مجدي ابراهيمالسؤال الذي طرحناه في نهاية المقال السابق وهو: إذا كانت التجربة الصوفية هى الفيصل الفارق المميز لجعل هذا العالم قائماً بذاته، فما العلاقة بين التجربة والفكر: هل تسبق التجربة العقل أم يسبقها العقل ويتقدّم عليها؟ سؤال له ما يبرره من واقع ما سبقت إليه الإشارة تفصيلاً.

غير أننا في المجمل نستخلص من هذا كله نتيجة مهمة، وهى أن تجربة الصوفي في حد ذاتها سابقة على الفكرة. وحيث أقول "الفكرة" فإنما يتوجه القصد مباشرة إلى الفكرة الفلسفية، فلا يفكر الصوفي أولاً ثم يُجرب، ولكنه يجرب أولاً ثم يأتي الفكر شارحاً لتجربته. ولا يكون العكس صحيحاً بوجه من الوجوه. وهذا في تقديري هو ما يميز العرفان (Gnosis) عن الفلسفة؛ إذْ العقل في مجال الفلسفة أسبق من التجربة في مجال التصوف. والمتصوف أقدر على فلسفة تجربته العرفانية من الفيلسوف الذي لم يذق فتوح التجارب الصوفية؛ فأفلوطين مثلاً كان أخضع تجربته لعقله ولم يخضع عقله لتجربته. وقد صحّ عنه أنه قال لم يذق في هذه التجربة شهود الوصال (الجذب Ecstasy) مع الواحد إلا أربع مرات في حياته كلها. ومعنى هذا أنه لم يبلغ حالة التسامي الفنائي (ecastitic trance) التي بلغها أصحاب التجارب العليا من صوفية المسلمين .. ربما لافتقاره إلى الوحي (Revelation) من جهة.

ومن جهة أخرى؛ لأن الفكر سبق لديه التجربة؛ فكل ما عرفه عن الواحد كان نتيجة تأمل عقلي وتفكير نظري، ولا يحدث هذا في بطن التجربة الصوفية؛ ليتم بفضلها الشهود المباشر؛ لأنها تكون هى السابقة المُقدّمة على كل ما يثمره العقل أو يشكله بمقولاته تشكيلاً أوليّاً سابق على التجربة.

مقولات العقل وإطاراته الذهنية في مجال الفلسفة مُقدّمة على التجربة الصوفية مستقلة عن الاحتكاك بها، حتى إذا ما جاءت التجربة بعد ذلك جاءت ضعيفة بالقياس إلى إعمال العقل قبل ذلك؛ إذْ القوالب العقلية المفروضة تسيطر على الحالة الروحية وتحد من طلاقتها؛ فتأخذ الحالة الشكل الذي فرضته عليها تلك القوالب الجامدة، فتفقد جذبتها إلى الملأ الأعلى بمقدار ما تفقد خصوصيتها وتفرُّدها وامتيازها.

حقاً ! ربما تصبح تجربة عقلية فلسفية بامتياز، ولكنها ليست حالاً ولا سراً يشهد الملأ الأعلى شهوداً بالمباشرة.

والعقل بلا شك له زاويته التي لا ينفك يرى بها الأشياء التي تزخر بها طبيعتها بعد أن يكون قد أختار منها ما شاء وأسقط منها ما شاء، بحسب نظرته الذاتية الخاصّة بمحض ما تفرض عليه مقولاته لا غير، فلا يدع من ثمّ التجربة أن تستكمل طريقها في مسارها الروحي؛ لكأنما يستعجل هذا المسار: يعوقه بفروضه ويقطعه بتحليلاته ويسلط عليه أنظاره من غير أن يُتمم للتجربة مسارها. على العكس من ذلك كله يحدث في مجال التجربة الصوفية؛ إذ هى التي تفرض على العقل فيما لو كانت هى المقدَّمَة، وحين يعجز عن الانصياع لها والتقيد بأوامرها يتوقف عن الإدراك فيحيل إلى مدراك أعلى منه وأرفع، هى بلا شك مدراك البصيرة. والبصيرة لازمة بالضرورة للتجربة، هي الأداة الإدراكية العليا لصنوف التجربة الصوفية باصطلاح وليم جميس.

أمّا العقل؛ فلا .. إذا سلّم العقل للبصيرة أمره، نجح الإنسان في إتمام مراقي الشهود. وإذا ناطح العقل البصيرة، خذلته الرؤية فما أتمّ الشهود. ولكن هذه الشروط والضوابط ليست حَديّة فاصلة، وإنما تأتي كما لو كانت صياغات تقريبية لفهم عمل التجربة الصوفية في ميدانها. ويبقى بعد ذلك دورٌ غير منكور للعقل لا يتخطاه، وهو أنه أحال أولاً على البصيرة. وهو ثانياً يظل شارحاً للتجربة ينظمها ويسترشد في التخريج بمعطياتها ويأخذ منها ولا يأخذ من نفسه. وبمقدار ما يتصالح معها ويحاول فهم أسرارها يُخضع قوالبه لها ويكيف مقولاته في إطار التعاطف معها من حيث لا يخضع المرء تجربته، كما يحدث في مجال الفلسفة، لقوالب عقله ومقولاته.

لكن سؤلاً يثيره الذهن المترقب في هذه الفروق: وهل يدخل الصوفي تجربته وهو مُجرّد بلا علم ولا فكر ولا معرفة؟ وأي تجربة هذه التي يخوض غمارها وهو جاهل، والجهل لا يُعوّل عليه؟

تحقيقاً؛ لا نأخذ بما كان أخذ به "جان فال" حين أراد أن يصف هذه الحالة من طريق المجاز بالاستنارة مع أنها جهالة؛ فسمّاها في "طريق الفيلسوف" "بالجهل المستنير"، وهى عبارة تحمل مفارقة إنْ دلت على التجربة الصوفية ومعطياتها مفارقات، لا تدل على حقيقتها الكامنة فيها من حيث إنها عمل لا يعرف الجهل، وعلم يقارب المعرفة ويرتفع عنها إلى مقام الشهود.

غير أنه سؤال يبدر من الوهلة الأولى نقضاً لدعائم التجربة الصوفية: علام تستند؟ وهو سؤال وجيه، لكنه قاصر في نفس الوقت؛ إذْ الصوفي أولاً يعلم من الشرع أصوله، ومن العلم مبادئه ثم من بعدٌ لا يُشغل نفسه بكثرة الأقوال، ولكن يزج بها في بحار الأنوار؛ فالعلوم التي تعلمها والشرائع التي حصّلها تستدعي إعمال العقل وتتطلب جهد التفكير المُضنى الذي يصرف المرء عن غاياته ويشتت مقاصده ويقدح في خلوصه من جهة. ثم من جهة أخرى؛ فإنّ بعض قدماء الأولياء من المسلمين كانوا يعدّون الإغراق في العلم يبعث على الزهو والخيلاء. والعلماء ذوي الإيمان الضعيف يراكمون العلم ويأخذون بناصيته إلا أنهم لا يطبقونه في حياتهم العملية ثم يبيعون العلم لقاء المال. ومن صحة الرأي عندهم أن العالم يكون متكبراً، دنيوياً، مسيئاً، " إذا كثر بقباقبه وانتشرت كتبه وغضب أن يرد عليه شئ من قوله" كما يقول أبو نعيم في حلية الأولياء.

وهكذا لم تتغير على مدى السنين الطوال صفات المتكبرين من العلماء؛ لأنها صفات نفوس ملوثة، يأكل العجب فيها كما السوس إلى حيث يقضي عليها وعلى ما تعلمت في غير تعليم. إنما الصوفي الذي يخوض غمار التجربة في المقابل، ليس مطلوباً منه أن يستغرق عمره في شتى صنوف المجادلات النظرية بل يقتصر على الفروض والرواتب، ويأخذ في العلم ويشتغل بدوام الذكر.

وهنا نقطة تبدو لي في غاية الأهمية ينبغي التنبُّه إليها، وهى أن هذه المرحلة ليست دائمة؛ بل هي مرحلة موقوته بزمانها ومكانها: (خلوات) على فترات متباعدة للتصفية والتنقية، يعول عليها عمل الباطن؛ لأن الصوفي لا يمكث طوال حياته متبتلاً منقطعاً دون أن يمارس أعماله في حياته اليومية عبادة في مواعيدها المناسبة واستخلاصاً لما يمليه عليه واجبه تجاه نفسه ومجتمعه.

على أن هذه المرحلة الموقوتة، الفترة الزمنية التي يخوض فيها التجربة، تستغرقه بالكلية وتملك عليه أقطاره، وهى مع ذلك تجربة مُمَنهجة لا تقوم فيه جزافاً بلا هدف ولا غاية، يتغذى فيها الباطن بالأذكار لا بالأفكار، أو على حد قول ابن خلدون يتغذى فيها الروح العاقل بالذكر. وأكثر من تحدّث في فترة التجربة هم أقربهم إليها، هم من مارسوها. وكان الغزالي في ميزان العمل قد منهج خطواتها على مراحل، واستفاض ابن عربي من بعده في رسالة (الأنوار) شارحاً كيفية ممارستها على أصول منهجية وضعها. وإليك منهج خوض التجربة الصوفية كما وصفة الغزالي في خطوات:

(1) أن تقطع علائقك من الدنيا بالكلية بحيث لا يلتفت قلبك إلى أهل، وولد، ووطن، وعلم، وولاية، أو ما شابه ذلك من القواطع والأغيار؛ بل تصير إلى حالة يستوي عندك وجودها وعدمها (ولكن لا بأس من عناية القالب لا القلب بكل هذا).

(2) تخلو بنفسك في زاوية تقتصر من العبادة على الفرائض والرواتب.

(3) تجلس فارغ القلب، مجموع الهم، مقبلاً بذكرك على الله تعالى، وذلك في أول الأمر بأن تواظب باللسان على ذكر الله تعالى، فلا تزال تقول (الله .. الله .. الله) مع حضور القلب وإدراكه.

(4) لا تزال على هذا الحال إلى أن ننتهى إلى "حالة" لو تركت تحريك اللسان؛ لرأيت كأن الكلمة جارية على لسانك لكثرة اعتياده عليها.

(5) ثم تصير مواظباً على الذكر لا تنقطع إلى أن يمحي أثر اللسان؛ فتصادف نفسك وقلبك مواظبين على هذا الذكر من غير حركة اللسان.

(6) تواظب، ولا لاتزال تواظب، إلى أن لا يبقى في قلبك إلا معنى اللفظ، ولا يخطر ببالك حروف اللفظ وهيئة الكلمة؛ بل يبقى المعنى المجرد حاضراً في القلب على اللزوم والدوام. ولك اختيار إلى هذا الحد فقط، ولا اختيار بعده لك إلا في الاستدامة لدفع الوساوس الصارفة.

(7) ينقطع اختيارك فلا يبقى لك إلا الانتظار لما يظهر من فتوح ظهر مثله للأولياء، وهو بعض ما يظهر للأنبياء. 

هذه الخطوات بادئ الرأي فيما لو تمت بحرص وعناية أظهرت فيمن يطبقها منهج الكشف كما يصوّره الغزالي: منهج تجريبي عملي (ممارسة عملية) لا يتسنى تطبيقه إلا إذا وجدت دوافع توفيقية من الله تعالى سابقة، ووجد معها القصد بالاستعداد. وعين ما يذكره الغزالي في الميزان والإحياء، ذكره ابن عربي في "رسالة الأنوار" مع اختلاف اللفظ وبقاء المعنى: المواظبة والاشتغال بالذكر بلا توقف حتى ينمحي الاختيار، ولا يتم هذا وعلائق الإنسان بالدنيا موصولة، والتعلق بشواغلها ومنغصاتها مستقرة في الباطن، رابضة كامنة في العقل، موجّهة للفكر إلى المحظور وغير المحظور سواء.

هذا المنهج دالٌ من الوهلة الأولى على أسبقية التجربة الصوفية على الفكرة النظرية؛ فمجرد التفكير في شئ من أشياء الدنيا، قل أو كثر، عائق عملي أمام فاعلية التجربة داعياً إلى تعطيل مسارها، فضلاً عن انغماس الفكر في التفصيلات النظرية، فهو أيضاً عائق معرفي بكل تأكيد؛ لأن ما يتلقاه المرء بعد سقوط الاختيار علوم ليست من جنس علوم الأفكار النظرية، ولا هى من تصرفات العقل الفلسفي النظري فيها، ولكنها علوم تنقش نقشاً على رقائق القلب، ويعز التعبير عنها بالمباشرة بلغة العبارة العادية، لأنها صادرة عن وعي عالي، هو الوعي الصوفي (Mystical Consciousness)، والوعي العالي لا يُكيف مباشرة باللفظ المعتاد ولا بالعبارة العادية؛ لذلك كان الرمز هو المناسب للإشارة المُلغزة، وللومضة البارقة، وللذوق الفياض بثمار الأذكار.

غير أن هذا لا يحدث في حقل الفلسفة؛ لأن الفيلسوف إذا سلط عقله على شيء يستغرقه بالكلية، ناهيك عما يتضمّنه محض التفكير من جوانب ذاتية متصلة بكل ما للمرء من عبادة الأنا واستشعار الذات واستبقاء الآنيّة التي لا تتلاشى أبداً من باطن الفيلسوف في حين لا تقوم للعارف قائمة وهي فيه قائمة.

ما تعطيه التجربة ويُفاض عليه من علوم مُمدّة بفعل الهمة تكون عطايا الفهم الجديد لا الشّرع الجديد؛ لكنه يكون إذْ ذَاَكَ فهم على غير مثال مسبوق، فهم ممزوج بالمعاناة مخلوط بتعب الانتظار والترقب.

مثله، ينقطع الفيلسوف إلى شواغله النظرية ويخوض تجربته مع المقروء والمكتوب في إطار التأملات العقلية، ولا يخرج بالعقل ليُعَبِّر عن الحقيقة إلا كما يخرج غربال من بئر بتعبير الشاعر الفارسي فريد الدين العطار، طيّب الله ثراه،: ضع الغربال في بئر ماء فهل تخرج بشيء سوى قاذورات ونفايات تلقى بها بعيداً غير آسف؟ وكذلك العقل الذي يدعي كشف الحقائق الإلهية بلا وعى البصائر والأنوار والتجليات، يحكمها وعى محدود بحدود ما تفكر فيه على شرطها، وعلى شرط مقولاتها لا على شرط القصد المُوجّه من وعى الإلهام والاستبصار، وهو أعلى وعي يمكن تحصيله من ذوق مقامات الإحسان.

الفاعل الأكبر في (الحقيقة) التي هي باطن الشرع هو هذا الوعى، وليس من فاعل غيره على التحقيق بكل تأكيد. ولهذا؛ ومن أجل هذا؛ يكون للوليّ خاصية الفهم الجديد لأجل تجربته الفياضة بعلوم الأذكار؛ وهو ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب، وهى فيوضات التقريب (Emanation) أو تجليات (Manifestation) النور الإلهي في قلب الولي أو (Revelation) أو هي الحقيقة المطلقة التي تكشف عن نفسها فيما لا يتناهى من الصور والأشكال كما يسميها المرحوم الدكتور أبو العلا عفيفي في دراسته عن ابن عربي (The Mystical philosophy of Myhyid Din Ibn Arabi, Cambridge, 1939, p.62)).

ولأجل معيته الدائمة مع ألطاف الله، يتعلم الولي من فيوضات الحق وتجليات أنواره على قلبه ما لا يتعلمه الفيلسوف من معارفه التأملية العقلية وهو يعلم من شرع الله ما لا يعلمه الفقيه المحدود بحدود العلوم الظاهرة.

ومحالٌ مرة أخرى؛ على مستوى التجربة أن تكون عطايا الباطن كعطايا الظاهر سواء. ليس الوليّ يجاوز الشرع بتجليات علوم الحقائق على قلبه، لا ولكنه يتحقق من باطن الشرع، من النبع الصافي الذي يكرع منه شراب الأنس ووصلة الوصال.

الأولياء نجوم مضيئة في سماء الولاية يتجسد فيها قمر الحقيقة الساطع، وهو باطن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فكيف يخالفون شرعه وهم قطع من نوره المشرق على التحقيق، كل واحد منهم قبس من شمس الحقيقة؟

إنما الذي يقدح في الأولياء طمع الأغبياء ممّن غرقوا في وحل الوقائع الظاهرة والأحداث اليومية الجارية؛ فاستغرقتهم وطمعوا في إقبال الدنيا عليهم؛ فحجبتهم عن نور الحق وأضواء الحقيقة. 

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم     

 

حسن الياسريفي المحكمة الاتحادية العليا

الأدلة الدستورية الأخرى الداعمة للرأي الذي طرحناه

بعد أن أنهينا في القسمين السابقين الحديث عن المحور الأول من الدراسة المتعلق بمناقشة ورد حجج الفريق القائل بأنَّ الدستور قصر المحكمة الاتحادية العليا على القضاة فحسب وجعل فقهاء القانون وخبراء الفقه الاسلامي خبراء فنيِّين في المحكمة، سنتناول في البحث الآن المحور الثاني المتعلق بعرض الأدلة الأخرى الساندة للرأي الذي طرحناه، الداعم للدستور ،والذاهب إلى أنَّ المحكمة هي توليفةٌ ثلاثيةٌ من القضاة وفقهاء القانون وخبراء الفقه الإسلامي. وهي في معظمها أدلةٌ مستقاةٌ من الدستور ومن تجارب المحاكم الدستورية الدولية.

المحور الثاني: الأدلة الدستورية الأخرى الداعمة للرأي الذي طرحناه:

بادئ ذي بدء أجدُ من الضروري إعادة إيراد النص الدستوري مثار الاختلاف ؛ليتذكر القارئ الموضوع. وهذا النص هو المادة (92) من الدستور ،التي جاء فيها الآتي:

(2- تتكون المحكمة الاتحادية العليا من عددٍ من القضاة ،وخبراء الفقه الاسلامي ، وفقهاء القانون، يُحدد عددهم ،وتنظم طريقة اختيارهم ،وعمل المحكمة ،بقانونٍ يُسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب).

وعلى الرغم من وضوح هذا النص ودلالته على الدور الأصيل لخبراء الفقه الإسلامي وفقهاء القانون، فإننا سنشرع بعرض الأدلة المؤكدة -مع الأخذ بالاعتبار ما سلف طرحه من أدلةٍ -، وهي كما يأتي:

١- الدليل الأول: اتفاق السلطة التأسيسية للدستور على دورهم:

لقد حصل اتفاق بين الكتل المتفاوضة في لجنة كتابة الدستور ابان كتابة النصوص الدستورية المتعلقة بالمحكمة الاتحادية العليا على دور القضاة وفقهاء القانون وخبراء الفقه الأصيل في المحكمة، ولا سيما فيما حصل من حسمٍ نهائي للدستور بين زعماء الكتل فيما سُمّي في وقته بـ (المطبخ السياسي) بعد انتهاء عمل اللجان الفرعية في لجنة كتابة الدستور . إذْ تمَّ الاتفاق النهائي على أنَّ المحكمة تتألف من ثلاثة أقطابٍ:

أ‌- القضاة: ودورهم يتجلى في حسم الأمور التي تحتاج خلفيةً قضائيةً ، مثل تنازع الاختصاص بين القضاء الاتحادي وقضاء الأقاليم ، وتوجيه الاتهام إلى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، ونحو ذلك .

ب‌-  فقهاء القانون: ودورهم يبرزُ في تفسير الدستور، وفي البتِّ بمخالفة القانون لمبادئ الديمقراطية أو الحقوق والحريات الأساسية المنصوص عليها في الدستور .

ج- خبراء الفقه الإسلامي: ودورهم ينهضُ عند البتِّ في مخالفة القانون لثوابت أحكام الإسلام ، وفي كون الإسلام مصدراً رئيساً للتشريع .

وإذْ يضمُّ الدستور بين طياته هذه الأمور جميعها ؛ لذا كانت هذه التوليفة الثلاثية تُمثِّلُ أساس عمل المحكمة الاتحادية العليا ، وإنَّ بعضهم يُكملُ البعض الآخر ؛ لأنَّ دورهم تكامليٌّ.

٢- الدليل الثاني: صياغة النص الواضحة الدلالة:

لقد كُتب النصُّ بلسانٍ عربيٍ مبين، لا بلغةٍ أخرى حتى يحصل هذا اللبس. فالنص في المادة (92) ثانياً يقول:

(تتكون المحكمة الاتحادية العليا من عددٍ من القضاة وخبراء في الفقه الاسلامي وفقهاء القانون..).

إذاً فالمحكمة تتكون من هذه التوليفة الثلاثية، وكلهم أعضاء أصيلون على قدم المساواة. وإنَّ وسائل التفسير القانونية كلها تؤكدُ ذلك ، سواءٌ أكانت تلك الوسائل تتعلق بدلالة النصِّ أم بعبارتهِ أم بإشارتهِ ، ولا مجال للاجتهاد في مورد النص.

ثم إنَّ الدستور سار على هذا النهج في استعمال مفردة (تتكون) بمعنى (تتألف) في الكثير من نصوصه. وإليك أبرزها:

فها هي المادة (48) منه تنص على الآتي:

"تتكون السلطة التشريعية الاتحادية من مجلس النواب ومجلس الاتحاد".

والمادة (47) تنص على الآتي:

"تتكون السلطات الاتحادية من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية..". فهل ثمة شكٌ يمكن أن يُثار بصدد مفردة (تتكون) الواردة هنا ؟

والمادة (66) تنص على الآتي:

"تتكون السلطة التنفيذية الاتحادية من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء..".

والمادة (89) تنص على الآتي:

"تتكون السلطة القضائية الاتحادية من مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية العليا ومحكمة التمييز الاتحادية وجهاز الادعاء العام وهيئة الاشراف القضائي والمحاكم الاتحادية الأخرى".

ولم يكتفِ الدستور بهذه النصوص، بل استرسل في نصوصٍ أخرى لاحقةٍ للمادة (92)، مثل المادة (116) التي تنص على الآتي:

" يتكون النظام الاتحادي في جمهورية العراق من عاصمةٍ وأقاليم ومحافظاتٍ لا مركزية وإداراتٍ محلية ".

والمادة (122) أولاً، التي تنص على أنه:

" تتكون المحافظات من عددٍ من الأقضية والنواحي والقرى ".

فكل هذه المواد جاءت مسبوقةً بمفردة (تتكون)، وكلها مواد سابقةٌ على المادة (92) المتعلقة بالمحكمة الاتحادية العليا وبعضها لاحقةٌ لها ، وكلها فُهمت ولم تُثر أي لبسٍ، لكنها حينما وصلت إلى المادة (92) فُسرِّت بمعنىً آخر ، وهو أنها تعني أنَّ الفئات المذكورة في النص ثلاثٌ ،فالقضاة وهم أعضاء أصيلون ،وخبراء الفقه الإسلامي وفقهاء القانون وهم مجرد مستشارين وخبراء فنيِّين وليسوا أعضاء أصيلين..؟!! بلا أدنى دليلٍ علميٍّ يمكن الركون إليه بصدد هذه التفرقة، وكأنّ الدليل -بكل صراحةٍ- هو من كيس المتحدث لا أكثر !!

وليت شعري أمِثلُ هذا يمكن أن يعدَّ استدلالاً علمياً تكون له حجّيةٌ ولو واحد بالألف ، ويتفوّه به من مَنْ يعدُّ نفسه قانونياً ؟!!

3ـ لو كان المقصود بـ (خبراء الفقه الاسلامي وفقهاء القانون) مجرد مستشارين أو خبراء فنيِّين وليسوا أعضاء أصيلين، فثمة أسئلةٌ مهمةٌ تنفي هذا الإدعاء ، وهي:

أ ـ لو كان المراد منهم مجرد مستشارين وخبراء فنيِّين فعلامَ كل هذا العناء في النقاش والمفاوضات والخلافات الحادة والتنازلات أثناء كتابة الدستور، حتى انعكست تلك الخلافات على ضرورة أن يُسنَّ القانون المنظِّم لعمل المحكمة الاتحادية بأغلبية الثلثين ، خلافاً لكل النصوص الأخرى التي لم تتطلب مثل هذه الأغلبية المعقدة ؛ وهو الأمر الذي أفضى إلى وأد جهود البرلمان في دوراته الثلاث المتعاقبة، وفي هذه الدورة -الرابعة- أيضاً، في سنِّ هذا القانون، الذي بات عقدةً مستحكمةً بسبب هذه الأغلبية ؟!!

ب ـ لو كان المراد منهم مجرد مستشارين وخبراء فنيِّين -بحسب هذا الزعم- فلماذا أُقحموا في النص الذي يتحدث عن الأعضاء الأصلاء أساساً، دون أن يُذكر بأنهم مجرد مستشارين؟!!

ج- والآن أتوجه بالسؤال إلى كلِّ مَن له أدنى إلمامٍ قانونيٍّ:

هل المستشارون أو الخبراء الفنيون يحتاجون بالأساس إلى نصٍ صريحٍ في الدستور؟!!

مع أنَّ الاستعانة بهؤلاء، كما هو معروفٌ، أمرٌ يمكن لأية محكمةٍ أن تلجأ إليه بذاتها دون حاجةٍ إلى نصٍ يلزمها بذلك ؟!! مع أني أميلُ إلى أنَّ الخبراء ،من حيث المبدأ ،يُستعان بهم في القضاء العادي لا الدستوري !!

د ـ ثم لو كان المراد هذا الزعم، فما الذي منع كتبة النص، الذين كتبوه بلسانٍ عربيٍ وبحضور بعض المتخصِّصين في اللغة العربية، من أن يقولوا الآتي:

(1ـ تتكون المحكمة الاتحادية العليا من عددٍ من القضاة.

2ـ يمكن للمحكمة أن تستعين ببعض المستشارين والخبراء الفنيِّين في بعض المسائل المتعلقة بثوابت الإسلام ومبادئ الديمقراطية، وغيرها من المسائل ذات الطابع الفني التخصصي).

مع أنَّ هذا النص سيكون معيباً من الناحية الشكلية ؛لأنَّ الاستعانة بالخبراء، كما ذكرنا، لا تحتاج إلى نصٍ في القانون ، وفي الدستور من بابٍ أولى !!

٣- الدليل الثالث:

وفضلاً عن كل ما تقدَّم، فالقول بأنهم مجرد مستشارين وخبراء فنيِّين قولٌ ساقطٌ أيضاً، لسببٍ آخر، وهو أنَّ هذا القول يحرم المحكمة من الاستعانة بالخبراء الفنيِّين إلا في مجال الفقه الإسلامي، في حين إنَّ الاستعانة بهؤلاء الخبراء -بحسب معتقد القائلين وبحسب النظرة القانونية العامة- أمرٌ متاحٌ للمحاكم جميعها، وفي القضايا كلها التي تُقدِّرها المحكمة مهما كانت !!؟

٤- الدليل الرابع: التجارب الدولية:

تؤكد التجاربُ الدولية أنَّ المحاكم الدستورية تتألف من فئاتٍ متعددةٍ في الغالب ، وأنَّ عدد القضاة فيها عادةً ما يمثِّل الأقلية لا الأكثرية ، خلافاً لما يتمُّ تسويقه في العراق من قبل بعض الشخصيات والجهات غير المطلعة على المضامين الدستورية المحلية والدولية ،من الذين يتحدثون بلا هدىً ولا كتابٍ منير .إنَّ أصل النظرية الراجحة في هذا الصدد -بحسب تجارب المحاكم الدستورية الدولية التي سنعرضُ أهمها- هو ضمُّ فئاتٍ أخرى إلى المحكمة من غير القضاة، تكون لها الغلبة والأرجحية في كثيرٍ من التجارب.

وستلاحظون أنَّ الغلبة في هذه المحاكم عادةً ما تكون لرجال القانون لا للقضاة. بل ثمة محاكم دستوريةٌ دوليةٌ ليس فيها قاضٍ واحد -كما سيتضح -. إنَّ الفئات التي تتألف منها المحكمة قد تتمثَّل بأساتذة القانون في الجامعات أو المحامين أو رؤساء الجمهورية السابقين أو بعض المسؤولين الإداريين أو بعض الشخصيات العامة، ونحو ذلك. وهذا الدليلُ وحدهُ يكفي لإثبات عدم اطلاع وعدم دراية أصحاب الرأي المخالف، وعدم صحة دعواهم!!

وعموماً، سنقوم بإيراد أهم النماذج الدولية في هذا الصدد ؛كي نكشف للرأي العام الحقيقة المغيَّبة .وهذه النماذج تمثِّل (24) تجربةً لمحكمةٍ دستوريةٍ وثلاث (3) تجارب لمجالس دستوريةٍ في العالم ،من أوربا والأميركيتين وآسيا، التي تُعرض لأول مرةٍ .

وهو ما سيكون محلاً للبحث في القسم الرابع-المهم- إن شاء الله..

 

د. حسن الياسري - بغداد

١٦نيسان ٢٠٢١

 

 

مجدي ابراهيمنتابع تخريجات صاحب كتاب (الفكر الأخلاقي عند ابن خلدون)؛ الذي سبق أن وصف التصوف بوصف نابي لا يمت إلى المنهج العلمي بصلة. ومن الغريب العجيب أنه استدعى المنهج العلمي؛ ليكون حاضراً في هجومه ولا أقول مناقشته ثم ليكون حكماً بينه وبين هذا الإرث المسموم كما وصف. وقد أثبتنا في المقال السالف المنشور في صحيفة المثقف بالعدد 5279 ؛ المصادف2021-02-17 م، فشل هذا الاستدعاء، إذْ لم يكن في محله، فضلاً عن خلطه الشنيع بين المناهج والتوجهات، فلم يكن يدرى مجرد التفرقة بين مناهج التيارات الفلسفية في الإسلام ماذا عساها تكون؟ ولم يكتف بذلك؛ بل راح يصف التصوف لا الصوفية، بالإرث المسموم! ولو كان وصف الصوفية بهذا اللفظ النابي لهان الخطب وخف البلاء لكنه بهذا الوصف أثبت ما يستقر في أذهان كل من يقرأ له كلماته البعيدة عن المنهج العلمي جملة فضلاً عن التفصيل.

فالتصوف كعلم وتوجه كالإسلام كعقيدة ومنهج لا يكون العيب فيه بمقدار ما يكون العيب فيما يتنسب إليه، فإذا وجدنا المسلمين اليوم ليسوا على قيم ومبادئ الإسلام فهل يمكنني أن أكيل العيب على الإسلام نفسه أم على المسلمين؟ وكذلك التصوف لا يمكن أن أعيب عليه بقدر ما يكون الغيب حاضراً فيمن يتنسبون إليه ممّن لم يسلكوا سلوك الأقطاب الكبار.

وقد توقفنا في اللقاء السابق عند تخريج فاسد الدلالة يقول فيه :"أدبنا اليوم في المشرق والمغرب يحاول أن يعالج هذا الإرث المسموم في عقول الشعب فلا يشق طريقه إلا بصعوبة", وقلنا إنه لن يشق طريقه أبداً لغياب الصلة الوثقى في الأذهان القاحلة بين الأدب باعتباره فناً والتصوف بوصفه فناً كذلك، ناهيك عن سقوط القيم. ويعز علىَّ أن أرى غيبة القيم من ثقافتنا العربية، فشعوب بلا قيم كإنسان بلا معنى وكحياة بلا غاية ولا هدف .. وهل يُقَوِّم الفرد في مجتمعاتنا العربية إلا بمقدار ما لديه من دراهم؟!

أنا شخصياً لست أدري أي إرث مسموم ولا أي شعب من شعوب العالم قاطبة؟! هذا الذي يقضي على الموقف وعلى المنهج سواء؛ ليس في الإسلام فحسب؛ بل في سائر شعوب العالم المتحضر, أي يقضي على الديني والفني والذوقي معاً، ثم يجرّد الإنسانيّة من الفاعليّة الحيويّة، فلا يبقى من بعدٌ إلا القشور الخاويّة الخاملة القاحلة، وإلا الأفكار الرجعية الكاسدة التي أورثتنا ميراث التخلف والإرهاب والعنف والتطرف وشوّهت الصورة السمحة للإسلام.

فإذا كنا أدركنا فيما يتصل بالمنهج أن اختلاف الناس في التقويم يوضح لنا طبيعة الاختلاف الذي يقع بين الناس في حالات كثيرة جداً، ويظنونه اختلافاً بين ما هو صواب عند أحدهما وخطأ عند الآخر، مع أنه في حقيقته اختلاف وخطأ عند الآخر بين حالات شعورية لا شأن لها بخطأ وصواب، وليست هى دائماً من نوع المثل الذي ضربنا من أن هذا يحب صوتاً غنائياً لا يحبه الآخر، بل قد يصل الأمر ليصبح اختلافاً في "العقائد الدينية" أو "في المعتقدات السياسية" أو في الآراء حول أوضاع اجتماعية ممّا قد تدعو خطورته إلى تفجير القتال أحياناً مع أن الأساس الأول الذي بني عليه الاختلاف هو ممّا يندرج في مجال الشعور قبولاً أو رفضاً فهو إذن مجال "خاص" بالأفراد؛ وليس "عاماً" موضوعياً يلتزم به الجميع.

وعليه؛ فالحالة الشعورية - والصوفيّة أرباب أحوال لا أصحاب أقوال - هى التي تفسر لنا الموقف الديني الحركي يتخذه الصوفي لنفسه، والذي هو كما تبيّن أقرب للموقف الفني فلا يٌقال في حق تلك الحالات إنها من الخطأ أو من الصواب لأنها حالات فردية خاصّة تفسر في إطار تجارب أصحابها القادرين عليها فضلاً عما يُكال عليها من أباطيل وتُرَّهات ليست منها في شيء.

وبما أن التصوف بوصفه منهجاً ذوقياً يقوم على اتساع بؤرة الشعور فلا مناص آخر الأمر من أن يكون للصوفي موقفه الخاص كونه إنساناً دينياً. إنّ الإنسان الديني هو الذي يُضفي على مجموع الحياة ومجموع الفرد معنى ودلالة عميقة، وينظر إلى الحياة وإلى الفرد في ضوء قيمة عليا هى الله تعالى. ولئن كانت نظرة الإنسان الديني إلى الحياة من خلال الله فهو يعمل ويعيش في الله ومن أجل الله, فليست له غاية في هذا الوجود سوى معرفة الله. الله مركز حياته. ليست سائر القيم الحياتية في نظره إلا وسائل بالنسبة إلى القيمة العليا التي هى القيمة الدينية.

رأيه في العلم أنه ليس في وسعه أن ينظر إلى الحياة والعالم نظرة تعادل في عمقها وسعتها نظرة الدين؛ فكل ما يستطيعه العلم هو أن يوضح بعض التفاصيل، وأنْ يشتغل على المحسوس المرئي بما يوفر الغاية التي خُلق من أجلها لا يتعداها. والاقتصاد عنده يحتل منزلة دنيا : أليس التغلب على شهوات الخيرات الاقتصاديّة من أولى الواجبات التي يفرضها الدين؟

وللفن عنده حدود يجب أن يستمدها من الدين. والحياة الاجتماعية يجب أن تستلهم من الدين. يعمل الإنسان الديني وهو متجه ببصره إلى "خلاص الرُّوح" وهو في كل ما يعزم عليه من أمر ينظر إلى الحياة الكلية والغاية الأخيرة.

الموقف الصوفي إذن كالموقف الفني، وما يتعرّض له الصوفي، مع اختلاف الغاية وجلال المبتغى، هو تقريباً نفس ما يتعرض له الفنان في طريق كليهما من ركوب المتاعب، مقاساة ومعاناة. بؤرة الشعور لدى الصوفي متسعة، وليست هى كذلك لدى الفنان بالضيقة.

الموقف الفني حيوي كلي غير محدود، وكذلك موقف الصوفي لا يتجزأ ولا تستغرقه التفاصيل، ولكنه ينشد غاية غير محدودة ويستبقي المحدود لكل ذي نظر محدود وفكر محدود وخُلق محدود؛ فمن يريد أن يتخلص اليوم ثم يوطن الجهود المضنية على الخلاص من أضرار التصوف مع الغفلة الواصبة عن منهجه الذوقي وموقفه الفني لا مندوحة له من التخلص أولاً من القيم الكبرى الباقية العاملة، أن يتخلص من الفن والدين والحياة.

***

كانت هذه المناقشة هى النقطة الأولى في الآراء الهدامة. أما النقطة الثانية؛ فمحاولة الباحث أن يستعيض الإرهاب بدلاً من التسامح، والسطحية بدلاً من العمق، والافتراء والكذب والادعاء بدلاً من الإنصاف والصدق والاعتدال؛ فعوضاً عن التصوف والحياة الروحية في الإسلام تتلخص جهوده في التخلص منه بالنزعات الإرهابية المتشددة المنحرفة عن نهج الاعتدال وفهم الدين فهماً راقياً، ممثلة في ابن تيمية وأضرابه؛ أكثر الذين كفروا أهل الملة وأعطوا أسوأ صورة عرفها العالم عن الإسلام لا يزال يعاني منها حتى يوم الناس هذا، ثم إنه ليوالي الحركة الوهابية في الحجاز؛ ليكون مجتمعه المثالي الذي ينشده مستضاءً بنور الفكر العلمي الحديث؛ فكر الوهابية وابن تيمية؛ ويا للعجب!

وثالثها؛ ينعت الباحث التصوف تارة بالفكر الخرافي، وتارة بالفكر الغيبي، وتارة ثالثة بالفكر الرجعي المتخلف الذي لم يلامس الإسلام أرواح رجاله بأشعته التحريرية، ولسنا ندري على الحقيقة ماذا عَسَاهُ يكون فكر ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب؟ هل هو فكر متقدِّم مبشر بالبحث عن كل مشترك حضاري بين الأديان والثقافات المتصارعة أم هو السبب الكارثي في شيوع الاستبداد بالدين ونبذ روح التفاهم والتعاون والمحبة وكشف العلاقات الإنسانية بين الشعوب والحضارات انطلاقاً من عنصر المحبة الصافية كما هو الحال في التصوف؟!

هل هذا الفكر المسموم هو فكر مستنير غاية في التقدم والاستنارة وقبول الآخر إلى الدرجة التي لامس فيها الإسلام أرواحهما وأرواح أتباعهما في العالم الإسلامي شرقه وغربه بأشعته التحريرية؟!

من الممكن حقاً لو أن هناك عدالة أو أنصاف أن ينقض الكاتب الصوفية ما شاء له النقض، وأن يطعن في "الرجال" كيفما اتفق، هذا حقه الذي لا يعارضه فيه أحد، لكن الذي ليس من حقه هو ألا يختار للمجتمعات الإسلامية - شعوباً وحكومات - فكراً يليق بها وبتقدَّمها مادام لم يرتضْ التصوف أن يكون ممثلاً لهذا الفكر.

وهل في وسع فقهاء الهدم أن يقدموا لمجتمعاتهم أرثاً غير مسموماً؟ هل كان في وسعهم أن يستخرجوا المشترك الحضاري للأمة الإسلامية فضلاً عن الأمم الأخرى التي يتعاملوا معها فلا يثيروا الخلاف بين أبناء الأمة الواحدة؟ وأن ابن خلدون نفسه كما سبقت الإشارة لم يكن من فقهاء الهدم.

لم يكن في مقدور "فقهاء الهدم" التخلي عن الهتك والتشنيع ولم ينهجوا منهاج الرفق واللين؛ والتبْصِرة بالعيوب وإبراز المزايا - إنْ وجدت ولابد لها أن توجد - فالنصيحة يجب أن تكون برفق ولين وهوادة؛ مع الحرص على التستر والتكتم لا التعرية والفضيحة؛ وكأن الصوفية ارتكبوا جرائم خلقية شنيعة تسلطت عليهم بمقتضاها سهام التشنيع؛ وهم من سنوا قواعد الآداب الخُلقية لتقول إذا كان الإنكار قد تمَّ وفق ذلك أعتبر نصيحة؛ أما إذا كان مرفوقاً بالتشنيع وهتك الأستار أعتبر فضيحة. فمن عرَّفك بك من حيث لا يشعر الغير فهو الناصح، من أعلمك بعيبك مع شهود الغير فهو الفاضح. والأساس الشرعي واضح قد صحَّ عنه من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة؛ ومن أقال مسلماً عثرته أقال الله عثرته يوم القيامة .. وليس لمسلم أن يفضح مسلماً إلا في موجب حكم بقدره من غير تتبع لما لا تعلق له بالحكم، ولا ذكر عيب أجنبي عنه، وإلا أنقلب الحكمُ عليه بقهر القدرة الإلهية حسب الحكمة الربانية والوعد الصادق الذي جاء في قوله؛ صلى الله عليه وسلم :" لا تُظهر الشماتة بأخيك، فيعافيه الله ويبتليك".

وهل ذهب زعماء الإصلاح في عالمنا العربي منذ رفاعة رافع الطهطاوي (1801- 1873) إلى الجحيم، فلم يعد يبق لنا لتقدُّم الشعوب العربية والإسلامية غير هذه السموم القاتلة التي تنشر الضلالة في كل واد باسم الدين، والدين منها براء!

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

مجدي ابراهيمفي إطار فهم "الجنيد" لآية الميثاق، نلاحظ أن "القشيري" أحصى في تفسيره "اللطائف" عدّة معاني، يفهم منها الصوفية معنى آية الميثاق كلُّ بذوقه وفتوحه. ومن معاني التفسير لهذه الآية المباركة: أن الله خَاطب الناس قبل أن تكون الخلائق - وهم في عالم الذَّر -  فأجابهم بتحقيق العرفان. وأن الله تعالى لطف بعباده، فمنهم من أقرَّ التوحيد، ومنهم من أبعده عنه فأقر الجحود، وأن قلم القضاء جرى على طوائف البشر فخَصَّ بعضهم بمعرفته، وحجب عنها آخرين.

وأن الله أخصَّ المقربين منه فأطلعهم على حقيقة التوحيد، ومنهم من آتاه الحجة فعرف الوحدانية عن طريقها، ومنهم من صدق اليقين في قلبه فتحقق من الوحدانية، ومنهم من غابت عنه الوحدانية فأجاب بالظن والتخمين. وأن الله تعالى تجلى عليهم بالهيبة وتلطف بالقربة، وفي تجليه دُنو المعرفة وفي تلطفه خطابات التأنيس.

وأنه تعالى أطلع عباده على مكاشفة أسراره؛ فعرفوه بالتي كلفهم بها، عرفوه بأحكام التكليف؛ ولمَّا أنْ تجلى لهم الحق؛ وهم بعدُ في عالم الذَّر، كاشفهم بجماله فهاموا في حبه، فإذا المحبة غاية ما ينتهي إليه المقربون.

وأنه أسمعهم بشاهد الربوبية: فمنهم من آثر الصحو فتحقق؛ ومنهم من زَاَلَ عنه التحقيق بعد المحو والاستغراق. وأنه أختص قوماً بأنواره فوصلوا إليه، وَحَرَمَ آخرين من أسراره فلم يجعلهم أهلاً للوصول.

ذلك ما استطعنا استخراجه من نص القشيري بعد تأمل طويل؛ وفيه ما يفيد تركيز هذا الصوفي الأصيل البارع على أحكام التكليف، وعلى إيثاره الصحو (والصحو تنبيه ويقظة وحضور) سبيلاً إلى التحقيق. ولنقيد هنا بعض ما جاء في نص القشيري تأكيداً من جانبنا على ما كُنَّا أستخلصناه منه؛ إذْ يبدأ حديثه بإشارة رمزية مبطونة ببيتين من الشعر حول الإخبار بالعهد السابق والود اللاحق والوعد الصادق وفي معناه أنشدوا:

سُقْيَـــــاً لليلي وَاللَّيالي التي        كُنــَّــا بليْلي نلتقي فيها

أفْدِيـــكِ بل أيامُ دَهْري كلهـا        يَفْدِيـنَ أيَّامَاً عَرَفْتُك فيها

ثم يعطي القشيري إشارة لكل معنى يريده ويرى فيه وجهة إدراك ذوقي ويقدِّمه بكلمة "ويُقال ..!"؛ ولا تترك كلمة "يُقال" هذه، انطباعاً لدى القارئ بأن القشيري ينقل عن آخرين قولهم ممّا يجوز معه أن يُقال في قولهم كيت وكيت؛ لا ليس الأمر هنا حكاية عن أقوال آخرين، ولا هو بنقل لآراء يتجهل أصحابها، ولا هو بالافتراض الذي يفترضه؛ ليستنبط منه دلالة أو نتيجة، ولكنه وجوه باطنة تحتملها معطيات الإشارة، هى من تخريج القشيري نفسه؛ يُقدّم فيها معنى ليلحقه بآخر ويصوِّر دلالة ليصلها بدلالة أخرى مما ينتظم في وعيه مما تعطيه الإشارة. وهكذا ممّا تتلون به الإشارات وتتعدد في أنفاس العارفين؛ كأن يقول:" ويُقال: فأجابهم بتحقيق العرفان قبل أن يقع لمخلوق عليهم بصر أو ظهر في قلوبهم لمصنوع أثر، أو كان لهم من حميم أو قريب أو صديق أو شفيق خبر، وفي معناه أنشدوا:

أتاني هَوَاهَا قَبْلَ أنْ أعْرِفَ الهَوَى     فَصَادَفَ قَلْبَاً فَارِغَاً فَتَمَكَّنَا

ويُقال: وسم بالجهل قوماً فألزمهم بالأشهاد ببيان الحجة فأكرمهم بالتوحيد وآخرين أشهدهم واضح الحجة. ويُقال: تجلى لقوم فتولى تعريفهم فقالوا "بَلَى" عن حاصل يقين، وتفرَّد عن آخرين؛ فأثبتهم في أوطان الجَحْد فقالوا "بلى" عن ظن وتخمين. ويُقال: جمع المؤمنين في الأسماء، ولكن غاير بينهم في الرتب، فجذب قلوب قوم إلى الإقرار بما أطمَعَها فيه من المباد، وأنطق آخرين بصدق الإقرار بما أشهدهم من العيان وكاشفهم به من الأسرار. ويُقال: فرْقة ردَّهم إلى الهيبة فهاموا، وفرقة لاطفهم بالقربة فاستقاموا ..

ويُقال: عرَّف الأولياء أنه مَنْ هو فتحققوا بتحصيلهم، ولبَّس على الأعداء فتوقفوا لحيرة عقولهم .. ويُقال: أسمعهم؛ وفي نفس ما أسمعهم أحضرهم، ثم أخذهم عنهم فيما أحضرهم، وقام عنهم فأنطقهم بحكم التعريف، وحفظ عليهم - بحسن التولي - أحكام التكليف. وكان - سبحانه - لهم مكلفاً، وعلى ما أراده مصرِّفاً، وبما أستخلصهم له مُعَرِّفاً، وبما رَقّاهم إليه مشرفاً. ويُقال: كاشف قوماً في حال الخطاب بجماله, فطوَّحهم في هيجان حبه؛ فاستمكنت محابُّهم في كوامن أسرارهم، فإذا سمعوا اليوم سماعاً تجدَّدت تلك الأحوال؛ فالانزعاج الذي يظهر فيهم لتذكر ما سلف لهم من العهد المتقدّم. ويُقال: أظهر آثار العناية بدءاً حين أختص بالأنوار التي رَشَّت عليهم، قوماً. فمن حَرَمَهُ تلك الأنوار لم يجعله أهلاً للوصلة، ومن أصابته تلك الأنوار أفصح بما أختص به من غير مقاساة كُلفة ...".

هذه المعاني الواردة هى (أولاً) إشارةً في تفسير الآية القرآنية، تنفي اعتماد المتصوفة على أفلاطون أو على التراث اليوناني، وتصل الاعتماد مباشرة بفهم التحقيق في القرآن الكريم. وهذه المعاني الواردة في لطائف الإشارات هى (ثانياً) تثبت بما لا يدع محلاً للشك نظرتنا في "المضمون الديني" ينتسب إليه صوفية الإسلام في انطلاقاتهم الروحية حياةً وتجربةً وممارسةً.

***

عندي أن الذين فتح الله عليهم بمعرفة شيء من كتابه الكريم، كانوا في الأصل يحبُّونه ولا يرون فوقه ولا قبله ولا بعده كتاب. إنهم أحبوا الكلمة الخاصة المُخَلَّصة في كتاب الله وصدقوا في هذا الحب مقدار صدقهم في معاملة الله فأعطاهم من عنده نوراً يمشون به في الناس؛ وذلك لأنهم رأوا النور فأتبعوه؛ رأوه في جوف الكلمة الصادقة:"ومن أصدق من الله حديثاً"، ورأوه في بطن الفكرة الباقية:"ويجعلُ الرِّجس على الذين لا يعقلون"، ورأوه في غور المعنى الوفير:"واتقوا الله ويعلمكم الله"؛ فلَّما أن أحسوا بمثل هذا النور يملأ جوانحهم انجذبت قلوبهم إليه وتعلقت أرواحهم به وترقَّت مشاعرهم فيه فاقتبسوا منه قبساً كان سبب سعادتهم طيلة حياتهم في الدنيا، ثم في الآخرة سعادة الأبد؛ وزيادة. وربما كانت الشعلة المقتبسة من ذلك النور الشعشعانيِّ مجرد "لحظة خالصة"، لكنها خاطفة؛ أعني لحظة ذات معنى مُوغل في "الإخلاص" تنير السبيل فيما يُشْبهُ الخطفة السريعة، وليست هى بمجرد لحظة خاوية من امتلاء المعنى الضخم الكبير.

نعم ..! إنها مجرد لحظة، لكنها لحظة امتلاء لا لحظة فراغ، إنها ليست سوى لحظة ينفتح فيها عالم الملكوت، فكلُ ما يجيء بعدها إنْ هو إلا أثر باقي من آثارها، ومددٌ من جذوتها النورانية، تشتعل لتضيء حياة صاحبها في طولها وعرضها: صاحب تلك اللحظة السعيدة التامة الكاملة؛ تنالُ هبةً من عين التوفيق.

إنها للحظة صدق في مرائي الشهود، لا تتحقق بغير مكاشفة صريحة من "وعي الذات" بنفسها وبربها بداية .. هنالك يعمل "النور" عمله في الحالة التي يمتلئ بها الوعي بيقين الإيمان والتحقيق؛ فيكون النور في جميع الحالات محركاً للرؤية الكاشفة: رؤية البصر ورؤية البصيرة؛ لتتجاوز هذه "الرؤية" كل حجاب عارض لا يقبل الزوال؛ فينكشف لها ما من شأنه أن يكون ظلمة للمحجوبين؛ لكأنه لا شيء! وذلك لأنها (أي ظلمة المحجوبين هذه) رؤية الذين انطمست بصيرتهم وبصائرهم فلم يروا إلا ما هو تحت أقدامهم من بوادي المحسوس. أما رؤية الذين استظهروا النور في قلوبهم، فأشرقت به جوانحهم حتى لكأنهم "أنوراً ذاتية" تشع بذاتها فتجيء آثارها في أقوالهم وأفعالهم؛ فإذا بأقوالهم تجيء تعبيراً عن أحوالهم، وإذا بأحوالهم تعكس أقوالهم؛ لكأنما "الحال" هو الذي يتحدث وهو الذي يقول، فهم في الحقيقة التي يشهدون فيها الأثر مَجْلىَ من مجاليها أهلاً لتلقي النور في كل حال. وهنا تتجلى لنا خصائص التصوف وسماته المتفردة كونه نوراً فيما تظهره إشارات كبار الأولياء:

كان الشبلي يقول - فيما رواه عنه ابن عربي  إشارةً في محاضرة الأبرار - عندما سُئل عن التصوف .. ما هو ؟ فأجاب:" التصوف عندي ترويحُ القلوب بمراوح الصفاء، وتجليل الخواطر بأردية الوفاء، والتخلق بالسَّخاء، والبشر في اللقاء ".. وهى صفات في مجملها تصدر عن النور وترتد إليه، وتجعل من شخصية صاحبها شخصية نورانية بامتياز.

هذه خصائص أربع للتصوف كلها نور على نور؛ فالخاصية الأولى لا تتأتى بالمطلق بغير النور: الصفاء الذي تترَوْحَن فيه القلوب وتستروح؛ إذْ تجد الروح والراحة في صفائها. والتصوف بغير صفاء كدورة نفس وظلمة قلب وقسوة طباع، ليس يطلق عليه في الأساس - على الأقل في تقديرنا -  لفظة تصوف.

والخاصية الثانية: تجليلُ الخواطر بأردية الوفاء، هى التي تعطي النور حقه من التحقيق بعد التطبيق؛ فالوفاء لحقوق الله نورُ كله تظهر آثاره على الجوارح بعد ثبوتها في قلب الوافي؛ فلا يَزَالُ خاطره جليلاً إذا هو وفَّى بحق ربه عليه؛ لكن هذا الحق عسير جداً -  أو هكذا يبدو لمن ليس بوافي - فشعور العبد إزاءه بالتقصير يجعل من خواطره السانحة في ملكوت الرحمة تحلق في مقام الجلال على الدوام، ورداء الوفاء بهذا الحق نفسه خاطرُ جليل يُلزم الصوفي نوراً مُهَاباً: هو نور صدق الفكرة في معنى الجلال.

والخاصية الثالثة: التّخلُّق بالسخاء حين تشحُّ النفوس بما لديها وهو ليس لها ولا هو منها؛ فإذا لم يكن السخاء خُلقاً لها وطبعاً؛ فليكن تخلقاً تمضي في خلاله إلى النور تطبيقاً وتحقيقاً؛ فما من سخي هو سخي إذا عرف من السخاء شكله البَرَّانيِّ دون أن يَمَس شغاف قلبه تحقيقاً، وينفذ إلى صميم وجدانه ليتخلى عن كل حرص بما في يده غير جوَّاد؛ والصوفي سخي فرح على الدوام بفضل الله، والسخاء طبع الصوفي وعادته غير منازع؛ لأنه رمز التصوف بإطلاق؛ فهو من النور وإلى النور على التحقيق.

والخاصية الرابعة: البشرُ في اللقاء؛ صفة من صفات العارف غير منازع فيها، فهو الذي يبشر ولا ينفِّر؛ هو الودود الحَبُّوب الذي لا يعرف قط كراهية لخلق الله؛ لأنه يفهم عن الله حكمته في خلقه ويعرف علة الخير كما يدرك علة الشر؛ يبشِّر لأنه يرى النور في الباطن ويدركه ذوقاً من الأعماق.

مَنْ غير العارف من خلق الله يرى بنور الله؟! مَنْ غير العارف تتوافر فيه تلك الصفة؛ صفة البشر في اللقاء ..؟!, إذْ العارف - كما قال ابن سينا في الإشارات والتنبيهات:"هَشُّ بَشُّ بَسَّام..!" فتلك الهشاشة والبشاشة والتَّبَسُّم خَصَالُ العرفان التي لا يجمعها إلا أهل النور القلبي والبصر الذوقي، أهل الصفاء والنقاء والتصاقي والموالاة: صفوة أهل الله من العارفين .. وقليلُ مَا هُم.

تحقيق العارف على الدوام يكمن في شيء واحد لا شيء سواه: "التجربة": التجربة تقول لك ما لا يقوله الواقع المقرر ولا الخيال الجامح الطليق؛ فهذا الواقع المقرر ليس هو واقعك أنت؛ بل هو واقع آخرين عبروا عنه، وكما أن هذا الواقع هو واقعهم فكذلك الخيال الذي يصورون فيه ما يشاءون هو خيالهم هم لا خيالك أنت؛ لكن تجربتك أنت وحدك هى المُرادة هنا من فعل التجربة.

ويمكننا أن نقتبس من تحقيق العارف قبَسات في تجربته الشهودية فيما يمر به من إدراك لتلك اللحظات لعَلَّها تَقفنا على "اللحظة" التي نريدها خالصة لأنفسنا، ونتمناها كيما تجيء فتعْمُر العمر كله فتباركه وترفعه وتزكيه. هنالك في فعل التجربة؛ تقف وحدك حراً طليقاً على "اللحظة" الرابطة بينك وبين الوجود الحق الذي تمنيته وتمنيت أن تتصل به، وسترى أن هذه اللحظة هى أسعد ساعات السعادة عندك، وإنه لا يدانيها مطلقاً لحظات وجودك الماضية ولا الحاضرة، إنْ استطعت أن تُسَكِّنها فأفعل؛ لأنها اللحظة التي تستشعر فيها تجليات الدوام من الأزلية إلى الأبدية، لكأنك وقفت بمُفْرَدك على معاينة السرمدية التي لا أول لها ولا آخر؛ وأنت إذْ ذاك في سعادة غامرة واتصال روحي عجيب، تنفرد به وحدك ولا يشاركك فيه مخلوق كائناً مَنْ كَاَنَ !

وما من عجب ..! فإنها وقفة شبيهة "بوقفة" النِّفَّريّ، ومن جرى مجراه من الواقفين عليها من السعداء. هنالك تدرك بالذوق الروحي أن الوجود الواقعي أقل منك وأحقر؛ وأنه دونك، صغير، "كما الهباء في الهواء إنْ فتشته لم تجده شيئاً"؛ لأنك بلغت منزلة ما بلغها أحد من أولئك الذين يتنافسون فيها على كل رخيص، وإنك لأعرف العارفين من هاهنا بفقه اللحظة الحاضرة، تلك التي اتّسع لها صدرك فعرفت فيها الكثير من دلالات الوجود ومعانيه، لا .. بل من حقائقه وخوافيه. عندها ستعذر الحلاج، إذْ تَبَدَّت له شمس الحقيقة فجذبته فصرخ فقال فيها:"أنا الحق"؛ وعندها سيأخذك العطف على شيخنا أبي يزيد البسطامي لما قال:" سبحاني؛ سبحاني ..!!.. ما أعظم شأني ..".

كانوا مثلك أصحاب لحظات فارقة؛ كانوا أهل وقفات في لحظات؛ بيد أنها كاشفة. شطحوا بعيداً عن معقول الناس، وما هو معقول الناس في عرف الناس؟ الإفلاس ..! الإفلاس في القيم العلوية: قيم القرآن، وقيم الله في كلمات الله.

لا شك كانت تلك "اللحظة"؛ هى التي وَسَّعت صدرك وفتحت نوافذ قلبك وجمَّعت همتك كيما تدرك وتعلم من الله ما لا يعلمه أهل الغفلة والحجاب. هنالك فقط متَّسعُ لمزيد من المعارف ولعزيز من العلوم، تتلقاها من علو وارتقاء، وأنت من "الحضرة" قريب دان؛ يكفي أن تتوحد معها لتشعر فيها بالقربة والاتصال.

ويا للعجب من السعادة التي تغمر روحك في غيبة الكل عنك وغيبتك عن الكل، وتوحدك مع الكل وتوحد الكل معك؛ أعْرَفُ الناس مَنْ عَرَفَ نفسه فيها: اللحظة التي يغيب فيها الكل عنك، ويكون الكل معك. في غيبة الكل تخلى، وفي كون الكل معك تحلياً وتجلياً. إنّ الله ليتجلى على قلوب عباده في كلامه بخطابات التأنيس ليقتربوا منه، يدنيهم دنو معنى، ويرقيهم رقي معنى؛ ليفهموا عنه منه؛ وهو حين يدنيهم - يلحظوا مراقي أنفسهم أو لا يلحظوها يستشعروا قربها أو لا يستشعروها - لكن عُرُوجَهُم الوَاصب أبداً لهو لحظة تتفتح فيها نوافذ القلوب وتشرق لاستقبال الحقيقة من قريب؛ ليس الحقيقة كلها بل قبسُ منها، هو الشعاع المضيء لظلمة الغفلة والحجاب.

هنالك نورُ علوي ينبعث من "كلمات الله"؛ يدنو منك في لحظات الاتصال؛ يهيئوها لك فعل الترقي والتطهير، ويعز عليك استقباله بغير تطهُّر واستعداد: التّصافي شرطه، وأصله موالاة مصدره وخدمته؛ فلما أن سئل عنه قال:" نورُ أنَّى أراه ". الصفاء والاستعداد والتأهب للترقي، خَصَالُ من يريد أن يكون داخل المعيّة لا خارجها، واجتماع الخصال وسائل موصِّلة لكنها ليست الغاية؛ فالغاية هنالك بعيدة بعيدة، بيد أنها قريبة؛ بل أقرب ما تكون مع الإحسان. ودوام البقاء مع الوسائل ظلمة حاجبة، والفراغ منه مطلوب في ذاته؛ ليتفرّغ السرُّ لورود "اللحظة".

وإنها "اللحظة" النورانية الكاشفة تشع من باطن القلب، يَنْغَمرُ فيها النور؛ ليعطيك من فورك ما لا يخطر لك على بال: يعطيك السلامة في الحس وفي الذوق وفي الوعي وفي الإدراك. وإذا أدركت اللحظة النورانية العجيبة أدركت السعادة كلها طمأنينة قلبية لم تعد تزلزلك بعدها الزلازل من حولك ولا التهاويل؛ أدركت الدلالة وأدركت القيمة وأدركت من عالم القيم القرآنية مُوحياتها ممّا ليس يدركه الغُفْل الجهول.

ليس عبثاً ذلك الذي تحسَّه، وليس شعورك في هذه الحالة باللهو الذي ينقضي معه الزمن أو يقضي هو على الزمن؛ فلو أنه كان كذلك لكنت في غيبة وحجاب، أي كنت في غيبة عن اللحظة؛ لكنك في حيرة من أمرك: على أي وصف يمكن أن يكون حالك؟ لست تجد لورود اللحظات عليك تفسيراً ولا تعليلاً، أنت هاهنا خارج نطاق التفسير والتعليل؛ أنت معه بكليتك. ومعيّة الكلية لا تستلزم وصفاً ولا تقتضي شرحاً. الكلية بقاء تريدُ فيه من خالص قلبك أن تُسَكّن الزمن لحظتها؛ يدوم ولا ينقطع؛ ولكنه رغماً عنك ينقطع فلا يدوم، وانقطاعه حجاب، مع بقاء اللحظة حاضرة في "عين اليقين".

كثيرون من أهل الله تمنوا لو دامت لحظات وصالهم فما احتجبوا، لكن الحجاب لطيف معنى به تحيا قلوب العاشقين؛ إياك أن تظن أن الحجاب عن "اللحظة" نقيصة، وأن الغفلة في ذاتها هنا رذيلة؛ فهذا ظن الغافلين؛ بل حجبك ليكملك وليعطيك استعداداً أعلى من استعدادك الأوَّلَانيِّ وأفْضَل؛ لتكون بخصوصية اللحظة جديراً وبالحضور معه على غاية التأهب والاستعداد. وإذا كانت الاستعاذة من شر الغفلة واجبة شرعاً؛ فهى في رياض التحقيق جائزة على الذين لو اقتربوا لتَاهُوا فما عادوا؛ وأن الحجاب في مقام التحقيق ليس ألا معنى لطيف به تحيا قلوب العارفين. الاستعاذة من شر الغفلة واجبٌ للحفاظ على التكاليف الشرعية، ووجوب الغفلة في الدنو والقربة واجب كذلك يحفظ شرعية التكليف. فالغفلة هاهنا صحو للعقل وحضور للتمييز؛ بقاء بعد فناء؛ يقظة بعد غيبة؛ ولو أنها غارت واختفت لغار معها العقل وغاب التمييز؛ فما يبقى إلا التخليط. التخليط الذي يظنه العقلاء محض جنون وضرب هوس يقتضي القتل والتنكيل.

من أجل ذلك؛ صار "ذُلُّ الحجاب" أهون بكثير من العبث الذي يصفه العقلاء بالجنون ويقيمون عليه الحد؛ ليقتل من يقتل، وينكل به من ينكل،،هنالك تجد عاطفة الوجدان وحرارة العاطفة وحدها تعطي التصرف ولا تجد العقل ذا تصريف. إنّ أرقى مراقي السعي دوماً إلى الحقيقة شعورنا الدائم بالنقصان عن بلوغها، والعجز عن الاتصال بها، والإقرار بضعف القدرة عن إدراكها، لكنها لو شاءت لشئنا، وإذا شئنا ترقينا في أنفسنا لنحوز آيات القبول .. عجباً لإدراك الغافلين .. ما بالهم يحتجبون ..!!

(وللحديث بقيِّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

ميثم الجنابيالتقييم النقدي للفكرة القومية عند انطون سعادة

لقد توصلت في المقال السابق إلى أنَّ الرؤية المتضاربة عند انطون سعادة من حيث أسلوبها في تأسيس الفكرة، ومنهجها في التحليل والنقد والمواقف، وغايتها العملية الكبرى، قد أدت إلى تناقضات كبرى في فكرته عن القومية. والسبب هو نزوعها الأيديولوجي الصرف.

وفي هذا كانت تكمن حدود الاختلاف والتناقض "الديناميكي" بين المساعي الفلسفية في تأسيس الفكرة القومية "السورية" وتأسيسها الأيديولوجي الصرف. وبغضّ النظر عما يمكن قوله عنه وعنها بهذا الصدد، فإنَّ إبداعه النظري وسلوكه العملي كانا يتمثلان رحيق الصعود العقلاني والواقعي والمتجانس للفكرة القومية الحديثة. إذ نعثر عنده على صيغة واقعية ولحد ما عقلانية للحدس العميق بصدد القومية أو الأمة السورية بوصفها تركيبة أو تشكيلة ثقافية وليست عنصرية. ومن ثم العثور فيها على نمط أولي أو صيغة جزئية لحقيقة القومية العربية وفكرتها المحتملة. والمقصود بذلك الفكرة التي سوف ابسطها لاحقاً والقائلة، بأنَّ الصيرورة القومية العربية قد بلغت أوجها في كينونة ثقافية طبعت بطابعها "الأمة العربية" من حيث كونها واقعاً وإمكانية متجددة. وذلك لأنها تصيرّت بقدر واحد في منظومة مرجعيات ثقافية متسامية وتاريخ ثقافي قائم بذاته. الأمر الذي جعل من الممكن تنوع مظاهرها ولكن بوصفها أشكالاً متباينة ومتوحدة لتاريخه الذاتي. ومن بين اكبر وأوضح مظاهر هذا التباين الديناميكي هو ما يمكن أنْ نطلق عليه اسم مراكز وولايات الكينونة العربية الثقافية وهي: شبه الجزيرة العربية، والمشرق العربي، ومصر والسودان، والمغرب العربي (بما في ذلك تاريخه الأندلسي).

فقد كانت الفكرة القومية عند انطون سعادة تتسم بحوافز وبواعث ايجابية مستقلة من حيث مقدماتها وغاياتها. من هنا فكرته عن أنَّ "رسالة البعث القومي الاجتماعي إلى السوريين ليست متولدة من مجرد كره الأجنبي، بل من رغبة حقيقية في صهر نظرياتنا وعقائدنا المتنافرة وسبكها في وحدة روحية لا تعود تتمكن المطامع الأجنبية من تفسيخها وإضعافها". ولم يكن ذلك معزولاً عن إدراكه طبيعة وآثار الخلل القائمة في انتشار وهيمنة الفكرة التقليدية والطائفية الدينية والسياسية. إلا أنَّ هذه النظرة كانت تفتقد في الوقت نفسه لإدراك قيمة التراكم الطبيعي والتاريخي في مجرى تذليلها الإصلاحي. بمعنى أنها لم تدرك الحقيقة القائلة، بأنَّ القضاء على هذا الخلل يفترض المرور بإمراضه من اجل أنْ يكون العلاج طباً عقلياً أو حكمة عملية دقيقة وليس سحراً! غير أنَّ للهيمنة الأيديولوجية "منطقها" الخاص ومذاقها المرير في مواجهة الماضي والحاضر والمستقبل. وقد كانت هذه الثلاثية الأبدية للوجود ميدان الوجد القومي وأمجاده المفقودة بالنسبة لانطون سعادة. من هنا حماسته المفرطة في تأسيس الفكرة القومية السورية. وفي هذا الحماس جرى تهذيب وتشذيب الفكرة القومية السورية ونتوء ملامح الغلو الأيديولوجي فيها. بحيث جعلها تعاني من خلل فكري ومنهجي في التأسيس النظري. ولعل عبارة "القومية السورية" هي بداية هذا التشويش. فمن الناحية "الجغرافية" ليست "سورية" هنا سوى ما أطلق عيه العرب عبارة الهلال الخصيب. بل أنَّ انطون سعادة يضيف إليها شبه جزيرة سيناء وقبرص. وإذا كان لاحقا قد استعمل عبارة الهلال الخصيب بعد جعله سورياً، أي إطلاق عبارة "الهلال السوري الخصيب"، فإنَّ ذلك لم يحل إشكالية الاسم والمعنى والمضمون.

إنَّ سبب هذا الخلل المنهجي يقوم في تغليب الخاص على العام وكذلك في خطأ تحديد مقدمات ومرجعيات الفكرة القومية التي جعلت من عبارة "القومية السورية" لا تتسم بالدقة من حيث الأصل والجغرافيا والمعنى. مع ما يلابسها من إشكالية بالنسبة لفكرة القومية في هذه المنطقة بوصفها منطقة "المشرق العربي". فعبارة سورية من حيث الاسم والأصل خارجية وجزئية. فالاسم إغريقي والمكوّن آشوري. ولا يفي بالغرض اسم الهلال الخصيب السوري. لأنه لا يحل المشكلة بل يزيدها غموضاً. والأمر يختلف في ما لو أطلق عليه عبارة الهلال العربي الخصيب أو المشرق العربي. فكلاهما أدق وأعمق وأصدق من حيث المقدمات والغايات والشكل والمضمون.

أما المصدر العام لها الخلل المنهجي فيقوم في افتقاد الفكرة القومية السورية عند انطون سعادة إلى قاعدة فلسفية دقيقة في تأسيسها للأبعاد التاريخية للفكرة القوية السورية. الأمر الذي أدى إلى هيمنة مفارقة خاصة في فكره وفكرته تقوم في وجود فكرة فلسفية منغلقة وانفتاح أيديولوجي! وهي مفارقة يصعب حلها بمعايير المنطق! الأمر الذي حدد كمية ونوعية الخلط والتشويش الكبير في اغلب مفاصلها المتعلقة بوعي الذات القومي والتاريخي. لقد أراد أنْ يجعل تاريخ سورية ووعيها الذاتي معزولاً مفصولاً عن صيرورته التاريخية بوصفه كينونة ثقافية عربية إسلامية. ولعل موقفه من الدين واللغة الذي تخلل اغلب مفاصل موقفه النقدي من الفكرة القومية العربية ومحاولة الاستعاضة عنهما بعنصر البيئة أو الجغرافيا من بين أكثرها تعبيراً بهذا الصدد.

لقد انطلق انطون سعادة في فهمه لعناصر الدين واللغة تجاه قضية الفكرة القومية بمعزل عن الماضي والحاضر، أي عن الواقع والإمكانية. وهذا بدوره لم يكن معزولاً عن الفكرة "السورية" المستقلة عن تراثها العربي الإسلامي. كما إنَّ محاولاته إبراز خصوصيتها من خلال نقد التاريخ العربي الإسلامي أو الكشف عن"خصوصيته" بهذا الصدد، لم تكن أكثر من أحكام أيديولوجية صرف لا علاقة لها بالتاريخ الفعلي ومنطق التطور الثقافي. من هنا يمكن فهم ترديده لأحكام "أجنبية" عن "سورية" نفسها وتاريخها السياسي والثقافي وكينونتها الفعلية. إذ انه لم يجد في التاريخ السوري تاريخاً ذاتيا فعلياً إلا في المرحلة الأموية. ومع أنَّ الخلافة الأموية كانت جزء من صيرورة الدولة العربية "الإسلامية" إلا انه يفصلها عنها بوصفها نفياً لتقاليد "الدولة الدينية" التي وضع النبي محمد أسسها التاريخية والعقائدية الكبرى. بمعنى انه ينتزعها عن تاريخ العرب وتاريخ الإسلام لكي يجعلها جزءاً من "تاريخ سوري" قائم بذاته. وهذا حكم لا علاقة لها بتاريخ الصيرورة الذاتية للدولة العربية الإسلامية. أما أحكامه القائلة، بأنَّ النبي محمد استخدم "الدولة لإقامة الدين وجعل الدين أساسا لتنظيم شعب باق في حالة همجية"

 

[1]، فإنها مجرد ترديد باهت لبقايا الاتهامات الشعوبية وكذلك استعادتها الفجة في مرحلة الصعود الكولونيالي الأوربي. بينما سبق وإنْ جرى نقدها وتفنيدها منذ قرون عديدة بمعايير التجربة الكونية الفعلية للحضارة العربية الإسلامية. وينطبق هذا على حكمه القائل، بأنَّ الدولة التي أنشأها النبي محمد كان تخضع لغرض الدين وليس الدين هو الذي انشأ لغرض الدولة. وهو حكم مقلوب لأحكام التاريخ الفعلية. كل ذلك يشير إلى ما يمكن دعوته باختلاط الرؤية الأيديولوجية بالتاريخية والفلسفية والعلمية، التي أعاقت وشوشت إمكانية الرؤية السليمة لمسار التاريخ العربي في سوريا بوصفه تاريخاً ذاتياً وجوهرياً بالنسبة للفكرة القومية الحديثة. ومن خلاله فهم جوهرية اللغة والدين في الوعي الذاتي العربي، بوصفهما مكونين تاريخيين وثقافيين للفكرة العربية بوصفها فكرة ثقافية وليست عنصرية[2]. وذلك لأنَّ اللغة بالنسبة للذات العربية والتاريخ القومي ليست قضية منطقية أو شكلية مجردة، بل وليست حتى قضية ثقافية كبرى، بقدر ما هي مكون روحي وعقلي ومنطقي وثقافي يرتقي إلى مصاف المرجعية التأسيسية، أي المكوّن الجوهري في الصيرورة التاريخية والكينونة الثقافية العربية، التي جعلت من الأمة العربية أمة ثقافية. الأمر الذي ميزها عن سواها في تاريخ الأمم الكبرى، أي كل ما جعل ويجعل لحد الآن من الفكرة القومية إشكالية كبرى لم يجري حلها بسبب ضعف أو عدم رؤية هذه الحالة الخاصة[3].

وينطبق هذا على فكرة عزل الدين عن الدولة بوصفها مصدر التقدم الحديث. والقضية هنا ليست فقط في تاريخ وبنية الفروق الكبرى بين الإسلام والنصرانية بهذا الصدد، بل ولأنَّ الفكر الأوربي العقلاني نفسه، كما هو الحال في شخصية ماكس فيبر على سبيل المثال وكثير غيره من ممثلي العقلانية والحداثة الأوربية، اعتبر البروتستانتية مصدر التطور العقلاني والتكنولوجي والاقتصادي والأخلاقي للغرب الحديث! أما تطبيق بعض مرجعيات الفكر السياسي الأوربي بمعزل عن تاريخها الذاتي فإنه يؤدي إلى تصنيع "الأوهام العقلانية". وذلك لأنها تبقى من حيث الأصل والفعل "عقلانية" مغتربة. وفي الحالة المعنية تعني بأنَّ هذه الفكرة تبقى مغتربة عن حقيقة التاريخ العربي ومصادر وعيه الذاتي. فهي تجهل أهمية الدين وتراثه المتنوع والمتعدد بالنسبة لبناء الفكرة القومية نفسها على أسس ذاتية سليمة. فالقومية تفترض إعلاء شأن مؤسسات ومرجعيات جديدة تناسبها من خلال النفي التدريجي المتراكم بمعايير الوعي الذاتي وليس حسب مقتضيات الرؤية الأيديولوجية المبنية على أساس تأمل تجارب الآخرين أيا كانت حصيلتها. وينطبق هذا على تقديمه للنموذج التركي الحديث. والقضية هنا ليست فقط في انه لا علاقة للإسلام التركي بالعالم العربي، بل ولأنَّ نهوض تركيا الحديث كان له مقدماته الخاصة بسبب استمرار الدولة القومية، على عكس العالم العربي و"سورية" بشكل خاص. وبالتالي، فإنَّ إشكالية الدين والدولة بالنسبة للعالم العربي هي إشكالية مفتعلة، أي أيديولوجية خالصة وتقليدية فجة لتجارب أوربية مفصولة ومعزولة عن تاريخها الذاتي. بل إنَّ تأمل التجارب التاريخية الأوربية بهذا الصدد تكشف عن أنْ التغطية الدعائية والسياسية للتبشير وأفضلية النصرانية على غيرها و"مرجعية" همجية الأديان والثقافات الأخرى وما شابه ذلك كان على امتداد قرون، القاسم المشترك عند أكثر واكبر الشخصيات العقلانية الأوربية. وبعد نفاذ هذه المهمة جرى الانتقال التدريجي إلى مرجعيات أخرى لم تتحرر بصورة نهائية من ثقل هذا الإرث المريض. وبالتالي، فإنَّ محاولة الانتقال أو حرق المراحل، لا يؤدي إلا إلى تجارب باهتة وعديمة القدرة على النمو الطبيعي.

خلاصة القول، إنَّ موقف انطون سعادة من الدين واللغة يكشف عن ضعف إدراكه لطبيعة المكون الثقافي للحضاري في تاريخ الأمم. كما انه يمثل نمطاً من الخروج على فكرة تلقائية التاريخ الثقافي، ومن ثم دور وإمكانية المكونات التي لعبت فيه أدوارها الخاصة. فالأسطورة الإغريقية لها دورها الخاص في الفكر والثقافة، ومن ثم التاريخ الحضاري الإغريقي. بينما لا أثر لها في التاريخ العربي. وعلى العكس لعب الدين من حيث كونه منظومة، أثراً جوهرياً ومنِّظماً وفاعلاً في إرساء أسس الحضارة العربية وتأسيس مرجعياتها العقائدية الكبرى، التي أثرت بدورها على صنع منظومات مرجعية متنوعة ومتوحدة في الوقت نفسه في ميادين الفكر والروح والقيم وغيرها. إنَّ عدم إدراك حقيقة الإسلام كما هو، ودوره وأثره بالنسبة للفكرة العربية، بوصفهما توأمان لصيرورة تاريخية كبرى وكينونة ثقافية تلازمها سوف يؤدي بالضرورة إلى انتشار وهيمنة الخلل الفكري والسياسي تجاه إدراك القيمة التاريخية والتأسيسية للفكرة الإصلاحية بالنسبة للمستقبل. بعبارة أخرى، إنها تؤدي إلى الجهل بقيمة المرجعية الفكرية القائلة، بأنَّ الحقائق التاريخية الكبرى هي حقائق ثقافية ومن ثم منطقية.

إنَّ قضايا العرب والعروبة والإسلام واللغة العربية هي بديهيات تاريخية ثقافية ووجودية في الوعي والضمير الفرد والاجتماعي في الشام والعراق وفلسطين والأردن وليست إشكاليات فكرية أو روحية أو حتى سياسية. لكن الأمر مختلف نسبيا في لبنان النصراني وليس لبنان المسلم. ولهذه القضية تاريخها السياسي الخاص وخللها الاجتماعي وتشوهها الطائفي، أي حصيلة "منظومة" الخلل العميق في الوعي الاجتماعي اللبناني الذي لم يستطع التخلص منه إلا قلة قليلة جداً. أما بالنسبة لانطون سعادة فإنه أراد تذليل هذا التاريخ المزيف أو الزمن السيئ و"منظومة" الخلل، ولكن من خلال القفز على تاريخ المشكلة ومن ثم مستقبلها بوصفها تطوراً تلقائياً، وليس مشروعاً أيديولوجياً صرف. الأمر الذي جعل من اللغة العربية والدين الإسلامي والثقافة العربية وفكرة العروبة إشكاليات أيديولوجية وسياسية صغرى وليس مرجعيات ثقافية كبرى. وبالتالي الاستعاضة عن التاريخ الثقافي المتراكم في صيرورة العالم العربي وكينونة الثقافية بمصدر البيئة (الجغرافيا والأرض) بوصفها القوة الصانعة للروح القومي السوري. مما جعل من فكرته القومية صيغة نسبية وجزئية للفكرة القومية[4].

فقد كانت الاستعاضة عن التاريخ الثقافي المتراكم في صيرورة العالم العربي وكينونة الثقافية بفكرة الأرض والبيئة نكوصاً على مضمون الفكرة الاجتماعية نفسها بوصفها فكرة عقلانية وثقافية. والقضية هنا ليست فقط في أنَّ فكرة الأرض (التراب) هي فكرة غير عقلانية، ومن ثم لا يمكنها أنْ تكون أرضية عقلانية للفكرة القومية، بل وبسبب فقدانها للأرضية الواقعية نفسها. فالأرض "السورية" هي أرض عربية، أما تحويلها إلى مصدر الصيرورة التاريخية للروح القومي بالضد من "صحراء العرب" فإنه لا يعمل إلا على توسيع الهوة المفتعلة بين "القومية السورية" و"القومية العربية" مع ما يترتب عليه من إمكانية وضع أحدهما بالضد من الآخر. ولا يغير من ذلك وجود الفكرة الدقيقة والسليمة التي قال سعى إليها انطون سعادة من أنَّ "العوامل الجغرافية السلالية والتاريخية والسياسية والنفسية"، هي "عوامل تغلب على الدين"[5]. إنها فكرة سليمة من الناحية المجردة فقط. وتصبح مطابقة "للروح القومي" للأمة حالما يجري تذليل الدين و"المرحلة الدينية" في الوعي بوصفها مرحلة تاريخية طبيعية وثقافية خاصة، أي تذليل المكون الديني- اللاهوتي وتفعيل المكون الثقافي العقلاني. وبدون ذلك تصبح هذه المواقف والأفكار والأحكام النظرية مصدراً لتشويش الوعي النظري والعملي وتخريب تكامله التاريخي. وذلك لأنها تسير باتجاه مخالف بل ومضاد للرؤية النظرية العلمية الكامنة في إدراك قيمة التاريخ الثقافي الذاتي، وبالتالي عدم رؤية الحاضر بمعايير المستقبل. مع ما يترتب عليه من خلل في الرؤية المستقبلية للفكرة القومية "السورية" نفسها.

وقد يكون موقفه من "تجديد الروح القومي السوري" في مجال الأدب والإبداع نموذجاً لذلك. إذ أنَّ اغلب، إنْ لم يكن جميع استنتاجاته النظرية تصبّ بهذا الاتجاه، بحيث أدت إلى فكرة عامة تقول، بأنَّ الروح القومي السوري ينبغي له، من اجل تجديد ذاته في ميدان الأدب، الرجوع إلى الأصول التي دمرتها الثقافة العربية! فالسوريون لم يفلحوا بإكساب شخصيتهم على الثقافة العربية إلا في زمن الخلافة الأموية، ولما جاء العهد العباسي قلّ التأثير السوري وكثر التأثير الفارسي. وإنَّ ما أخذته الثقافة العربية من الثقافة السورية كان طفيفاً وجزئياً، وذلك بسبب مزاج العرب "الحار المكتسب من طبيعة بلادهم الحارة ذات الرمال المحرقة" التي لم تتفق مع "هدوء النفس السورية النامية في محيط معتدل لطيف تتغير فصوله تغيراً منتظماً فلا ينزعج الفكر في مجراه". وأنَّ "طبع العرب القديم مخالفاً للعمران والاطمئنان إلى راحة الضمير"، وأن "اللغة القومية الجديدة (العربية) قد طغت على اللغة القومية القديمة"، وأنَّ حصيلة "الأدب العربي" لا تتعدى كونها أبيات من الشعر تارة تمثل الشعور الجامح، ونماذج من الكرم البدوي والحكم السخيف، وبعض أخبار وقادة العرب وأمرائهم. وهو كل الثروة الروحية التي ورثها "السوريون" عن العرب[6]، وأنَّ "القول بوحدة الأدب العربي خطأ مشهوراً لا يفضل الصواب المهجور"[7]، وما الى ذك. لكن الأمر اختلف حالما جاء دور الاتصال بالغرب والآداب الغربية. حينذاك "لمس السوري في هذه الآداب آثاراً من أساطيرهم السابقة ومثلهم العليا وسرعان ما تحول الفكر السوري الجديد عن الانقياد إلى المثل العليا الضئيلة التي خلفها الأدب العربي إلى البحث عن المثل العليا المعبرة عن النفس السورية". بعبارة أخرى، إنَّ الغلّو في "السورية" قد أدى ليس إلى سلخها الفعلي عن مقوماتها الذاتية، بل وأدى إلى نوع من الاستلاب لا يقل عما كان انطون سعادة يدعو لمواجهته. وذلك لأنَّ الحصيلة الجلية لذلك تقوم في توصله إلى أنَّ التأثر بالغرب الحديث هو أسلوب أو طريق وعي الذات السوري القومي الأدبي والروحي!! أما اعتبار إدراك الذات السورية ووعيها الروحي من خلال الاحتكاك بالثقافة الغربية بسبب ما فيها من مثل عليا مميزة للثقافة والروح السورية فهو أما استلاب ثقافي أو ضغينة ضد العرب المسلمين أو لجهل بالتاريخ الثقافي والقومي العربي (السوري) أو جميعهم. أما النتيجة المترتبة على ذلك فهي تمهيد الطريق النفسي والفكري لسلخ "سورية" عن ذاتها العربية. ولا يغير من ذلك العبارات والكلمات والشعارات التي تعتبر الفكرة القومية السورية الاجتماعية الأشد دفاعاً وتمثلاً للعروبة الحقيقية وليس الوهمية كما دعاها انطون سعادة أحيانا. والسبب يكمن في أنَّ تغليب الخاص على العام في الرؤية النظرية للفكرة القومية السورية قد أدى من حيث الجوهر إلى تأسيس فكرة قومية في العالم العربي لا علاقة لها بالعروبة! ووجد ذلك انعكاسه في الاستنتاج النظري الفكري القائل بانعدام وجود أمة عربية واحدة. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه "لما لم يكن العالم العربي قطراً واحد وبيئة واحدة وسلالة واحدة ومجتمعا واحدا، فلا يمكن أنً تكون له شخصية فيزيائية ونفسية واحدة. وبالتالي لا يمكن أنْ تكون له قومية واحدة ومطالب واحدة ونظرة واحدة إلى الحياة والفن"[8]. وبالتالي، فإنَّ "تسمية شعوب العالم العربي أمة هي من باب إطلاق الأسماء على خلاف مدلولاتها ومعانيها"[9]. وهو حكم يستتبع عدم توصله إلى إدراك ماهية الأمة العربية بوصفها أمة ثقافية، أي كل ما توصل إليه بصدد "الأمة السورية".

إنَّ تأسيس الفكرة القومية السورية بالصيغة المذكورة أعلاه عند انطون سعادة كانت تحتوي على محاولة تأصيل الاستمرار الثقافي. غير أنَّ إشكالاتها تقوم في عدم إدراكها جوهرية التاريخ العربي الإسلامي بالنسبة للفكرة القومية السورية بوصفها فكرة عربية. ولم يكن هذا بدوره معزولاً عن الخلل المنهجي المتعلق بفهم حدّ وحقيقة ومسار التاريخ والمعلومات والآثار. وبغض النظر الأسباب الشخصية والمنهجية الكامنة وراء هذا الخلل، فإنَّ حصيلته تشير إلى جانب واحد محدد لا لبس فيه وهو التحزب الأيديولوجي الصرف المبني على ضرورة وأهمية "الدولة السورية" من اجل التمتع بتاريخ ذاتي خاص. لكن تفسيره وتأسيسه يتسم بخلل بنيوي هائل من الناحية التاريخية والثقافية والمنهجية. فهو تأويل لا يصنع غير نفسية وذهنية التحزب المفتعل. ليس ذلك فحسب، بل ويقف بالضد من منطق الفكرة القومية الحديثة في العالم العربي بوصفها فكرة عربية أولا وقبل كل شيء. بمعنى يمكنها أنْ تكون عربية سورية وليس سورية عربية. وذلك لأنَّ كل التاريخ العربي الثقافي جرى في "سورية"، أي في منطقة المشرق العربي (أو الهلال الخصيب). أما الرجوع إلى ما قبل ذلك فهو مجرد أساطير. وإذا كان ذلك لا ينفي أهمية هذا الرجوع بل وضرورته بالنسبة للوعي الثقافي العام، فإنه ليس بذي قيمة جوهرية بالنسبة لوعي الذات القومي "السوري" الحديث بوصفه وعياً قومياً عربياً. وبدون ذلك لا يؤدي هذا التنظير إلا إلى توسيع مدى الانفصام الثقافي والانغلاق القومي. وبالتالي إلى عدم إدراك العلاقة الضرورية بين الواقع الحالي والمستقبل، والإمكانية والواقع، والكمون والحقيقة، والجزئي والكلي في القضية القومية العربية.

إنَّ هذه الملاحظات النقدية تبقى جزءً من ضرورة تقييم التجربة النظرية للفكرة القومية العربية الحديثة. وهي لا تقلل من فكر انطون سعادة، على العكس. أنها تكشف عن قوتها وإشكالاتها في الوقت نفسه. وذلك لأنَّ انطون سعادة يبقى، بالنسبة لي، أحد أعظم مفكري ومنظري الفكرة القومية العربية الحديثة. وإنَّ فكرته عن القومية السورية تبقى ذات أهمية عملية في ظروف العالم العربي الحديث ولكن بعد إعادة تدقيقها في ظل مستجدات الصيرورة المتأخرة للفكرة القومية العربية وواقعها الفعلي.

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

[1] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص180.

[2] إن إشكالية الدين واللغة بالنسبة للفكرة القومية العربية هي إشكالية "لبنانية"، أي "سورية" ضيقة لازمت مرحلة صعودها وتنافر قواها الداخلية بأثر الاستعمار الفرنسي وبقايا الانحطاط الاجتماعي والثقافي والسياسي والدولتي التي لازمت السيطرة والهيمنة العثمانية. بل إنَّ كل من حارب أو عارض أو سعى لنقد أهمية وجوهرية اللغة (العربية) والدين (الإسلامي) بالنسبة للفكرة القومية كانوا من أقليات قومية أو دينية (مسيحية). والشخص الوحيد الذي تجاوزها من خلال الرجوع إليها بوصفها مرجعية بما في ذلك من خلال اعتناقها الشخصي هو ميشال عفلق. ويندرج ضمن هذا السياق أتباع الأيديولوجيات الغربية من ذوي الاستلاب الثقافي والجهل المعرفي وبالأخص "اليسار"، أي تيار التقليد السياسي والأيديولوجي والاستلاب الثقافي الذي عادة ما لازم محاولات "الأقليات" العرقية والدينية "الاندماج" المفتعل بقضايا وإشكاليات العالم العربي. ولا تخلو فكرة ومواقف انطون سعادة المتعلقة باللغة (العربية) والدين (الإسلامي) بالنسبة لتأسيس الفكرة القومية العربية من تأثير دفين وغير مباشر لنفسية وذهنية الأقلية الدينية (النصرانية). ولا يغير من هذه الحقيقة محاولاته الجادة والمتجانسة والمخلصة من اجل إرساء أسس الفكرة القومية على قواعد الدنيوية الخالصة. ومن ثم الإبقاء على الدين باعتباره قضية شخصية.

[3] الاستثناء الوحيد في تاريخ الفكر العربي الحديث هو ما توصل إليه عبد العزيز الدوري في كتابة (الجذور التاريخية للقومية العربية)

[4] بل يمكن القول، انها الوجه الاخر للفينيقية اللبنانية ولكن اكثر توسعا من الناحية الجغرافية – بالاسم فقط- وذلك لان كل ما يقدمه سعادة من ادلة لا تتعدى في الاغلب حدود لبنان الحديث والنصرانية اللبنانية.

[5] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص 236.

[6] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج3، ص141.

[7] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج11، ص123.

[8] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص245.

[9] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص245.

 

 

حسن الياسريكنَّا قد عرضنا في الجزء الأول من هذا القسم الحجَّة الأولى التي يستند إليها الفريق القائل بعدم جواز دخول فقهاء القانون وخبراء الفقه الاسلامي في المحكمة الاتحادية العليا، وهي قولهم إنَّ الدستور أطلق اسم (المحكمة) عليها. وفي معرض الرد على هذه الحجَّة قلنا إنها لا أساس لها من الدستور والقانون .وقد عرضنا الردَّ الأول ومفاده إنَّ للدستور الحاكمية، وهو الذي يُحدِّد المصطلح وأبعاده. وسنكملُ في هذا الجزء عرض الدليلين الثاني والثالث .

ثانياً: الدليل الثاني:

الحقُّ إنَّ إطلاق اسم (المحكمة) على هذه الهيئة لا يتعارض مع خصوصية تأليفها من الناحية الدستورية ؛ ذلك أنَّ الغاية من الإطلاق، بحسب الفقه الدستوري، أنها تمارس وظيفةً قضائيةً بالمحصِّلة ؛ لأنَّ لها الولاية العامة من جهةٍ، ولأنَّ قراراتها تحوز قوة الشيء المقضي فيه وتكون حجةً على الكافة من جهةٍ أخرى.

ولذلك تُطلق الدساتير الدولية اسم (المحكمة) على هذه الهيئة، وتصفها بالـ (الهيئة القضائية المستقلة) رغم أنها قد لا تضمُّ قاضياً واحداً في تجارب دستوريةٍ مرموقةٍ. بل إنَّ الدساتير، بحسب التجربة الدولية، تُطلق على أعضاء المحكمة الدستورية كافةً صفة (القاضي) رغم أنَّ أغلبيتهم ليسوا من القضاة، كما سيتبيَّن ذلك كله عند الحديث لاحقاً في القسم الرابع عن التجارب الدولية في إنشاء المحاكم الدستورية.

وأكثر من ذلك إنَّ تجربة المجلس الدستوري، وهو مجلسٌ تكون المسحة السياسية فيه أكثر بروزاً، هي أيضاً تُطلق اسم (المحكمة) أو (الهيئة القضائية) على عمل المجلس. ويكاد الفقه الدستوري في فرنسا وفي لبنان يُجمع على أنَّ المجلس الدستوري يمارس "وظيفةً قضائيةً".

فلا إشكال لديهم في ممارسة الوظيفة أوالعمل القضائي ـ من الناحية الدستورية ـ من أعضاءٍ ليسوا قضاةً ؛ ولذا سنجد أنَّ المحاكم الدستورية الدولية تُطلق على أعضاء المحكمة صفة (القاضي) حتى وإنْ كان أغلب أعضائها من غير القضاة ؛ لأنَّ المحكمة ذات طبيعةٍ دستوريةٍ خاصةٍ تمارس القضاء الدستوري، وليست محكمةً عاديةً تابعةً للقضاء العادي تمارس القضاء العادي، والفرق بين الاثنين واضحٌ لدى المتخصِّصين.وسنفصِّلُ القول في ذلك في الجزء الثالث من هذا القسم عند الحديث عن الفرق بين القضاء الدستوري والقضاء العادي .

ثالثاً: الدليل الثالث:

كما أنَّ الدستور لا يمانع من ممارسة الوظيفة أو العمل القضائي من أعضاء ليسوا بقضاةٍ، بل ويُطلق عليهم (قضاة) وعلى الهيئة (محكمة)، فكذا القانون لا يمانع من إطلاق اسم (المحكمة) على الهيئة، وممارسة الوظيفة القضائية من أعضاءٍ ليسوا قضاةً.

وفي الحقيقة ينتابني العجب من استغراقنا في سرد هذه الأمور التي ينبغي أن تكون بديهيةً لمن يملك أدنى مستوىً قانوني. وعموماً سأذكر لمحةً موجزةً عن بعض المحاكم التي تنعقد بحضور الأعضاء من غير القضاة ويمارسون الوظيفة القضائية رغم أنهم ليسوا بقضاةٍ، وهي: المحكمة الادارية العليا ومحكمة القضاء الاداري ومحكمة قضاء الموظفين ومحكمة الكمارك والهيئة التمييزية للكمارك ومحكمة الأحداث ومحكمة الاحداث المركزية والمحكمة الإدارية المختصة بالعقود الحكومية.

وسنتناول تأليف هذه المحاكم تباعاً إن شاء الله:

1- المحكمة الادارية العليا ومحكمة القضاء الاداري ومحكمة قضاء الموظفين:

إنَّ كلَّ هذه الهيئات يُطلق عليها اسم (المحكمة) مع أنها لا قاضي واحداً فيها، وإنَّ جلَّ مَن فيها هم من أساتذة الجامعة القانونيِّين أو بعض الموظفين القانونيِّين. فإطلاق اسم (المحكمة) وعلى العمل (الوظيفة القضائية) هو بحسب طبيعة العمل ؛ إذ إنها تُصدر قراراتٍ على وفق القانون كما يصدرها القضاء، وتقبل الطعن، ومن ثم تحوز حجيَّة الشيء المقضي فيه.

2 ـ محكمة الكمارك:

وتتألف من قاضيين وموظف من الكمارك حائز الشهادة الجامعية الأولية في القانون لا تقل درجته عن الثالثة يسميه وزير المالية (المادة 245 من قانون الكمارك لعام 1984 النافذ). وبحسب النص الأصلي قبل التعديل كانت المحكمة تتألف من قاضٍ واحدٍ وموظفين قانونيين اثنين من الكمارك.

فهي محكمةٌ رغم أنَّ أحد أعضائها الثلاثة موظفٌ من الكمارك.

3 ـ الهيئة التمييزية للكمارك:

وتتألف من قاضيين وأحد المديرين العامين في وزارة المالية.(المادة 250 من قانون الكمارك لعام 1984 النافذ).

4 ـ محكمة الأحداث:

وتتألف من ثلاثة أعضاء، أحدهم من القضاة والثاني من القانونيِّين والثالث من المختصين في العلوم ذات الصلة بشؤون الأحداث، كعلم النفس وعلم الاجتماع.(المادة 545 من قانون رعاية الأحداث رقم 76 لسنة 1983 النافذ).فهي محكمةٌ ثلاثيةٌ أحدهم قاضٍ والثاني قانونيٌ والثالث إما مختصٌ في علم النفس أو علم الاجتماع، ولا علاقة للثاني والثالث بالقضاء بحسب التخصُّص كما هو واضح.

5 ـ محكمة الاحداث المركزية:

وهي تتألف بالطريقة ذاتها التي يتم فيها تأليف محاكم الأحداث في مراكز المحافظات، أي من قاضٍ وقانونيٍ ومختصٍ في علمٍ النفس أو علم الاجتماع.

6- المحكمة الإدارية المختصة بالعقود الحكومية:

لقد كانت المادة (8) من تعليمات تنفيذ العقود الحكومية رقم (1) لسنة 2007 -الملغاة بالتعليمات رقم (1) لسنة 2008 - تنص على تأليف محكمةٍ إداريةٍ تختص بالعقود الحكومية، تكون برئاسة قاضٍ يُنسَّب من مجلس القضاء الأعلى وعضوية ممثلٍ عن وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي لا تقل درجته الوظيفية عن مديرٍ عامٍ وممثلٍ عن اتحاد المقاولين العراقيين.

7- منح سلطة قاضي جنح إلى ضابط المرور ومفوض المرور:

تمنح المادة (8) من قانون المرور رقم (8) لسنة 2019 النافذ ضابط المرور سلطة قاضي جنح في فرض الغرامات.بل أكثر من ذلك إنَّ الفقرة (ب) من هذه المادة تعطي هذه السلطة -قاضي جنح- لمفوض المرور.

فإذا كان مفوض المرور يُمنح سلطة قاضي جنح، وهي سلطةٌ أصيلةٌ لا يتمتع بها سوى القاضي، فما بالك بتفسير الدستور من قبل المتخصصين من فقهاء القانون أو من بعض الشخصيات العامة، وهم أقدرُ على هذه المهمة من القاضي، والتي يمنعها البعضُ متذرِّعين بأنَّ المحكمة الدستورية هي محكمةٌ ويجب أنْ لا يكون فيها إلا القضاة !!

إنَّ كل المحاكم المذكورة في أعلاه، وغيرها مما يشبهها، هي محاكمٌ بكل معنى الكلمة، وقد يُصدِر بعضها قراراتٍ سالبةً للحرية، توقع عقوباتٍ بالحبس أو السجن، ومع ذلك فبعض أعضائها ليسوا بقضاةٍ. كما أنَّ محكمة القضاء الإداري ومِن فوقها المحكمة الادارية العليا، هي في غاية الأهمية والاعتبار، ولعلها تأتي بعد المحكمة الاتحادية العليا - الدستورية- في الأهمية من هذه الناحية - لا نعني المقارنة مع عمل المحاكم العادية الخاضعة لإشراف مجلس القضاء الاعلى-.فلقد قضت مثلاً في بعض قرارتها ببطلان إقالة محافظٍ ما سبقَ أن أقالهُ مجلس المحافظة، وأَعادتهُ للمنصب. وقد قضت في قراراتٍ أخرى بصحة إقالتهِ من المجلس، ولم تسمح له بالعودة إلى منصبهِ. وهكذا أصدرت قراراتٍ في غاية الأهمية والخطورة مما يتعلق بتغيير المراكز القانونية لوزراء ووكلاء ومديرين عامين، وغيرهم، والتي بدورها أحدثت تأثيراً كبيراً في مسار الدولة -سلباً أو ايجاباً-، ومع ذلك فليس فيهم قاضٍ واحد.

فإذا كانت محاكمُ بهذه الخطورة، وإذا كان بعضها يصدرُ قراراتٍ سالبةً للحرية ينبغي أنْ لا تصدر إلا عن الجهاز القضائي، ومع ذلك أصدرها بعض الأفراد الذين لا علاقة لهم بالقضاء. فكيف تستكثرون أن يقوم فقيهُ القانون، ونحوه، بتفسير نصوص الدستور، مع أنَّ المنطق الدستوري في العالم يؤكد أنَّ هذا الفقيه هو الأقدرُ والأفضلُ في تفسير الدستور من القاضي ؛ لأنها صنعتهُ، وليست هي صنعة القاضي!!

ومع ذلك فالدستور العراقي لم يستبعد القضاة، لأن لهم دوراً تخصصياً أكثر من غيرهم ورد في بعض الاختصاصات في المادة (93) من الدستور، مثل الفصل في المنازعات التي تنشأ بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات، إذ القاضي يكون هنا أقدر من فقيه القانون، وكذا يكون الخبيرُ في الفقه الاسلامي أقدر من القاضي ومن فقيه القانون في تفسير ثوابت الاسلام، وهكذا.

وسنكملُ عرض الدليل الرابع في الجزء الثالث إن شاء الله، والمتعلق ببيان الفرق بين القضاء الدستوري والقضاء العادي ..

 

د. حسن الياسري - بغداد

 

مجدي ابراهيمقلنا في المقال السابق إنّ أحدهم لم يعتمد في رأيه أو رأي من نقل عنه التجربة الذوقية، فراح ينسب تصوف الجنيد إلى العقل النظري والتأمل الفلسفي الأمر الذي أثار فينا العجب والدهشة لا لشيء إلا لأنه رأي  يخالف نصوص الجنيد المقطوع بها صراحةً وضمناً، ويتقوّل عليه إذْ يحمل نصوصه فوق ما تحتمل؛ بل ليس ما تحتمل. 

وقلنا إن أمثال هؤلاء قد تناسوا أولاً: الطابع العام لمذهب أفلوطين وهو طابع حركي يؤكد الانتقال الدائم بين الحركتين الصاعدة والهابطة، ويفصِّل الكلام في هبوط النفس من مقرها الأعلى إلى عالم الأجسام، ثم عودتها بالتطهير من العالم المحسوس إلى العالم المعقول.

صحيح أن هذه الصفة الحركية نادراً ما تظهر في مذهب عقلي خالص؛ بل تهيب المذاهب العقلية في أغلب الأحيان بفكرة الثبات والسكون، ولكن مع ذلك فهذا الطابع العام لمذهب أفلوطين موصوف بالتصوف العقلي وليس هو بالتجربة الصوفية المعتمدة أساساً على القلق وحدَّةِ العاطفة ويقظة الشعور أو توتره، أو على الانفعال. هذا فضلاً عن أن أسلوبه دجماطيقي جازم حافل بالتأكيدات القاطعة والأسلوب التوكيدي الذي يبعد بصاحبه عن أن يكون من ذوي الخيال الجامح والرؤيا الصوفية.

وتناسى هؤلاء ثانياً: "المضمون الديني" الذي يشكل فهم التجربة الروحية (الصوفية الذوقية) للآيات القرآنية فَهْمَ تحقيق وتجريب ليس فيه من تقليد الفلسفات القديمة شيء إلا ما يكون منها تشابه في طلب الحقائق الباطنة، وهى مطالب إنسانية وعامة ومشتركة ينزع في طلبها الإنسان في كل زمان ومكان، وتتمثل في "وحدة الروح الإنساني".

عندي أن الجنيد قد أستقى الفكرة مباشرة من الآية الكريمة في سورة الأعراف:" وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَتهُم وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىَ أَنْفُسِهِم ألَسْتُ بِرْبِكمُ؟ قَالوا: بَلَى شَهِدْنَا؛ أنْ تَقُوُلوُا يَومَ القيامة إنَّا كُنَّا عَن هَذَا غَافِلِيِنَ" (سورة الأعراف: آية 172).

في هذه الآية تحديداً، آية الميثاق كما يُطلق عليها المتصوفة في كتاباتهم - الآية التي ذرَّ اللهُ فيها الخلائق - قال الجنيد:" فمن كان، وكيف كان، قبل أن يكون، وهل أجابت إلا الأرواح الطاهرة العذبة المقدسة، بإقامة القدرة النافذة والمشيئة التامة: الآن كان، إذْ كان، قبل أن يكون، وهذا غاية حقيقة الموحِّد للواحد يذهب هو؛ وهو أن يذهب كما لم يكن، ويتلاشى وتنمحي أوصافه، وتبقى أوصاف الحق كما لم يزل". هذا هو موطن الفناء في التوحيد، مأخوذ بالمباشرة من آية الميثاق؛ ولا زيادة عليه لمستزيد.

وددتُ لو أني أطلتُ الكلام عمداً في هذه الآية التي تكلم فيها متصوفة الإسلام كل بقدر ما يفتح الله به عليه، وكل بقدر أنفاسه الرَّحَمانيَّة وفتوحاته الإلهية: إنهم يسمونها "آية الميثاق"؛ ويطلقون الفهم فيها فهم تحقيق قائم على الذوق القلبي وبصيرة الشهود لا على النظر العقلي أو على التأمل الفلسفي كما هو الحال عند أفلاطون أو أفلوطين.

شَتَّان ما بين العقل والتجربة أو بين التأمل الفلسفي ووحي العقيدة. الأول يعتمد النظر الخالص، واعتماد الثاني على التجربة المباشرة. الأول أفلاطوني أو أفلوطيني والثاني جُنَيْدِيٌ مُستقى من العقيدة التي ينتسب لها ويدين بالولاء.

وللإمام الجنيد كتابٌ خاصٌ بهذه الآية الكريمة يُسَمْىَ بكتاب "الميثاق"؛ وكتاب الميثاق يشرح فيه الجنيد شرحاً صوفياً خالصاً آية الذر كما وردت في سورة الأعراف، ويلتقط منها المعاني القرآنية لا الفلسفية التقاطاً روحياً لا كما توهم أحدهم فحاول أن يشوه مثل هذا الأثر الخالد للجنيد؛ لأن العلاقة بين التصوف والفلسفة هاهنا لهى أبعد ما تكون.

 وفيه إشارات عالية عن حال الفناء تأخذ بلب القارئ، وله مخطوط "دواء الأرواح" يَتَحَدَّث فيه عن "آية العهد"؛ أو "آية الميثاق"؛ إذْ جاء في مطلع المخطوط المذكور قوله:" الحمدُ لله الذي أبَانَ بِوَاضِح البرهان لأهل المعرفة والبيان بما أخصَّهم به من قديم الزمان، وَقَبْل كَوْنِ القَبْلِ حِيِنَ لا حِيِنُ، وَلا حَيْثُ، ولا كيف، ولا أين؛ أنْ جعلهم أهلاً لتوحيده، وإفراد تجريده، والذَّابِّين عن إدراك تحديده؛ مصطنعين لنفسه والمصنوع على عينه .." ( يراجع: أبو القاسم الجنيد: دواء الأرواح؛ مخطوط 57 على ميكروفيلم رقم 4965، بالهيئة المصرية العامة للكتاب -3 ورقات- لوحة رقم (1)، وانظر دواء الأرواح: ضمن مخطوطة رسائل في التوحيد، (لوحة 53ي). وهذا المخطوط شأنه كشأن غيره من أكثر كتب الجنيد - ككتاب السر في أنفاس الصوفية، أو كأجزاء من كتاب "دواء التفريط"- غير مذكور ولا مُدْرج ضمن مؤلفات الجنيد؛ في "رسائل الجنيد" التي قام بتحقيقها على حسن عبد القادر، وقد أشرنا إلى ذلك كثيراً منذ فترة مبكرة في كتابنا " التصوف السني .. حال الفناء بين الجنيد والغزالي" (راجع من هذا الكتاب ص 295 و ص 409). 

فالأرواح السعيدة العارفة هى التي أجابت بنعم؛ أجابت بقدر استعدادها، فاختارت "نعم" فحقت عليها السعادة. أما الأرواح الشيقة التعسة؛ فإن استعدادها للضلالة شيء قد تقرَّر سلفاً، قدروه ونهجوه وسلكوا طريقه منذ أن كانوا خلائق روحية بين أرواح في عالم الذَّر، خاطبهم الله بهذا الخطاب:" أَلَسْتُ برَبّكُم"؟!، فمنهم من أختار الهداية، ومنهم من حقَّت عليه الضلالة، فكانوا هم أهل الضلالة لا محالة، تماماً كما أن السعداء كانوا هم أهل السعادة باختيارهم طريق الهداية.

ومن لطائف الإشارات في تفسير هذه الآية الكريمة أن القشيري قال فيها من بعض ما قاله: أخبر بهذه الآية عن سابق عهده وصادق وعده؛ فأجابهم بتحقيق العرفان قبل أن يقع لمخلوق عليهم بصر أو ظهر في قلوبهم لمصنوع أثر. جمعهم في الخطاب ولكنه فَرَّقَهُم في الحال: وطائفة خاطبهم بوصف القربة؛ فعرفهم في نفس ما خَاطَبَهُم، وفرقة أبقاهم في أوطان الغيبة فأقصاهم عن نعت العرفان وحجبهم. أقوامُ لاطفهم في عين ما كاشفهم؛ فأقروا بنعت التوحيد. وآخرون أبْعَدَهم في نفس ما أشهدهم فأقروا عن رأس الجحود. وأسمع أقواماً بشاهد الربوبية فأصْحَاهم عن عين الاستشهاد؛ فأجابوا عن عين التحقيق، وأسمع آخرين بشاهد الربوبية؛ فمحاهم عن التحصيل فأجابوا بوصف الجحود " (: لطائف الإشارات، م1، ص 585). 

على أن المقصود بالميثاق عند الجنيد - كما قلنا في كتابنا "التصوف السني ... "، هو السلب المطلق للشعور بالذوات في حال الفناء أو بالأحرى حال الدعوى أو حال العهد؛ فلما سألهم الحق مخاطباً إياهم:" أَلَسْتُ برَبّكُمْ ..؟"، أخبر تعالى أنه خاطبهم وهم غير موجودين إلا بوجوده لهم، إذْ كانوا واجدين للحق من غير وجودهم لأنفسهم. كان الحق بالحق في ذلك مَوْجُوُداً بالمعنى الذي لا يعلمه غيره ولا يجده سواه ".

فهذا المعنى من قبيل الجنيد لا يؤكد كمون التوحيد في الفطرة فقط. ولكنه يأخذ العبد أخذاً بما تجري فيه من تصاريف الحق عليه كيما يكتشف بتجربة الفناء حقيقته الأصلية؛ وهى التي أشار إليها برجوع آخر العبد إلى أوله فيكون كما كان إذْ كان قبل أن يكون؛ هنالك يتأكد المعنى الجديد للتوحيد، يتأكد بفعل التجربة؛ فتتأكد معه حقيقة الموحِّد: يَذْهَب هو ويبقى الباقي حقيقةً: يبقى الباقي كما كانَ ولا شيء معه، ويفنى الفاني كما لم يزل. فليس التوحيد قُصَارَاهُ أنه كامن في الفطرة وكفى؛ وليس قُصَارَاهُ أنه ساكن فيها أو مغروز في الحقيقة الآدمية فقط بمقدار ما هو شهود بالتجربة المباشرة لهذا التوحيد على الحقيقة؛ أي ليس فيه كمون - كما يذهب بعضهم (د. عبد القادر محمود: الفلسفة الصوفية في الإسلام؛ طبعة دار الفكر العربي، القاهرة سنة 1966م؛ ص 195- 196)؛ فيروح فيستخرج من هذا النص معنى الكمون فيقول:"إن الجنيد يؤكد كمون التوحيد في الفطرة"؛ لا، لأن كلمة الفطرة وحدها تحتوي ضمناً معنى التوحيد، فلا معنى للعبارة من أساسها؛ بل معناه أن هاهنا حركة باطنة - لا كامنة - في الوعي الصوفي، في حقيقته الآدمية، في ذات العبد الموحِّد، يدرك بها إدراكاً ذوقياً حقيقته الأصلية؛ أو قُل إنه يكتشفها من جديد؛ فيعرف على الحقيقة أن التوحيد شهادة أصلية يوم ذَرَّ الله أرواح الخلائق؛ فأجابت. 

ومما ذكره الجنيد في كتاب "الفناء" تدليلاً على آية العهد والميثاق هذه؛ قوله:" نَطَقْتٌ بغيبتي عن حالي، ثم أبدى عليَّ من شاهد قاهر وظاهر شاهر، أفناني بإنشائي كما أنشأني بدْياً في حال فنائي، فلم أوثر عليه لبراءته من الآثار، ولم أخبر عنه إذ كان متوالياً للأخبار، أليس قد محي رسمي بصفته، وبإمتحائي فات علمي في قربه؛ فهو المُبْدي كما هو المعيد".

هنالك في بطن التَّحَقُّق؛ في بطن التجربة؛ يكون السلب المطلق لشعور الذوات بأنفسها وانمحائها عن كل ما سوى الله تحقيقاً للوحدة التي يكون الحق تعالى فيها فَرْدَاً على الحقيقة، ويكون العبد عبداً على الحقيقة، وليس من وصف ولا رسم لغيره تعالى؛ بل المخلوقات ممحيَّة الصفات والرسوم ظاهرة بشاهد قاهر وظاهر شاهر، متحققة بصفة الإلوهية، موقوفة على سر معنى قوله هو المُبْدي لها وهو المعيد.

وحين يرجع العبد إلى هذه الصفات الأولى، يكون قد بلغ المرتقى من الفناء في التوحيد؛ يعرف حقيقته، ويدرك الوحدة إدراكاً من طريق الذوق والفتوح الروحي لا من طريق النظر الفكري أو التأمل العقلي. إنما الوحدة هنا "وحدة التوحيد والفضائل الإلهية"، هى وحدة شهود في حال الفناء، وليست بوحدة وجود كما هى حال الوحدة عند ابن عربي وتلاميذه من مدرسة الوحدة الوجودية. الوحدة التي يقول بها الجنيد هى وحدة لا تتم إلا بفضل من الله؛ لأن الله كان واجداً لما أن خَاطبَ الأرواح في عالم الذَّر ولم يكن لوجودها وجود مستقل؛ فأوجدها بمعنى لا يعلمه إلا هو ولا يجده سواه؛ فقد كان واجداً محيطاً شاهداً عليهم بَدْيَاً في حال فنائهم عن بقائهم الذين كانوا فيه في الأزل للأزل.

وقد أجمع الصوفية فيما بينهم على فهمٍ تحققوا منه خَاص بتلك الآية المباركة، فيما يسمى بـــ "الاستنطاق للذرية"؛ فكما كان للجنيد حديث عن الميثاق؛ كان كذلك للحكيم الترمذي حديث آخر عنه في كتابه "الرياضة وأدب النفس"؛ وهو أن الله تعالى حينما قسم الحظوظ يوم المقادير، أستخرج ذرية آدم من الأصلاب واستنطقهم كما في الآية الكريمة المشار إليها سلفاً من سورة الأعراف؛ ثم رَدَّهم إلى صلب آدم عليه السلام. غير أنه يخرجهم في أيام الدنيا للأعمال وإقامة الحجة؛ فكل من وقعت عليه جبايته واختياره، وصبغ قلبه - أي غمس قلبه - في ماء الرحمة حتى طَهَّره به؛ وهو قوله عز وجل:" صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَة" (سورة البقرة: آية 138)؛ ثم أحياه بنور الحياة، وقد كان قبل ذلك بضعة من لحم جوفاء فلمَّا أحياه بنور الحياة تحرك وفتح عينيه اللتين على الفؤاد، ثم هداه بنوره وهو نور التوحيد ونور العقل.

فلمّا أن أشرق في قلبه وأستقر الفؤاد، وهو القلب، إلى ذلك النور؛ عرف ربه عز وجل بهذا النور المبثوث بين طَوَايَا القلب وشغافه، ومنه يُفهم قوله تعالى:" أوَمَن كَانَ مَيْتاً فأحْيَينَاهُ وَجَعَلنَا لَهُ نُورَاً يَمْشِي به في النَّاس كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجِ منهَا؛ كذلك زُيِّن للكافرين ما كانُوا يَعْمَلونَ" (الأنعام: آية رقم 22).

فإنّ الذي يفهم من آيات القرآن الكريم هذا الفهم الذي يشكله المعتقد الديني ينتسب إليه؛ يفهمه بتحقيق الإيمان وتحقيق التوحيد، ولا يفهمه بالنظر إلى تراث اليونان وأمامه كتابه الكريم حتى ولو كان التشابه موجوداً شكلاً طفيفاً ينقصه المضمون. على أنه ليس تشابهاً في الجوهر ولا في المضمون ولا في الأسس التي قامت عليها أركان الحياة الباطنة كطريق يعرفه صوفية الإسلام، ولكنه تشابه في الوسائل التي لا تنفذ إلى الأغوار العميقة يستقي منها الصوفي ما من شأنه أن يكون مُعتمدَه في طريق الله.

(وللحديث بقية)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

ميثم الجنابيفلسفة الانبعاث القومي و"الحقيقة السورية"

إن مضمون البعث القومي بوصفه رسالة في فلسفة انطون سعادة القومية يتطابق مع مضمون "الرسالة" الشاملة للنفس. بمعنى أنها تضع أولوية وعي الذات القومي وإعادة بنائه على أسس جديدة لها تراثها الخاص. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنَّ "رسالة البعث القومي الاجتماعي إلى السوريين ليست متولدة من مجرد كره الأجنبي، بل من رغبة حقيقية في صهر نظرياتنا وعقائدنا المتنافرة وسبكها في وحدة روحية لا تعود تتمكن المطامع الأجنبية من تفسيخها وإضعافها". واستكمل هذا الموقف بفكرة تقول بضرورة أنْ يكون الأساس القومي الاجتماعي مبنياً على قاعدة "الوحدة الروحية الكلية في كل شيء". ووجوب أنْ تشكل هذه "الوحدة الروحية كل فكرة وكل نظرة في حياتنا"[i]. وبغضّ النظر عما في هذه الفكرة من نزوع كلياني إلا أنَّ مضمونها الفعلي يقوم في محاولتها بلورة رؤية عقلانية واقعية ومستقبلية تجاه الرسالة القومية الذاتية، التي وجدت تعبيرها النموذجي والتكامل في مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي الثمان. ولم تكن هذه المبادئ الثمانية الكبرى سوى الصيغة السياسية لما وضعه في كتابه (نشوء الأمم)، أي الصيغة السياسية للفكرة النظرية. وقد كان منطلقها العام يقوم في الإجابة على سؤال الهوية:"من نحن؟". ذلك يعني إنَّ هذه المبادئ الكبرى ليست إلا الصيغة النظرية والعملية الدقيقة لفكرة البعث والرسالة وحدودها الملموسة. وهي كالتالي:

- نحن سوريون ونحن أمة تامة.

- القضية السورية هي قضية قائمة بنفسها مستقلة كل الاستقلال عن أية قضية أخرى.

- القضية السورية هي قضية الأمة السورية والوطن السوري.

- الأمة السورية هي وحدة الشعب السوري المتوّلدة من تاريخ طويل يرجع إلى ما قبل الزمن التاريخي الجلي.

- الوطن السوري هو البيئة الطبيعية التي نشأت فيها الأمة السورية. وهي ذات حدود جغرافية تميزها عن سواها تمتد من جبال طوروس في الشمال الغربي وجبال البختياري في الشمال الشرقي إلى قناة السويس والبحر الأحمر في الجنوب شاملة شبه جزيرة سيناء وخليج العقبة، ومن البحر السوري في الغرب شاملة جزيرة قبرص إلى قوس الصحراء العربية والخليج العربي في الشرق. ويعبر عنه بلفظ الهلال السوري  الخصيب ونجمته جزيرة قبرص.

- الأمة السورية مجتمع واحد.

- تستمد النهضة السورية القومية الاجتماعية روحها من مواهب الأمة السورية وتاريخها الثقافي السياسي القومي.

- مصلحة سوريا فوق كل مصلحة"[ii].

لقد كثّفت هذه المبادئ مضمون الفكرة القومية الجديد وحدودها النظرية والعملية. من هنا انطلاقها للإجابة حول السؤل المتعلق بالماهية، من أنَّ التعريفات المنتشرة مثل اللبناني والفلسطيني والشامي والعراقي والعربي لا يمكنها أنْ تكون أساساً لوعي قومي صحيح. ومن ثم لنهضة "الأمة السورية" ووحدة حياتها ومصيرها[iii]. أما المقدمة الضرورية لتنفيذ ذلك فتقوم بالإقرار بفكرة "سورية للسوريين" وفكرة "السيادة القومية". بمنى ضرورة الإقرار بوجود "أمة سورية تامة" لها حق السيادة الذاتية والحديث باسمها بوصفها أمة مستقلة لها كيانها الخاص. مع ما يترتب عليه من إقرار بترابط ووحدة الأرض والجماعة بصورة لا تتجزأ. مما يحقّ بدوره للسوريين وحدتهم وحقوق تمثيلهم الذاتي. وهذا بدوره ليس إلا النتيجة الملازمة للإقرار بعدم الانفصال بين الأمة والوطن. وذلك لأنَّ "الأمة بدون وطن مُعَيَن لا معنى لها، ولا تقوم شخصيتها بدونه"، كما يقول انطون سعادة. إضافة لذلك إنَّ هذا الفهم والإقرار يؤدي بالضرورة إلى إدراك الحقيقة القائلة، بأنَّ وحدة الأمة والوطن تجعل الفرد والجماعة يتوجهان صوب فهم الأمة على حقيقتها، أي إدراك أنَّ "شخصية المتحد هي شخصية الأمة"[iv].

إنَّ هذا الفهم يجرّد الفكرة القومية من النزوع العرقي الضيق ويربطها بفكرة الأرض والتاريخ الثقافي الذاتي. من هنا قول انطون سعادة، بأنَّ مقصود القومية السورية الاجتماعية ليس رد الأمة إلى سلالة أو عرق معين، بل النظر إليها باعتبارها نتاج تاريخ طويل لتداخل مختلف الأقوام والشعوب. وبالتالي، فإنَّ "مبدأ القومية السورية ليس مؤسسا على مبدأ الوحدة الاجتماعية الطبيعية لمزج سلالي متجانس". على العكس، إنَّ مضمونها يقوم في إبراز الحقيقة القائلة، بأنَّ "مدلول الأمة السورية يشتمل على هذا المجتمع الموَّحد في الحياة، الذي امتزجت أصوله وصارت شيئاً واحداً. وهو المجتمع القائم في بيئة واحدة ممتازة عرفت تاريخياً باسم سورية وسماها العرب (الهلال الخصيب) لفظا جغرافياً طبيعياً محض لا علاقة له بالتاريخ ولا بالأمة وشخصيتها"[v]. وليس مصادفة أنْ يكون كل المؤرخين الذين حصروا سوريا بمكان جغرافي يخرج منه العراق وفلسطين وغيرها، هم أجانب. بينما يدل "تاريخ الدول السورية القديمة الأكادية والكلدانية والآشورية والحثية والكنعانية والآرامية والامورية على اتجاه واحد: الوحدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الهلال السوري الخصيب"[vi]. إنَّ هذا الفهم للحقيقة السورية بهذا الشكل يجعل فهم ما جرى فيها، بما في ذلك من حروب، مجرد أسلوب للسيطرة عليها كلها بوصفها كلاً واحداً. بمعنى أنَّ هذه الحروب لم تكن إلا نزاع على السلطة بين قبائل الأمة الآخذة في التكوّن، والتي استكملت بعد تكوّنها.

لقد أراد انطون سعادة بهذا الوصف إزالة البعد الجغرافي عن "سورية" وإحلال الفكرة القومية وإطلاق نسبها التاريخي الثقافي عليها. ووجد في ذلك إحدى المقدمات الفكرية الضرورية لتأسيس حدود ومعنى الفكرة القومية الاجتماعية. من هنا سعيه لإعلاء فكرة السوري والسورية عوضا عن مختلف التعابير الجزئية والأوصاف الجغرافية. وحتى حالما أقرّ بصورة جزئية بتوصيف"الهلال الخصيب" نراه يدرجه ضمن عبارة الهلال السوري الخصيب. بمعنى جوهرية الفكرة السورية. من هنا قوله بأنَّ الفكرة القومية التي يدعو إليها لا تتنافى مطلقا "أنْ تكون الأمة السورية إحدى أمم العالم العربي، أو إحدى الأمم العربية"، تماما كما أنْ "تكون الأمة السورية أمة عربية لا ينافي أنها أمة لها حق السيادة المطلقة على نفسها ووطنها". ووجد في "إغفال هذه الحقيقة" السبب القائم وراء إثارة مختلف الصراعات الجزئية والتقليدية بين "النزعة المحمدية العربية والنزعة المسيحية الفينيقية التي مزقت وحدة الأمة وشتت قواها"[vii]. لهذا نراه يشدد دوما على ضرورة فصل الدين عن الدولة وبالتالي إزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب، بوصفه المبدأ الأساسي للوحدة القومية الحقيقية، كم انه دليل الوجدان القومي[viii]. من هنا استنتاجه النظري والعملي القائل، بأنَّ الفكرة القومية الاجتماعية هي المخرج من هذا المأزق[ix]. فهي الفكرة القادرة على إرجاع "سوريا" إلى أصولها الذاتية.

إنَّ الخلل الشكلي والمعنوي الذي سحب وراءه خلل الرؤية السياسية تجاه إدراك "الحقيقة السورية" بمعناها التاريخي والثقافي والدولتي يقوم في ضعف أو انعدام الإدراك السليم لسورية بوصفها كلاً واحداً حتى في اشد حالات صراعها الداخلي وتقسيمها. فقد جرت من الناحية التاريخية محاولات عديدة لتجزئة العالم السوري. إذ أطلق بيزنطة الاسم على سورية الغربية، بينما أطلقه الفرس على سورية الشرقية (العراق). أما البريطانيون والفرنسيون فقد قسّموه حسب مصالحهم إلى فلسطين وشرق الأردن ولبنان وسوريا (الشام) والعراق. وجرى حصر سوريا بمنطقة الشام فقط. كما جرى إخراج قبرص منها مع أنها قطعة من أرضها في الماء[x].

إنَّ الرجوع إلى الحقيقة السورية يكمن بما فيها من أصول ذاتية تاريخية ثقافية جعلتها كلاً واحداً متميزاً وفاعلاً في الوعي القومي نفسه. إذ لسوريا مآثرها الثقافية التاريخية الكبرى. ففيها نشأت الحروف، بوبصفه أحد أعظم الانجازات الثقافية الكونية. وفيها نشأت الشرائع المدنية وعمران البحر المتوسط. ومنها ظهرت شخصيات كبرى مثل زينون وبار صليبي ويوحنا فم الذهب وافرام والمعري وديك الجن الحمصي والكواكبي وجبران وغيرهم. إضافة إلى قواد عسكريين عظام مثل سرجون الكبير واسرحدون وسنحاريب ونبوخذنصر وآشور باني بال وهاني بعل إلى يوسف العظمة[xi]. ومن هذه الحصيلة توصل إلى استنتاج عام يقول، بأنه "في النفس السورية كل علم وكل فلسفة وكل فن في العالم"[xii]. مما يعطي لها حق التعامل مع نفسها باعتبارها ذاتاً قومية واحدة، أي أمة لها استقلالها المادي والمعنوي المرتبط بماهيتها الخاصة. وقد تضمن هذا الاستنتاج بالضرورة على فكرة الدولة القومية باعتبارها أداة تجسيد الروح القومي وأسلوب تقويته وبعثه وترقيته الدائمة.

لقد وضع انطون سعادة علامة مساواة تامة بين القومية والدولة الحديثة. وانطلق بذلك من كون الدولة هي الصيغة المثلى والتامة تمثيل المصالح العامة. لهذا نراه ينظر إلى الدولة باعتبارها "أرقى مرتبة في المصالح". ووجد سبب ذلك في كونها المؤسسة التي تشتمل على "جميع مصالح المُتَحِّد" (الجماعة). وتمام هذه الجماعة الحديثة هي الأمة. فالأمة هي أهم مُتَحِّد[xiii]. وبالتالي "كلما ارتقى المُتَحِّد في ثقافته المادية كلما ازدادت المصالح المعنية التي من شأنها ترقية الحياة الجيدة وتجميلها"[xiv]. فالقطر الذي هو مُتَحِّد الأمة أو المُتَحِّد القومي هو أكمل وأرقى متحد. وذلك لأن المصالح تنشأ في المجتمع لا خارجه، كما يقول انطون سعادة. إضافة لذلك إنَّ المصالح هي الحياة. وبما أنَّ الإرادة على قدر المصلحة، من هنا، كلما كانت المصلحة أساسية دائمة كانت الإرادة كذلك[xv]. ولا يمكن تجسيد وبلوغ كل ذلك بدون الدولة.

انطلق انطون سعادة في فهمة لماهية وقيمة وغاية الدولة في كونها الأداة الكبرى التي تجّسد الروح القومي وتعمل على ترقيته. من هنا فكرته عن انه حالما ظهرت الدولة "أصبحت هي شخصية المجتمع وصورته، يَعْظَمُ بعظمتها ويصغر بصغرها". ذلك يعني إنَّ الدولة هي التي تكوّن المجتمع، وتعين مداه، وتكّيف شئون حياته، وتمّثل شخصيته. واعتقد بأنَّ وظيفة الدولة كانت على الدوام منذ أنْ انبثقت "مع فجر التاريخ"، تماما بالقدر الذي تعمل فيه على إنشاء التاريخ نفسه[xvi]. وإذا كان للدولة، حسب تصور انطون سعادة، ثلاثة أشكال رئيسية وهي الديمقراطية والاتوقراطية والارستقراطية، فإنَّ تاريخها الخاص في سورية حدد ويحدد قيمتها بوصفها أداة إعادة بناء "الأمة السورية" في العالم الحديث.

فقد شكل نشوء الدولة السورية الصورة الأولى والنموذجية للدولة في التاريخ العالمي. وانطلق في تحديد ماهيتها وخصوصيتها بوصفها دولة مدنية لا دينية، محكومة بالشرع وليس بالأعراف والتقاليد والعقائد. وأعطى لذلك اسم "الدولة التاريخية". وعندما اجرى مقارنته الأولية والسريعة بين الدولة السورية (دولة بابل وآشور) والدولة المصرية، نراه يشدد على ما اسماه بتمركز القوة في بابل وممفيس. إلا أنَّ الفرق بينهما في "تفرّد النظامين السوري (الشنعاري) والمصري. فمع أنَّ حمورابي لبى دعوة الآلهة ليقيم القسطاس في الناس، فإنَّ شريعته الشهيرة التي خلدت ذكره، كلها أحكام زمنية دنيوية، وليس في بابل سلك الكهنة"[xvii]. ذلك يعني إنَّ نموذجها هو دولة القانون الوضعي الدنيوي بلا سدنة ولا كهنة. مما طبع بدوره تاريخها اللاحق، أي أنَّ الدولة السورية لها خصوصيتها المترتبة على فعل مكوناتها الثقافية الخاصة. وكل خروج عليها يؤدي إلى هلاكها. مع ما يترتب عليه من إقرار ضمني بضرورة الرجوع إلى "الحقيقة السورية" من اجل إعادة بنائها الحديث.

واتخذ من تاريخ الدولة السورية والخلافة نموذجاً بهذا الصدد. فقد اعتقد بأنَّ الدولة الأموية (السورية النشأة) أنقذت الإمبراطورية الإسلامية من حالة الفوضى وتطاحن القوات[xviii]. الأمر الذي جعله يجد في الدولة الأموية تجسيداً للنزعة السورية في معارضتها لما اسماه بتقاليد الصحراء. بحيث نراه يشدد على انه إذا كانت هنالك أرض تحدد الحياة والثقافة الإنسانيتين تحديداً يكاد يكون حتمياً فهي بدون شك الصحراء[xix]. ووضع في هذه الحصيلة المجتزأة من أفكار ابن خلدون عبر تحويرها بعبارة تقول:"لما كانت الجماعات الفطرية عموما واقعة تحت تسلط التصورات الخارقة (الدينية) كان الدين العامل الوحيد الذي يمكنه أن يُوجِد مركزاً مشتركاً للقبائل". واستكمل ذلك باستنتاج يقول، بأنَّ "بيئة القبائل اللاعمرانية تقبل فقط بالشرع الإلهي القاطع. وتجربة محمد في مكة، وهي الدولة الوحيدة التي أمكنها أنْ تصير دولة عامة في بلاد العرب" دليل على ذلك[xx]. إذ نعثر فيها على ما اسماه باستحالة بلوغ من أطلق عليهم صفة "الشعوب الشقيقة للشعوب الثقافية" مرتبة "الدولة الثقافية التاريخية".[xxi]

وليس مصادفة أنْ يتوسع نسبياً في تأويل التاريخ السياسي العربي الإسلامي من خلال "سرينته" بوصفه تاريخاً مدنياً. ومن ثم تاريخاً سورياً مقبولاً ومعقولاً بما في ذلك بمعايير العالم الحديث. من هنا قوله، بأنَّ "الدولة الدينية" التي صنعها النبي محمد "ما لبثت إنْ انتقلت إلى خارج بلاد العرب حيث دخلت في حوزة الشعوب الثقافية"[xxii]. وقبل ذلك كان الصراع فيها يجري بين مبدأ الانتخاب والنسب. وإذا كان الانتصار في البداية للاتجاه الداعي للانتخاب، فإنها سارت زمن خلافة عثمان في طريق وسط بين الانتخاب وشرعية الخلافة، أي أنها جعلت الانتخاب "لمرشحي العائلة"[xxiii]! استمر هذا الصراع بعد موت عثمان، حيث انتهى بفوز معاوية، بوصفه ممثل النزعة الدنيوية، على عكس الإمام علي ممثل النزعة الدينية. وسبب ذلك يقوم، من وجهة نظر انطون سعادة، في أنَّ "معاوية كان قد أصبح بين محيط غير المحيط العربي. فإنَّ العشرين سنة التي قضاها في سورية "سرينته" وأعطته اتجاهاً جديداً في الحياة الاجتماعية والسياسية". والمقدمة التاريخية الثقافية العميقة الكامنة في هذا التحول تقوم في أنَّ علم الدولة والسياسة وعلم الحقوق الدستورية والمدنية والشخصية كانت قد بلغت في سورية أرقى مرتبة عرفها العالم، فأثرت البيئة الجديدة تأثيراً كثيراً على معاوية وجهزّته ببعد نظر سياسي رجّحه على منازعه. ومن هذه الحقيقة ندرك السر في أنَّ معاوية لا عثمان أسس الدولة الأموية التي طورت الدولة في الإسلام تطويرا خطيرا"[xxiv]. وبالتالي، فإنَّ الفضل في إيجاد الاتجاه السياسي الدنيوي في الدولة الإسلامية يعود إلى الدولة الإسلامية السورية الأموية[xxv]. وعلى العكس من ذلك، حالما انتقل الأمر إلى العباسيين عادت الوجهة الدينية والعوامل الفقهية إلى السيطرة. فقد لبس الخلفاء العباسيون عباءة النبي وأولوا الوجهة الدينية معظم اهتمامهم. وذلك لبعد نشأتهم عن بيئة سياسية حقوقية مرتقية كالبيئة السورية. فقد خرج العباسيون من الجزيرة العربية إلى الملك رأسا واتخذوا شرق سوريا قاعدة لملكهم من غير أنْ يمروا بحقبة تمدن سوري[xxvi]. من هنا كانوا ضعفاء في سياسة الدولة. وهذا هو السبب في استفحال أمر البرامكة وغيرهم من العناصر الفارسية والتركية وعظم شأنهم في تسيير شئون الدولة[xxvii].

إن ما يقدمه سعادة من تفسير لتاريخ الخلافة ونوعية الدولة ومقدماتها وتحولها النوعي في سورية هو مجرد تأويل متحزب للفكرة السورية وليس تفسيراً علمياً للتاريخ الواقعي ونتائجه الفعلية. فكل ما يقدمه بهذا الصدد من تفسير وتصورات وأحكام لا علاقة لها بالبحث التاريخي والفلسفي الدقيق، وذلك لخضوعها شبه التام لمنطلقات وغايات أيديولوجية صرف. إذ ليس للدولة الأموية علاقة بالفكرة الدنيوية ونظامها السياسي. بل على العكس تماماً. فقد طوعت الأموية الدين بصورة "نموذجية" لخدمة مآربها السياسية. ومن ثم وضعت آلية وتقاليد المكر السياسي الصرف والابتعاد عن القيم الاجتماعية في فكرة الدولة. أما بالنسبة لمعاوية فقد كان ممثل الدجل الديني السياسي، بمعنى توظيف وتطويع الدين لمآرب شخصية خالصة، على عكس الإمام علي فقد كان الأخير ممثلا للتيار الاجتماعي والأخلاقي وليس الديني. وبالتالي يمكن اعتباره ممثل الفكرة الدنيوية النموذجية آنذاك. وينطبق هذا على كيفية تمّثل الفكرة القومية. فقد عمقت الأموية تقاليد الجاهلية والقبلية (الأموية والسفيانية)، على عكس العباسية.

لقد تركت الأموية بعد انهيارها المريع وزوالها السريع بقاياها الخربة في نمط التوريث والاستبداد واحتقار القانون وما شابه ذلك. وفي هذا يكمن سر زوال زمنها السياسي وبقاء تاريخ الدولة العباسية في تاريخ الوعي الذاتي العربي والإسلامي ككل. إنَّ حقيقة الدولة العباسية أكثر مدنية ودنيوية وثقافية وعربية من الأموية. فقد كانت الأموية عربية ولكن بمعايير القبلية الضيقة، بينما العباسية كانت عربية ولكن بمعايير الثقافة الكونية. الأولى صنعت ثقافة الإمبراطورية والثانية صنعت إمبراطورية الثقافة. والثانية نفي للأولى واستكمال لها.

وفيما لو أزلنا المغالطات التاريخية والفكرية والثقافية الكثيرة في آراء انظن سعادة بهذا الصدد، فإنَّ مضمونها كان يرمي إلى إحلال الرؤية الأيديولوجية المميزة للفكرة القومية السورية. بمعنى البرهنة على أنَّ التاريخ السوري وتقاليد الدولة فيه هي الوحيدة القادرة على إبداع نظام مدني حديث. وكما فعلت ذلك في الماضي فإنها الوحيدة القادرة على فعله الآن من بين "أمم العالم العربي". (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

..........................

[i] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص57.

[ii] انطون سعادة:الآثار الكاملة، ج 2، ص83- 94.

[iii] انطون سعادة:الآثار الكاملة، ج 2، ص83.

[iv] انطون سعادة:الآثار الكاملة، ج 2، ص85.

[v] انطون سعادة:الآثار الكاملة، ج 2، ص87.

[vi] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج 2، ص87. وهنا يجدر القول الى أن العرب أول من تنبه الى ملاحظة وحدتها الجغرافية الطبيعية فسموها "الهلال الخصيب".

[vii] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج 2، ص88.

[viii] انطون سعادة:الآثار الكاملة، ج 2، ص92.

[ix] انطون سعادة:الآثار الكاملة، ج 2، ص89. لكنه استثنى إمكانية إدخال اليهود فيها. وذلك لأنهم عنصر محافظ مغلق. وفكرة الأمة السورية تقف بالضد من النعرات والعصبيات القومية الخاصة والغريبة، كما يقول انطون سعادة.

[x] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج 2، ص90.

[xi] إننا نثر هنا، كما في حالا عديدة الى جهل أو تجاهل للمرحلة العربية الإسلامية في "الفكرة السورية". بينما لا تعقل الأخيرة على حقيقتها وقيمتها وأهميتها بدون ذلك بوصفها الحلقة الجوهرية والرابطة والعضوي للكل السور (الهلال الخصيب العربي). فالأسماء التي يوردها هنا هي "شامية" وليست سورية، على الأقل ما يتعلق منها بمن بلور ويبلور الذهنية القومية الحقيقية لنزعة السورية بوصفها نزعة عربية، أو النزعة العربية بوصفها "سورية".

[xii] انطون سعادة:الآثار الكاملة، ج 2، ص93.

[xiii] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص147.

[xiv] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص145.

[xv] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص146.

[xvi] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص104.

[xvii] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص107.

[xviii] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص127.

[xix] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص124.

[xx] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص125. بل نراه يضع مقارنة بين الدولة التي أنشأها النبي محمد وبين الدولة التي أنشأتها الحركة الوهابية. وكتب بهذا الصدد يقول، بان "نشوء الدولة الوهابية العامة في القرن الماضي وعودتها الى الوجود بعد أن كانت قد قضت عليها الدولة العثمانية، مصداقا لقول ابن خلدون".

[xxi] أدرج انطون سعادة ضمن من اسماهم بالشعوب الشقيقة للشعوب الثقافية كل من العرب والمغول!!

[xxii] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص 10.

[xxiii] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص127.

[xxiv] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص126-127.

[xxv] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص127.

[xxvi] وهذه مغالطة تاريخية وثقافية وسياسية أيضا. فالتيار العباسي من حيث مقدماتها التاريخية ككل كان "عراقيا" أي "سوريا". وله تقاليده العريقة الأقدم مقارنة بمعاوية والأموية. إذ ليست "العباسية" في الواقعة سوى الحصيلة التي ترتبت على صراع القوى الإسلامية بمختلف مناطقها (العراق ومصر خصوصا) ضد انحراف الخلافة الى ملك التي بدأت مع تسلط عثمان بن عفان، وانته بمقتله.

[xxvii] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص127.

 

 

حسن الياسري- دراسةٌ دستوريةٌ تأصيليةٌ معززةٌ بتجارب المحاكم الدستورية في العالم

- التفسير الدستوري لإطلاق اسم (المحكمة) على المحكمة الاتحادية العليا

ملحوظاتٌ مهمةٌ:

1- عزيزي القارئ قبل أنْ تشرعَ بالقراءة أودُّ التنويه بأنَّ الدراسة قد يكون فيها شيءٌ من التخصُّص في بعض مناحيها. وهي تلتزمُ المنهج العلمي في بيان الرأي المدعم بالأدلة. فلقد استعرضت الدراسة -لأول مرةٍ في هذا الباب- لأربعٍ وعشرين تجربةً دستوريةً للمحاكم الدستورية في دول العالم المختلفة، وثلاث تجارب دولية للمجالس الدستورية، من أوربا والأمريكيتين وآسيا؛ ما يعني أنَّ مناقشة الدراسة والردَّ عليها ينبغي أن يكون بالكيفية ذاتها؛ وعليه فالحديثُ المرسل وغير المدعم بالأسانيد الدستورية لن يُقبل في الرد.

2- إنَّ الدراسة عبارةٌ عن سلسلةٍ متواصلةٍ من أقسامٍ خمسةٍ، وبأجزاءٍ متعددةٍ، قد فرقناها للتيسير على القارئ، وهي مترابطةٌ مع بعضها البعض؛ لذا لا يمكن بناء الرأي على ما ورد فيها إلا بتكملة أقسامها جميعاً.

3- إنَّ الغرض الرئيس من الدراسة يكمن في بيان الحقيقة التي جاء بها الدستور، ووضْعِها بخدمة الرأي العام وأصحاب الشأن؛ لمساعدتهم في تبنِّي الحل الأمثل الذي يتفق مع التجارب الدولية التي سبقتنا. وليس غرضنا الميل لهذا الطرف أو ذاك، أو تبنِّي هذا الرأي أو ذاك.

تمهيد:

لم أشأ الحديث عن الموضوع طيلة المدة المنصرمة، ولكن التشويش الذي حصل وطلب بعض الإخوة قد دفعنا إلى توضيح بعض الأمور في هذا الشأن؛ ولا سيما بعد انتهاء الفورة التي صاحبت الموضوع، وإخفاق البرلمان في سنِّ قانون المحكمة الاتحادية العليا، بالصورة التي أرادها الدستور، للمرة الرابعة توالياً، كما أخفق من قبلُ في دوراته البرلمانية المنصرمة.

وكما جرت العادة سابقاً، لم يبقَ أحدٌ من - غير المتخصِّصين- إلا وتحدث في الموضوع، بلا هدىً ولا كتابٍ منير؛ الأمر الذي تسبَّب في تشويش الصورة على الرأي العام.

وبادئ ذي بدء لابدَّ من القول إنَّ من حقِّ كل فردٍ أن يعُبّر عن رأيه، فيقبل دخول خبراء الفقه الإسلامي في المحكمة أو لا يقبل، وهكذا فيما يتعلق بفقهاء القانون، ما دام الحديث منصبَّاً على الرأي الشخصي. بيد أنَّ الخطأ كل الخطأ أن ينسبَ البعضُ إلى الدستور زوراً ما ليس فيه، مع أنهم من غير المحيطين بالموضوع؛ ما يفضي إلى عدم وضوح الصورة لدى الرأي العام. فالفرق بين بيان الرأي الشخصي وبين تحميل الدستور هذا الرأي واضحٌ. وهذه هي المشكلة الحالية في العراق، إذ إنَّ البعض يُحمِّلُ الدستور آراءه الشخصية ويسقطها عليه، وكأن آراءه الشخصية هي ما ينبغي أن يكون الدستور عليه.

وعموماً، إنَّ لجنة صياغة الدستور قد أُرهِقت كثيراً في وقتها -٢٠٠٥- من أجل وضع النصوص المتعلقة بالمحكمة الاتحادية العليا في الدستور (المواد ٩٢-٩٤)، وإنَّ النقاش الدائر حالياً كان قائماً آنذاك، إلى أن تم الاتفاق نهائياً على أنَّ المحكمة الاتحادية تتألف من عددٍ من القضاة وخبراء الفقه الاسلامي وفقهاء القانون.

وبإزاء هذا الاتفاق اضطرَّ المفاوض الشيعي إلى تقديم بعض التنازلات للطرف الآخر. فلقد كان المبدأ في كتابة الدستور هو التوافق وعدم كتابة شيء قسراً أو رغماً على الأطراف الأخرى. وبإزاء ذلك اضطرت بعض الأطراف إلى التنازل هنا وهناك من أجل تمرير بعض النصوص. ولعلَّ هذا السبب هو الذي أفضى إلى وجود بعض النصوص التي ينبغي أنْ لا تكون موجودةً من وجهة نظر المتخصِّصين .

ولم يقتصر الأمر في وقتها على اتفاق لجنة كتابة الدستور على كيفية تأليف المحكمة، بل تم الدخول في بعض التفصيلات الدقيقة، مثل عدد الأعضاء وبعض الإجراءات الموضوعية الأخرى، ولكن بسبب ضيق الوقت المُخصَّص للانتهاء من كتابة الدستور، الذي حُدِّد بمدةٍ يسيرةٍ لا تتجاوز ستة أشهر، ولوجود خلافاتٍ حادةٍ بصدد بعض النصوص الأخرى، تم الاتفاق على هذا القدر -الموجود في الدستور حالياً-، وإرجاء الأمور الأخرى المتعلقة بعدد أعضاء المحكمة وآلية سير العمل فيها إلى القانون.

ـ خبراء الفقه الإسلامي وفقهاء القانون دورهم أصيلٌ وليس غير ذلك:

بادئ ذي بدء أجدُ من الضروري إيراد النص الدستوري مثار الاختلاف؛ ليعلم القارئ عن أي أمرٍ نتحدث. وهذا النص هو المادة (92) من الدستور، التي نصت على الآتي:

(2- تتكون المحكمة الاتحادية العليا من عددٍ من القضاة، وخبراء الفقه الاسلامي، وفقهاء القانون، يُحدد عددهم، وتنظم طريقة اختيارهم، وعمل المحكمة، بقانونٍ يُسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب).

إنَّ دور خبراء الفقه الإسلامي وفقهاء القانون بمقتضى هذا النص هو دورٌ أصيلٌ، وإنَّ الفئات الثلاث المذكورة فيه: -القضاة، خبراء الفقه الاسلامي، فقهاء القانون- كلها فئاتٌ أصيلةٌ، وتقف على قدم المساواة. وبغية سلوك المنهج العلمي في عرض الأدلة المؤيِّدة لهذا القول، سنتحدث عن هذه الأدلة عبر محورين اثنين: الأول: ونعرض فيه أدلة الرأي الآخر الذاهب إلى أنَّ القضاة هم فقط مَنْ يجب أن يكونوا في المحكمة، وأنَّ خبراء الفقه الاسلامي وفقهاء القانون ما هم إلا خبراء فنيّون ومستشارون لا أكثر. والمحور الثاني: ونعرض فيه أدلتنا الداعمة الأخرى، المستقاة من الدستور والقانون والتجارب الدستورية الدولية في تكوين المحاكم الدستورية في العالم؛ لكي يعلم القارئ -بمحصِّلة العرض والمقارنة- وجهَ الحقيقة التي غيَّبها البعض، جهلاً أو عمداً، ولنصل إلى الرأي السليم، المنسجم مع الدستور، والمتفق مع التجارب الدستورية الدولية في هذا المقام. والله ولي التوفيق..

المحور الأول: أدلة رأي الفريق المعارض:

وإذْ ألزمنا أنفسنا بالمنهج العلمي في النقاش، فإننا سنعرض رأي الفريق المعارض، بغية مناقشته مناقشةً علميةً مدعمةً بالأدلة؛ للوصول إلى الرأي السديد.

إنَّ الرأي الآخر يقول بعدم جواز دخول خبراء الفقه الاسلامي وفقهاء القانون في توليفة المحكمة، وإنَّ من اللازم أن تقتصر المحكمة على القضاة فقط. وعلى الرغم من أنَّ هذا الفريق لم يُقدِّم أيَّ دليلٍ علميٍّ فقهيٍّ دستوريٍّ، فإنه لم يجد بُداً سوى الركون إلى حجتين اثنتين:

الأولى: إنَّ الدستور أطلق على الهيئة اسم (المحكمة).

والثانية: إنَّ الدستور أطلق صفة (الخبراء) على ممثلي الفقه الاسلامي.

وسنناقش هاتين الحجتين، اللتين لم أجد أحداً في العالم استند اليهما ما خلا بعض العراقيين، وهو ما ستكتشفه بنفسك -عزيزي القارئ- بعد الانتهاء من هذه الدراسة وعرض التجارب الدستورية الدولية.

الحجَّة الأولى: إطلاق اسم (المحكمة):

يقول أصحاب هذا الرأي: ما دام الدستور أطلق على الهيئة اسم (المحكمة)، وعبَّر عنها بأنها هيئةٌ قضائية مستقلة، فهي إذاً محكمةٌ يجب أن تضمَّ قضاةً فحسب، ولا يجوز أن يدخل فيها أي فردٍ آخر من غير القضاة .

مناقشة هذه الحجَّة:

إنَّ هذه الحجَّة داحضةٌ، ولا أساس لها، لا من الدستور ولا من القانون. وهي تكشف عن عدم اطلاع قائليها على تجارب المحاكم الدستورية في دول العالم، فضلاً عن عدم إحاطتهم بالفقه الدستوري. وإليك أدلة ما نقول:

أولاً: الدليل الأول:

لو سلّمنا جدلاً بصحة هذه الحجَّة، فهي تسقط فيما لو قام الدستور بتبنِّي غيرها. إذْ الحاكمية للدستور وحده في هذا الشأن. ومن هذا المنطلق من حق السلطة التأسيسية للدستور أن تصف الهيئة بـ (المحكمة) وتُدخل في عضويتها قانونيِّين أو إداريِّين أو محامين أو وزراء سابقين أو برلمانيين سابقين، ونحو ذلك. فالدستور هو الذي يؤسِس وله الحاكمية في ذلك، ولا سلطان عليه. بل من حقِّهِ أن يُدرج نصوصاً تتفق مع تطلعات الشعب حتى وإن خالفت النظام البرلماني أو الرئاسي. والدليل على هذا ما حصل في النظام البرلماني بمقتضى الدستور العراقي الحالي، فهو ليس نظاماً برلمانياً خالصاً، بل نظامٌ مُعدَّل -إنْ صحَّ التعبير-. والكلام في هذا الأمر من البديهيات التي لا تحتاج إلى إفاضةٍ. وسيتجلى لاحقاً في هذه الدراسة أنَّ الدساتير تختلف فيما بينها باستعمال بعض المصطلحات، فدساتير دول المغرب العربي معروفةٌ باستعمال بعض المصطلحات غير التي تستعملها بقية الدول العربية في دساتيرها، والدستور السعودي -النظام الأساسي- له بعض الاستعمالات المختلفة، وهكذا الدستور الإيراني ..الخ. فمثلاً إنَّ السلطة التنفيذية مصطلحٌ معروف في الدساتير، لكن الدستور اللبناني لم يستعمل هذا المصطلح المتعارف عليه، بل استعمل مصطلح (السلطة الإجرائية).ومجلس النواب له تسمياتٌ متعددةٌ بحسب الدساتير (مجلس العموم، المجلس الشعبي، الجمعية الوطنية، المجلس الوطني..)، وهكذا في تسميات المجلس الثاني (مجلس الشيوخ، مجلس اللوردات، مجلس الأعيان، مجلس الاتحاد، مجلس المقاطعات..). وأكثر من ذلك كله إنَّ الوزير في أميركا هو (سكرتير)، ورئيس الوزراء هو المصطلح المتعارف عليه بين الدساتير والدول، لكن الدستور الألماني يصفه بـ (المستشار) -المادة 62 من الدستور الألماني لعام 1949-، فما علاقة المستشار برئيس الوزراء ؟!

إنها بكل بساطةٍ لغة المصطلحات أيها السادة، التي تختلف من تجربةٍ لأخرى. ونحو ذلك مما سنعرضه بالتفصيل لاحقاً.

وسنكمل بقية الأدلة في الجزء الثاني من هذا القسم إن شاء الله .

 

د. حسن الياسري - بغداد

٩ نيسان ٢٠٢١

 

ميثم الجنابيخصوصية الفكرة القومية السورية

لقد توصلت في المقال السابق، إلى أنَّ انطون سعادة أراد القول، بأنَّ الفكرة الاجتماعية المرتبطة بفكرة الدولة القومية ونظامها السياسي المناسب، والارتباط الجوهري بالأرض (الوطن الأصلي)، والاحتفاظ بالكيان الذاتي الخالص هي الأسس التي شكلت مضمون "الدين الجديد" بوصفه "ديناً اجتماعياً"، والذي تكوّن الفكرة القومية لاهوته وناسوته.

وحدد هذا بدوره مقومات الوجود الثقافي الخاص للفكرة القومية السورية. فقد اتجه الكنعانيون اتجاهاً جديداً في الرقي الثقافي عما كان سابقا، كما يقول انطون سعادة. فعلى خلاف غيرهم اهتموا "بالتغلّب على صعوبات الحياة العمرانية بترتيب ثقافتهم الاقتصادية على أساس زراعة راقية غنية جداً حتى سمي وطنهم الأرض التي تفيض لبناً وعسلاً"[1]. واستكملوا ذلك بفكرة وأسلوب التجارة، بوصفها احد العوامل العظمى في تفاعل الثقافات. إذ مّكنت التجارة السوريين من التعويض عن فقر أراضيهم من المعادن ونقص المواد الخام. وبهذا يكون السوريون الكنعانيون والآراميون قد خطوا إلى التجارة وثقافة الإنتاج التجاري[2]. ولازم ذلك تشكل مؤسسة ما أطلق عليه انطون سعادة عبارة "الاستعمار السوري". وكتب بهذا الصدد يقول، بأنًّ الثقافة السورية كانت الأصل في وضع "طور الاستعمار" الذي ادخل البحر المتوسط كله في "نطاق الثقافة السورية الجديدة التي هي بدء التمدن الحديث"[3]. وقد يكون صنع الإمبراطورية من بين أكثرها جلاء، بمعنى كيفية بلورتها للنموذج السوري الخاص القائم في توحيده النموذجي بين النزعة القومية والكونية. فقد ساهمت سورية أيضاً في إرساء أسس الدولة البرية. ففي مشرقها نشأت الإمبراطورية الأكادية والإمبراطورية الكلدانية، وفي شمالها الإمبراطورية الآشورية والحثية[4]. تماما كما أدى إدراك الفينيقيون ممكنات البحر الى إنشاء الإمبراطورية البحرية. فالإمبراطورية البحرية السورية كانت أول إمبراطورية بحرية في العالم، والتي بلغت أوجها في صُور وقرطاجة[5]. ذلك يعني، إنهم جمعوا بين قوى عديدة جرى توليفها في قوة كبرى أصيلة ألا وهي الدولة البرية والبحرية، والسياسة والاقتصاد، والإنتاج والتجارة. أما ذروة كل هذا الإبداع التاريخي الهائل فقد وجد انعكاسه في ما أطلق عليه انطون سادة عبارة "الثورة الثقافية" التي استكملها الكنعانيون (الفينيقيون) عبر "استنباط الأحرف الهجائية". وبهذا تكون "ثورتهم الثقافية التي فتحت طريقاً جديداً للارتقاء الثقافي" أنْ ترسي قواعد "التمدن الحديث"[6]. الأمر الذي يجعل من الممكن القول بالقيمة الجوهرية والتأسيسية للسوريين في وضع أسس الحضارة العالمية. ووضع انطون سعادة هذا الاستنتاج في عبارة تقول:"متى ألقينا نظرة على هذا الصرح الضخم من الحياة المدنية التي تحرز بعد كل فترة نصراً جديداً للإنسان على أسرار الطبيعة، أدركنا قيمة الثورة السورية ومعناها الكبير"[7].

ووضع انطون سعادة هذه الأفكار في أساس استنتاجه النظري العام القائل بإبداع العقل السوري نماذجه الخاصة في كل شيء. وقد يكون موقفه من نموذج النظام السياسي والدولة الصيغة الأكثر جوهرية. فالعقل السوري العملي لم يكن يميل إلى تخيلات فاسدة من الوجهة العملية وخيال سخيف يقول بأنْ يكون كل فرد من أفراد المدينة المعترف بهم "شريكاً" فعليا في إدارة الدولة. فالمدينة السورية ظلت محافظة على الفَرق بين السياسة والاجتماع. وهذا الفَرْق هو ما مّكن الدولة من إطرّاد تقدمها[8]. فإذا كانت التجربة الإغريقية قد ألغت الدولة، فإنَّ التجربة السورية على العكس من ذلك كانت على الدوام الممثل النموذجي للدولة. وبهذا يكون النموذج السوري الأكثر تماماً وديمومة وتأثيراً بما في ذلك بالنسبة للدولة الحديثة. وذلك لأنَّ "الأسلوب الذي جرت عليه الدولة في تقدمها وارتقائها كان الأسلوب السوري الذي ارتقى في قرطاجة إلى الديمقراطية ووضوح الحقوق المدنية والحقوق الشخصية، مع بقاء الدولة شيئاً متميزاً عن الشعب"[9]. وينطبق على أيضا على مقارنة العقل السوري بالروماني في مجال الشرع. فإذا كان "تاريخ روما الثقافي هو تاريخ حقوقها"، وأنَّ "الشرع الروماني هو أتقن ما تركته روما للبشرية"، فلأن الشرع في روما ابتدأ "على مثال دولة المدينة السورية"[10].

ذلك يعني أن الفكرة القومية (السورية) الاجتماعية لها تاريخها وصيرورتها الثقافية، ومن ثم خصوصيتها السياسية. وبالتالي فإنَّ حصيلة تداخل أسسها ومصادرها التاريخية والثقافية والسياسية قد أدى إلى تفرّدها بسرّها الخاص، الذي أطلق عليه انطون سعادة عبارة "الإثم الكنعاني". وهذا بدوره ليس إلا السرّ الذي ألزم ويلزم الكينونة السورية بالرجوع إلى ذاتها بوصفها أسلوب ديمومتها الفاعلة. وقد يكون حلها لإشكالية المادي والروحي هو الأسلوب الأكثر تحقيقاً لها. فالحركة القومية الاجتماعية لم تأت سورية فقط بالمبادئ المحيية، بل أتت العالم بالقاعدة التي يمكن عليها استمرار العمران وإرتقاء الثقافة كما يكتب انطون سعادة. مع ما ترتب عليه من "رفض فكرة الصراع بين المادة والروح. وبالتالي الإقرار بمبدأ الأساس الروحي- المادي للحياة الإنسانية ووجوب تحويل الصراع المميت إلى تفاعل يحي ويعمر ويرفع الثقافة ويسير الحياة نحو ارفع مستوى"[11]. ووجد في هذا الأسلوب طريق إنهاض "الأمة السورية". بمعنى تحويل صراعاتها الداخلية إلى أسلوب رقيها الذاتي. وليس هناك من أسلوب ونموذج يمكنهما الارتقاء إلى هذا المستوى بوصفه رؤية وبديلاً وحل بالنسبة لسورية سوى الفكرة القومية الاجتماعية. من هنا استنتاج انطون سعادة عن أنه متى كان "الاتحاد القومي المسالم كل المسالمة في الداخل، أمكن حينئذ أنْ تنهض الأمة السورية كرجل واحد وتسير إلى خلاصها. فلا تكون وحدتها هذه محمدية ولا مسيحية، بل قومية اجتماعية ينظر أفرادها إلى الحياة نظرة واحدة، ويفهم كل منهم رسالة الدين بهذه النظرة"[12]. بعبارة أخرى، لقد أراد انطون سعادة القول، بأن الدين الجديد الذي ينبغي أنْ ينقذ سورية والعالم العربي ككل يكمن في اعتناق مبادئ وحقيقة الفكرة الاجتماعية القومية السورية. من هنا توكيده على انه "بهذا التعليم السوري القومي الاجتماعي تنهض الأمة السورية وكل أمة عربية تتخبط في محاولة عقيمة للتوفيق بين حزبية الدين والواقع الاجتماعي"[13].

احتوت الفكرة القومية السورية كما أسس لها انطون سعادة على البذرة العقلانية الكبرى القائلة، بأنَّ الأساس المتين للفكرة القومية يقوم في أبعادها الاجتماعية. وعليها بنى إمكانية نهوض سورية، بوصفها الأمة الوحيدة القادرة من بين "أمم العالم العربي" على بناء قوة اقتصادية اجتماعية. وذلك لأنها الوحيدة التي تمتلك النفط والأملاح الكيمياوية وبعض المعادن. كما أنها الوحيدة القادرة على بناء صناعة ثقيلة من بين الأقطار العربية. مما حدد بدوره فكرته القائلة، بأن استقلال سورية الموَّحدة في نهضة قومية أكثر إمكانية وأقرب منالاً من استقلال جميع الأقطار العربية دفعة واحدة بحركة واحدة. فسورية بوضعها الجغرافي ومقدرتها المادية والروحية أقوى سياسياً من جميع الأقطار العربية متحدة[14].

من هنا أصبح البعث القومي "للأمة السورية" مضمون الفلسفة العملية السياسية للحزب القومي السوري. وكثّف انطون سعادة مضمون هذه الفلسفة من خلال معادلة العقيدة والسياسة. فإذا كانت السياسة عند "رجال السياسة اللاقوميون" هي الغاية، والعقائد ليست لهم سوى وسائط، فإنَّ الأمر مغاير تماما بالنسبة لفلسفة الحزب السوري القومي. فالعقيدة هي الغاية والسياسة هي الواسطة. وذلك لأنَّ هذه الفلسفة ترمي أساساً إلى خدمة العقيدة القومية المشتملة على قضية واضحة معينة وليست لمجرد السياسة أو القضية الشخصية[15]. من هنا جوهرية وضرورة وعي الذات القومي. إذ لا يعني وعي الذات القومي عند انطون سعادة سوى بلوغ الجماعة مرتبة الوجدان القومي والشعور بشخصية الجماعة. وذلك لأن "كل جماعة ترتقي إلى مرتبة الوجدان القومي، والشعور بشخصية الجماعة لابد لأفرادها من فهم الواقع الاجتماعي وظروفه وطبيعة العلاقات الناتجة عنه. وهي هذه العلاقات التي تعيّن مقدار حيوية الجماعة ومؤهلاتها للبقاء والارتقاء"[16]. لاسيما وأنَّ هذا الفهم يتسم بضرورة قاهرة في مراحل الصعود (مرحلة الانتقال) التي عادة ما تتميز بالبلبلة الفكرية. فهو الأسلوب الذي يعيد لها توازنها الداخلي ورؤيتها الواقعية. وبانعدام ذلك فلإنها سوف تكون فريسة ما اسماه انطون سعادة "بفوضى العقائد وبلبلة الأفكار"[17].

وتراكمت فكرته بهذا الصدد بالهبوط من علياء الفكرة الشرقية العالمية إلى الفكرة القومية العامة ومنها إلى الفكرة القومية السورية. فقد كانت فكرة الشرق والشرقية في البداية الإطار العام لوعي الذات القومي. وفي مواجهتها للغرب والهيمنة الغربية (الأوربية) كانت جزءً من طبيعة ومستوى الصراع الدائر آنذاك. غير أنَّ فكر انطون سعادة بهذا الصدد لم يكن محكوماً بفكرة الاستفادة أو التأثر أو الإعلاء للشأن الأوربي (الثقافي). على العكس، انه واجه كل ذلك بفكرة وأسلوب النقد الذاتي وتجميع القوى في مواجهة الغرب الكولونيالي عبر صقل الفكرة القومية. من هنا اعتباره الصيغ النمطية للغرب الكولونيالي تجاه حركات النهضة الوطنية في الشرق الرامية إلى الحرية والاستقلال مثل اتهامها بالهمجية وتهديدها للمدنية الأوربية وما شابه ذلك، مجرد فلسفة عقيمة. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنَّ هذه الاتهامات والمغالطات لا تتعدى كونها "فلسفة تاريخية عقيمة أنتجتها أدمغة المؤرخين الغربيين المتعصبين". وأغرب ما فيها هو اعتبارهم إياها "إحدى الحقائق التاريخية".[18] وبالضد من ذلك نراه يدعو الى شعار "الرجوع إلى الشرق". وانطلق في شعاره هذا من انه إذا كان التاريخ قد اثبت في الماضي أنَّ النهضات الوطنية في الشرق لا تهدد المدنية بل تهدد البربرية الغربية المندغمة في المدنية، فإنَّ ذلك يعني أيضا أنَّ الشر سيكون مهبط مدنية جديدة لا تقل شأناً عن المدنية التي أعطاها الشرق للغرب في الماضي[19]. بل ونرى عنده عدد من الصيغ الخطابية الجياشة لا تقلّ بهذا الصدد من خطباء المغامرات الحربية، كما في قوله، بأنَّ "الجيوش الجرارة" سوف تنطلق من الشرق لإرجاع الغرب إلى مكامنه الأولية. وإذا كانت بعض الألسنة الصغيرة من النار الشرقية لقد التهمت نصف أوربا في الماضي، فما بالك في حال اشتعال النار الشرقية.

غير أنَّ النزعة الخطابية المتأججة لم تكن في فلسفة الحزب القومي السوري سوى التعبير الوجداني العارم للانتقال إلى واقعية الرؤية التاريخية والسياسية المتفائلة بصدد المستقبل. من هنا دعوته للارتقاء الذاتي بمعزل عن التأثر السلبي بالغرب أياً كان شكله ومحتواه. بعبارة أخرى، إنَّ المهمة الجوهرية للصعود الشرقي تقوم في تنفيذ مهمة الخروج من أثر الحضارة الغربية، كما يقول انطون سعادة[20]. وشدد في احد مواقفه بهذا الصدد على أنَّ الشرق "لا يجب أنْ ينتظر إنصافاً من الغرب أو من التاريخ الغربي القائل، بأنَّ أوربا فوق الجميع". وبالتالي "لا سبيل إلى نيل الشرق حقوقه إلا بالاعتماد على ذلك السند الطبيعي الذي يلجأ إليه كل حي للدفاع عن نفسه وحقوقه، وهو القوة. فإنَّ شرائع البشر كلها كانت نتيجة استعمال القوة، ولم تتعدل إلا بالقوة. والثورات العظيمة في العالم تثبت هذه النظرية إثباتاً لا سبيل معه إلى الجدل"[21]. واختتم ذلك بشعار "وجوب إضرام الثورة العامة في الشرق"، بحيث يمكن معها القول:"اليوم لكم يا أهل أوربا، وأما الغد فهو لا شك لنا"[22].

لا تعني عبارة "الغد لنا" سوى الشعار الداعي لاستعادة ما مضى ولكن بمعايير الفكرة الجديدة. وهذا بدوره وثيق الارتباط ببعث الفكرة القومية بوصفها "رسالة"، والأمة بوصفها اتحاداً جديدً، والدولة بوصفها "متحداً" راقياً، والروح القومي بمختلف أشكاله ومستوياته بوصفه وعياً سورياً اجتماعياُ. (يتبع...).

 

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

[1] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص81.

[2] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص82.

[3] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص82 ومن اجل توضيح أبعاد هذه الفكرة نراه يشد على الدور التاريخي الثقافي للسوريين. وكتب بهذا الصدد يقول، بان الحالة الثقافية للإغريق كانت آنذاك مقارنة بالفينيقيين مثل حالة شعوب أفريقيا المتخلفة مع الدول الأوربية المتطورة حديثا.

[4] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص110.

[5] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص112.

[6] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص83.

[7] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص85.

[8] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص114.

[9] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص115.

[10] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص119-121.

[11] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص119.

[12] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص109.

[13] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص109.

[14] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص255.

[15] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص261.

[16] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص14.

[17] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص14.

[18] انطون سعادة:الآثار الكاملة، ج1، ص126.

[19] انطون سعادة:الآثار الكاملة، ج1، ص126.

[20] انطون سعادة:الآثار الكاملة، ج1، ص127.

[21] انطون سعادة:الآثار الكاملة، ج1، ص128-129.

[22] انطون سعادة:الآثار الكاملة، ج1، ص129.

 

 

مجدي ابراهيمنأتي إلى مذهبه الصوفي لنقول في عجالة: إن مذهب الجنيد في التصوف يتلخص في كلمتين أساسيتين: الكلمة الأولى هى "التوحيد". والثانية هى: "الفناء في التوحيد". ولكن هاتين الكلمتين ليستا من البساطة بحيث يمكن أخْذُهُما على عُلَّاتهما هكذا بغير بحث عميق؛ بل هما جوهر التصوف الإسلامي على الإطلاق. طَرَقَ الجنيد لأول مرة مسائل التوحيد كعلم له أسسه الذوقية حين نقله مع أستاذه الحارث بن أسد المحاسبي من ميدان الكلام والعقائد الموروثة إلى ميدان التجربة الروحية والتذوق الحيوي، وهنالك صارت النظرة للتوحيد على يديه بصفة خاصة نظرة مختلفة، جديدة، وغير مسبوقة، لم يكن يعرفها المسلمون من قبل: أن يصبح التوحيد شعوراً يُحَس ويُذَاق، شعوراً خاضعاً لتجربة الفعل والممارسة، عن طريقه يكتشف الإنسان حقيقة ذاته بمقدار ما تتكشف لديه حقيقته الأصلية التي هى واحدة الذات؛ فكما أن التوحيد هو للذات الإلهية فهو كذلك توحيد للذات الإنسانية؛ وكما أن الوحدة لله تعالى فكذلك الإنسان المؤمن ينبغي أن تكون ذاته واحدة لا يشعر فيها بالانقسام والتمزق ثم التلاشي والانقراض ولا يحس معها بشيء من الفرقة؛ لأنها ذات واحدة من واحد، ولواحد، والإنسان مخلوق على صورة الله؛ فكما أن الله سبحانه واحد؛ فكذلك هذه الوحدة تسري أول ما تسري على الصورة.

إنها بالفعل لنظرة جديدة للتوحيد غير مسبوقة بمقدار ما هو فهم عميق للدين جديد أيضاً لم يكن يُعْرَف من قبل: أن يكون الدين على يد هذا الإمام شيء من أهم مكونات الإنسان مَسَّاً بحقيقته الأصلية وبحثاً عن تطوره في قلوب معتنقيه؛ فهم الجنيد التوحيد فهم عارف، وفهم عامل ذواق بصير، ولم يفهمه فهم متكلم يؤمن باللسان دون القلب أو يؤمن بالعقل وكفى، ولا ينزل الدين منزلته من قلبه؛ فإذا المكانة التي احتلها الجنيد من التصوف هى هى المكانة التي يحتلها التصوف من الدين، حتى إذا ما كان التصوف من الدين بمنزلة الروح من الجسد صار مَن يعتنقه، ومن يفهمه، ومن يواليه عنايته الكبرى هو أيضاً بالقياس إلى غيره من المتكلمين أو من الفقهاء بمنزلة الروح من الجسد؛ إذْ أن مَنْ يَفْهَم التوحيد تحققاً بهذا الفهم؛ يفهمه بتوحِّد الروح وتوليِّها لذاك التوحيد بمذاق الإدراك الذوقي.

انتقل التوحيد من ميدان الكلام إلى ميدان التصوف، أو إنْ شئت قُلتَ: من ميدان العقائد الموروثة بالنظر العقلي والجدل الخطابي إلى ميدان التجربة الصوفية؛ ليصبح على يد هذا الإمام محض تجربة شهودية عَارِفَة، ومحض بصيرة ذَوَّاقة كاشفة. التوحيد هنا - لا بل التوحيد الإسلامي - فكرة إسلامية مبدعة، أعني التوحيد بمعناه الكامل التام الشامل. الله الواحد الأحد الفرد الصمد لم يكن كاملاً تاماً شاملاً لا في حضارة ولا في ثقافة ولا في ملة ولا في عقيدة من عقائد الأقدمين ولا في ديانة من ديانات الأمم المتقدّمة سوى الديانة الأخيرة؛ ديانة الإسلام، وأن يشعر المسلم بهذه الحقيقة شعوراً يرتد إلى صفاء التجربة، ومن ثم يصف الحقيقة الإنسانية التابعة للحقيقة الإلهية؛ لم يكن في فرقة ولا في مذهب ولا في طائفة ولا في نحلة من النحل سوى التصوف، ولم يكن في التصوف بمثل هذا الجلاء الناصع إلا لدى الجنيد: أن يصبح التوحيد حياة روحية يشهد فيها الصوفي حقيقته الأصلية ماثلة بين يديه: "وَأنْ يكون كما كان إذْ كان قبل أن يكون"؛ هنالك يكتشف الصوفي ذاته اكتشافاً حقيقياً، لكنه لن يكتشف ذاته، ولن يشمَّ منها رائحة الحق إلا أن يخوض غمار تجربة الفناء (= الفناء في التوحيد).

وقد سُئل الجنيد عن الفناء في التوحيد، يعني سُئل عن تجربة التوحيد لا عن كونه عقيدة موروثة لم تنحل عنها رابطة التقليد بَعدُ، فالعقائد الموروثة بما فيها عقائد المتكلمين - ولكونها تعالج بمنهج جدلي خطابي يختلف بطبيعته عن منهج الذوق والوجدان الذي هو منهج التصوف - إنْ هى إلا تقليد عريق ولها في التقليد نسب تليد؛ بل السؤال هنا عن التوحيد، والإجابة عنه أيضاً يُنْظَر إليها من حيث كونه تجربة، بمعنى أن إجابة الجنيد عن التوحيد - فيما لو شئنا استخدام اصطلاحات القشيري - تخرج عن " توحيد القَالة " (= توحيد المقالة) وتدخل في " توحيد الحالة " (= توحيد التجربة).

لقد سُئل الجنيد عن التوحيد فأجاب:" أن يكون العبد شبحاً قائماً بين يدي الله ليس بينهما ثالث، تجري عليه تصاريف تدبيره، في مجاري أحكام قدرته، في لُجَج بحار توحيده، بالفناء عن نفسه وعن دعوة الحق له، وعن استجابته له، بحقائق وجود وحدانيته في حقيقة قربه، بذهاب حسِّه وحركاته لقيام الحق له فيما أراده منه، والعلم في ذلك أنه رَجَعَ آخر العبد إلى أوله: أن يكون كما كان إذْ كان قبل أن يكون "؛ يعني أن يكتشف المرء حقيقته الأصلية بفناء الإرادة في حقيقة التوحيد.

والكشف عن الحقيقة الأصلية للإنسان هنا كشف تحقيق لا كشف علم أو استشراف وكفى، أي كشف تجربة ومعايشة وشهود. وفي الحق أن التأمل - إيمانيَّاً - في هذا المعنى العميق للتوحيد يدعو إلى نسبة التصوف السُّني كله إلى الجنيد, طاووس العلماء وريحانة التصوف الإسلامي حقيقةً؛ ثم ليكون بمثل هذه النسبة "سيد أولياء الإسلام" على التحقيق.

أقول؛ إنّ نسبة التصوف الإسلامي إلى الجنيد بغير تجاوز ولا مبالغة، إنما هو أمر تشهد به الحياة الروحية في الإسلام التي استنت طريقته ونهجت سيرته متعقبة آثاره على مستوى التحقيق، وبخاصة تلك المدارس السنية المعتدلة التي ظهرت في الإسلام، وقامت بنشر الدعوة من طريق التخلق، ولم تأخذ التصوف نظرياً فحسب بل أوغلت في الجانب العملي أكثر من إيغالها في الجانب النظري الفلسفي كالمدرسة الشاذلية؛ ومؤسسها الإمام الهمام أبو الحسن الشاذلي (ت 656هـ)، رضي الله عنه وتلاميذه من بعده.

تأمل فقط مطلع هذا التعريف:" أن يَكُونَ العبد شبحاً بين يدي الله ليس بينهما ثالث، تجري عليه تصاريف تدبيره "؛ وقارن بينه وبين فكرة إسقاط التدبير كما تقررت في المدرسة الشاذلية، أو بينه وبين كتاب "التنوير في إسقاط التدبير" لابن عطاء الله السَّكندري، عندها تستطيع أن تجزم جزم اليقين بأثر الجنيد على هذه المدرسة بالمباشرة. ولنترك هذه الجزئية (جزئية الأثر المباشر) لنعود إليها من جديد في نهاية الترجمة.

على أن كثيراً من الباحثين مع شديد الأسف فهم من مقولته أن يرجع آخر العبد إلى أوله، فيكون كما كان قبل أن يكون؛ أنها ذات أصل أفلاطوني أو أنها شبيهة بفكرة أفلاطون عن سَبْقِ وجود النفس الإنسانية في عالم المثل قبل هبوطها إلى البدن، وعند تحققها في ذلك العالم بالمعرفة الحقيقية؛ وراح بعضهم يقتبس من تاسوعات أفلوطين (205 - 270م) ما ظنَّه مُطابقاً لفكرة الجنيد؛ على الرغم من أن التصوف لدى أفلوطين - كما قال هويتكر-  كان نتيجة لمذهبه وليس أساساً له.

وليس من شك في أن فهماً كهذا يجانب الصواب بكل تأكيد، ويبتعد عن الحقيقة ويتعسف كثيراً في تفسير النصوص، ويحملها ما لم تحتمل؛ ففكرة وجود أفكار مجردة تنمُّ عن قِدَم النفس الإنسانية أو الروح كما يذهب أفلاطون مثلاً لم تكن موجودة عند متصوفة الإسلام في القرن الثالث الهجري. والمصدر اليوناني في التصوف ككل لم يكن قد تمكن أثره في العلوم الإسلامية، ولم يكن في ظل القرون الخمسة الأولى شيئاً يذكر بالقياس إلى المصدر الإسلامي؛ فمن أين أخذ الجنيد هذا الفهم؟ ومن أين اسْتَقاه؟

صحيحٌ أن هنالك تأثيراً وتأثراً وليس لأحد أن ينكره، لكن الولع الغريب به لدرجة تطبيقه الحرفي على نصوص التراث الصوفي الإسلامي إنما هو شيء مؤسف حقاً غير مقبول لدينا وغير معقول؛ لأنه يكشف عن شطط عقلي مَرَّده قلب الحقائق بمقدار ما يسفر عن خلط علمي مبعثه الهوى لا الإنصاف! فهل من المعقول أن تكون كل فكرة ذات قيمة في التصوف - أو حتى في غير التصوف!- مستعارةً من مصدر خارجي؟ وهل يُعقل أن تجيء الأفكار الضخمة الثرية في التصوف خارجة عن نطاق المضمون الديني، بمقدار ما هى شديدة الاقتباس من ثقافات الأمم والأقوام البدائية؟ هل يعقل هذا؟

إذا نحن لم نستطع أن نعقل ذلك، ولم نسوغ لأنفسنا قبوله، ولم نستحسن الطَرْق عليه على الدوام سواء من جانب المستشرقين أو الباحثين العرب؛ فقد وَجَبَ في معروفنا أن تكون العبرة لدينا بالتراث الفكري والحضاري، العبرة بالخلفية الفكرية والثقافية التي يعتمدها تصوف المتصوف. فإن الأصل عندنا هو: المضمون الديني ينطلق الصوفي من قواعده ومبادئه خَاصّة؛ لأنه أصل يشكل معالم التجربة الصوفية وأركانها ويستوفى معطياتها العمليّة من الأثر الفاعل في ذلك المضمون.

أي نعم! إنما العبرة بالقاعدة التي أنبني عليها تفكير المفكر أو ذوق المتصوف أو برهان الفيلسوف، العبرة عندي بما لدى هذا المتصوف أو ذاك المفكر أو الفيلسوف من مضمون ديني يتكئ عليه وينطلق منه ويدين له بكل الولاء؛ فإذا المضمون الجوَّانيُّ هو المتقدّم إزاء التجربة الصوفية في حين تتأخر المؤثرات الخارجية والمصادر البَرَّانيَّة.

إذا كنَّا لا نقبل أن يكون الغزالي مثلاً وهو القائل بفكرة كفكرة العادة، نافياً قانون السببية سابقاً ديفيد هيوم، أو لا نقبل أن يكون المعتزلة قد سبقوا الوجوديين، أو لا نقبل أن يكون ابن تيمية سابقاً في محاولاته المنطقية فلاسفة الوضعية المنطقية في العصر الحديث أو المعاصر؛ فمن الأحرى أن لا نقبل أن يكون أفلاطون - أو حتى أفلوطين! - مصدراً من مصادر التصوف السُّني المعتدل في الإسلام على أقلِّ تقدير في القرون الخمسة الأولى، ومؤثراً - أحدهما أو كلاهما - في أئمة الاعتدال كالجنيد في فكرته السابقة.

ونحن نذهب إلى أبعد هذا الرأي من منطلق اختلاف "المضمون الديني" الذي يستند عليه هذا المتصوف أو ذاك على وجه الخصوص، ويختلف به عَمَّنْ سواه. ونذهب إلى أبعد من هذا أيضاً إذا نحن عولنا كل التعويل على نشاط التجربة الصوفية وفاعليتها؛ فلا تقوم للتصوف عندنا قائمة على الحقيقة ما لم يكن للتجربة الصوفية أثر وفاعلية.

وعليه؛ فإنّ الذين حَمَّلوا النصوص ما ليست تحتمله قالوا إنّ بعض المتصوفة، وبخاصة الجنيد، قد استمدوا هذا الفهم من أفلاطون؛ لأن الفكرة في مجملها عندهم كما قلنا شبيهة بفكرة أفلاطون عن سبق النفس الإنسانية في عالم المثل قبل هبوطها إلى البدن، ومنهم من قال باستمداد الفكرة من أفلوطين، وَرَاحَ بعضهم - جرياً وراء منهج الأشباه والنظائر الذي أبتدعه المستشرقون؛ فأقتبس من تاسوعات أفلوطين ما ظنه مطابقاً لفكرة الجنيد فيما عَسَاهُ يتمشى مع إعمال هذا المنهج. أقتبس الدكتور كامل مصطفي الشيبي، في كتابه (صفحات مكثفة من تاريخ التصوف الإسلامي؛ ص 124 وما بعدها) اعتماداً على ملاحظات الدكتور على حسن عبد القادر بطريقة فجة غير علمية ولا صوفية بالمرة بعض المسائل التي يظهر فيها التشابه بين آراء الجنيد الصوفية وأفكار الفيلسوف اليوناني أفلوطين، وأكد على أن ظهور مثل هذا التشابه يمكن أن يعدَّ اتصالاً وأخذاً مباشرةً أو بالواسطة من هذا الفيلسوف الصوفي اليوناني. وقد جمعها في نقاط ثمانية كلها في تقديري مجرد تشابه سطحي لا يقوم عليه دليل من واقع تصوف الجنيد الذي هو سُنيّ خالص، ولا تنهض في تأييده حجة عقلية ولا مزية ذوقية صوفية.

فهذا التأكيد من جانبه أو من جانب من نقل عنهم، فضلاً عما فيه من غفلة عن المضمون الديني الإسلامي الذي انطلق منه الجنيد، فهو من ناحية أخرى لا يقدم على وجه اليقين صورة واحدة تكشف عن طريقة هذا الاتصال كيف تَمَّتْ بين صوفي الإسلام وصوفي اليونان! ناهيك عن قلة اعتماد المؤلف أو عدمه في رأيه أو رأي من نقل عنه؛ للتجربة الذوقية ونسبة تصوف الجنيد إلى العقل النظري والتأمل الفلسفي وهو شيء عجيب!؛ أغرب ما فيه أنه يخالف نصوص الجنيد المقطوع بها صراحةً وضمناً، ويتقوّل عليه إذ يحمل نصوصه فوق ما تحتمل؛ بل ليس ما تحتمل.      

وتناسى هؤلاء أولاً: الطابع العام لمذهب أفلوطين وهو طابع حركي يؤكد الانتقال الدائم بين الحركتين الصاعدة والهابطة، ويفصِّل الكلام في هبوط النفس من مقرها الأعلى إلى عالم الأجسام، ثم عودتها بالتطهير من العالم المحسوس إلى العالم المعقول.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

اياد الزهيريأتضح لنا من خلال الجزء الأول من بحثنا (الأله في الأديان والأقوام البدائية – الجزء الأول)، وهذا لم أأتي به من عندياتي، وأنما هي نتيجة لبحوث ودراسات تاريخية قام بها الكثير من الباحثين، وهي أن أنسان هذه الأقوام قد عبدَ العديد من الألهة بصور محسوسة ومعالم ملموسة، وضمن أطار ما يحيط به من كائنات وظواهر كونية، ولكن تبين أنه يضمر في نفسه أنه يعبد ألهاً كونياً، عظيماً، ذو قوة، وقدرة خارج المألوف، وأنه ذو طبيعة لا تمت لطبيعة الكون المادية، ولا يخضع لقوانين المخلوقات، أنه عالم ما ورائي، وقد عرفنا أن ألانسان البدائي ومن كل الأقوام، وفي كل أتجاهات الأرض شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، قد أطلق على الألهه الكوني أسماء مثل (لروح العظيمه، الأله الأعلى، النياما، القوة الأحيائية، القوة المقدسة..) ولكن وكما قلنا سابقاً أن الأنسان أسير قدراته المحدودة، وتجاربه القليلة، وما جُبل عليه من طبيعة من ميل للمحسوس، لذى حاول أن يتخيل هذا الخالق الخفي والمجهول كنهه،أن يجعله يتجلى في بعض مخلوقاته من مظاهر كونية مختلفة، حية، كبعض النباتات، وبعض الحيوانات، وحتى بعض البشر وذلك بسبب حسيتها ووجودها المادي الذي تألفها حواسه، بالأضافة الى قصوره بالتحول من المحسوس الى المتجرد، ولكنه أدرك، وبفعل فطرته وما حمله عقله من مسلمات المنطق العقلي أن أكتشف أو توصل من حالة المعلوم الى ما هو مجهول، وهذا تم من خلال ما أستنتجه بفعل أدوات العقل القائم على قدرة ربط العلاقات، والأسباب بمسبباتها، فكانت طفرة نوعية للانسان في عالم التفكير. بالحقيقة كان هذا الأستنتاج يسجل أول تفكير فلسفي للأنسان البدائي، والتحول الأول في الأنتقال من المادية الى الميتافيزقية . أنه خرج من المحدود الى اللامحدود، ومن المادة الى ماوراءها، وأنها محاولة جريئة بتجاوز موانع المادة الى ما وراءها، وهذه صفه أنسانية لا يتمتع بها غير الأنسان على سطح هذا الكوكب.

بالرجوع الى أصل البحث وفي الجزء الأول منه يتبين لنا ومن خلال الأبعاد الثلاثة (الخوف والرجاء والبحث عن البداية والمصير)، كانت هي الأصل في توجهه نحو الدين ليتمكن من خلاله معرفة الهدف وأدراك الغاية النهائية لهذا الوجود، وتبين لنا أنه توصل وبفعل فطرته النقية الى الوجود المقدس في عمق الأشياء المحدودة من خلال ما يحل بها من قدرة خفية تكون هي السبب والمحرك لكل هذا الوجود الكوني، وأن هذه القوة تمثل له حقيقة غامضة ولكنها تتجلى بما هو محسوس من ظواهر ظاهرة للعيان. هذا التفكير العابر للمحسوس هو الذي دعى بالهنود الحمر في أمريكا في الزمن الغابرأن يعتقدوا بما يسمى (بالكائن الأعظم) أو( الروح العظيمه )، وأنهم لا يستطيعوا تشخيصها، فهي قدرة بالمعنى المطلق، ويطلقوا عليه أسم الواكان، ومن القبائل التي تحمل هذا الأعتقاد هم قبيلة الماندان والهيداستا والداوكوتا والأيوا،وهو في نظرهم قوة فائقة الطبيعة، وهو أله السماء والحاكم للكون، وأن كان في نظرهم أن هناك سلسلة مراتب للألهة ولكن في سلم هرمي يتبوء الكائن الأعظم رأس هذا الهرم، وأن هذا الكائن الأعظم هو محور العالم، وهو من يرفع السماء ويثبت الكون، وما يقدمونه من طقوس فيها التعاويذ والأبتهالات والرقص الا تقرباً لهذا الكائن الخفي عن أنظارهم . ولو أنتقلنا الى مجموعة بشرية أخرى بدائية في القطب الشمالي، نرى هناك ممن يتمسك بما يسمى بالشامانية، وهو أعتقاد يؤمن بوجود الأرواح، وحلولها ببعض الكائنات وخاصة الدببة، وهناك مجموعة منها تسمى بالألغونكية تؤمن أيمان قوي بأله عليّ، ولو أنتقلنا الى جماعات في أمريكا الشمالية والتي تسمى بالشوشونية والفوسيوية والنومية نراهم في مواسم الحصاد يؤدون طقوس الرقص التي تُقدم فيها آيات الحمد للكائن الأعظم، وهذا ما يذكره الأستاذ الباحث فراس السواح في موسوعته تاريخ الأديان في جزءه الثاني. ولكي نثبت تعميم هذا المبدأ نذهب بعيداً نحو الجنوب الأمريكي في كاليفورونيا، فنجد الأقوام البدائية من شعوب  في Ake Hukrant أكده الباحث البوبيلو يؤمنون بكائنات خارقة للطبيعة تكون بعيدة عن تصور العقل كتابه أديان أمريكا الشمالية . أن طبيعة البحث تجبرنا بالأنتقال الى موقع أخر في قاره أخرى لأثبات شمولية الرؤيا، بل وكونيتها، الى مجاهل أفريقيا، حيث نشاهد أن تصورات أديانهم البدائية تحمل رؤى وتصورات متقدمة، ألا وهو أيمانهم بوجود ما يسمى بالقوة الحيوية، وهي قوة كما يدعون كونية لها وجود تسلسلي، ولكن القوة الكبرى فيها والأشمل هي قوة الله، الذي هو قوة في نفسه، يخلق ويبدد الحياة، وأن هناك فروع لهذه القوة في باقي الكائنات الحية، وهذه الفكرة بالحقيقة تقترب في تصوراتها مع فكرة وحدة الوجود التي تبناها بعض الفلاسفه المسلمين، وأن الأقوام التي تعتقد بهذه الفكرة هي أقوام الديولا في أفريقيا، كما يسموها بالنياما (القوة الحيوية) التي هي عبارة عن هرم يمثل الرأس به الله وقاعدته البشر، ولو ذهبنا الى ديانات أخرى في داخل القارة الأفريقية، والتي تسمى بالديانات الفولتية لنجد أن الأقوام البدائية هناك يؤمنون بأله سماوي أزلي غير مخلوق لا تدركه العقول، فهو من يقوم بعملية الخلق، وهو من ينزل المطر، ويحي الأرض وأحياناً يجعلوا مكانه بالشمس، وأحياناً ينزل الى الأرض، وهذه الأقوام تتخلل عقائدهم تصورات أخرى مثل الأيمان بأرواح الأجداد، وعبادتها، وهذا ما يجعل عبادتهم معقدة ومتشابكة وفيها ضبابية، ولكن تبقى هي نتاج عقل بدائي لا يخلو من التخبط والغبش الفكري مادام هو بعيد عن الوحي الألهي كما هو في الأديان السماوية، ولو أنتقلنا الى أقوام أفارقة أخرين وخاصة في غانا الحديثة لرأيناهم يعتقدون بالهه كبيره أم لم يخلقها أحد، ولكنها ذات نموذج قمري وتحمل أسم (أونيام) هنا يمكننا تلمس عند هذه الشعوب البدائيه بين ما هو مجرد وما هو مادي، ونلاحظ أنه رغم أعتقاده بما هو خفي وماورائي ولكنه ينحو نحو ما هو ملموس ومحسوس، ويجعل منه رمزاً وممثلاً له بين البشر، وذلك بحكم تكوين الأنسان الذي تجذبه المحسوسات التي يشعر بأنها تعطيه اليقين الكلي الذي لا يسمح بتخلل نوازع الشك أليها، وعدم تحمله بالذهاب بعيداً في عالم التجريد، الذي يحتاج الى ذهنية يمكنها التحليق بعيداً في عالم الميتافيزيق، والقائم على مقدمات مادية بلا شك، وهذه حالة متقدمة لم تستطع الأنسان البدائي التوصل لها لمحدوديته الفكرية وضعف أدواتة المعرفية، ولكن لا يعني أن الأنسان البدائي ضعيف الخيال بل بالعكس فهو أثبت من خلال ما قدمه من أساطير عديده تنم عن خيال خصب ولكنه خيال غير قائم على تصورات منطقية، فكان خياله عبارة عن تأملات سارحة تبحث عن تفسيرات لا يملك أدوتها العلميه والمعرفية . أن هذا الأمر يمكننا أستيعابه عندما نعرف أن الأنسان البدائي مشغول بشكل كبير بالصيد وألتقاط الثمار، وفقير بالتجربة، ويتمتع بذهنية غاية بالبساطة، وهذا هو ما جعله يخلط المادي بالمجرد، والمحسوس بالامحسوس . كما يجدر بالأشارة الى أن أوربا غير بعيدة عن هذا النوع من التفكير في زمن ما قبل الكتابة، فتراهم تركز شعوبها على الألهه الأم الكبرى، وهي ذات طبيعة أنثوية، ويمثلونها بأشكال بشرية وحيوانية وحتى نباتية، ويضفون عليها صفات ذات طابع ماورائي، فيصفونها بشمائل شمولية، مثل أيهاب الحياة، وزيادة الخيرات، وأنها الحاكم المطلق.

لو حاولنا التدقيق بكل هذه التصورات عن الألهه لجميع هذه الأقوام لوجدنا أن هناك الكثير من المشتركات، فنرى هناك نزوعاً كلياً بأتجاة الدين وأنه سمة عالمية، كما أنه يمثل محوراً مهماً في حياتهم، وحاجة لا يمكن الأستغناء عنها، وأن هناك شبه أجماع على أن وراء كل الألهة التي عبدوها، وبكل أنواعها وأشكالها، هناك قوة أكبر من جميع هذه الألهة، وهي قوة ماورائية عظيمة، ومطلقة. كما تكشف المعطيات أن الفطرة الأنسانية واحدة، وحاجاتها واحدة، وتنزع في ميولها النفسية والروحية بأتجاه واحد، وهو الله سبحانه وتعالى، وأن ما عبدوه، وماجلوه ودعوا له بمختلف الأساليب والممارسات من أمثال الطوطمية والوثنية التي عبدت الصخور الصماء، ومن عبد الكواكب والنجوم والحيوانات والأشجار كلها كانت تقصد من وراء ذلك هو ما أسموه بالروح العظيمة، والسيد الأكبر والقدرة المطلقة، التي لا يمكن تصورها أو تحديدها وحتى أدراكها، وأذا كان هناك من يتصور أن الدين يمثل فترة تاريخية من حياة الأنسان، فكيف لنا أن نفسر وجوده وبقوة في القرن الواحد والعشرين، وفي عصر العلم والتكنلوجيا الفائقة التطور، فليس لنا ألا التسليم والأعتراف بأن الدين حاجة ضرورية لا يمكن للأنسان الأستغناء عنه، بل الأستجابه له من صلب تكوينه. يتبع....

 

أياد الزهيري

 

 

مجدي ابراهيمصحُبَ الجنيد خَاله السّريّ السَّقطي والحارث بن أسد المحاسبي وتأثر بطريقة كل منهما إنْ في التصوف الخالص كما في حالة السري السَّقطي، وإنْ في التصوف الممزوج بعلم الكلام والعقائد كما في حالة الحارث بن أسد المحاسبي. ولقد كانت صحبة الجنيد للحارث المحاسبي ذات أثر بالغ في تحويل التوحيد والعقائد الإسلامية الكبرى من ميدان علم الكلام والجدل العقلي إلى ميدان التصوف والتجربة الذوقية، وهذه في تقديري نقطة بالغة الأهمية؛ يمكن استخلاصها من لوازم الصحبة الشديدة بين الإمامين، وهى صحبة تكشف من الوهلة الأولى عن تلمذة الجنيد للمحاسبي بالمباشرة.

ومن الأهمية بمكان أن يركز على هذه النقطة كل باحث يعرض لأثار الجنيد من قريب أو من بعيد، أعني نقطة نقل التوحيد من مجال علم الكلام والجدل العقلي إلى ميدان التصوف والتجربة الذوقية، وذلك لأنها فيما نرى نقطة بالغة الأهمية حقيقةً: أن يصبح التوحيد شعوراً يُحَس ومعنى يُذاق وتجربة تعطي ممَّا عندها. أي نعم ! تجربة ذوقية لا عمل عقلي أو فلسفي !

ونحن نعلم أن للمحاسبي مكانة كبيرة في الفكر الإسلامي سواء كانت هذه المكانة مختصة بعلم الكلام أو بالتصوف، الأمر الذي أدى بصاحب "حلية الأولياء" أن يروي عن الجنيد أكثر من أربع عشر رواية توضح تأثره بأستاذه تأثراً شديداً بمقدار ما توضح تطور العلاقة فيما بينهما من طريق قائم أساسه على الشرع، ومنهجه على الاعتدال، وفحواه ومضمونه على العلم بالكتاب والسنة.

إنه ليقول:" كنتُ كثيراً أقول للحارث: عزلتي أنسي! وتخرجني إلى وحشة رؤية الناس والطرقات؟ فيقول لي: كم تقول لي أنسي في عزلتي؟ ولو أن نصف الخلق تقربوا مني ما وجدت بهم أنساً، ولو أن النصف الآخر نأى عني ما استوحشت لبعدهم ".

وما بين الأنس والوحشة تدور بين المحاسبي والجنيد مناقشات في أسرار الطريق فصَّلناها في كتابنا التصوف السُّني ( راجع كتابنا: التصوف السني .. حال الفناء بين الجنيد والغزالي، ص 266 وما بعدها).

وكما شهدت هذه المناقشات الروحية بين المحاسبي والجنيد، شهدت مثلها وأكثر منها بين الجنيد وخاله سري السقطي أستاذه أيضاً، ومربيه، ومرشده، ومعلمه أذواق الطريق الصوفي وأسرار المُضي فيه قدماً غير محدود.

فكما صحب الجنيد الحارث بن أسد المحاسبي وتأثر بمنهجيته السنية المعتدلة، صحب كذلك خاله ومعلمه فنون التربية الذوقية الروحية، كأرْوَحِ وكأفيدِ ما تكون الصحبة بين عظماء الطريق، وهو الإمام العالم العابد السري السقطي (ت251هـ) أول من تكلم ببغداد في لسان التوحيد، وأول من تحدَّث في حقائق الأحوال على طريقة القوم، وهو إمام البغداديين، وشيخهم في وقته على حد ما وصفه أبو عبد الرحمن السلمي، صاحب الطبقات, ص 48).

 ولنلحظ أن خصوصية منهج الجنيد في التوحيد قد انعكست عليه من خلال صحبته للحارث بن أسد المحاسبي وللسري السقطي مباشرة. ولقد كانت لهذه الشخصية الأخيرة ما كان للأولى ويزيد؛ من أثر بالغ على طريقة الجنيد وأسلوبه ومنهجه في الدعوة إلى الله، بمقدار ما كان لها من أثر بالغ أيضاً على نشاطه الروحي وممارسة منازلات الحال في عالم الشواهد الروحية؛ حتى إذا ما رأينا الجنيد يقول عن السري السقطي:" وكان إذا أراد أن يُفيدني سألني فقال لي يوماً: ما الشكر؟ فقلت: أنْ لا يُعصي في نعمة. فقال: ما أحسن ما أجبت، ما أحسن ما تقول. قال الجنيد: وهذا هو فرض الشكر: أن لا يعصي في نعمة"؛ جزمنا بوجود منهجية تعليمية ذوقية راقية بين الأستاذ والتلميذ، هى قوام العقل الدعوى لدى كبار شيوخ الطريق، أعني العقل الدعوي الإسلامي الصحيح بمفهومه الحقيقي لا المزيف، يقوم به "العارف" - ولا يطيقه الجاهل! - على أكمل وجه، على بصيرة من طريق الموافقة كما كانت عليه الحال في الصَّدْر الأول لدى رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه، ولدى صحابته وخيرة التابعين؛ رضوان الله عليهم.

ولك أن تلحظ فرض الشكر هنا أنْ لا يُعْصَى في نعمة, تجد المعنى هو أنْ لا يعصى الله والعبدُ في نعمة, بل النعمة توجب الشكر ولا تدفع بالعبد إلى العصيان. وشكر النعمة مُوجب لبقائها لكأنما الشكر يصونها محفوظة من الزوال. والعصيان مُوجب لزوالها، فمن صانها بالطاعة والمولاة أدى فرض الشكر عليها، ومن شَاَنَها بالمعصية وأهمل حقها أسقط هذا الفرض، فأوْجَبَ على نفسه من فوره زوالها عنه في غير مَلامة. ومعناه عندي عميق جداً لكأنه يقول: تجرّد لنعم الله فيك، فإنِّ النظر إلى الأغيار وبال، يرفع الشكر عن النعم، ويقطع الاتصال بالمنعم ويجرد المرء لممارسة الحظوظ. كثرة التأمل في نعم الله فيك - بموجب شكرها - أنفع لك من أن تصرف نظرك إلى غيرك؛ لأن النظر إلى الأغيار وبال. والله الذي خلق سواك خلق لك أنت أفضل من السّوى، ولكنك محجوب عن فضله بالأغيار، وأشدُّ من هذا الحجاب قسوة وشناعة حجابك عن نفسك بنفسك، وحجابك عن ربك بنفسك، وإنما شغلك بالأغيار ليبتليك بالحجاب، وكل بلاء يحتاج إلى صبر واحتساب، وما من صبر أشدُّ وأقسى على النفس من كثرة الحمد على الحجاب؛ لأنه لو كشف لك كل حجاب لأدخلك حظيرة الهوس والفقدان، فاستحضار الحمد على الدوام هو غاية الغايات من قوام العبوديّة على الاستقامة.

هذه عندي منهجية أساسها التعليم ومفادها الترقية، وهى لا تقع في الغالب إلا بين كبار الأئمة: حُكمها حكم العارف الذي يدعو إلى الله على بصيرة، وليس حكمها حكم غير العارف الذي يدعو إلى الله على ظلمة وجهالة.

كانت بينهما - السري والجنيد - من الروابط الروحية والعلاقات المعرفية ما من شأنه أن يدل من الوهلة الأولى على اتصال الجنيد بالسري اتصال التلميذ النجيب بالأستاذ الكبير، وولائه له، ومكاشفة الأستاذ بما في قلبه للتلميذ فيما لو عَرَفَ عنه فراسة الروح وصفاء الفؤاد وخلوص السريرة. فمن بين تلك الروايات التي يذكرها الجنيد عن خاله وأستاذه ما يؤكد هذه الروابط المعرفية أو العلاقات الروحية الدالة من أول وهلة على تخريج ذوقي كاشف في وضوح عن تلك الروابط أو هذه العلاقات.

قال الجنيد: " دخلت يوماً على السري فوجدتُ رجلاً مغشياً عليه فقلتُ له: ماله! فقال: سمع آية من كتاب الله تعالى فغُشيَ عليه. فقلتُ له: يُقرأ عليه الآية مرة أخرى. فقرئت، فَأفَاقَ الرجل. فقال السري: من أين علمت هذا؟ فقلت: إنّ قميص يوسف عليه السلام ذَهَبْ بسببه عينا يعقوب عليه السلام، ثم عاد بصره به، فأستحسن ذلك مني". وفيه ما يدلُ على تخريج ذوقي من الجنيد يستنبط منه فن الإشارة بمقدار ما يدل بالقطع على علمه العميق بكتاب الله.

وعن الجنيد أنه قال:" كُنْتُ أعود السري في كل ثلاثة أيام عِيَادة السُّنَّة، فدخلتُ عليه وهو يجود بنفسه فجلست عند رأسه فبكيت وسقط من دموعي على خده، ففتح عينه ونظر إليَّ فقلت: أوصني فقال:" لا تصحب الأشرار، ولا تشتغل عن الله بمجالسة الأخيار". وهنالك من أساتذته شخصية صوفية ذات أثر عليه في الطريق يذكرها الجنيد بكل فضل وكل خير، وهى شخصية محمد بن على القصاب (ت 275هـ)، وكان الجنيد يقول عنه:" الناس ينسبونني إلى سري السقطي، وكان أستاذي محمداً القصاب ". وعلى الرغم من قول الجنيد هذا في القَصَّاب؛ وهو تقدير منه لأستاذه كعادة القدماء في الالتفاف حول جميل القيم إلا أن أثره الذوقي والعلمي عليه - ولو فيما نراه نحن - لم يكن بالأثر الذي كان للحارث المحاسبي أو للسري السقطي.

اكتسب الجنيد من أساتذته، ومن تجربته الشخصية، ومن جهوده العلمية والتعليمة، مكانته في الحياة الروحية الإسلامية؛ فكانت له شخصيته البارزة على التصوف بإطلاق. دَفَعَ في وجه كل منظة يمكن أن تنسب إلى هذا الطريق أو إلى أهله. وكما تأثر بمن سَبَقه من رجال الروح أثرَّ كذلك في المدارس الروحية الكبرى التي جاءت فيما بعد.

ومن المؤكد أن جهلاء الصوفية في عصره قد وقعوا في أخطاء شَنِيِعَة، كان التصوف من قِبَل المغرضين بمقتضاها عُرْضَةً للقدح في الصالح والطالح على السواء. ومن هذه الأخطاء القول بإسقاط التكليف، فما كان منه وهو العالم العامل الورع إلا أن يكون سيفاً مسلولاً على رقاب هؤلاء الخارجين على الشريعة حتى إنه سمع يوماً رجلاً ذكر المعرفة وهو يقول:" أهل المعرفة بالله يصلون إلى ترك الحركات من باب البر والتقوى إلى الله تعالى"؛ فلم يكد يسمع منه هذا الكلام الفارغ من المعنى، المضيع لحقوق الشريعة حتى أنتفض على القائل من فوره قائلاً:" إنّ هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال، وهذه عندي عظيمة. والذي يسرق ويزني، أحسن حالاً من الذي يقول هذا. وأن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله، وإليه رجعوا فيها، ولو بقيت ألف عام لن أنقص من أعمال البرِّ ذرة إلا أن يُحَال بي دونها، وأنه لأوْكَد في معرفتي وأقوى في حالي". وليس معنى إسقاط التكليف ترك الأوامر أو النواهي الإلهية أو إسقاط الحركة فهذا ما لم يقل به مَنْ ينتسب إلى الإسلام حقيقةً بل معنى الإسقاط هنا هو إسقاط الكلفة والمشقة الغالبة لا إسقاط التكليف.  

وإنك لترى في قوة هذا التشديد على حق الشرع دلالةً قاطعةً على أن التصوف في الأساس تعظيمٌ للشريعة، إذْ لولا الشريعة ما كانت الحقيقة؛ بل لن يشم أحد مطلقاً رائحة الثانية وهو على حال التقصير في أمر الأولى. ولما أن قِيلَ له إن جماعة يزعمون أنهم يصلون إلى حالة يسقط عنهم فيها التكليف، قال ساخراً:" وَصَلوا وَلكن إلى سَقَر".

لقد ضبط الجنيد علم التصوف ضبطاً محكماً على تلك الأصول الشرعية، وحفظه بحفظ الكتاب والسنة:"علمُنا مضبوط بالكتاب والسنة، ومن لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث، ولم يتفقه في الدين؛ لا يُقْتَدى به في هذا الأمر": أمر التصوف؛ كونه علماً للباطن. أمر التصوف الذي قال فيه:" لو عَلِمْتُ أنَّ لله تعالى تَحْتَ أدِيم السماء أشرف من هذا العلم الذي نتكلم فيه مع أصحابنا وإخواننا لسعيتُ إليه ولقصدته ".

ومن أجل هذا؛ من أجل تعظيم الحركة في الإسلام لا إسقاطها كما يدعي الأدعياء واللصقاء، من أجل تعظيم الشريعة الظاهرة، وانتصاب "أعمال أدلة العمال" من ذوي الخدمة؛ كان أول من ظهر عليه هذا التعظيم لأمر الشرع هو الجنيد نفسه، فلم يترك أوراده حتى في حال نزعه، فلما أن قيل له في ذلك! قال:" ومن أولى مني بذلك وهذه صحائفي تطوى"؛ فلم يترك الخدمة - رضى الله عنه - ولا ترك العمل وهو في مثل هذه اللحظة، "لحظة الموت"؛ فكيف بسواها؟. وقد عُرف عنه جده واجتهاده؛ الأمر الذي يتبيَّن معه أن الصوفي الحق لا تفارق أقواله أفعاله، ولا توجد هوة وسيعة بين ما يقول وما يفعل، وأن قوله هو فعله، وأن فعله يؤكد قوله. يؤسس فكره دائماً وأبداً على الإخلاص.

وإنه ليس برجلٍ مزدوج الشخصية ولا هو بمزدوج المعايير الخلقية: لغته حياته، وحياته يمكنها أن تظهر في مقولته: بساطة في عمق، وعمق تتولاه بساطة. على نحو ما يقول يفعل، وعلى نحو ما يفعل يقول، وليس فيما يفعل أو فيما يقول من فجوة بينية تنقض الشخصية وتحقرها أمام ذاتها فضلاً عن تحقيرها أمام الله وأمام الناس. ليس هناك انفصام بين الاعتقاد والسلوك. الخطاب الأيديولوجي هنا موافق تماماً للممارسة العملية، والنظرية هى هى التطبيق الفعلي، والتطبيق الفعلي متسق مع النظرية.

إن مقام الجنيد في الرسوخ والتمكين، ومقاومة الانحراف البادي عند من يدعي الطريق ادعاءً لا حقيقة فيه، ومقامُه بين أقرانه في التصوف لهو الذي أهله - كما قلنا فيما تقدَّم - لأنْ يتصدر الطائفة البغدادية ويلقب عن جدارة بــ " طاووس العلماء". فأما مقاومة الأدعياء ممَّن انحرفوا عن جادة الاستقامة وأرادوا إسقاط التكليف فقد عَرَفناه.

وأما مقاومة أقرانه ممن اختلفوا معه نظراً لمنهجه المعتدل القويم - ونظراً لهذا المنهج نفسه فقد أختلف معهم وشَنَّ عليهم حملاته الضارية، كالحلاج والشبْلي - فنحن نسوق لك فيها روايتين، الأولى ذكرها الهجويري عن رفض الجنيد صحبة الحلاج، والثانية أوردها السراج الطوسي عن مناقشات دارت بين الشبلي والجنيد.

فأما الرواية الأولى فإن الهجويري يقول فيها:" مما قرأته في الحكايات أن الحسين بن منصور الحلاج - في حال غلبته - تَرَكَ صحبة عمرو بن عثمان المكي، وأتى إلى الجنيد، فسأله الجنيد: ما الذي أتي بك؟!. فقال الحسين: طمعاً في صحبة الشيخ. فقال الجنيد: أنا لا أجتمع بالمجانين، والصحبة تتطلب كمال العقل، فإذا لم يتوفر ذلك، تَصَرَّفتَ معي كما تصرفت مع سهل بن عبد الله التُّسْتَريّ وعمراً. فردَّ الحسين: يا شيخ! الصحو والسُكر صفتان للعبد، ومادام العبد محجوباً عن رَبّه تفنى صفاته. فقال الجنيد: يا ابن منصور، أخطأت في الصحو والسُكر؛ لأن الصحو بلا خلاف عبارة عن صحة حال العبد في الحق، وذلك لا يدخل تحت صفة العبد واكتساب الخلق، وأنا أرى يا ابن منصور في كلامك فضولاً كثيراً وعبارات لا طائل تحتها ".(كشف المحجوب, ص 225- 226, وأيضاً: أخبار الحلاج؛ ص 39).

لم يكن الجنيد ممن يبغضون الحلاج لهوى في نفسه أو لمنافسة كانت بينهما في ديوان الولاية, ولم يكن هنالك بغض أصلاً اللهم إلا إذا عددنا الخلاف في وجهات النظر بغضاً !

ففي هذه المناقشة خلافٌ في المنهج: منهج الجنيد في التصوف ليس كمنهج الحلاج، ولا منهج الرسوخ والتمكين كغَلَبَات الحال حركةً وانزعاجاً. يؤثر الجنيد الصحو؛ لأنه عبارة عن صحة حال العبد. ويفضل الحلاج المحو؛ لأنه صفة للعبد يزول بها عنه - نظراً لفنائه - الحجاب. إن قسوة الجنيد مع الحلاج مَرُّدها إلى منهجه الصحيح المعتدل، وحفظه للشرع من منظة الظانين، وإنه لمنهج إلى الغيرة على الطريق يرجع لا إلى شيء فوق هذا أو أبعد من هذا. وبنفس المنهج المضبوط بالشرع ضبطاً محكماً، المقيد بتعاليمه على ما يعطيه العلم، المؤثر للصحو والحضور في حالات انفلات الباطن؛ رفض الجنيد الحلاج ولم يقبله من اللقاء الأول بينهما؛ لخروجه في نظره عن آداب الطريق.

وفي أخبار الحلاج مما رواه أبو محمد الجسري رواية تفسر تَوَلُّهه وقلة قبول الجنيد له أنه قال:" رأيتُ الجنيد ينكر على الحلاج، وكنتُ عنده إذْ دَخَل شاب حسن الوجه والمنظر، وعليه قميصان وجلس سويعة ثم قال للجنيد: ما الذي يصد الخلق عن رسوم الطبيعة؟ فقال الجنيد: أرى في كلامك فضولاً أي خشبة تفسدها؛ فخرج الشاب باكياً وخرجتُ على أثره. وقلت: رجلٌ غريبٌ قد أوحشه الشيخ. فدخل المقابر، وقعد في زاوية ووضع رأسه على ركبته. وقال: فأتيت الشاب وجلست بين يديه ألاطفه وأداريه .. ثم قلتُ: الفتي من أين؟ فقال: من بيضاء فارس إلا أنني رُبيتُ بالبصرة. فاعتذرت منه للجنيد فقال: ليس له إلا الشيخوخة, وإنما منزلةُ الرجال تُعطى ولا تتعاطى ".

فهذا الخلاف البادي بين كبار شيوخ التصوف إنما خلافُ في المنهج تتقوَّم به أسرار الطريق؛ خلاف في سياسة النفس إزاء مفاوز الطريق وقواطعه؛ ليس إلا. فبينما يكون منهج الحلاج مُعبراً عن طفرات روحية عالية أساسها الوجد وغَلَبَات الحال، يجئ منهج الجنيد راسخاً ومُمَكناً؛ مسنوداً على أسس شرعية، متصلاً بقيم البقاء في حظيرة الشرع، والسلامة من الغلو والإفراط، واعتراض الظاهر من العلم أو التشريع. وهنا في الرواية المساقة تلحظ تنبئ الجنيد بصلب الحلاج واضطلاعه من وراء حُجُب الغيب بالخشبة التي سيفسد عليها. وعندما كان يصيح بقوله وهو في حضرة الجنيد بعبارة الجذب "أنا الحق!" يجيبه:" أنت بالحق أية خشبة تفسد!"؛ فتحقق فيه ما قاله الجنيد؛ لأنه صُلب بعد ذلك "؛ وكان الجنيد يقول له كما جاء في أخبار الحلاج وعلى حسب رواية نيكولسون:" أحْدّثتَ في الإسلام ثغرةً لا تَسدُّها إلى رأسك ".

لم يكن الجنيد يرضى عن شطح الحلاج، ولم يكن يقر صَرَخَات الجذب التي تتولاه وتَتَغَشَّاه، الأمر الذي دفعه في الغالب إلى أن يقسو عليه، ولم يقبله ليكون في صحبته. وليس رفض الصحبة من بعدُ بالدليل على خروج الحلاج من ديوان الولاية.

هنالك خلافٌ في منهج التربية الذوقية الذي يدين به الجنيد، وينكره الحلاج؛ لأنه من أصحاب الجذب المُوَلَّهِين. ومن غريب الملاحظات رغم هذا الخلاف الظاهر بين المنهجين أننا نجد البعض منَّا يروح ويسوي بين مذهب الحلاج ومذهب الجنيد؛ ويخلط بين الاتحاد والحلول ووحدة الشهود أو حتى وحدة الوجود، وكأن الثلاثة مذهبٌ واحدٌ لا خلاف فيه أو كأن مذهب الحلاج ومذهب الجنيد ينطلقان في الطريق من حالة واحدة ويستقران سوياً على حالة واحدة، أو أن الحلول الذي يقول به الحلاج هو نفس الحلول الذي يقول به الجنيد، هذا إنْ كان وجد عند هذا الأخير - وهو قطعاً مما لا يوجد - حلول, وأن الاتحاد (Union) بين العبد والرَّب، وهى حالة نطقت بها أقوال البسطامي، إنما هو حالة واحدة هى حالة الحلول (Incornation) التي قال بها الحلاج، وَعَبَّرَ من خلالها عن مذهبه كما استخلصه منه الباحثون.

هنالك فرقُ؛ وفرقُ كبير؛ بين الاتحاد والحلول ووحدة الشهود من جهة، ووحدة الوجود من جهة ثانية، والوحدة المطلقة من جهة ثالثة، وليس المقام مما يقتضي الكلام في هذه التفرقة, فمن شاء الاضطلاع عليها فليرجع إلى فصل بعنوان" حال الفناء في الفكر الصوفي "؛ من كتابنا التصوف السُّني.

أما المناقشة التي دارت بينه وبين الشبلي؛ فهى صريحة الدلالة على منهجه السُّني المعتدل كذلك: منهج التعليم، والتهذيب، والتصحيح، والترقية. ففيما رواه السراج الطوسي بسنده:" ربما كان الشبلي يجيء إلى الجنيد، فيسأله مسألة، فلا يجيبه ويقول: يا أبا بكر، هو ذا أشفق عليك وعلى ثباتك؛ لأن هذا الاضطراب، والانزعاج، والحدة، والطيش، والشطح، ليست هى من أحوال المتمكنين، وهى منسوبة إلى أحوال البدايات والإرادات". فكأنما كان كل ما هو موصوف من أحوال الحركة والانزعاج والحدة والطيش والشطح والاضطراب وقلة امتلاك الحال إنما هو في رأي الجنيد تعبيراً عن حال البدايات، وصاحبه لم يصل بعدُ إلى أطوار الكمال كما هو عند أصحاب النهايات.

فمن أجل هذا؛ من أجل اعتدال المنهج في الطريق، ومن أجل الغيرة على هذا الطريق نفسه من أن تلوثه أغراض الحانقين، اختلف الجنيد مع أقرانه وأصحابه من الصوفية اختلاف ذوق واختلاف حال، أو إنْ شئت قلت اختلاف منهج تتقوَّم به أسرار الطريق، وليس هو بالاختلاف الذي يطرد المتخاصمين بعضهم بعضاً من ديوان الولاية.

فمن يظن بالأولياء الكبار هذا الظن لم يعد يفهم خلافاتهم بمقدار ما لا يفهم  توجهاتهم الروحية، حتى إذا ما كان هناك خلافٌ يبدو فيما بينهما فهو الخلاف الذي يمضي بعيداً عن سيطرة أهواء النفوس على أصحابها، ويقترب - بمقدار ما يبتعد عن حظوظ الهوى ومصادمة القلوب - من خلاف في الرؤية، أعني في الفكرة النظرية تعبر عن اختلاف الاتجاه والرؤية ولا تعبر عن الخروج من الميدان خروجاً نهائياً .. وإلا فليس أحبُّ إليه من الشبلي، وليس أعْذَرُ عنده في شطحاته من البسطامي.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

عادل بن خليفة بالكحلةالشّرح النفسي للموضوعية العلمية البيرونية في الإنسانيات

مقدمـة: إنّ تاريخ العلوم هو تاريخ الصّراع الدائم بين العقبات الإبستمولوجية والقَطِيعات الإبستمولوجية. فانتصار العقل العلمي إنّما هو المرور من المعرفة الشائعة، الحسية المشتركة إلى المعرفة الموضوعية، ثم المرور إلى تصحيح الأخطاء في مسار بناء المعرفة العلمية.

إنّنا إذا تبنّينا الموقف البَشْلاريّ من أجل التعبير عن واقع علم الاجتماع، تبنِّيًا مُعَدَّلاً على خصوصية الموضوع الإنساني، يمكننا أن نختبر موضوعيًّا الإنجاز العلمي لأبي الريحان البيرونّي في تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، الذي انتقل فيه من الموضوع الطبيعي إلى الموضوع الإنساني، معدّلا منهجه الرياضي المهيمن على موضوعه العلمي الأول.

فبأدوات بشلار ومفاهيمه، مع تعديلٍ نُبَرِرّه علميا، سنقارب موضوع إنسانيات البيرونيّ في تحقيقه الهندي، وعلاقته بالمعرفة الحسيّة المشتركة في الاجتماع، لنخلص إلى أنّه هو مؤسس صحيح الابستمولوجية في علم الاجتماع، والإنسانيات عموما، لا ابن خلدون. بل سنحاول أن نثبت أن البيروني، بما هو عالم اجتماع، كان أكثر تصدِّيًا لأخطاء علم الاجتماع من ابن خلدون عالم الاجتماع. وربّما يعود ذلك إلى أنّ خبرة ابن خلدون العلميّة لا تتجاوز «علم التاريخ» وعلم الأصول وعلم الكلام، دون أن يحدث قطيعة إبستمولوجية في كل واحد من تلك «العلوم»، بينما توسّعت خبرة البيروني، لتشمل المجالات الخلدونية الثلاثة فحسب، بل لتشمل أيضا الفلسفة والعلوم الطبيعية، بل ليحدث قطيعة إبستمولوجية أو بعضها، على الأقلّ ليثّبت نقديته وأصالته العلمية، في كل واحد منها، فهو الوحيد الذي استطاع أن يقف بِنِدِّيّةٍ أمام البناء الفلسفي السّينوي في حواراته المشهورة مع الشيخ الرئيس.

وهذا ما يسمح لنا بالمرور إلى البحث في أدوات جمع المعلومات عند البيرونيّ في تحقيقه الهندي، لنؤكد أن عقلانيته التطبيقية حققت قطيعة مع الإبستمولوجيا الرّحلية والأدبية والمِلِّيّة في التعامل مع الاجتماعي، بانتهاجه الملاحظة بالمعايشة المكانية والزمانية، والوسيط الأنثروبولوجي الأهمّ وهو اكتشاف لغة المبحوثين قبل جمع المعلومات.

ثم نقارب قَلْبَهُ العلاقة بين النظرية والمعاينة، فقد كانت حتى عملياته البحثية الأكثر أوّليّة، كالملاحظة، «حكايةً» كما يعبّر، أي تسجيلا، تتزايد أمانتها بقدر التزامها بافتراضات مسبقة أقل، وتكون أكثر عملية بقدر ما تكون «الإمّات»[1] النظرية والمفاهيم التي تتسلح بها واعية، منقودة ومنظمة.

سنحاول هنا تقصي تأسيس البيروني للعلوم الإنسانية من خلال الاستفادة من إبستيمولوجيا بشلار، واعتمادا على تحقيق ما للهند من مقولة أساسا، ثم نقارنه بالإنجاز الخلدوني.

الدراسة الإبستمولوجية وتطبيقها على الإنسانيات:

يرى بشْلار أنّ النظريات العلمية ليست إنجازا في مجال البحث العلمي بقدر ما هي «موقف إبستيمولوجي جديد يبرز القيم المعرفية الجديدة التي جاءت بها تلك النظريات»[2].

والقيم الإبستمولوجية ليست القيم العامّة للعلم، بل هي «مجموعة من القيم المتجددة مع تطوّر الفكر العلمي. ومن هذه الناحية، فإنّنا نقع في تناقض حين نتحدث عن قيمة العلم في مرحلة معيّنة من تطوّره. ونظن أنّنا نقول بذلك كلاما نهائيا حول هذه القيمة»[3].

إنّ مصدر القيم الإبستمولوجية هو النظريات العلمية، وتاريخ العلم يسير تبعا لضرورة مستقلة وينبغي أن نسعى بكيفية منظّمة لتحديد القيم الإبستمولوجية وترتيبها في السيرورة التاريخية[4] تلك السيرورة التي قد تعرف نكوصات وتراوحات، وقد تعرف مراكمات.

وهذه المهمّة، ينبغي أن لا تكون موقف الحكم، «بل ينبغي أن تكون في نفس اتجاه هذه المسيرة، وأن تعبّر عن قيمتها من حيث هي قيم للعقل الإنساني (...) وقيم نفسية لأنها بتجددها لا تطوّر تفكيرنا في الموضوعات فحسب، بل فكرنا نفسه»[5].

تتميّز القيمة الإبستيمولوجية بجدّتها، فالنظريات العلمية لا تتعادل، بل تتمايز، إن قليلا أو كثيرا. والمهمّة المطروحة علينا هي استيعابها وإبرازها، لا تبريرها أو تفنيدها.

المهمة الثالثة للدراسة الإبستمولوجية عند بَشْلار، هي الشرح النفسي[6]  للمعرفة الموضوعية، فهو يؤكّد وجود حياة نفسية وغير واعية تؤثر في الحياة النفسية الواعية. وعليه يفترض بشْلار وجود مكبوتات على الباحث الإبستمولوجي اكتشافها، فلا يكتفي باكتشاف موضوعية المعارف لكي يصل إلى تفسيرات الملاحظ العلمي العقلية المكبوتة. فالعمل العلمي عند بشْلار عمل عقليّ- نفسي، في الآن نفسه، ومن الضروري الحفر في الأرانيات[7] الخفية، غير الواعية، للعمل العلمي، لكي يكتمل لدينا تعيّنه. وما يتسبب في تعطيل التأسيس العلمي أو المراكمة العلمية أو نكوصها يسميّه بشْلار العقبة الإبستيمولوجية محاولا اكتشاف تعيناتها المختلفة.

ولكنّ بشلار يغفل عن الشروط التاريخية والمجتمعية للعمل العلمي ومن الممكن استيعاب شرحه النفسي ضمن تلك الشروط، لتكميل النموذج البَشْلاري في البحث الإبْستِيمُولوجي.

وأهم المفاهيم التي تتحكم في الدراسة الابْسِتيمُولوجية وفق بشْلار هي: العقبة الابْسِتيمُولوجية والقطيعة الابْسِتيمُولوجية والجدل.

1-1 مفهوم العقبة الابْسِتيمُولوجية:

يرى بشْلار أنّ العقبة الابْسِتيمُولوجية في صميم العملية المعرفية ذاتها، فهي ليست نتيجة لشروطها الخارجية ولا لحواس الملاحظ العلمي، بل هي ضمن الشروط النفسية للعملية المعرفية. فهو يرى ضرورة وضع مشكلة المعرفة العلمية في صيغة عقبات، «ففي فعل المعرفة ذاته تبرز تعطيلات واضطرابات بكيفية صميمية، وبنوع من ضرورة وظيفية»[8]، توقفنا علل الركود والنكوص.

ومن صور العقبة الابْسِتيمُولوجية حسب بشْلار، التجربة الأولى عندما يصدر بها الملاحظ العلمي موقفه النهائي من الموضوع، فالمعرفة العلمية مضادة للتجربة الأولى ومتجاوزة لها، إذ أن «المعرفة العامة تجعل المسافة قصيرة بين الواقع والفكر، أما المعرفة العلمية فإنّها تفصل بينهما بالرجوع المستمر إلى التركيب العقلي، أي بالمحاولة المستمرّة لإضفاء العقلانية على التجربة»[9].

ومن صورها أيضا، التعميم، فصحيح التعميم ينقلنا من شتات الوقائع إلى وحدة القوانين، ولكنّه قد يكون إسقاطا وهروبا للسهولة والمماثلات الزائفة المهملة للتفاصيل والفوارق الدقيقة[10].

ومن عقبات العمل العلمي، في نظر بشْلار، ايضا، ما يرتبط بالمعرفة العامة، أي التأسيس على العوامل المنفعية؛ ومن تلك العقبات يسوق أيضا الامتداد غير الموضوعي للمفاهيم والمصطلحات لتصبح معبرة عن ظاهر ليست هي التي وضعت من أجلها تلك المفاهيم والمصطلحات[11].

كما يسوق بشْلار العقبة الجوهرية التي تصدف بالتفكير عن الموضوعية للبحث في ماهو خفيّ باعتباره جوهريا[12]. وهي متكوّنة «من تجمّع الحدوس المبدّدة، بل المتعارضة»[13]، وعليه يكون الفكر ما قبل العلمي.

وهو لا يعتبر العقبات إلابْسِتيمُولوجية مجرّد جانب مختف في العملية المعرفية، بل يعتبر أنّ لها أرَانًا سلبيا يعوق تأسيس المعرفة الموضوعية أو توسّعها، فبشْلار يطالب بمراقبة العملية المعرفية في تقدمها وفي تعثرها[14].

1-2 مفهوم القطيعة الابْسِتيمُولوجية:

يعبّر هذا المفهوم عن «فترات الانتقال الكيفي من تطوّر العلوم»[15] ينتقل العلم بفضلها إلى نظريات جديدة توقف استمرار الفكر العلمي السابق. «وبقدر ما تحقّق هذه الفقرات الكيفية جدّة مطلقة في الفكر العلمي، فإنّها تحقّق قطيعة بين الفكر العلمي والمعرفة العامّة»[16].

ويتناول بشْلار قطيعتين: إحداهما بين المعرفة العامة والمعرفة العلمية، والأخرى بين النظريات العلامية المتعاصرة.

إن موضوع المعرفة العلمية ليس معطى استمراريا للمعرفة الحسّية. فالمعرفة العلمية تلاحظ ظواهرها بتوسط أدوات هذه المفاهيم المشكليات والافتراضات والآلات في حالة العلوم الطبيعية والتّقنية. كما أن اللغة العلمية ذات قطيعة مع اللغة العامّة، لأنّ دلالاتها مختلفة وأدق. ومن ناحية أخرى، يلاحظ بشْلار القطيعات الابستِمُولوجية داخل الفكر العلمي نفسه، وهي تعني انبثاق مفاهيم ونظريات ومقاربات أكثر شمولا، محتوية الفكر السابق أو متجاوزة له، أو رافضة بعض جوانبه، ضمن مراجعة لا تنتهي. فالقطيعة الإبْسِتيمُولوجية تعني تفتّحية الفكر العلمي أكثر فأكثر.

الجدل هو علاقة تكامل بين العقلاني والتجريبي، والقَبْلي والبعدي، والمحسوس والمجرّد والرياضي والتطبيقي. فهو موقف وسيط بين النظري والعملي، ليكون الموضوع العلمي ظاهرة وشيئا في ذاته، في الآن نفسه. وبذلك يقدم مفهوم الجدل موقفا أرَانيًّا من الفكر العلمي، وهو ليس داخليا للواقع أو الفكر، بل يستوعب التجارب الجديدة ذات القطيعة مع المقاربات السابقة.

العلوم الإنسانية بين العقبات والقطيعة الإبستيمولوجِيَّيْن:

لم يفكّر بشْلار في تاريخ العلوم الإنسانية، فلم يفكر إلا في تاريخ العلوم الرياضية والفيزيائية والكيميائية.

وقد استعار بورديو ومعاوِنوه المفاهيم البشْلارية من أجل فهم السيرورة الإبستيمولوجية لعلم الاجتماع.

وقد أثبتت المحاولةُ الإجرائية المقاربةَ البشْلارية في التعبير عن واقع علوم أخرى لم يفكر فيها بشْلار، ولكنّها كانت منطلقة من تبنٍّ كامل للموقف البشْلاري دون نقد له. فلم تتبنّ تصوّره لتاريخ العلوم فحسب، «بل تبنّت مع ذلك الموقف الفلسفي العقلاني المطبّق الذي يريد بشْلار أن يكون هو الموقف المعبّر عن المرحلة الراهنة من تاريخ العلوم»[17].

يرى مؤلفو مهنة عالم الاجتماع،ـ مثل بشْلار، أنّ التداخل بين المعرفة العلمية والمعرفة العامة هو المصدر الأساسي لعقبات علم الاجتماع الإبْستيمُولوجية، فيقولون: «إذا كان علم الاجتماع علما كبقية العلوم الأخرى يلاقي صعوبة خاصة في أن يكون عامّا كتلك العلوم، فإن ذلك يرجع أساسا إلى العلاقة الخاصة التي تقوم فيه بين التجربة العالمة والتجربة الساذجة للعالم المجتمعي، وإلى العلاقة الخاصة كذلك بين التعبيرات الساذجة والتعبيرات العالمة عن هذه التجارب»[18]. فالعقبة الأولى تتأتى من الألفة التي «قد تنشأ لدى عالم الاجتماع بالمحيط المجتمعي»[19]. وأما الثانية فقد تتأتّى «على مستوى التعبيرات عن نتائج دراسية»[20]. ففي علم الاجتماع، أكثر من أي علم آخر. لا يكون الفصل بين الرأي العام وبين القول العلمي سهلا، بينما لا يمكن اتصافه بالعلمية إذا لم يحقق هذا الفصل، إذ أن الرأي العام «خاطئ دائما لأنّه يفكّر بصورة سيئة بل لا يفكر أبدا»[21].

وهنا، لابدّ من تجاوز التجربة الأولى بعقلنتها من أجل فهم «أكثر تجريدا للواقع»[22]. ولكن ينبغي أن لا تقف اليقظة الإبستيمولوجية لعالم الاجتماع «عند نقده لمفاهيم علم الاجتماع التلقائي (...) لأنّ المفاهيم التي تنتجها المعرفة الاجتماعية التلقائية قد تتسرب إلى عالم الاجتماع عن طريق اللغة العامة للتعبير عنها باعتبارها مصطلحات علمية»[23].

وللمرور إلى مرحلة القطيعة، يقترح المؤلفون بعض التقنيات ومنها القياس الإحصائي،ـ الذي يسمح بالتخلّص من آثار الاتصال المباشر بالظاهرة، وعن التأثّر بالتصورات العامة الناتجة عن هذا الاتصال، فتصبح ملاحظة الظاهرة معقلنة[24].

ويقترح المؤلفون تقنية التعريف المؤقت، بأن يتخلّص الباحث عن تصورات المعرفة العامّة بالمفاهيم العلمية التي ترشد البحث. وقد أكّدوا هنا ضرورة النقد المنطقي والقاموسي للغة المستعملة.

ولكن ذلك في نظرهم غير كاف، فلا بدّ من قيام نظرية في المجتمعيّ، مقدمة نسقا مفاهيميا في قطيعة مع المعرفة.

فبوجود النظرية تصبح للملاحظة والتجارب دلالات حقيقية، إذ تقدم لها إطارها العلمي المنظم.

كانت محاولة بُوْردِيو وزملائه تجاوزا «لكل تفاؤل مفرط بصدد وضعية علم الاجتماع أو أيّ علم إنساني آخر (...) ذلك لأن العوائق الابتسيمولوجية التي تَعُوق قيام المعرفة العلمية لا ترتفع كلّها دفعة واحدة أو بصفة مطلقة. فالعوائق الإبستيمولوجية، كما يبين لنا ذلك بشْلار، ضرورة وظيفية لسير المعرفة العلمية، وحين تتجاوز المعرفة العلمية عوائقها في مرحلة معيّنة، فإنّها توجد بذاتها ولذاتها عوائق جديدة»[25].

وقد كانت تلك المحاولة شرحا نفسيًّا للتجربة العلمية في علم الاجتماع، للكشف عن المكبوتات العقلية فيها من مفاهيم شائعة ولغة عامة، مبيّنين الوسائل الممكنة للحدّ من أران تلك المكبوتات العقلية. وقد أكّدوا ضرورة تجاوز الوهم التفاؤلي للنزعة الاختيارية التي ترى علمية علم الاجتماع بمجرد اتّخاذ الملاحظة المنظمة بواسطة القياس الإحصائي أو التجريب. مثلا. فموضوع البحث مهما كان «لا يمكن أن يحدّد أو يبني إلا في ضوء مشكلة نظرية تسمح بإخضاع مظاهر الواقع لسؤال منظّم، فتدخل تلك المظاهر في علاقة بفضل السؤال المطروح عليها»[26]. ومن ثمة لابدّ من المرور، في نظر المؤلفين، إلى التطبيق.

العقبات الإبستيمولوجية التي على صاحب التحقيق تجاوزها لتأسيس «علم أحوال الأمم والطبقات»:

يُسمّى البيروني علمه الجديد «علم أخبار الأمم والطبقات»[27]، وأحيانا «علم أحوال الأمم»[28]، بما هو علم ذو موضوع يتناول الاجتماع الإنساني، وذو مَسَائل هي: الدين والناموس (= القانون)، وطقوس الحياة وطقوس الموت، والنٍّحْلة أو المُنْتَحَل (= «الثقافة» في الاصطلاح العربي الحديث)، والمَعاش (= «الاقتصاد» في الاصطلاح العربي الحديث)، والسياسة، والنِّكاح (= الزواج) والحِرف (= المِهن).

ويسمّي البيروني العقبات الإبستيمولوجية «الأحوال التي لها يتعذر استشفاف الأمور» [29] في الإنسانيات. وقد كان عليه أن يقرأ حساب تلك الأحوال العاذرة قبل بداية التحقيق: «يجب أن نتصوّر أمان مقصودنا الأحوال التي لها يتعذر استشفاف أمور الهند. فإما أن يمهل بمعرفتها الأمر، وإما أن يتمهّد له العذر»[30].

لقد اعتمد «العلم» بأخبار الأمم والطبقات كليّا وطويلا على «الخبر». وذلك الخبر، رِحْليّ، أو تِجَاري، أو قَصَّاصي، أو تجسّسي، أو غير ذلك. ولكنّ «الخبر عن الشيء الممكن الوجود، في العادة الجاريَة، يقابل الصدق والكذب على صورة واحدة»[31].

ويعد شكّ البيروني في الخبر عن أحوال الأمم، أي الإنسانيات غير العلمية السابقة، «لتفاوت الهمم»[32]، أي لتفاوت الأهداف السَّوْقِية[33] للمخبرين والناقلين؛ وبسبب «غلبة الهِراش»[34] أي الاشتداد والتحرّش بين الأمم. وكذلك لغلبة «النزاع على الأمم»[35]. فتكاد كلّ الأمم ذات حروب قد لا تنتهي تجاه أمم أخرى؛ وذلك ما يترك آثاره على الخبر، فيختلط به الصدق والكذب.

فقد يصدر الكذب عن الرحّالة أو التاجر أو القصّاص أو المتكلّم أو الفيلسوف في تناول بعض أحوال الأمم الأخرى لتعظيم جنسه: «فمن مخبر عن أم كذب [لأن تلك الأمم] تحته [= تحت جنسه]، أو يقصدها بإرادته [لأنه سيد في جنسه]، ومعلوم أن كلا هذين من دواعي الشهوة والغضب المذمومين»[36].

وقد لا تتناول تلك الإنسانيات أحوال الأمم وإنّما أحوال الطبقات في الأمّة نفسها، ولكن رغم ذلك يشوب خبرها الكذب أيضا: «ومن مخبر عن كذب في طبقة يحبهم لشكر أو ببعضهم لنكر، وهو مقارب للأوّل، فإنّ الباعث على فعله من دواعي المحبة والغلبة. ومن مخبر عنه متقرّبا إلى خير بدناءة الطبع، أو متّقيا لشرّ من فشل أو فزع»[37].

وقد يكون الكذب طبعا في المخبر: «كأنّه محمول عليه، غير متمكّن من غيره، وذلك من دواعي الشرارة وخبث مخابئ الطبيعة»[38].

وقد يكون نقل الكاذب جهلا، وذلك ما يترسّخ ويصبح شبيها في الأوهام بالحقّ إذا تناقلته الأجيال، وتناقله القصّاص عن القصّاص، والرحّالة عن الرحّالة، أو الرحّالة عن القصّاص، أو القصّاص عن الرحالة المتعمد الكذب: «ومن مخبر عنه جهلا، وهو المقلِّد للمخبرين، وإن كثيروا جملة، أو تواتروا فرقة بعد فرقة، فهو وهم وسائط في ما بين السّامع وبين المتعمّد الأوّل»[39].

وقد لاحظ البيرونيُّ الإزراءَ بمُنْتَحَلات الآخر حتى بين أفراد الأمّة الواحدة، كإزراء هذه الفرقة الإسلامية بتلك، وقد مدح أستاذه أبا نوح التّفليسي[40] لأنه يرفض الإزراء بأقوال المعتزلة رغم اختلافه عنهم، وكان يُصرّ على مجرّد «الحكاية». وقد عَلَّق الطالب على موقف الأستاذ بقوله أنّ الإزراء قد نجد بين «الحاكين» أنفسهم، فهي «طريقة قَلَّ ما يخلو منها من يقصد الحكاية عن المخالفين والخصوم. ثمّ إنّها تكون أظهر في ما كان عن المذاهب التي يجمعها دين واحد ونِحْلة، لاقترابها واختلاطها؛ وأخْفى في ما كان عن المِلَلِ المفترقة، وخاصة ما لا يتشارَك منها في أصل وفَرِعٍ، وذلك لبُعدها وخَفاء السبيل إلى تعرُّفها، والموجود عندنا من كتُب المقالات وما عُمِل في الآرَاء والدِيانات لا يشتمل إلا على مِثله»[41].

وهذا ما جعل الأخبار عن أحوال الأمم وغيرهم من النّاس «من الأسمار والأساطير، يستمع لها تعللا بها والتذاذًا لا تصديقا لها واعتقادًا»[42]. ولذلك كان أكثر ما هو مسطور في الكتب عن المُنْتَحلات الهندية «مَنْحُولٌ، وبعضها مُهَذَّبٌ على رأيهم ولا مشذّب»[43]. وجلّ المقالات عن الأديان الأخرى «لم يكن من جميع الأديان في شيء، بل منفردا بمُخْتَرَع له يدعو إليه»[44].

البيروني يتجاوز العقبات المعرفية ويضع قطيعات لتأسيس العلوم الإنسانية:

لقد مهّدت قطيعات البيروني على مستوى العلوم الطبيعية، لتهيئة إمكانية إنجازه قطيعات على مستوى معرفة الاجتماعيِّ. فهو جزء من الزمن المعرفي البويهي الذي تميّز بكثير من العقلانية.

كان أصحاب السلطة الدينية السلفية منذ عهد المتوكل يريدون طيلة 104 من السنوات محو الإنسان، ضحية للتسليم واللاعقل، بينما كان ثُقفاء عصر الحرّيات البُوَيْهِيّ «يُريدون تعريف الإنسان بما هو عَدْل وحق في العلاقات البشرية والطبيعية الواقعية أو جوهر الأشياء. كانوا يريدون تعليمه الدرس الواقعي المحسوس والقليل التعميم في ما يخص التجارب الفردية والجماعية. وكانوا يريدون تعريفه بالقواعد المستخلَصَة مِنْ قِبَل نتيجة منطقية أو بناءًا عليها»[45]، أو بواسطية «العِيان» (أي البحث الميداني) والمحاجّة والبرهان، بعد أن كان ممنوعًا منها.

كان القادة البويهيّون يَطْلُبُونَ مِن البيروني صنع آلة رَصد أشرف عليها التِّقانيّ الخَوْحَنْدِي فألف كتيّبه الأول: « حكاية آلة السُّدس الفخرية»[46]، وكانوا يطلبون من ابن بابوَيه المناظرة معهم (رُكن الدولة). وقد منحوا الأولوية «للاهتمام بالمشاكل الأخلاقية- السياسية»[47]، وأدى الفضول العلمي والحس النقدي لديهم إلى تنظيم جديد للمعرفة؛ وعِوض حَصْر «الحقوق»، كل الحقوق، في حقوق الله (المحاسي: الرعاية لحقوق الله)، كان التنصيص على حقوق الإنسان بما هي حُقُوق رئيسيّة لله نفسه، فطالما انتفض التوحيدي- مثلا – ضد « التفاوت الاجتماعي للرَّيْع بين الأقلية المترفة التي تسكن القصور وبين الطبقات الشعبية»[48]، وكان يريد «لوجود الإنسان أن يتحقق مِن خلال العدالة والحرّية والشَّفَافية (أي الصدق والصراحة)»[49] ليكون «مفعمًا بعشق الله»، الحريص على رِبْعة الإنسان مِنْ خِلال علاقة الغُربْة بالصداقة.

وقد طوّر البيروني والكُرْمي، في العهد البُويْهِي آلات المساحة، والأسطرلات. وأبدع البيروني جهازًا لتنفس الغوَّاصين وأدواتٍ للتعدين الباطني وتعدين الفولاذ وتحديد استقامة الحفر في المَنَاجم وإنتاج الفولاذ المنصهر[50].

انتصر البيروني للرياضيات والتجربة، ولم يكن يهمّه في ذلك أن يعارض دفاع رئيس علوم عصره، الشيخ الرئيس ابن سينا، عن الكسموس الإغريقي واللوغوس الأرسطي[51]. فما هي شروط الملاحظة وكيفية ممارستها عند البيروني؟

من أنواع الملاحظة العلمية يستعمل البيروني الملاحظة المباشرة والملاحظة بالمعايشة. ويسمّي البيروني الملاحظة المباشرة: «العيان». وهو يضعه في قطيعة مع «الخبر»، خبر الرحّالة والتّجار والقصّاص: «ليس الخبر كالعيان، لأن العيان هو إدراك عين الناظر عين المنظور إليه في زمان وجوده  وفي كل مكان حصوله»[52].

ولذلك انتقل البيروني بنفسه إلى بلاد الهند، وخاصة منها بلاد الهند الشمالية- الغربية، ويقال أنه عاش هناك 40 سنة[53]، وإن كنت أرفض هذا العدد، لكنْ مِنَ المسلّم به أنه عاش هناك باحثا مدة طويلة.

أما الملاحظة بالمعايشة فيسيمها البيروني «الوَصْلَة» وهي نقيض «القطيعة»[54]، إذ أنّ «القطيعة تخفي ما تبديه الوصلة»[55]. وهي لا تكون بمجرد إقامة الباحث بميدان المبحوث، بل يجب عليه في نظر البيروني أن يتمكن من لغة المبحوثين، ومن دينهم ونِحْلَتهم: «إني كنت أقف من منجّميهم مقام التلميذ من الأستاذ لعجمتي في ما بينهم، وقصوري عمّا هم فيه من مواضعاتهم. فلما اهتديت قليلا لها، أخذت أوقفهم على العلل، وأشير إلى شيء من البراهين، وألوّح لهم الطرق الحقيقية في الحسابات، فانثالوا عليّ متعجبين، وعلى الاستفادة متهافتين، يسألون عمّن شاهدته من الهند حتى أخذت عنه، وأنا أريهم مقدارهم وأترفّع عن جنبتهم مستنكفا، فكادوا ينسبونني إلى السحر. ولم يصفوني عند أكابرهم بلغتهم إلا بالبحر والماء يحمض حتى يفور الخلُّ»[56].

فالتمكن من لغة المبحوثين يمر بعدة مراحل، ولكن ينبغي أن يبدأ بالتواضع معهم، فإذا كانت السيطرة على لغتهم ينبغي أن يسود محاورتهم الترفع عن الجنبة والاستهزاء. وقد قرأ البيروني الكثير من الكتب البَرْهَمِيَّة باللغة السنسكريتية.

لقد نظر في الكتب البَرْهَمِية السنسكريتية مباشرة: «وكُنْتُ نقلت إلى العربية كتابين أحدهما في المبادئ وصفه الموجودات واسمه «سانك»، والآخر في تخليص النفس من رباط البدن ويعرف بـ« ياتنجل»، وفيهم أكثر الأصول التي عليها مدار اعتقادهم دون فروع شرائعهم»[57]. فالتحقيق لا يمكن أن نطالعه من خارج المختصّون في الدين البَرْهمي «لا يهذّبونه»[58]، أي لم يشرحوه كتابيّا، فلا بد من الرجوع إلى الكتاب الأصلي في لغته الأصلية.

من ناحية أخرى يعتمد في بحثه الاجتماعي ما يسميه «الحكاية»: «وإنّما هو كتاب حكاية، فأُورِد كلام الهند على وجهه»[59]. والحكاية هي ما تسميه الإثنوغرافيا والإثنولوجيا المعاصرتان الوصف الدقيق والمطابق للواقع.

وكل هذه التقنيات، إنما هي من أجل أن «يؤدي إلى الإحاطة بالمطلوب بمشيئة الله»[60].

من ناحيةٍ أخرى، تطلب الإثنولوجيا «المقارنة» وكذلك البيروني، إذ علاوة على الحكاية استخدم «المقاربة» (بالباء) كما اصطَلَح، فقارب مُنْتَحلات الهنود في «رموز نِحْلتهم ومَوْضِعَات ناموسهم»[61] مع مُنْتَحلات اليونانيين والمسلمين (وخاصة الصوفية منهم) والنصارى واليهود. وقد كان يصبح عمله في بعض «المقاربات» تمشّيًا أنثروبولوجيًّا بأتم معنى الكلمة، في مقاطع متشتتة بين الفصل والآخر: «إن اليونانيين وأيام الجاهلية قبل ظهور النصرانية كانوا على مثل ما عليه الهند من العقيدة، خاصُّهُمْ في النظر قريب من خاصِهّم، وعامُّهُمْ في عبادة الأصنان كَعامِّهِمْ (...) ولكن اليونانيين فازوا بالفلاسفة الذين كانوا في ناحيتهم حتى  نقّحوا لهم الأصول الخاصة دون العامة (...) يدل على ذلك سقراط لما خالف في عبادة الأوثان (..) ولم يك للهند أمثالهم ممن يهذبُ العلوم (...)»[62].

لغة التحقيق الهندي لغة علمية لا عاميّة:

استطاع البيروني من أول التحقيق إلى آخره أن يقطع مع اللغة العامّة. فلم تكن لغة التكرار، ولا لغة التعجب، ولا لغة السخرية، ولا لغة الاستهجان والتكفير، ولا لغة التهويل ولا التحقير. فلم يكن انتماؤه الإسلامي- الإمامي ليجعله في تعامله العلمي مع الآخر ليبعده عن الموضوعية.

5-1: المَفْهَمَة أو استنباط «المقولة»: المفهوم هو أحد الأدوات العِلمية للبناء العلمي، إنه ليس الظاهرة نفسها، بل هو تجريد، «فهو من ناحية يمثِّل نشاطا تطبيقيا، حسّاسًا، واتصالا بالعالم تحت شكل كائنات خصوصية»[63]. فهو يسمح بتجاوز المباشر والحسّيّ والظاهر، ويُدخلنا ضمن الفهْم وضمن درجة عالية من الموضوعية[64].

يمكننا أن نحصر اصطلاحيته المقوليّة أسَاسًا في:

النِّحْلة.

المِلّة.

الناموس (أي القانون).

النّفار والمباينة.

التقليد.

التهارُج.

ولغته تتحرّى الدّقة والإيجاز معا، فهو يرفض ما في اللغة العامة من مرواغة و وُجوه وفضفاضية أحيانا، ويبرّر ذلك بقوله بأن ذلك «لمن له دراية واجتهاد، ومحبٌّ  العلمَ (...) ومَنْ كان على غير هذه الصفة، فلستُ أبالي أَفهِمَ أم لم يفهم» [65].

5-2: عَنْونة الكتاب عَنْونَةً علميةً:

بداية القطيعة في عَنونة في تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة. فالعَنْونة أولى امتحانات العلمية. ولها معايير، أهمّها وجود «موضوع» و«مسألة». فالموضوع يكون مبنيّا قفي صورة مفهومٍ أو علاقة بين مفهومين أو ثلاثة على الأكثر، عادة، والمسألة تحدّد المكان ومعه الزمان أحيانًا، أو الطائفة المختارة للبحث، أو الجزئية (أو الجزئيات) من الموضوع الأوسع.

ومن معايير العنونة العلمية أن تكون ذات مفاهيم.

وينبغي أن تكون العنونة بعيدة عن الانحياز أو السخرية أو الرفض والموقف المسبق.

ولقد توفرت في عنونة البيروني لهذه الكتاب شروط العنونة العلمية:

لفظة «في» تحْمِلُ تواضعا علميّا، فهذا البحث ليس تحقيقا، وإنّما هو في التحقيق، أي قابل للتطوير. وهو ما يعني الانفتاح الإبستيمولوجي.

هو «تحقيق»: أي مبحث علمي، وليس تقريرا رِحْلِيًّا أـو تَجَسُّسيًّا، أو انحيازا للمبحوثين أو رفضا لهم.

وهو بما هو تحقيق، يجب أن يعتمد «المقولات»، أي المفاهيم. فهو بحثٌ في تطبيق المقولات على الاجتماع الهندي.

وهو بما هو «تحقيق»، ينبغي أن يكون «حكايةً» فلا يهمّ المحقق إن كانت تطبيقات الهنود في تلك المقولات «مقبولة في العقل أو مرذولة». وهي ما تُسمى اليوم «الموضوعية العلمية».

اعتماد الجدل العلمي لإعادة تأسيس علم أحوال الأمم والطبقات:

اعتمدت قطيعة البيروني المعرفيّة على قطيعة أستاذه أبي العبّاس الإيرانْشَهْرِيّ[66]: «ولقد أحسن في حكاية ما عليه اليهود والنصارى وما يتضمنّه التوراة والإنجيل، وبالغ في ذِكْر المانويّة، وما في كتبهم من خبر المِلل المنقرضة»[67]. فهو الوحيد الذي «قصد الحكاية المجردّة من غير ميل ولا مداهنة»[68]. ولكن البيروني ينتقد أستاذه الإيرانْشَهْرِيّ: «وحين بلغ فرقة الهند والشامانية صاف سهمه عن الهدف، وطاش في آخره إلى كتاب زرقان ونقل ما فيه إلى كتابه، ما لم ينقل منه، فكأنّه مسموع من عوامّ هاتين الطائفتين»[69]. فلمّا عرض عليه البيروني ما عرفه عنهم، كان موقفه موقف العلماء غيّر الإيرَانْشهْريّ مقاربتهُ: «ولما أعاد الأستاذ، أيّده الله، مطالعة الكتب، و وجد الأمر فيها على الصورة المتقدّمة، حرص على تحريرها عرفته من جهتهم ليكون نصرة لمن أراد مناقضتهم وذخيرة لمن رام مخالطتهم. وسأل ذلك ففعلتُهُ، غير باهت على الخصم، ولا متحرّج عن حكاية كلامه، وإن باين الحقّ واستُفْظِعَ سماعُهُ عند أهله، فهو اعتقاده، وهو أبصر به»[70]. وهنا يظهر المفكّر الإيرانْشَهرْيّ[71] مولّدًا للحقيقة العلمية، وإن لم يكن صانعًا لها، فهو من بيئة القطيعة البَيْرونيّة.

إنّ البحث الإثنوغرافي عند البيروني ينبغي أن يكون اعتمادًا على وعي المبحوث نفسه، سواء أدلى به شفويّا أو كتابيا. فالكتاب الإثنوغرافي ينبغي أن لا يكون «كتاب حجاج وجدل حتى أَسْتَعْمِلَ فيه بإبراء حجج الخصوم ومناقضة الزائغ منهم عن الحقّ، وإنّما هو كتاب حكاية، فأورد كلام الهند على وَجْهِهِ»[72].

لقد عاد البيروني إلى الإبرانْشَهْرِيّ في تناوله للشامانية وعوالم جبل ميرو[73]، ويبرّر هنا عدم رجوعه إلى المبحوثين بقوله: «ولأني لم أجد كتابًا للشامانية ولا أحدا منهم استشف من عِنْدِهِ ما هم عليه، فإنّي حكيت عنهم فبواسطة الإيرانْشَهْرِيّ، وإن كنت أظنّ أن حكايته غير محصّلة، أو مِنْ غَيْرِ مُحَصّل»[74]. وهكذا، فهو يعبّر عن أوْلوية «الحِكاية» المباشرة، بأن كلام عالم الاجتماع السابق، الإيرانْشَهْرِيّ، يبقى محلّ نظرٍ.

لقد استفاد البيروني من درس الإيرانْشَهْرِيّ[75] في الإنسانيات. فقد أسَّسَ قطيعتَهُ في الطبيعات اعْتمادًا على مجادلة ابن سينا، وأسّس قطيعته الإبستيمولوجية، اعتمادًا مجادلة الإيرانْشَهْريّ الإبستيمولوجية. ولكن من سوء الحظ أن درس البيروني لم يجد من يؤسّس من جديد عليه، فانقرضت العلوم الإنسانية من جديد بعد البيروني[76]، لكي تُعيد الظهور مع القطيعة الخلدونية في علم الاجتماع.

المنهج الرياضي والقانون العلمي في إنسانيات البيروني:

هاجس البيروني الأساسي هو «التحقيق» بـ«الحكاية». ولذلك شعر بالصعوبة الإبستيمولوجية والمنهجية في فصل «في أجناس الخلائق وأسمائهم»: «هذا باب يصعب تحصيله على التحقيق، لأنّنا نطالعه من خارج، وأولئك لا يهذبونه، ولاحتياجنا إليه في ما بعده، نقرّر منه جميع المسموع إلى وقت تحرير هذه الأحرف»[77]. فهو يَطْلب المطالعة من داخل المجتمع المبحوث لا من خارجه، لأن المطالعة الخارجية فيها الكثير من الإسقاط.

لقد وجد في العقل الرياضي مساعدًا على البحث الإثنوغرافي فهو بحثه على جعل تحقيقه تسلسلا، فهو يحتاج للفصل من البحث لما بعده من فصول «تُقرّر منه جميع المسموع».

وهو يبدأ، في استدلاله الإنسانياتي بالقانون أـي «السُّنّة» في لغته، ليمرّ إلى التحقيق، أي هو يبدأ بالعامّ لكي يمرّ إلى الخاصّ، تمامًا كالاستدلال الرياضي. ومن ذلك هذه الأمثلة:

«إنما اختلف اعتقاد الخاص والعام في كلّ أمّة بسبب أن طباع الخاصّة بنازع المعقول وبِقَصْدِ التحقيق في الأصول. وطباع العامّة يقف عند المحسوس ويقتنع بالفروع ولا يروم التدقيق، وخاصّة في ما افْتَنَّتْ فيه الآراء ولم يَتَّفِق عليه الأهواء» (بداية فصل: «ذكر اعتقادهم في الله سبحانه»)[78].

«كلّ أمر صدر عن مستهتر طبعا بالسياسة، مستحق بفضله وقوته للرئاسة، ثابت الرأي والعزيمة[79]، مُعان بدولة في الأخلاق بتركهم الخلاف بالأسلاف؛ فقد تأكَّد ذلك الأمرُ عند مأمور به (..) وبقي فيهم مُطاعا في الأعقاب. ثمّ إن استند ذلك إلى جانب من جوانب مِلّةٍ، فقد توافَى فيه التوأمان وكمُل الأمر باجتماع المُلْك والدين (..)»

«وقد كان الملوك القدامى المعنيون بضاعتهم يصرفون معظم اهتمامهم إلى تصنيف الناس طبقات ومراتب يحفظونها عن التمازج والتهارج، ويحظرون الاختلاط عليهم بسببها، ويلزمون كل طبقة ما إليها من عمل أو صناعة وحِرْفة، ولا يرفضون لأحد تجاوز رتبته ويعاقبون من لم يكف بطبقته» (بداية فصل «في ذكر الطبقات التي يسمونها ألوانا وما دونها»[80]).

«معلوم أن الطباع العامّي نازع إلى المحسوس نافر عن المعقول الذي لا يعقله إلا العالمون الموصوفون في كلّ زمان ومكان بالقلّة، ولسكونه إلى المثال عدل كثير من أهل الملل إلى التصوير في الكتب والهياكل، كاليهود والنصارى، ثم المنانية خاصّة» (بداية فصل «في مبدإ عبادة الأصنام وكيفيّة المنصوبات»)[81].

«يجب أن لا يلتفت إلى اختلاف الأسامي والمعاني التي أوردها. أما في الأسامي فسهل الإصلاح لاختلاف اللغات، وأما ما في المعاني فإما أن يحصل منه شيء يُرْغَب في فهمه وموضوعه، وإما أن يعرف فيه تناقض كلّ ما لا أصل له» (بداية فصل «في ذِكْر الديبات السبعة بالتفصيل من جهة البرانات»)[82].

«النكاح ما لا يخلو منه أمّة من الأمم، لأنّه مانع عن التهارج المستقبح في العقل وقاطع للأسباب التي تهيّج الغضب في الحيوان حتّى يُحْمَل على الفساد. ومن تأمّل تزواج الحيوانات واقتصارَ كل زوج منها بزوجة وانحسامَ أطماع غيره عنهما استَوْجَبَ النكاحَ؛ واحتوى السِّفاح آنفةً للقصور عن رتبة ماهو دونه من الحيوانات. ولكل أمّة فيه رسوم، وخاصّة من ادعى منهم شريعة وأوامر له إلهية» (بداية فصل: «في المَنَاكح والحيض وأحوال الأجِنَّة والنفاس»)[83].

وربّما عوّض البيروني المنطلق القانوني- النظري- التعميمي، بقضية مُقارنية يدلف بها الخصوصيّة الهندية.

وهو يستعيد المنهج الرياضي بالإنسانيات (أو «دراسة أحوال الأمم والطبقات» بتعبيره)، بإكثاره من الجداول التوضيحيّة، كجدول المذنبات المتوسطة في الجوّ[84] وجدول البروج[85]. وهو يستعمل الرسم الهندسي، كما فعل في تناول جبل ميرو[86].

ولكنّه ليس متعسّفا في استعمال الأشكال والوسائل الرياضيّة، بل يستعملها عندما تبدو وظيفتها: «ويتعذّر في ما قصدناه سلوك الطريق الهندسي في الإحالة على الماضي دون المستأنف، ولكنّه ربّما يجيء في بعض الأبواب ذكر مجهول، وتفسيره في الذي يتلوه»[87].

أما على مستوى المقاربة، فقد كانت مقاربة البيروني مقاربة رياضية لأحوال الأمم، في البناء النظري، وفي أكثر الاستقراء الدقيق والتفصيلي.

كيفية التعامل مع لغة المبحوثين ونقلها للغة الباحث:

يجتهِدُ البيروني في اكتناه مَنطوق المبحوثين، فينقله حرفيّا إلى اللغة العربية، فهو« ذاكِرٌ من الأسماء والمُوَاضَعات في لغتهم ما لابدّ من ذكره مرةً واحدة يوجِبُها التعريف»[88]، ساعيًا إلى أن يكون النقل إلى الحرف العربيّ دقيقًا: «فنستعمِلهُ بعد غاية التَّوْثِقَة مِنْه في الكَتْبَة»[89].

أما إن كان اللفظ مشتقا «يمكن تحويله في العربية إلى معناه لم أمِل عنه إلى غيره إلا أن يكون بالهندية أخفّ في الاستعمال فنستعمله»[90]. وإن كان مقتضبا شديد الاشتهار، يستعمله «بعد الإشارة إلى معناه»[91].

وكل هذا التحرّي من خصوصيات العمل الإثنوغرافي العلميّ الجيّد. فبِاللّغة أساسًا يمكن الوصول إلى المبحوث ونِحْلَته.

الإخفاق الخلدوني في محاولة تأسيس الإثنوغرافيا والأنثروبولوجيا:

لَمْ يعترف ابن خلدون بالتأسيس البيْروني للعلوم الإنسانية، ممّا جرَّ ذلك إلى إخفاقه في تأسيس إثنوغرافيا علمية فضلا عن الأنثروبولوجيا. ولم يعترف بتأسيس أبي زيد البَلْخي لعلم النفس العلمي في كتابه مصالح الأبدان والأنفس، فكانت نتائجه في معرفة أخلاق الأمم غير علمية، وفي معرفة تطوّر أخلاق المدينة محدودة.

خصّص ابن خلدون المقدّمة الثانية والمقدّمة الثالثة والمقدّمة الرّابعة والمقدّمة الخامسة للبحث الإثنوغرافي، أو في «أحوال الأمم» كما كتب البيروني.

فبعد أن قسم الأرض إلى أقاليم، انتهى إلى أنّ «الإقليم الرّابع أعدل العمران، والذي حافاته من الثالث والخامس أقرب إلى الاعتدال، والذي عليهما والثاني والسادس بعيدان عن الاعتدال، والأوّل والسابع أبعد بكثير»[92]. وانتهى من ثمّة إلى أن ذلك يستتبع أن «العلوم والصنائع والمباني والملابس والأقوات والفواكه، والحيوانات وجميع ما يتكوّن في هذه الأقاليم الثلاثة المتوسّطة مخصوصة بالاعتدال، وسكّانها من البشر أعدل أجساما وألوانا وأخلاقا وأديانا. حتى النبوءات، فإنّما توجد في الأكثر فيها، ولم نقف على خبر بعثه في الأقاليم الجنوبية ولا الشمالية. وذلك أن الأنبياء و الرّسل إنّما يختصّ بهم أكمل النوع في خلقهم وأخلاقهم، قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آال عمران، الآية 110)، وذلك ليتم القبول بها يأتيهم به الأنبياء من عند الله»[93]. وهكذا يُرادف ابن خلدون بين الاعتدال المناخي والاعتدال الأخلاقي،  ولكنّه لم ينتبه إلى أنّ داخل الاعتدال المناخي تفاوتًا، فكيف يكون العرب وأهل الشام الأعدل في شعوب المنطقة المعتدلة وأصحاب النبوءة فيها، في حين أنّ مناخ الجزيرة العربية دونها اعتدالا وأقواتا؟! وإذا كانت كثرة النبوءة في شعب دليل تفوق عدالي- أخلاقي، فسيكون اليهود أعدل شعوب الأرض وأعظمها أخلاقا، وهو أمر ليس بالضرورة صحيحا، فقد تكون كثرة النبوءات دليل تدهور أخلاقي يتطلّب كثافة في النبوءات، وقد تكون قلّتها دليل عافية أخلاقيّة نسبيّة. وربّما هناك نبوءات كثيرة خارج منطقة الاعتدال لم يسمع بها ابن خلدون، وقد يكونُ من اعتبره حكيمًا هو في الحقيقة نبيٌّ رسولٌ (بوذا، بَرْهَمَا، كُنفشيوس، زرادشت، ماني...)...

ولقد كانت آية سورة آل عمران تتناول ما يجب أن يكون في الأمّة، فجعلها ابن خلدون تتناول حالة قارّة، وهو أمر غريب يصدر من عالم دين مِثْلَهُ، وهو ينمّ عن نزعة تعصّب عنصريّ ونزعة تبرير لكلّ تاريخ الأمّة الإسلاميّة، ليصبح كلّ ما قامت به من خير أو شرّ كلّه، بما فيه الاستبداد وقطع الرؤوس والسّبي والنخاسة والتّفاوت «الاقتصادي» والجنسي (وهي أمور لا تختصّ بأمّتنا وحدها). فحتى الرعيل الأوّل كانت له أخطاؤه: ترك النبيّ وحده في صلاة الجمعة (كما في سورة الجمعة، الآية 11)؛ التّظاهر على النبيّ (سورة التحريم الآية4)؛ عدم الالتزام بأوامر النبيّ بمعركة أحُد الدّفاعية بحثا عن الاغتنام؛ قَتْلُ أسامة رجلا نطق بالشهادة لما رأى السيف فوق رأسه...

وهو يعتبر أهل هذه الأقاليم المعتدلة «أكمل لوجود الاعتدال لهم، فنجدهم على غاية من التوسّط في مساكنهم وملابسهم وأقواتهم وصنائعهم، يتخذون البيوت المُجدة بالحجارة المنمّقة بالصناعة، ويتناغون في استجادة الآلات والمواعين، ويذهبون في ذلك إلى الغاية»[94].

وهذا كلام غير علمي، بل محمول بنزعة التعصّب العنصري. فبهذا السياق، ستكون العرب (باستثناء اليمن) أقلّ أمم الاعتدال المناخي اعتدالا أخلاقيّا، لا لشيء إلاّ أنّهم في الأغلب أهل خيام و لا أهْل بيوت حجارة، وأصل آلات ومواعين.

وهو يؤكّد أن لدى أهل الأقاليم المعتدلة «المعادن الطبيعيّة من الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص والقصدير، ويتصرّفون في معاملاتهم بالنقدين العزيزين، ويبعدون عن الانحراف في عامة أحوالهم»[95]. وهو كلام غير علمي، لأننا نجد المعادن في كلّ الأقاليم، وربّما في الأقاليم وربّما في الأقاليم غير المعتدلة أغير. وليس كلّ شعوب الاعتدال المناخي تستعمل النقد، بل كان بعض العرب يستعملون المقايضة ولا يعني ذلك دونية أخلاقية أو نِحْليّة، وبعض المناطق غير «المعتدلة» مناخا سبقت في استعمال النّقد، ولا يعني ذلك تفوّقا أخلاقيّا في ذاته.

إنّه يرى أن أهل الأقاليم البعيدة «أبعد عن الاعتدال في جميع أحوالهم فبناؤهم بالطين والقصب، وأقواتهم من الذرة والعشب، وملابسهم من أوراق الشجر يخصفونها عليهم، أو الجلود، وأكثرهم عَرَايا من اللباس، وفواكه بلادهم غريبة التكوين مائلة إلى الانحراف، ومعاملاتهم بنفس الحجرين الشريفين من نحاس أو حديد أو جلود يقدّرونها للمعاملات. وأخلاقهم مع ذلك قريبة من خُلق الحيوانات العَجم، حتى ليُنْقَل عن الكثير من السودان أهل الإقليم الأوّل أنهم يسكنون الكهوب والغياض، ويأكلون العشب، وأنهم متوحشون غير مستأنسين يأكل بعضهم بعضا، ليعدهم عن الاعتدال يقْرب عرض أمزجتهم وأخلاقهم من عرض الحيوانات العُجم ويبعدون عن الإنسانية بمقدار ذلك. وكذلك أحوالهم في الديانة أيضا، فلا يعرفون نبوءة، ولا يدينون بشريعة؛ إلاّ من قرب من جوانب الاعتدال، وهو في الأقل النادر مثل الحبشة المجاورين لليمن (...) ومثل أهل مالي (...) المجاورين لأرض المغرب»[96]. وهو كلام غير علميّ، وليس مبنيّا على تقارير علمية أو مشاهدة، فحتّى العرب كان الكثير منهم يسكنون الخيام وبناؤهم الطين والقصب، وحَزَّ بعضُهُمْ رؤوسَ بعضٍ (دامت حرب داحس والغبراء قرابة قرن). ولقد كانت مملكة بينين ومملكة الزِّمْبابوي البعيدتين عن المناطق «المعتدلة ذواتي نقد وحضارة ومتفوقة على مُنْتَحل العرب قرونا طويلة. ولم تكن حضارة مالي مكتشفة القارة الأمريكية عالةً على حضارة بلاد المغرب، فلو كان ذلك، ما كانت بلاد المغرب التي عاصرت مَنْسا موسى ومَنسا سليمان تعيش الفوضى وأقلّ شأنا حضاريّا ومعاشيّا.

وإنَّ اعتبارَ ابنِ خلدون السّود وبيض الشمال الأقصى واسكندينافيا أقرب إلى «الحيوانات العُجم» وأبعد «عن الإنسانية» أمرٌ غريب من عالِم دينٍ مسلمٍ مثله يعلم من حِكْمَةِ نبيّه: «لا فرق بين عربي وأعجمي إلاّ بالتقوى»، ومِنْ قرآنه: ﴿وجَعَلناكم شُعُوبا وقَبَائل لِتَعَارَفوا﴾، وهل إنّ النبيّ لقمان[97] الأسود، الحبشي- اليمني، اقلّ شأنا من ابن خلدون الأبيض؟! ولقد استكثر العديدُ من «علماء» الدين ذوي النزعة التعصبية العنصرية على لقمان النبوّة، فكيف يكون في نظرهم إفريقيٌّ مُعَلِّما سماويًّا للعرب؟ فهم مثل ابن خلدون يُقصون القارة السوداء من إمكانيّة النبوّة والحكمة [﴿الكتاب والحكمة﴾ كما في القرآن الكريم]. ولقد استهزأ الكثير من المثقّفين بمحمد أبي الجُودِ بعامل لونه وأمّه النوبية.

يتبنى ابن خلدون التصنيف اليهودي للأجناس والأمم من خلال توراته واستتباعاته الإزرائية بمَنْ هم غير يهود، وخاصة السود[98]. فإزراء ابن خلدون بالسود يعود إلى «لعنة» نوح اليهودي على حام، الذي هو ليس أبا السود فقط بل أبا الكنعانيين/ الشاميين أيضا، لتجعل تلك اللعْنة كل حاميّ «عَبْد العبيد»[99]. وذلك التصنيف ما زال مستمرًّا لدى الكثير من أهل الأنثروبولوجيا المعاصرة في الغرب والعالم العربي («ساميون»/ «حاميّون»...)، وباقي العالم الذي لم تصنّفه تلك التوراة يُمْتَثلُ في فوضى تصنيفيّة أخرى... فقد تبنّى ابن خلدون روح ذلك التصنيف، وهو تحقير غير «السّاميّين» وغير المنتمين لجغرافيا النّبوّة «الساميّة» المزعومة التي قتلت المسيحانيّة والعرفانيّة ونَظَرَتْ للمِلّة العرقيّة انغلاقا وشعورا بالتفوّق. وليس في تقسيم البشر إلى منحدرين من أبناء ثلاثة لنوح إثباتٌ، خاصة أكثرية من كانوا على سفينته لم يكونوا من أبنائه.

خاتمــــة

لا يفوق نجاحُ التحقيق الهنديّ البيرونيّ نجاح إنجازه الآخر في العلوم الإنسانية، وهو العمل الإثنوغرافي ذو الملاحَظات الأنثروبولوجية الهامة: الآثار الباقية عن القرون الخالية، وهو عَمل مُقَارِن في ضَبْط مختلف النِّحل للزمن، «التواريخ التي يستعملها الأمم والاختلاف الراجع في الأصول التي في مبادئها، والفروع التي شُهورها وسِنُوّهَا، والأسباب الداعية لأهلها إلى ذلك»، مبتعدًا فيه عن «العادة المألوفة والتعَصب واتباع الهوى والتغالب بالرئاسة»[100].

لم تكن علاقة البيروني بالموضوع الاجتماعي الهنديّ متوترة، تشنجية، كما كان واقع ابن خلدون مع السلطة والمدينة والأعراب بالموضوع الاجتماعي المغربيّ، ممّا جعل الاستعداد للتخلّص من العقبة الإبستيمولوجية النفسية لدى البيروني أقوى وأوضح.

إنّ الشرح النفسي للمعرفة الاجتماعية لدى البيروني وابن خلدون والنّقد الابستيمولوجي لهما، يستوقفاننا على أطروحة تأسيس البيروني للعلوم الإنسانية في القرن الرابع هجريا، وسَبْقِهِ في ذلك الأطروحةَ الخلدونية، بل اكتشفنا أنّ عقبة الغرور العلمي لدى ابن خلدون جعلته لا يستفيد من اللحظة البيرونية، بل تجاهَلَهَا ولم يراكم عليها ليتجاوزها. وهذا ما حمّل اللحظة الخلدونية أخطاء ما كانت لتكون بدءا لو كان التأسيس الخلدوني فوق التأسيس البيروني. وتلك عقبة إبستيمولوجية مازلنا نراها في العلاقات العلمية الإقصائية بين الأطروحات العلمية العربية المعاصرة[101].

 

د. عادل بالْكَحلة

أستاذ تعليم عال، قسم علم الاجتماع،

كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس

..............................

[1] . «الإمّة» هي المركز التوليدي في مُنتحلِ أو فكْر معَيّن : (راجع: الفيروز أبادي، القاموس المحيط، عالَم الكتب، بيروت، د.ت، المجلد4، ص76.

[2] . وقيدي (محمد)، فلسفة المعرفة عند غسطون بشلار، مكتبة المعارف، الرباط، 1984، ص 53.

[3] . وقيدي (محمد)، م. س، ص 64.

[4] . Bachelard (G), L’activité ratrionaliste dans la physique contemporaine, P.U.F, Paris, 1965,p 45.

[5] . وقيدي (محمد)، فلسفة المعرفة عن غسطون بشلار، مكتبة المعارف، الرباط، 1984، ص 53.

[6] . «الشَّرْح» في الاصطلاح العربي القديم هو Analyse (fr) ، «Analyze (eng)» في لغات أوروبا الغربية (شرح كتاب النفس عند أرسطو لابن رشد مثلا...)

[7] . الأَرَان هو dynamique (fr), dynamic (eng)، في لغات أوروبا الغربية.

[8] . تصرّفنا في ترجمة محمد وقيدي برجوعنا إلى الأصل، م. س، ص 11.

Bachelard, La formation de l’esprit scientifique, vrin, Paris, 1972, P13.

[9] . وقيدي (محمد)، م. س، ص 111.

[10] . م. س، ص 115.

[11] . م. س، ص 118.

[12] . وقيدي (محمد)، م. س، ص 119.

[13] . م. س، ص 119.

[14] . ترجمة محمد وقيدي، بتصرف منّي، ص 119، نقلا عن بشْلار، م. س، ص 97.

[15] . م. س، ص 130.

[16] . وقيدي (محمد)، م. س، ص 130.

[17] . وقيدي (محمد)، العلوم الإنسانية والإيديولوجيا، منشورات عكاظ، الرباط، 1988، ص 166.

[18] . Bourdieu (P.) et autres, le métier du sociologue, éd. Mouton, Paris, 1984, P36.

[19] . وقيدي (محمد)، العلوم الإنسانية والإيديولوجيا، ص 169.

[20] . وقيدي (محمد)، العلوم الإنسانية والإيديولوجيا، ص 168.

[21] . م. س، ص 169.

[22] . م. س، ص 169 أيضا.

[23] . م. س، ص 170.

[24] . وقيدي (محمد)، العلوم الإنسانية والإيديولوجيا، ص 166 أيضا.

[25] .وقيدي (محمد)، م. س، ص 174.

[26] . Bourdieu (P.) et autres, le métier du sociologue, p14.

[27] . البيروني (أبو الريحان)، في تحقيق ما للهند مِن مقولة، مقبولةً في العقل أو مرذولةً، عالَم الكُتُب، بيروت،1983، ص17، مثلا.

[28] . «الأمّة» في الأصل اللغوي هي «الجماعة» عامَّة [الفيروز أبادي، القاموس المحيط، عالَم الكتب، بيروت، د.ت، المجلد 4، ص 76)]. وبهذا الاعتبار تكون «الطبقة» أمّة أيضا.

[29] . البيروني، م. س، ص 17.

[30] . البيروني، م. س، ص 17.

[31] . م. س، ص 13.

[32] . م. س، ص 13 أيضا.

[33] . «السَّوْق» (بفتح السين) هو الاستراتيجيا في لغات أوروبا.

[34] . م. س، ص 13 أيضا.

[35] . م. س، ص 13 أيضا.

[36] . م. س، ص 14.

[37] . م. س، ص 14.

[38] . م. س، ص 14 أيضا.

[39] . م. س، ص 14 أيضا.

[40] . تِفْليس هي عاصمة بلاد الكُرْج (تِبيليسي عاصمة جورجيا).

[41] . البيروني، م. س، ص 15.

[42] . البيروني، م. س، ص 15 أيضا.

[43] . البيروني، م. س، ص 15 أيضا.

[44] . البيروني، م. س، ص 15 أيضا.

[45] . أركون (محمد)، نزعة الأنسنة في الفكر العربي: جيل مِسْكوِيه والتوحيدي، دار الساقي، بيروت، 1997، ص 314.

[46] . نسْبَةً إلى فخر الدولة البويْهي.

[47] . أركون (محمد

)، م. س، ص 613.

[48] . م. س، ص 620.

[49] . م. س،

[50] . ....ذلك موضوع كتابه : الجماهر في معرفة الجواهر، مكتبة المتنبي، القاهرة، د.ت.

[51] . الخويلدي (زهير)، «تحدي البيروني العالم لابن سينا» ضمن: (http/www.dorool.com, P40960) وكذلك: نصر (سيد حسين)، العلوم الطبيعية عند المسلمين، دار الحوار، اللاذقية، 2003.

[52]. البيروني (أبو الريحان)، في تحقيق ما للهند من مقولة، مقبولة في العقل أو مرذولة، عالم الكتب، بيروت، 1983، ص 13.

[53] . بن مبارك (علي)، «منهج البيروني في دراسة الأديان»، مجلة ثقافتنا، طهران، المجلد 4، العدد 16، 2008، ص 23.

[54] . البيروني، م. س، ص 17.

[55] . م. س، ص 17.

[56] . البيروني (أبو الريحان)، في تحقيق ما للهند من مقولة، مقبولة في العقل أو مرذولة، ص 21.

[57] . م. س، ص 16.

[58] . م. س، ص 16.

[59] . م. س، ص 17.

[60] . البيروني (ابو الريحان)، في تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، ص 63.

[61] . البيروني  م. س، ص 16.

[62] . البيروني م. س، ص 21.

[63] . Grawitz (M.), Méthodes des sciences sociales, Dalloz, Paris, 1996, P17.

[64]  . م. س.

[65] . من تمهيد «علي صفا» لطبعة عالم الكتب، لـ«في تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة»، ص 11.

[66] . على عكس ابن خلدون الذي لم يعترف بفضل الآخرين على قطيعته، فلم يرجع إلى البيروني، وهو المشهور، ولم يرجع إلى أبي زيد البلخي.

[67] . البيروني، م. س، ص 15.

[68] . البيروني، م. س، ص 15.

[69] . م. س، ص 15.

[70] . م. س، ص 15 أيضا.

[71] . إيرَانْشَهْر مدينة فارسية، انتُزِع إسْم «إيران» الحديثة منها.

[72] . م. س، ص 15 أيضا.

[73] . م. س، ص 247.

[74] . م. س، ص 183.

[75] . من سوء الحظ أن نسجّل «اختفاء ما ألّفه الإيرانْشَهْرِيّ واختفاء (كتابه)، كتاب الهند المقصود، لمدة تزيد عن ثمانية عقود» [ابن مبارك (علي) «منهج البيروني في دراسة الأديان»، مجلة ثقافتنا للدراسات والبحوث، طهران، المجلد 4، العدد 16، عام 2008].

[76] . ربّما نستشفي هنا أبا زيد البلحي ذا القطيعة المؤسسة لعلم النفس التجريبي.

[77] . البيروني، م. م، ص 23.

[78] .البيروني، م. س، ص 23 أيضا.

[79] . تُسمّى «العزيمة» في لغتنا العربية المعاصرة «القرار»!! (وذلك ممّا يعني أمّيتنا اللسانية).

[80] . م. س، ص 70.

[81] . م. س، ص 87.

[82] . م. س، ص 185.

[83] . م. س، ص 428.

[84] . البيروني، م. س، ص 502.

[85] . م. س، ص 453.

[86] . م. س، ص 181.

[87] . م. س، ص 22.

[88] . البيروني، م. س، ص 22.

[89] . البيروني، م. س، ص 22 أيضا.

[90] . م، س.

[91] . ابن خلدون، المقدّمة، دار الجيل، بيروت، 2005، ص 85.

[92] . م. س، ص 85.

[93] . م. س، ص 85.

[94] . بان خلدون، المقدّمة، م. س، ص 85.

[95] . ابن خلدون، المقدمة، م. س، ص 85.

[96] . م. س، ص 89.

[97] . مثال ذلك أننا مازلنا إلى اليوم نهمل درس «أبو القاسم حاج أحمد» في العالمية الإسلامية الثانية، فهما ونقدا فتجاوزا، رغم مرور العقود الطويلة على إنجازه العلمي الهامّ...

[98]  نجد التصنيف اليهودي للأجناس فس سِفر التكوين (9/18).

[99] . الكتابُ المقدَّس، كتاب الحياة، القاهرة، 1994، «سِفْر التكوين»، 9/20.

[100] . البيروني (أبو الريحان)، الآثار الباقية عن القرون الخالية، دار بِيبِلْيون، باريس، 2009، (المقدمة، ص3).

[101] . مثال ذلك أننا مازلنا إلى اليوم نهمل درس «أبو القاسم حاج أحمد» في العالمية الإسلامية الثانية، فهما ونقدا فتجاوزا، رغم مرور العقود الطويلة على إنجازه العلمي الهامّ...

 

 

ميثم الجنابيالقومية العربية والقومية السورية: بدائل وليس اضداد

لقد توصلت في المقال السابق إلى أنَّ موقف انطون سعادة المعارض "للعروبة" كان موجه أساساً ضد "العروبة الدينية" أي تلك الفكرة القومية التي تجد في الدين أساس ومصدر الفكرة القومية العربية. الأمر الذي يجعلها عاجزة عن توحيد الجميع في فكرة تتجاوز الخلافات الدينية والمذهبية والطائفية المميزة لسوريا. من هنا ثنائية ما اسماه انطون سعادة بالعروبة الوهمية والعروبة الواقعية. وانطلق في موقفه هذا من اعتبار القول بوحدة الأمة العربية والشعب العربي الواحد التي هي شعوب وأمم متباينة من خلال إرجاع وحدتها (واحديتها) إلى اللغة والدين مجرد وهم. وأطلق عليها وصف "العروبة الوهمية"، التي "تجهل نواميس الطبيعة". وإذا كان "الناموس اصطلاح بشري لمجرى من مجاري الحياة أو الطبيعة" حسب فهم انطون سعادة، فإنَّ "النواميس لا تمحو خصائص الأنواع"[1]. وبالتالي، ففي كل النواميس التي نكتشفها يجب ألا ننسى إننا نستخرجها من الحياة نفسها. وبالتالي، لا يجب أنْ نجعلها تتضارب مع المجرى الطبيعي الذي نعرفه بها[2]. وأخيراً، إذا كنا قد اكتشفنا سنّة التطور، فيجب أنْ لا نتخذ من هذه السنُّة أقيسة وهمية تذهب بنا إلى تصورات تنافي الواقع وتغاير الحقيقة[3].

وعندما طبق هذه الفكرة المنهجية على موقفه من "العروبة الوهمية"، فإنه توصل إلى وجود "عروبة أخرى هي التي تقول بأنَّ العالم العربي أمماً وشعوباً لكل منها خصائص ومقومات وحياة وإمكانيات... والمهمة تقوم في أنْ يعي كل واحد وجوده وحقيقته وأهدافه من اجل بلوغ التعاون بينها"[4]. وبالتالي فإنَّ موقفه القائل بإنعدام وجود "مجتمع عربي"، مبني على أساس "انتقاصه لخصائص المجتمع الصحيح الحي الفاعل وكذلك عوامل الاتحاد الاجتماعي"[5]. ووجد في هذه النتيجة مقدمة الفلسفة الفاعلة للبديل القائم في الحركة السورية القومية ومضمونها الفعلي. من هنا قوله، بأنَّ الأولوية في الفكرة السورية تقوم في مواجهة ما اسماه بالثورة على "خيال العروبة وهذيان الوحدة العربية وجيوش العرب والعروبة" في قضاياها ومصالحها القومية "التي تعنيها وحدها، والتي يجب أنْ تقوم هي بها إذا كانت تريد سيادة حقيقية وتحقيق أهدافها"[6]. ووضع هذه الفكرة القومية تحت عنوان "عروبة العالم العربي"، وليس "عروبة الأمة العربية والقومية العربية"[7].

بعبارة أخرى، إنَّ العالم العربي ككل واحد متمايز من حيث مكوناته وخصائصه. وبالتالي لا تصلح له فكرة واحدة وقوالب واحدة. ومحاولة إرجاعها الى عنصر الدين واللغة لا يحل الإشكالية، بقدر ما انه يصنع أوهاماً جديدة. من هنا دعوته للعمل"إلى سحق هذه الأوهام وسحق الرجعية والرجعية الجديدة". مما يفترض بدوره العمل من اجل "فصل الدين عن الدولة واعتبار الأمة مجتمع واحد وإقامة نظام نفسي ثقافي علمي يزيل الشاق ويمحو التفسخ ويبعث اليقين والإيمان والثقة"[8]. ووضع ذلك في استنتاج نهائي يمكن أنْ نطلق عليه عبارة "معارضة كمية الأقوام بنوعية القومية الجديدة". بحيث نراه يجد في "العروبة الوهمية"، "عروبة الأربعين أو الخمسين مليونا" مرضا مزمنا. وضمن هذا السياق يمكن فهم ردوده على من اتهمه بمعاداة العرب والعروبة، بأنَّ لا علاقة لذلك بما يقول ويسعى إليه. بل على العكس[9]. بل نراه يكتب بهذا الصدد قائلا:"إذا كان في العالم العربي عروبة حقيقة صميمة فهي عروبة الحزب القومي الاجتماعي. فالجامعة العربية هي تحقيق ما كان يسعى إليه... ثم إننا جبهة العالم العربي وصدره ونحن سيفه ونحن ترسه... كما ناديت الأمة السورية إلى النهوض نفسها لتتمكن من الاشتغال في قضايا العالم العربي وتكون قوة فاعلة في تكوين الجبهة العربية"[10]. وأنْ يضيف أيضا "إني أؤمن بأن الأمة السورية هي الأمة المؤهلة بنهوض العالم العربي، ولكنها لا تستطيع القيام بهذا العمل إلا إذا كانت ذات عصبية قومية في ذاتها تجعل ثقافتها مسيطرة وإرادتها فاعلة"[11]. أما الحصيلة النظرية والعملية لها الموقف فتقوم في إبراز ما اسماه انطون سعادة برسالة الأمة السورية للعالم العربي. وكتب بهذا الصدد يقول:"إننا لن نتنازل عن مركزنا في العالم العربي ولا عن رسالتنا إلى العالم العربي. ولكننا نريد قبل كل شيء أنْ نكون أقوياء في أنفسنا لنتمكن من تأدية رسالتنا"[12]. أما مصدر هذه القوة الفعلية والرسالة التاريخية فهي الفكرة القومية السورية.

انطلق انطون سعادة في تأسيسه للفكرة القومية السورية من أنَّ اهتمامها الجوهري وحافزها الذاتي يقوم في إبراز قيمة وأولوية المسالة القومية لا المسألة السلالية (العرقية)[13]. من هنا توجهه صوب "خدمة أمة واحدة من أمم العالم العربي"، أي "الأمة السورية". والقضية هنا ليست فقط في احتياج "الأمة السورية" لذلك، بل وللرسالة المناط بها، بوصفها القوة الوحيدة القادرة في حال اكتمالها، على تحقيق الغايات الكبرى[14]. الأمر الذي جعله، كما يقول عن نفسه، ينسى قليلاً الاهتمام بالعالم العربي ككل، لكن ذلك لن يبعده عنه.

لقد وجد انطون سعادة العلاقة المثلى والصيغة العملية المناسبة في المعادلة النموذجية "للأمة السورية" بالبقية الباقية من "أمم" العالم العربي. وبالتالي لا يعني أولوية الاهتمام الأكبر "بالأمة السورية" سوى النتيجة المترتبة على إدراكه إياها بوصفها القوة الوحيدة القادرة في حال تكاملها للنهوض بأعباء جرّ "أمم العالم العربي" وراؤها، أو تأدية واجبها أمام العالم العربي، كما نعثر عليه في قوله الجازم:"إنني أؤمن بأنَّ الأمة السورية هي الأمة المؤهلة للنهوض بالعالم العربي. لكنها لا تستطيع القيام بذلك قبل أنْ تتكامل في عصبية قوية في ذاتها تجعل ثقافتها مسيطرة وإرادتها نافذة"[15]. من هنا وقوفه بالضد من فكرة "الهلال الخصيب" مع انه استعمل لاحقا عبارة "الهلال الخصيب السوري".

لقد أراد انطون سعادة أنْ تتماهى الفكرة والعبارة مع الأمة. ووجد في التجربة التاريخية السياسية والقومية للعالم العربي ما يؤيد مواقفه هذه، عندما اعتبر تبرير نكبة فلسطين بوضع أوزارها على القادة والعسكريين غير صحيح. ووجد في ذلك أسلوبا "يهودياً" من خلال تعليق كل آثامهم وهزائمهم على ماعز يطلقونه في البرية لكي يذهب الى "عزرائيل"[16]! واعتبر هذه النكبة والهزيمة أمراً متوقعاً. فقد كتب عنها وحذر منها منذ عام 1925، أي قبل وقوعها بفترة طويلة. بينما لا يرى أصحاب "الهلال الخصيب" وأمثالهم من أصحاب "العروبة الوهمية" الكارثة إلا بعد وقوعها! ووضع هذه الحصيلة في فكرة تقول، بأنه لا مهرب من الواقع، كم انه لا أفضل من الوجود ولا أبدع من الحقيقة! وليس هذا الواقع والوجود والحقيقة بالنسبة له سوى الفكرة السورية وسوريا الطبيعية. إذ وجد في "سوريا الطبيعية التاريخية" كياناً وقوة أفضل من "مرعى الهلال الخصيب".

لقد أراد انطون سعادة نقل الفكرة القومية من ميدان الجغرافيا والمصالح العابرة إلى ميدان التاريخ والمستقبل والحقيقة. لهذا نراه يعتبر "بناء النفوس في النهضة السورية القومية الاجتماعية" الأسلوب الوحيد لإنقاذ "سورية من الفوضى والتفّسخ الداخلي"، وبالتالي إنهاضها وإنهاض العالم العربي معها[17]. وذلك لأنَّ "القضية السورية القومية الاجتماعية" هي أولاً وقبل كل شيء أسلوب وفكرة مهمتها الانتصار على ما اسماه بعقلية التعلّق بتوحيد ما ليس واحداً في الاجتماع والأرض، وبتجزئة ما هو واحد في الاجتماع والأرض. ووجد في هذا الانتصار مقدمة نهوض "الأمة السورية". وبنهضتها يمكن إنشاء "جبهة عربية أمكن وأقوى من الجبهة التي تشكلت في "الجامعة العربية" في وضعها الذي أفلس"[18]. ذك يعني، إنَّ "الحركة الاجتماعية القومية السورية" كما فهمها وخطط لها انطون سعادة تسعى لتأسيس وإبراز أولوية الرؤية البديلة وليس النقد المعجون بنفسية وذهنية السخط والانتقام. أنها "حركة نهوض قومي اجتماعي وحل المشاكل النفسية والاجتماعية والسياسية التي تمنع الأمة من السير الى عزِّها وخيره". من هنا معارضته الشديدة والمتجانسة لما اسماه بتصنيع العقائد المزيفة للأيديولوجيات والأحزاب الطائفية والجهوية بدون استثناء. وليس مصادفة أنْ تفعل هذه الأحزاب أساساً على "محاربة الحركة السورية القومية الاجتماعية التي أوجدت القضية القومية الاجتماعية ونادت ببطلان القضايا الرجعية القائمة على الحزبية الدينية والمصالح العائلية"[19]. إذ وجد فيها مطية الاستعمار الأجنبي والتحلل الداخلي. لهذا نراه يقول، بأنَّ "تحبيب لبنان الأجنبي الثقافة" و"كره الاسم السوري" سوى الصيغة الظاهرية لهذا الاستلاب المادي والمعنوي والإفلاس التاريخي. فالحقيقة الجلية التي تقف بالضد من ذلك تقوم في استحالة مضاهاة الأمم الغربية المتقدمة المتفوقة إلا بوعي "الحقيقة السورية الأصيلة واستخراج النهضة منها ومن روح الأمة ومواهبها"[20].

وشكلت "الحقيقة السورية الأصيلة" مضمون الفلسفة القومية السورية بمستواها النظري والعملي، التي سعى انطون سعادة لتأسيسها التاريخي والثقافي والسياسي. ووضع ذلك في ما يمكن دعوته بالنزعة السورية التي تتميز بتاريخ ذاتي خاص تبلور في مجرى آلاف السنين، وصَنَعَ الخصوصية السورية التي لم يغير من حقيقتها الأصلية تقلبها في تيار الزمن. وابتدع انطون سعادة لهذه الخصوصية مصطلح "الإثم الكنعاني"، أي السرّ الذي ألزم ويلزم الكينونة السورية بالرجوع إلى ذاتها بوصفها أسلوب ديمومتها الفاعلة. وهذا بدوره كان النتاج الملازم لما أبدعه السوريون ووضعوه في أساس الحضارة الإنسانية. وقد كان الكنعانيون والفينيقيون أول من أرسى هذه الأسس الخاصة والمميزة للإبداع السوري التاريخي، ومن ثم للكينونة الثقافية الأصيلة[21]. فقد أعطى الكنعانيون "للدين الاجتماعي فكرته الأساسية للعالم". كما أنهم كانوا أول شعب تمشى مع قاعدة محبة الوطن والارتباط الاجتماعي وفقاً للوجدان القومي وللشعور بوحدة الحياة ووحدة المصير. وأنهم أول من انشأ الدولة المدنية التي كانت طرازاً لما جرى عليه لاحقا الإغريق والرومان. وهم أول من أسس الملكية الانتخابية وجعلوا الملك منتخباً مدى الحياة. وهم أول من أسّس الدولة الديمقراطية. إذ ليست هذه سوى دولة الشعب أو دولة الأمة. وهي الدولة القومية المنبثقة من إرادة المجتمع الشاعر بوجوده وكيانه. كما كان انتشارهم بفعل الإمبراطورية انتشاراً قومياً وجاليات استعمارية ظلت مرتبطة بالأرض الأم وتتضامن معها في السراء والضراء. وأخيرا أنهم لم يُدْخِلوا الأقوام الغريبة التي أخضعوها بالفتح في نظامهم حقوقهم المدنية والسياسية التي شكلت دليلاً، بغض النظر عما إذا كان في ذلك مصدر قوة أو ضعف، "على روحهم القومية ومحافظتهم على وحدة مجتمعهم"[22].

لقد أراد انطون سعاد القول، بأنَّ الفكرة الاجتماعية المرتبطة بفكرة الدولة القومية ونظامها السياسي المناسب، والارتباط الجوهري بالأرض (الوطن الأصلي)، والاحتفاظ بالكيان الذاتي الخالص هي الأسس التي شكلت مضمون "الدين الجديد" بوصفه "ديناً اجتماعياً"، والذي تكوّن الفكرة القومية لاهوته وناسوته.(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

......................

[1] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص136.

[2] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص136.

[3] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص136.

[4] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج16، ص24.

[5] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج 16، ص22.

[6] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج 16، ص 22.

[7] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج16، ص24.

[8] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج16، ص25.

[9] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج16، ص22- 23.

[10] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج16، ص23.

[11] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج16، ص23.

[12] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج16، ص24.

[13] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج2، ص 185.

[14] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج2، ص185.

[15] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج2، ص186.

[16] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج16، ص

[17] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج16، ص

[18] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج16، ص

[19] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج16، ص115.

[20] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج16، ص116.

[21] إن اسم فينيقية يعود إلى الكنعانيين، كما أن الهكسوس (الملوك الرعاة) أصولهم سورية، كما يقول انطون سعادة.

[22] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص167.

 

جعفر الحكيمتعتبر قصة عودة يسوع المسيح الى الحياة، بعد موته على الصليب، من مرتكزات الإيمان المسيحي وأحد أهم محاوره الاساسية، فهي الحدث الاضخم في تاريخ البشرية، والبرهان الأعظم على صدق الإيمان،كما يعتقد المسيحيون.

ونظرا لان هذه القصة يتم تسويقها كحقيقة تاريخية، وليس فقط كاعتقاد يخص مجموعة المؤمنين به، لذلك من الضروري جدا بحث وتتبع كل تفاصيل هذه القصة، وتسليط الضوء عليها من جميع الاتجاهات لغرض التوصل الى صورة واضحة قد تكشف للباحث حقيقة الأمر وأصل الحكاية .

وقد كنا تطرقنا سابقا في اكثر من مقال الى موضوع (قيامة المسيح) وتناولنا تلك القصة من أكثر من جانب،وخصوصا ما يتعلق بالجوانب التاريخية منها، وكذلك الأبعاد والظروف التي لعبت دورا في التأصيل الثيولوجي لتلك القصة.

في هذا المقال سنحاول البحث من أجل معرفة المصدر الأول للحكاية، ومعرفة الظروف والدوافع التي كانت سببا في اختلاق هذه الازعومة وترديدها، حتى بدأ عدد المصدقين بها يتزايد، وأصبحت قصة يتم تكرارها وتطوير أحداثها تدريجيا مع مرور الزمن، حيث أخذت تتضخم و تترسخ مع كثرة تناقلها شفويا من مجموعة لاخرى ومن منطقة الى منطقة أبعد،ومن جيل لآخر

حيث انه من الواضح ان حكاية قيام يسوع الناصري من الموت، بعد صلبه، بدأت بوقت مبكر جدا، وأخذت بالانتشار، بين أتباعه ومحبيه، بعد فترة وجيزة من صلبه.

ان الاعتقاد بقيام (البطل) من الموت وصعوده الى السماء، وبالتالي تحوله الى كائن (سماوي / إلهي) لم يكن اختراعا مسيحيا، وإنما كان جزء من منظومة العقائد السائدة في ذلك الزمن، ضمن الميثولوجيا الاغريقية والرومانية، كما هو الحال في أسطورة صعود (رومولوس) او (يوليوس قيصر) الى السماء بعد الموت، وكذلك الامر مع شخصيات اسطورية اخرى عديدة.

وبالعودة الى قصة قيامة يسوع المسيح من الموت، ونظرا لعدم وجود ذكر لهذه القصة في اي مصدر تاريخي معاصر، لذلك كان لزاما على الباحث فحص وتدقيق أصل وتفاصيل تطور سرديات تلك القصة ضمن نصوص العهد الجديد، والتي هي بالأساس نصوص دينية تعرض ما يعتقده كتابها وليس نصوص توثيق تاريخي محايد.

عند قراءة كتاب العهد الجديد بشكله الحالي المتوفر في كل مكان، يجد القارئ لهذا الكتاب، قصة قيامة المسيح في الانجيل الاول بالكتاب وهو إنجيل (متى) وبعده تظهر القصة ايضا في انجيل (مرقص ولوقا وصولا الى انجيل يوحنا)، ومن ثم يجد ايضا ذكر للقصة في بقية أجزاء العهد الجديد من أسفار ورسائل

هذا بالنسبة للقارئ العادي، اما بالنسبة للباحث، فمن الضروري جدا ان يبدأ في تتبع القصة بحسب التسلسل الزمني لتاريخ كتابة النصوص التي ذكرتها، مبتدئا بالنص الأقدم ثم الذي يليه زمنيا ….وهكذا …

وهذا الطريقة لابد منها لاجل التوصل الى معرفة اصل الحكاية، وظروف نشأتها، والامر الاهم هو معرفة التطورات التي تدخل على الحكاية الأصلية لتنتج لنا في نهاية الأمر قصة أكثر حبكة ومتانة من الناحية الدرامية، وكذلك أكثر موائمة مع التطورات العقدية التي شهدتها مسيرة الإيمان المسيحي في مراحله المبكرة.

وقد  سبق وقدمنا إلى  أن حكاية قيامة يسوع الناصري بدأت من خلال النقل الشفوي وأخذت تنتشر بين أتباعه ومريديه على شكل قصة تتناقلها الألسن من شخص لاخر، واخذت بالتضخم والتطور حتى أصبحت لاحقا أحد اهم العوامل في جذب اشخاص جدد الى الإيمان الناشئ.

ومن هنا تبرز لنا أهمية أقدم النصوص المكتوبة زمنيا، والتي ذكرت قصة القيامة، حيث أننا نستطيع من خلالها تلمس الملامح الرئيسية للبذرة الاولى لتلك الازعومة قبل ان تطرأ عليها الاضافات والتحديثات لاحقا في النصوص الاخرى والتي تم كتابتها في ازمنة متأخرة عن زمن النص الأول الذي تطرق للحكاية.

يعتبر النص الوارد في رسالة بولس الأولى الى أهل كورنثوس في الإصحاح الخامس عشر من تلك الرسالة هو أقدم ما وصل إلينا من نصوص حول قيامة المسيح، حيث يعتقد ان هذه الرسالة قد تمت كتابتها بعد حوالي عشرين عاما من صلب المسيح.

في هذه الرسالة التي كان (بولس) قد وجهها الى اتباعه في مدينة (كورنثيوس) وهي مدينة من مدن الإمبراطورية الرومانية في ذلك الزمن وتقع في اليونان الحالية، في الإصحاح الخامس عشر من تلك الرسالة،وبعد تشديد (بولس) على اهمية ومحورية الاعتقاد بقيامة المسيح من الموت، نجده يعاود التأكيد على حدوث تلك الواقعة من خلال إعادة سرد تسلسل حوادث ظهور المسيح، حيث يقول:

(وأنه ظهر لصفا ثم للاثني عشر، وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمسمائة اخ أكثرهم باق الى الان ولكن بعضهم قد رقدوا، وبعد ذلك ظهر ليعقوب ثم للرسل أجمعين، وآخر الكل كأنه للسقط ظهر لي انا).

في هذا النص المهم جدا، نكتشف عدة أمور على درجة عالية من الخطورة والاهمية التاريخية !

من تلك الامور، اننا نجد (بولس) يتحدث عن (ظهور) للمسيح !!....الذي (ظهر) لصفا (بطرس) ثم ظهر للاثني عشر !!!.. واخيرا (ظهر) لبولس نفسه

ومن الواضح بشكل جلي ان بولس قد اعتبر (التجربة البصرية) التي مر بها و تخيل فيها ان المسيح ظهر له وكلمه، هي بمثابة عودة المسيح للحياة من الموت !!!!... وان الاخرين الذين آمنوا بقيامة يسوع كان الدافع الرئيسي في إيمانهم هو نفس دافع بولس و الا وهو (ظهور) يسوع لهم !!!!

وقد تم تفسير ذلك (الظهور) من قبل بولس والاخرين على انه قيامة من الموت !!

ومن الأمور المهمة الاخرى في النص المتقدم، هو غياب اي ذكر لقصة (القبر الفارغ) وكذلك لقصة ظهور المسيح للنسوة اللواتي هرعن الى القبر في الصباح الباكر ليوم الأحد الذي تلى الصلب حسب ما ستقوم الاناجيل (لاحقا) باضافة تلك القصص بعد عشرات السنين من زمن تدوين هذا النص الذي نبحثه!

ان عدم ذكر بولس لازعومة القبر الفارغ، ولا لقصة النسوة ومشاهدتهن للميت القائم، يدل بشكل لا يقبل اللبس، ان تلك القصص لم تكن معروفة أصلا في زمن تدوين بولس لرسالته (حوالي بحدود عام 50 ميلادي) وانما تم اختراع تلك الحكايات لاحقا، واضيفت للقصة  الرئيسية فيما بعد عندما تم تدوين الأناجيل

ومما يؤكد هذا الاستنتاج، ان شخصا ذكيا مثل بولس وهو في معرض تأكيد وتوثيق قصة اعجازية فريدة لم يكن ليغفل عن ذكر براهين وأدلة تؤكد مصداقية الحادث، ومما يؤكد هذا الاستنتاج ايضا، هو ان نفس الحكاوى المخترعة لاحقا، تعاني من التباين والاضطراب، عند مقارنتها في الأناجيل التي تطرقت اليها، وهذا أمر معروف ومسلم به لدى كل الباحثين، ولا داعي لاعادة سرده وتبيانه هنا مراعاة للاختصار.

وبالعودة الى النص المتقدم، مدار بحثنا، نجد بولس يستعرض ظهورات المسيح (التي اعتقد انها قيام من الموت) يستعرضها بتسلسل زمني

فيسوع قد ظهر أولا  لصفا (المقصود هنا بطرس تلميذ المسيح) ثم للتلاميذ.. ثم تستمر الظهورات حتى يكون آخرها ظهوره لبولس نفسه!

والذي يهمنا كثيرا هنا، هو انه وبحسب بولس، فان أول شخص ظهر له المسيح بعد موته هو التلميذ (بطرس) وليس كما ادعت الأناجيل المكتوبة لاحقا بان المسيح ظهر اولا لمريم المجدلية وبقية النسوة !

وبما ان بولس وقت صلب المسيح لم يكن قد تحول بعد الى الإيمان به، وإنما حدث ذلك بعد عدة سنوات

فبالتأكيد هو لم يكن شاهدا على ظهور المسيح لبطرس، وإنما نقل ذلك بناءا على ادعاء من بطرس نفسه والذي التقى به بولس لاحقا

ومن تتبع سيرة التلميذ بطرس واقواله يكتشف الباحث ان هذا الرجل كان من أشد المتحمسين لفكرة ان معلمه يسوع الناصري الذي صلبه الرومان، قد عاد الى الحياة مرة اخرى، وانه قام باعطائه تعاليم وتوصيات مع الأمل بعودته القريبة جدا لينشأ مملكة الرب !

ومن خلال مقارنة كل ذلك، مع كلام بولس حول تسلسل أحداث قيامة المسيح في رسالته المتقدم ذكرها، يظهر لنا بشكل لاغبار عليه ان اول شخص ادعى عودة يسوع الناصري الى الحياة بعد صلبه هو التلميذ (بطرس) والذي ادعى ايضا ان معلمه العائد من الموت التقى به وكلمه واعاد سقي بذرة الامل في نفوس تلاميذه واتباعه الذين صدمتهم النهاية السريعة و المأساوية لمعلمهم والملك الموعود للمملكة الحلم !

بعد كل ما تقدم … تبرز لنا تساؤلات مهمة جدا، من بينها، ما الذي دفع بطرس للاعتقاد بهذه الفكرة ونشرها بكل حماس بين أتباع المسيح؟

و ما هي الأسباب التي جعلت حكاية القبر الفارغ ولقاء النسوة بالمسيح تظهر في سرديات الأناجيل التي تمت كتابتها لاحقا بعد عشرات السنين من زمن كتابة رسالة بولس الى أهل كورنثيوس؟

هذه الاسئلة وغيرها،سنحاول التطرق اليها والبحث عن إجابات لها في المقال القادم، من اجل التوصل الى صورة اكثر وضوحا حول اصل اسطورة القيامة للحصول على فهم اعمق واكثر دقة لمجريات تلك الحقبة التاريخية وأحداثها التي لازالت تشكل جزء كبير من حيز الوعي في المجتمع الإنساني .

وللحديث صلة..

 

د. جعفر الحكيم

...........................

يوتيوب:

https://www.youtube.com/channel/UCF09ULdM4kXt9AiGe8FuWAQ

 

 

ميثم الجنابيفي نقد العروبة والقومية المزيفة

لم تكن آراء ومواقف انطون سعادة النقدية الحادة تجاه تاريخ ومضمون الحركة الإصلاحية الإسلامية في موقفها من القومية سوى الوجه الأيديولوجي للدفاع عن الفكرة القومية الحديثة "المجردة". فقد كان نقده للإصلاحية الإسلامية محصوراً بمعايير الفكرة القومية. الأمر الذي جعله أكثر تجانساً في فكرته عن "القومية السورية". وذلك لأنَّ فكرته بهذا الصدد تؤسس لأولوية "العوامل الجغرافية السلالية والتاريخية والسياسية والنفسية"، باعتبارها "عوامل تغلب على الدين"، كما يقول انطون سعادة[1].

وينطبق هذا على تأسيس موقفه وفهمه الخاص لعلاقة القومية واللغة. بمعنى محاولته البرهنة على أنَّ اللغة ليست مكوناً جوهرياً للقومية وفكرتها الذاتية. وانطلق في موقفه هذا من أنَّ الجماعة التي تتكلم لغة واحدة لا يعني بالضرورة أنها أمة واحدة، كما هو على سبيل المثال بالنسبة لسويسرا وبلجيكا. وجعل من هذه المقدمة أساسا للحكم على إمكانية تطبيقها على الشعوب التي تتكلم الانجليزية والاسبانية أو العربية(!). والسبب يكمن حسبما يقول انطون سعادة في أنَّ التقاليد القومية تظل افعل من اللغة في حياة الأمم[2]. غير أنَّ ذلك لا يعني انعدام قيمة اللغة بالنسبة للأمة. فاللغة ضرورية للأمة بقدر ما هي ضرورية لأدبها، كما يقول انطون سعادة. لكن اللغة وحدها "لا تفيد شيئا للأمة إلا بالمعاني المخصوصة المكتسبة من التعابير الأدبية. وهي من هذه الوجهة فقط تكون عاملاً قومياً ضرورياً لوحدة الأمة الروحية"[3]. وذلك لأنَّ "الحقيقة التي يؤيدها الواقع هي انه ليس من الضروري أنْ يميل كل الذين يتكلمون لغة واحدة إلى تكوين أمة واحدة... ولكن الذين يؤلفون أمة واحدة يميلون إلى التكلم بلغة واحدة"[4]، وبالأخص حالما تصبح "هذه اللغة ضرورية لاستكمال الوحدة الروحية في الأمة"[5].

لم يقف انطون سعادة عند حدود الرؤية النقدية للأفكار الأكثر شيوعا آنذاك عن ارتباط القومية باللغة والدين، بل تعداها في مجرى محاولاته النظرية تأسيس الفكرة القومية إلى إرساء ما يمكن دعوته بفلسفة القومية السورية. فقد كانت هذه الأخيرة محور تأملاته الفكرية وتنظيره الأيديولوجي وعمله السياسي. ومن الممكن رؤية هذا الهاجس العميق بوصفه وحدة نظرية وعملية متجانسة. لهذا نراه ينطلق من "المبدأ العلمي" في الموقف من القضية القومية كما يقول انطون سعادة. بمعنى تجريدها مما لصق بها من اعتبارات "خارجية" عبر إرجاعها إلى أصولها الذاتية التي وجدها في الأرض والتراث الذاتي.

انطلق انطون سعادة هنا من أنَّ العلوم الطبيعية على اختلافاتها اثبت، بأنَّ الحياة أقدم كثيراً مما قال به التعليل الديني، وأنَّ "الأنواع من حيوان ونبات متصلة اتصالاً وثيقاً ينفي مبدأ الخلق المستقل"[6]. وبالتالي، فإنَّ التعليل العلمي يأتي بدلائل تعطي لنا البرهان المعقول لوجودنا وكيفية حدوثه[7]. فإذا كانت الفكرة الدينية سابقا هي الأشد خطورة في ما يتعلق بفهم وتعليل الفكرة القومية، فإنه ليس هناك من عقيدة اشد منافسة لها في العالم الحديث اقوى وأكبر من عقيدة السلالة (العرق) من حث تأثيرها على عواطف الأقوام[8]. الأمر الذي حدد بدور وجهة نظره النقدية تجاه هذا الوهم الجديد، الذي عمّ القارة الأوربية والأمريكية وتراثهما السياسي والفكري الحديث. بحث تحولت فكرة السلالة الى عقيدة "قومية" كبرى وجدت بمن يعارضها "مدنساً" لمبادئها "المقدسة"[9]. ففي انكلترا انتشرت أيضا فكرة الاعتقاد بتفوق السلالة الانجلوسكسونية على العنصر الايرلندي الكلتي. بينما أدى انتصار عقيدة السلالية في ألمانيا إلى احتقارهم للشعوب اللاتينية والكلتية والسلافية والسامية وغيرها. في حين اتخذت في الولايات المتحدة الأمريكية هيئة التعارض والتمايز بين الأبيض والأسود. بل توجد في أمريكا دائما أرض خصبة للتحامل[10]. كما أنَّ فكرة السامي - الآري تسير ضمن هذا السياق. إذ تستمد نظرية السلالة الآرية أصولها من "أدلة لغوية خداعة"[11]. بينما اليهود (الساميون) يعتبرون أنفسهم "شعب الله المختار" والآخرين غوييم (عجماء). بينما ينظر الآريون إلى الساميين نظرتهم إلى جيفة نتنة. ولم يشذ تاريخ العرب عن ذلك، بمعنى انتشار وهيمنة فكرة التفوق العنصري (السلالي). إذ اخذ العرب نصيبهم الأكبر من الاهتمام بالأوهام السلالية، كما يقول انطون سعادة. فافتخروا كثيرا بطيب عنصرهم وظنوا أنَّ الأجانب أدنى منهم فسموهم علوجاً.

وبالضد من الفكرة العنصرية في نظرتها للقومية سعى انطون سعادة للبرهنة على أنَّ الأمة والعنصرية كيانات مختلفة. وذلك لأَّن "الأمة ليست عنصراً من العناصر البشرية ولا مجموعة عنصرية واحدة. والحقيقة التي لا جدال فيها هي أنَّ كل أمة مؤلفة من مجموعات عنصرية متنوعة، أي أنها مزيج من سلالات بشرية مختلفة"[12]. ووضع هذا الاستنتاج في أساس موقفه من القومية وأسسها الذاتية، باعتبارها صيرورة متميزة لوحدة وتفاعل الأسس المادية والروحية الخاصة بها. فالأمم، من وجهة نظر انطون سعادة، "لا تتميز إلا بروحياتها وحياتها وتقاليدها الاجتماعية التي هي نتيجة العمل العقلي ومجرى الفكر"[13]. ومع انه لا يمكن فصل الأسس الروحية عن المادية (البشر والأرض وخصوصية البيئة)، إلا أنَّ خصوصية "البناء الروحي" تقوم في جوهريته بالنسبة للقومية والأمة، وذلك لأنه صانع تميزها وطبعها الفردي. وليس المقصود بالبناء الروحي عند انطون سعادة سوى النتاج المتركب من "تفاعل عقول أبناء الأمة الواحدة وتمكنهم من إظهار رابطة عقلية تربطهم في الشرائع والقوانين والتقاليد الاجتماعية واللغة والأدب والتربية"[14]. ذلك يعني أنَّ العنصر الجوهري في فكرة القومية والأمة يعود للأرض وخصائصها البيئية، بوصفها القاعدة المادية للبناء الروحي المتراكم في تجاربهم الذاتية. من هنا توكيد انطون سعادة على أنه "إذا كان يمكن التفريق بين الأمة والدولة في ظروف وأزمنة معلومة، فلا يمكن التفريق بين الأمة والأرض"[15]. وذلك لأنَّ "حاجة الأمة إلى الأرض كحاجة الإنسان الى المسكن"[16]. وبالتالي، فإنَّ "الأمة الحقيقية" هي الأمة التي "لها وطن فيه تعيش وتكيف حياتها وتنشأ ثقافتها وتنمي تقاليدها وأخلاقها"[17]. ووضع هذه المقدمة في أساس فكرته عن القومية بشكل عام والسورية بشكل خاص. انطلاقا من أنَّ الدعوة القومية ليست إلا الصيغة الضرورية للقضاء على التجزئة الدينية والطائفية والجهوية وغيرها لصالح فكرة عامة كبرى.

لم تكن هذه الفكرة من الناحية المنهجية وبواعثها النفسية والذهنية الدفينة معزولة عن إشكالية الصراع الديني (الإسلامي – النصراني) والطائفي في "سوريا الطبيعية" بشكل عام و"اللبناني" بشكل خاص. بمعنى أثرها غير الواعي في النفسية الفردية والاجتماعية واستمرارها الواعي في الصيغة الأيديولوجية السياسية. إلا أنَّ هذا النقص أو الخلل الملازم للنفس المعذّبة في تقاليد الفِرقة الدينية وعدائها المستفحل بأثر السيطرة الأجنبية (التركية العثمانية) والتدخل الأوربي (الفرنسي)، أي بأثر تلاشي التاريخ السياسي القومي العربي المستقل لقرون عديدة، كانت تحتوي على مساع نظرية عقلية وعقلانية وعملية واقعية من اجل تذليل مكونات البقايا التقليدية لما قبل الدولة والقومية الحديثة. من هنا يمكن فهم التوكيد والتشديد والتكرار شبه الدائم في آراء ومواقف انطون سعادة عن أنَّ الدعوة القومية ترمي إلى "ترك العصبية الدينية" واستبدالها بعصبية قومية، وأنها تهدف إلى "جعل السوريين محمديهم ومسيحيهم عصبة واحدة"[18]. بمعنى الرجوع إلى ما اسماه انطون سعادة لاحقا "بالحقيقة السورية"، التي لم يغير منها شيئا الفتح العربي واعتناق الإسلام دينا وكثير غيره مما يمكن فهمه على انه تأسيس أيديولوجي صرف لا علاقة جوهرية له بفهم التاريخ بمعاييره الذاتية والثقافية الخاصة. كما كان في الوقت نفسه أسير الرؤية اللاهوتية (النصرانية) الضيقة والتأويل الأوربي المتحزب في عهد السيطرة الكولونيالية وتقاليدها الصليبية القديمة والدفينة في الوعي التقييمي. ويمكن العثور على ذلك، على سبيل المثال، في الأحكام التي يضعها انطون سعادة بصدد إبراز تميز "التاريخ السوري" عن "التاريخ العربي" في الوقت الذي كانت ترادفه أيضا فكرة الدفاع عن "القومية السورية" باعتبارها طليعة الفكرة القومية العربية الحديثة! إذ نعثر عنده على أنَّ "سورية كانت قاعدة التفكير الإغريقي نفسه". وإنَّ لها مسارها الخاص في كل شيء. وهي لا تتقبل شيئا سواها. فعلى سبيل المثال، لم تستطع "اليهودية شبه المتمدنة العيش في سوريا"! وأنَّ "النصرانية حالما دخلت الجزيرة (العربية) انحطت حتى صارت مجرد لذات جسدية". وإنَّ "البيئة العربية بيئة الصحراء والبداوة، بيئة الضرورات الحيوية والحلقة المفرغة للأفعال النفسية، هي بيئة لها استعداد خاص بطبيعتها ومزاجها الدموي"[19]. أنها "شرع واحد لحياة واحدة محدودة" مميزة للمجتمع "العربي البدوي واللاعمراني" على خلاف "المجتمع السوري المدني العمراني"[20].

لم تكن هذه التوصيفات المسطحة معزولة عن النزوع الأيديولوجي العارم لانطون سعادة بصدد إرساء أسس الفكرة القومية السورية، أي كل ما نعثر على صداه ومداه في كمية ونوعية المتناقضات والمفارقات التي تحتوي عليها الفكرة القومية السورية في موقفها من الفكرة القومية العربية. مع انه سيصل في نهاية المطاف إلى صيغة تتصف بقدر كبير من الاعتدال بهذا الصدد، ولكن بدون تأسيس نظري يناسبها.

انطلق انطون سعادة من وجود "عالم عربي" متنوع القوميات والشعوب، أي من "عالم" يحتوي على "قوميات عربية" وشعوب عربية متنوعة ومختلفة. ووضع هذه المقدمة العامة في أساس نقده النظري والعملي لفكرة العروبة، بوصفها الصيغة المزيفة للفكرة القومية العربية. غير أنَّ نقده تمحور أساسا حول نقد الفكرة القومية الساعية لتوحيد العالم العربي في أمة ودولة واحدة على أساس الدين واللغة. الأمر الذي يشير الى حساسية الفكرة من حيث مقدماتها النفسية والدينية في وعي انطون سعادة نفسه من جهة، وإلى طابعها "السوري" الضيق، أي اللبناني بشكل خاص، من جهة أخرى. لاسيما وأنَّ الفكر القومي العربي في اغلبه لم يكن أسير هذه الرؤية. وفيما لو جرى طرح هذه الجوانب، بوصفها جزءً من معترك النفس ومخزونها الثقافي الموروث، فإنَّ خطوطها المنطقية المتجانسة عند انطون سعادة تقوم في مسعاها لحل إشكالية الديني والدنيوي التي كانت تمّثل مصدر الشقاق الداخلي العنيف للواقع السوري واللبناني بشكل خاص. ومن ثم جعله المدخل الرئيسي لـتأسيس فكرة "الأمة السورية" و"القومية السورية".

لهذا انطلق سعادة من فكرة جازمة لا تخلو من عصاب أيديولوجي وتأويل مغامر في موقفه من فكرة الدولة العربية الواحدة والأمة العربية الواحدة من أنَّ مطامع أوربا هي التي كانت "تعمل من اجل إغراء العرب بفكرة الدولة القومية العربية الواحدة"، لكي تجذبها وراء "سراب يصرفها عن إدراك حقيقة طبائعها وإمكانياتها". ووجد في شخصية أمين الريحاني منفِّذاً لرغبة الانجليز الذين دبروا له رحلته الشهيرة إلى الجزيرة ووضع كتابه (ملوك العرب) لتغذية خيال "الوحدة العربية". كما تسعى اسبانيا الى نفس الشيء[21]. واستكمل ذلك بيقين يقول "بعدم إمكان تعيين أصول ثابتة لفكرة الدولة العربية التي يتخيل الداعون الأساسييون لها إمكان جمع جميع الأمم المتكلمة بالعربية والدائنة بالإسلام المحمدي تحت لوائها". بل ووجد في هذه الدعوة مجرد بديل "عن عقيدة فاسدة لم تصلح لتكون عقيدة في ذاتها. لذلك لم يتمكن أصحابها من توليد حركة واحدة عامة في جميع الأقطار الداخلة ضمن نطاق اللغة العربية والدين المحمدي"[22].

وبغض النظر عن الخلط الفكري بين فكرة الدولة الواحدة والأمة الواحدة بالنسبة للتاريخ العربي الحديث، فإنَّ النقد المباشر وغير المباشر لفكرة الدولة العربية الواحدة والأمة العربية الواحدة كانت محكومة عند انطون سعادة بفكرة البديل القومي السوري. لهذا نراه يجد في "العروبة التي تهمل المبادئ الجغرافية الإقليمية والسلالية والتاريخية والاقتصادية والنفسية، أي جميع العوامل التي توجد الواقع الاجتماعي وتتكفل بحفظه، ولا تستند إلا إلى الدين واللغة بمقدار هي عروبة زائفة لا نتيجة لها غير عرقلة سير المبادئ القومية الاجتماعية الصميمة في سوريا والأقطار العربية عامة". وبالتالي، فهي عروبة زائفة لأنها لا ترمي إلى نهوض أمم العالم العربي، بل إلى "إيقاد نار الفتنة الدينية والحرب الداخلية في كل أمة مؤلفة من أكثر من ملة المحمديين"[23]. وقد وضع انطون سعادة هذه الحكم السياسي البحث في صلب استنتاجه النظري الفكري القائل بانعدام وجود أمة عربية واحدة. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه "لما لم يكن العالم العربي قطرا واحد وبيئة واحدة وسلالة واحدة ومجتمعا واحدا، فلا يمكن أنْ تكون له شخصية فيزيائية ونفسية واحدة. وبالتالي لا يمكن أنْ تكون له قومية واحدة ومطالب واحدة ونظرة واحدة إلى الحياة والفن"[24]. وبالتالي، فإنَّ "تسمية شعوب العالم العربي أمة هي من باب إطلاق الأسماء على خلاف مدلولاتها ومعانيها"[25]. وذلك لأنَّ "العروبة ليست سوى حلم دولة دينية محمدية محدودة بدلا من الدولة الدينية المحمدية المطلقة التي حلم بها أصحاب مدرسة الرجعة". وبما أنَّ "هذه العروبة الدينية التي تريد الشقاق والتنافس بين الأقطار العربية وتمنع التفكير القومي من النمو وفتح الآفاق للأمم العربية"، لهذا يمكن النظر إليها باعتبارها "نكبة أو لعنة لجميع الأقطار العربية على السواء. كما أنها تغري بالمسلمين المحمديين ليسيئوا فهم دينهم... أنها نتاج الأقوام غير المتمدنة التي لا تقوم لها قائمة بغير الدين لانعدام أسباب العمران عندها"[26].

مما سبق يضح، بأن موقف انطون سعادة المعارض "للعروبة" موجه أساساً ضد "العروبة الدينية" أي تلك الفكرة القومية التي تجد في الدين أساس وصدر الفكرة القومية العربية. الأمر الذي يجعلها عاجزة عن توحيد الجميع في فكرة تتجاوز الخلافات الدينية والمذهبية والطائفية المميزة لسوريا. من هنا ثنائية ما اسماه انطون سعادة بالعروبة الوهمية والعروبة الواقعية. وانطلق في موقفه هذا من اعتبار القول بوحدة الأمة العربية والشعب العربي الواحد التي هي شعوب وأمم متباينة من خلال إرجاع وحدتها (واحديتها) إلى اللغة والدين مجرد وهم. وأطلق عليها وصف "العروبة الوهمية"، التي "تجهل نواميس الطبيعة". وإذا كان "الناموس اصطلاح بشري لمجرى من مجاري الحياة أو الطبيعة" حسب فهم انطون سعادة، فإنَّ "النواميس لا تمحو خصائص الأنواع"[27]. وبالتالي، ففي كل النواميس التي نكتشفها يجب ألا ننسى إننا نستخرجها من الحياة نفسها. وبالتالي، لا يجب أنْ نجعلها تتضارب مع المجرى الطبيعي الذي نعرفه بها[28]. وأخيراً، إذا كنا قد اكتشفنا سنّة التطور، فيجب أنْ لا نتخذ من هذه السنُّة أقيسة وهمية تذهب بنا إلى تصورات تنافي الواقع وتغاير الحقيقة[29]. (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

 ...........................

[1] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص 236.

[2] انطون سعادة:الآثار الكاملة، ج 2، ص134.

[3] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج 2، ص134.

[4] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج 2، ص134.

[5] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج 2، ص134.

[6] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص22.

[7] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص23.

[8] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص28.

[9] فقد جرى على سبيل المثال سجن بيقولا فريره في الباستيل علم 1714 لأنه قال بخطأ النظرية السلالية. كما سجن الأستاذ الألماني مللر عام 1749 لأنه حاول البرهنة على أنَّ أصول الروس من السلالة الفينية – التترية. في حين علل البعض أسباب الحرب بين فرنسا وألمانيا من خلال إرجاعها إلى طبيعة الاختلاف بين السلالة "اللاتينية العالية" و"الجرمانية الوضيعة". وحاز على جائزة المجمع العلمي البلجيكي الملكي عام 1920 الكتاب الذي حاول التدليل على أنَّ مجريات الحرب تكشف عن أنَّ للألمان جميعا ميل إلى الشرِّ ناشئاً عن غرائز سلالية شاذة... وإنَّ ما فيهم دليل على أنَّ "غرائزهم لا سبيل إلى كبح جماحها. وأنَّ الناس ذوي الأصول الجرمانية يتميزون بالقسوة والشر وليس لهم غرائز إنسانية ولا فكرة الحق والعدل ولا فهم للشرف.

[10] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص31.

[11] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص32.

[12] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج 2، ص131.

[13] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج 2، ص130.

[14] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج 2، ص130.

[15] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج 2، ص132.

[16]. وأضاف بهذا الصدد قوله، بأنه "لا عبرة بالحركة اليهودية وما يحاول الكتاب اليهود التذرع به في سبيل تبرير الحركة الصهيونية. فاليهود ليسوا أمة، كما إنهم ليسوا سلالة" (انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج 2، ص.133.)

[17] انطون سعادة:الآثار الكاملة، ج 2، ص133.

[18] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص178.

[19] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص 190.

[20] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص 194.

[21] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص257.

[22] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص243.

[23] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص244.

[24] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص245.

[25] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص245.

[26] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص 236.

[27] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص136.

[28] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص136.

[29] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص136.

 

مجدي ابراهيمترجع علاقتي بالجنيد إلى أكثر من خمس وعشرين سنة حين كنت أكتب رسالتي للماجستير في سنة (1991م) عن "حال الفناء بين الجنيد والغزالي"، ولم يسبقني أحد إلى هذا الموضوع سوى الدكتور علي حسن عبد القادر؛ الذي حقق رسائل الجنيد، وصدرت عن طبعة برعي وجداوي؛ القاهرة سنة 1988م. وقد أشرتُ فكتبتُ إذْ ذَاَكَ على سبيل التنبيه لأقول :" وتجدر الإشارة إلى نقصان تحقيق هذه الرسائل تحقيقاً علمياً يكشف لنا عن دقتها؛ إذْ يسقط منها بعد المقارنة بينها وبين المخطوطات التي جمعناها عن الجنيد أهم رسائله المتصلة بموضوعنا؛ الأمر الذي جعلنا لا نعوِّل كثيراً على تحقيق تلك الرسائل بمقدار تعويلنا مباشرة على المخطوطات نفسها". وَنَبَّهتُ إلى ذلك في أكثر من موضع من رسالتنا التي نشرناها، بعد الضبط والتنقيح، كتاباً فيما بعد تحت عنوان :" التصوف السُّني .. حال الفناء بين الجنيد والغزالي" والذي صدر في طبعته الأولى عن مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة سنة 2000م. أما الأعمال التي كُتبت بعد ذلك، فكلها لاحقة على كتابنا التصوف السُّني، حال الفناء بين الجنيد والغزالي.

ولقد كان كتاب " السّر في أنفاس الصوفية " لمؤلفه الإمام الجنيد، ضمن المخطوطات التي تمَّ الاعتماد عليها من جانبنا في كشف حال الفناء لدىَ الجنيد لقرابته مباشرة من تصوفه، وتصوف أقرانه من البغداديين. ولسْتُ أخفي مكانة هذا المخطوط التي كانت ومازالت مُحَبّبة في قلبي، وقد كنت كلما بحثت شيئاً في تصوف سيد الطائفة البغدادية أشرتُ في هوامش كتبي حين أتعرض لكتاباته بالشرح أو بالتعليق، إلى نقصان التحقيق الذي قامَ به على حسن عبد القادر وفقدان كتاب السر منها. ثم أحيل القارئ إلى الدراسة الأساسية التي قمتُ إذْ ذاك بها وهي "حال الفناء"، فمثلاً تقرأ في إحدى دراساتي السابقة :" وهذه الرسائل ناقصة فهناك مخطوطات للجنيد " كالسّر في أنفاس الصوفية "، لا توجد بهذه الرسائل" (راجع : مشكلة الموت عند صوفية الإسلام، تصدير د. عاطف العراقي؛ طبعة مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة سنة 2004م؛ ص 358).

ذكرتُ ذلك في أكثر من موضع، وفي أكثر من دراسة. ولم أكن يومها متحاملاً على الرجل ولا على تحقيقه للرسائل؛ بل كانت غايتي هى التعرف على شخصية الجنيد ومكانته العلمية ودوره في التصوف فلم أجد من ذلك كله إلا قشوراً سطحية لا تشفي غلة باحث يريد أن يعرف عن موضوعه - الجنيد ورسائله وتصوفه - شيئاً دقيقاً وعميقاً في آن، هذا فضلاً عما يعتري ذلك التحقيق، والتحقيقات التي توالت عنه فيما بعد، من فقر غالب للشرح والتخريج والتعليق والتفسير، بمقدار فقرها المُدقع في الهوامش التي يَلزم للمحقق الجاد أن يعتني بها لزومه لضبط النص وقراءته خالياً من عوامل التحريف والتصحيف. كل ما هنالك هو أن تحوَّلت بعض هذه الرسائل من كتابة خطية بقلم الناسخ إلى نسخة مطبوعة وكفى، وَبَقَتْ الوثائق على ما هى عليه من اضطراب وفوضى لا تشفي غُلَّة الباحث المدقق لمعرفة فهم مقاصد الجنيد الصوفية والمعرفية على وجهها الصحيح.

لا جَرَمَ كانت شخصية الجنيد من الشخصيات النادرة في تاريخ التصوف الإسلامي، كانت شخصية محورية في القرن الثالث الهجري ومؤثرة شديدة التأثير فيمن جاء بعده من الأولياء والعارفين وأقطاب التصوف على وجه العموم من قرون متتالية؛ فلنتناول لأجل هذا في ترجمته طَرَفَاً عن حياته، ومكانته العلمية، ثم نشير في عجالة إلى أساتذته الذين تَلَقَّى عنهم، وبعض مواقفه مع نظرائه في الطريق، ومنهجه في التصحيح والترقية، ومصادره التأسيسية، ومذهبه في التصوف والتوحيد من واقع شذراته وإشاراته كما نقلها عنه كُتَّاب التصوف الأوُّل، ونختم بطريقته الصوفية، وأثره في التصوف من بعده؛ ذلك الأثر البالغ الذي لا ينكره قارئ يقرأ من كتب التصوف كتابٌ واحد.

(1)

هو أبو القاسم الجنيد بن محمد الجنيد الخراز البغدادي، وقد سُمى بالخراز؛ لأنه كان يعمل الخز. شخصية صوفية مرموقة - كما قلنا فيما تقدَّم - هى من الشخصيات المركزية المؤثرة في التصوف الإسلامي على الإطلاق. كان من العلماء العاملين رواية ودراية، وكان من الأساتذة الكبار الذين اختصوا بالتربية والترقية في آن واحد، ولم يكن نشاطه مقصوراً على جانب التربية وكفى، ولكنه كان بالفكرة والمثل الصالح واعتدال المنهج إمامَ ترقية كذلك.

جمعت كتب الطبقات ألقاباً للجنيد تتفاوت فيما بينها لتدل من أول وهلة على شخصيته ومكانتها في التصوف السُّني المعتدل، كان منها "سيد الطائفة"، "وطاووس الفقراء"،" وطاووس العلماء"، "وتاج العارفين" "ومُقدّم الجماعة"، "وشيخ طريقة التصوف"، ولم تكن هذه الألقاب تطلق كما تطلق سائر الألقاب التراثية على شخصيات مؤثرة وفاعلة وكفى، ولكنها كانت حقائق تصور حياة عَلَمٍ من أعلام الحياة الروحية في الإسلام، يحلو لي أنا أن أطلق عليه لقب "سيد أولياء الإسلام".

إمامٌ التصوف في الإسلام حقيقةً، وسيد أولياء الإسلام حقيقةً، مضبوطٌ مذهبه بأسس الكتاب والسنة ضبطاً محكماً سواء على مستوى النظر أو على مستوى التطبيق. على المستويين كان ممدوحاً بين الناس حتى وصفه صاحب "حلية الأولياء" في مطلع الترجمة التي خصصها له بقوله: "المربي بفنون العلم، المؤيد بعيون الحلم، المنور بخالص الإيمان والإيقان، العالم بمودع الكتاب، العامل بحلم الخطاب، الموفق فيه للبيان والصواب".

هذا الوصف وحده ينجم عن جوانب من شخصية عَارفة، مُبرَّزة في ديوان الولاية، عميقة الأثر في ذاتها وفي غيرها. فمن حيث كون عمقها في ذاتها؛ فتميزُّه فيما أثر عنه من أقوال وإشارات ومعارف بمقدار تميزه بمذهب في التصوف غير مسبوق حقيقةً.

مذهب ليس فيه خروج عن الشرع لا في كلمة ولا في لفظة ولا في عبارة ولا في معنى قريب أو بعيد. مذهبٌ يظهر للقارئ من أول وهلة بامتيازه بالاعتدال المضبوط على الأصول الشرعية، يأخذ هذه الأصول مأخذ الجد الذي لا هزل فيه، فيعمِّقُها في ذاته تطبيقاً ومعايشة وتجربة على محل الاختبار ثم يروح فيستخرجها من أنفاسه خَاصَّة على فطرة ما أخذ وطبَّق وعايش حياة ملآنة بآثار الروح، ظافرة بالتوفيق الإلهي المخصوص بالحفظ، والمحفوظ في ذات الوقت بالكلاءة والرعاية في كل حال.

أما من حيث كون عُمْق هذه الشخصية في غيرها، فيُنظر إليه من هذا الأثر الطيب الذي تركه على الحياة الروحية في الإسلام، فما من متصوف جاء بعده إلا وذكره بكل خير، وتأثر به، وأخذ بطريقته في التصوف، وأشاد بأفضاله في الطريق وبمناقبه الروحية والمعرفية على أكثر رجاله اعتدلاً وقصداً، واتصافاً بالتصوف السُّنيّ المعتدل :

وليُّ من أهل العرفان، متمكن راسخ في ديوان الولاية كالطود الشامخ، يتملك حاله فلا تلونه الحال بل هو الذي يلونها، فيوجهها إلى حيث استقرت به ركائبها، فيؤثر أن تستقيم معه على طريق الشرع بمنهج راسخ متمكن فيه.

وليٌّ هذا حاله فلا بد أن يكون من المتقدِّمين في ديوان الولاية، وأن يجيء ذا قدم راسخ في عالم الشواهد الروحية، يؤثر البقاء على الفناء، وصحوة العقل على فقدان التمييز، والحضور على الغيبة، والصحو واليقظة على السكر والمحو؛ لأنه كان من أهل الرسوخ والتمكين لا من أرباب الأحوال والشطح.

توفى الجنيد في آخر ساعة من يوم الجمعة، ودفن يوم السبت سنة (297 هــ  الموافق سنة 910 م). وفي الليلة التي مات فيه رآه أحد زوَّاره يختم القرآن، ثم يبتدئ من البقرة ويقرأ سبعين آية ثم يلاقي ربه رحمه الله. وكان أبوه يبيع الزجاج ولذلك كان يُقال له القواريري. أصله من "نَهَاوَنْد"، ومولده ومنشأه بالعراق. وقد غلبت عليه جوانب الشريعة، وإنْ كانت الحقيقة أقرب لديه مما سواها، ومع ذلك وازن بينهما في حماسة الاعتدال والحكمة؛ فكان فقيهاً على مذهب أبي ثور، وكان متمكناً من الفقه على هذا المذهب حتى قيل في شأنه أنه كان يُفتي في حلقته وهو ابن عشرين سنة، وحين يتعرض فتى في سن العشرين للفتوى ويتصدَّر على صغره مقامات العلماء والفقهاء، لا يُقال في حقه أنه متمكن في الفقه وكفى بمقدار ما ينبئ تمكنه عن حماسة روحية عالية قلَّ أن يدانيه فيها على زمنه أحد من أقرانه أو أنداده، يدل على لك مناجاته :" يا ذاكر الذاكرين بما به ذكروه، ويا بادئ العارفين بما به عرفوه، و يا موفّق العابدين لصالح ما عملوه، من ذا الذي يشفع عندك إلا بإذنك؟ ومن ذا الذي يذكرك إلا بفضلك؟!

طلب الجنيد العلم بشغف وبحب وبجهد وبصبر على بذل المجهود فيه؛ فكانت أقواله في ذلك دالة على حياته، وحياته متسقة مع أقواله فهو إذْ يقول :" فَتْح باب كل علم نفيس بذل المجهود"؛ تجد هذا القول تعبيراً عن حياة الجنيد وعن شخصيته العلمية واهتماماته الروحية والفكرية؛ فبذلُ المجهود من المؤكد قيمة في ذاتها يحصل بها العلوم الشريفة. ولقد كان كثيراً ما يوجه نصائحه لتلاميذه ومريديه بالحرص على لزوم العلم ومفارقة الوقوف مع مطالعة الأحوال؛ فقال وهو يعظ عبد الواحد بن علوان:" يا فتي! ألزم العلم ولو وَرَدَ عليك من الأحوال ما ورد، ويكون العلم مصحوبك؛ فالأحوال تندرج فيك وتنفذ؛ لأن الله يقول:" وَالرَّاسِخُوُنَ في العِلْمِ يَقُوُلُوُنَ آمَنَّا بِهِ كُلٌ مِنْ عِنْدِ رَبِنَا" (سورة أل عمران : آية 7).

كان أوفى تحليل وأدَقّه لمثل هذه الشخصيات الكبيرة والمؤثِّرة في الحياة عموماً؛ مطلق الحياة، هو التحليل الذي قدَّمه عالم الاجتماع الألماني "ماكس فيبر" ((Max Weber المتوفى سنة1920م، والذي كان يصف مثل هذه الشخصيات العبقرية الكبيرة بالكاريزما (charisma)؛ وكلمة الكاريزما تعنى الموهبة الإلهيّة، وهى كلمة يونانية معناها "النعمة"، ويقصد بها " فيبر" ذلك السّحر الخاص من السّمو الفردي الذي يمكن أن يَتَحَصَّل عليه الفرد في مجتمع بعينه من فعل الجاذبية الشخصية والتأثير المغناطيسي.

وقياساً على تحليل "فيبر" يمكن القول بأن الإمام الجنيد كان يتمتع بشخصية "كاريزمية" ساحرة على الصعيدين : صعيد المكانة الاجتماعية والعلمية، وصعيد المكانة الروحية والفكرية والثقافية. ولو أننا تأملنا فيما قيل عنه من بعض معاصريه؛ لتأكد لدينا هذا الزعم ولثبٌتت أمامنا جاذبيته الشخصية ومؤثراته الفردية على المستوى الاجتماعي والعلمي، ثم ثبٌتت لدينا كذلك إشعاعاته الروحية والفكرية المُفَاضة وهباً من عند الله. ولقد قيل عنه لجماله وشدة تأثيره في القلوب وجاذبيته المغناطيسية إنه كان يُلقب بــ "طاووس العلماء"؛ ولم يكن غريباً أن يصفه أحد معاصريه بقوله :"ما رأت عيناي مثله"؛ وبأنه كان :" إمام الدنيا في زمانه ". وَعَدَّهُ العلماء شيخ مذهب التصوف لضبط مذهبه بقواعد الكتاب والسنة، ولكونه مصوناً من العقائد الذميمة، محمي الأساس من شُبَه الغلاة، سالماً من كل ما يوجب اعتراض الشرع. تأمل فيما يقول :" الطرقُ كلها مسدودة على الخلق إلا طريق واحد هو طريق من أقتفى أثر الرسول عليه الصلاة والسلام، وأتبع سنته، ولزم طريقته؛ فإنّ طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه "؛ أو يقول :" مَنْ لم يسمع الحديث، ويجالس الفقهاء، ويأخذ أدبه من المتأدبين أفْسَدَ من أتَّبعه "؛ ومن شدة توكيده على العلم النظري قال:" من عمل بعلم الرواية، ورَّثه الله علم الدراية ". لكنه يركز على العلم النافع، والعلم النافع يتحدَّد في قوله:" إنّ الله أراد من العباد علمين : معرفة علم العبودية ومعرفة علم الربوبية وما سواهما هو من حظ أنفسهم "؛ لأن هذا العلم النافع نفسه هو الذي يعرفك قدرك لا من حظ نفسك ولكن بالله ومن الله؛ كما قال في سر العلم:" العلم أن تُدْركَ قَدْرَك بذاته"؛ أي بذات الله؛

وإنها ولا شك لأقوال تجربة لا أقوال ألسنة، أقوال قلوب لا أقوال حناجر!

وهو أول من تكلم في علم التوحيد ببغداد. وقال عنه ابن عربي في الفتوحات :     "كان الكتبة يحضرون مجلسه لألفاظه، والشعراء لفصاحته، والفقهاء لتقريره، والفلاسفة لدقة نظره ومعانيه، والمتكلمون لتحقيقه، والصوفية لإشاراته وحقائقه". وفي قول ابن عربي هذا ما يثبِّت شدة تأثيره في القلوب، وجاذبيته للعلماء في عصره بمقدار ما يثبِّت مكانته الاجتماعية يتحصل عليها من طريق العلم والمعرفة.

على أن أحدهم ينسب هذه العبارة لا إلى ابن عربي بل إلى أبي القاسم البلخي أحد كبار المعتزلة في القرنين الثالث والرابع الهجريين (راجع د. كامل مصطفي الشيبي: صفحات مكثفة من تاريخ التصوف الإسلامي؛ دار المناهل؛ الطبعة الأولى؛ بيروت لبنان؛ سنة 1418هـ - 1997م؛ ص 120 وما بعدها) ولعل نسبة المؤلف هذه العبارة إلى أحد رجال المعتزلة ترجع إلى نزوعه الغارق في أن يجعل من الجنيد شخصية أقامت التصوف على أساس عقلي أو فلسفي؛ وهو رأي من أوهن الآراء وأضعفها عندي إنْ لم يكن أقدمها كذلك : تلمس الأفكار الفلسفية في تصوف الجنيد؛ بل وفي تصوف غيره من الأقطاب السُّنية، على ما يحكم به منهج الأشباه والنظائر، كما ناقشناه في كتاباتنا. إنّ تجاهل التجربة الصوفية يَقْدَح في الإخلاص العلمي للتصوف من أول وَهلة.

فلئن كان أحدهم قد فهم من تلك العبارة السابقة، والتي قد تنسب إلى أبي القاسم البلخي وهو أحد كبار المعتزلة في القرنين الثالث والرابع الهجريين، لا إلى ابن عربي، في وصف مجلس الجنيد؛ فلا ينبغي أن يوصف مذهب الجنيد بإقامة التصوف على أساس عقلي بغير تحديد لكلمة عقل .. ماذا تعني هنا؟ فليس يُخفى أن العقل مطلق العقل قد يختلط بعقل الفلاسفة أو عقل المتكلمين وهو كما هو معروف خارج دائرة اهتمام الصوفية؛ والجنيد منهم بصفة خاصة، ومن ثم يجئ هذا الوصف لا يقوم على أساس صحيح اللهم إذا كنا نريد عَسَفَاً أن نجعل من هذه الشخصية الصوفية شخصية فلسفية وأن تصوفها تصوفاً فلسفياً وهو رأي إلى الوهن أقرب منه إلى قوة العلم والتحقيق. بيد أننا إذا نحن قلنا إن الجنيد أقام التصوف على أساس علمي لكنا أقرب إلى الحقيقة وأصوب في وصف مذهبه؛ لأن اهتمام الجنيد بمسائل الكلام والفلسفة والفقه واللغة والأدب كما ورد في عبارة أحدهم واصفاً إيّاه في مجلسه، إنما يرتد إلى ولعه بالعلم بصفة عامة لا بالعقل المنهجي الفلسفي؛ ناهيك عن أن منهجية التصوف هى في الأساس منهجية ذوقية وجدانية لا عمل للعقل الفلسفي فيها غير عمل التنظيم؛ فإذا كانت ثقافة الجنيد واسعة شملت إحاطته بعلوم الكلام والفلسفة والنحو واللغة؛ فمن المؤكد لدينا أن هذا التوسع نفسه لهو من باب العلم لا من باب العقل.

ولكن نسبة الجنيد إلى المصادر اليونانية وتأثره بالتصوف عند أفلوطين هى نسبة خاطئة تماماً كما سنبينها فيما بعد.

لم يفارق نبوغه العلمي مطلقاً شدة تعبُّده، وتأسيس علومه على الإخلاص، ولنذكر من حكمه : الإخلاص سرٌ بين العبد وربه لا يعلمه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده ولا هوى فيهلكه. وقال بُنيَ الطريق على أربع : لا تتكلم إلا عن وجود، ولا تأكل إلا عن فاقة، ولا تنم إلا عن غلبة، ولا تسكت إلا عن خشية ".

ومع شدة نبوغه العلمي إلا أنه لزم التعبد، ومن لزومه التعبد فتح الله عليه بكثير من العلوم، وكان إذا تكلم فيها لم تكن له وقفة ولا كبوة. وكان ورده في كل يوم على ما أجمعت عليه مصادر التصوف ثلاثمائة ألف تسبيحة، ومكث أربعين سنة لا يأوي إلى فراش ففتح الله عليه من العلوم النافعة والأعمال الصالحة بأمور لم تحصل لغيره في زمانه، وكان يدخل كل يوم حانوته، ويُسْبل الستر، ويصلى أربعمائة ركعة ثم يعود إلى بيته. وكان يعرف بالإضافة إلى علوم الصوفية إشاراتها وحقائقها، سائر علوم اللسان العربي، وسائر العلوم الدينية على التخصيص حتى قيل إنه كان يقول في المسألة الواحدة وجوهاً كثيرة لم تخطر قط على بال العلماء. وقد قيل لعبد الله بن سعيد بن كلاب : أنت تتكلم على كلام كل أحد، وههنا رجلٌ يُقال له "الجنيد" فانظر هل تعترض عليه أم لا؟ فحضر حلقته؛ فسأل الجنيد عن التوحيد فأجابه فتحير عبد الله، وقال : أعد علىَّ ما قلت، فأعاد بعبارة أخرى. فقال: هذا شيء آخر لم أحفظه، تعيده علىَّ مرة أخرى؛ فأعاده بعبارة أخرى. فقال : لا يمكنني حفظ ما تقول أمْلِهِ علينا، فقال الجنيد : إنْ كنت أجريه فأنا أمليه فقام عبد الله وقال بفضله واعترف بعلو شأنه، يعني أن الله هو الذي أجراه على قلبي فلا أمليه، فليست هى بعلوم كسب ولا حلية دليل، ولكنها علوم وهب وتوفيق، تُعطى فضلاً من الله ولا تكتسب.

كان الجنيد سيد الطائفة البغدادية، بل سيد أولياء الإسلام غير منازع، من أئمة القوم وساداتهم مقبول على جميع الألسنة. ولم يخلو كتاب ولا مصدر من مصادر التصوف الأساسية وعيونه الأولى إلا وكانت أكثر إشاراته في العديد من المواضع الصوفية العليا أكثرها عن الجنيد؛ لعلو حاله، ولسيادة شأنه في علوم القوم ومباحث المعرفة الإلهية.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

 

علاء اللامييربط بعض الباحثين التراثيين القدماء والمعاصرين بين المدرسة السلفية الدينية في الفقه والمجتمع والسياسة كما تكرست في عهد الفقيه الحنبلي ابن تيمية الحرّاني وطائفة قديمة تدعى الحشوية؛ فمنهم هؤلاء الحشوية وكيف تأسست فرقتهم؟

الحشوية، في أحد تعريفاتها، هي فرقة أو مدرسة إسلامية في الحديث؛ تُسمى أيضا؛ المُشَبِّهَة، أو المُجسِّمة؛ ويعرفهم ابن حزم الأندلسي مستندا إلى من يسميه أبا محمد، بقوله: "هم طائفة تذهب إلى القول بأن الله تعالى جسم؛ وحجتهم في ذلك أنه لا يقوم في المعقول إلا جسم أو عرض، فلما بَطُلَ أن يكون تعالى عرضاً، ثبت أنه جسم. وقالوا إن الفعل لا يصح إلا من جسم، والباري تعالى فاعل، فوجب أنه جسم، واحتجوا بآيات من القرآن فيها ذكر اليد واليدين والأيدي والعين والوجه والجنب وبقوله تعالى ﴿وجاء ربك﴾ و﴿يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة﴾". ويرجع أصل تسمية " الحشوية" إلى "جمعهم حشو الحديث من غير تمييز بين صحيحهِ وضعيفهِ؛ ويقال لأنهم أتوا مجلس الحسن البصري وتكلموا في السَّقط - وهو الذي لم تتم له ستة شهور في بطن أمه - فأمر بردّهم إلى حشا الحلقة، أي طرفها، فسُمّوا بالحشوية"1.

وتطلق بعض المذاهب، كالأشاعرة والماتريدية"2"، مصطلحَ المُجَسِّمة على الأثرية -أهل الأثر والحديث - والسلفية، لأنهم حسب قولهم "يُثبِتون أن الله يحده العرش وأنه موجود في جهة"، وأن هذا بحسب قولهم يستلزم التجسيم؛ تُطلق الأثريةُ أو السلفيةُ صفة المشبهة والمجسمة على من شبَّهَ الله بخلقه، ولكنهم يُثبتون من الأسماء والصفات ما جاء في القرآن الكريم والأحاديث النبوية من غير تأويل ولا تعطيل ولا تكييف "البَلْكَفَة" ولا تمثيل. وتطلق المعتزلةُ مصطلحَ المجسّمة على من يُثبت الصفات الخبرية أو المعنوية لله. ويحسب فخر الدين الرازي اليهودَ بجميع طوائفهم، وبعضَ فرق الشيعة القديمة عدا الشيعة الزيدية بأنها من المجسمة"3". ولم يسلم أقطاب المتصوفة الكبار وفي مقدمتهم الشهيد الحلاج وابن عربي وابن سبعين وابن الفارض من القول إنهم من المشبهة بدعوتهم إلى مبدأ وحدة الوجود "4". والثابت أن خصوم السلفيين يرمونهم بهذا الاسم، فعند أبي حامد الغزالي هم من أثبتوا الجهة فيقول: "أما الحشوية فإنهم لم يتمكنوا من فهم موجود إلا في جهة، فأثبتوا الجهة"5.

ومن الواضح أن التيارات السلفية القديمة المعتدلة كالأشاعرة والماتريدية تتفق مع العقلانيين كالمعتزلة اتفاقا غير مباشر، رغم ما بينهم من خلافات عميقة على مناهضة الحشوية. يقول أنصار مذهب أهل الحديث والأثر والسلفية القديمة، المُتَّهَمون بأنهم من الحشوية والمشبهة، إن هذا المصطلح تبشيعي بحقهم وهدفه تنفير الناس عن اتباعهم، فيكتب أحدهم من المعاصرين هو العراقي محمود شكري الآلوسي مؤسس "حركة التصحيح البغدادية" القائمة على تنقية التصوف، وهو من دعاة التجديد السلفي الديني (ت 1924)، يكتب: "وخصوم السلفيين يرمونهم بهذا الاسم، تنفيراً للناس عن اتباعهم والأخذ بأقوالهم، حيث يقولون في المتشابه: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ. وقد أخطأوا في ذلك، فالسلف لا يقولون بورود ما لا معنى له لا في الكتاب ولا في السنة، بل يقولون في الاستواء مثلاً: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر. إلى أن قال: والمقصود أن أهل الباطل من المبتدعة رموا أهل السنة والحديث بمثل هذا اللقب الخبيث"6.

أما من تولى الدفاع بجدارة وكفاءة عن الحشوية قديما فهو ابن تيمية؛ وفي هذا السياق، أثار الباحث الأردني حسام عبد الكريم، موضوع العلاقة بين الحشوية وابن تيمية قبل فترة في مقالة صحافية له، واعتبر أن هذا الأخير هو الذي أنقذ الحشوية من الانقراض وأعادها الى الحياة، وسنقارب ما طرحه عبد الكريم "7"في السطور التالية:

لقد كان لابن تيمية دور كبير وفعال في توسع وانتشار السلفية الإسلامية قديما وحديثا؛ ويذهب عبد الكريم إلى اعتبار ابن تيمية هو مطور وناشر مذهب "الحشوية" الأقدم منه؛ و"الحشويّة" كما استقرأنا محتوها وسماتها قبل قليل تسمية واسعة؛ كانت تطلق على بعض المتفقهين المسلمين في القرون الأولى من العصر الإسلامي، ممن كانوا يفهمون هذا الدين السماوي الجديد عليهم فهما بسيطا ومحدودا، ومتأثرا إلى هذه الدرجة او تلك بالأجواء الدينية "غير التوحيدية" التي كانت سائدة لقرون عديدة قبل الإسلام والقائمة على التجسيم والتشبيه الوثني.

لكن الباحث عبد الكريم يحصر التعريف حصرا شديدا من حيث المحتوى العقيدي، وأوسع - عمليا - مما هو في الواقع، فيقول عن الحشوية بإطلاق الصفة على مكونات هذا التعريف من حيث الفرق والجماعات المختلفة المحسوبة عليه، إنهم "يتمسّكون بظاهر النص الديني ويرفضون العقل والتفكير في شؤون الدين تماماً، أي القشور والظاهر دون الجوهر والغايات... وقد أودى بهم تزمّتهم وانغلاقهم العقلي إلى وضعية صاروا فيها محلّ سخرية وهزء من أغلب مذاهب الإسلام". ويبدو أن هذا التعريف الحاصر عقيديا والمطلق من حيث الموضوع يحتاج إلى الكثير من التدقيق والمعالجة قبل الموافقة المنهجية على محتواه، إذْ لا يمكن -إذا أخذنا بكلام عبد الكريم بحرفيته - اعتبار الفرق الباطنية المشهورة والمحسوبة على الحشوية جزءا من الظاهرية التي تقوم عليها الحشوية مثلا، فهما متضادان متعاكسان!

يكتب الباحث حسام عبد الكريم واصفا حال الحشوية: "بقي حال الحشوية كذلك، فئةً صغيرةً وغير مؤثرة في عالم الإسلام، إلى أن جاء ابن تيمية في القرن السابع الهجري الثالث عشر الميلادي لينقذهم ويخرجهم مما هم فيه من تقوقع"، يعتقد الباحث أن ابن تيمية كان عبقرياً، وصاحب قدرات عقلية عظيمة؛ ولكنه "سخّر مواهبه الفذّة تلك وعقله الجبّار في محاربة العقل ذاته، وقد تولى مهمة عُظمى وشاقة نفّذها بنجاح كبير: تقديم دفاع شرعي ومنهجي قوي جداً ومتماسك عن كل مقولات مذهب الحشو والحشويّة. لقد قام ابن تيمية بالرد على كل خصوم الحشوية من مذاهب الإسلام كلها، ونجح في تهذيب وتشذيب مقولات الحشوية بحيث صارت أكثر قبولاً وأقل تنفيراً ونشوزاً، من دون المساس بجوهرها"8.

صحيح أن ابن تيمية (ت 1823)، قارب وطوَّر تجسيم الله عبر نظرية البلكفة "تجسيم الله بلا كيف تأويلي" ولكنه فعل ذلك بكثير من الغموض. ونضيف لما طرحه الباحث الآتي: فمن الثابت أن ابن تيمية هو القائل بمبدأ رفض الفتنة، التي يقصد بها -غالبا - الثورات والانتفاضات، ووجوب طاعة الحاكم الظالم، وهو المبدأ الذي سوف تستغله السلفيات المعاصرة للدفاع عن عروش طغاة قساة وأنظمة حكم ظالمة وتابعة للغرب الإمبريالي في عصرنا.

ويختم الباحث حسام عبد الكريم رأيه في العلاقة التأسيسية بين الحشوية والسلفية في نسختها "التيمية" بالقول: "وبناءً على ذلك، صار للحشوية «مذهب» متكامل الأركان، وصار عندهم حجج وقدرة على المناظرة والرد على الخصوم، بعدما كانوا لا شيء. وحشويّة زماننا من سلفيّة ووهابيّة كلهم عالة على ابن تيمية، ومذهبهم يرجع إليه، بالفاصلة والحرف"9.

في مقابل هذا الرأي الذي يراه حسام عبد الكريم ويدافع عنه فإن عددا من السلفيين المعاصرين نفوا صفة "الحشوية والتجسيم" عن ابن تيمية وقالوا إنه لم يقل بها صراحة، ولكن "العبارة المنقولة في السؤال - والمنسوبة إلى ابن تيمية - ليس المراد بها إثبات الجسمية لله تعالى، أو نفي الذم عن المجسمة"10. ولكن هذا النفي ضعيف ومتناقض، أذ أن من الثابت أن ابن تيمية  يذهب مذهب أهل الحديث في أسماء الله وصفاته، حيث يُثبت لله ما جاء في القرآن والسنة النبوية من أسماء وصفات "من غير تعطيل ولا تحريف ولا تبديل ولا تأويل ولا تشبيه ولا تمثيل"، وله في ذلك أقوال كثيرة منها: «فما وصف الله من نفسه وسماه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم سميناه كما سماه، ولم نتكلف منه صفة ما سواه - لا هذا ولا هذا - لا نجحد ما وصف، ولا نتكلف معرفة ما لم يصف"11، ويقول: «وقد عُلم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل"12.

وبالعودة إلى كلام الباحث حسام عبد الكريم نقول: إن التشابه الجوهري والعقيدي بين الحشوية والسلفية المعاصرة ذات الجذور التيمية قوية وواضحة دون شك، غير أن السياق التاريخي والاجتماعي لظهور الظاهرة السلفية نفسها يوجب علينا أن نكون أكثر حذرا ودقة في قراءة التفاصيل ونميز بين ما هو ثابت وجوهري وآخر طارئ ومتغير. فالأسباب والظروف التاريخية التي ساعدت على ظهور الحشوية والتيمية قبل أكثر من ألف عام ليست هي نفسها في عصرنا ولهذا فإن الفروق والتماثلات في التفاصيل والحيثيات والأسباب مدعاة إلى البحث العميق في جذور هذه الظواهر وعدم الاكتفاء برصد تماثلاتها الشكلية، فمن الأسئلة التي ينبغي الإجابة عليها مثلا هل جاءت الحشوية وما بعدها من مشابهات بتصوراتها الأولية عن الله والبشر والدين من العدم أم أنها وجدت ذلك في تأويلات حرفية وظاهرية لنصوص دينية قرآنية وحديثية قبلها؛ وإلى أية درجة اقترنت الظاهرة السلفية القديمة كفكر ديني وسياسي بظروف صد العدواني "الإفرنجي الصليبي" قديما وظروف العدوان الغربي الإمبريالي المعاصر على شعوب المشرق العربي وشعوب الجنوب عموما؟ وإلى أية درجة خدمت السلفية القديمة أو المعاصرة العدوان الخارجي حتى لو قاتلته فعليا أو زعمت أنها تقاتله وتتصدى له، وهي في الحقيقة، ونحن شهود على ما حدث ويحدث منذ بدايات القرن الحادي والعشرين، تقاتل وتدمي شعوبها أضعاف ما تفعل مع القوات الغازية والمحتلة، وقد أخَّرت بفكرها ودمويتها عملية الانتصار على العدوان والتحرر من براثنه؟ هذه الأسئلة وكثير غيرها هي مما ينبغي مقاربته وتحليله وتسليط الضوء العقلاني عليه.

 

علاء اللامي

........................

الهوامش:

1- الدمشقي ابن عساكر - تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري - ص 11- الموسوعة الحرة.

2- الماتريدية: نسبة إلى إمامها ومؤسسها أبي منصور الماتريدي، الذي ينتهي نسبه إلى الصحابي أبي أيوب الأنصاري؛ وهي مدرسة إسلامية سنية، ظهرت في أوائل القرن الرابع الهجري في سمرقند من بلاد ما وراء النهر. دعت إلى مذهب أهل الحديث والسنة بتعديل يجمع بين الحديث والبرهان.

3- الرازي فخر الدين -اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، ص:97 –الموسوعة الحرة.

4- وحدة الوجود: مذهب فلسفي يقول إن الله والطبيعة حقيقة واحدة، وإن الله هو الوجود الحق، ويعتبرون الله صورة هذا العالم المخلوق، أما مجموع المظاهر المادية فهي تعلن عن وجود الله دون أن يكون لها وجود قائم بذاته. ويعتقد بعض الباحثين أن فكرة وحدة الوجود لم تظهر في صورة نظرية كاملة متسقة قبل محيي الدين بن عربي (ت 638 هـ)، وإن ظهرت بعض الاتجاهات نحو هذه النظرية بين حين وآخر في أقوال الصوفية السابقين عليه.

5- الغزالي أبو حامد - الاقتصاد في الاعتقاد (1 / 23). الموسوعة الحرة.

6- الآلوسي محمود شكري - مسائل الجاهلية، شرح مسائل الجاهلية (1/ 169). الموسوعة الحرة.

7- عبد الكريم حسام - صحيفة "الأخبار" البيروتية عدد 30 آذار 2021.

8- المصدر السابق.

9- المصدر السابق.

10- بيان بطلان دعوى نسبة التجسيم إلى شيخ الإسلام ابن تيمية – الفتوى 313828 –موقع إسلام ويب.

11- ابن تيمية - مجموع فتاوى ابن تيمية - العقيدة، كتاب الأسماء والصفات "الجزء الأول"، الجزء الخامس - السعودية: مجمع الملك فهد. صفحة 45.

12- ناصر بن عبد الكريم العقل - شرح التدمرية - المكتبة الشاملة. -صفحة 8. مؤرشف من الأصل.

* هذا النص جزء من دراسة طويلة بعنوان " نقد الخطابين الاستشراقي العنصري والسلفي الانتحاري وهي واحدة من عدة دراسات في كتابي قيد التأليف " ملفات ساخنة في التاريخ والتراث".

 

 

 

ميثم الجنابيالأبعاد السياسية العملية في الفكرة القومية

إذا كانت الاستقامة مع النفس هي تعرج ذاتي محكوم بمعاناة البحث عن حقيقتها، فان صيغة تجسيدها النظرية والعملية المتعلقة بكيفية تأسيسها لإشكاليات الوجود التاريخي للجماعة والأمة عادة ما تتحول الى هموم لا تنتهي. وبالأخص حالما يكون التاريخ الواقعي والفعلي للأمة زمنا متحللا في حلقات الانقطاع والهزائم. وقد كانت تلك حالة العالم العربي الفعلية في مرحل صعوده الجديد، التي جعلت من هواجس وعيه الذاتي "انبعاثا" و"بعثا" بعد سباته الطويل في كهوف النسيان الذاتي. من هنا تحول الهواجس الى هوس فكري وروحي متسام، وجد تعبيره النموذجي في صعود وهيمنة العقائد العملية المتنوعة. فإذا كانت عقيدة الإخوان الشاملة هي عقيدة الجهاد الشامل بسبب أصولها الدينية التوحيدية الإسلامية، فان عقائد الفكرة القومية (الدنيوية) هي مبادئ وقواعد الكفاح والنضال من اجل صنع الوحدة الغائبة، وإعادة وحدة الجماعة المتحللة، وإرشاد القومية الضائعة، وصنع الأمة المرجوة. وقد جسدت الفكرة القومية عند انطون سعادة هذه الحلقات الأربع والمكونات الجوهرية بصورة ترتقي الى مصاف الصيغة الكلاسيكية الكبرى، أي الأكثر أصالة ونموذجية وتماسكا من حيث بنيتها النظرية ومبادئها العملية.

***

فقد توصل انطون سعادة (1904-1949)[1] في مجرى التأسيس النظري للفكرة القومية (الاجتماعية السورية[2]) الى أن صنع الوحدة الغائبة، وإعادة وحدة الجماعة المتحللة، وإرشاد القومية الضائعة، وصنع الأمة المرجوة هي أولا وقبل كل شي فكرة عملية. مع ما ترتب عليه من تشديد على أن الطريق لبلوغ الغاية يجري عبر الإصلاح، وان النشاط العملي السياسي هو الأسلوب الأمثل والوحيد للإصلاح الحقيقي. وبالتالي، أن فكرة الإصلاح الحقيقي هي فكرة عملية سياسية. بمعنى ضرورة الانتقال من التنظير المجرد الى ميدان تطبيقها العملي[3]. وهذه بدورها كانت النتيجة المتراكمة من معاناة النظر والبحث والتأمل العملي لتأسيس الفكرة القومية السورية. بحث نراه يتكلم عن بلوغه هذه الفكرة الجلية بالنسبة لتاريخ الأفكار الإصلاحية العملية، بمعايير "الوحي الباطني". بحيث نسمعه يتكلم عن منطق "الصوت الداخلي" الذي سمعه في حلم أوصله في نهاية المطاف الى رؤية "الأشياء بصورتها الحقيقية" بحيث رأى كيف انه كان على ضلال فيما كان يحاوله في إصلاح الناس (بالكتابة)، بينما "لم يصلح نفسه أولا بالعمل"[4]. أما في الواقع فليس صوت الباطن هذا سوى صوت الشخصية القومية الباطنية لانطون سعادة، ومن ثم صوت الفكرة القومية السورية في أهم مراحل ارتقائها، أي رجوعها من سماء التنظير العقلي الى ميدان الصراع العملي من اجل اختبارها وتجسيدها وتحقيق ما فيها.

بعبارة أخرى، انه "صوت النبوة" القومية الحديثة الذي طالبه بالتركيز على الأبعاد العملية في الإصلاح. والعمل المباشر من اجل تغيير الواقع. انطلاقا من أن الإصلاح الحقيقي مقترن بالعمل فقط. وهذا بدوره لم يكن في الواقع سوى الصيغة الأيديولوجية المتوترة لطبيعة الانقلاب الهائل في التاريخ السياسي، التي لازمت الصيرورة العربية الحديثة وانقلابات وعيه السياسي. ففي إحدى محاضراته التي ألقاها تحت عنوان (التفكير العملي والإصلاح الاجتماعي) نراه يركز على جملة قضايا عملية كبرى بالنسبة للفكرة القومية مثل أهمية الأفكار في جعل علاقة الفرد بالمجتمع شيئا مفيدا لكليهما، وأهمية النخبة، أو ما اسماه بضرورة الاهتمام "بالطبقة الراقية وذلك لعظم مسئوليتها في تقرير الحياة القومية، وذلك لأنها عقل الشعب وقوته التفكيرية". وذلك لأنه "منها يجب أن تخرج المبادئ الصحيحة التي هي مصدر صحة الحياة القومية". وكذلك الفكرة القائلة، بان "صحة الحياة القومية وجمال المطلب الأعلى يدلان على صحة حياة الأفراد الداخلية وجمال نفوسهم". مع ما يترتب على ذلك من ضرورة نقد حالة الفساد الاجتماعي والأخلاقي في الموقف من الإنسان المواطن. إضافة الى نقد حالة التقليد، أيا كان شكله ومحتواه ومصدره، القديم منه والجديد. وذلك لأنهما كلاهما من صنف واحد. وينطبق هذا على قضية ما اسماه بالتقاليد الموروثة التي "تمنع نفسيتنا وعقليتنا من النمو وتشوه تركيبنا الاجتماعي وتجعلنا عاجزين عن تحقيق ما قد نرى فيه مطلبا أعلى جميلا". ولعل "المعتقدات الدينية والتقاليد الناشئة عنها" من بين أكثرها خطورة وجلاء، وذلك لأنها تقيم حواجز بين المسيحيين والمسلمين وتمنع من اشتراكهم اشتراكا فعليا في الحياة القومية، أي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والنفسية للأمة. ولعل في النظام الاجتماعي العائلي الذي يتمشى عليه المسيحيون والمسلمون نموذجا لما اسماه انطون سعادة بسيادة المبادئ الفاسدة التي تؤدي الى قهر النفس. ووضع حصيلة أفكاره النقدية هذه في استنتاج نظري عملي يقول، بان "الذين نمت نفوسهم في قوالب حديدية من التقاليد والمعتقدات يتزعزعون ويسقطون عند أول احتكاك وأول صدمة، أنهم لم يتمكنوا من مقاومة الأهواء لأنهم كانوا عديمي الإرادة، ولم يتمكنوا من اختيار السبيل لأنهم كانوا فاقدي الحرية". الأمر الذي يجعل من الاعتماد على الفكر العملي ضرورة، وذلك "لان العصر الذي نعيش فيه هو عصر عمل". بل نراه يقلب في نهاية المطاف إحدى المرجعيات الفكرية الذائبة في لاهوت الأخلاق العملية، عبر وضعها بصيغة تقول "قديما قيل إن الأعمال بالنيات، وأنا أقول إن النيات بالأعمال"[5].

وفيما لو جرى انتزاع هذه الفكرة من تاريخها النظري واللاهوتي والأخلاقي، أي من أثرها بالنسبة لتطور المدارس الفكرية الكلامية والفقهية والأخلاقية، التي يجهلها انطون سعادة، فان قيمتها تكمن في تأسيس ما يمكن دعوته بالخوارجية الجديدة، أي الحركة الداعية الى أولوية وجوهرية العمل بوصفه محك الإيمان الصادق بالوحي الجديد للفكرة القومية. وفي كلتا الحالتين كان الإيمان العملي يرتقي الى مصاف الفكر النظري الحاد أيضا. وليس مصادفة أن نعثر في آراء ومواقف انطون سعادة حتى مراحل متأخرة من حياته على تعايش الفكرة النظرية المجردة والصيغ الوجدانية الخطابية. ففي معرض تحديده لماهية القومية، نسمع يقول، بان "القومية هي يقظة الأمة وتنبهها لوحدة حياتها ولشخصيتها ومميزاتها ولوحدة مصيرها"، و"أنها عصبية الأمة وقد تلتبس أحيانا بالوطنية"، كما أنها "الوجدان العميق الحي الفاهم، المولد محبة الوطن والتعاون الداخلي بالنظر لدفع الأخطار"، كما أنها "الشعور بوحدة المصالح الحيوية والنفسية"، والساعية من اجلها ومن اجل تحسينها "بالتعصب لهذه الحياة الجامعة"[6]. كما نعثر عنده على تحديد لها بعبارة قول:"القومية هي الروحية الواحدة والشعور الواحد المنبثق من الأمة، من وحدة الحياة في مجرى الزمان"، وأن القومية "ليست مجرد عصبية هوجاء أو نعرة متولدة من اعتقادات أولية أو دينية أو نعرة دموية سلالية، بل شعور خفي صادق وعواطف حية. أنها عوامل نفسية منبثقة من روابط الحياة الاجتماعية الموروثة والمعهودة"[7]. وتراكمت كل هذه الصيغ المتنوعة يما أطلق عليه انطون سعادة عبارة الوجدان القومي. وجعل من هذا الوجدان الصيغة الظاهرية والنفسية المرتبطة بالصيرورة المعقدة لما اسماه بشخصية الجماعة، بوصفها ذروة التطور الاجتماعي. ومن هنا استنتاجه القائل، بان "الوجدان القومي هو أعظم ظاهرة اجتماعية في عصرنا"[8].

غير أن هذا الوجدان الذي تنتظم فيه بقدر واحد المشاعر الجياشة والمنطق البارد ليس إلا الوجه الاجتماعي لصيرورة الجماعة والأمة[9]. ذلك يعني أن انطون سعادة يفرز في تأسيسه للفكرة القومية أسسها التاريخية والاجتماعية من خلال توحيد ظاهرة الجماعة والأمة في حلقات مترابطة تشكل أسس ومصدر الفكرة القومية وتجليها الوجداني. فقد اعتبر ظهور شخصية الجماعة احد أعظم الحوادث التاريخية والاجتماعية. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه إذا "كان ظهور الفرد حدثا عظيما في ارتقاء النفس البشرية وتطور الاجتماع الإنساني، فان ظهور شخصية الجماعة كان أعظم حوادث التطور البشري شأنا وأبعدها نتيجة وأكثرها دقة ولطافة وأشدها تعقيدا"[10]. بعبارة أخرى، أن ظهور الجماعة كان يحتوي من حيث مقدماته التاريخية وآثاره الاجتماعية على إمكانية هائلة بالنسبة للرقي الإنساني والثقافي. وليست القومية الحديثة سوى الصيغة الأكثر تكاملا وتجسيدا لهذا الارتقاء التاريخي المعقد للجماعة. وجعل من هذه المقدمة وتحليله والاستنتاجات المترتبة عليها مقدمة حدّ فيها ماهية الفكرة القومية وحقيقتها.

انطلق انطون سعادة في تحديده لماهية الجماعة من تحديد ماهية ونوعية "الاجتماع البشري". فقد وجد في الاجتماع البشري نوعين رئيسيين وهما كل من الاجتماع البدائي الذي تبنى روابطه الاجتماعية على أساس الدم، و"الاجتماع الراقي ورابطته الاجتماعية الاقتصادية مستمدة من حاجات الجامعة الحيوية للارتقاء والتقدم"[11]. واعتبر الرابطة الاقتصادية هي الرابطة الاجتماعية الأولى في حياة الإنسان، أو الأساس المادي الذي يقيم الإنسان عليه عمرانه[12]. من هنا نظرته الى الرابطة الاقتصادية باعتبارها الرابطة الأساسية للاجتماع البشري. وذلك لأنها تحتوي على "مصلحة تأمين حياة الجماعة وارتقائها". من هنا أهميتها القصوى. إذ اعتبر المصالح المتشابهة "من أهم المصالح الاجتماعية"[13]. وكون المصالح الاقتصادية هي من بين أكثرها جوهرية فهو بسبب خدمتها لكافة المصالح الحيوية والنفسية للفرد والجماعة. وقد كون المجتمع الحدث والدولة الحديثة والأمة الحديثة هي الميادين التي تتكشف فيها هذه الحقيقة.

بعبارة أخرى، إن الحقيقة الكامنة في الجماعة تترقى بالارتباط مع رقي المجتمع الإنساني لتبلغ ذروتها في المجتمع الحديث وفكرته القومية. من هنا تأكيده على أن "المصالح لا تتحدد وتتعين إلا في المجتمعات الراقية. وفي هذه المجتمعات تتحدد المصالح وتولد جمعيات معينة. والمصالح وجمعياتها تتميز وتتنوع بحيث تجعل وحدتها أتم وأوضح"[14]. وفي هذا "المتحد"[15] الراقي نجد المصالح جميعها تتنوع وتتعين وتؤدي الى إنشاء جمعيات من كل نوع. وقّسم هذه المصالح الى ثلاثة أنواع. منها ما هو أساسي ويشمل المصالح الحيوية والنفسية (وأدرج في "المصالح الحيوية" الجنسية (الاجتماعية القومية) وجمعياتها العائلية. واللاجنسية وهي ما يتعلق بالغذاء واللباس. بينما أدرج في "المصالح النفسية" كل من العلمية والفلسفية والدينية وغيرها)[16]. أما النوع الثاني فهي "المصالح الفنية" وجمعياتها المنتظمة في تشكيلات متنوعة مثل جمعيات الرسم والموسيقى والتمثيل. أما النوع الثالث فهي "المصالح الخصوصية" ويقصد بها مصالح السلطة والجاه.

وليس المقصود "بالمتحد" هنا سوى الجماعة الحديثة، التي تشكل بؤرة الوجود القومي. ومن ثم فان لها تاريخها الخاص ومحدداتها التي تؤسس بدورها لكيفية تشكل الأمم وخصوصيتها. واعتبر البيئة (الأرض) من بين أهم العوامل في تكوين شخصية الجماعة[17]. وذلك لان ما يميز الاجتماع الإنساني مقارنة بغيره هو وجود ظاهرتين خاصتين به، الأولى وهي استعداد الفرد لبروز شخصيته، والثانية اكتساب الجماعة شخصيتها التي تكونها من مؤهلاتها الخاصة وخصائص بيئتها[18].وبالتالي فان الأمة ليست شيئا ما غير وعي وجودها الذاتي. إذ ليس للأمة علاقة جوهرية باللغة والدين. وذلك لان حقيقة الأمة هي "واقع اجتماعي"، أي "مجتمع إنساني وارضي". من هنا فكرته القائلة، بأننا لو أطلقنا لغة واحدة في العالم كله لما جمعت العالم امة واحدة. وينطبق هذا على الدين والمذهب. وبالتالي "فلا اللغة ولا الدين ولا الاثنان معا يجعلان الناس امة واحدة، أي مجتمعا ذا شخصية سياسية"[19]. واستكمل ذلك في فكرة راديكالية تقول، بان "الفتح الحربي وتغيير لغة قوم ودينهم لا يلغيان وجود الأمة المغلوبة". وليست هذه الفكرة أو الاستنتاج سوى الصيغة الراديكالية المناسبة لما وضعه في جوهر أيديولوجيته القومية السورية. من هنا قوله، بان"الفتح العربي قد غّير اللغة السريانية في البلاد وكذلك ديانتهم النصرانية بعد سيطرة العربية والإسلام، لكن الثقافة السورية هي التي سيطرت على اللغة العربية وبقي المجتمع السوري هو هو"[20].

ليست هذه الصيغة الحادة والمبتسرة سوى الرد الأيديولوجي الصارم من اجل بناء الفكرة القومية على أسس تستجيب للفكرة السورية القومية كما سعى انطون سعادة لتحديد ملامحها وإبراز مكوناتها وإفراز عناصرها ووضع أسسها. فعندما يشدد انطون سعادة على أن نهوض تركيا الجديدة بدأ بعد أن جرى هجر الإسلام القديم وقيام حركة تجديد شاملة، كما أن نهوض الأمم المسيحية قبل ذلك كان بعد أن جرى الوقوف بالضد من تحويل المسيحية الى دولة دينية رئيسها البابا، فانه كان يسعى أساسا الى إعلان الفكرة الأيديولوجية السياسية الصرف عن أن الفكرة القومية بوصفها وعيا لخصوصية الجماعة والأكثر قدرة على الاستجابة للحياة المعاصرة ومتطلباتها، تفترض عزل الدين عن الدولة. بعبارة أخرى، أن انطون سعادة لا يتناول الفروق الجوهرية بين تركيا بداية القرن العشرين وأوربا المتمتعة بتاريخها الذاتي وتطورها الخاص لمئات السنين والعالم العربي الذي كان آنذاك يفتقد لأبسط مقومات وجوده الذاتي.

لقد أراد انطون سعادة هنا تأسيس فهمه الخاصة لعلاقة القومية والدين، باعتبارها علاقة مفتعلة ومصطنعة . ووضع ذلك في استنتاجه القائل، بان "الموضوع القومي هو غير الموضوع الديني"[21]. كما أن الدين لم يعد عاملا حاسما بالنسبة للفكرة القومية في العالم الحديث. وذلك بسبب ما اسماه بغلبة "العوامل الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية والنفسية بالنسبة للتطور الإنساني"[22]. ولهذا السبب مقدماته وأشكال تمظهره في التاريخ والوعي ووجود الأمم. إذ كلما كان "الشعب متأخرا في الارتقاء الفكري الفلسفي كلما كان الدين افعل في السيطرة على العقلية، كما يقول انطون سعادة[23]. إضافة لذلك أن "الدين في أصله لا قومي ومناف للقومية وتكوين الأمة، لأنه إنساني ذو صبغة عالمية"[24]. ذلك يعني أن جوهر الفكرة القومية لا علاقة له بالدين أو أن الدين لا علاقة له بالقومية. من هنا إجابته على السؤال:لماذا تطورت أوربا؟ بعبارة لا مجال للتأويل فيها: أن الأمم الأوربية ما نهضت إلا بترك مبدأ الجنسية الدينية، ومبدأ الدولة الدينية. وبالضد من ذلك أنها أخذت بمبدأ الجنسية الاجتماعية ومبدأ الدولة القومية من غير أن يعني ذلك التخلي عن تعاليم المناقبية (الأخلاقية). أما "الأمم المحمدية" (الإسلامية)، فإنها مازالت متأخرة وذلك لأنها "لما تجتز طور العمل بمبدأ الجنسية الدينية". ومن هذه المقدمة الفكرية العامة وضع استنتاجه السياسي المستقبلي القائل، بان "الأمم المحمدية" مازالت متمسكة "بمبدأ الجنسية الدينية" فلا أمل لها "بمجاراة الأمم المسيحية التي تقدمت باسم الجامعة القومية المنفصلة الدين، من غير أن يتخلى المؤمن عن دينه وتعاليمه"[25].

لم تكن هذه الفكرة العامة واستنتاجاتها النظرية والعملية معزولة عن هيمنة المناهج الأوربية وقيمها السياسية المستنبطة من تاريخها الذاتي، أو على الأقل أنها تهمل طبيعة وتلقائية التطور العميق والدرامي لفكرة عزل الدولة عن الكنيسة (وليس عن الدين)، مع ما ترتب عليه من تفسير مسطح لعلاقة الدين والدنيا في الإسلام، وأثرها بالنسبة لفهم الواقع المعاصر وآفاق الرؤية المستقبلية للفكرة القومية ومشروعها العملي.

فقد فسر انطون سعادة الارتباط بين الدين والدنيا في الإسلام انطلاقا مما اسماه بالبيئة العربية بحيث التبس أمر كليهما حتى على "اكبر المفكرين المحمديين. من هنا صعوبة الفصل بينهما مقارنة بالمسيحية"[26]. وخصوصية هذه العلاقة تكمن في طبيعة الدولة التي أراد النبي محمد إقامتها. فقد استخدم النبي محمد "الدولة لإقامة الدين وجعل الدين أساسا لتنظيم شعب باق في حالة همجية"[27]. وقد حدد هذا بدوره طبيعة العلاقة بين الإسلام والدولة. فقد كان "القصد من إقامة الدولة الإسلامية المحمدية هو إقامة الدين الإلهي في ارض كان أهلها ما يزالون في ضلال مبين" كما يقول انطون سعادة. مما حدد بدوره مراتب الأولية بينهما. فالأولوية للدين على الدولة. وذلك لان الدولة التي أنشأها النبي محمد كان تخضع لغرض الدين وليس الدين هو الذي انشأ لغرض الدولة". مما حدا به الى اختصار مضمون العملية التاريخية الكبرى لظهور الإسلام وانتصاره بهذا الصدد الى معادلة بسيطة تقول، بأن "غرض الدولة الدينية المحمدية إبادة عبادة الأصنام وإقامة دين الله"[28].

لقد كانت هذه الصيغة المبتسرة في الموقف من تاريخ العلاقة المعقدة بين الدين والدنيا، والدين والدولة، والقومية والثقافة في الإسلام تردد بقدر يخلو من ابسط مقومات الرؤية النقدية للتقليد (الذي واجهه انطون سعادة نفسه بقوة هائلة في مختلف مجالات الحياة العملية) عما هو شائع آنذاك في الأبحاث الأوربية في شئون التاريخ والفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية وحضارتها. إلا أن مضمونها العملي يسير بصورة متجانسة صوب تأسيس الفكرة المناهضة لجعل علاقة الدين بالقومية علاقة جوهرية. بمعنى انه كانت تهدف الى إبراز وإعلاء أولوية العناصر القادرة على توحيد الرؤية القومية في "سوريا الطبيعية" التي كانت تعج بخلافاتها الطائفية والدينية والمذهبية. من هنا موقفه المتشدد "ضد نار الفتنة الدينية العمياء"[29].

وإذا كان انطون سعادة، شأن كل ممثلي الفكرة القومية آنذاك (ولحد الآن أيضا)، لم يفهم ضرورة هذه"الفتن" بوصفها مرحلة انتقالية الى عالم المدنية الحديثة أو عالم القومية الاجتماعية، فلأنه أراد وسعى الى إرساء الوحدة المبنية على قواعد دنيوية خالصة. وضمن هذا السياق يمكن فهم موقفه النقدي القائل، بان سبب الخلافات الدينية "هو الاعتقادات الفاسدة والاجتهادات المغرضة من الفريقين، المبنية بدورها على اعتقادات دينية فقهية أو لاهوتية هي أيضا فاسدة أو لا موجب حتمي لها" من الوجهة الاجتماعية والمدنية والدينية أيضا[30]. لقد وضع انطون سعادة الحالة التاريخية وملابساتها بمعايير الواجب وليس بمعايير الرؤية الواقعية. بمعنى انه تعامل مع الواقع بمعايير الفكرة المستقبلية ولكن دون استناد الى أرضيتها التاريخية. من هنا يمكن فهم موقفه القائل، بان علاقة الدين بالدنيا ليست ثنائية مطلقة بل مقيدة وترتبط بوحدة فلسفية يمكن استخراجها من اجل "إيجاد الاستقرار الروحي في الملة المحمدية لتهتم بشئون الارتقاء الثقافي، فلا تظل معرّضة لتضحية غرض الدين في سبيل غرض السياسة التي يهمها الدولة والسلطان والحكم أكثر مما يهمها الارتقاء الروحي والمثل العليل والتقدم الاجتماعي"[31]. وهي فكرة عميقة سواء بمعايير المنطق والسياسة العملية والأيديولوجية. كما أنها تسلط الضوء على النقد الفكري والسياسي لشخصيات الإصلاحية الإسلامية الكبار مثل الأفغاني ومحمد عبده.

فقد اعتبر انطون سعادة كل من الأفغاني ومحمد عبده ممثلان نموذجيان للفكرة الرجعية، أي تلك التي تدعو "للرجوع الى حال سابقيه". وذلك لان مقصودهما مما كان يقولان به ويسعيان إليه هو  الدعوة "للرجوع الى عهد الدولة الدينية وتأسيس الدولة على الدين. فلم يعتبرا بالأحداث التاريخية العظمى التي كانت دروسا خطيرة تنقض الشيء الكثير من الاعتقادات القديمة"[32]. مما حدا به لوصفهما بالكتاب الرجعيين، بينما اعتبر (العروة الوثقى) منبرا للفكر الرجعي [33]. وانطلق في حكمه الخاطئ هذا والمتسرع من اعتقاده، بان فكرهما كان "يطابق بين الفكرة الوطنية والدينية". ووجد في هذه المطابقة "معتقدات خاطئة ذات جذور في أوساط واسعة ولها شبه مدرسة فكرية كان في طليعة أساتذتها السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده ورشيد رضا والسيد محمد كرد علي وشكيب ارسلان وغيرهم" ممن كان يرى الرجوع الى الدول الدينية"، ويرون "أن الوطنية هي النعرة الدينية"[34]. مما حدد في نهاية المطاف موقفه منهم، باعتبارهم شخصيات "معارضة للنزعة القومية" بشكل عام و"القومية الاجتماعية في سوريا لتكون رابطة تحل في الاجتماع والحقوق محل الملة" بشكل خاص[35]. أما نتيجة سلوكهم فقد كان مجرد خيبة متتالية. الأمر الذي يبرهن على انه "لا مجال للوحدة الإسلامية على أساس الدين". وان هذا ما تبرهن عليه التجربة الإسلامية على امتداد تاريخها. وهو الأمر الذي اكتشفه ودافع عنه من بين الإسلاميين المعاصرين "المفكر السوري المحمدي السيد الفراتي عبد الرحمن الكواكبي" الذي "لم يذهب صيته ذهاب صيتهما". فقد نظر الكواكبي الى الحياة الاجتماعية والسياسية من وجهة التفكير السوري المترقي، كما يقول انطون سعادة[36].

أما من الناحية العملية، فقد أدت هذه "الأفكار الرجعية" في سوريا الى إشغال المجتمع عن طلب وحدته القومية، كما يقول انطون سعادة. مع ترتب عليه من خسران متوالي. فتركيا اقتطفت لواء الاسكندرون ومصر شبه جزيرة سيناء. مما أدى بدوره الى اكتشاف خلل الفكرة الدينية هذا الصدد. من هنا استنتاج انطون سعادة عما اسماه بتعرض الفكرة الإسلامية (عند الأفغاني وعبده) الى تغير، لكنه ظاهري فقط. وذلك لان فشل فكرتهم عن الرابطة الإسلامية جعلهم يربطون الفكرة الإسلامية بالعرب والعروبيين. وذا بدوره لم يكن أكثر من مجرد تعويض عن الجامعة الدينية البحتة بالجامعة الدينية اللغوية (العربية). وهذا بدوره نتاج "الاقتناع بالأقل لاستحالة الأكثر"[37]. والواقع بدوره يبرهن أيضا على خطأ هذه الفكرة. ففي مصر والجزيرة وسوريا دولة محمدية (إسلامية) ولا خلاف بينهم حول محمد والقرآن و"مع ذلك فان الدين لم يستطع توحيد هذه الدول"[38].

لم تكن آراء ومواقف انطون سعادة النقدية الحادة تجاه تاريخ ومضمون الحركة الإصلاحية الإسلامية في موقفها من القومية سوى الوجه الأيديولوجي للدفاع عن الفكرة القومية الحديثة "المجردة". بعبارة أخرى، أن نقده للإصلاحية الإسلامية كان محصورا بمعايير الفكرة القومية. الأمر الذي جعله أكثر تجانسا في فكرته عن "القومية السورية". وذلك لان فكرته بهذا الصدد تؤسس لأولوية "العوامل الجغرافية السلالية والتاريخية والسياسية والنفسية"، باعتبارها "عوامل تغلب على الدين"[39]. (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي – مفكر وباحث

.....................

[1] مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي. ولد في لبنان. تلقى تعليمه الأولي في القاهرة، وبعد وفاة والدته عاد إلى لبنان وأكمل تعلمه هناك. هاجر عام 1919 إلى الولايات المتحدة الأميركية حيث عمل لأشهر في محطة للقطارات وبعدها انتقل إلى البرازيل حيث كان يعمل والده. وفيها انكب على تحصيل معارفه الجديدة في ميادين التاريخ والفلسفة والاجتماع والسياسة. سعى منذ وقت مبكر للعمل السياسي والفكري. وتتوج عمله هذا بتأسيس الحزب القومي السوري وأيديولوجيته الخاصة. في عام 1930 عاد إلى الوطن من البرازيل، وبعد إقامة قصيرة في لبنان سافر إلى دمشق لدراسة إمكانية العمل السياسي فيها. وعمل في تدريس اللغات من اجل تأمين العيش. اعتقلته سلطات الانتداب الفرنسية مرات عديدة، بسب تهديد رؤيته وسلوكه السياسي لأهدافها الساعية لتجزئة "سوريا الطبيعية". واضطر للسفر والترحال سنوات عديدة، بما في ذلك عودته مرة أخرى للبرازيل. ورجع الى لبنان عام 1945 بعد جلاء القوات الفرنسية. ووقفت اغلب القوى السياسية التقليدية وراء عرقلة رجوعه بحجة الحكم القضائي الصادر بحقه منذ أيام الانتداب!! . في 2 آذار 1947 وصل إلى بيروت فأصدرت الحكومة اللبنانية في أعقاب الاستقبال الكبير مذكرة توقيف بحقه وألغتها في تشرين الأول 1947. وعمل سعادة على تنظيم القوى في حركـة مواجهة قومية شاملة خلال حرب فلسطين 1948. وبأثر ذلك قامت الحكومة اللبنانية بإصدار سلسلة قرارات منعت بموجبها الحزب القومي السوري من عقد الاجتماعات العلنية. وبعد الانتخابات البرلمانية الملغاة لجأ على إثرها سعادة إلى دمشق. استقبله حسني الزعيم، وبعد شهر من وصوله سلمه للسلطات اللبنانية وفق صفقة بينهما،. فاجروا له محاكمة شكلية في يوم 7 تموز 1949 حكمت عليه بالإعدام. وجرى تنفيذه بسرعة مذلة، حيث جرى تنفيذه بعد يوم واحد من الحكم، أي في يوم 8 تموز 1949.

[2] المقصود بكلمة سورية في خطاب انطون سعادة هو منطقة "الهلال الخصيب" أو العراق وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين بما فيها شبه جيرة سيناء.

[3] لم تكن هذه الفكرة أو النتيجة النظرية التي توصل إليها انطون سعادة معزولة عن تاريخه العائلي وتربيته الشخصية التي لعب فيها أبوه دورا جوهريا. غم أن مضمونها النظري والعملي هو نتاج مرحلة في تطور الفكرة القومية الاجتماعية. ومن الممكن العثور على مكوناتها الخفية في المقال الذي نشره تحت عنوان (ذكرى سوريين عظيمين)، والمقصود يهما كل من جبران خليل جبران ووالده خليل سعادة، بوصهما ممثلان للفكرة القومية السورية التي بلور انطون ملامحها النظرية والعلمية بصورة تامة. ففي هذا المقال يتناول إشكالية الفكرة القومية السورية من خلال تحليل مواقف وحقيقة هاتين الشخصيتين. (مع انه أضاف إليهما كل من انطون فرح وفيليب حتي). بل نراه يبحث في موتهما عن "سر"مثير للغاية. وذلك لأنهما كلاهما توفيا في نفس اليوم من ايام السنة التقويمية، مع فارق السنوات. فقد توفي جبران في الأول من نيسان 1931، بينما توفي خليل سعادة في الأول من نيسان عام 1934. وإذا كان جبران سوري النزعة، فان "خليل سعادة امتاز بوصه وطنيا صادقا وسياسيا بعيد النظر.... فأسس بكتاباته طريقة التفكير السياسي الصحيح وأيقظ محبة الوطن الحقيقية" كما يقول انطون سعادة. بينما أيقظت كتب جبران الناشئة وأرتها الظلمة التي هي فيها وحبب إليها الخروج منها. ومع أن جبران وقف عند هذا الحد، فان أهمية تعيين العتمة هي أهمية عظيمة الشأن. ومن هذه الناحية أمكن تعيين جبران خليل جبران "كسابق أمام النهضة القومية السورية". ولعل مقاله (لكم لبنانكم ولي لبناني) دليل تقاطع على عدم رضاه عن لبنان السياسي. كما أن هناك دليل خطي مادي على موقفه هذا في رسالته الى اميل زيدان مدير مجلة الهلال (اخو جرجي زيدان). فقد كتب إليه عام 1919 و1922 ما يلي "أنا من القائلين بوحدة سورية الجغرافية، وباستقلال البلاد تحت حكم نيابي وطني عندما يصبح السوريين أهلا لذلك، أي عندما تبلغ الناشئة الجديدة أشدها وقد يتم الأمر بعد مرور خمس عشرة سنة... فهناك أمور رئيسية يجب علينا المطالبة بها بالحاح واستمرار وهي وحدة سورية الجغرافية والحكم الأهلي النيابي والتعليم الإجباري وجعل اللغة العربية الأولية والرسمية في كل آن. إذا كنا لا نريد أن نمضغ ونهضم فعلينا أن نحافظ على صبغتنا السورية حتى وان وضعت سورية تحت رعاية الملائكة... وان بإمكان الغربيين مسعدتنا علميا واقتصاديا وزراعيا ولكن ليس بإمكانهم أن يعطونا الاستقلال المعنوي. وبدون هذا لن نصير امة حية. والاستقلال صفة وضعية في الإنسان موجودة في السوري ولكنها لم تزل هاجعة فعلينا إيقاظها" (انطون سعادة:الآثار الكاملة، ج8، ص). لكن نقطة ضعف جبران، كما يقول انطون سعاد، فأنها تقوم في تخليه وابتعاده عن هذه المهمة بانتقاله الى مجال "المجد الشخصي". "فترك الكتابة بلغة السوريين وانصرف الى الكتابة بلغة الأمريكان الذين هم أسرع من السوريين الى التقدير واقدر منهم على شراء الكتب. فاظهر من هذه الناحية ضعفا روحيا عظيما وهو الرجل الروحي الذي أراد الانتصار بأدبه على المادة". بعبارة أخرى، لقد اعتبر انطون سعادة "ترك الكتابة باللغة العربية نقيصة كبيرة لأديب عظيم مثله لا تعوض". بينما جعل من أبيه نموذجا للشخصية الوطنية المتجانسة. ولعل "كتاباته السياسية مثالا للأخلاق" العملية.

[4] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج1، ص152.

[5] انطون سعادة: الآثار الكاملة، ج1، ص337-343.

[6] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص167.

[7] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص168

[8] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص13.

[9] إن العبارة الدقيقة لوحدة الجماعة والأمة تستمد مصادرها اللغوية والمعنوية أيضا من الفكرة الإسلامية عن وحدة الجماعة والأمة، أي البؤرة الأولية للكينونة الكبرى. والفرق بينهما هنا يكمن في تحجيم أو تحديد مضمون الفكرة الإسلامية من الناحية الكمية والغاية العملية الحديثة. بمعنى أنها تركز على كمية المكون التاريخي الثقافي البشري في سعيه للتكامل في كينونة قومية حديثة.  على خلاف ما هو مميز للفكرة الإسلامية من إبراز مطلق للفكرة النوعية، أي لا كمية فيها ذات تميز واختصاص إلا بمعايير الفكرة المجردة المتسامية.

[10] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص13.

[11] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص58

[12] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص62

[13] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص143.

[14] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص144.

[15] هنا يستعمل انطون سعادة مصطلح "المتحد" كرديف أو ترجمة عربية لمصطلح(Community)

[16] وأطلق عليها كلمة عامة هي "المنطقية". وغير مفهوم مما إذا كان المقصود بالمنطقية هنا النطق والكلام أو المنطق. وكلاهما لا يعبران بدقة عما أراد قوله. وفيما لو دققنا ما راد قوله فانه كان يقصد بذلك وحدة الاجتماع والاقتصاد والثقافة.

[17] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص47

[18] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص54

[19] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج16. ص

[20] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج16، ص

[21] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص 114.

[22] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص 123.

[23] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص161

[24] انطون سعادة: نشوء الأمم، الآثار الكاملة، ج5، ص162

[25] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص125.

[26] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص179.

[27] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص180.

[28] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص 226.

[29] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص115.

[30] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص128.

[31] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص181.

[32] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص123.

[33] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص115.

[34] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص 121.

[35] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص178.

[36] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص277.

[37] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص 234.

[38] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص 236.

[39] انطون سعادة: الإسلام في رسالتيه، ص 236.