصديها، ولكنها محض ذوق يتأسس على الإيمان، ويتجاوب مع فكرة التوحيد التي تقتضي إسقاط التدبير؛ فإذا عَرَفتَ التوحيد حق المعرفة أسقطتَ التدبير معه، ومضيت في طريق العبودية على البصر بالله وهو أعلى مراقي التفويض؛ بل لا نجاوز الصواب فيما لو قلنا إنها العبارة الصحيحة عن التصوف الحقيقي بلا أدنى شك. يقول ابن عطاء الله السَّكندري في نص ممتاز من هذا الكتاب:" والأسماء كلها سَرَت في العالم سريان الأرواح في الأجسام، وحَلَّتَ منه محل الأمر من الخلق، وَلَزَمَتْهُ لزوم الأعراض للجواهر. فإنه ما من موجود، دَقَّ أو جَلَّ، عَلا أو سَفَل، كثف أو لطف، كثر أو قلَّ، إلاّ وأسماء الله (جل وعز ذكره) محيطة به عيناً ومعنى. ومقتضى اسم الألوهية جامع لجميعها، كالأسماء المحيطة بالعوالم. المنقسمة إلى أمر وخلق، وكان لها مقام الروح من الجسد. ومن لطف الله تعالى أن أظهر من علمه وقدرته بهذا الاسم ما احتملته عقول خلقه؛ ليصل حبله بحبلهم، وبفضله فطرتهم التي فطرهم على معرفته".

فلئن كانت تتجلى في هذه العبارات معاني وحدة الوجود؛ فهى لا تتجلى إلا من فيض الإيمان يُذَاق ذوقاً ولا تتجلى من عطايا النظر؛ بل من معاناة التجريب، تعطيه البصيرة المنتجة المثمرة؛ فهى من الإيمان بمكان بحيث لا تنفصل عنه ولا تفهم على الحقيقة بغيره.

وتجدر الإشارة إلى أن الكلام في معنى كلمة "لا إله إلا الله" هو هو الكلام نفسه في التوحيد؛ قد استغرق كتباً ورسائل من القدماء، كان أهمها بالإضافة إلى قصد ابن عطاء المُجَرَّد، كتاب "معنى لا إله إلا الله"؛ لبدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي (ت 794 هـ)، والكتاب قام بتحقيقه والتعليق عليه والتقديم بفصل عن "أضواء على كلمة التوحيد"؛ على محيي الدين علي القره داغي، طبعة دار بو سلامة للطباعة والنشر والتوزيع، تونس سنة 1984م، وهو يتناول معنى كلمة التوحيد من حيث اللغة، والبيان، والإعراب، والكلام، وأهل الإشارة.

تلك كانت أهم النقاط التي تضمّنها كتاب ابن عطاء الله "القصد المُجرَّد في معرفة الاسم المفرد"، وإنما أطلنا الكلام عنه؛ لأنه من أكثر كتبه جلالة وتفرُّداً على أقل تقدير من ناحية الموضوع الذي عالج فيه مع كتابه "الحكم العطائية"، مسائل التوحيد، وشغل نفسه بهذا الموضوع إلى درجة لم ينصرف فيها إلى موضوع سواه، ولم يستطب البحث في غيره.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

مجدي ابراهيمأذكر كلمة "لأبير كامو" مؤثرة هي في الواقع حقيقة من حقائق النفس الباطنة؛ إذ كان يقول: "ما أكثر ما تستعبدنا إنجازاتنا"، حقا، فالكل معرّض لهذا الاستعباد، وخاصّة مع كلمات الإطراء، فهل استعبدت ابن عطاء الله إنجازاته مع الإعجاب بها؟ إنما المجال الذي يعمل فيه الرجل مجال لاشك مُلِهم بكل معاني هذه الكلمة؛ مُلهم للنفس أن تنخنس، ومُلهم للعقل أن يحيل، ومُلهم للضمير أن يتوقف عند أشياء لا يمكن أن يمضي فيها بغير هذا الإلهام، ومُلهم للقلب أن ينبض بشعور المعيّة الدائم، وَمُلهم للذوق أن يغترف الحكمة غير آسيان.

هذا مجال لا يعرف الاستعباد لأنه يوطن النفس على مؤنة التكليف كيما يجئ مُلهماً ومريحاً راحة المطمئن الواثق بالفرح بفضل الله.

فَضْلُ الله! .. وما أدراك ما فضل الله ..! فضل الله هذا هو أدعى لبذل المُهَج في سبيله. غير أن هذه المُهَج التي تبذل في سبيله ليست تبذل على إرادة منها بل على منهاج التوفيق، والتوفيق فضلٌ كذلك من فضل الله يُفْرح؛ لأنه مدعاة للفرح على كل حال، وفي كل حال: "قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هَوَ خَيْرُ ممَّا يَجْمَعُون" (سورة يونس: آية 58).

فَضْلُ الله على هؤلاء القوم فَوْقَ أنْ يُحْصَى، وفوق أن يصفه سوى من ذَاقه تجربة ومنازلة حال، ثم تملاه وتمثله حتى الرمق الأخير. ومن يمتري فيما نقول عليه أن يُجَرّب، لكن عليه أن يُجَرّب وهو صادق في التجربة؛ ليرى بعد التجربة ماذا عَسَاَهَا تكون عليه حاله، لسنا نحن الذين نقول له ما سيلقاه، أو ماذا عَسَاه واجداً في تجربته ممّا من شأنه أن يذيقه أو يحسَّه؟

ولكن الذي سيقول له ذلك هو نفسه بعد التصفية والتزكية؛ أعني تجربته، ذوقه للأشياء وللأحياء، قلبه الذي ينبض شاعراً على الدوام بألطاف المعية، شاهداً لأطياف الرحمة وتوالي العطاءات وفيوضات النعم الإلهية التي لا تحصى ولا تُعَدّ؛ وهو فَضلٌ ـ لو تعلمون ـ ليس بالقليل.

وليس بالقليل أن يكترث المتصوفة ـ في الغالب ـ للبحث عن السلام النفسي (الطمأنينة القلبية): الحال الذي توصلوا إليه بعد جهد شاق في تبعات الطريق، وكتبوا فيه أبدع الكتابات وصفاً وتسليكاً وتَدَرُّجاً في الوصف والتسليك؛ لكأنهم أرادوا أن يصفوا الطريق بعد أن خَاضُوا فيه إلى من يريد سلوكه؛ ولكأنهم بما كتبوا في حال "الطمأنينة القلبية" ألزموا أنفسهم بها قبل أن يكتبوا فيها شيئاً، فأرادوا أن يضعوا التجربة الصوفية فوق كل اعتبار؛ وأن يعلِموا الغير ـ ممَّن لم يسلك هذا الطريق بعدُ ـ أن طريقهم بغير منازع يقوم في الأساس على تلك التجربة؛ وإنه ليلتمس خصوصيته منها قبل أي شيء آخر؛ فلا مجال فيه للاستعباد.

وبناء على هذا؛ فما ترك من الجهل شيئاً من أراد أن يحدث (يُظهر) في الوقت (التو ـ اللحظة ـ الحال) غير ما أوجده الله فيه" كما قال ابن عطاء الله السَّكَنْدَري في حكَمه؛ لكأنه يريد أن يقول إنّ ما يحدثه المرء من تلقاء نفسه في الطريق دعوى عريضة لا يقوم عليها من التصديق دليل؛ لأن الطريق "لسان صدق".

ومعنى كونه "لسانَ صدق" أن يجد المرء من نفسه مصداقية لخوض غمار التجربة حين يخوضها، ومتى يريد أن يخوضها، ولما عَسَاهُ يقول، وأن يقول القول من خلالها بغير دعوى، وأن يكون فعله تدليلاً على قوله، وسلوكه مصداقاً لاعتقاده، يجمع بين الخطاب الأيديولوجي والممارسة الفعلية جمعاً ينطلق من بواطن الوعي ولا يشوبه النقض من أول وهلة؛ فلا مجال فيه للاستعباد.

إنّما الرضا يكون عن "الحال" لا عن "النفس"، وهنالك فرقٌ بين الرضا عن النفس التي هى موضع الشرور والآثام، والرضا عن الحال الذي هو موهبة تُفاض فيضاً من الله: الرضا عن الحال يدنيك، والرضا عن النفس يطغيك. الرضا عن الحال تقريب. والرضا عن النفس غرور وتبعيد. 

وعليه؛ فقد كَتَبَ "الحكم العطائية" التي جمع فيها كما قال النَّقاد، بين رئاسة علوم الشريعة وعلماء الشريعة، ورئاسة علوم الحقيقة وعلماء الحقيقة؛ فكان عالماً مُتشرِّعاً متحققاً، بل رأس علماء التشريع وعلماء التحقيق. والتي أطلقها صاحبها طلقة واحدة مُدوِّية، وكأنها الصرخة التوحيدية الواحدة، المتفرِّدة، فصارت خالدة على وجه الزمان، وتلقَّفها من بعده الشُّراح والمُفَسِّرون وتداولوها تداول الشغف والاستهتار (أي الشغف الشديد)؛ بالبحث والتحقيق والتحليل والإعجاب.

ومما ذكره الشيخ زَرُّوق في وصف كتاب "الحكم" لابن عطاء قولاً يدل على الإعجاب الذي يأتي بعد البحث والتحقيق؛ وذلك لأنه إعجاب التقدير يصوَّر الحقيقة وبخاصة إذا جاء هذا التقدير من مجرِّب، ذَاَقَ التجربة الصوفية وتذوَّق حلاوة الحال، وشرح حكم ابن عطاء الله شروحاً ضافية تقرب من العشرين.

قال الشيخ زَرُّوق مركزاً على معالجة ابن عطاء الله لفكرة التوحيد في حكمه: "كتاب الحكم العطائية الشاذلية التوحيدية العرفانية الوهبيَّة": عباراته رائقة جامعة، وإشاراته فائقة نافعة، تثلج الصدر وتبهج الخاطر، وتحرك السامع لها والناظر، مع تداخل علومه وحكمه وتناسب حروفه وكلمه، إذْ كُلُّه داخل في كُلُّه، وأوله مرتبط بالأخير من قوله؛ بل كل مسألة منه تكملة لما قبلها وتوطئة لما بعدها، وكل باب منه كالشرح للذي قبله، والذي قبله أيضاً كأنه شرح له، فكل حكمة أو كلمة إنما هى كالتكملة أو كالمقدمة، فأوسطه طرفاه، وآخره مبتداه وأوله منتهاه، يعرف ذلك من أعتنى بتحصيله".

إنما ينبِّه الشيخ زَرُّوق إلى ما خفي على كثير من الناس، حيث ظن كثيرون أن حكم ابن عطاء الله ما هى إلاّ مجموعة من الأقوال نظمت في أوقات مختلفة، كما ذَهَبَ إلى ذلك الدكتور زكي مبارك، في فصل عقدة عن "الحكم العطائية"؛ فقد تَصُّور إنْ هى إلاّ "كلمات بنت لحظات"، قيلت في لحظات متفرقة لا يجمعها رابط وطيد، ولا تشملها وحدة موضوعية واحدة، ولا يضمها روح واحد، ولكن وحدتها وحدة "لحظة"، وإنْ اختلف فيها الوقت أو الزمن.

على أنْ الظن بالحكم العطائية إنها متناثرات لا رابط بينها ولا تجمعها وحدة موضوعية واحدة ولا تربطها رابطة التكامل، إنما هو في تقديري ظنٌ فاسد لا يقوم على تحقيق، كما لا يقدم ذوقاً فيما يقوم عليه، ولكنه في رأينا يقوم على تخمين ضعيف.

إن الروح التي كتبت هذه الحكم لهى روح واحدة لم تتجزأ، وإن اللحظة الإيمانية الجليلة، لحظة الاتصال بالملأ الأعلى؛ لهى لحظة واحدة، يختلف الوقت فيها، نعم؛ وتختلف قوتها وضعفها، نعم؛ تزيد أحياناً، وأحياناً أخرى تنقص، نعم؛ لكنها أبداً تظل لحظة واحدة؛ إذْ هى لحظة الاتصال بالحقيقة المطلقة. هذه اللحظة التوحيدية الإيمانية العرفانية الوهبية، هى التي اعتمدها الشيخ زَرُّوق أساساً لفهم الحِكم، كما اعتمد أمر الوحدة من الدِّقة بحيث لا يعرفها حق المعرفة إلاّ من اعتنى كما قال بتحصيل كتاب الحكم.

إنما الذي نبَّه إليه الشيخ زَرُّوق وكان خافياً على كثير من الناس، هو وحدة الروح ووحدة اللحظة الإيمانية أو إنْ شئت قلت "وحدة الحقيقة" في هذه الحكم.

وهذه الوحدة لا تنكشف بمجرد النظرة العابرة ولا تحصَّل بالفكر النظري فقط، ولكنها تحتاج إلى معايشة، إلى دراية عملية تحتاج فيما نرى إلى "تَمثُّل" و"تحقُّق"؛ حتى على مستوى الكتابة والتخريج يظهر هذا الفارق الشاسع بين "التَّحَقُّق"، والنظر العابر، أو بين "التمثل" والمعرفة السطحية: معرفة القشرة الخارجية والسطح البرَّاني؛ فما يكتبه الشيخ زَرُّوق عن الحِكم العطائية ليس كما يكتبه غيره، ولو كان فيلسوفاً، ولماذا؟!

لأن الفارق أوسع في المعرفة، أو في العمق، أو في التجربة الباطنة، مقدار اتساع نوعية هذه المعرفة نفسها وزيادتها، لا الرؤية العقلية الظاهرة من قشور بادية.

يكمن الفارق في "التَّحقُّق"؛ والتحقق ليس مجرد كلمة تُقال، ولكنه أمرُ يُدْرَكْ بالذوق من الوهلة الأولى. ويكمن الفارق كذلك في "التَّمثُّل": تَمثُّل الحقائق المعقولة في القلوب العالية، وأن يكون ذلك لها عندما تنزع عن عالم الحس، وتتصل بحظائر القدس؛ على حد قول الشيخ محمد عبده في رسالة التوحيد.

ورجَالُ التحقيق يعلمون من قول القائل مَدَاه على ديدن التذوق وهِجِّير العرفان؛ لا لشيء إلا لأنهم عارفون بفعل التجربة ماذا يُراد فيها مما يُقال حين يُقال، وماذا عَسَاه يكون في بطن القائل قبل أن يقول؟ ولأنهم ليسوا بمنقطعين عن الكلام الصادر عن القلب مباشرة، العامل في جوف الضمير مباشرة؛ ولأنهم مرة ثالثة أقْدَرُ الناس على كشف صيغ الخطابات الملونة بألوان قلوب أصحابها، بمقدار صُدورها لا عن القلب بل عن اللسان؛ وعندهم أن: "كُلَّ كلام يبرز؛ وعليه من كسوة القلب الذي منه بَرَز".

فإدراك الناظرين بالعقل وحده لكشف هذه الوحدة محض عَمَاية ومحض تضليل، وإدراك العارفين بهذه الوحدة على مدار التحقيق محض معرفة ومحض تذوق وتجريب.

عُرف ابن عطاء الله بأنه صاحب "الحكم"، وشُرحَتْ الحكم شروحاً عديدة لغلبة الطابع الرمزي والعمق الروحي في أسلوبها وصياغتها، وفي فكرتها ودلالتها؛ فليست هى منغلقة تماماً على الفهم والإدراك كعادة الذين يرمزون ويغلقون وكأنهم لا يريدون أنْ يُفْهموا غيرهم ماذا يريدون؛ لأنهم لا يفهمون ما يقولون! ولكنها تتبطن جمالاً منقطع النظير، هذا الجمال الروحي يتجسد لك في الفكرة العلوية، وفي الأسلوب والصياغة، وهذه وحدها عجيبة من أعاجيب الكتابة الصوفية. ما هذا الذي يأسرك ويستحوذ عليك؟ ما هذا الذي ينقلك من حال إلى حال؟ ما هذا الذي يجعلك تهيم هيام العاشقين بما تقرأ، وبما تفكر فيما تقرأ؟ لابد إنه "الصدق" تجسَّد في الكاتب، وبما أن الطريق لسان صدق، فإن حكمة ابن عطاء الله التي يقول فيها: "كل كلام يبرز وعليه من كسوة القلب الذي منه بَرَز"؛ لتعبِّر عن الصدق كله في جميع ما كتب هذا الصوفي الكبير وتعترف ضمناً بأن الكذب مكشوف في الطريق لقيامه على الصدق تحديداً؛ ولماذا نذهب بعيداً؟ فقد جرت العادة أن يُقَال في الأمثال:"ما خرج من القلب يدخل في القلب"؛ وهذا صحيح إلى حد كبير، وبخاصة لو طبقناه هنا على الحكم التي بين أيدينا، كلها تخرج من كسوة القلب وتُعبِّر عَمَّا في هذا القلب من صدق وانفعال؛ فليس غريباً أن تهيم بها القلوب الصادقة هيام العاشقين، ما في ذلك عجب ولا فيه غرابة؛ لأن هذا الصفاء القلبي يكسي الكلام نوراً في حين تمجُّه أذواق الذين قسّت قلوبهم، فتنغلق أمامهم العبارات ناهيك عن الإشارات.

هاهنا يقول ابن عطاء الله أيضاً نقلاً عن شيخه أبي العباس المرسي: "من أُذنَ له في التعبير فهمت في مسامع الخلق عبارته وجُليت إليهم إشارته".

والمعنى ـ كما يبدو لنا ـ هو أن من أذن الله له من العارفين في التعبير عن الحقائق والعلوم الوهبية نالت عباراته القبول من قلوب السامعين وفهمت من ثم هنالك بغير حاجة إلى جهد السامع في المعاودة والتكرار، وظهرت إشارته إليهم في جلاء ووضوح، ومن حِكمه كذلك: "ربما برزت الحقائق مكسوفة الأنوار إذا لم يؤذن لك فيها بالإظهار"، وهنا معنى قريب من المعنى السابق، فكلام المأذون له يخرج وعليه كسوة وطلاوة، وكلام الذي لم يؤذن له يخرج مكسوف الأنوار، حتى أن الرجلين ليتكلما بالحقيقة الواحدة فتقبل من أحدهما وتُرد على الآخر؛ فالولي يكون مشحوناً بالعلوم والمعارف والأنوار؛ والحقائق لديه مشهودة حتى إذا أعطى "العبارة" كانت كالإذن من الله له في الكلام؛ الأمر الذي يكون معه الأولياء لا يحركون ولا يتكلمون ولا ينطقون إلا بإذن إلهي. ومنها أيضاً:"عباراتهم إما لفيضان وجد، أو لقصد هداية، فالأول: حال السَّالكين. والثاني: حال أرباب المِكْنة والمُحققين"، أي عباراتهم التي يعبرون بها عن علومهم ومعارفهم لا تكون إلاّ لفيضان ما يجدونه في قلوبهم فيخرج قهراً عنهم وهذا حال السالكين المَهْديين. وإمَّا لقصد هداية مريدوهم أرباب التمكين.

وبتعليل فصل اللغة الذي دَوَّنَه ابن عطاء في الحكم، يمكن فهم إشارته في حكمه على التعميم؛ فإذا تساءلنا: لمَ جاءت حكم ابن عطاء على هذا النحو إشارةً راقيةً بعيدة الغور والمغزى؟ فإن فصل اللغة يجيب عن هذا التساؤل ويعطي موفور الإجابة عن طبيعة اللغة الصوفية ومعطياتها وتمثلها للعارف وتمثل العارف لها، بحيث يكون الوجد هو أساس ما يفيض به حكم العبارة فضلاً عن ذَوْق الإشارة.

ثم إن الحديث عن "الحكم" وحدها يطول؛ فابن عطاء الله له غير الحكم كتابات كانت وما تزال من الأهمية بمكان بحيث صارت ذات فضل كبير في بيان ما نعرفه من آثار أبي العباس المرسي، وفي بيان الكثير ممّا نعرفه عن القطب الكبير الحُجَّة أبي الحسن الشاذلي؛ ككتاب "لطائف المنن"، وكتاب "التنوير في إسقاط التدبير"؛ فكما كان ابن عطاء الله، هو الناطق باسم المدرسة الشاذلية المُعَبّر عن تصوفها وعن روح مذهبها والمشيد بالدلالة في كل حال على آراء الشيخين: أبي الحسن الشاذلي وأبي العباس المرسي؛ فقد كان كذلك هو الذي جَنَّد نفسه للدعوة إلى طريق الله؛ بقلم بارع وأسلوب جذاب، فكتب هذه الدُّرَر التي تركها أنجماً ومعالم تهدي طريق السائرين إلى الله.

غير أن كتاب "الحكم" بالإضافة إلى بلاغته الروحية، بلاغة المعاني، من أفضل ما صُنّف في علم التوحيد بإطلاق، كما جاء عند صاحب "طبقات الشاذلية"، الحسن الفاسي الكوهن، وأجل ما أعتمده بالتفهيم والتحفظ كل سالك ومريد، ذات عبارات رائعة ومعان حسنة فائقة. ومن الحكم العطائية قوله: لا يكن تأخُّرُ أمَدِ العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجباً ليأسك؛ فهو (أي الله) ضَمَنَ لك الإجابة فيما يختاره لك لا فيما تختاره لنفسك. وفي الوقت الذي يُريدُ لا في الوقت الذي تُريد. يعني: أن الإجابة مقدّرة كما أن السؤال كذلك مقدّر، وأن المانع من الإجابة مع إلحاح السؤال هو اختيار حظٍ مع الله فيما لم يكن قد جرى به قلم القضاء.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

اياد الزهيريتبقى مسألة الاله مسأله جوهرية في حياة الشعوب قديماً وحديثاً، وبما أن موضوعنا عن الاله في الشعوب القديمة، لذا سيكون محور بحثنا هو أستجابة الأنسان اليوناني القديم لمسألة الآله، بعد ما قدمنا شرح عن الشعوب الرافدينية والمصرية والسورية والعربية القديمة وعلاقتهم بالاله، وكيف تعاملوا مع فكرة الاله؟، وما هو موقفهم منه؟، وكيف ينظرون اليه؟، وما هو سلوكهم أتجاهه؟. واليونانيون القدامى، هم كغيرهم من الشعوب القديمه لهم تصوراتهم ومواقفهم أتجاهه، وقد مثلوا تصوراتهم بميثلوجيا خاصه بهم، ومن خلال التطرق الى الميثلوجيا الأغريقية سنتعرف على العقل الأغريقي القديم، وما تمخض عنه من تصورات ألتمست من الأسطورة كمجال تجسد فيه ما توصل لها فكرهم حول المسبب الحقيقي للكون، وعن السبب الحقيقي الذي يكمن وراء المظاهر الكونية التي لفتت نظرهم، وما أنعكست عليه من مخاوف أزاء الكثير من مظاهرها المرعبة، وما تخفي وراءها من أسرار مجهولة بالنسبة لهم، كما أن اليوناني القديم كغيره من أنسان الحضارات الآخرى القديمه والمجاورة له . أعتقد بوجود أرواح وقوى غير مرئية تحرك العالم وتوجهه بأتجاه أرادتها . هذا الأنسان اليوناني وبفعل دافع الفضول والحاجه والخوف، والرغبة بجلب المنافع، ودرء المخاطر، ذهب بالبحث الى معرفة مكمن الأسرار التي تقع وراء ما يشاهده من مظاهر كونية، وبما أن أنسان ذلك العصر، يعيش مرحلة الطفولة العقلية، ولم يختزن تجربة علمية كبيرة، لذا أتجه الى تبنى الفكر الأسطوري القائم على أساس التخيل في أستنطاق السبب، والذي ينطلق من معلوم الى سبب عجز بالظفر به عقلياً بسبب قصور أدواته المعرفية، فسرح مضطراً الى عالم الخيال ليمسك بمسببات وأن كانت واهية، لكنه يجد فيها ما يروي ظمأ السؤال، ويهدأ روع نفسه، وضياع روحه التواقه للمعنى ، هذه المحاولة، طبعاً لا تخلو من ومضات منطقية، ولو كانت في مستويات بسيطة، ومن قَبيل مثلاً مبدأ السببية .

اليونان أو بالأخرى منطقة بحر أيجة كغيرها من مناطق العالم القديم طرأ عليها تغير ديموغرافي بفعل الهجرات التي جاءت أليها من مناطق أخرى من العالم، وقد حصل في الألف الثاني ق.م أستناداً لبعض المصادر التاريخية . وقد حصل للأراضي اليونانية كما حصل للأراضي المصرية القديمة عندما جاءت الى مصر أقوام من جهة الشرق وأقامت بمنطقة الدلتا، حيث أقاموا مع السكان الأصلين الديانة والدولة القديمة لمصر، فقد جاءت هجرات من جهة الشرق والشمال الى أرض اليونان وأقاموا هؤلاء بين ظهراني الأقوام القديمة، وقد حملوا هؤلاء المستوطنون من ضمن ما حملوا هو أعتقاداتهم الدينيه، فقد جلبوا معهم على سبيل المثال عبادة الالهه (زيوس، وجوبيتر الروماني الأصل)، كما جلبت الأقوام المهاجرة الى مصر من المشرق عبادة الاله حورس، كما ذكرنا ذلك في حلقات سابقة . السكان الأصليون لليونان لهم كذلك متبنياتهم العقائدية في مسأل الاله، ولهم ألهتهم الخاصة بهم، مما شكل توليفه من الآلهة ساهمت بتشكيل بانثيون يوناني يمثل مجمع الآلهه اليونانية. فمثلاً على سبيل المثال الذي يبين هذه المزاوجة بين آلهة الأقوام المهاجرة والأصلية هو زواج اله الأقوام المهاجرة زيوس، بالأضافة لزوجته الأصلية هو أقترانه مع آلهة أقوام اليونان القديمة والتي هي الآلهه (هيرا) .

التاريخ نقل لنا الكثير من المعلومات عن التاريخ اليوناني القديم ومنها الأساطير اليونانية القديمة والتي مثلت عصارة الفكر اليوناني القديم، ولكن لا أحد يدعي أن كل ما وصل هو يمثل الصورة الكاملة للحياة اليونانية القديمة بكل أبعادها وأنساقها المعرفيه والدينية، وبما أن موضوعنا هو الاله، فأننا سنبحث في الأسطورة التي تبحث في موضوع اللآلوهيه،لأن هناك أساطير تبحث عن الأبطال أيضاً، وهكذا الأساطير تتناول ما هو مفقود، ومحل تسائل لقضايا عصية على الفهم، لكن هناك ألحاح من قِبل البشر على أيجاد جواب عليها بأي شكل من الأشكال، لأن الحصول على جواب هو حجر الزاوية في أقامة برنامج حياته، لأن ذلك هو الطريق الوحيد الذي يخرجها من عشوائية الحركة التي تؤدي حتماً الى الفوضى، وهذا الأمر هو من أكد أن الأنسان حيوان مفكر.

آمن الأنسان اليوناني القديم كغيره من الشعوب الأخرى القديمة مثل الأنسان السومري والبابلي والآشوري والمصري والسوري القديم بأن هناك قوى خفيه، وهذه القوى مرةً تكون كآلهه، ومرةً تكون كأرواح تحرك الظواهر الكونية بكل مستوياتها، سواء كانت كبيرة كخلق السماء والأرض والنجوم والكواكب والأنسان، والتي عللها بعلة الآلهه، فمثلاً جعل من الاله أورانوس وأعقبه زيوس كآلهه للسماء، وهناك اله للأرض وهي (كيا)، كما هناك اله للبحر وهو بوزيدون، وأن هرمس اله للرياح، وحماية المسافرين، وأفرودايت الة الحب والخصوبه، وكلوثو الة للأخلاق، حيث ما من ظاهرة كونية صغيرة أو كبيرة الا ولها اله يعتني بها، ويدير شؤنها . هذا التوزيع للآلهه متأتي من نظرة اليونانيين القدامى الى أن هذا الكون لا يمكن أدارته من قبل اله واحد، وهذه النظرة أتت من خلال عملية قياس فعل وقدرة الاله على الأنسان مع فارق الدرجه، وهي عين القياس الذي أستعمله المصريون والسومريون والسوريون في الحضارات الأخرى بأعتبار أن الأنسان هو أجل الكائنات وأعظمها قدراً وأن الأنسان خليق بالمقارنه مع الاله. هذا التخصص في أدارة شؤون العالم هو من فرض التعددية في الالوهيه، وهو الأساس الذي أُقيم من خلاله البانثيون اليوناني للالهه الأغريقيه، ولكن هذا البانثيون مقسم الى طبقات، تحتل الطبقة الأولى فيه الالهه الكبرى، وهي تمثل طبقه أرستقراطيه من حيث المكانه والوظيفة وطريقة العيش، ومن هذه الطبقة، الالهه (زيوس، أثينا، أبولو، هيسيتا، أفرودايت،أريس،أهيرا،هيفستوس أرتميس، ديمتر، هرمس، بوزيدون) وهم أثنا عشر اله، وهم يُدعون بالالهه الكبرى، ويتواجدون على قمة جبل الأوليمبوس، حيث يعيشوا هناك الى الأبد. وهم يُسمون أيضاً بالهة الأولمب . كما هناك أله تمثل الخط الثاني في التسلسل الهرمي للآلهه وهم يأتون بالدرجه الثانية بعد الأثنا عشر الأولى من الالهه، ونذكر بعض هؤلاء وهم كل من (هيمس، أيريس، غانيميد، هليوس، سيلين...) فنرى حتى تراتبية الالهه يشبه تراتبية المجتمع الأنساني آنذاك من الناحية الطبقية والمنزلة، وهذا دليل أخر على أستخدام القياس الأنساني وأسقاطه على الطبيعة الالهية، ولذلك تراهم في وصفهم حياة الالهه بأنهم يتزوجون، ويأكلون ويشربون، ويغضبون ويحقدون، ويتخاصمون مع بعضهم، ولهم أبناء . هذه النظرة يشتركون بها مع ديانات الحضارات الأخرى ( رافدينيه، مصرية، سوريه، عرب الجزيرة). بالرغم من وجود مجمع الالهه الا أن هناك آلهه تمثل القمة من بينها، ولها هيمنه أكبر على غيرها من الالهه الأخرى . هذه الآلهه الكبرى تمارس بسط أرادتها على باقي الالهه، وأن هناك حالة من التزاحم والصراعات البينيه، والتي تصل الى حد تهديدات بعضهم لبعض لغرض فرض الأرادة، وهذا الاله زيوس يهددهم محذراً أياهم من عصيانه وعدم أطاعته فيقول لهم مَوعداً (.. فلتحذر كل الالهة من محاولة أعاقة أرادتي...) (موسوعة تاريخ الأديان) فراس السواح. هنا ينبري زيوس لكي تكون له اليد المطلقة على باقي الالهه، وهذا ما حسمته الأديان التوحيدية بأتخاذ الهً واحداً لا شريك له (لو كان فيهما ألهة الا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون)، ولكن الميثلوجيا اليونانية لم تستطع التخلص من هذا الأشكال لنفس السبب الذي ذكرناه سابقاً، وهو أستعمال أداة القياس بأن الأنسان كنضير للآلهه مع وجود الفارق، كما أن العقل اليوناني لم يتطور الى حالة متقدمة من التجريد.

من الملاحظ كما أن الديانه المصرية أعطت للاله أوزوريوس الهيمنه والأشراف والرعايه للأخلاق، كذلك الأغريق كان الاله زيوس له نفس المهام، فهو من يمارس عملية التوازن والأنضباط والأستقرار على العالم . أن التراتبيه الالهية لا تقف عند زيوس، بل هناك اله فوقه، يهيمن كقوه مطلقة، يخضع لها الجميع، وهو الاله (موروس) وهو اله القدر. وهذا الآله حسب الأسطورة الأغريقية، هو من يقرر القرارات التي تحكم الكون، والتي يدير بها أمر العالم، وهي قرارات لا يمكن مخالفتها، لأنها تمثل الحكمة العليا، لذلك حتى الاله زيوس لا يتجرأ على تجاوزها، بل ويذعن لها . نلاحظ هنا حقيقه باديه للقاريء الكريم، هو أن الميثلوجيا اليونانية تقترب في تصوراتها للاله من مبدأ التوحيد، وذلك من خلال أيجاد رأس هرم لمجموع الالهه الذي تمثل البانثيون الالهي اليوناني . أن الفرق الذي حال دون وصول اليونانيون القدامى الى مرحلة التوحيد هو أنهم نشروا صفات الله من قدرة وقوة وخلق وجلال بين ألهه متعدده، بدل أن يجمعوها في ذات الهيه واحدة. أن التعددية تتضح أنها صفه مشتركه لكل الأديان اي أعتنقتها أقوام المنطقه الشرق أوسطيه والمناطق المجاورة لها وكأن هناك منسوباً عقلياً واحداً، لذا ترى أن ما أنتجته هذه العقليات المتجاوره من أساطير تنحو نفس المنحى في تفسيراتها للظاهره الكونيه، وفي تبنيها لفكرة التعددية الآلهية وأن أختلفت الأسماء لكنها تتفق بالوظائف .

نرجع الى الاله الأوسع شهرة، والأكثر قوة، (زيوس) والذي تبوء قمة الهرم في مجمع الالهه اليوناني . نرى أن الميثلوجيا اليونانية منحته صفات، مثل، كلية القدرة، وأنه يعلم كل شيء، وهو منبع بقية الالهه، وهو ملك حكيم، وأنه كان قادر على كل شيء، ويوزع الخير والشر بين البشر، وأنه رقيقاً وعطوفاً، وهو من يمنع الأخطار عن بني البشر، ويحمي الضعيف والفقير، ويؤدب الشرير(موسوعة تاريخ الأديان، الجزء 3) فراس السواح. لو دققنا بهذه الصفات التي ذكرناها أعلاه لنراها هي من بين كثير من صفات الذات الالهيه في الديانات التوحيدية، وهذا يمثل توق وتطلع الأنسان الى اله يتصف بهذه الصفات لكي يكون حامياً للعدالة ومانحاً للرحمة التي يكون الأنسان في أمس الحاجة أليها، وهو يعيش في وسط تحف فيه المخاوف والشرور والمظالم . أن الأسطورة هي أستجابة لحاجة نفسية تختلج في باطن الأنسان، يتطلع الى من يلبيها، لتكون مصدر سلواه ومنبع أطمئنانه . وأنا قد أشرت في مباحث سابقة أن كل حاجة حقيقية تنبع من داخل الأنسان، يكون لها وجود خارجي حقيقي، وبما أن الأنسان تتملكه حاجة ملحة للخالق، وهذه الحاجة نفسية وروحية وعقلية، أذن لابد من وجود لهذا الاله، وما تعلق الأنسانية منذ فجر التاريخ ليومنا هذا بهذا الوجود الالهي الا دليل على الحقيقة الثابته والأزلية لهذه الحاجة، ولا يلبيها، ويشبعها، ويطمئنها، الا الذات الالهية (الله سبحانة وتعالى)، ولكن دَوّن التاريخ الأنساني الكثير من المحاولات الأنسانية بطرق البحث عن الله، وسلكت مذاهب كثيرة، وطرق عديدة، وقد أقتربت أحياناً واحياناً أخرى أبتعدت، ولكنها أخطأت الهدف، لأن هذا الموضوع يحتاج الى حبل سماوي، وبوصلة سماوية ترسيه الى مرفأ الأيمان الحقيقي، لأن هذه الحقيقة أكبر من قدرة الأنسان، وأن يكن الأنسان يدرك بعض آثارها (ويسألونك عن الروح، قل الروح من علم ربي، وما أَتيتم من العلم الا قليلاً). ففكرة الله موجوده في ضمير ووجدان وعقل كل بني البشر، وهذا لا يمنع من وجود شواذ، وهذه حالات الشواذ، سوف نتطرق اليها ونبين أسبابها في نهاية حلقاتنا هذه.

لقد عبرت الأسطورة اليونانية القديمة عن تصورات وحاجة ورغبة الأنسان الى اله يملي عليه وجودة، ولم يكتفي طبعاً بتصور هذا الوجود الماورائي البعيد، بل أراد الأقتراب منه، والتعرف أليه، لأنه هناك أحساس قوي بالحاجه اليه، لذلك، ولكي يتم هذا الأقتراب، ويتحقق هذا التواصل، عملت الميثلوجيا اليونانية على الأعتقاد بأن هناك شجرة بلوط في دودونا وظيفتها كمكان لنزول الوحي، حيث يترجم الرهبان حفيف أوراقها كرسائل وحي من قِبل الآلهه. وأن هذه الرسائل ضرورية لهم، فقد يأتون للدعاء والأبتهان هنا، في مقابل الأنتظار أن تأتيهم تنبوءات من قبل الآلهه تعلمهم عن المستقبل وما تحمل الأيام لهم من أحداث . لم تكتفي الأسطورة اليونانية بهذه الطريقة للأتصال بالاله بل زعمت بأن الاله زيوس قام بالزواج من نساء من بني البشر، لكي تولد أبناء نصفهم من الآلهه ونصف من البشر ليكونوا هم حلقة الوصل بين الالهه وبين عامة الناس، وهذا هو ما حصل عندما جاء هرقل كنتيجة لزواج زيوس من أمرأه أنسية. هكذا عبرت الميثلوجيا اليونانية عن أشواقها ورغبتها العارمة بالتقرب من الاله، لكي يسهل على الأنسان اليوناني القديم أن يديم التواصل مع الالهه، ويتلقى من التعليمات والضوابط التي تعينه على تسهيل مهمته بالحياة، لأن الأنسان اليوناني، يعتقد أن الالهه هي المشغل الحقيقي لكل ما يدور بالكون، خيره وشره . أن أهمية الالهه في الأسطورة اليونانية جاءت من طبيعة المهمات التي تضطلع بها نحو الكون ومنها البشر، ولذا سوف نذكر لمهمات ووظائف عدد من االالهه، لكي يتعرف القاريء سر أهتمام وألتصاق وشغف الأنسان اليوناني القديم بمجمع آلهته.

* الاله زيوس: هو رب الأرباب، واله الأرض والسماء، وهو من بيده قوى الرعد والبرق والمطر وقوى الطبيعة الأخرى.

* هيرا: الاله التي ترعى الزواج والأمومة.

* أثينا الالهه التي ترعى الفنون والسلام، وكذلك هي الهه للذكاء، كما هي الهه محاربه، حيث تقوم بتقديم العون للمحاربين، وهي تحمي الصناعات وشفيعة النحاتين والمعماريين، وحامية الأبطال.

* أبولو: اله النور، وهو من تجعل الأثمار تنضج، وهو من يحمي المحاصيل الزراعية بقضاءه على الفئران وطرد الجراد.

* أرتميس: اله يرعى الزراعة والصيد والغابات .

* هرمس: فهو حامي قطعان اليونانيين ومرشدهم في ترحالهم، ومساعدهم في شؤون حياتهم، كما أنه يهتم بالعالم الأسفل، حيث يرشد أرواح الموتى الى مثواها الأخير.

* أفرودايت: اله الحب والخصب، وهي شبيه بعشتار الرافدينيه وعشتارت السورية.

* أيروس: أعطت الميثلوجيا اليونانية لهذا الاله صفه شبه تجريديه وأنه يمثل قوة كونية، وأن دوره تنسيق العناصر التي تؤلف الكون عند البدايات الأولى لظهور الكون من حالة العماء الأولى.

* بوزيدون: اله الخلق.

* ثيميس : يحمي العدل والنظام ويعاقب المذنب.

*هليوس: اله النور، الذي يرى كل شيء والمعصوم من الخطأ، وهو من يكشف الجرائم، ولا يخفى عليه شيء.

*جيا (كيا) وهي الالهه الأم، وهي تمثل الأر.ض وخالقة الكائنات كلها.

*هيقاني: يمنح البشر الثراء والنصر والحكمه.

*بان: يسمى بالاله الكوني والكل العظيم .

وبما أن الديانه اليونانية القديمة، هي ديانة تقوم على نظام تعدد الالهه، فلا شك هناك الكثير من هذه الالهه لمن يُريد معرفة المزيد منها، فهناك الكثير من المصادر التي يجد فيها القارئ الكثير من التفصيل. لو دققنا في مجموع وظائف هذه الالهه، لودنا أنها تركز على الخلق والحمايه، والشفاء من المرض، ومصدر الحكمة، والعدل والنظام ومعاقبة المذنب، والخلود، والرحمة والراعي للبشريه من خلال خلقه ورعايته للبر والبحر والمزروعات والحيوانات، وهو الحاكم بالعالم السفلي (الآخر) . هذه الصفات قد وزعتها الميثلوجيا الأغريقية على عدة آلهه، وألتمسوا لها علاقات تواصل مع البشر، سواء عن طريق حفيف أوراق شجرة البلوط في دورونا أو عند طريق أنصاف الآلهه والبشر مثل هرقل، فهذه الصورة للآلهه تقتبرب بشكل كبير من مبدأ ضرورة وجود خالق لهذا الكون في تصورهم، كما صوروا ضرورة أيجاد صلة وصل معه، وأن كان ذلك بطريقتهم الخاصه والقائمة على محض الخيال الممزوج بشيء من المنطق العقلي. أن هذه الصورة التي قدمتها الميثلوجيا اليونانية هي رحلة بحث عن الله التي قالت به الأديان التوحيدية، ولكن ما أنتجته شطحات خيالهم من تصورات، هي حالة طبيعية، عندما تغيب عنهم رسائل الوحي الالهي، الذي جاءت به الرسالات السماوية. فهذه الميثلوجيا تقترب مرةً وتبتعد أخرى من الحقيقه السماوية .

الخلاصة:

1- هناك تعددية في الآلهه.

2- الاله يحمل رسالة أخلاقية.

3- الاله كائن خالد.

4- يشرف على الحياة وعلى العالم الأسفل (حياة ما بعد الموت).

5- يعيش الاله كالبشر وله الكثير من صفاتهم، الا أنه خالد، وذو قدرات فائقه.

6- تمثل الآلهه طبقه أرستقراطية .

7- الآلهه الأولى هو كيوس وهو يمثل حالة العماء الأولى، لم يكن له شكل معين ولا طبيعة معروفة، وهو من يمثل الأزل، وهو أساس العالم.

 

أياد الزهيري

 

 

مجدي ابراهيمهنالك أمران ظاهران ينقضان فكرة العبودية لله الواحد؛ المطلب الذي كان مدعاة للقول بإسقاط التدبير فكرة علوية كما وردت تنويراً في تصوف ابن عطاء الله السّكندري: الأمر الأول: الغفلة الواصبة التي سمّاها ابن عربي فيما تقدّم بهذيان العالم. والأمر الثاني: الجهل بتفعيل التوحيد بما عساه يجعل من الوهم المحقق لا المعرفة الحقيقية نقضاً للعبودية. ولنقف عند هذه الملاحظة (الوهم الحقيقي لا المعرفة الحقيقية) وقفة يَتَبَيَّنُ لنا من خلالها كيف يتغشى الوهم ثقافتنا العربية ليعطل بمنجزاته عقيدة التوحيد؛ فإنّ الوصول إلى الوهم المحقق لا المعرفة الحقيقية لهو الأمر الثاني الذي ينقض فكرة العبودية من أساسها كما تظهر عند غير العارف.

أليست تشير معاجم اللغة إلى أن أصل "الوهم" هو التُّهَمة. والتهمة: وهو تَوَهّم الإنسان أن أخاه قد أساء إليه أو تجاوز حَدَّاً من الحدود، وأصلها الوُهَمة.

وعلى ذلك؛ يصبح الوهم تهمة ووهمة؛ فكل موهوم متهوم، وكل متهوم متوهم أو موهوم. وثقافتنا العربية على هذا الأصل متهومة عندنا؛ لأنها مؤسسة على الوهم مستندة على تصورات هى في الغالب قائمة على الوُهمَة. آفة الثقافة العربية؛ إذا هى لم تستطع أن تفعِّل "عقيدة التوحيد" على صعيد التذوق والتبْصرة أو على المستوى العقلي والفكري والثقافي، وأن تصل من النزوع إلى الفصل والمباعدة، إلى الانخراط في وجوب الوحدة بحيث تقرن الأشباه والأضداد وتربطها بعضها مع البعض الآخر بما يجعل منها وحدة توحيدية واحدة في غير تنافر تفرضه شكلية الأداء أو تناقض يجيزه منطق المحسوس.

أقول؛ إنّ آفة الثقافة العربية إذا لم تقتدر أن تجعل من التوحيد غايتها ومطلبها؛ فهى لا شك تنطلق في أغلب أحوالها وتعدد مواقفها من وهم، وتعود على وهم، وتتصور الحقائق على الجملة فضلاً عن التفصيل بفاعلية الوهم المعشعش في أدمغة منتجيها؛ ومنتجو الثقافة لا يبلغون من الحقائق المجرّدة مبلغهم من العلم بفاعلية الوهم أبداً، وإنما يبلغونها بالتَّجَرُّد وببذل النفس طواعية في سبيلها.

لكننا محكومون في أفكارنا وآرائنا وأحكامنا ومنطلقاتنا الفكرية والشعورية بالهوى لا بالعقل المروض على التفكير البصير.

ومن شأن حكم الهوى أن يُملي علينا خيوطاً متشابكة ومختلطة بخليط عجيب من "الوهم"، ويظل الوهم يلفنا لفاً لا فكاك لنا من خيوطه الكثيفة المتشابكة، حتى ليملأ صدونا بالتضخم، وعقولنا بالاعتقاد التقليدي المنبوذ، وذواتنا بالفراغ والسطحية، وسلوكنا بالتصرف الرزيل المشين؛ فيبدو كل ما نقوله أو نفعله إلى الوهم المتفشي في أعماقنا أقرب وأدنى من بلوغنا للحقائق التي يسبقها جهادُ للنفس شريف.

ومتى تغلغل الوهم في أفكارنا ومعتقداتنا؛ مضينا مع "الهوى" إلى غايته، فيسوقنا الهوى إلى ضروب متشابكة لا شك فيها من الأنانية وحب الذات وتضخم "الأنا"، وإلى كثير من الصفات التي يغلب عليها حكمه فينا، ولا يغلب عليها فينا حكم العقل المقيد بضبط الأهواء ومجاهدة الآفات؛ وبلوغ الحقائق من ثمَّ بمقتضى هذا الجهاد لا بفاعلية الهوى الذي يتحكم فينا تماماً كما تتحكم فينا العادات والمألوفات والمرذولات تحكم الأغلال تَغلُّنَا عن الحركة، وعن الحرية، وعن الاعتقاد الحر النزيه عن الأغراض (والغرض مرض كما يقول العارفون): اعتقاد التوحيد، وفهم التوحيد، وإدراك التوحيد، وتصحيح التوحيد، وتفعيل التوحيد في حياتنا الباطنة قبل الظاهر منها لبصر الشاهد العيان.

هذا الاعتقاد الذي يعلو متسامياً عن كل عقيدة مقيدة بقيود الوهم بلا هداية يرومها قصد السبيل هو نفسه الاعتقاد الذي تصبو إليه تجارب العارفين وتتذوقه وتمضيه فيه؛ ليكون تجربة حياة ليست قاصرة على الأشكال الخارجية والمظاهر البرانيّة؛ بل حياة جُوَّانيَّة باطنة يتحقق فيها تفعيل التوحيد؛ ليتحوّل من بعدُ إلى حياة روحيّة خالصة.

فنحن ـ والله ـ واهمون في أقوالنا وأحكامنا وثقافتنا وعقائدنا؛ لأننا محكومون فيها بالهوى، مُسيَّرون فيها بالأنانية وحبّ الذات، ناشطون النشاط كله في بلوغ الأهواء منا مبلغ العقائد الثابتة، ونحن  ـ  في ثباتها وتحققها في الحق ـ واهمون. فأي غربة غريبة تستشعرها الذات العربية أغربُ من كونها تنمي قدراتها على "الوهم" وتُرْبي إرادتها على الزيف، وتصل في النهاية إلى الأمور التي تريد أن تصل إليها من طريق "الوهم" لا من طريق "الحقيقة" وتنطلق بادئ ذي بدء من حُكْم "الهوى" لا حكم "الإرادة العاقلة"؟

ثم ماذا؟ فإذا بذواتنا العربية تتشتت وتتفرَّق حيث لا يجمعها رابط من التوحيد وطيد. ما معنى أن تكون متديناً بدين التوحيد الذي فطرت عليه تمارسه شكلاً دون أنْ تجريه واقعاً فكرياً وثقافياً ومعنوياً وروحياً؛ ليكون هو عينه مجرى التجربة على المستوى الفعلي والتطبيقي؟ أقولُ؛ إنّ افتقار العربي المسلم المفطور على غريزة التوحيد، لم يتمكن في ذاته أن يُفعِّل هذه الغريزة على المستوى العقلي والثقافي، ولكنه ينتكص على عقبيه ويعودُ أدراجه مستغرقاً في التجزيئية المُفرطة، ولم يهيئه توحيده الفطري لأن يجري عليه ممارسته العملية والواقعية؛ فأضحى تدينه في كفة، ونشاطه الفكري والثقافي والعلمي في كفة أخرى، فجاءت عقليته عقلية فصلُ ومباعدة لا ربط فيها ولا توحد بين أجزائها، وليس بمقدورها أن تصل إلى الوحدة التي هى غريزتها الأصيلة المفطورة عليها.

لكأنما العربي لم يستطع أن يفهم: ماذا عَسَاهَا تكون غريزة التوحيد، وماذا عَسَاهَا كانت تكون فطرة الوحدانية؟ لكأنه لم يستطع بعدُ ـ لأجل تدينه الساذج البسيط ـ أن يكوِّن لديه "رؤية موحَّدة"؛ يجريها على الواقع الفكري والنظري تماماً كما يجريها على الواقع الفعلي والتطبيقي كما هى مقررة قبلاً في الواقع الديني بالفعل؛ إذْ إن فكرة "الرؤية الموحدة" تلك إنما هى فكرة دينية بالأساس مصدرها الدين لا الفلسفة؛ فلو صحَّ أنها فكرة كان الفلاسفة قد طرقوها على  الدوام ونادوا بها أو قصدوها فيما نادوا فهى مُستلهمة سلفاً من الدين، وليس للعقل الفلسفي فضلٌ فيها إلا فضل الشرح والتحليل.

من ذلك ترى؛ أن التوحيد الفطري في سليقة العربي لم يكن عائقاً أبداً لديه عن إجراء البحوث النظرية والفكرية، أو الوصول بمقتضاه إلى قوانين عامة وقضايا كلية؛ لأن هذه وتلك هى من مقررات الفهم الصحيح للتوحيد المفطور عليه المسلم في طبعه العربي.

إنما العائق الوحيد أمام العقل العربي يبدو ظاهراً جليّاً في قلة الفهم أو عدمه لفطرة التوحيد، وتعطيل فاعلية الوحدة على صعيد الممارسة السلوكية، ونبذ قوتها واستبدالها بضعف الفُرْقة والخلاف والتشتت الدائم والاستغراق في التفاصيل والجزئيات؛ لتجيء التجزيئية هى العاملة بفاعلية منقطعة النظير في واقع أسود مُغْرِق في المحدودية النظرية والعملية؛ الأمر الذي يجعل الباحث يشك كثيراً في أمته العربية والإسلامية: هل هذه بالفعل ـ  والحال كما ترى ـ  أمة تدين بالتوحيد عقيدة وسلوكاً وممارسة وحياة؟!

وهى إذا كانت تدين بالتوحيد فعلاً وتقريراً وواقعاً وتفصيلاً، لماذا عزلته عن واقعاتها الحياتية؛ فلم يسفر إلا عن فرقة وشتات: عزلته عن الواقع الفكري، فلم تستطع أن تتخذه أساساً لمنطلقاتها النظرية. وعزلته عن الواقع الفعلي؛ فلم تتحقق من مجرياته التطبيقية، ولم يؤثر قيد أنملة في وقائع تلك المجريات، ولم تعد تدل هذه الوقائع ـ في الجملة فضلاً عن التفصيل ـ على اعتقاد حقيقي فاعل للتوحيد. وعزلته مرة ثالثة عن الواقع الديني؛ فأنتج واقع الأمة التي تدين بعقيدة التوحيد شكلاً ينقصه المضمون؛ أنتج أصناماً وأوثاناً تعبد من دون الله في أشكال جديدة، وقَدَّست المخلوقين بدلاً من تقديس الخالق، وآمنت بالخرافة والتخلف دون الإيمان بالفهم البصير والعقل المستنير!

عندي أنه من أكبر المشاكل التي تواجه المتدين: عزل التوحيد عن واقعات الحياة حتى ليتسأل المرء إزاء هذه الانقسامات التي تشهدها صباح مساء: إذا لم يكن التوحيدُ معزولاً عن الواقع الديني أصلاً لما أضحى معزولاً كذلك عن الواقع النظري والفكري ثم الواقع الفعلي بكل ما فيه من تفرُّق وتمزق وتشتت وانقسام؟ الأمر الذي جعل الإيمان الديني لدى المسلم قشرة سطحية تخلو أو تكاد من المضمون العملي، ذلك "المضمون" الذي لا نشك لحظة واحدة في أنه ينتج لغة ومدنيّة وعلماً وفناً وحضارة.

ولو كان تدينه بالفعل مرهوناً ببصيرة التذوق الدافعة إلى العمل والإنتاج؛ لربط كل الأشباه والأضداد وصعد بها عارجاً إلى توخِّي الوحدة وممارسة الوحدة على صعيد التذوق والتّبْصرة. ولكن الواقع الثقافي العربي الحالي يقول لك بأبلغ لسان: إنّ هذه البصيرة الذوقية مفقودة أو تكاد.

هى مفقودة نعم! وعندي من الأدلة على فقدانها (أولاً): قراءة هذا الواقع قراءة مستبصرة جيدة ومتابعة الأحداث الجارية فيه من قريب والانغماس فيها، وتحليلها والوعي بملابساتها ونتائجها في العقل والشعور.

وهى مفقودة (ثانياً) لأنها في الأصل ما وجدت تامة، نشطة، فعالة، وحيويّة، إلا في فرع واحد من فروع الثقافة العربية والإسلامية، وأعني به (التّصوُّف) الفرع الذي يَضُمُّ علوم التزكية سواء كانت تزكية خُلقية إنْ على مستوى الفرد وإنْ على مستوى المجموع. والتصوف ـ وعلومه ـ بالنسبة للوعي العربي والإسلامي كان ولا يزال يمثل تراثاً مهجوراً، يُنْبَذ اليوم من العقل العربي كما كان قبلاً منبوذاً بالأمس، ولو قدِّر لهذا الفرع أن يجري في حياتنا الفكرية والثقافية مجراه الطبيعي وأن يُنظَّر له كما نظِّر لفروع أخرى غيره؛ لكانت تلك "الرؤية الموحَّدة" أو أحادية الرؤية الغائبة عن ثقافتنا الإسلامية من أولى اهتمامات العقل العربي قاطبة: تنقذه من الضلال! أما بقيّة فروع الثقافة الإسلامية؛ فهى على انتشارها وسعتها وكثرة الطالبين لها، الداعين إلى تزكيتها وتفضيلها، الآخذين على عاتقهم بفرضها قسرياً على واقعنا الفكري والثقافي؛ فهى السبب المباشر في تعطيل النظر إلى أحادية الرؤية؛ فداعية إلى الفصل والمباعدة، وذاهبة إلى التجزيئية الغارقة في غير معنى، والفاقدة لعناصر التجمُّع والائتلاف، والذاهبة إلى التفاصيل والجزئيات دون الارتداد إلى وحدة تجمعها في مبدأ واحد عام مشترك؛ فإذا الشعور بالاغتراب مرضٌ لعينٌ مزمنٌ ألمَّ بثقافتنا العربية؛ أي والله.

وماذا يُنتظر من ثقافة تلك مقوماتها (تعصب للمذهب والفرقة والطائفة وتقليد وتسطيح في المفاهيم) وهذه هى ظروفها (تفرقة وتمزق وتشتت وأنانية)، غير الشعور الدائم بالاغتراب؟ وذلك لأن اغتراب "الذات العربية" اليوم إنما هو نتاج طبيعي لافتقارها إلى "ثوابت الوجود الروحي" الذي يمثل ضميرها الواعي كما يجسد ألزم سماتها الخاصة التي عُرفت بها على الدوام بين أمم العالمين.

فلك أن تلاحظ شعور الذات العربية بالاغتراب، وإصابتها بالدوران الواهم حول "ذاتها" حين تتخلى عن أخص خصائص وجودها وألزم سماتها المميزة لها تخلياً يكاد يقترب من درجة الفقدان؛ لا تطور في هذه الخصائص ولا تجدد في تلك السمات، ولكنها تخلطها وتعوِّمها وتعوِّقها بذوات الآخرين، وإبداعات الآخرين، وثقافة الآخرين؛ دون ركيزة ثابتة تنطلق منها وتقوم عليها أشراط الهوية العصماء.

هذه الركيزة عندي هى التوحيد .. أمة تدين بالتوحيد شكلاً ينقصه المضمون، وتتفرَّق وتنقسم في ذاتها فضلاً عن انقسام الشخص الواحد في ذاته وتفرّقه، هل تنتظر منها غير الشعور الدائم بالاغتراب؟

التوحيد عاصمٌ من ضروب الفُرقة وأنواع الشتات، بمقدار ما هو عاصم كذلك في الوقت نفسه من الشعور بالفقدان: فقدان الهوية؛ وفقدان الخاصة الذاتية في مكونها الإيديولوجي؛ وفقدان الخصوصية التي يمتاز بها الوجود العربي والإسلامي. ومع الشعور بفقدان الهوية، ومع الشعور بتفتت الذات وتشرذمها يكون الشعور المحتوم بالاغتراب، ويصاحبه ـ من أجل ذلك ـ أعراض الفتور والضعف من تقلب وعنت وخفة وخشية ملفوفة بالجُبن الكريه من مواجهة التحديات؛ لكأنما كانت هذه الأمة في ثقافتها وقيمها وعقائدها تعيش بغير وجود، وبغير خصائص تفرضها إنْ شاءت على الآخرين كما يفرض الآخرون خصائصهم عليها وهى قانعة راضية: تستلذ حلاوة الاستهلاك وتستكره مرارة الإنتاج والصبر عليه في كل حين: الاستهلاك في الفكر، وفي العلم، وفي الثقافة، وفي اللغة، وفي الفن، وفي مطالب العقول والأرواح؛ بل وفي المأكل والملبس والمشرب، وفي مطالب الأبدان على وجه الإجمال؛ تستهلك أكثر مما تنتج ولا تطيق الصبر على الإنتاج.

والأمة المستهلكة لإنتاج الآخرين من فكر وعلم وثقافة وفن وأدب وقيم دون أن تنتج هى من العلوم والأفكار والثقافات والفنون ما يؤهلها للوقوف أمام الأمم المتقدمة ناهضة قوية وجهاً لوجه هى أمة تتقلبُ في أعراض الضعف والخنوع كما تتقلب في أسباب التجهيل الذي ارتضته خانعة مستسلمة لأنظمتها البائدة وسياساتها الطاغية وحكامها المتسلطين؛ فإذا بذواتها شاعرة بالاغتراب في مواجهة الذوات الأخرى لأنها ـ  من قبل ومن بعدُ ـ مسلوبة "الثوابت" التي ترتكز عليها أشراط الهوية أو تكاد..!

قُتلَ الإنسان .. ما أكْفَرَهُ!

هاتان الملاحظتان (الغفلة الواصبة التي عَنَاهَا ابن عربي بهذيان العالم ثم الجهل بتفعيل التوحيد ممّا عَسَاه يجعل من الوهم المحقق لا المعرفة الحقيقية نقضاً للعبودية) تنبثق كلتاهما عن تدبر ما ينقض فكرة العبودية التامة للإله الواحد الأحد؛ لتمثل هذه الفكرة من منظورها الديني العميق معاني الخضوع بين يدي الله ولتتلاشى الإرادة المشوبة بحب العلو والتسلط والغفلة الواصبة. فلا يبقى أمامها إلا أمران:

الأول: إمّا تسقط الإرادة في مستنقع الوهم. والثاني: إما أن تنسى التوحيد وتظل تكرع من عبادة الوثن بعد الوثن.

إن إرادتنا التي نستطيع أن نتوصَّل بها إلى شتى الضرورات الحياتية لهى أعجز من أن نصل بمقتضاها إلى الله، فلو كُنَّا في أنفسنا أعلمُ علماء الأرض لصرنا من فورنا أجهل الناس بمعرفة الله. ربّما تصل بإرادتك إلى أقصى المعارف والعلوم الكونيّة، لكن إرادتك وحدها لا توصِّلك ـ فضلاً عن كونها تصلك بالله ـ إلى معرفة "المكوِّن".

أنت مع "الأكوان" بالإرادة وبالعقل وبالعلم وبمدركات الإنسان، لكنك لا تكون أبداً مع "المُكوِّن" بمحض هذه الإرادة ولا بمحض ذلك العقل، ولا بمطلق العلم وكفى، ولا بمحدودية الإدراك الإنساني المحدود؛ بل تكون مع المكوِّن بالصفاء وبالنقاء وبالتسليم وبالتفويض، ولو كانت إرادتك هذه أخذة الأمور مأخذ الجد الذي لا عبث فيه ولا ضياع لقادتك إلى الحقيقة الساطعة، ولأقرَّت منذ البداية بأنها قياساً إلى الإرادة الكونَّية، إرادة ضعيفة عاجزة، تحاول الاستطاعة دوماً لكنها سرعان ما تفشل، وتدَّعي المعرفة وهى إلى الجهالة أقرب، وتريد الرفعة لصاحبها من حيث تزج به في آتون التضليل!

إن الإنسان لضعيف مع إنه في الحق لعظيم وكبير ..!

أتدري ما عظمة هذا الإنسان؟ إنها عندي في إدراكه حقَّاً لضعفه، وعِرْفَانه قطعاً بموضع العجز فيه؛ هنا يَكبُر الإنسان في عين الحقيقة، لكنه يتضاءل ويصغر ويُحتقر مع الادِّعاء والجبروت؛ لأنه يجور على خصائص ليست مما هى له، ولن تكون. إنه لضعيف حين يتخلى عن نبض السّر الإلهي فيه، وإنه لمخلوق مُكَرَّم وعظيم حين يعرف معنى وجوده ومعنى مصيره؛ فيدرك بالله على الحقيقة سر هذا الوجود وبقاء هذا المصير.

ثم ألم نرى ويرى معنا ألوف من الناس ممّن تعدوا على وظيفة الإلوهية وجعلوا من أنفسهم آلهة يقضون في هذا وفي ذاك القضاء المبرم الذي يعدُّ وظيفة إلهية؛ ألم نرى ويرى معنا ألوف من الناس ذلك الذي يتأله ويأخذ حق الله ليحاكم به خلقه وكأنه أضحى موكولاً من عند الله بالحكم على عبيده فيما يأخذونه وفيما يدعونه؟ كم هى ساخرة عجيبة تلك الأقدار حين تضعه في المواجهة وحين تتحداه بأقل قضاءِ يقع عليه، هنالك يفزع ويرتد حَسيراً بعد كل مطاف، ويضيع إذا لم يعترف بعجزه وصِغره وحقارته. يضيع إذا لم يقابل عجزه بقوة، وصغره بكِبر، وحقارته بجبروت يملأ الأرض والسموات.

أدّل آيات العجز والصِّغَر والحقارة لأمور بادية فيه أمام الموت .. لا.. الموت كبير وعظيم وجليل؛ بل إنها لبادية فيه أمام المرض والهمِّ والذُّل والمهانة والعجز والإفلاس والتحقير وقلة الحيلة وفقر الروح، ثم الركض الدائم وراء طلب المنافع والمناصب والسلطات والزعامات، والغيرة من الأنداد والقرناء وذوي النفوذ وذوي المكانة والوجهاء.

والتأمل في أحوال الدنيا عبرةً، قد تزيد المتأمل فيها على الدوام أوجاع الحياة لكن مع ذلك تزيد المرء معرفة بأسرارها ووقوفاً على غرائبها وعجائبها وتقلباتها مع الأيام وتقلبات الأيام معها في كل حال. من أجل ذلك، كم دَبَّر .. (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ) فقال: "أنا الأعز الأكبر", وهو ـ  وأيم الله ـ ضعيف وحقير: ضعفه ينقض قوله، وكلامه تكذِّبه حقيقته.

(قُتلَ الإنسان .. ما أكْفَرَهُ!) كم بادر باتخاذ الوسائل أسلحةً ضد هذا المجهول الذي ينتظره فجأة، وهو يعلم على التحقيق مبدأ خلقه ثم مسيره ومصيره؛ بل إن هذا التقدّم الهائل الذي طرأ على البشرية ليس إلا تعبيرٌ عن دفاع الإنسان ضد الفناء وضد المجهول. إن إرادتنا التي نستطيع أن نتوصل بها إلى كثير من معارف العصر وعلوم الدنيا، لعاجزةٌ عن إدراك هذا العالم العلوي الذي تنفرد فيه الحقائق بكل ما ينفرد فيه الحق المطلق بامتلاكه لزمام الأمور ولقهره فوق العباد بالوحدة والتفرد والقيوميَّة والعناية.

ليس أمام الإرادة هنا إمَّا الإيمان من جهة، وإمَّا الكفران من جهة مقابلة، إمَّا التسليم وإمَّا النكران. فالذين أقروا بعجز الإرادة آمنوا وسَلَّموا وأحبوا وفنوا بعد أن تحققوا بالحقيقة الإلهية؛ لا لشيء إلا لأنهم فوضوا الأمر لصاحب الأمر. والذين تملكتهم الإرادة وغلبت عليهم شِقْوتهم أنكروا وجحدوا وغطوا الحقيقة وأوهموا. والبصير الحق هو الذي يدرك: انفراد الحق المطلق بامتلاكه لزمام الأمور، يدرك هذا ويعمل من أجله مقدار ما يستطيع وفوق ما يستطيع ولا يغفل عن العمل أبداً، وهو الذي يكافح في الوصول إليه، بإرادته تارة، وبإسقاط التدبير معه تارة، وبوسائله الجبارة تارة، وبعلمه تارة، وبعمله تارة، ولكنه في النهاية لا يَصِلْ ـ إنْ وَصَلَ ـ إلاّ بمعْوَانِ التَّوْفيق.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم