محمد تقي جونالزواج في الاسلام هو العلاقة المختلطة الوحيدة المسموح بها بين الرجل والمرأة اللذين يحلّ بعضهما لبعض. فحرّم عليهما الزنا (غَيْرَ مُسَافِحِينَ (المائدة5)(غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ (النساء25)، وحرم على اتخاذ الرجل اتخاذ عشيقة يزني بها في السر (وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ (المائدة5) وعلى المرأة اتخاذ عشيق يزني بها في السر (وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ (النساء25). وبني اساس الزواج على قبول ورضا الطرفين ببعض برغبة دون اكراه، والا فالزواج باطل.

يصح العقد بين الرجل والمرأة المتحقق فيهما العقل والبلوغ والعفة. فلا يجوز زواج المجنونة والمجنون، وغير البالغة وغير البالغ. وما سمي بـ(زواج القاصر) سببه وهمٌ بأن الرسول تزوج السيدة عائشة بعمر تسع سنوات، والصحيح انها كانت في الثامنة عشرة. ولا القاصر في اللغة بهذا المعنى فـ(قاصرات الطرف) بمعنى عفيفات. ولا يجوز زواج غير العفيف وغير العفيفة: الزانية والزاني، واللواتي يمتهنّ الزواج. ولا يصح الزواج بين المثليين: الرجل بالرجل (اللواط) والمرأة بالمرأة (السحاق).

الهدف من الزواج في الاسلام الانجاب وتكوين الاسرة (وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً (الروم: 21) أي المحبة والأولاد. وعن الرسول (ص) (تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم). وهذا مقياس لصحة الزواج في الاسلام من عدمه. فلا يصح زواج الرجل المنجب من المرأة العاقر اذا علم بها، ولا يصح زواج المرأة المنجبة من الرجل العاقر اذا علمت به. ولا يصح أن يتزوج الرجل اليائس أو عدم الراغب في الانجاب من الشابة أو القادرة على الانجاب. ولا يصح زواج المرأة اليائسة من الشاب أو القادر على الانجاب. ولم يسامح الله سبحانه على ترك الانجاب بعد أن تكفل هو بالرزق (نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ (الأنعام: 151). وحالات الزواج المذكورة في القرآن الكريم كلها لتكوين الاسرة. وعليه لا يصح زواج بدون الرغبة في الانجاب. فلا يصح الزواج الذي غرضه التمتع فقط، كأن يلتقي رجل وامرأة فيقرآن الصيغة ويتمتعا ساعات او اياما ثم يفترقان، فالعقد غير شرعي وان كانت قراءة الصيغة صحيحة.

ولان الله سبحانه اشترط الانجاب لصحة الزواج فقد أمر أن تأتى المرأة من مكان الحرث (الانجاب) وهو الفرج فقط (فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ) (نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ (البقرة، 222- 223). فلا يجوز الوطء من الدبر، ولو جاز لما طلب الله سبحانه اعتزالهن عند المحيض فالدبر لا علاقة له بالحيض. والدبر مكان الغائط ومشترك مع الرجل فليس له خصيصة نسائية، بل الفرج العضو الانثوي وهو مكان (الانجاب). وقوله تعالى (فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ) يحدد مكان الاتيان بالفرج ويحرم غيره، وأمر الله أمر نهائي، فإتيانها من الدبر عصيان لله، واهانة لأنوثة المرأة، ويسبب لها الشذوذ كما يسبب الشذوذ للغلمان المعتدى عليهم. واذا أجبر الرجل المرأة على المضاجعة من الخلف فقد عصى الله وأهانها ومن حقها الطلاق والتطليق.

ويصح الزواج التكميلي الذي لا يكون الهدف منه تكوين الاسرة لكبيري السن والعاقرين فقط. وينطبق عليهم ما ينطبق على الاصحاء من الشيخوخة والعنة في شروط الزواج.

 يصح عقد الزواج بين الرجل والمرأة بقراءة صيغة القبول والتراضي تقول (اني زوجتك نفسي) فيقول الزوج (قبلتُ التزويج) للثيب والتي تملك أمرها. أو يقول ولي أمرها للزوج (اني زوجتك ابنتي أو أختي... فيقول الزوج: قبلت الزواج). والقاضي والمأذون والشاهدان للتوثيق والحقوق فقط، ويصح الزواج دونهم.

والمهر (الاجر، الصداق) يدفعه الرجل للمرأة وجوبا، كما تدل آيات كريمة على ذلك (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ) (الأحزاب:50) (فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً (النساء:24) (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ (الممتحنة:10)). كما تشترط النفقة على الرجل (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ (النساء: 34). فالمهر والنفقة واجبان على الرجل ويمثلان (عصمة الرجل) فاذا بذلهما امتلك العصمة واستمر الزواج، واذا لم يبذلهما تنتفي عصمته ويفسخ عقد الزواج. والعلماء يقولون (عَقدُ الزوجية عُقدَ على منافع). وقوله تعالى (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ (النور: 33) يقطع بأن الاجر والنفقة يقابلان صحة الزواج، فالذي لا يجد القدرة على ذلك ملزم بالعفة وعدم الزواج حتى يمكنه الله سبحانه وتعالى. وللفقير أن يتزوج الأمَة لأنها بنصف مهر الحرة (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ (النساء: 25). ويبقى الزواج صحيحا ما دام الرجل أمهر المرأة وينفق عليها.

الاصل للرجل زوجة واحدة، ذلك يعني أن الرجل قد أحسن الاختيار وتطابق مع غاية الله (ص) في تحقيق (المودة). وقد بيّن الله سبحانه انه خلق قلبا واحدا للرجل فهو قادر على حب امرأة واحدة فقط (مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ (الأحزاب: 4) ويؤثر عن الرسول (ص) قوله بروايات مختلفة: (اللهم هذا قسمي فيما أملك، وأنت أعلم بما لا أملك، أقسم بينهم في الظاهر بالفعل، وان كان لا يمكنني أن أسوّي بينهنَّ في المحبة). ويلزم الرجل بزوجة واحدة اذا لم يحقق العدالة بين أكثر من زوجة (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً (النساء: 3).

وتعدد الزواجات بضابط العدل من عبقرية الاسلام، لما كانت تدره من زيادة النسل التي بها منعة ونصر؛ فيحسب لتعدد الزواجات أن المسلمين انتصروا في الحروب الصليبية بعدد الرجال وسهولة تعويض من يقتل منهم، وهو ما لم يحققه الصليبيون بسبب زواجهم الواحد، فكان النصر بسبب ذلك للمسلمين. وقد تنبه الغرب على ذلك فعملوا على نسف هذا المرتكز من قوة الاسلام فأشاعوا ثقافة (الخيانة الزوجية) لضرب ثقافة (تعدد الزواجات)، وكانت النساء في عصور الاسلام قبل الاجنبة يتفهمن ذلك. ويسمون الاولاد من نساء كثيرات (بني عَلَّات) و(سميت علةً لأن الذي تزوجها بعد الأولى كان قد نهل منها ثم علّ من هذه). وتحقق للغرب ما أرادوا فصارت النساء يأنفن أن يتزوج بعولتهن عليهن مما أفرز حالات من الاشكال الشرعي.

 وكان اجراء الدولة سابقا صحيحا في وجوب رضا وتوقيع الزوجة السابقة ليتم الزواج الجديد؛ لان عدم رضاها سيؤدي الى التقاطع وهذا يحول دون العدالة، واذا زاد التقاطع على اربعة اشهر سيؤدي الى الطلاق الشرعي. وفي هذه الحالة على الرجل اما ارضاء المرأة السابقة وتحقيق العدالة بينها وبين الاخرى او الاخريات الجديدات، أو تطليقها اذا اصر الرجل على المرأة الجديدة وأصرت المرأة السابقة على رفض زواجه الجديد. فالزواج الثاني يلزم بالعدل والا فالتفريق افضل في الدين لقوله تعالى (وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً * وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعاً حَكِيماً (النساء: 129 -130). وكذلك توضح الآية (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (النساء: 128). فالمرأة التي يسيئ زوجها معاملتها بالإهانة أو البخل من حقها الطلاق اذا لم يتصالحا والصلح أفضل.

 ولم يترك الاسلام مجالا للزواج السري فالرجوع الى الاسلام بالمصارحة والجرأة أفضل، ونتائج الاعلان على ضررها أكثر نفعا من نتائج السرية، فالله (ص) لا يقبل أي مسوّغ لعدم الالتزام بشرعه. واذا اضطر الرجل الى السرية خوف وقوع ضرر كبير فعليه التزام العدالة ايضا.

 وحدد الاسلام الرجل بأربع زوجات حدا أقصى لقدرة الرجل، شرط العدل بينهن. والآية التي تحدد الرجل بأربع نساء وان خصت اليتامى فحكمها ينسحب على العام (وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً  * وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ (النساء: 2- 3). ولم يُستثنً الرسول الكريم من حكم الآية، فزواجه من تسع نساء سبق نزولها. وانزل (ص) بعدها قولا موجها للرسول بالذات يحرم عليه زواجا جديدا أو ابدال زوجة بأخرى (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً (الأحزاب: 52). 

وتعويضا عن الزيادة على اربع نساء حرائر، شرّعوا جواز الانفتاح في العدد مع (ملك اليمين) وهن الإماء وقالوا (ليس لهن من الحقوق ما للزوجات). فمهورهن أقل، وفي حالة الزنا عليهن نصف عقاب الحرائر أي خمسين جلدة (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ (النساء: 25).

والحقيقة إنهم أخطأوا؛ فالإماء للخدمة فقط، واذا اراد الرجل الزواج منهن فيتزوج زواجا اعتياديا بمهر أقل وبأذن اهلهن كما في الآية السابقة. فكانوا يجبرونهن على البغاء بمسمى (الأجر للحرة والسعر للأمة)، والتي تنجب يتزوجها سيدها وتسمى (أم ولد) وهذا الاجتهاد لا تعضده الآية وهي واضحة جداً. ويفند رأيهم قوله تعالى (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (النور: 33). أي اقرضوا عبيدكم مبلغا يتزوجون به من امائكم، ولا تكرهوا إماءكم على المضاجعة معكم لأنه بغاء فلكم عليهن جراء الشراء الخدمة فقط، بل عليكم مساعدتهن على الزواج الصحيح من عبيدكم.

 

الاستاذ الدكتور محمد تقي جون

 

 

عبد الجبار العبيديالفقه: لغةً يقصد به الفهم، واصطلاحاً، هو العلم بالأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية.

الفقه الاسلامي الموروث جاء ليعكس المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في مرحلة تاريخية معينة وكيفية معالجتها.. ولم يعد صالحاً اليوم بعد ان اصبحت التكنولوجيا بديلا عن الأراء الوهمية التي تتمسك بها مؤسسة الدين.. وحتى ان التفاسير الفقهية التي عكست لنا الارضية المعرفية للمرحلة التاريخية التي كتب فيها التفسير القرآني في القرون الهجرية الأولى، أعطت له صفة الالزام الديني، لذا لم تكن صالحة اليوم لخضوعها لنظرية التاريخ المتغيرة .

 ولكن يبدو انهم الى اليوم يجهلون ان التفسير القرآني لا يحمل صفة الثبات والقدسية، لأن الثبات يتعارض مع الصيرورة التاريخية عبر الزمن.. والقدسية هي للنص القرآني فقط.. ولا غير.. وجعلوا لقرأءة القرآن عشرة قراءات مختلفة فزادوا الآيات من6213 الى 6236 ولا ندري من اين جاؤا بها في التدوين.

ان النظرية القرآنية تؤكد ان لا يوجد أنفصام بين اللغة والفكرالانساني، ولا توجد آيات قرآنية غير قابلة للفهم كما يدعي بعض الفقهاء في الغيبيات،  فكلها آيات بينات مادية مدركة وغير مدركة حتى الحروف التي جاءت في اول السور كانت آيات تعبر عن واقع لم يدركه الفقهاء لجهلهم بلغة القرآن العميقة في ذلك الوقت المبكر لكونه يخضع للتأويل وليس للتفسير حسب.. ولأن اللغة العربية لم تستكمل تجريداتها بعد.. لذا نرى ان الفهم للنص القرآني هو تاريخي نسبي مرحلي وليس فهما دائما كما يعتقدون وذلك .. لثبوت النص وتغير المحتوى.لأن الله رفع من مكانة العقل في التدبر كما في قوله تعالى: (لعلكم تعقلون) لذا فأننا ننطلق من ان:

لا يوجد تناقض بين الوحي والعقل. ولا يوجد تناقض بين الوحي والحقيقة.. نظرية لم تبحث الى اليوم.. لقلة مدركيها، حين تركوا البحث عن الحقيقة ومدركات المستقبل.. وأتجهوا في.. بحوثهم الوهمية البعيدة عن المعرفة العلمية التي تركزت في الوهميات.. الجنة والنار، وحور العين، والولدان المخلدون، والجنس وعذارى الجنة، والسرر المتقابلة التي عليها يجلسون في الجنة الوهمية، وهم مرفهون والى غيرها من تخريفات بعض فقهاء التفسير والحديث.. وكأن الله ما خلق الدين وعباده الا ليفسقون ويتباهون في الجنس.. أما عذابات القبر وتخريفاتها وما يرى الميت قبل مماته فتلك مصيبة اخرى:كأنهم يرافقون ملائكة الموت قبل حلول الاجل.. ولا ندري من نقل لهم هذه الاحاديث عن الميتين بعد موتهم.. بهذه العقليات الوهمية المتخلفة يريدوننا ان نبني دولة العلم والحقوق والقانون..

ان صدقية الخبر ومعقولية التشريع يجب ان تكون متطابقة مع الفهم الصحيح لا الخاطىء للنص المقدس، فهل سيفهم الفقهاء ورجال الدين هذه الحقيقة وهم يتربعون على عرش الرفاهية الأجتماعية والسلطة ؟ بعد أن مضى على التفسير عقودا طويلة اصبح بحاجة ماسة لاعادة نظر، لا بل لاسقاطه من عالم الحقيقة والدين بعد هذه الثورة التكنولوجية التي قلبت الموازين.. وفي غالبية افكارهم المعتمدة الآن والتي ساهمت في توقف التقدم الحضاري عند العرب والمسلمين.. لا بل ان التوجه نحو الألحاد يزداد يوما بعد يوم.. وخاصة في الجامعات والطبقة المثقفة لفقداهم االحجة والدليل لما تعرضه مؤسسة الدين.. ولولا القمع والسيف لتغيرت الحالة الى ما لا يرضاه الدين .

لا شك ان العقل يحتل مكانة التكريم في النصوص القرآنية وليس في الاحاديث الوهمية التي نهى الرسول عن تداولها "لا تنقلوا عني غير القرآن".. فالقرآن هو قراءة معاصرة للذكر، وليس تفسيرا أوكتاباً في الفقه..لذا ليس من حق الفقهاء ان يفسروا القرآن على هواهم، ولكن من حق علماء التخصص ان يوؤلوا القرآن طبقاً لقوله تعالى: (وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم، آل عمران 7). والراسخون في العلم هم علماء التخصصات العلمية البحتة وليس الفقهاء الذين سرقوا كلمة العلماء وهم لا ينتمون اليها.. اما الايمان والألحاد كما يطرحها القرآن هي معاناة فكرية او قناعة وراثية اعتماداً على قوله تعالى: (وقل الحق من رَبكُم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر أنا أعتدنا للظالمين نارا، الكهف29). ولم يقل تعالى للكافرين نارا، لان الظلم يرتكب من المسلم وغير المسلم، لذا فأن الفكر القرآني يحمل الطابع الانساني العالمي الشمولي وليس الفكر الديني المتزمت البحت.. وبذلك فأن القرآن يرفض الأكراه في الدين ويرفض الحزبية والطائفية والعنصرية، ويرفض فكرة المذهبية، فالمذاهب أجتهادات شخصية سلطوية اوليست واجبات دينية فرضية مُلزمة، لان الاعتماد على النص الفقهي يجعل النص القرآني في مؤخرة التأويل، وهذا منافٍ لما جاء في شمولية القرآن..نظرية اعتمدتها الدولتان الاموية والعباسية وكانت نهايتهما السقوط والخسران.

لا يمكن تحديد ازمة الفقه الاسلامي الا على ضوءالفهم الجديد للرسالة الآلهية وليس للنصية الفقهية المخترعة منهم، لوضع أسس جديدة لهذا الفقه الميت المتخلف لتجعل منه فقهاً متطوراً مرناً منسجماً مع فطرة الناس وصالحاً لكل زمانٍ ومكان خاضعاً للتغييرالزمني، وهنا لابد من دراسة نظرية الحدود والآيات المحكمات والمتشابهات ومصطلح الذي بين يديه والسبع المثاني وثبوتية النص وحركة المحتوى وهو التشابه الذي يحتاج الى التأويل باستمرار.. لذا فأن الرسول (ص) لم ياول القرآن بل أعطى للمسلمين مفاتيح عامة للفهم لتهديهم لكل ماهو جديد ونافع في القرآن الكريم، لذا لا توجد آيات غير قابلة للفهم كما أسلفنا.. وكما يدعي بعض المفسرين.. وليس من حقهم استنباط تفاسير جديدة همها قتل حقوق المرأة والأيغال في المكاسب والجنس.. لتكون تشريعا جبرياً ناقصاً للمسلمين.. هنا توقفت أحكام شريعة الدين.

ان الرسالة المحمدية جاءت لكل الناس وليس لبعضهم لقوله تعالى: (قل يا أيها الناس اني رسول الله أليكم جميعاً، الأعراف 158).ان أغفال هذه الخاصية عند الفقهاء وحصرها في المؤمنين من اتباع محمد(ص)، جعل من التشريع الاسلامي تشريعاً متزمتاً متحجراً وحجب عنا السُنة النبوية، فليس كل ما عمله الرسول او تصرف فيه يعتبر سنُة محددة لهم وانما تقتصر على الاحاديث القلة التي أتى بها عند الضرورة، أنطلاقاً من قوله(صً) عند دخوله مكة فاتحاً: (أيها الناس أتقوا الله ولا تكتبوا عني غير القرآن ومن كتب فليمحه،، الرقائق حديث لمسلم رقم5326) وأنظر شرح النووي للحديث..أذن مفهوم السُنة الذي قدمه الفقهاء لنا مفهوم بحاجة الى مراجعة وتدقيق.

 

ان مفهوم السُنة مرتبط بهذه الشمولية التي تدعونا الى وضع مفهوم معاصر متجدد دائماً للشرع الاسلامي والسُنة النبوية، وبالتالي يجب وضع أسس جديدة للتشريع الاسلامي قائمة على نظرية الحدود كما جاءت في القرآن، وهي الحدود في التشريع، كحالة الحد الأدنى كما في آية المحارم، لقوله: (ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء الاماقد سلف أنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلا النساء 22، 23). وحالة الحد الاعلى كما في نظرية العقوبات والقتل، لقوله: (من قتل نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً المائدة 32).

وحالة الحد الادنى والاعلى معاً لقوله: (من يعصِ الله ويتعدَ حدوده يدخله نارا خالداً فيها وله عذاب مهين، النساء 14). فهل سننتبه الى الفرصة التي ضيعها علينا التفسير الترادفي والتي أدت الى كل هذا الضعف العام في الشريعة الاسلامية التي غدت غير قابلة للتطبيق العملي اليوم.. لابل بدأت الناس تتحول الى ديانات اخرى والحاد مطبق للتخلص من فتاوى رجال الدين.، وحلول أزمة الفقه الاسلامي اليوم والتي سببها لنا فقه التزمت وأضاع علينا الاسلام ونهضته معاً. حينما حولوه من اسلام العقيدة الى اسلام العادات والتقاليد البالية.. وهم من اشد الكافرين به كما نراهم اليوم كيف ينهبون الاموال ويقتلون البشر بلا قوانين سوى التحجج بالاحاديث المصطنعة منهم وغيرها كثير.

يقول الحق: (فأقم وَجهَك للدين حنيفاً فطرتَ الله التي فطر الناسَ عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون، الروم 30) في هذا النص القرآني يتبين لنا ان الاسلام دين الفطرة وهو دين الحنيفية دين أبراهيم المتغير حسب الزمان والمكان وحسب الاحوال الاجتماعية والاقتصادية، وهو متطابق تماماً مع فطرة الناس والتي تحمل تشابهاً كبيراً مع قوانين الطبيعة. لقوله (لا تبديل لخلق الله). وان هذا الدين لهو الدين (القيم) اي صاحب السيطرة والقوة والديمومة، وأكد ان غالبية الناس لا تعرف هذه الحقيقة بأنه دين منسجم مع طبائعها ومع قوانين الطبيعة ولكل حقه في التصرف الحر (لكم دينكم ولي دين)، لذا يجب معرفتها من قبل علماء التأويل، وهنا تكمن حقيقة ازمة الفقه الاسلامي الذي يجهله الفقهاء وبقي عائما دون حَلٍ.

ان المرحلة الحالية تحتم علينا أمرين لا ثالث لهما، اما دين وشريعة فيهما الحل الامثل لحركة التغيير، واما علمانية متبعة كما عند الاخرين. أما أن نبقى بينَ بين فتلك مصيبتنا التي سوف لن نخرج منها الا بموتنا التدريجي كما ماتت أمُم من قبلنا كثير.

ان هذه الحقيقة أول من أكتشفها وسلم بها في التاريخ هو النبي أبراهيم (ع). وبهذا كانت ميزته على الانبياء والمرسلين.أي أنه أكتشف الطبيعة الحنيفية (المتغيرة) وسلم بها بأعتباران كل شيء متغير ما عدا الله فهو حنيف.. وأن تثبيت أي ظاهرة أنسانية في الوجود خارج هذه النظرية فهو شرك بالله.لذا تم ربط الحنيفية بالتوحيد بأتباعه مصطلح حنيفاً بقوله (وما كان من المشركين).، الانعام 161).فالتوحيد حدي في الاسلام.ويبدو ان ابراهيم قد أكتشف هذه الحنيفية (المتغيرة) قبل ان يأتيه الوحي، لقوله تعالى:( ولقد آتينا أبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين الانبياء51) .

القرآن يؤكد على صدقية الديانتين اليهودية والمسيحية لكنه يؤكد ايضا أنهما ليس من الديانات الحنيفية كونهما يتصفان بصفة محدودية التطور، وأن الحنيفية انتقلت من ابراهيم الى محمد كدين عالمي شمولي، لقوله تعالى:( ما كان أبراهيم يهودياً ولا نصرانيا ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين، آل عمران 67).ًوهذا يؤكد ان الديانة اليهودية والمسيحية كانت ديانات عينية وليست شمولية لقوله: (النفس بالنفس والعين بالعين، المائدة 45).

من هذا المنطلق يتنين لنا حقائق اساسية في الاسلام أخفاها الفقهاء على الناس وهي:

1-عالمية الرسالة الاسلامية وعلى مر الأزمان لقوله:( قل ياأيها الناس اني رسول الله اليكم جميعاً الذي له ملك السموات والارض لا أله الا هو، الاعراف 158).. وهي رحمة لعالمين لقوله: (وما أرسلناك الا رحمة للعالمين ).

2- بالاسلام وصل الانسان الى درجة النضوج في المعرفة والتشريع وان الانسانية بمحمد كانت ايذانا بانها قد بلغت سن الرشد اي مرحلة تحمل الاعباء.فلا دين بعد الاسلام ولا نبي بعد محمد (ص) لقوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) .ويقول سبحانه وتعالى: (ومن يتبع غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الاخرة من الخاسرين، آل عمران 85)اي ان الديانات الآلهية السابقة هي ديانات مقبولة شرعا.. ويؤكد ان الديانتين اليهودية والمسيحية من الديانات السماوية التي علمتنا الكثيرتطوراً لقوله تعالى مخاطبا رسوله الكريم:" ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والأنجيل آل عمران 48".

وأنطلاقاً من هذا التوجه نقول: هل الاسلام جاء ليحيا الناس به، أم ليحيوا من أجله؟ فأذا جاء الاسلام ليحيا الناس من أجله فهذا يعني أنه لا يتناسب مع فطرتهم وفرض عليهم فرضاً وسيأتي يوم ليتركونه -الأجيال القادمة- ويهربون منه كما هو اليوم نتيجة التزمت الفقهي المذهبي المرفوض.وأذا جاء الاسلام ليحيوا به فهو متناسب معهم في كل زمان ومكان.. فالاسلام اخلاق ودين وعدل وصراط مستقيم.. وليس كما يفهمه الفقهاء اجبار وتسليط.

من هنا يجب ان ننطلق في فهم أزمة الفقه الاسلامي الموروث والمفسر خطئاً عند كل المذاهب التي لا مبرر لها في الدين.. والتي أصبحت تشكل عبئاً علينا حيث أصبحت غير متناسبة مع معلوماتنا وظروفنا في القرن العشرين.فالأزمة تنطلق من خطأ في المنهج، لا ضعف في اللغة العربية، أو قلة في التقوى.

ان المفسرين الذين لا زالت تفاسيرهم هي المعتمدة الى الان كما هي.. هم الذين ظنوا ان القرآن على غرار التوراة فكلاهما فيه كونيات وقصص ففسروا القرآن بالتوراة غير آخذين بنظر الاعتبار خاصية التشابه.وقد ثُبت هذا التفسير الى يومنا هذا وهنا تكمن الازمة والخطأ المستمر دون أصلاح الخلل في كل المذاهب الدينية المخترعة منهم..لذا يجب على المسلمين ان يناقشوا بالمنطق العلمي مبادىء التشريع الاسلامي المدونة وهي الكتاب والسُنة والقياس والاجماع والتعريف بمفهوم الجريمة حسب الزمان والمكان والزامية التفسير الجديد للنص الديني والغاء التفسير القديم. والا سنبقى مكانك راوح الى ان يرث الله الارض ومن عليها.

ففي آيات أم الكتاب توجد الحدود، والعبادات جزء منها وكذلك الوصايا والتعليمات والآيات المرحلية، فعلينا التفريق بينها حتى لا تختلط آيات الحدود مع الآيات الاخريات، لأن آيات الحدود هي التشريع وليست عين التشريع، لذا فالقول لا مجال للاجتهاد فيما ورد فيه من نص بالنسبة للحدود قول لا يصح وهوعين الخطأ.أما الاشياء التي لم ترد في حدود الله علينا وضع حدود لها بأنفسنا وهذه الحدود بحد ذاتها متغيرة كتغير ضرائب الدخل المتغيرة زمنياً..

أما السُنة لها نوعان هما:

 سنُة الحدود وسنُة الوصايا هي طاعة متصلة. أما الباقي فهو ضمن الطاعة المنفصلة اي طاعة الرسول في حياته.وسنُنة هي منهج في الحركة بين الحدود أو الوقوف عليها أو وضع حدود مرحلية في أمور لم ترد في الكتاب، وهو بهذا كان مفهوم الاسوة الحسنة ويجب علينا ان نقلده في الاجتهاد، لأنه فتح لنا الباب نفسه وبشروط الألزام .

أما القياس:

فعلينا مراجعته بكل تأكيد، لأن قياس الشاهد على الغائب هو قياس باطل ومجحف.فلا يصحُ ان نقيس أي مجتمع معاصر على المجتمع الذي عاش فيه النبي والا سوف نقع في الوهم.أما القياس الحقيقي فهو قياس الشاهد على الشاهد ضمن الحدود.فأما الشاهد الأول فهو البينات المادية والشاهد الثاني هو الناس الاحياء الذين سيقاس من أجلهم في الزمن المعين.

ويبقى الأجماع:

في المفهوم المطروح للكتاب والسُنة والقياس يعطينا مفهوم الاجماع الحقيقي.وهو أجماع أكثرية الناس على قبول التشريع المقترح بشأنهم، وليس مااتفق عليه الفقهاء وهم سيلتزمون بهذا الاجماع بتطبيق هذا التشريع، لذا فأن المجالس التشريعية المنتخبة والمنابر التشريعية الحرة وحرية التعبيرعن الراي هي جزء لا يتجزا من النظام السياسي في الاسلام وذلك حتى يتحقق مفهوم الاجماع وهذا هو المفهوم الحقيقي للديمقراطية التشريعية وحرية الرأي.. وهم اليوم يخالفون..

أي ضمن الحدود.. لذا لايجوزالتزوير والقتل والاستغلال والسرقة ففيها نصوص محكمة لا تقبل التآويل.. وهذا هو الذي خالفوه أجماعاً.زاليوم.

أما المفهوم الموروث بأن الاجماع هو ما أجمع عليه السلف أو جمهور الفقهاء - ولاندري من هم - هو مفهوم وهمي وغير عقلي ومرفوض.. فقد أجمع هؤلاء الفقهاء على أمور تخص الناس في حياتهم وضمن مشاكلهم الخاصة بها في أزمانٍ بعيدة عن أزماننا وليس لها علاقة الا بهم.لذا نرى ان المذاهب الفقهية الموروثة اذا كان فيها ما يناسبنا أخذناها، واذا وجدناها لاتناسبنا تركناها دون حرج من أثم، ويمكن الاعتماد على الفقهاء في الامور المتعلقة في فقه العبادات ولا غير.. مع ترك العنت والتزمت..

أمور كثيرة نحن بحاجة الى مراجعتها كما راجعت أوربا تفسيرات رجال الدين المتزمتين، عندها فوجدت العلة في تشريعاتهم وأجتهاداتهم الخاطئة وليس في أنجيلهم، وعندما أنتفضت عليهم تحولت أوربا الى ما نحن نرى اليوم. فهم لم يلغوا دينهم، بل تم ألغاء تعاليم رجال الكنيسة وصكوك غفرانهم الباطلة.فهل من معين لنا لننتفض على تشريعاتنا القديمة اليوم ونلغي ما تفرضه المرجعيات الدينية المتزمتة من فتاوى هي اصلاً ليسوا مخولين بها..، ونستند الى قرآننا في التشريع وعلماؤنا في التأويل، لنخرج من عنق الزجاجة التي خنقتنا كل المرجعيات الدينية المتربعة على عرش المال في هذا الزمن الأغبر الطويل، وجعلتنا أسرى لهم، وننطلق نحو الحرية والتقدم الحضاري، بعد ان نجعل فقههم خارج التاريخ.. بعد ان دمروا حقوق المرأة ومصداقية النص الديني وحولوه الى تخريف.

ان التأسيس القرآني للمجتمع يعني دراسة الظواهر في أنقى أشكالها. وفي أكثر أوضاعها تحرراً من أي تشويش خارجي، فالتأسيس القرآني لا يعني العودة للماضي القديم (لأن العودة عبر الزمن مستحيلة).لذا علينا أن نَعرف القانون الذي يحكم الظاهرة أو الشكل العام والذي يفرض نفسهُ على كلِ ميلاد مجتمع. وسيظل للتطبيق الرسولي مكانة المثل والأسوة، وسيظل هدى الأنبياء والرسل قدوة..فهل يتعظ من يحكمون اليوم من خونة الاوطان والدين الذين سرقوا المال العام المُحرم.. وقتلوا النفس التي حرم َ الله قتلها.. واستباحوا الحرمات.. وهجروا الناس من ديارهم تلبية لرغبة اعداء الوطن والدين.. وفرقوا بين المواطنين في الحقوق مذهبياً وطائفياً..؟.. هؤلاء لا يستحقون ان يكونوا حكاماً على الناس في ديار المواطنين.. ولا يستحقوا الطاعة لأنهم جاؤا وما زالوا ضد عدالة القانون.. "أعدلوا ولو كان ذا قربى".. هذا هو الاسلام.. أحترموا من يقول الحقيقة.. أيها الكافرون بأنسانية الانسان والدين.. فنحن اليوم نغرق.. نغرق.. نغرق..في عالم اللادين.. للمزيد

 

د. عبد الجبار العبيدي

..............................

أنظر الكتاب والقرآن.. للاستاذ الدكتور محمد شحرور..

      

 

محمد بنيعيشأولا: الاختيار المركز في الدعوة وتهييء النخبة

بعدما استحلى كفار قريش اللعبة بتعود الاعتداء والتعنيف الجسدي والنفسي للمسلمين، حتى توهموا في أنفسهم أنهم فعلا أقوياء وصناديد بامتياز، جاهلين أن عنصر الضعف في المعادلة الصعبة قد يكون هو الحاسم في تحديد النتيجة واستخلاصها سليمة وثابتة، كما يقول الناظم:

جاهدنا فكنا فوق المستوى  وبالضعف نلنا جميع القوى

حينذاك جاء الإذن بالموازنة على مستوى الظاهر، بالرغم من أن أولئك المستضعفين كانوا أكثر استعدادا لقلب الطاولة وتكسير الموازين وإحداث ثورة عارمة وقائمة على التحدي لا يوقفها سد أو مانع.

لكن، كما سبق وقلنا في عدة مقالات، فإن الرسول (ص) قد كان يؤسس للعالمية ولمملكة القلوب قبل الأبدان وللمعاني قبل الأعيان، سبق وفصلنا القول عنه في مرقى: نور الأمين ومقدمات إسعاد العالمين.

كان النبي (ص) يريد أن يلين القلوب القاسية ويخضعها بالقلوب الخاشعة والرطبة من ذكر الله تعالى ومحبته، وهذه كيمياء روحية ما بعدها من كيمياء وصناعة تحويلية لا تدخل في قائمة المختبر الإنساني العادي وإنما هي المعجزة الكبرى الحاملة لعناصر المفاجأة والتحدي .

وفعلا، فقد حدثت واسترسلت في الحدوث، فكان من أبرز هؤلاء المتحوَّلين شهمان متكافئان في العز والقوة والإباء والشجاعة والبأس وهما: حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما.ومع هذا فكل له شخصيته وظروفه ومواقفه الخاصة به، ولكنهما قد يجتمعان عند نقطة القوة والتحدي والتصدي، حيث لا يعرفان الخضوع أو قبول الانصياع إلا لما اقتنعا به وسكن في قلبيهما واستوطن .

لكنهما هذه المرة سيصرعهما الرسول (ص) بإذن من الله تعالى صرعا نورانيا من التيار العالي الذي اخترق صدريهما وامتلك شغافهما وشرحهما شرحا، تماما كالذي تم في عملية شق الصدر النبوي ومعالجة جبريل له، ولكن هذه المرة وعند الرجلين سيتم بأنامل محمدية جاذبة كل الجذب ورافعة إياهما نحو أعلى المقامات في معراج روحي أسرع من البرق وأنصع من سطوع الشمس من الشرق !

فجدير بنا أن نقتطف جزء من قصة هذين البطلين، كما وردت في كتب السيرة وخُصص لها حيز مهم فيها، ثم نعمل قدر الإمكان على المقارنة وتحليل نفسية كليهما، مع الاعتذار عن هذا المصطلح، وأنى لي وأنا الضعيف الخلَف المتخلف أن اقتحم عتبة هذين القطبين العظيمين !

إذ فيما يخص إسلام حمزة بن عبد المطلب يقول ابن إسحق: "حدثني رجل من أسلم، كان واعية، أن أبا جهل مر برسول الله (ص) عند الصفا، فآذاه وشتمه، ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه والتضعيف لأمره، فلم يكلمه رسول الله (ص) ، ومولاة لعبد الله بن جدعان بن عمرو بن سعد بن تميم بن مرة في مسكن لها تسمع ذلك، ثم انصرف عنه فعمد إلى ناد من قريش عند الكعبة، فجلس معهم، فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه أن أقبل متوشحا قوسه راجعا من قنص له، وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له، وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم، وكان أعز فتى في قريش وأعز شكيمة، فلما مر بالمولاة وقد رجع رسول الله (ص) إلى بيته قالت له: يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي بن أخيك محمد آنفا من أبي الحكم(أبو جهل)بن هشام؟وجده هاهنا فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه، ولم يكلمه محمد.فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله به من كرامته، فخرج يسعى، ولم يقف على أحد معدا لأبي جهل - إذا لقيه - أن يوقع به، فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم، فأقبل نحوه، حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجه شجة منكرة ثم قال: أتشتمه؟فأنا على دينه أقول ما يقول، فرد علي ذلك إن استطعت، فقامت رجال من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة فوالله إني قد سببت ابن أخيه سبا قبيحا.وتم حمزة رضي الله عنه على إسلامه وعلى ما تابع عليه رسول الله (ص) من قوله.

فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله (ص) قد عز وامتنع وأن حمزة سيمنعه، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه"1 .

فقد يمر الكثير أو لنقل جل أهل السير على قصة حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه بسرعة لا تفي الرجل حقه من العناية والدرس، كما أن المتأخرين يروون قصته في الغالب بالحرف ولا يلوون، كما هي منقولة عن ابن إسحق، أو أنهم يختصرونها ويصوغونها بعبارات عاطفية ربما قد تنقصها وزنها بدل من أن تزيدها رونقا وعمقا.

ثانيا: إسلام حمزة بن عبد المطلب ومرحلة التصعيد والتحدي

لكن في الحقيقة إن موضوع حمزة وإسلامه سيمثل محطة جد مهمة في تسريع وتيرة الأحداث وتطور العلاقة بين الدعوة وصاحبها وأتباعه وبين المعارضين من قريش وناديهم يتقدمهم أبو جهل في جميع مواقفهم المظلمة والمشينة .

فالشهم حمزة كان لا يرضى بالضيم ولا يقره، وإن وقع فيه بجهل وحمية، لكن سرعان ما يثوب إلى رشده وإلى جوهره ومعدنه الأصيل.كما أنه يكون في عمقه أقرب إلى عقيدة العدل والإنصاف من الظلم والتعدي.فقط يحتاج إلى من يزيح الرماد المتراكم على الجمر أو الغبار عن المصباح الذي لا يكاد ينطفئ حتى يعود إلى التوهج والاشتعال.

وحمزة هذا قد كان أعز فتى في قريش وأشدهم شكيمة وشجاعة، وهو بالإضافة إلى أنه عم النبي فهو من جهة أخرى أخوه في الرضاع وأخوه في الروحانية ستتحقق حينما آخاه عند المهاجر إلى يثرب المدينة المنورة بمن حل بها.

ولهذا فالشعور متبادل و مشترك من عدة جوانب كلها تصب في العمق وليست مجرد توافقات وتواضعات اجتماعية وتآلف نفسي مصلحي وظرفي.

وعند هذه الحادثة التي كانت في الظاهر سبب إسلام حمزة يمكننا اقتناص بعض المعاني في التواصل الروحي والتحويل الكيميائي القلبي، الصادر من قلب الرسول (ص) كرسائل نورانية قوية ستخترق قلب حمزة بقوة ضاغطة وتوهج ساطع، فتجمع له في آن واحد بين مقامي الجمال والجلال الذين فاضا عليه فيضا فبرز بهما معدنه الذهبي الخالص على قاعدة " تجدون الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا "كما مر بنا.

والرواية تصور لنا المشهد الذي يحرك ويفجر بطبيعته الضمائر الحية نحو التضامن والنصرة والغيرة، وذلك عند عبارة الجارية: "لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفا من أبي الحكم (أبو جهل) بن هشام !!! وجده هاهنا جالسا فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه، ولم يكلمه محمد".

فالنبي (ص) قد كان جالسا، أي أنه غير مستعد للمنازلة و لا مهيأ للمواجهة الشخصية ، ومع ذلك جاء أبو جهل بحماقته ونذالته محاولا استفزازه واستدراجه لأن يبادله السب بمثله ومن بعد القتال والرد .وهذا ما قد كان مبتغى الأعداء من قريش ومن ورائهم إبليس اللعين الذي ينتظر بلهف هذه اللحظة لتحقيق غايته، هذا مع أن أبا جهل قد كان لوحده وبإمكان النبي (ص) أن ينازله ويطرحه أرضا، بدنيا، وبأسرع حركة، وكيف لا وهو من قد صرع ركانة أشد العرب في الميدان ولم يبذل حينها جهدا يذكر كما تقول الرواية عند مراهنته على الإسلام، قال رسول الله (ص):

"أفريت إن صرعتك أتعلم أن ما أقول حق؟. قال: نعم ! قال: فقم حتى أصارعك.قال: فقام ركانة إليه فصارعه، فلما بطش به رسول الله (ص) أضجعه وهو لا يملك من نفسه شيئا، ثم قال:

عد يا محمد، فعاد، فصرعه، ثم قال: يا محمد، والله إن هذا للعجب، أتصرعني؟ قال (ص): فأعجب من ذلك إن شئت أن أريكه إن اتقيت الله واتبعت أمري"2

لكن النبي الشهم الحليم (ص) انصرف ولم يكلم أباجهل من باب الإعراض عنه، وهو مما زاده (ص) رفعة على رفعة وعزا على عز في أعين الشجعان وذوي المروءة، بل سيكون محركا قويا لهم للانتقام له والحفاظ على مقام الشهامة والشجاعة في عليائه، فكان حمزة هو ذلك المتحرك بحركة النبي (ص) وإيحاءاته القوية بواسطة هذا الموقف النبيل الذي لا يضاهيه موقف:

ولقد مررت على اللئيم يسبني          فمضيت ثم قلت لا يعنيني

غضبان ممتلئا علـــــي إهابه         إني وربك سخطه يرضيني

فلقد كان هذا الموقف محركا لعنصر الجلال في قلب حمزة حيث أعاد المشهد ليطبقه على أبي جهل انتقاما ويعطيه درسا في الرجولة وعلى نفس الهيئة التي نال بها من رسول الله (ص)، حيث قد كان جالسا، ولكن العدو هذه المرة سيكون في ملأ من قومه وهم قادرون على الانتصار له وبإمكانهم البطش بحمزة، ولكن الشهم لا يبالي حينما يكون ينتصر لشهم مثله أو أعز منه، فصار حينئذ النصر حليفه، وانقلب الخزي والهزيمة على الظالم الذي سيعترف رغما ورعبا وذلا في النهاية بأنه قد كان البادئ بالشر والتطاول، فهو في النهاية يستحق كل إهانة وقمع وليس له حق الرد على منازله لأنه مقيد بقيود الظلم والعسف فما أثقلها !

وبعد الجلال سيغلب الجمال ويتجلى ! وسيعلن حينه حمزة إسلامه وحبه للنبي (ص) إلى أن يفنى فيه فناء لم يعد معه يرى ذاته من ذاته أخوة روحية راقية، ليس لمجرد أنه كان قد رضع معه ولكن روح حمزة في شهامتها وعزتها هي أقرب ما تكون من روح النبي (ص) للتطابق السلوكي الذي أشرنا إليه من قبل، حتى قال عنه تفضيلا: " خَيْرُ إِخْوَتِي عَلِيٌّ، وَخَيْرُ أَعْمَامِي حَمْزَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا"في حديث مرفوع لأبي نعيم عن معرفة الصحابة.

إسلام حمزة بهذه الصورة القوية، والعنيفة بعنف النور لا النار وبالتحدي القولي والفعلي والحالي، سيجعل حدا للإساءة الفردية والمباشرة للنبي (ص) لغاية أن سيدفع كفار قريش للانتقال مكرهين إلى مرحلة المساومة والمقاومة في زعمهم عن طريق التعجيز وطلب ما لا ينبغي طلبه أو الاستجابة له، حتى إن: "عتبة بن ربيعة، وكان سيدا، قال يوما وهو جالس في نادي قريش ورسول الله (ص) جالس في المسجد وحده، يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا، وذلك حينما أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله (ص) يزيدون ويكثرون"3.

موازاة مع هذا فلقد ازداد غيض المشركين ضد المستضعفين من المسلمين كانتقام واستفزاز للأقوياء ممن أسلموا وتحدوهم في العلن، وهذا أيضا سلاح الجبناء حينما لا يقوون على مواجهة الأقوياء فيلجئون إلى النيل من الضعفاء لملء النقص والعجز الذي يعانونه، فكانت أول شهيدة في الإسلام امرأة، وهي السيدة سمية ثم تلاها زوجها ياسر رضي الله عنهما تحت التعذيب، ومن بعدهما أرغم عمار ابنهما، رضي الله عنه، على ما لا يطيق لكي يستجيب لساديتهم في الظاهر ولكنه مع ذلك قد كان مخالفا لمطالبهم في الباطن ومطمئنا على عقيدته ودينه، وله عذره عند الله تعالى: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان)4.

عن جابر أن رسول الله (ص) مر بعمار وأهله وهم يعذبون فقال: "أبشروا آل ياسر فإن موعدكم الجنة"فأما أمه فيقتلوها فتأبى إلا الإسلام .وعن مجاهد قال: أول شهيد كان في أول الإسلام استشهد: أم عمار سمية، طعنها أبو جهل بحربة في قلبها"رواه أحمد5 .

وهذا يبين بوضوح سوء نفسية الكافر وطبيعتها الانتقامية ومآلها الانهزامي وذلك حينما لا تعود تميز بين العسكري والمدني ولا بين الرجل والمرأة أو بين المستقوي والمستضعَف فتصب جام غضبها وانتقامها عند العجز عن تحقيق الهدف على الجانب الضعيف بالتنكيل والتدمير والتجويع والترويع، تماما كما يحدث في عصرنا اليوم من حروب لا علاقة لها بالإنسانية ولا تمت إلى العدل والحق بصلة وإنما هي ظلم في ظلام وجهل في كلام وهرج في مرج.

ويكفي الكفار ذلا والمسلمين عزا أن كان أول شهيد في تاريخ الإسلام امرأة وهي أقوى ألف مرة وأكثر من رجل كافر أو منافق مذبذب !

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

......................

1- ابن هشام: سيرة النبي ج1ص312

2- ابن هشام: سيرة النبي ج1ص 418

3- ابن هشام: سيرة النبي ج1ص313

4- ابن هشام: سيرة النبي ج1ص494

15- ابن هشام: سيرة النبي ج1ص495

 

 

عدنان عويد(السياسة الشرعيّة في إصلاح الراعي والرعيّة)

ما يميز هذا الكتاب في جوهره وبنزعته الاجتماعيّة والأخلاقيّة والسياسيّة، هو وقوفه أو اشتغاله على مسائل ثلاثة اشتغل عليها الكثير من كتب في الخطاب الإسلاميّ من فقهاء ومتكلمين العصور الوسطى، ففي المسألة الاولى: اشتغل ابن تيميّة على الحاكم وصفاته وموقفه من الرعيّة وموقف الراعيّة منه . وفي المسألة الثانيّة، تناول فيها قضيّة الجهاد وضرورته وأسبابه، واعتباره فريضة عين على كل مسلم ومسلمة. أما المسألة الثالثة، فهي موقفه من قضايا المجتمع كالمعاملات والأحوال الشخصيّة وغيرها.

ونظراً لأهمية "ابن تيمية" ودوره الكبير، في تأسيس الخطاب الإسلاميّ (السلفيّ)، ورجالاته ماضياً، وعلى تنظيماته الجهاديّة حاضراً، ممثلة في الحركة الوهابيّة والقاعدة وتفريعاتها، كداعش والنصرة وغيرهما من القوى والأحزاب التي اتخذت من رؤيته الجهاديّة منطلقاً أساساً في إعادة بناء الخلافة الإسلاميّة. جاء اهتمامنا في تقديم هذه القراءة الأوليّة لهذا الكتاب  (السياسة الشرعيّة في إصلاح الراعي والرعيّة)، آَمِلاً أن تحقق هذه القراءة الهدف المراد منها، ونحن نعش اليوم حالات من الفوضى واللامعقول على كافة مستويات حياتنا الاجتماعيّة والسياسيّة والأخلاقيّة والثقافيّة، التي كان للفكر السلفيّ التكفيريّ الجهاديّ المشبع بأفكار ابن تيمية والحركة الوهابيّة التأثير الكبير بشكل خاص في خلق هذه الفوضى، والقتل المجاني القائم على الاختلاف الفكري ضد من اعتبروا كفاراً، أو خارجين عن تعاليم الله ورسوله من قبل أصحاب هذا التيار السلفيّ الجهاديّ.

وقبل أن أدخل في صلب الموضوع هنا، لا بد لي أن أشير إلى مسألة على غاية من الأهميّة، حتى نكون على مقربة كبيرة من حقيقة فكر ابن تيميّة، وهي: تأكيدنا على أن ليس كل ما جاء عليه ابن تيميّة في خطابه الإسلاميّ هو خطأ ويجافي الحقيقة ومصالح الفرد والمجتمع، بل على العكس، هناك جوانب إيجابيّة كبيرة قد أشار إليها، مثل ضرورة قيام السلطة (الخلافة) على العدل والمساواة والتمسك بالحق والفضيلة، بل راح يؤكد على ضرورة تميز الخليفة أو الأمير بسمات وخصائص شخصيّة تجعل منه قدوة لمن يحكمهم، وهذا ما بينه في كتابه موضوع قراءتنا هذه. (1). وللتنويه نقول هنا إن قضيّة السياسة والسلطة، اشتغل عليها الكثير من الكتاب الاسلاميين في العصور الوسطى كالماوردي وابن جماعة وغيرهما، وابن تيمية لا يخرج في رؤيته في الواردة في كتابه عن جوهر رؤيتهم. وكذا الحال بالنسبة لتطبيق الشرع ودور الفقهاء في هذا الاتجاه، حيث نجد له رؤى عقلانيّة تتعلق بضرورة تطبيق الشريعة على الفرد والمجتمع وفقاً لمعايير أخلاقيّة عالية القيمة الإنسانيّة في جوهرها، أقرتها أحكام النص المقدس (القرآن والحديث)، واشتغل على هذه الأحكام المذاهب الاسلاميّة، جميها، وابن تيمية لا يخرج في حكمه عن أحكام الشافعي وابن حنبل والمالكي في قضايا عصرهم، كالزنا وشرب الخمر والسرقة والحفاظ على النفوس والجراح والتعدي على أعراض الناس وكراماتهم الفرديّة وكل ما يتعلق بالأحوال الشخصية لذلك العصر. (2).

إن ما يهمنا في هذا الكتاب حقيقة هو موقفه من جهاد الكفار، ومن هم الكفار برأيه؟، وكيف اتخذت رؤاه أو مواقفه الفقهيّة منطلقاً للفكر الجهاديّ المعاصر.؟.

جهاد الكفار، القتال الفاصل:

في هذا الفصل من الكتاب تأتي مسألة الجهاد في الإسلام كما يراها "ابن تيميّة"، على أنها شكل من أشكل العقوبات المشروعة  التي حددها الشرع القائم على النص المقدس بشقيه (القرآن والحديث). أي هي العقوبات التي جاءت بها الشريعة لمن عصى الله ورسوله، وهي عنده نوعان: الأول: العقوبات التي  تنال أو تقع على  الفرد أو عدد من الأفراد، وهذه يقوم بها القضاء في حدود صلاحياته. والثاني: التي تقع على طائفة ما، امتنعت عن تطبيق شرع الله أو الايمان به، وهذه الطائفة لا يُقْدَرْ عليها إلا بقتال فاصل، وهذا هو جهاد الكفار أعداء الله ورسوله، وهذه مهمة الأمّة الإسلاميّة وحكامها، وهي برأييه تعتبر فرض عين.

يتكئ ابن تيمية هنا على نصوص من القرآن والحديث لتبرير ما يدعو إليه في مسألة الجهاد كقول الرسول في الحديث التالي:{بعثت بالسيف بين يديّ الساعة، حتى يُعْبَدً الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم}. (3).

يقول "ابن تيميّة": إن كل من بلغه دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دين الله الذي بعثه به ولم يستجب لها، يجب قتاله وفقاً لنص الآية:{وَقَٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِ}. الأنفال  - 37.

إن الله كما يرى ابن تيميّة - لما بعث نبيه، وأمره بدعوة الناس إلى دينه، لم يأذن في قتل أحد على ذلك ولا قتاله، حتى هاجر إلى المدينة، فأذن له وللمسلمين بقوله تعالى:{أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من  ينصره إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور}. سورة الحج من الآية 39إلى 41. ثم إنه بعد ذلك أوجب عليهم القتال بقوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ). البقرة الآية 216.

هذا وقد أكد الله أمر الجهاد كما يرى ابن تيميّة، في عامة السور المدنيّة، وذم التاركين له، ووصفهم بالنفاق ومرض القلوب، كما جاء في قوله تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله، فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} التوبة – الآية 24 وقال تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون}. الحجرات - الأية 15 (14) (4).

إن مشكلتنا في الحقيقة اليوم، ليست مع ابن تيميّة وصحبه في زمنه، فهو ابن عصره، ولعصره قضاياه حاول التعبير عنها بصدق وبفهم للنص خاص به أو بمن فسره وأوله قبله واستمر هذا التفسير والتأويل موافقاً لقضايا عصره. وبالنسبة لنا أبناء اليوم نردد قول الله تعالى: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، (البقرة – الآية 134). ولذلك نقول: إن مشكلتنا ليست مع فكر  ابن تيميّة عند تعاملنا مع التراث، بل مع من أخذ برؤيته الجهاديّة من سلفيّة عصرنا الحاضر وعمل على ليّ عنق واقعنا كي ينسجم من فهمه لرؤية ابن تيمية، أي جهاد من اعتبرهم ابن تيميّة كفاراً وفق لتفسيره أو تأويله لنصوص الجهاد الوارد في القرآن والحديث كما بينا أعلاه. وإذا كانت رؤيته أو تفسيره وتأويله للنص المقدس تجد مشروعيتها في عصره، والعصر الذي سبقه كما بينا قبل قليل، فهي تفقد اليوم هذه المشروعيّة بسبب حالات التطور التي أصابت الدولة والمجتمع. فالدولة لم تعد هي دولة حاكم ورعيّة، وفقهاء دين يشرعون وفق مصادر حددها لهم الشافعي، أو قضاة  يطبقون ما شرعه لهم أولئك الفقهاء كما كانت الأمور تجري في عصره، بل نحن اليوم أما دولة عصريّة، لها قوانينها الوضعيّة، وآليّة عمل تقوم به مؤسسات ووزارات ... هي دولة يطمح الناس في أن تكون دولة حاكم ومواطنة، أي دولة مدنيّة قد تغيرت فيها آليّة عمل وبنية ووظيفة عمل دولة الخلافة في عصر ابن تيميّة، ودور ومكانة مكوناتها الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة والاقتصاديّة... هي في سياقها العام دولة مدنيّة يحكمها القانون الذي تطور كثيراً وتجاوز الكثير من قيم الماضي وقضاياه... هي دولة تدعو إلى الحريّة واحترام الرأي والرأي الآخر.. هي دولة التعدديّة واحترام المرأة ودورها في بناء هذه الحياة جنباً إلى جنب مع الرجل... هي الدولة التي لم يعد يحاكم فيها الإنسان على دينه أو عقيدته، بل على عمله وإيمانه بوطنه والدفاع عنه، والسعي لتحقيق الحقوق وتطبيق الواجبات المفروضة عليه.. هي الدولة التي لم يعد فيها الدين يحكم الدولة.. فالدين لله، والوطن للجميع بكل مكوناته الدينيّةّ والأثنية... هي الدولة المدنيّة المعاصرة التي نطمح إلى تحقيقها، أي الدولة  التي تقوم اليوم على المؤسسات والعقد الاجتماعيّ الذي تقرره الشعوب، وليست دولة العقيدة والحاكم بأمر الله، بل دولة الشعب وفق دستوره الذي أقره بإرادته، وعلى أساسه الشعب من يختار حاكمه، وهو من يبدله ويعاقبه إذا أساء. والشعب هو المرجعيّة العليا في اقرار القوانين التي تنظم العلاقات بين الدولة والمجتمع.. والدولة بقوانينها الوضعيّة التي تسن أو تشرع، وفقاً لمصالح الناس عبر الزمان والمكان المعيوشين، هي من يحاسب الخارجين عن القانون، ولا يحق لأحد أن يحاسبهم على ذلك، والناس في هذه الدولة أحرار في لباسهم ومشربهم ومأكلهم طالما أنه لا ضرر ولا ضرار في ذلك، وليس من حق أحد أن يفرض عليه نوع اللباس وشكله وحجمه ولونه.. الخ.

أمام هذه المعطيات المعاصرة لمفهوم الدولة ومؤسساتها التي جئنا عليها هنا، يسقط الكثير من أسباب الجهاد التي حددها "ابن تيميّة" في كتابه، ولا يبقى مبرر لها إلا في حالات الدفاع عن الوطن إذا تم التعدي عليه من عدو الداخل والخارج، وتبقى الدولة وحدها بقوانينها تتولى حفظ النظام والأمن واستقرار الوطن والمواطن، وبالتالي فأي ممارسة للعنف خارج ذلك، هو خروج عن القانون، ويجب أن يحاسب مرتكب العنف وفق القانون نفسه الذي أقره الشعب وتمارسه الدولة.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

...............................

1- ابن تيمية – كتاب السياسة الشرعيّة في إصلاح الراعي والرعية- تم تحميل الكتاب عن مكتبة نور. ص5

2- المصدر نفسه - ص16 وما بعد

2-  المصدرنفسه - رواه أحمد في المسند عن ابن عمر، واستشهد به البخاري. 13 ص13 وما بعد

4- المصدر نفسه - ص 23 وما بعد

 

محمد بنيعيشأولا: الهجرة بين التعايش والثبات على التوجه والهوية

يقول ابن هشام في السيرة "فلما رأى رسول الله (ص) ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية لمكانه من الله، ومن عمه أبي طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء .قال لهم: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه . فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله إلى أرض الحبشة، مخافة الفتنة، وفرارا إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة كانت في الإسلام"1 .

وحينما يضيق الخناق وتشل الحركة وتهدر الحقوق ويمارس الاضطهاد بأبشع صوره ويبلغ مداه الأقصى فلا يبقى معه حينئذ إلا موقفين لا غير: إما المواجهة والثورة الصدامية الحتمية، وإما الهجرة والابتعاد عن مركز وقيد الردى ومهدم القيم وهضم الحقوق والاحترام.

وموضوع الهجرة في الإسلام يمثل المحطة المركزية في تحديد مستقبل الدعوة وضمان استمرارها، وذلك بالموازنة بين تجاذبات مقتضى الوطنية والتشبث بالبلد الأم وميراثها، ومكوناتها الاجتماعية والعرفية، وبين متطلبات الواقع والرؤية الكونية والعالمية العامة لمفهوم الإنسانية والعدالة وحماية الحقوق والأقليات والتعبير على أساس من الأخلاق واحترام الآخر والضيف والمستجير والمهاجر.

فالهجرة، وخاصة هاته الذي نحن بصدد الحديث عنها، ليست مسألة عادية أو حركة اجتماعية ومطلبا ماديا واقتصاديا محضا. وإنما هي هجرة دينية عقدية جد معقدة وشديدة الأثر سواء على نفسية المهاجر أو المهاجر إليه أو المهاجر به أو منه.

فالهجرة الأولى إلى الحبشة تمثل ضربة قاصمة لأعداء الرسول (ص) المتربصين بدعوته، كما ستكون محركا ومؤججا لغيرة القومية العربية لديهم بعدما واجهوا أبرهة بالأمس وكانت معه قصة الفيل وطير أبابيل حيث انهزم الأحباش وانسلخوا كالأكباش وعلموا أن البلد الحرام ممنوع عليهم وأنهم بالظلم لن يدخلوه، فانتهوا وتحولوا إلى أصدقاء بعدما كانوا أعداء !

ولهذا فإرسال النبي (ص) للصحابة وأهليهم إلى هذا البلد قد جاء في أعقاب أحداث مؤثرة ومهمة، بالنسبة إلى القوميتين العربية والحبشية، ترتب عنها محاولة إعادة الارتباط بعدما كان مفكوكا، وتثبيت العلاقة ذات التبادل التجاري بالدرجة الأولى الذي كان من تخصص قريش عبر التاريخ.

كما أنها جاءت من باب العز والرؤية البعيدة لنتائجها، نظرا لأن الحبشة وخاصة في عهد ملكها النجاشي رضي الله عنه الذي كان رجل عدل، والعدالة لا تصطدم مع أهلها، كيف ذاك ورسول الله (ص) هو محورها في هذه الأرض كما سبق وبينا في المرقى الأول من فجر النور.

ولهذا فالوطن الحقيقي هو حيث توجد العدالة وحماية الحقوق والحريات المكفولة، والعدل أساس الملك، إذن فلا ضير إن هاجر المهاجر يلتمس العدالة عند مطبقيها ولو كانوا من غير بني قومه وجلدته، وخاصة حينما يظلمونه من غير هوادة، وما أشد وقعه على النفوس كما يقول الشاعر:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهنَّد

(من معلقة طرفة بن العبد)

فلقد كان عدد من خرج من المسلمين يقارب العشرة، على رأسهم: عثمان بن مظعون، كما كان أول من خرج من بني أمية حسب القائمة في كتب السيرة: عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، معه امرأته رقية بنت رسول الله (ص) ومعهم آخرون.

وهذا الاختيار، الاضطراري في نفس الوقت، له دلالات وأبعاد روحية دينية دعوية، وفي نفس الوقت تتضمن القائمة أطرا اقتصادية واستثمارية ستكون ذات اليد الطولى والحضور الفعال في نصرة الدعوة ودعمها ماديا ومعنويا، وهذا غير خفي عن واقع عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما، الذين اشتهرا بوفرة المال وحسن استثماره وإنفاقه في سبيل الله تعالى حينما يجد الجد !.

ثانيا: الهجرة الأولى ومبدأ المساواة و النموذج من نفسك

كما أن الهجرة تتضمن عنصرا آخر، أهم من هذا وذاك، ألا وهو جانب آل بيت رسول الله (ص) وحضورهم الفعلي باعتبارهم أول المهاجرين والنموذج التطبيقي لعدالة الدعوة، كانت أولهم السيدة رقية عليها السلام بنت رسول الله (ص) .

وهذا فيه تأكيد على أن الدعوة وتحمل تبعاتها وآلامها ليس رهنا بالعبيد والمستضعفين من المسلمين وإنما أول من سيناله بلاؤها هم المقربون بالنسب والنسبة من رسول الله (ص) وخاصة فلذة كبده وقرة عينه، وهذا امتحان أعسر مما سبق من رؤيته لأصحابه وهم يعذبون أمامه كما مر بنا.

وفي هذه الهجرة كانت أول تجربة لتجاذب القرب والبعد عن مركز النور والهداية واختبار مدى التأثر بهذه العوارض الزمكانية (الزمانية والمكانية) وأثرها على القلوب والضمائر وكذا الأبصار.

إذ بعدما كان هؤلاء المهاجرون يتملَّون كل يوم أوكل ساعة بطلعة الحبيب، ويستنيرون بنوره عن قرب أقرب إليهم من ذواتهم، إذا بهم فجأة يجدون أنفسهم مضطرين لأن ينتقلوا من عين الحضرة وشمسها إلى مكان وعالم مهما عدَل واعتدل فلن يعادل بسنواته وأمياله ولو لحظة واحدة وهم في حضرة نبيهم ومصدر حياتهم وشعورهم، بالرغم من التنكيل والتعذيب الذي كان يمارس عليهم ليل نهار، حسا ومعنى .

فهم قد حصل لهم في ظاهر الهجرة كمن ينتزع رضيعا من ثدي أمه قبل الفطام وهو ما يزال مشتاقا إلى ارتوائه من لبنها واحتمائه وتدفئته بحنانها !

موقف صعب جدا جدا ! هذا الذي أمامنا حينما نقيسه على العواطف العادية والظاهرية، ولكن هيهات هيهات ! فلقد كان الخط متصلا والحبل موصولا والورد مورودا والشمس التي لا تغيب باسطة شعاعها لا يحجبها ضباب أو سحاب، كما كان هناك توجه واستحضار قلبي، هو سر هذا الثبات والصبر لديهم نجد بصماته في هذا الخطاب.

"قال ابن إسحق: ثم خرج جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة فكانوا بها، منهم من خرج بأهله معه، ومنهم من خرج بنفسه لا أهل معه.. فكان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر إليها من المسلمين، سوى أبنائهم الذين خرجوا معهم صغارا وولدوا بها، ثلاثة وثمانين رجلا إن كان عمار بن ياسر فيهم ...".

هذا السر في الالتزام والاستمرارية الروحية على نفس الوتيرة التي كانوا عليها وهم في مجلس رسول الله (ص) سيتجلى بوضوح حينما استقبلهم الملك النجاشي وناورت قريش من أجل إعادتهم كرها إلى موطنهم الظالم أهله، حيث افتعل عمرو بن العاص حينئذ ما بدا له من المكائد لإيقاعهم في الشباك والاستدراج العقدي للنجاشي.

ففي رواية أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي (ص) قالت لما استدعوا للاستجواب حول قولهم في المسيح وأمه عليهما السلام: "فقال بعضهم لبعض ماذا تقولون في عيسى بن مريم إذا سألكم عنه ؟قالوا: نقول والله ما قال الله وما جاءنا به نبينا (ص) كائنا في ذلك ما هو كائن، قالت: فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى بن مريم؟قالت: فقال جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.قالت فضرب النجاشي بيده إلى الأرض فأخذ منها عودا ثم قال: والله ما عدا عيسى بن مر يم ما قلت هذا العود، اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي (والشيوم: الآمنون) من سبكم غرم".

إنه صدق التوجه واستحضار لهمة رسول الله (ص) وتعظيم لحضرته وهم في حضرة الملك النجاشي، ولهذا فلم ترعبهم القصور والحراس والمراسيم، فعلت حينئذ همتهم بهمته وسما إذنهم بإذنه فكانت الغلبة لهم في النهاية على أعدائهم وعاذليهم.

كما أن الموقف يعطي درسا قويا لبائعي الذمم والتجار في الدين حينما يجلسون في حضرة الملوك والرؤساء وذوي الجاه والسلطان من أهل الدنيا فيسعون إلى كسب رضاهم ومسايرة أهوائهم ورغباتهم بقلب الحقائق وتأويل النصوص على هواهم فضلوا وأضلوا !

نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا  فلا ديننا يبقى ولا مـا نرقّعُ2

فطوبى لعبدٍ آثر الله ربّه  وجــــاد بدنياه لمـــــا يَتوقعُ

هكذا إذن أصبح المسلمون المهاجرون بالرغم من قلة عددهم يساهمون في تحقيق نمو البلد المستضيف لهم روحيا وتربويا وأخلاقيا وحتى اقتصاديا، بل وسياسيا في دعمهم الروحي والمعنوي للنجاشي بالدعاء له بالنصر والعز حتى ظهر على مناوئيه كما تذكر ذلك كتب السيرة تفصيلا.

جانب آخر لا ينبغي أن نغفل عنه في هذه الهجرة و ما ترتب عنها من لقاء مباشر مع النجاشي ملك الحبشة وما جرى فيه من مناورات قريش، ألا وهو إقرار الوجود الإسلامي في البلاد باعتباره دينا رسميا مسموحا بممارسته في حرية واحترام .كل هذا سيمثل نواة إعلامية على المستوى العالمي وسيساهم في نشر الدعوة الإسلامية وإيصال خبرها إلى بقاع المعمور وخاصة دول إفريقيا وما جاورها إلى أقصى المغرب...

إذ بطبيعة الحال قد كان بالحبشة سفراء ووفود من الخارج بحكم السياسة والعلاقات الدولية، ومن ثم فلا بد وأن الخبر سيصل إليهم إما حضوريا أو بواسطة البطانة والممثلين الرسميين للدولة، وذلك لأن المسألة تتعلق بقضية دينية جوهرية، وخاصة ما يتعلق بالحديث عن طبيعة المسيح وأمه عليهما السلام، وهذا ما سيجعل الخبر ينتقل كالنار في الهشيم إلى جل الدول المؤمنة بالمسيحية، كما سيثير نقاشا عقديا وروحيا كبيرا حول موضوع هم مختلفون فيه ومتشككون في مسألة مزاعم صلب المسيح وهل هو في طبيعته ناسوتي أم لا هوتي أم معا ؟إلى غير ذلك مما ضل به الكثير .

بحيث سيكون الأقرب إلى معرفة خبر المعجزة وهذا اللقاء الرسمي مع الحبشة هم نصارى الجزيرة العربية وخاصة نصارى نجران الأقرب إلى اليمن واستيطان الحبشة به .

ولم لا يكون الخبر قد وصل للتو إلى هرقل ملك الروم فكان منه ذلك الرد الإيجابي والمعتدل حينما بعث إليه الرسول (ص) برسالة يدعوه فيها إلى الإسلام ؟حتى إن موقفه قد كان شبيها بالنجاشي، وأيضا ما جرى من اعتراض حاشيته وبطارقته عليه لما بدا منه نوع من التسليم لحد أن أرغموه على الرضوخ وتعديل موقفه بما يوافق هواهم حفاظا على كرسي الملك، فكانت نتيجته غير ما توصل إليه النجاشي وفاز به وأفلح.

لسنا هنا الآن بصدد التفصيل التاريخي من أجل تحديد زمن الهجرة الأولى من الثانية إلى الحبشة، وهل كانت عند كتابة الصحيفة الظالمة والحصار بالشعب أم بعد فسخها، ناهيك عما اختلق من مسألة الغرانيق، وما وضع بها من أكاذيب وأضاليل حول سورة النجم، لا تتناسب بتاتا مع مقام النبوة والرسالة وجوهرها ولا مع ثبات العقيدة وعمق توحيدها.

ولكن هدفنا هنا هو الإشارة إلى هذه المعاني الكبرى التي واكبت الهجرة إلى الحبشة وما ترتب عنها من حركة إعلامية قوية ساهمت في نشر الدعوة الإسلامية وهيأت الأرضية المناسبة للهجرة الكبرى، هجرة النبي وأصحابه إلى يثرب وتحويلها بكيمياء نورانية إلى أعظم حاضرة سماها (ص) بالمدينة المنورة.

لكن فيما يبدو أن مسألة صحيفة الحصار حدثت بعدما رأى كفار قريش أن زمام الأمور قد انفلتت من أيديهم وأن القضية أخذت طابع العالمية، أو بعبارة حديثة قد دولت ولم تعد مجرد صراع محلي وتفاعل داخلي، سيلجأون بالمواكبة معها حينئذ إلى استعمال أسلوب الحصار أو العقوبات الاقتصادية والاجتماعية لإضعاف القدرة الشرائية للمسلمين ومن والاهم، واستعمال التجويع كسلاح قاس لدى الجبناء حينما يعجزون عن مواجهة الأقوياء بمبادئهم وعقيدتهم وتضامنهم !

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

......................

ابن هشام: سيرة النبي ج1ص343

أبيات تنسب لإبراهيم بن أدهم الصوفي

 

 

الطيب النقرإن النفس البشرية تواقة بطبعها لمعرفة ما يكتنف العالم الآخر من غموض، ذلك العالم الذي إذا كسبه المرء كسب جل ما يتطلع إليه، وإذا خسره خسر ما لا عوض له فيه، نعم إن الناس باختلاف مشاربهم وسحناتهم تغلغلت هذه المسألة في أصولهم وشغلت بالهم وتفكيرهم، ويجدون في سباتهم العميق ليلاً أو نهارا ملتمساً لما يصعب تداركه في اليقظة، فكثيراً ما تسمع ممن شابت ناصيته في العلم، أو الجاهل المطبق الجهالة أن حلماً داهمه عند الكرى ومضى به بعيداً عن عالمنا الذي ضنك عيشه، وكثر طيشه، وأضحى يحكمه ذئاب غاية في الظلم والإستبداد، ويخبرك أن روحه فارقت ذلك الجسد الوثيق الذي تقبع خلفه ومضت تحلق في عوالم موشاة بالحسن، ومرصعة بالدر، ويعكر صفوك بذكر كل شاردة واردة تمثلها في حلمه، فتراه يستفيض في ذكر الملائكة والجنان، ويوجز عند الزبانية والنيران، ويعتريني يقين جازم بأن كل من بسط لسانه بالمعروف أو طوى قلبه بالضغينة شكّل له أمر الموت، والحساب، والإنتقال من هذا العالم الفاني إلي عالم سرمدي يوفى فيه أجره هاجساً يؤرق مضجعه ويجعل الذعر والوجل يسري في عروقة، لمعرفة ما هو المصير الذي ينتظره في ذلك العالم، أيزحزح عن النار ويدخل الجنة، أم هي الأخرى التي تصطك من هولها الركب،ويزلزل روعها الأقدام، والنزوع إلي الآخره ليس قاصراً على شعب دون شعب، أو على عرق دون عرق، فرحلة الروح من أهم السمات المشتركة لكل الأمم والشعوب لأنهم يستمدونها من تراثهم الديني ويجترونها من أدبهم الاجتماعي، “فالمصريون القدماء قد عرفوا هذه الرحلة، ونسج لهم الخيال كثيراً من الرؤى والصور التي تدور حول الجحيم والفردوس، فتصور اوزيريس يزن الأعمال، فيدفع بقلوب الخطاة إلي الوحش الذي يفترسها، ويعطي المحسنين حقول القمح يزرعونها بلا عناء، ولدى الفرس نجد الانسان ميدان معركة بين اهورا مزدا اله الخير واهريمن ملك الظلمات والعالم السفلى، ونجد القديس الزرادشتى ارتاك فيراز يقص على قومه ما رآه في رحلته إلي العالم الآخر من ألوان العقاب وصنوف النعيم. وفي الأدب اليوناني يذكر هوميروس في الالياذة عالم الموتى والشياطين ونار الجحيم وأبواب السماء ونعيم الفردوس،…. أما فرجيل شاعر اللاتين فيذكر في الاينيادة هبوط اينياس إلي العالم السفلى ويصف ما شهده في مدينة الجحيم ((ديس)) من وحوش خرافية وشياطين وأنهار وعواصف، ويسرد أنواع الآثمين كمرتكبي خطايا الجسد والبخلاء والذين حاربوا أولياء نعمتهم، ثم ينتقل إلي أرض خضراء سعيدة، وهي موئل من جرحوا في سبيل أوطانهم ومكان الرهبان من الصادقين”. فضلاً عن الأديان السماوية الثلاث التي جددت دارس العهد من القيم ونشرت البالي من الشيم التي تمنع اختلال التوازن، واضطراب الحياة، فمن تنغمس يداه في منكر نالته شهب النار، ومن لا يقبض يده عن بذل المعروف، أو يصد نفسه عن قعقعة السيوف أسكنه الله أقبية الديباج المخوص بالذهب والنضار، وأجرى تحت رجليه شلالات الأنهار.

والحقيقة التي يجب أن نبسطها هنا أن هذه المنظومة قد حذت حذو العديد من الأعمال الأدبية التي سبقتها في الأدب الفارسي ونجد أن الباحثون الأوربيون في الدراسات الايرانية “قد اتفقوا على أن رائد هذا الموضوع في ايران هو (ارتاك فيراز نامك) المكتوب بالفارسية الوسطى، أي كتاب القديس فيراز-ارتاك تعني القديس أو المتمسك بأهداب الدين الصحيح- ويرون أنه يمثل الهيكل الأساسي لعدد من الآثار الأدبية التي تنوعت في طريقة تناولها للموضوع، كما في سير العباد لسنائي، ومنطق الطير للعطار، ومصباح الأرواح للكرماني وأخيراً سبعة الأودية لبهاء الله”.

وحتماً هذا الكتاب في مضمونه ومحتواه يذكرنا برائعة دانتي الكوميديا الإلهية، ذلك الكتاب الذي دلق فيه الكثير من المداد، وانشئت حوله الرسائل والدراسات، ونضحت باسمه الشروح والدراسات، التي أجلت عنه الغموض، وقربته إلي الأذهان، ولكن ما لا يند عن ذهن أو يغيب عن خاطر أن هذا العمل الأدبي رغم ما ناله من شهرة وصيت إلا أن الشعور الذي يخامر قارئه لذلك النص هو الضجر والرتابة بعد ازدراد أسطره وطي قراطيسه. ودانتي الإيطالي الذي ألهمت قريحته الفياضة وعبقريته الفذة رصفائه من الأدباء، وأيقظ مدّ أفكاره الهادر رواقد العبقرية التي كانت كالنبت الذابل الذي غاية أمانيه العجاف وابل من قطر يجدد ما ذوي من أوراقه. ولكن الحقيقة التي لا يغالي فيها أحد ونتيجة لدراسات وأبحاث متعددة أن دانتي لم يكن هذا العمل من بنات أفكاره أو بتعبير آخر أن دانتي لم يكن له قصب السبق في الإيتاء بهذا اللون من الأدب، نعم لم يكن دانتي “في عمله العظيم مبتكراً تماماً، وإنما اقتبس خطة كتابه من غيره، وأفاد في جزئيات كثيرة منه من جهود سابقة بعضها شرقي اسلامي، فلقد كتب ارنولد نيلكسون المستشرق الإنجليزي سنة 1943م مقالاً بمجلة الجمعية الملكية بعنوان (رائد فارسي لدانته) يقول فيه:”ان سنائي الغزنوي يحكي في منظموته المسماة (سير العباد إلي الميعاد) مثل دانتي تماماً كيف وجد في الظلمة التي ضل طريقه فيها مرشداً صحبه عبر طرقات الخوف والفزع التي كان عليه أن يقطعها قبل أن يصل إلي غايته. ويضيف: ان من الصعب أن يقرأ الإنسان هذه المنظومة الفارسية دون أن يتذكر بشدة المنظومة الايطالية، فالتشابه بينهما لا يمكن أن يكون عرضياً، حيث توجد تفصيلات تبعث على الدهشة وحب الاستطلاع، وتدل على أن هناك مصدراً مشتركاً للشاعرين، أو تؤكد الفكرة السائدة من أن دانتي استعان في كتابته لمنظومته بمادة موجودة في الروايات الاسلامية، اياً كانت القنوات التي تم عن طريقها وصول هذه المادة إليه”.

لقد صدق نيكسون في مزاعمه فان العملين يخرجان من مشكاة واحدة، تحتويها الأفئدة، وتضمها الأرواح، مشكاة يتزاحم عشاقها على موردها العذب، ويتسابقون إلي ضيها الملهم، لقد بذر نيلكسون بذور الشك في أحقية تفرد دانتي بهذا العمل، واستقرت تلك البذور في دخائل كل نفس، ومدارج كل حس يطالع رائعة دانتي، رغم أن هذا الشك ليس له ما يبرره، وتقاطرت جهود الأدباء كوكف المطر لاماطة اللثام عن هذه القضية التي اشتد حولها الصيال الأدبي الذي لم يدفع إلا بعد نضال عنيف وجهد وتقصي استمر عبر حقب طوال إلي أن بزغ نجم المستشرقان سنديو الأسباني وشيرولي الايطالي، الذين بددا الغموض الذي يكتنف هذه القضية، وأزالا مواطن اللبس فيها، فلقد تكفلا بالإجابة “على السؤال الحائر الذي كان يطرحه الباحثون وهو:((من أين لدانتي بالمصادر الإسلامية يطلع عليها ويتأثر بها إذا كان لم يعرف عنه أنه كان يعرف العربية؟ حيث اكتشفا مصدر دانتي في مخطوطة أصلها عربي وموضوعها معراج الرسول صلي الله عليه وسلم ترجمت إلي الأسبانية واللاتنية والفرنسية في أواخر القرن الثالث عشر، أي في حياة دانتي”.

ومن الكتب أو الرسائل التي جاءت على هيئة أو منظومة سير العباد رسالة حي بن يقظان لابن سينا التي جرى فيها على هدي دانتي في الكوميديا الألهية حيث أدخل موضوع الرحلة نحو الهدف الأعلي الذي تبغتيه كل نفس عبر طريق مرشد، الأمر الذي أثرى الملحمة الصوفية الشعرية في الأدب الفارسي، فنجد أن سناء الغزنوي استن بمذهب ابن سينا ولزم غرسه في منظومته، ونحن إذا اردنا أن نفصح عن كنه تلك الرسالة التي تأثر بها سناء الغزنوي في ايجاز لذكرنا أنها رسالة رمزية في مضمونها نظمها ابن سينا على طريقة الصوفية وعنونها وأسماها بعنوان”حي بن يقظان” وموضوعها يدور حول شيخ من أهل البيت المقدس اسمه حي بن يقظان أي حي العقال الذي يوصل إلي الله فلقد أخذ حي بوصية والده يقظان وأضحى يتجول في المدن بعد أن أعطاه والده مفاتيح العلوم كلها، وابن سينا رمى من نسجه لتلك القصة وتنضيده لتلك الرسالة أن يزكي من العقل الذي يلهم صاحبه ويعلي من شأن المنطق والفلسفة.

وبعده بقرن من الزمان يخرج الشاعر الفارسي سنائي الغزنوي(525-1131م) منظومته (سير العباد إلي الميعاد) متخذا نفس الإسلوب الرمزي ذا الطابع الصوفي “يصور فيها الفكرة الفلسفية التي تقول أن الكائنات في حركة دائبة نحو اتجاهين:فهي تجئ من الله، من فيضه على العقل الكلي، ومن العقل الكلي على النفس الكلية، ومن النفس الكلية على الهيولى، وهي الصورة التي ترى الأنفس الجزئية في عالم الأجسام على ظواهر الأشخاص والاجرام، ثم تعود من جديد إليه متحررة من الكثرة صاعدة نحو الوحدة لتلحق بموطنها الأصلي ومصدرها الأول، وهذا الرجوع يتم عن طريق المعرفة، وهذا الهدف الحقيقي من الحكمة والفلسفة إذا عرفنا أن لكل موجود كمالاً، وكمال النفوس في اتصالها بالعقل”.

والبناء الأساسي لتلك المنظومة يقوم على فكرة الهبوط والنزول من الجنان التي خلع الله عليها وضاءة الحسن ورونق الحسن إلي الأرض التي أدخر فيها الخلق عزوجل كل ما يحتاجه ذلك الانسان الذي أقصاه عن جنته بمقتضى الأمر الإلهي (كن) فنزلت تلك النفس خاشعة الطرف، كاسفة البال، من علياء السماوات الي أرض غائرة ممعنة في الضحالة بناء على قوله تعالى: (اهبطوا منها) بعد ذلك تلقفتها امرأة عجوز قديمة قدم الفلك تعهدت تلك النفس بالعناية واحاطتها بالرعاية، هذه المرأة في واقع الأمر والدة مشبلة لمواليد ثلاث ولا وعي لها بالشمس ولا بالظل، وقد تفانت في تربية جسد آدم كما تعهدت برعاية كل كائن، ويمضى سناء الغزنوي في منظومته فيقول أن النفس” استقبلت بواسطة هذه المربية-التي يعني بها الأرض- والتي ربتها بحنان وصنعت لها أكسية مختلفة الألوان، اشارة إلي تطور الخلق ابتداء من النفس النباتية، التي يرمز إليها باللون الأخضر، إلي النفس الحيوانية المتصلة بالجسد، وتلك يرمز لها باللونين الأحمر والأبيض، بناء على التحول من دم إلي نطفة إلي علقة إلي عظام كسيت لحما”.

ثم تتوالى أحداث المنظومة التي أدخل فيها سنائي الغزنوي القدر الهائل من التراث الصوفي، وأضحى النواة التي انطلقت منها العديد من قرائح شعراء الفرس الذين أمسوا كِلاً وعيالاً عليه، ولكن من المآخذ على سنائي في منظمومته البلبلة في الأفكار، وكثرة التكرار التي توقع القارئ في الحيرة والاضطراب، وتجعله يكاد يجزم أن المنظومة مبعثرة من غير رابط، ومشتتة من غير جامع، الأمر الذي يقلل من قيمة وشأن العمل الأدبي والقائه في غياهب النسيان، وهذا هو الواقع الذي آلت إليه تلك المنظومة، فرغم تهافت الباحثون عليها وتسبيحهم بحمدها في مقالاتهم التي سارت في كل صقع وواد إلا أنهم لا يصبرون على مضّ شدائدها، فالمبهمات والرموز التي تعج بها تلك المنظومة تجعل الباحث يستشعر وطأة الجمود وفداحة الثقل فيلقيه عن كاهله في تبرم ويمم شطره تجاه بحث آخر خالي من التعقيد والمعاظلة والإلتواء، وهذا ما عناه مؤلفها حينما خلع على قارئها صفة الشاعرية ، ونعت من يفكك طلاسمها، ويحيط بأسرارها بالساحر.

أهم الأفكار الأساسية للمنظومة:

1- سنائى الغزنوى في منظومته “سير العباد إلي الميعاد” طرح فكرة التطور “بكل ما تعنيه صعوبة التكمل والسعي إلي الكمال اللانهائي، فيرى أن الإنسان يمثل قمة الخلق في هذا الكون، فقبل أن يصل إلي الحالة الإنسانية، كان جماداً، ثم صار نباتاً، وبعد ذلك أصبح حيواناً، ليكون في النهاية انساناً مزوداً بالعقل. ويمكنه أيضاً أن يتجاوز المرتبة الإنسانية، ليصير ملكاً، كما يمكنه فوق ذلك أن يعبر المرحلة الملكية..

2- هذا التطور يرسم الغاية لكل الكائنات والمخلوقات، ويحدد النفس الانسانية هدفها في هذه الحياة، وهو التعرف على الله، ومسيرتها بالرجوع إلي أصلها ومنزلها الأبدي. وفي هذا التوقع يعتبر الكون كله مجرد مرقاة في سلم يصعد به الانسان نحو ربه، وبعبارة أخرى يعتبر مجالاً لرحلة روحية يقوم بها من عالم التراب إلي أعلى عليين، بحيث يكون ابتداء الرحلة من عالم جسمه نفسه، الذي قد نسميه العالم الصغير، فيتأمله ويمعن النظر في أمشاجه، فيما يشبه التجول، فيرى في هذه الطباع التي ركب منها، من البرودة واليبوسة، اللتين ترجعان إلى التراب، والبرودة واللطافة اللتين تعودان إلي الماء، والحرارة واللطافة ينتميان إلي الهواء، ثم الحرارة واليبوسة، وهما من النار. ويتأمل نتائج هذه العناصر في ذاته، التي تظهر على شكل رذائل، هي الشره والكبر، والبخل والبغض والحسد، والشهوة والغضب.وهكذا تكون العناصر ونتائجها عالماً مستقلاً، ويمثل كل عنصر منها مرحلة أو منزلاً على طريق الرحلة الطويل”.

3- والنفس الانسانية “بطبيعتها صالحة للقيام بهذه الرحلة، فهذه النفس التي هي كمال الجسم لها قوتان، يسميها بعض الفلاسفة وجهين، أو نظرين، نظر إلي عالم الصورة، أي العالم السفلي، ونظر إلي عالم الملكوت، أي العالم العلوي، وهذه التي تنظر إلي العالم العلوي تسمى القوة العالمة، وتلك التي تنظر إلي العالم العلوي تسمى العاملة، ويستفيد الجسم من القوة العاملة التي تدبره، كما أن القوة العاملة تستفيد من القوة العالمة التي تدبرها وتحركها، وهذه الأخيرة تستفيد من العقل الفعال الذي يوجد فيما وراء العناصر الأربعة، يدبرها ويحركها، ويمضي التسلسل على هذا النحو إلي الأفلاك:كل يتأثر بما فوقه ويؤثر فيما تحته، ابتداء من عقل فلك القمر، إلي عقل فلك الأفلاك، الذي يستفيد من العقل الكلي ويتأثر به، وهذا العقل الكلي الذي يوجد في حوزته جميع المخلوقات، يستفيد من فيض واجب الوجود.

4- والعقل الكلي كوسيط بين الوحدة المطلقة والكثرة يمثل نقطة البداية والنهاية في آن واحد، فمن هذا الموجود الأول الذي خلقه الله بلا واسطة، خلقت النفس الكلية، ثم تسلسلت عقول الكواكب ونفوسها، كل فلك له عقل ونفس عن طريقهما تسري سلسلة الخلق إلي الفلك التالي، حتى تأتي إلي فلك القمر، ومن عقل هذا الأخير ونفسه خلقت العناصر الأربعة، وتلك بدورها أدت إلي خلق المواليد الثلاثة، كل منها في ثلاث درجات، كامل وواسط وأسفل، فآخر كمال للجماد هو أدنى مرتبة للنبات، وآخر كمال للنبات هو أدنى مرتبة للحيوان، وكمال الحيوانية هو أسفل درجات الانسانية، كما أن أعلى كمال للانسانية هو أولى درجات الروحانية، وأعلى درجات الروحانية يشارف حدود القدرة الإلهية، وهذه لا نهاية لها، وليس في وسع العقل أن يحيط بها”.

5- والتصوف كنظام يعمل على “تطهير النفس، ووصل الإنسان بالألوهية له مظهره الأخلاقي، ففي الحياة الروحية ليس الجانب الأخلاقي مفصولاً تماماً عن الجانب الصوفي، كما قد يحاول بعض الناس أن يتصوروا كلا منهما على حدة، ومهما تك درجة التمييز بينهما فالذي لا شك فيه هو أن الجانب الأخلاقي هو المرحلة التمهيدية التي تؤدي إلي مرحلة التأمل والاستغراق التي تعتبر غالباً جوهر التجربة الصوفية….وفي منظومة سير العباد، تمشي الأخلاق مع التصوف جنباً إلي جنب مع، حتى لتكاد تمثل مزيجاً متناسقاً من العناصر الأخلاقية والصوفية، فالشاعر فيها قادراً دائماً على أن يبدأ أخلاقياً لينتهي صوفياً،ثم يعود من جديد كما بدأ”.

6- والرحلة عند سنائي في جوهرها رحلة من الصورة إلي المعنى، رحلة يتحقق بها الموت عن هذا العالم المادي، بكل ما فيه، رحلة توقظ النيام، حسب العبارة المشهورة التي يسندونها إلي علي بن أبي طالب رضى الله عنه: (الناس نيام فإذا ماتوا انتهوا) وعنده أن العقل مرشد جيد في هذه الرحلة، ولكن إلي حدود، حتى إذا ما بلغها،فإن فضل الله هو الذي يقود السالك بعد ذلك إليه.

7- ونتيجة لما سبق فإن الإنسان لديه الارادة الحرة للإختيار بين العقل والهوى، مما يفرض عليه مسئولية كبيرة، قوامها ألا بترك نفسه للهوى يستولى عليه، ومن هنا يتحدد وضع سنائي ازاء هذه المشكلة التي يمكن وصفه بوضع وسط بين الجبر والإختيار، فهو في الحقيقة ينظر إلى هذه المشكلة من خلال مذهبه العام الذي يقوم على الاعتقاد بأن الانسان لديه الاستعداد لبلوغ قمة الكمال، وفي هذا التصور يكون الجبر وسيلة للعلو والإختيار في نظر الصالحين، ووسيلة انحطاط وتسفل في نظر الأشرار”.

خاتمة:

هذه هي أهم الأفكار والموضوعات التي تطرق لها سنائي الغزنوي في منظومته التي تأسى فيها بابن سيناء في رسالته حي بن يقظان، واستضاء من نوره، فلقد أخذ سنائي من ابن سينا فكره تصويره للعقل على هيئة شيخ تبدو عليه نضارة الشباب، ذلك الشيخ الصوفي الثائر الذي يهيب بمخاطبه أن يسارع إلي الخلاص، ولا تعنيه الوسائل بقدر ما تعنيه الغاية، ومنظومة سنائي الغزنوي التي تعتبر تحفة أدبية من حيث خصوبة الخيال وسطوته، وتعدد الصور، وقوة الإيحاء، وبلاغة التشيبة الذي رغم دقته إلا أنه أمسى مألوفاً في أدبيات المتصوفة، مثل تشبيهم للغضب بالسبع، والشهوة بالبهيم، هذه المنظومة التي رغم أنها تشيع بالحسن، وتومض بالجمال، إلا أنها مبهمة الألفاظ، ملتوية الأشعار، يحتاج قارئها إلي بوارق من الضياء حتى يدرك كنهها، ويحيط بتفاصيلها، ولن يتسنى له ذلك إلا إذا تحلى بالصبر واستظل تحت أفيائه.

 

د. الطيب النقر

 

حمزة فنينفي الإصحاح الرابع من إنجيـل يوحنـا نجد حواراً مشهوراً بين السيد المسيح وامرأة سامرية، ويستمرّ هذا الحوار لـ 42 آيةً تحكي عن أنّ يسـوع، وهو يجتاز السامرة، أتـى على مدينةٍ تُدعـى "سُـوخـار" بقرب الضيعة التي وهبها النبيّ يعقـوب لابنـه يـوسف، فجلس ليستريح من تعب السّفر بجانب بئرٍ هي بئـرُ يعقـوب. وسرعان ما جاءت امرأة سامريةٌ لتستقي ماءً فالتقت بيسوع، الذّي كان مجهولاً بالنسبة لها، ودار بينهما حديثٌ، ليس بالطّويل ولا بالقصير، انتهى إلى معرفة السامرية بالسيد المسيح وأنّه هو المُخلّص فآمنت به وآمن كثيرون من مدينتها بسببها. 

لكن هذا الحديث ليس كأيّ حديثٍ ــ ربما ينطبق هذا على كلّ أحاديث السيد المسيح ــ بل هو ’’مليءٌ بالأسرار، إنّه طعامٌ للجائع وراحةُ للنّفس المًتعبة‘‘ على حدّ قول القديس أوغسطين الذّي كتب كُتيّباً عن هذا الحديث عنونه بـ "حديث الربّ مع السامرية"[1] حيث قام بتأويلٍ روحيٍّ لهذا الحديث مكتشفاً فيه الأسرار المُحتجبة عن العقول التي لا تفهم سوى لغة الحرف.

يبدأ الإصحاح الرابع من إنجيل يوحنا بتعب المسيح، لكن كيف يتعبُ المسيح؟ ’’هل قوّة الله التي بها يستريح المُتعبون تصير مُنهكة؟! كيف يتعبُ ذاك الذّي نحنُ بدونه نصير متعبين؟!‘‘[2]. نعم، إنّه قويٌ ومع ذلك فهو يتعب، إنّه قويٌ لأنّه "كلمة الله" الذي قال عنه إنجيل يوحنا: ’’في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله. هذا كان في البدء عند الله. كلّ شيءٍ به كان، وبغيره لم يكن شيء ممّا كان‘‘. (يوحنا، 1: 3،2،1) لكنّه أصبح ضعيفاً لأنّ ’’الكلمة صار جسداً وحلّ بيننا‘‘ (يوحنا، 1: 14)، أي أنه ضعف في رحلته الشاقة من خلال الجسد الذي حلّ فيه، لكنّ ضعفه هذا هو الذي يجعل البشرية قوية حسب أوغسطين.

عندما تعب السيّد المسيح جلس قرب بئر، وهذا ليس بدون قصد، بل هو يشير إلى وعد المسيح، كما يؤوّل ذلك الحكيم أوغسطين، ذلك الوعد الذّي يقول: ’’ اِسألوا تُعطَوا. اُطلبُوا تَجدُوا. اِقرَعُوا يُفتَح لكُم‘‘ (متى، 7: 7). أما دلالة البئر فهي هذه الأرض التي نسكنها، هذه الأرض التي وجد الإنسان نفسه فيها بعد ارتكابه الخطيئة. ونفس هذه الدلالة نجدها في القصة الرمزية ذات البعد الروحي التي كتبها السهروردي المقتول بعنوان "الغُربـة الغربية"، حيث وجد الأخوان نفسيهما في بئر عميقة مُكبّلين بسلاسل وأغلال من حديد[3]. وعندما جاءت السامرية لتستقي ماءً، وهي رمزٌ للأمم الغريبة التي لم تعرف المسيح بعد أو هي رمزٌ للبشرية بصفةٍ عامة، طلب منها السيد المسيح أن تمنحه ليشرب، وهو ما استغربَت له لأن اليهود لا يعاملون السامريين كما هو معروف، فردّ على استغرابها هذا قائلاً: ’’ لو كنت تعلمين عطية الله، ومن هو الذّي يقول لك أعطيني لأشرب، لطلبتِ أنتِ منه فأعطاك ماءً حياً‘‘(يوحنا، 4: 10). لكن ما المقصود بالماء الحي؟ وكيف فهمت السامرية كلامه هذا؟

لم يقصد يسوع بالماء الحي ماءً مرئياً بل ماءً غير مرئيٍ، الماء الذّي من يشرب منه لا يعطش أبداً، عكس الماء الذي في البئر. لكن السامرية لم تستطع فهم هذا واكتفت بالوقوف عند الحرف، وهو ما يظهر جلياً في ردّها عليه: ’’يا سيّد، لا دلو لك والبئر عميقة. فمن أين لك الماء الحيّ؟‘‘ (يوحنا، 4: 11). ويضيف أوغسطين أنّ الماء الذي أتت لتستقيه السامرية ليس سوى رمزٍ لمسّرات العالم في عمقها المظلم والتي يتمّ الوصول إليها من خلال الشهوة (الدلو هنا). لكن الغريب هنا أن يسوع قال للسامرية عندما لم تفهمه أن تنادي زوجها! والمقصود بالزّوج هنا هو القلب أو الروح، فالمسيح يتحدّث لغة الروح لا لغة الجسد، فالأولى لا يأتيها الباطل لا من أمامٍ ولا من خلف عكس الثانية التي كلّها باطل وتقود إلى الباطل مثلما قادت السامرية إلى الفهم الحرفي الذي يقتُل عكس الروح الذّي يُحيي كما قال القديس بولس. فمن خلال حضور هذا الزوج يمكن للسامرية أن تفهم مقصود يسوع، أمّا بتغييبه فمثلُها كمثل الحمار يحمل أسفاراً. فالزوج هو الذي يجب أن يسود عليها مثلما يسود آدم على حواء كما ورد في سفر التكوين (3: 16): ’’ [...] وإلى رجلكِ يكون اشتياقك وهو يسـود عليكِ‘‘.2957 اليسوع مع السامرية

لكنّ السامرية لم تفهم هذا طبعاً فردّت عليه بأن ليس لها زوج، حيث لم يكن لها سوى عشيق تعيش معه بعد أن كان لها أزواجٌ خمسة في الماضي كما عرف ذلك يسوع بدون أن تخبره. لا يواصل القديس أوغسطين حديثه دون أن يقف عند دلالة هؤلاء الأزواج الخمسة، حيث يؤوّلها بأنها تشير إلى الحواس الخمس، فالمرءُ عندما يولد، وقبل أن يتمكّن من إعمال عقله، فالحواس هي التي تسيطر عليه وتقود حياته، وإذا لم يتلقّ الطفل التربية الروحية المناسبة فإن الحواس ستواصل السيطرة عليه إلى أجلٍ غير مسمّى. وبالتالي لن تقوده إلى الحياة الأبدية وإنما فقط إلى الأمور الزائلة التي يتحكّم فيها شيطان الزمن. فالحياة الأبدية لا يمكن الوصول إليها إلا بحياة الروح التي هي اغتراب للجسد عكس حياة الجسد التي هي اغترابٌ للروح. وذلك لأنّ ’’الله روح‘‘(يوحنا، 4: 24). وهي الآية التي بسببها جعل هيغل المسيحية الديانة الأسمى من بين كلّ الديانات، مثلما جعلها كانط من قبله.

فجأة ’’قالت له المرأة: يا سيّد أرى أنّك نبي!‘‘. (يوحنا، 4: 19) وهنا بدأ زوجها يحضر لكنّه لم يأت كاملاً بعد. ذلك أنّها، كما يرى القديس أوغسطين، اعتبرت يسوع نبياً وليس ربّـاً. ثم أضافت قائلةً: ’’ أنا أعلم أنّ مسيّا، الذّي يقال له المسيح، يأتي، فمتى جاء ذاك يخبرنا بكلّ شيء‘‘. (يوحنا، 4: 25). حينئذٍ أخبرها يسوع بأنّه هو نفسه المسيح وقال لها أن تصدقه، أن تؤمن به. فبدون الإيمان لا يمكنها أن تفهم، فبالإيمان نسلك لا بالعيان كما قال القديس بولس. حينها تركت السامرية دلوها/ شهوتها وأسرعت لتعلن الحق. إنها مثل ذلك الرجل الذي غادر كهف أفلاطون، بعدما نزع عنه أغلاله، ليتلقّى نور الحقيقة ثم عاد ليخبر أصحابه بما رآه. لكن الفرق هنا أن هذا الرجل لم يتم تصديقه بل تم قتله في حين أن السامرية خرجت للناس وأخبرتهم بما حصل لها مع السيد المسيح فصدقوها وآمن به أناسٌ كثيرون.

هكذا أصبحت تلك المرأة ثمرةً ناضجة وحان وقت الحصاد. إنه حصادٌ روحي، حصاد بالابتهاج بعدما كان الزّرع بالدموع. إنّ حديث الربّ مع السامرية الذي قد يبدو عادياً لأوّل وهلة لهو حديثٌ مليءٌ بالألغاز التي فكّ شفرتها القديس أوغسطين، والذي كانت حياته مثل حياة تلك السامرية. إنّه حديثٌ يؤرّخ لمسيرة ذلك الصراع وسوء الفهم بين لغة الروح ولغة الجسد من جهة، كما يؤرّخ من جهةٍ ثانية، وإن بشكلٍ جزئي وضبابي، لمسيرة الإنسان نحو ملكوت الربّ، في محاولةٍ منه لاسترجاع الاتصال بذلك الفردوس المفقود أو البعد المفقود كما يحلو لرسول الصحراء إبراهيم الكوني أن ينعته.

 

حمزة فنين

...............................

[1]: القديس أوغسطين، حديث الربّ مع السامرية، ترجمة وإعداد الراهب القمص مرقوريوس الأنبابيشوي، مكتبة النسر للطباعة، ط 1، 2007.

[2]: المصدر نفسه، ص 12.

[3]: انظر: "مجموعة مصنفات شيخ الإشراق"، تصحيح وتقديم هنري كوربان. وهذا مطلعُ القصّة:

’’ لمّا سافرتُ مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى بلاد المغرب لنصـيدَ طائفةً من طيور ساحل اللّجة الخضراء. فوقعنا بغتةً في القرية الظالم أهلها، أعني مدينة "قيروان". فلما أحس قومها أننا قدمنا عليهم فجأة ونحن من أولاد الشيخ المشهور بالهادي ابن الخير اليماني أحاطوا بنا، فأخذونا مقيدين بسلاسل وأغلال من حديد وحبسونا في قعر بئرٍ لا نهاية لسمكها‘‘.

وهذا تأويله:

"السفر" يقصد به سفر الروح، "عاصم" يقصد به المعرفة الفطرية، "ديار ما وراء النهر" يقصد بها العالم العلوي الروحي، "بلاد المغرب" يقصد بها عالم الحس، "صيد طائفة من طيور اللجة" يقصد بها تحصيل العلوم الجزئية، "الوقوع في القرية الظالم أهلها" يقصد به الوقوع في العالم الأرضي الحسي، "قوم القرية" يقصد به القوى الجسمانية الترابية، "الشيخ المشهور بالهادي ابن الخير اليماني" يقصد به العقل الأول الذي أفاض الأنفس والأنوار، "السلاسل والأغلال" يقصد بها الغرائز والشهوات، "الـبـئـر" يقصد بها الجسد المادي المظلم.

 

منى زيتونالزكاة -كما يعلم كل مسلم- هي الركن الثالث من أركان الإسلام، وقد شرعها الله سبحانه وتعالى طُهرة للمال، وهي صدقة إلزامية محددة القيمة وفقًا لشروط الشريعة، ينبغي على المزكي إخراجها لتُصرف في مصارفها الشرعية. والزكاة لغةً هي البركة والزيادة، لأنه على عكس ما يبدو من أنها تنقص المال، إلا إنها في الحقيقة تزيده، وما نقص مال عبد من صدقة.

وفي حياة النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن أحد من المسلمين يخرج زكاته من تلقاء نفسه، بل كان ينتظر العامل الذي يرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأخذها. وقد تطرقنا في مقال "سيكولوجية البطولة" إلى حادثة قتل مالك بن نويرة عامل الرسول على صدقات قومه بني يربوع من بني تميم بسبب صده قومه عن أداء الزكاة للخليفة الصديق، وقيل إنه فرّقها فيهم، وقيل أيضًا أنه أتلفها في هباته.

وللحقيقة فإنني أجد إغماضًا في بعض ما كتب المؤرخون حول بعض المرتدين ممن منعوا أداء الزكاة؛ وهل كانت الإشكالية لديهم في منع الزكاة تمامًا أم في عدم رغبتهم تسليمها إلى الخليفة! أي أن بعض القبائل إنفة من تسليم المال لخليفة رسول الله ربما أرادوا أن تفرق كل ‏قبيلة مال صدقات أغنيائهم في فقرائهم، ولا تؤدي منه شيئًا لبيت مال المسلمين. ولا يعنينا كثيرًا ماذا أرادت القبائل، بل يعنينا أن نفهم ماذا أراد الشرع وبم قضى.

وبالرجوع إلى كتاب الله سنجد الآية الكريمة ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: 103]. والخطاب فيها للرسول صلى الله عليه وسلم من الحق سبحانه آمرًا وموكلًا إياه في قبض الصدقات ليتولى توزيعها على مصارفها الشرعية التي حددها الحق سبحانه وتعالى في آية أخرى. ورغم أن سبب النزول كان في بعض التائبين بعد غزوة تبوك، إلا أن الأمر عام، ولا دلالة للتخصيص في الآية. كما أن الخطاب للرسول باعتباره الحاكم، وتصدق في كل حاكم بعده.

وقد ثبت في سُنته وسيرته عليه الصلاة والسلام أنه بعث عمالًا لجمع الزكاة من القبائل، كما ولى بعض أكابر القبائل على جمع زكاة قومهم. وفي كتاب الزكاة بصحيح مسلم، باب "في تقديم الزكاة ومنعها" حديث (983) عن أبي هريرة قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر على الصدقة.......".

وفي صحيح البخاري من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن، قال رسول الله: "فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم، تؤخذ من غنيهم فتُرد على فقيرهم، فإذا أقروا بذلك فخذ منهم، وتوق كرائم أموال الناس".

وفي الطبقات الكبرى لابن سعد (ج4، ص266) "وخلى بين العلاء بن الحضرمي وبين الصدقة يجتبيها. وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم للعلاء كتابًا فيه فرائض الصدقة في الإبل والبقر والغنم والقمار والأموال يُصدِّقهم على ذلك. وأمره أن يأخذ الصدقة من أغنيائهم فيردها على فقرائهم". وهنا تفويض واضح من الرسول للعلاء بتفريق المال فيهم وليس إرساله إليه في المدينة.

وما استخلصه من مجمل الآثار التي قرأتها أن الشرع قد وكّل الوالي بأخذ الزكاة، وهو بدوره يولي عمالًا لجمعها، فإن أمر عامله بتفريق ما يجمعه من زكاة القوم فيهم، أو جزء منها، جاز ذلك، وإن طلبها الوالي لزم أن تؤدى إليه.

ومن ثم فإن الخليفة الصديق لم يجانبه الصواب حين اتبع سُنة النبي صلى الله عليه وسلم وأمر عمال الزكاة بجمعها، وكان له الحق في طلب أدائها إليه في المدينة ليفرقها هو في مصارفها، وقوله: "والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه" دليل على أن الأموال التي كان يجمعها العمال من القبائل على عهد الرسول كانت تؤدى إلى المدينة، فتدخل بيت مال المسلمين، أو على الأرجح فإن جزءًا منها كان يفرق في فقراء كل قوم وجزءًا كان يؤدى إلى بيت المال.

وفي العصور المتقدمة في كثير من بلدان المسلمين، صار كل مسلم يخرج زكاة ماله بنفسه، حتى سمعنا عن فتاوى بعدم أفضلية تحريك مال الزكاة من البلد الذي ربا فيه أصل المال إلا لضرورة؛ لأن الأصل في إخراج الزكاة أن يكون من أغنيائهم لفقرائهم في المحل نفسه.

وبذا تكون هناك طريقتان شرعيتان لإخراج الزكاة؛ الطريقة الأولى تقوم على مركزية الجمع في بيت المال والتوزيع منه، والطريقة الثانية تقوم على الجمع والتوزيع في كل منطقة بشكل مستقل عن باقي المناطق. إضافة إلى طريقة التوزيع الذاتي التي يتولى فيها كل فرد إخراج زكاة ماله بنفسه.

والحقيقة إنني أتذكر هذه المقابلة بين طريقتي إخراج الزكاة الشرعيتين، كلما تداعى النقاش حول توزيع الأجور في مصر وتفاوتها البالغ بين العاملين بوزارة وأخرى.

ففي مصر يحصل العاملون في مجالي التعليم والصحة على أقل الأجور في الدولة بزعم أن هاتين الوزارتين هما وزارتي خدمات، لا تسهمان في إنعاش الميزانية العامة للدولة، بينما في الوزارات والهيئات التي تحقق دخلًا كبيرًا يحصل أقل عامل خدمات فيها على دخل أعلى من دخل مدير مستشفى! والمثالان الأشهران هما وزارة الأوقاف وهيئة قناة السويس، فكأن من أوقف أراضٍ تحت إشراف وزارة الأوقاف لم يوقفها لخدمة طلاب العلم وعمارة المساجد، بل أوقفها ليحصل العاملون بالوزارة على مكافآت تحت كل البنود شهريًا، والوضع أبلغ في هيئة قناة السويس، التي يقبض فيها العاملون رواتبًا ضخمة تحت مسميات مختلفة عدة مرات كل شهر!

فهناك أمر آخر يتعلق بنظام الأجور بخلاف قيمة الأجر؛ وهو موعد تلقي الأجر، فيوجد نظام الرواتب اليومية والأسبوعية ونصف الشهرية والشهرية ونصف السنوية والسنوية.‏ ومنذ عقود يكاد لا يُعرف في البلدان العربية سوى النظام الشهري للموظفين في القطاعين العام والخاص، ونظام الأجر اليومي للعمال في الأعمال الحرفية. واختفى تمامًا النظام الأسبوعي علمًا بأنه النظام الأفضل في مساعدة ذوي الدخول المتوسطة على ضبط نفقاتهم، وبالنسبة للوزارات التي تصرف لموظفيها حوافزًا وبدلات مرتفعة في مواعيد من الشهر تختلف عن مواعيد صرف الراتب الأساسي فإن نظام صرف الرواتب فيها –والحال كذلك- يشبه النظام الأسبوعي أو النصف شهري، وهو ما يساعد العاملين بها على أن يحيوا حياة أفضل، وهو ما لا يُتاح مثله للعاملين في الوزارات الخدمية الذين لا يحصلون على حوافز وبدلات مرتفعة.

ولا يقتصر التمييز على الأجور، بل يتعداه إلى تعيين أبناء العاملين، فكل من يعمل بمصلحة يرى أن له الحق في تعيين ابنه حتى لو كان هناك من يفوقه علمًا وخبرة من المتقدمين لشغل الوظيفة. وباختصار فإن العاملين في وزارة ما يتعاملون معها على إنها عزبة من ممتلكاتهم، أو تكية يتنعمون بها وحدهم.

بينما في الدول المتقدمة، لا يمكن أن نجد وضعًا مماثلًا لما تجري عليه الأوضاع في بلدنا؛ فتوزيع الأجور لا شأن له مطلقًا بكونك تعمل في وزارة تدر دخلًا إلى ميزانية الدولة أو وزارة خدمات، وما تتلقاه من أجر يتم تقديره وفقًا لقيمة عملك وعلمك والأخطار المحتملة عند أدائك للعمل، وغيرها من الأمور الجوهرية، وقطعًا لا يمكن بتاتًا التفكير في مسألة أن يكون من حقك تعيين ابنك لمجرد كونك من العاملين في إحدى الجهات.

وهنا أعود إلى طريقتي تصريف الزكاة والعلاقة التي رأيتها بينهما وبين طريقتي توزيع الأجور في مصر والدول المتقدمة، لقد سن لنا الشارع الحكيم الطريقة الصحيحة لتوزيع الأموال بأن تُصب الأموال أولًا في خزانة الدولة، ثم توزع على المحتاجين في كل الجهات، بغض النظر أي الجهات أعطت أكثر، بينما أبى المتقدمون إلا أن يحصروا أموال كل جهة فيها، فيأخذوا المال من الجهة ليعطوا الجهة ذاتها حتى لو كان هناك من هو أشد احتياجًا في جهات أخرى، وهذه الطريقة في توزيع الزكاة هي ذاتها ما نتبعها في توزيع الأجور؛ بحيث يحصل الطبيب والمعلم على أجر أقل مما يحصل عليه عامل في هيئة قناة السويس أو وزارة الأوقاف أو وزارة الاتصالات أو مدينة الإنتاج الإعلامي!

إن الخطوة الأولى لإعادة هيكلة الأجور هي تغيير الأفكار الموروثة عن جهة العمل؛ على اعتبار إنها التكية أو البقرة التي تدر خيرًا للعاملين عليها. وكما أقول دومًا: غيروا أفكاركم تتغير تبعًا لها سلوكياتكم.

 

د. منى زيتون

 

محمد بنيعيش

أولا: اختبار نبوءة النبي بأحداث التاريخ ومطابقة الواقع

لما عجزت قريش عن إفحام النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من الناحية المادية والمحاكاة الأدبية، وتيقنت بأنه قد لا يكفي لإحداث هذا الاستلاب وتحقيق التحدي، فقد لجأت  إلى الاستعانة بالخارج أو المعارض القريب من المكان و الميدان، تماما كما توظف بعض الدول والقوى المعارضة  الوسيلة الثقافية أو الأيديولوجية، إما علمانية صرفة أو مغلفة بغلاف ديني أخلاقي في الظاهر  لغرض ضبط الشعوب واحتوائها أو لإشعال نيران الثورات وإذكائها.

وهذا النوع من السلاح المموه هو ما كانت قد لجأت إليه قريش بذكائها الماكر  وقياسها المغالطي من خلال توظيف شيطانها النضر بن الحارث ومعه عقبة بن أبي معيط وبعثهما "إلى أحبار يهود بالمدينة، وقالوا لهما :سلاهم عن محمد، وصفا لهم صفته، وأخبراهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء...".

فلما أرسلوهما ووجهوهما بأن يسألا، لأن العلم لا يتحقق إلا بالسؤال، والمعرفة مطلب واستكشاف للمغيب: "فقالت لهما أحبار يهود :سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل وإن لم يفعل فالرجل متقول فروا فيه رأيكم :سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، ما كان أمرهم؟فإنه قد كان لهم حديث عجيب، وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه؟وسلوه عن الروح ما هي؟ فإن أخبركم بذلك فاتبعوه فإنه نبي وإن لم يفعل فهو رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا  لكم"[1].

وعن مسألة الروح هاته كتحقيق تاريخي فقد ثبت في الصحيحين أن اليهود أنفسهم سألوا  عن ذلك رسول الله بالمدينة فتلا عليهم الآية .فهي إما نزلت مرة ثانية أو ذكرها جوابا، وإن كان نزولها متقدما.ومن قال إنما نزلت بالمدينة واستثناها من سورة سبحان ففي قوله نظر :والله أعلم"كما عقب ابن كثير[2].

لسنا الآن بصدد التفصيل في موضوع قصة أهل الكهف وذي القرنين أو الروح، إذ هذا يدخل في حكم التفسير والتأويل المعرفي المعمق ولكن ما نقصده هو تبين مستوى المواجهة التي أصبحت قائمة بين النبي (ص)  والمعترضين على دعوته مع اتساع رقعتها كما ونوعا وحسا ومعنى.

إذ مسألة أهل الكهف قد اتسمت بسؤال العدد خاصة، عدد الأشخاص وعدد السنين، وذلك في عرض قضية تفاعل الزمن مع المكان وأثر ذلك على المتمكن وحيزه وأعراضه، مع الإشارة إلى خاصية الزمن المتحرك وتميزه شعورا عن الزمن الساكن وإحداثه التغيير في ذات وأعراض المتمكن وطبيعته الجسدية والروحية وكذا قابليته للنمو من عدمه.وهذا قد فتح بابا عريضا للمعرفة وتحديد المقامات وقيمتها بدقة العدد كما نجد ذكر الكلب وتكراره مخلدا باعتباره كائنا موضوعيا يدخل في صلب المعادلة ويسير والكتلة المرتبط بها وجودا وتعلقا، وإن كان مختلفا عنها روحا وعقلا وإدراكا !

في حين أن قصة ذي القرنين سيكون السؤال فيها مرتكزا على الكم واحتواء المكان الذي يصل مابين المشرق والمغرب من أقصاه إلى أقصاه، جمعا سببيا بالتمكين وبسط النفوذ والقوة، هذا مع تحديد نوع السيطرة وهندستها وطريقة توظيفها .

وبهذا فقد كان بين الموضوعين تكامل معرفي دقيق وبناء للبرهان المنطقي الصحيح الذي يتم عن طريقه تحديد طبيعة الوجود المرئي في الزمان والمكان،  وذلك بعرض الكم المنفصل - كما يعبر المناطقة - إلى جانب الكم المتصل تواصلا وتوازيا باعتبار كليهما جناحا يطير بالعارف إلى عوالم النهاية واللانهاية في هذا الوجود.

في حين أن مسألة الروح ستكون عبارة عن المطية لتحقيق المطلب، وأن معرفتها بالماهية وتحديدها قد يعمل على توظيف الكم المنفصل إلى جانب الكم المتصل لاحتواء المعرفة الماورائية أو الحقيقة الوجودية وغير الملموسة، والتي بواسطتها قد تم لأهل الكهف عبور الزمن الطويل والعديد من السنين في يوم أو بعض  يوم، وأيضا بالنسبة إلى ذي القرنين في تمكنه من المكان والأرض خصوصا، بتحويل الكم المنفصل عدديا إلى كم متصل مدديا وكتليا،  به تتم السيطرة والقهر والتحكم،  مع أنه في الواقع لا يمثل إلا وحدة عددية متمثلة في شخصه ومن معه كأفراد شأنهم كباقي النوع الإنساني.

لكن عنصر الروح فيه، وسره، هو من سيكون وراء هذه الخاصية والتمكين الذي ليس لها مصدر واستمداد إلا من الأمر الإلهي الذي لا يرد ولا يقهر(ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)[3].

إنها أسئلة جد معقدة عن قضايا أعقد منها وأشكل عند محاولة الجواب بالمقاييس العقلية العادية والتحاليل المفصلة، كما أنها تتطلب استعدادا معرفيا قويا عند المسئول وتقبلا وقوة إصغاء لدى السائل حين تلقيه الجواب المناسب.

فقد يمكن  أن تطرح سؤالا ما مع اقتناعك بأنك تعلم النتيجة مسبقا، وهذا نوع من التحكم المعرفي والذاتية المغلفة نحو الموضوع، لكنك قد تفاجأ عندما تواجه عارفا بالسؤال أكثر إدراكا لنفسيتك العميقة و أدق منك فيعطيك تفسيرات وتفصيلات وحقائق لم تكن تخطر لك على بال، فتجدك حينئذ قليل العلم ناقصه ما أحوجك إلى المزيد ! .(وقل رب زدني علما).

ثانيا: الجواب النبوي رهين بالوحي وطبيعة المسؤول عنه

كما قد يفاجأ العارف نفسه بالسؤال مع الحيرة في الجواب، ليس لأنه يجهله بل لأنه يتحرج من إنزاله في غير مقامه وعند غير أهله الذين قد يزدادون به حيرة وتيها، وهذا ليس من مقاصده ابتداء.

ومن منح الجهال علما أضاعه      ومن منع المستوجبين فقد ظلم[4]

ولقد كان في هذه المواجهة سيد العارفين وخاتم النبيين والمرسلين طبيب القلوب وجراح العقول سيدنا محمد  (ص) وهو المؤهل لكل الإجابات عن أي سؤال وفي مقامه المناسب على قاعدة (وأما السائل فلا تنهر) وأيضا على مبدأ"سل عما بدا لك"كما أجازه لبحيرى سبق وبيناه في كتاب :نور الأمين.

لكن بما أن المسالة هي عن أحكام الغيب وعن الماهيات الوجودية فإن الرجوع فيها دأبا وسلوكا ينبغي أن يكون دائما إلى مالكه وربه وهو الله سبحانه وتعالى (عالم الغيب والشهادة)، (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء)(ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير).

وهنا جاء الرد لما أتوا إلى رسول الله (ص)  فقالوا:يا محمد أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول قد كانت لهم قصة عجب، وعن رجل كان طوافا قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وأخبرنا عن الروح ما هي ؟قال:فقال لهم رسول الله (ص)  :"أخبركم بما سألتم عنه غدا"ولم يستثن، فانصرفوا عنه فمكث رسول الله (ص)  -  فيما يذكرون – خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه في ذلك وحيا ولا يأتيه جبريل، حتى أرجف أهل المدينة، وقالوا :وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه، وحتى أحزن رسول الله (ص) مكث الوحي عنه وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبريل من الله عز وجل بسورة الكهف : فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم وخبر ما سألوه عنه من  أمر الفتية والرجل الطواف (ذي القرنين)والروح"[5].

إنه  لامتحان كبير للنبي (ص)  شبيه بمسألة توقف الوحي عند بدايات نزوله، ثم استئنافه بسورتي الضحى والشرح، بل إن هذا الأخير أعسر وأحرج من الأول وذلك لما فيه من تجاذبات معرفية وسلوكية ونفسية واجتماعية، ولما فيه من إثبات خصوصية الدعوة الإسلامية وأنها ليست ملكا للنبي (ص)  كشخص حر له الحق في الإجابة متى شاء وكيف أراد وعلى ما بدا له.

إذ هنا جاء التوقف بعد سؤال التحدي وبعد الوعد بالإجابة غدًا زمانا محددا، يقينا وتحقيقا من الرسول بأنه يستند على مصدر معرفي لا يخطئ ولا يتشابه عليه الأمر  فيه و لا يخلف ولا ينسى، وهو المالك لزمام الأمر وبيده المدد وإليه المرجع.

فلا الملائكة ولا الأنبياء ومعم الأولياء لهم الحق في الإحاطة بعالم الغيب والنفوذ إلى مجاله أو التصرف فيه إلا بإذن من الحضرة العلية الإلهية، منه سبحانه لا معقب لأمره.

لهذا فلما أخبر الرسول سيدنا محمد (ص)  الروح الأمين جبريل عليه السلام عن سبب احتباس الوحي عنه لمدة وتأخره في تلك الفترة الحرجة وأمام التحدي المطروح  كان الجواب من الحق تعالى على لسان الملائكة يتقدمهم جبريل عليه السلام:(وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا)[6].

وبالمقابل جاء الخطاب موجها إلى شخص النبي  (ص) في سياق التمييز بين مقام الألوهية ومقام العبودية فيما يخص امتلاك المعرفة ذاتيا أو بالوساطة وضرورة الرجوع إلى الحق لتثبيتها به وإليه ومنه، على قاعدة :"عرفت ربي بربي ولولا ربي ما عرفت ربي".

وبهذا فلن يكون نسيان أو احتجاب وإنما كانت مرحلة تربية وترقية وتثبيت أرادها الله تعالى  لنبيه ورسوله وحبيبه سيدنا محمد (ص)  إذ قال له :( وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24))[7].

فالنبي (ص) بحكم حرصه على هداية قومه ومواجهته للتحدي سيكون بالطبع يريد الجواب في الحين، ليس من أجل تثبيت نفسه وإرضائها ولكن لإقناع غيره وغيرة على ربه ومرسله من أن يُكفر به أو يُشك فيه.وهذا الحرص سيزيده مقاما على مقام وعبودية على عبودية وأمانة على أمانة، وهو يمثل درجة عالية من الإخلاص لله تعالى في توحيده و طاعته ونصرة دينه، والإخلاص في خطابه لقومه وحرصه على هدايتهم وإنقاذهم بالمعرفة والعلم كأهم عنصر في الدعوة وأرسخه في تثبيت العقيدة والإيمان.

ولكن(ما ودعك ربك وما قلى) و(قل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا).إنه خطاب القرب والازدياد منه كي ينزله حيث أنزله الحق سبحانه وتعالى.

 

الدكتور محمد بنيعيش

.....................

[1]  ابن هشام:سيرة النبي ج1ص321

[2]  ابن كثير:السيرة النبوية ج1ص485

[3] سورة الإسراء آية 85

[4] جزء من قصيدة للشافعي مطلعها :أأنذر ذرا بين سارحة البهم

[5] ابن هشام:سيرة النبي ج1ص321

[6] سورة مريم آية 64

[7] سورة الكهف آية 24

 

 

 

محمد بنيعيشأولا: الدعوة النبوية في مواجهة العوائق النفسية وأوهام النِّدية

يصوره لنا طه حسين في كتاب "على هامش السيرة"شخصية أبي مرة كاسم مستعار لإبليس وهو مصاحب لأبي جهل عمرو بن هشام كالتالي:

"قال الشيخ وهو يقدم القدح إلى عمرو: "اشرب أبا الحكم ودع عنك هذه الخواطر ! فلقد صدقتك نفسك حين حملتك على بغض هذا الرجل - يعني النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم_ ، ولئن حمدت فيك شيئا فإنما أحمد فيك هذا البغض العنيف، هذا البغض الذي لا يعرف رحمة ولا هوادة ولا لينا ولا أناة ، وإن هذا البغض على عنفه وشدته لقليل بالقياس إلى ابن عبد المطلب.

قال عمرو: أبينك وبينه دم؟ّ!.

قال الشيخ: ليس بيني وبينه شيء، وإنما الشر كل الشر بينك أنت وبينه، أتذكر حين زحمك عند ابن جدعان ؟إن ذلك لم يكن إلا رمزا لما سيكون بينك وبينه من خصام لا يحده إلا الموت .إنك لا تعرف من أمر ابن عبد المطلب شيئا.إنك ترى قومك يكرمونه، والشر كل الشر في إكرامهم له.إنه يدبر لهم من الأمر ما سينغص عليهم أيامهم، ويؤرق عليهم لياليهم ويكدر عليهم صفو الحياة..." .

هذه هي طريقة إبليس اللعين في وسوسته، وأفكاره القسرية، واستغلاله الحادث البسيط العابر ليضخمه ويؤوله إلى قضايا كبرى، مستقبلية متوجسة وواهمة ، لم تكن تخطر في بال المعني ولم يقصدها ابتداء وغاية، ولكنه التأويل في غير محله والإيقاع في شباك الفتنة من منطلق نفسي أهوائي مريض لا غير.

حتى إن هذا الحقد والحسد سوف لن يبقيا في حدود شخصية وفردية ولكن الأمر سينتقل ويتحول إلى تجييش وعدوى في العقل الجماعي تعمل على تفتيت العصبيات والفتك باللحمة الوطنية والقومية ، من غير مراعاة لأواصر النسب والدم ولا للتاريخ ومقتضى الروابط المؤلفة بين الشعوب والقبائل !!!.

ويمضي هذا الحوار المتناسب مع تحليلنا لنفسية أبي جهل وإبليس معا، باعتبارهما نواة رئيسية للحقد والحسد ومعاداة الدعوة وصاحبها تحت تأثير العصاب والتعصب.

قال عمرو وهو يعب في القدح عبا شديدا: "وما بال السماء لم تختر لأمرها غير محمد؟! أليس في قريش إلا محمد؟ !.

قال الشيخ وهو يبتسم ابتسامة منكرة: كلا ! ليس في قريش غير محمد، ليس فيها الوليد بن المغيرة ، وليس فيها أمية بن خلف ، وليس فيها عتبة بن ربيعة ولا شيبة بن ربيعة ، وليس فيها أبو الحكم عمرو بن هشام فتى مخزوم وسيدها ! .

قال عمرو وقد ظهر في وجهه غيظ شديد: أما إذا قلت ذلك فإن مخزوما كلها لتبغض هاشما كلها، وقد كنت أنقم من بني أمية تكلفهم وأنفس عليهم جدهم في تجارة قريش وحرصهم على سيادتهم، فأما الآن فلا والله ما أبغض أحدا كما أبغض بني هاشم ، ولا أجد من الضغن على أحد كما أجد على فتاهم هذا الذي يسمونه الأمين ! " .

ثانيا: الاستعداء الجماعي والتمويه الثقافي ضد دعوة النبي صلى الله عليه وسلم

بهذا إذن فقد يصبح الحسد ممزوجا بخواف الجبن والقلق مهيأ ليتحول من مسألة شخصية إلى استعداء جماعي وحرب شاملة كتعويض عن النقص الذي يقاسي منه الحاسد في سويداء قلبه تجاه المحسود !

كما سيسعى به إلى تفرقة شمل الجماعة وتشتيتها في صورة عدائية وإسقاط النتائج على الآخر، وهو الشيء الذي سيكرر تعبيره مرارا كفار قريش عند زعمهم واتهامهم للنبي (ص) بذلك، بينما الفرقة والاضطهاد قد جاءا من قبلهم وبخلفيات حسدهم وتكبرهم ، على رأس قائمتهم أبو جهل الذي سيسعى بكل جهده وخلفيات حسده إلى تحويل الصراع من فردي عُصابي إلى عقل جماعي ظلامي، تسلسلت بعده جل المصائب والمضايقات التي طالت الرسول (ص) وأصحابه ، بل أقرب عشيرته من بني هاشم كان في مقدمتهم عمه أبو طالب بالرغم من سيادته ورئاسته لقومه.

وفي سورة اقرأ عند قول الله تعالى: ( فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18)) سنرى إشارة إلى ما نحن بصدد تحليله من محاولة أبي جهل نقل الحسد الشخصي وضعفه النفسي المتهاوي إلى الاستعانة بالكتلة الجماعية لقريش الكافرة، أو بعبارة عصرية سياسية ، إلى تدويل الصراع ، وذلك سعيا منه إلى توريط الجميع في خندق المعارضة الخاسرة والدمار الشامل الذي ما بعده من جبر !

وهذا فعلا ما سيؤول إليه حال صناديد قريش وزعمائهم من ذوي السلطة والجاه والمال في المجتمع، والذين كانوا قد دعا عليهم النبي (ص) خصوصا لما بالغوا في الإيذاء والجرأة على قدسية المقام العالي بالله تعالى.

فقال: "اللهم عليك بهذا الملإ من قريش ، اللهم عليك بعتبة بن ربيعة، اللهم عليك بشيبة بن ربيعة ، اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، اللهم عليك بعقبة بن أبي معيط، اللهم عليك بأبي بن خلف -أو أمية بن خلف -...

قال عبد الله: فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر جميعا ، ثم سحبوا إلى القليب غير أبيّ أو أمية بن خلف فإنه كان رجلا ضخما فتقطع.

وفي رواية: أنه (ص) عين في دعائه سبعة: "وقع في أكثر الروايات تسمية ستة منهم: وهم عتبة، وأخوه شيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، وأبو جهل بن هشام، وعقبة بن أبي معيط، وأمية بن خلف.

قال ابن إسحق: ونسيت السابع.قلت - أي ابن كثير-: وهو عمارة بن الوليد، وقع تسميته في البخاري" .

أما غيرهم فمنهم من ابتلاه الله بأمراض شديدة فهلك منها كأبي لهب والعاص بن وائل والوليد بن المغيرة .

كما سيشخص لنا النبي (ص) هذه المرحلة من الإيذاء المادي والمعنوي في أوجز عبارة وأدق تصوير بقوله: "لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد ، وأخفت في الله وما يخاف أحد ، ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال ما يأكله ذو كبد إلا ما يواري إبط بلال ! " .

إن الإيذاء بمجرد الإيذاء لم يعد يجدي ولم يعط نتائجه المرجوة عند قريش وذلك لأنه تحدي بدائي همجي لا يمكنه أن يقاوم ما جاء به الرسول (ص) من رسالة فيها حقائق الوجود كله وفيها عقائد وتشريع وإخبار بالغيب ، كما فيها إعجاز بياني ولغوي ما بعده من بيان.

وبما أنهم في هذا المجال - وهم بالطبع بدائيون وبدويون ، بالرغم من أنهم بيانيون ورواد اللغة والتعبير - لا يمتلكون من الطاقة لمواجهة هذه القوة الإعجازية والحمولة الإخبارية التي جاء بها القرآن الكريم فقد لجأوا إلى العالم المتحضر أو المتمدن في عصرهم ، أو بالأحرى لجأوا إلى الاستعانة بالثقافة الخارجية لتوظيف المعرفة الدينية السابقة كمحاولة لكسر هذا التحدي بالندّية المتوهمة لديهم وإضعاف أثر قوة الخطاب القرآني بقدر الإمكان.

وهنا ستبتدئ مرحلة الحرب الثقافية والمراوغة العقدية علها تثني أو تفتح فجوة اختراقية للخطاب القرآني ، ولو كانت جد صغيرة، كمحاولة لإبراز تناقضه وكذا الترصد ضد أقوال النبي (ص) حتى تتخذ ذريعة لصد الناس عن الاستماع والاستمتاع بنور الرسالة وفيضها ألفاظا ومعاني.

فكان من أبرز من وظف هذا المجال كبديل ثقافي مموه هو النظر بن الحارث الذي كان يعد من شياطين قريش"وممن كان يؤذي رسول الله (ص) وينصب له العداوة ، وكان قدم من الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس وأحاديث رستم واسفنديار .فكان إذا جلس رسول الله (ص) مجلسا فذكر فيه بالله وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله خلفه في مجلسه إذا قام ، ثم قال: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه ، فهلم إلي فأنا أحدثكم أحسن من حديثه ، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسفنديار ، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثا مني؟ ! " .

وهذا النوع من التحدي لهو من أخطر أنواع الصرف الذاتي والتمويه المعرفي ، خاصة إذا أضيفت إليه قيمة الاستيراد من الخارج باعتباره بلدا متمدنا وحضاريا سباقا ، وهو ما قد يؤدي إلى الانبهار والاستلاب ، كما الاستهانة بكل ما هو محلي ويدخل في حكم الإنتاج الداخلي والزهد في من جاء على يده، وذلك بحسب المقاييس البشرية العادية ومنطق التأثير والتأثر.

إذ الفرس قد كانوا حينذاك بمثابة الدول الغربية اليوم وتطلع الشعوب والفقيرة ، وحتى دولها غير المتقدمة اقتصاديا وعلميا ، إلى ما قد تعتبره تفوقا ومثالا ينبغي أن يحتذى ويقتدى به.يتبع...

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

 

 

احمد بابانا العلويفاتحة: يعتبر الزعيم المجاهد علال الفاسي (1910/1974) من اكبر إعلام الوطنية المغربية .. وأبرز علماء الإسلاموقادة الفكر المجددين الذين أثروا في توجهات المجتمعات وتطورها.. ونهوض الثقافة العربيةالإسلامية في القرن العشرين ..فلا غرو إذا استأثر باهتمام كبار الكتاب والباحثين والمستشرقين في الشرق والغرب... باعتباره أحد رواد الفكر الإصلاحي التجديدي وزعيما قاد الكفاح ضد الاستعمار وناضل من أجل بناء الاستقلال ...

ولا مراء أنه كان فريدا بين رجال عصره .. ولاسيما في باب صفات الرجحان الامتياز ..

كان صاحب رأي ورؤية في الاجتماعيات  والعقليات يمكنه الاستدلال عليه والمدافعة عنه....

كان الإمام مالك (ت179هـ) نموذجه الذي اقتدى به في الذب عن السنة وحماية الشريعة  ومجاهرته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... ، ونهج نهجه  في الصدع بالحق وإقامة العدل  ومقاومة الجور والطغيان والبدع والأهواء... وتزكية القلب وتفتح الذهن وتنمية المعرفة.

وقد ثمن العلامة علال الفاسي إختيار المغاربة لمذهب مالك الذي يجمع بين المحافظة على السنة والتفتح على طرق المصلحة  والحث على النضال في نشر الدين وحمايته من الأهواء المهوية  والبدع المغرية(1)، فالإسلام هو الدين الإلهي الذي جاء به الأنبياء والرسل  وختم برسالة النبي الخاتم فجاء مصدقا لـما بين يديه ومصلحا لما أفسدته الأهواء...

-1-

الدين الإلهي هو استجابة للفطرة الإنسانية للتعريف بالحقيقة فيما لا يمكن إدراكه من أمور الغيب بغير الوحي، والتدليل عليها بالبرهان الذي يثبت إمكانها ويسير بقبول الإيمان بها، وتشريع الأحكام  يقوم عليها مجتمع سليم يتحكم فيه العقل وتسوده القيم ...."(2)

ويسترسل في شرح فلسفةالإسلام الدينية بالقول أنها ترتكز على توحيد الله وتنزيهه، وعدم الخضوع للطغيان البشري  في الحكم وفي السلوك  وذلك هو جماع العقيدة الأساسية للإسلام ومنها يمكن استخراج كل ضروب  الفلسفة  في معرفة الوجود الحقيقي، ومعرفة مركز الإنسان في الكون والقيم الأخلاقية التي يقتضيها توحيد الألوهية والربوبية ففلسفة الإسلام تأخذ بالحجة والبرهان لكي يطهر قلوب الناس من درن الشرك وعقولهم من آثار الطغيان نتيجة فساد القيم الاجتماعية....

ومهمة الرسول كانت الإرشاد بتبليغ الوحي وتربية الناس على مقتضى القيم الأخلاقية التي تزكى النفوس وتصقل الأذهان وتنير العقول بالحض على التعلم ونشر العلم  والعلماء هم ورثة النبي ينشرون الحكمة التي تعني في نظر علال الفاسي العلم والفهم و الفقه في شؤون الحياة، ويستشهد بما قاله  ابو بكر المعافري (ت543هـ).بهذا الصدد "بان ليس للحكمة معنى إلا العلم  ولا للعلم  معنى إلا العقل، إلاأن في الحكمة إشارة إلى ثمرة العلم وفائدته ولفظ العلم مجرد من دلالته على غير ذاته  وثمرة العلم بموجبه التصرف بحكمة و الجري على مقتضياته في جميع الأقوال واللأفعال(3)، فالقران يدعو إلى التفكير والنظر، ويحارب التقليد  ويحث العقل  على التبصر والتأمل  والتدبر... و الفلسفة تعني النظر والدليل  والاسلام يدعو إلى النظر والتبصر والـمراد أن يصل الإنسان إلى الحكمة والحكمة تتضمن أصول الدين وأصول العلم النافع  وأصول العمل الصالح...

وكل ما تدل عليه  الأدلة العقلية فهو ثابت بالسمع والعقل...(4)

والخلاصة التي ينتهي إليهاأن المدارس في الفلسفة الإسلامية لا تحصر نظرية المعرفة في التجربة أوفي الاستنباط الرياضي ... لان المعارف الكسبية فرع عن المعارف الضرورية والمعارف الضرورية الكلية فرع عن المحسوسات الجزئية والمحسوسات أصل الاعتقادات  ولا يصح الفرع إلا بعد صحة الأصل ..(5).

إن الفلسفة هي كل محاولة عقلية لتفهم الكون وبناء المجتمع...

وفلاسفة الإسلام الغزالي وابن تيمية  وابن خلدون استمدوا فلسفتهم من الأصول الثابتة للحكمة فوراء العقل إدراك أسمى يتمثل في نور الوحي و إلهام المتصوفة والفارق  عظيم بين ماهو ضد العقل وما هو فوقه  وفوق ما يدرك بالعقول  المحدودة وهي التي يجب  أن تقوم عليها العقائد الدينية..

وقد استقل فلاسفة الإسلام بآرائهم يفكرون ويستنتجون عن طريق الأدلة والبراهين..

وللمسلمين فلسفتهم ونظرتهم للحياة وطريقهم في مواجهة المسائل بالحكمة التي تعني العلم والفكر...لأنه بالعلم والفكر يمكن بعث حضارة الإسلام وتجديد منهجها في الحياة....(6)

فتقدم المعرفة رهين بحرية الفكر من أجل تحقيق غاية إنسانية عن طريق التضحية والانعتاق من القيود التي تكبل الإرادات ، لأن أول مظهر للحرية هو الإرادة وتاريخ الإنسانيةكله  هو تاريخ الحرية  وما كان كفاح قوم  إلا من أجل الحرية ... لأنها الغاية التي تسعى لتحقيقها جميع الأمم و تتطلع إليها وبذلك فهي مرادفة للمدنية التي تعني اطراد التقدم وتتجه في مسيرتها نحو إنسانية تزداد وعيا بذاتها ....(7) فالحرية الحقيقية هي القيمة التي تحرك الفكر وتدفع الإرادة للعمل....

لا يسمى العقل عقلا إذا كان يفكر بإرغام من الخارج.. لان العقل لا يميز الخير من الشر إلا بذاته، لا بإلزام خارجي، وإلا فليس هو بعقل..

فالعقل وسيلة للمعرفة، ولكن في حركته مع الحياة ... والتجربة الوجودية وسيلة للمعرفة، ولكن في تفاعلها مع العقل أي مع الوعي الإنساني الباحث عن الوجود  وأعظم صفات الله انه يتصف بكامل الحرية قادر على فعل ما يشاء لا معقب  لحكمه  ولا راد لإرادته فالحرية الإلهية هي الحرية الخلاقة كل شيء يصدر عنها وفيها وبها...(8).

وقصارى كمال الإنسان أن يتخلق بنور الله، فكمال حريته بقدر كمال إرادته، وإرادته محدودة بقدر ما تتسع لها إنسانيته...(9).

لقد وقع بعض الفلاسفة في خطأ عميق إذ حاولوا إحلال اللامتناهي في المتناهي أو تجريد كل موضوع في المطلق ...

إن  الحرية مجموع العمل النفسي للتوفيق بين الارادة وبين المعرفة، وليست مجرد شعور ثابت كما يؤكد البعض....

-2-

ويرى الإمام الغزالي قبل ديكارت بأن العقل وحده هو الذي يثبت الوجود الذي هو عين الحرية...

وأصحاب الجبر الذين يقولون بأن كل شيء خاضع لناموس طبيعي ويجعلون الضمير خاضع لعوامل خارجية، وهذا بالفعل ما يحتقر الضمير وينزله عن صفة الوعي الذي يجعله يختار أن يستعمل عند الحاجة مسؤوليته..

والحرية أعظم صفات الوجدان الإنساني، وهي تتحقق بالمواءمة بين المعرفة والارادة ... ولكي أكون حرا علي أن أختار  وكلما عرفت ما هو حق  وما هو خير، يسهل الإمعان في الاختبار (10).

لقد عرفت البشرية منذ نشأتها ثلاثة مصادر للمعرفة الدين والعقل والحس وكل الإتجاهات العقلية تتأرجح بين اختيار  واحد منهما على أنه منشأ المعرفة اليقينية الثابتة... وعن الجدل الدائر حولها تكونت المذاهب الفلسفية الغربية:

فالحرية واجبة الوجود بمعنى أنها انبثاق واستقلالية ذاتية ناشئة عن حركية واجبة الوجود كحركة حرة... (أصلها في الاختيار).

الواجب القانوني عقلي تأمر به الإرادة وتحقيقه في شخص الفاعل الأخلاقي منظور إليه في ذاته... كمثل أعلى للأخلاق والعمل الأخلاقي الذي ترمي إليه الحرية عن طريق الاستقلال الذاتي إنما هو المواءمة بين العقل وبين الإرادة....

فالجدل يقع في الأفكار والأشياء وجدل الفكر ليس إلا نتيجة لحركة الأشياء، وإنما كان الفكر جدليا لأنه يرسم جدل الواقع....

وإذا كان العقل سابقا على المادة وبناء  على ذلك فالمعرفة الصحيحة ليست مستوحاة من الوجود الواقعي المادي، ولكن مصدرها  الصحيح هو العقل، والوحي هو الذي يعطي اليقين وليس الواقع....(11).

والتعويل على العقل في أمر العقيدة وأمر التبعية والتكليف... والقرآن لا يذكر  العقل إلا في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به والرجوع إليه... ولا تأتي الإشارة إليه في كل من مواضع من مواضعها مؤكدة جازمة باللفظ والدلالة،  وتتكرر في كل معرض من معارض الأمر والنهي التي يحث فيها المؤمن على تحكيم عقله  أو يلام فيها المنكر على إهمال عقله وقبول الحجر عليه... وتأتي الإشارة إلى معاني العقل لتشمل وظائف الإنسان العقلية على اختلاف أعمالها وخصائصها...

فلا ينحصر خطاب العقل، في العقل الوازع ولا في العقل المدرك، ولا في العقل الذي يناط به التأمل الصادق والحكم الصحيح، ويعم الخطاب القرآني كل ما يتسع له الذهن الإنساني من خاصة أو وظيفة،وهي كثيرة إذ هي جميعا مما يمكن أن يحيط به العقل الوازع والعقل المدرك والعقل المفكر الذي يتولى الموازنة والحكم على معاني والأشياء...

فالعقل في مدلول لفظه العام ملكة يناط بها الوازع الأخلاقي و المنع على المحظور والمنكر... ومن خصائص العقل ملكة الادراك التي يناط بها الفهم والتصور وهي على كونها لازمة لادراك الوازع الاخلاقي وادراك أسبابه وعواقبه تستقل أحيانا بادراك الامور فيما ليس له علاقة بالأمر والنهي.

ومن خصائص العقل أنه يتأمل فيما يدركه ويقلبه على وجوهه، ويستخرج منه بواطنه، وأسراره ويبني عليه نتائجه وأحكامه وهذه الخصائص في جملتها تجمعها ملكه، "الحكم"... وتتصل بها ملكة الحكمة وتتصل كذلك بالعقل الوازع إذا انتهت حكمة الحكيم به إلى العلم بما يحسن، وما يقبح وما ينبغي له أن يطلبه وما ينبغي له أن يأباه...

ومن أعلى خصائص العقل الإنساني "الرشد" وهو مقابل لتمام التكوين في العاقل الرشيد ووظيفة الرشد فوق وظيفة العقل الوازع والعقل المدرك والعقل الحكيم لأنها استيفاء لجميع هذه الوظائف وعليها مزيد من النضج والتمام والتمييز بميزة الرشاد حيث لا نقص ولا اختلال وقد  يؤتى الحكيم من نقص في الادراك وقد يؤتي العقل الوازع من نقص الحكمة ولكن العقل الرشيد ينجو للرشاد من هذا وذاك...(12).

-3-

فظاهرة التفكير في الفلسفة الإسلامية تشمل العقل الإنساني بجميع أبعاده ومكوناته ووظائفه وبجميع خصائصها ومدلولاتها...

إن التنويه المتكرر بالعقل في الخطاب القرآني تأكيد على فريضة التفكير في الإسلام وتبين أن العقل الذي يخاطبه الإسلام هو العقل الذي يعصم الضمير ويدرك الحقائق ويميز بين الأمور ويوازن بين الأضداد ويتبصر ويتدبر ويحسن الادكار والروية....

والإسلام دين لا يعرف الكهانة ولا يتوسط فيه السدنة والأحبار بين المخلوق والخالق... فلا ترجمان فيه بين الله وعباده.... ودين بلا كهانة لن يتجه فيه الخطاب بداهة إلى غير الإنسان العاقل حرا طليقا من كل سلطان يحول بينه وبين الفهم القويم والتفكير السليم....(13).

إن الحرية التي تضمن للناس أن يتعايشوا فيما بينهم في حدود القانون في دائرة التضامن العام إنها ليست حرية النفس المطلقة لأنها خاصة بالفكر وعلاقته بالإرادة وبالواقع ولكن الحرية المدنية التي مناطها الحياة الاجتماعية وهي أصل كل الحريات الأساسية لأنها تتعلق بحياة الإنسان وترجع  إلى إثبات قيمته وضمان كرامته كفرد وهي التي تتيح له أن يتقدم نحو الحرية الكاملة، كمثل أعلى...(14)

إن الإنسان مركب من حيوانية هي بشريته ومن روحانية  هي فطرته ويرى علال الفاسي أن للفطرة معنيين، الأول في كونها صفة روحانية إنسانية ممثلة في المروءة التي وضعها الله في الإنسان ليتحمل المسؤولية وإدراك الحرية والمعنى الثاني أنها جملة من الإمكانات العقلية والمعرفية والمدنية....(15)

فإذا بلغ الإنسان هذا المبلغ فقد انتهى إليه بالعقل والعلم والإيمان... على توافقه.... وكلمة سواء...

4-

العلامة علال الفاسي مفكر موسوعي متعدد الأبعاد غزير الإنتاج وقد ضمن كتابه النقد الذاتي مشروعا فكريا متعاملا جعل مرتكزه أن من يطلب الحرية يجب أن يعلم التفكير في معانيها، فالحرية تكمن في يعد المرء نفسه لمبدأ صحيح وعقيدة ثابتة ويعمل ويكافح من أجل تحقيقها، ويرعاها في سلوكه وأعماله وتفكيره.

فالفكر الحر لا يستطيع أحد أن يقيده ويجب أن نعرب عما يخالج نفوسنا من آراء وتستعد للتضحية بالنفس والغالي في ذلك، فالأمة التي تعتاد التفكير هي التي تستطيع التفريق بين الدعوات الصالحة وغيرها وهي التي تستطيع أن تنجب نبغاء الفكر وقادة الرأي وزعماء الإصلاح...

وإن تعميم التفكير في الأمة هو سبيل نهوضها وتحريرها ....(16)وقد ذكرت في كتابي عن علال الفاسي ، إن المشروع الفكري المعرفي لعلال الفاسي يتسم برحابة النظر والمعرفة الواسعة، وقد أتاحت له الدراسة المعمقة لكل من الثقافة الإسلامية والثقافة الغربية الحديثة بناء رؤية تركيبية تجمع بين الأصالة والمعاصرة استطاعت أن تتكلم لغة العصر بدون تحرج وبعيدا عن سوء الهضم العقلي...

جعل من الحرية التي هي جوهر إنسانية الإنسان الأساس والمنهج والطريق إلى الريادة والسبيل إلى النهوض الحضاري..."

إن ما توخيناه من هذه الدراسة.. هو  الوقوف عند بعض مظاهر التفكير الفلسفي في المشروع الفكري لعلال الفاسي...

ونعني  بالتفكير الفلسفي ما تضمنته أبحاثه في التاريخ والاجتماع والشريعة والسياسة من مصطلحات يراد بها البحث في النظريات والأفكار التي تصاغ منها وجهة نظر حول الوجود والمجتمع... وتنظر في العقيدة الإلهية، وفي أصول الخلق والوجود والشرائع والنظم الاجتماعية... وقد خاض فلاسفة الإسلام ومفكريه وعلمائه قديما وحديثا في كل باب من هذه الأبواب على أوسع مدى وأصرح بيان...

وتتجلى سعة الإسلام في أن كبار فلاسفة الاسلام خاضوا غمار الأفكار الفلسفية (اليونانية والهندية والفارسية) وعرضوا لكل مشكلة من مشاكل العقل والإيمان وتكلموا عن وجود الله  ووجود العالم ووجود النفس...وخرجوا من سبحاتهم الطويلة  في هذه المعالم والمجاهل فلاسفة مسلمين دون أن يعنتوا أذهانهم في التخريج والتأويل...(17).

إن المتأمل في  فلسفة البحث والنظر عند علال الفاسي سوف يتضح له بجلاء أنها مستمدة من منهج الأصوليين (علماء أصول الفقه) الذي يقوم على السبر والتقسيم من خلال بنائهم المعرفة الأصولية في صورة قواعد تجمع جزيئات كثيرة وضوابط تندرج تحتها أحكام متعددة توحي بمعانيها الاستقرائية للنصوص الشرعية...(18)

وقد عرف الغزالي الاستقراء بأنه تتبع الحكم في جزئيات كثيرة داخلة تحت معنى كلي فالاستقراء على هذا المعنى يعمل على ربط النتائج بالأسباب وذلك بتحديد القوانين التي تضبط هذه الظواهر وبنياتها الداخلية ... وعند الجرجاني فإن الاستقراء هو الحكم على الكل لوجوده  في أكثر جزئياتها....(19).

وحدده المعاصرون  بأنه كل استدلال تجيء النتيجة فيه أكثر من المقدمات التي ساهمت في تكوين ذلك الاستدلال (وهو تلك العملية التي بواسطتها يمكننا الانتقال من معرفة الواقع إلى القوانين التي تخضع لها..(20).

-5-

المنهج الأصولي هو منهج بحث وتتبع ونظر فائدته بيان المسائل وسبر غورها وفهم الخطاب جملة، ليكون الانتهاء إلى جواب شامل وصياغة قاعدة عامة وقانون، تكشف وتفسر حقائق الأمور....

يعتبر علال الفاسي  مفكرا أصوليا، متشبع بالمنهج وملتزم بأصوله  وقواعده، وانشغل باعتباره مفكرا مقاصديا بتأصيل القيم الفلسفية الراهنة للإنسان المعاصر وحاجته المعنوية وضروراته القيمية  وهذا ما دفعه في أبحاثه ودراساته الفكرية الى تناول القضايا المتعلقة بالسياسة والاجتماع والحرية والديمقراطية والعدل والمساواة ... ومقاربتها في عداد الكليات الشرعية الضرورية.

فكان النظر الفلسفي جزءا مهما في السجال العلمي والتدافع المعرفي المعاصر بين التصور الإسلامي وغيره من التصورات الفلسفية الحديثة. وقد انتهى الأمر بالخطاب المقاصدي المعاصر إلى استدعاء الواقع لاكراهاته وضروراته الوجودية في التقصيد للكليات الشرعية..(21).

إن الشريعة نظام كلي للحياة ومقاصدها تعم سائر مجالاتها المتنوعة خاصها وعامها دقيقها وجليلها....

وإذا كانت الغايات الكبرى للبشر، لا تمر إلا عبر تمثلات واقعية للقيم الإنسانية المطلوب العناية بها والاهتمام بقدرها لأنها تخدم بدورها حفظ الكليات الضرورية في استمرار الحياة وتقدمها.... (22).

فقد وقف علماء الإسلام عند أسس الهيمنة الحضارة الغربية... وخطر آليات التثاقف والنظر على جملة القيم الإنسانية والروحية والدينية الواجب صيانتها وحفظها في مجالات التواصل القيمي لمنع الهيمنة  الثقافية على الإرادات البشرية....

فالروح الإسلامية تستمد مقوماتها من المنهج القرآني الاستقرائي الذي ينأى أشد النأي عن التصور الميتافيزيقي والمادي للحضارة الغربية فكان من المحتم ،أن يكون للمسلمين منهجهم في البحث تقوم عليه مقومات حضارتهم العلمية، ويكون طابع تلك الحضارة الأساسي وجوهرها الوحيد (23) من هذا المنهج استمد علماء الإسلام ومفكروه في جميع العصور الروح الملهمة والقوة التي  تدفع بالحياة إلى التجديد و التطور والرقي.

وقد جاء الإسلام لتطوير الحياة وذلك بإطلاق الطاقات نحو الإنشاء العمراني والسمو الأخلاقي والروحي..و ضمن هذا السياق يندرج فكر علال الفاسي الفلسفي الإصلاحي التجديدي.. ودعوته إلى بعث ونهوض حضاري انطلاقا من كون  الإنسان يؤمن في أعماقه ووجدانه بمعرفة الفكر... لأن صلته عميقة بهذا الوجود غير المحدود وهي أبعد غورا من الصلات الحسية التي تحصرها العلوم المتغيرة... ويعلم علمايقينيا أن الصلة وراء ذلك لن تكون إلا بالإيمان. والإسلام عقيدة حية وإنها لب ووجدان وتفكير وإيمان...

ولابد للجماعة من دين  يهديها إلى الفكر ويهديها الفكر إليه..

خاتمة:

بعد أن عرضنا جملة من الافكار والطروحات التي تصب في مجال التفكير الفلسفي نختم بالسؤال الذي قد يخطر  ببال القارئ : هل كان علال الفاسي فيلسوفا وبأي معنى؟

يشبه هذا السؤال سؤال  طرح على الشيخ محمد عبده (ت 1905هـ) "من يكون الفيلسوف؟ فأجاب بأن الفيلسوف هو الذي له رأي في المسائل العقلية والاجتماعية يمكنه الاستدلال عليه والمدافعة عنه" ، ويمكن أن نضيف إلى هذا التعريف لمفهوم الفيلسوف بأنه صاحب الفكر الذي يروم الاصلاح أي تصويب ما أعوج وتجديد ما تآكل، وإعادة ترميم وتطوير وبناء لنظام الثقافة والمجتمع..

والعنصر الثاني الذي ينطوي عليه مفهوم الفيلسوف هو أن الفلسفة ممارسة دائبة للسؤال والسؤال لغة هو "الطلب" ، ومعلوم أن الطلب هو الشرط الضروري لحصول المعرفة، فتكون الفلسفة بانبنائها على السؤال قائمة مقام الشرط الذي تحصل به المعرفة ما دامت حقيقة السؤال هي أنه طلب السائل معرفة المسؤول عنه وحينئذ  يصح أن يقال بـأنه لا معرفة بغير فلسفة كما لا يصح القول بأنه لا معرفة بغير طلب، وإذا صار كل علم يستلزم الفلسفة استلزامه لطلب فقد انفتح للمشتغل بالعلم باب ممارسة التفلسف ما بقى على استزادة  من العلم بما أن الاستزادة لا تكون إلا طلبا وأن الفلسفة لا تتحدد إلا بالطلب (25).

وهكذا يتضح بأن جميع معاني التفلسف تنطبق على علال الفاسي سواء باعتباره مفكرا اصلاحيا أو باعتباره عالما أصوليا زيادة على ثقافته الفلسفية الواسعة التي جعلته في كتاباته يناقش كبار الفلاسفة بندية فلا يكتفي بعرض أفكارهم ونظرياتهم  في القضايا التي يبحثها بل يقوم بالرد على بعض أطروحاتهم ويفند بعض أرائهم في المسائل الفلسفية الكبرى..

ومن بين الفلاسفة الذين عرض جانبا من أفكارهم وناقشها بروية وعمق نذكر: أرسطو وديكارت واسبينوزا وكانط وهيجل وماركس وبرغسون وسارتر وغارودي وغيرهم..

وفي كتابه "الحرية" قدم عرضا لمختلف المدارس والمذاهب الفلسفية مع ابداء رأيه في القضايا والمسائل التي أثاروها وبلوروا حولها تصورا خاصة فيما يتعلق بالإلهيات والمصير الانساني..

وإذا كان كل مصلح  فيلسوف يتصل اصلاحه بالتفكير كما يتصل بالعمل وهو فيلسوف حين تكون الفلسفة حكمة وبحثا عن سر الوجود ورأيا في كليات الحقائق..

فإن علال الفاسي مصلح فيلسوف بكل ماشئنا من معاني الاصلاح والفلسفة ..

 

أحمد بابانا العلوي

 

 

منى زيتونلدى تلميذات الصف الثاني الإعدادي*

مقدمة: يعد التذكر مرآة التعلم، حيث أن التذكر هو السلوك الذي يحدد لنا حدوث عملية التعلم، فالذاكرة عملية معقدة ومتفاعلة تكون متطلبة لحدوث التعلم، وبدون مهارات ذاكرة جيدة تنشأ مشاكل تعلم عديدة. ولقد كان الاهتمام بدراسة ما وراء الذاكرة لكونه واحدًا من الأساليب المعرفية للتعلم، حيث لا يكون الاهتمام منصبًا فقط على تذكر المعلومات، بل يتعداها إلى دراسة كيفية اكتساب الفرد للمعلومات وتخزينها واسترجاعها، وقدرته على تقدير صعوبة/سهولة مهام التذكر، وعلى ملاحظة التقدم عند إدخال المعلومات بالذاكرة، وكذلك قدرته على تنظيم المعلومات بذاكرته؛ واختياره أفضل استراتيجية أثناء تنفيذ مهام التذكر. ولا زال أغلب المعلمين في عالمنا العربي يوجهون جهودهم فقط إلى تنمية التذكر والاسترجاع، ولا يتعدون ذلك إلى السعي إلى التوصل لفعالية في تعلم المادة الدراسية وإتقانها، والذي يتحقق من خلال تنمية مكونات ما وراء الذاكرة.

ومن المعروف أن التذكر هو إظهار الدلالات على التأثر بشيء في الماضي، وقد يكون التذكر كاملًا وتامًا للخبرة السابقة وهو ما يسمى الاستدعاء recalling، كما قد يكون التذكر مجرد التعرف على شيء لسابق خبرة في الماضي، ولا يكون التذكر هنا تامًا بل يكون مجرد شعور بأن هذا الشيء مألوف ومر بخبرة الفرد في الماضي وهو ما يسمى التعرف recognizing. وفي هذا الشأن يذكر رادفانسكي (Radvansky, 2006) أن الشعور بالمعرفة Feeling of Knowing (FOK) –وهو أحد ظواهر ما وراء الذاكرة- يحدث عندما يشعر الفرد أن لديه شيئًا في ذاكرته لا يمكن أن يُستدعى لكن يمكن التعرف عليه إذا رُؤي.

وإذا كانت القدرة التذكرية هي تكوين فرضي مسئول عن أساليب النشاط المتعلقة بالاستدعاء والتعرف، فإنه من المعروف وجود ثلاث عمليات شائعة في منظومة الذاكرة وهي (التشفير- التخزين- الاسترجاع). ويقصد بالتشفير العملية الخاصة باتخاذ قرار حول طريقة تصنيف المعلومات، والتي يتم بواسطتها تكوين آثار الذاكرة، وتعمل على بقاء المعلومات بالذاكرة، أما التخزين فهو عملية حفظ المعلومات في الذاكرة، والعملية الثالثة وهي الاسترجاع هي القدرة على تكرار الاستجابة، وتُسترجع المعلومات من الذاكرة طويلة المدى باستمرار، ويتم هذا الاسترجاع إراديًا ولا إراديًا (عادل العدل، 1992، ص ص 179- 180).

إن المثير يُلتقط بواسطة مستقبلات الحس ويتحول للمخ من أجل التخزين، وهذا النظام التخزيني يقسم الذاكرة –وفقًا لنموذج أتكنسون و شيفرين (Atkinson & Shiffrin, 1968 as cited in John, 1993, p.4)- إلى ذاكرة حسية وذاكرة قصيرة المدى وذاكرة طويلة المدى. وتعرف مادلين بيرلي آلن (ترجمة 2006) الذاكرة بأنها مهارة ومنظومة لمعالجة المعلومات، وتتكون من ثلاث وظائف أساسية حيث تُقسم الذاكرة وفقًا لعمليات التخزين إلى:

1-ذاكرة حسية ناقلة sensory memory تستقبل معلومات من الأعضاء الحسية (الحواس) وتحتفظ بها (لمدة لا تزيد عن خمس ثوان)، لذا لا بد من نقلها إلى مستودع آخر. ويذكر جون (John, 1993, p. 4) أن هذه الذاكرة تحمي نظام معالجة المعلومات من أن يصبح مزدحمًا بمثيرات غير متعلقة.

2-الذاكرة قصيرة المدى short-term memory (STM) تستقبل المعلومات من الحس الناقل حتى تحدث عملية ذهنية واعية، وفي هذه الذاكرة تتم معالجة المعلومات فإما أنها تحذف من الذاكرة القصيرة الأجل أو أنها ترسل إلى الذاكرة طويلة المدى، وعادة عندما لا يتم نقل المعلومات إلى الذاكرة طويلة الأجل خلال خمس عشرة ثانية فإن المعلومات تُنسى. يذكر جون (John, 1993, p. 5) أنه نظرًا لأن المعالجة الواعية النشطة للمعلومات تحدث في الذاكرة قصيرة المدى فإنه غالبًا ما يُشار إليها بالذاكرة العاملة working memory. بالرغم من ذلك وجد ميللر (Miller, 1956 as cited in John, 1993, p.5) أن سعة هذه الذاكرة محدودة 7 (±2) أجزاء من المعلومات في المرة الواحدة.

3-الذاكرة طويلة المدى long-term memory (LTM) وهي الذاكرة التي يتم خزن المعلومات فيها على المدى البعيد. وهي ذات سعة غير محدودة؛ لذا لابد من تنمية وتطوير هذه الذاكرة وتدريبها على خزن واسترجاع المعلومات بشكل سريع وقوي. ويذكر رجاء أبو علام (2003 ب، ص 348) أنه مما يميز الذاكرة طويلة المدى عن الذاكرة قصيرة المدى هو قدرتها على تنظيم المعلومات ما يساعدها على الاحتفاظ بها فترات طويلة، ويسهل على الفرد استرجاعها عندما يريد.

ويقترح لوكل وشنايدر (Lockl & Schneider, 2007, p.p. 149-150) سلسلة من الخطوات الارتقائية من أجل الفهم المتزايد لعمليات ومحتويات الذاكرة. وكخطوة أولى في هذه السلسلة قد يحتاج الأطفال مفهوم المعرفة؛ ذلك إنهم يجب أن يفهموا أن حالات المعرفة تعتمد على التجربة الغنية بالمعلومات المفيدة. ثم كخطوة ثانية بعد اكتسابهم هذا المفهوم، قد يبدأ الأطفال في اكتساب فهم كامل لمفاهيم ذاكرة معينة، والتي قد تصبح واضحة في فهمهم المتزايد لأفعال عقلية مثل "يتذكر" أو "ينسى". أما الخطوة الثالثة -أو ربما بشكل متزامن- فبينما يكتسب الأطفال إدراكًا لذكرياتهم وذكريات الآخرين، فإنهم ربما أيضًا يكتسبون فهمًا أعمق للكيفية التي تعمل بها ذاكرتهم، وأي المتغيرات تؤثر على الذاكرة. على سبيل المثال: إنه قد يكون أصعب تذكر مفردات عديدة من تذكر مفردات قليلة فقط. وهنا تظهر ما وراء الذاكرة metamemory في الخطوة الثالثة.

فإذا كان التذكر هو القدرة على تشفير وتخزين المعلومات في الذاكرة، ثم استرجاعها وقت الحاجة إليها، وإذا كانت الوظيفة الكبرى للذاكرة هي معالجة المعلومات، فإن ما وراء الذاكرة  metamemory هو مصطلح يُقصد به معرفة كيف تعمل ذاكرتك، وأن تكون قادرًا على المراقبة والتنظيم الذاتي لأنشطة ذاكرتك. وتمد ما وراء الذاكرة بخلفية هامة للتلميذ الذي يكون مهتمًا بمراقبة تعلمه في جهد لإحراز أهداف مرغوبة والوصول لإمكانية تعليمية تامة.

وتشير نتائج لبعض الدراسات مثل دراسة إمام مصطفى سيد وصلاح الدين حسين الشريف (1990) إلى أن استخدام استراتيجية ما وراء الذاكرة ذو فعالية في تحسين التحصيل الدراسي، ودراسة لوكانجيلي وآخرين (Lucangeli et al., 1995) التي أشارت إلى أن التدريب على ما وراء الذاكرة قد حسَّن التحصيل الأكاديمي لدى التلاميذ ذوي صعوبات التعلم. كذلك أشارت نتائج دراسة سينكافيتش (Sinkavich, 1991) إلى أن ما وراء الذاكرة كان من أفضل المنبئات بأداء الاختبارات، ودراسته (Sinkavich, 1988) إلى أن التلاميذ الجيدين –كما عرفوا من الدرجات على الاختبار النهائي- ظهر أن لديهم دقة أكثر في ما وراء الذاكرة مما لدى التلاميذ الضعاف. كما أشارت نتائج دراسة منال شمس الدين (2005) إلى وجود علاقات ارتباطية موجبة دالة (تراوحت معاملاتها بين 0.417 و 0.618) بين مكونات ما وراء الذاكرة (الوعي والتشخيص والمراقبة والتنظيم واستراتيجية ما وراء الذاكرة) والتحصيل الدراسي، كما وجدت الباحثة فروقًا دالة إحصائيًا بين التلميذات مرتفعة ومنخفضة التحصيل الدراسي في مكونات ما وراء الذاكرة، حيث كانت متوسطات درجات مكونات ما وراء الذاكرة للتلميذات مرتفعة التحصيل الدراسي أعلى من نظيراتها للتلميذات منخفضة التحصيل الدراسي. وأظهرت نتائج دراسة ليل (Leal, 1987) علاقة موجبة بين أداء الفصل الدراسي والاستخدام المنصوح به لطلاب الجامعة للاستراتيجية التنظيمية عندما خططوا للدراسة من أجل مهمة استدعاء حر.

في عام 1983 قدم هوارد جاردنر Howard Gardner   نظريته للذكاءات المتعددة Multiple Intelligences Theory، والتي صنَّف فيها القدرات العقلية إلى ثمانية ذكاءات تعبر عن القدرات العقلية المختلفة للأفراد (ذكاء لفظي- ذكاء منطقي/رياضي– ذكاء بصري/مكاني– ذكاء جسمي/حركي– ذكاء موسيقي– ذكاء طبيعي– ذكاء تفاعلي– ذكاء شخصي)، وقد لاقت تلك النظرية اهتمامًا كبيرًا من علماء النفس المعرفيين منذ بزوغها، وعلى عكس الكثير من نظريات الذكاء كان لهذه النظرية الكثير من التضمينات التربوية التي نتجت عنها تباعًا، حيث يرى جاردنر أن تعلم فروع المعرفة يمكن أن يتم بأكثر من طريقة في ضوء فهمنا للذكاءات المتعددة، كما يمكن أن يتم تقويم تعلم التلاميذ بأكثر من طريقة.

ويذكر رجاء أبو علام (2003 ب، ص 349) أن النسيان يكون سريعًا بالنسبة للأشياء التي لا معنى لها أو الأشياء المنعزلة غير المترابطة، في حين أن الحفظ يكون أكبر وأكثر ثباتًا بالنسبة للمادة ذات المعنى وبخاصة إذا كانت مشوقة، وهو ما يوفره مدخل الذكاءات المتعددة في التدريس.

هذا وتشير الدلائل إلى أنه حتى أطفال ما قبل المدرسة يكون لديهم فهم أساسي للذاكرة، ويمكن أن يظهروا ما وراء ذاكرة دقيقة، وأن بعضًا من ما وراء الذاكرة التقريرية (التصريحية) تتطور بالفعل أثناء سنوات ما قبل المدرسة (Kreutzer et al., 1975; Wellman, 1977 as cited in Lockl & Schneider 2007)   ، إلا أنه بالرغم من ذلك فإنه يطرأ تحسن على ما وراء الذاكرة بينما ينضج الأطفال.

كما تشير الدراسات إلى أنه من الممكن أن يطرأ تحسن على الذاكرة وما وراء الذاكرة باستخدام استراتيجيات تدريسية ترتبط بالمحتوى الدراسي الذي يدرسه التلاميذ، وبالرغم من وجود بعض الدراسات التي استخدمت استراتيجيات مباشرة لتنمية ما وراء الذاكرة لدى التلاميذ، مثل دراسة مختار الكيال (2006)، فقد رأت الباحثة من خلال تطبيقها لمدخل الذكاءات المتعددة في بحثها للدكتوراة -العام الدراسي 2006/2007- أنه يمكن أن يمثل استراتيجية تدريب غير مباشرة لتنمية مكونات ما وراء الذاكرة؛ حيث لاحظت الباحثة أن هذا المدخل قد رفع مستوى الانتباه لدى التلاميذ والتلميذات –عينة دراسة الدكتوراة- نظرًا لتنوع الأنشطة التدريسية ما زاد من سعة الذاكرة، كذلك لاحظت الباحثة أنه نظرًا لاعتماد الأنشطة المعرفية المتنوعة بهذا المدخل التدريسي على الذاكرة العاملة، لكونها المسئولة عن تشفير المعلومات بأشكالها المختلفة موسيقية ولغوية ومنطقية/رياضية و....... ومن ثم تحويلها إلى الذاكرة طويلة المدى، فقد أدى ذلك لارتفاع مستوى التحصيل الدراسي لدى عينة دراسة الدكتوراة، وذلك وفقًا لنتائج تحصيل عينة تلك الدراسة، كما اتضح لدى التلاميذ زيادة الوعي بقدرات الذاكرة وبالطرق التي يتذكرون بها المعلومات –وهو يمثل أحد مكونات ما وراء الذاكرة- حيث قرر أفراد العينة أن قدرتهم على تذكر المعلومات قد ارتفعت، وأن استدعاءها أيضًا صار أسهل، وذلك وفقًا لما قرره التلاميذ والتلميذات في المقابلات التي قامت بها الباحثة معهم بعد انتهاء دراسة الدكتوراة، وتلك المقابلة التي قامت بها إحدى مذيعات التليفزيون في أحد البرامج الثقافية مع 10 من التلميذات، كما كان التلاميذ قادرين وبسهولة على تذكر تفاصيل المحتوى المعرفي الذي درسوه باستخدام مدخل الذكاءات المتعددة في مقابلة أجرتها معهم الباحثة في نهاية الفصل الدراسي الثاني من العام الدراسي 2006/2007، أي بعد انتهاء التدخل التجريبي بأربعة أشهر. ونظرًا لما سبق فإن الدراسة الحالية قد هدفت إلى تطبيق مدخل الذكاءات المتعددة لتدريس العلوم لمدة عام دراسي كامل لتحديد أثر ذلك المدخل التدريسي في ما وراء الذاكرة ومكوناته لدى التلميذات.

وتتفق تلك الرؤية مع ما ذكره عزو عفانة ونائلة الخزندار (2007، ص 125) من أنه نظرًا لتأخر نمو المهارات فوق المعرفية وبطئه، فإنه يحسن التعامل معها بصورة غير مباشرة حتى مستوى المرحلة الأساسية العليا (الإعدادية) (المتوسطة)، ثم يمكن تناولها وتعليمها بصورة مباشرة خلال سنوات الدراسة الثانوية. كذلك أشارت نتائج بعض الدراسات إلى تأخر نمو بعض مكونات ما وراء الذاكرة لدى التلاميذ الصغار، على سبيل المثال أشارت نتائج دراسة دي ماري وفيرون (DeMarie & Ferron, 2003) إلى عدم وجود دليل كاف على عامل ما وراء الذاكرة للأطفال الأصغر سنًا (أعمارهم تتراوح بين 5: 8 سنوات) مقارنة بالأطفال الأكبر سنًا (أعمارهم تتراوح بين 8: 11 سنة). كما أشارت نتائج دراسة جيتي وآخرين (Ghetti et al., 2008) إلى أن الأطفال في عمر السابعة مقارنة بمن في عمر العاشرة والبالغين أظهروا عجزًا في مراقبة الفروق في قوة الذاكرة للحوادث المتخيلة، وعجزًا في مراقبة غياب الذاكرة. وفي دراسة أوسوليفان (O'Sullivan, 1996) التي فحصت الفروق في ما وراء الذاكرة لدى تلاميذ الصفوف الأول والثالث والخامس، وتأثير العلاقات المفاهيمية على الاستدعاء الحر لقائمة من الكلمات من تصنيفين، وقائمة من الكلمات ليس بها علاقات، وجدت الباحثة أن الأطفال الأكبر سنًا عزوا الاستدعاء الأفضل للمادة ذات العلاقة للعلاقات التصنيفية، وقرروا استراتيجيات تنظيمية للتصنيفات، وأظهروا زيادة في الوعي بالتأثيرات المسهلة للعلاقات المفاهيمية على الجهد المعرفي.

ومن ثم اُختيرت مرحلة المراهقة المبكرة –وتحديدًا تلميذات الصف الثاني الإعدادي- لتطبيق البرنامج التدريسي المعد في ضوء استراتيجية الذكاءات المتعددة بهدف تنمية ما وراء الذاكرة ومكوناته لديهن.

مشكلة الدراسة

تظهر نتائج البحث التربوي أن استخدام قنوات تعليمية متنوعة لإدخال المعلومات يسهم في ازدياد سعة الذاكرة العاملة المؤثرة. وتؤكد نظرية الذكاءات المتعددة على ضرورة تنويع أساليب التدريس والتقويم، وأن تتنوع بتنوع الذكاءات المتعددة للمتعلمين، وبما أن الذاكرة القوية تساعد على التفوق الدراسي، والذاكرة شأنها شأن أي متغير من المتغيرات النفسية قابلة للنمو بتأثير استخدام استراتيجيات تدريس تعمل على تحسينها، وبما أن الاهتمام في مجال علم النفس أصبح يتعدى تحسين الذاكرة إلى تحسين قدرتنا على التفكير في الذاكرة أو ما أصبح يُعرف بـ "ما وراء الذاكرة"؛ حيث استنتج بريسلاي وشنايدر (Pressley & Schneider, 1997 as cited in Eriksson, 2000) أن أبحاث ما وراء الذاكرة الحديثة أظهرت أن مقاييس ما وراء الذاكرة هي منبئات قوية للأداء، وأن ما وراء الذاكرة تعلو من حيث الأهمية سلوك وأداء الذاكرة، ومن ثم فإن معرفة الطفل عن ذاكرته –ما وراء الذاكرة- يبدو أنها تؤثر على السلوك الاستراتيجي الذي تباعًا يتنبأ بأداء الذاكرة؛ لذا فقد عُنيت هذه الدراسة بالبحث في إمكانية تنمية ما وراء الذاكرة باستخدام مدخل الذكاءات المتعددة في التدريس.

ومما سبق تتحدد مشكلة الدراسة الحالية في التعرف على الفروق في ما وراء الذاكرة ومكوناته بين تلميذات الصف الثاني الإعدادي اللاتي درسن مادة العلوم باستخدام مدخل الذكاءات المتعددة واللاتي درسن بالطريقة التقليدية.

الإطار النظري والدراسات السابقة

يرى عبيد وعفانة (2003، ص ص 107: 108 في عزو عفانة ونائلة الخزندار، 2007، ص 121) أن عمليات ما وراء المعرفة تأتي على قمة مكونات المنظومة المعرفية، ويعرف جابر عبد الحميد (1999، ص 329 في عزو عفانة ونائلة الخزندار، 2007، ص 123) ما وراء المعرفة على أنها معرفة الفرد بعملياته المعرفية والأنشطة الذهنية وأساليب التعلم والتحكم الذاتي المستخدم في عمليات التذكر والفهم والتخطيط والإدارة وحل المشكلات.

ويفصِّلها جابر عبد الحميد (2008، ص 25) حين يذكر أن مصطلح ما وراء المعرفة يشير إلى معرفة الفرد بعملياته المعرفية ونواتجه أو أي شيء يتصل بها... على سبيل المثال "أنا مندمج في ما وراء المعرفة، ما وراء الذاكرة، ما وراء التعلم، ما وراء الانتباه، ما وراء اللغة.. الخ" إذا لاحظت أني أجد صعوبة أكبر في تعلم "أ" عن تعلم "ب"، وإذا خطر على عقلي أنني ينبغي أن أراجع مرة أخرى "ج" قبل أن أقبلها كحقيقة، وإذا أدركت أن من الأفضل بالنسبة لي أن آخذ مذكرة عن "د" لأني قد أنساها. إن الميتامعرفية تشير من بين أشياء أخرى إلى المراقبة النشطة وما يترتب على ذلك من تنظيم لهذه المعلومات وتنسيق أو تناغم بينها عادة في خدمة هدف عياني ومحسوس.

ويمكن القول إن لما وراء الذاكرة نتائج هامة تتصل بالكيفية التي يتعلم بها الناس، ويستخدمون ذاكرتهم، على سبيل المثال.. عند المذاكرة يقوم التلاميذ بعمل أحكام عما إذا كانوا قد تعلموا المادة المخصصة بنجاح، ويستخدمون تلك القرارات والتي تُعرف باسم أحكام التعلم Judgments of Learning لكي يوزعوا وقت المذاكرة  (Nelson & Narens, 1990).

والمتتبع لمفهوم ما وراء الذاكرة في التراث السيكولوجي يجد أن هذا المفهوم قد قُدم لأول مرة منذ أوائل السبعينات على يد جون فلافل (John Flavell, 1971)، حيث يذكر ناوشاد بي بي (Noushad P P, 2008, p.1) أن هذا المصطلح كان سابقًا على مصطلح ما وراء المعرفة metacognition الذي قدمه العالم نفسه –فلافل Flavell- في نهاية السبعينيات. ويمكن للباحثة -من مراجعة الأدبيات المختلفة في المجال- القول إن فلافل قد توصل إلى مفهوم ما وراء المعرفة من خلال البحث في عمليات الذاكرة.

غير أنه على حداثة مفهوم ما وراء الذاكرة فإنه بإمكاننا أن نجد جذورًا لهذا المفهوم في تراث علم النفس والفلسفة، على سبيل المثال تحدث الفيلسوف ديكارت Descartes عن عملية التفكير بالتفكير (Metcalfe, 2000, p.197). وفي أواخر القرن التاسع عشر تأمل براون وجيمس (Browne & James as cited in Cavanaugh & Perlmutter, 1982) –لكن لم يتحققا تجريبيًا- العلاقة بين أحكام الذاكرة وأداء الذاكرة. كما يمكن أن نجد في كتابات جون لاك (John Locke, 1924 as cited in Noushad P P, 2008, p.2) استخدامًا لمصطلح "انعكاس reflection" ليشير إلى فهم حالة عقولنا الخاصة أو الملاحظة التي يعطيها العقل لعملياته الخاصة. الاستبطان "تأمل الذات" Introspection هو أيضًا تقنية اُستخدمت من قبل بعض علماء النفس الأوائل لإيجاد الإجابة على الأسئلة النفسية، وكان أيضًا إشارة أولى للاهتمام بالعمليات ما وراء المعرفية. وفي البحث عن أصول ما وراء المعرفة وما وراء الذاكرة ذهب علماء آخرون بعيدًا عن القرن العشرين، فيشيرون إلى افتراض أرسطو أنه بالإضافة إلى الشيء المرئي والمسموع حقيقة يصبح العقل واعيًا بفعل ذلك.

وتذكر فاطمة المدني (د.ت) ومحمد الوطبان (2010) أنه على الرغم من مرور عقود على استخدام مصطلح ما وراء المعرفة Metacognition إلا أنه لا يزال هناك غموض يحيط بهذا المفهوم من حيث ماهيته. ولعل من الأسباب المهمة لهذا الغموض هو وجود أكثر من مصطلح مستخدم حاليًا يعبر عن الظاهرة نفسها فعلى سبيل المثال لا الحصر مصطلح ما وراء الذاكرة Metamemory، ومصطلح ما وراء الفهم Metacomperhension، ومصطلح ما وراء الإدراك Metaperception، ومصطلح التنظيم الذاتي الموجه Self Regulation. وواقع الأمر أن هذه المصطلحات والمفاهيم ليست في حالة تعارض مع مصطلح ما وراء المعرفة ولكنها في الحقيقة من العناصر المكونة لهذا المفهوم.

إن معرفة الفرد بنظام الذاكرة لديه يعد من أحد مكونات نظام أكبر وهو معرفة الفرد بمنظومة تكوين وتناول المعلومات لديه بصفة عامة التي تنمو وتتطور بنمو الفرد كنتيجة لتراكم الخبرات التي يمر بها (عصام علي الطيب وربيع عبده رشوان، 2006، ص 75). وهو ما يشير إليه مختار الكيال (2006، ص 5) إذ يوضح أن المتتبع لمفهوم ما وراء الذاكرة يمكنه التوصل إلى أن هذا المفهوم يعد بعدًا من أبعاد ما وراء المعرفة بصفة عامة. ويتفق بانو وكازنياك (Panuu & Kaszniak, 2005) مع تلك الرؤية إذ يعرفان ما وراء الذاكرة على إنها "أحد مكونات ما وراء المعرفة، تكون حول إمكانيات الذاكرة للفرد، واستراتيجياته التي يمكن أن تساعد الذاكرة، بالإضافة إلى العمليات المتضمنة في المراقبة الذاتية للذاكرة". كذلك يؤيد لوكل وشنايدر (Lockl & Schneider, 2007, p. 148) ذلك المنظور لما وراء الذاكرة باعتبارها أحد أبعاد ما وراء المعرفة ويعرفان ما وراء الذاكرة على أنها: "المعرفة عن الذاكرة، والمهارات التنفيذية المتعلقة بالمراقبة والتنظيم الذاتي لأنشطة الذاكرة الخاصة للفرد".

ولعل التعريف الأشهر لما وراء الذاكرة الذي ينتشر ذكره في كافة الأدبيات إلى الدرجة التي لم يعد من السهل تتبع العالم الذي قدمه، ذلك التعريف الذي ينص على أن ما وراء الذاكرة هي التفكير في التفكير Thinking about thinking. إلا أن هذا التعريف رغم شيوعه في أدبيات علم النفس فإنه تعريف عام لا تتضح منه أبعاد ومكونات هذا التفكير في التفكير، أو مكونات ما وراء الذاكرة.

ويمكن تصنيف التعريفات الكثيرة لمفهوم ما وراء الذاكرة في ثلاث فئات، حيث اهتمت الفئة الأولى منها بمعالجة المكون المعرفي لمفهوم ما وراء الذاكرة، وما يتضمنه من وعي الفرد الذاتي بمنظومة ذاكرته وقدراته وإمكاناته ومدى تقديره لسعة ذاكرته، ومدى وعيه بالمهام التي يؤديها ومتطلباتها وسهولتها أو صعوبتها في المعالجة، وكذلك مدى وعيه بالاستراتيجيات المختلفة وانتقاء الاستراتيجية المناسبة للمهام التي يؤديها وإمكاناته هو. أما الفئة الثانية فقد اهتمت بالمكون التحكمي لمفهوم ما وراء الذاكرة، وما يتضمنه من المراقبة الذاتية لكفاءة عمليات الذاكرة، والتنظيم الذاتي، والتقويم الذاتي. كما اهتمت الفئة الثالثة من التعريفات بتناول كل من المكون المعرفي والمكون التحكمي لما وراء الذاكرة (مختار الكيال، 2006، ص 5).

والمكون المعرفي لما وراء المعرفة -وما وراء الذاكرة باعتبارها جزءًا من منظومة ما وراء المعرفة- أو ما يُعرف بالمعرفة حول المعرفة  Knowledge Of Cognition أو التقدير الذاتي للمعرفة (Self appraisal of cognition)  يمثل الانطباعات الشخصية التي يملكها الفرد عن نفسه فيما يتعلق بقدراته ومحتواه المعرفي، ويتضمن ثلاثة أشكال: المعرفة التقريرية (التصريحية) Declarative والمعرفة الإجرائية Procedural والمعرفة الشرطية Conditional عن المعرفة والاستراتيجيات والمعلومات والعلاقات المتبادلة بينهم والتي تؤثر في المعرفة والتعلم بصفة عامة. وتشير المعرفة التقريرية Declarative إلى معرفة الفرد للاستراتيجيات المختلفة الخاصة بالذاكرة والتفكير وحل المشكلات والفروق بينها، أي معرفة الفرد حول مهاراته ووسائل تفكيره وقدراته كمتعلم، وتتضمن المعرفة الإجرائية Procedural كيفية استخدام وتفعيل الاستراتيجيات المختلفة فهذه المعرفة تختص بعملية التنفيذ أي إنها تعني معرفة الفرد حول كيفية استخدام الاستراتيجيات المختلفة من أجل إنجاز إجراءات التعلم، بينما تتضمن المعرفة الشرطية Conditional معرفة متى يتم استخدام الاستراتيجيات المختلفة ولماذا يتم استخدام استراتيجية معينة ولماذا تكون الإستراتيجية فعالة (Jacobs & Paris, 1987; Marazano et al., 1998; Schraw & Dennison, 1994).

بينما المكون التحكمي لما وراء المعرفة -وما وراء الذاكرة باعتبارها جزءًا من منظومة ما وراء المعرفة- أو ما يُعرف بالتحكم بالمعرفة أو تنظيم المعرفة Metacognitive Control & Regulation أو الإدارة الذاتية للمعرفة Self Management of cognition فهو سلسلة من العمليات العقلية التي تساعد الفرد في تنظيم الجوانب المتعلقة في حل المشكلة، وهناك اختلاف بين العلماء على مكوناته الفرعية؛ إذ يرى البعض أنه يشمل: التخطيط Planning ويعني الاختيار المتعمد لاستراتيجيات معينة لتحقيق أهداف معينة، ووضع الخطط والأهداف وتحديد المصادر الرئيسة قبل التعلم، وإدارة المعلومات Information Management وهي القدرة على استخدام المهارات والاستراتيجيات في اتجاه محدد للمعالجة الأكثر فعالية للمعلومات وتتضمن (التنظيم، والتفصيل، والتلخيص)، حيث يتضمن التنظيم مراجعة مدى التقدم نحو إجراء الأهداف الرئيسية والفرعية وتعديل السلوك إذا كان ضروريًا، والمراقبة الذاتية Monitoring وتعني وعي الفرد بما يستخدمه من استراتيجيات مختلفة للتعلم، والتنقيح (تعديل الغموض) Debugging هو القدرة على استخدام الاستراتيجيات البديلة لتصحيح الفهم وأخطاء التعلم والأداء، والتقويم Evaluation وهو تقدير مدى التقدم الحالي في عمليات محددة ويحدث أثناء مراحل العملية التعليمية، والقدرة على تحليل الأداء والاستراتيجيات الفعالة عقب حدوث التعلم (فاطمة المدني، د.ت)  (Schraw & Dennison, 1994). أي أن المكون التحكمي يتضمن المهارات والأبعاد التنفيذية لما وراء المعرفة وضبط عمليات تجهيز ومعالجة المعلومات، وهناك من يقتصر على أبعاد التخطيط والتقويم والتنظيم عند تحديد الأبعاد التنفيذية لما وراء الذاكرة (Jacobs & Paris, 1987; Marazano et al., 1998). ومن يقتصر على التخطيط والمراقبة والتقويم الذاتي مثل ستيرنبرج (Sternberg, 1988) (في محمد الوطبان، 2010). عند تصنيفه لخبرات ما وراء المعرفة، بينما يحدد بليغ حمدي إسماعيل (2010) استراتيجيات ما وراء المعرفة في استراتيجية التخطيط، واستراتيجية التنفيذ والتنظيم، واستراتيجية المراقبة والتحكم، واستراتيجية التقييم.

وبالرغم من أن أغلب من عرَّفوا ما وراء الذاكرة وحددوا مكوناتها قد ركزوا على المكون التحكمي لما وراء الذاكرة، فإن الباحثة تتبنى وجهة النظر التي ترى ضرورة شمول مفهوم ما وراء الذاكرة لكلا المكونين المعرفي والتحكمي، متفقة في ذلك مع الباحثين الذين ينتمون لهذه الفئة التي تتناول مفهوم ما وراء الذاكرة كمنظومة من المكونات المعرفية والتحكمية، ونذكر منهم فلافل وويلمان (Flavell & Wellman, 1977) (في مختار الكيال، 2006، ص 7: 8) وإمام مصطفى سيد وصلاح الدين حسين الشريف (1999) ومنال شمس الدين (2005) ومختار الكيال (2006) –مع اختلاف المسميات أحيانًا لكن مع الاتفاق في المضمون-، حيث يشير كل من فلافل وويلمان (Flavell & Wellman, 1977) وفلافل (Flavell, 1979) (في محمد الوطبان، 2010) وإمام مصطفى سيد وصلاح الدين حسين الشريف (1999) إلى المكونات المعرفية بكونها مجموعة المتغيرات المرتبطة بالشخص وبالمهمة وبالاستراتيجية، وهي التي تتساوى مع الوعي والتشخيص واستراتيجية ما وراء الذاكرة في نموذج منال شمس الدين (2005).

وتعرف منال شمس الدين (2005، ص ص 12-13) ما وراء الذاكرة Metamemory –وهو التعريف الذي تتبناه هذه الدراسة- على أنها "وعي الفرد بمنظومة الذاكرة لديه وكيفية عملها وعملياتها، وقدرته على تقدير صعوبة مهام التذكر، واختيار وتوظيف الاستراتيجية المناسبة، ومراقبة فعاليتها، وتنظيم معارف الذاكرة" وتقسم مكونات ما وراء الذاكرة إلى خمس مكونات وهي:

1- مكون الوعي Awareness: هو دراية الفرد بقدرات الذاكرة لديه، وكيفية عملها وعملياتها التي تتضمن التشفير والتخزين والاسترجاع.

2- مكون التشخيص Diagnosis: هو قدرة الفرد على تقدير صعوبة/سهولة مهام التذكر من حيث مقدار المادة، والألفة بالمعلومات، وسرعة تقديم المادة، وطريقة تنظيمها.

3- مكون المراقبة Monitoring: هو ملاحظة الفرد لتقدمه عند إدخال المعلومات في الذاكرة، والملاحظة المستمرة لعمليات معالجة وتجهيز المعلومات أثناء تنفيذ المهام، وقدرة الفرد على التنبؤ بالنتائج المحتملة للنشاط العقلي مستقبلًا.

4- مكون التنظيم Regulation: هو قدرة الفرد على تنظيم المعلومات بالذاكرة بالطريقة التي تساعده على تذكرها بصورة أكثر كفاءة، وتقسيم الوقت بمعالجة تنفيذ مهام التذكر سعيًا لتحقيق أفضل أداء ممكن.

5- مكون استراتيجية ما وراء الذاكرة Metamemory Strategy: هو قدرة الفرد على اختيار أنسب القرارات والأفعال التي يقوم بها أثناء تنفيذ مهام التذكر.

ونلاحظ أن المكون التحكمي لما وراء الذاكرة في نموذج منال شمس الدين (2005) يتكون من مكونين فرعيين فقط هما مكونا المراقبة والتنظيم، مع استبعاد التقويم الذاتي الذي يضيفه مختار الكيال (2006) في نموذجه لما وراء الذاكرة، وبذا تتفق المكونات الخمسة في نموذج منال شمس الدين (2005) مع نموذج فلافل وويلمان (Flavell & Wellman, 1977) ونموذج إمام مصطفى سيد وصلاح الدين حسين الشريف (1999)، وهذا هو النموذج الذي تأخذ به الدراسة الحالية.

وقد قام العديد من العلماء (Schwartz, 1994; Hart, 1965 as cited in Radvansky, 2006;  Radvansky, 2006; Gardiner, 1988)  بدراسة ظواهر ما وراء الذاكرة Metamemory Phenomena، وقاموا بتحديدها في أربع ظواهر أساسية هي:

1- أحكام التعلم Judgments of Learning (JOLs): والتي تشمل أحكام سهولة التعلم Ease-of-Learning Judgments وتتم قبل محاولة المذاكرة، حيث يمكن للأفراد أن يقيِّموا كم الدراسة التي ستكون متطلبة لتعلم معلومات معينة مقدمة لهم، وأحكام سهولة التعرف Ease-of-Recognition Judgments والتي تتنبأ بإمكانية التعرف المستقبلي على المعلومات بعد أن تكون قد قُدمت لهم، وأحكام تعلم الاستدعاء الحر Free-Recall Judgments of Learning والتي تتنبأ بإمكانية الاستدعاء الحر المستقبلي للمعلومات.

2- أحكام الشعور بالمعرفة Feeling of Knowing Judgments (FOK): تشير إلى المشاعر التي تكون للفرد بخصوص معرفته بموضوع معين، وإذا ما كانت تلك المعرفة توجد أو لا توجد في الذاكرة. ولا تركز أحكام الشعور بالمعرفة على الإجابة الفعلية للسؤال، لكن بدلًا من ذلك تركز على ما إذا كان الفرد يعرف أو لا يعرف الإجابة الصحيحة.

3- معرفة أنك لا تعرف Knowing that you don't know: تشير إلى وعي الفرد بحقيقة أنه لا يعرف معلومات معينة، فيرد بشكل تلقائي أنه لا يعرف؛ ذلك أنه ليس من الضروري أن يمر بعملية محاولة إيجاد الإجابة في الذاكرة، لأنه يعرف أن تلك المعلومات لن تُتذكر أبدًا.

4- يتذكر مقابل يعْرِف Remember vs. Know: تقوم هذه الظاهرة على أساس فهم الاختلافات بين تذكر شيء ومعرفة شيء؛ حيث أنه إذا كانت المعلومات حول سياق التعلم ترافق الذاكرة فهي تسمى خبرة (تذكر)، بينما إذا كان الشخص لا يتذكر شعوريًا السياق الذي تعلم فيه قطعة خاصة من المعلومات، ولديه فقط الشعور بالألفة تجاهها فإنها تسمى خبرة (معرفة).

إن عمليات ما وراء الذاكرة تساعد الفرد على التعلم بنجاح، وتعمل على تنفيذ العمليات المعرفية من حيث التخطيط لتعلم مهمة ما، ومراقبة عمليات الفهم، وتقييم مدى التقدم نحو تحقيق التعلم، ولا يقتصر ارتباط عمليات ما وراء الذاكرة فقط بالتعلم، وإنما ترتبط على نحو وثيق أيضًا بالذكاء. كما يذكر دوغلاس هاكر (Douglas Hacker, 2002) (في بليغ حمدي إسماعيل، 2010) أن الاهتمام قد تطور بمفهوم ما وراء المعرفة في عقد الثمانينيات والتسعينيات، ولا يزال يلقى الكثير من الاهتمام نظرًا لارتباطه بنظريات الذكاء والتعلم واستراتيجيات حل المشكلة واتخاذ القرار.

في عام 1983 قدم هوارد جاردنر Howard Gardner نظرية الذكاءات المتعددة Multiple Intelligences في كتابه "أشكال من العقل.. نظرية الذكاءات المتعددة" "Frames of Mind.. The Theory of Multiple Intelligences"  والذي بدت فيه نظريته مختلفة تمامًا عن النظريات العاملية؛ إذ تضع نظرية الذكاءات المتعددة تعريفًا واسعًا للذكاء، فيعرفه جاردنر

 (Gardner, 1983 as cited in Kallenbach and Viens, 2001; Gardner, 1983 as cited in Torff and Gardner, 1999, p.140; Gardner, 1983 as cited in Tapping into Multiple Intelligences page, n. d.; Gardner, 1997 in Chekley, 1997; Gardner as cited in McKenzie, 1999) وجاردنر وهاتش (Gardner and Hatch, 1989 as cited in Brualdi, 1996)

بأنه "القدرة على حل المشكلات أو تكوين المنتجات التي تكون ذات قيمة في ثقافة أو أكثر"، كما يذكر جاردنر (ترجمة محمد العقدة، 1997، ص 396) أن الذكاء هو قدرة سيكولوجية (نفسية) وبيولوجية (حيوية) كامنة، وأن هذه القدرة الكامنة يمكن أن تتحقق بدرجات متفاوتة نتيجة عوامل خبراتية وثقافية ودافعية تؤثر على الفرد. ثم عدّل جاردنر (Gardner, 1999, p.34) تعريف الذكاء ليصبح كالآتي: "هو إمكانية نفس حيوية لمعالجة المعلومات التي يمكن تنشيطها في بيئة ثقافية لحل المشكلات، أو ابتكار المنتجات ذات القيمة في ثقافة ما". وجاءت نظرية جاردنر لتوسع تلك النظرة التقليدية للذكاء ولتؤكد على أن كل الناس يمتلكون ثمانية أنواع منفصلة من الذكاء (ذكاء لفظي/لغوي- ذكاء منطقي/رياضي–  ذكاء بصري/مكاني–  ذكاء جسمي/حركي–  ذكاء موسيقي–  ذكاء طبيعي–  ذكاء تفاعلي–  ذكاء شخصي).

وتعرف الباحثة (منى زيتون، 2007، ص ص 28: 34) هذه الذكاءات –استنادًا لما ذكره العديد من الباحثين (أحمد أوزي، د.ت)

 (Armstrong, 2003; Brualdi, 1996; Christison & Kennedy,1999; Gardner, 1997 in Checkley,1997, p. 12; Gardner, 1999 as cited in Carlson- Pickering, 2001; Garrigan and Plucker, 2001; Hoerr, 2000; Lynn Gilman, 2001; Prescott, 2001, p. 3 as cited in Holmes, 2002; Tapping into Multiple Intelligences, n. d.; Torff and Gardner, 1999,p.143-144)-.

- الذكاء اللفظي/اللغوي: هو القدرة على استخدام اللغة المنطوقة والمكتوبة –لغتك الأصلية وربما لغات أخرى- للتعبير عما يدور في الذهن –نثرًا أو شعرًا- ولفهم الآخرين ولتذكر الأشياء والمعلومات.

- الذكاء المنطقي/الرياضي: هو القدرة على التعامل مع الأرقام والكميات والعمليات، والإقناع بالحجة والمنطق، والتفكير بطريقة استنتاجية منطقية، واستخدام وتقدير العلاقات العددية والسببية والمجردة والمنطقية.

- الذكاء البصري/المكاني: هو القدرة على تعرف التكوين والمسافة واللون والخط والشكل، وعلى توضيح الأفكار البصرية والمكانية بيانيًا، كذلك القدرة على تصور العالم المكاني داخل العقل –هذا العالم المكاني قد يكون واسعًا يعكس وضعنا المادي في الفراغ وقدرتنا على الإبحار والاستكشاف أو يكون أكثر محدودية-، والقدرة على معالجة العلاقات المكانية (الفراغية) واستخدام الخيال.

- الذكاء الجسمي/الحركي: هو القدرة على استخدام القدرات العقلية للفرد لتنسيق حركات الجسم الذاتية واستخدام الجسم –بالكامل أو أجزاء منه- للتعبير عن الأفكار والمشاعر ولحل المشكلات ولصناعة بعض المنتجات والقيام ببعض الأعمال.

- الذكاء الموسيقي: هو القدرة على التفكير في الموسيقى، وعلى سماع أساليب مختلفة الشكل من التأليف الموسيقي وتعرفها وتذكر الإيقاع وطبقة الصوت واللحن، وربما أداءهم، والانفعال بالآثار العاطفية لهذه العناصر الموسيقية، وكذلك القدرة على التكوين والخلق الموسيقي.

- الذكاء الطبيعي: هو القدرة على التعرف والتمييز بين الأشياء الحية (النباتات- الحيوانات)، بالإضافة إلى الحساسية للملامح الأخرى من العالم الطبيعي (السحب- أشكال الصخور)، كذلك القدرة على تصنيف النباتات والحيوانات والمعادن، ويمكن أن نضيف إلى ذلك في مجتمعاتنا الحديثة القدرة على التعرف والتمييز بين الأشياء التي يصنعها الإنسان مثل السيارات والأحذية المطاطية وأمثالها، وأخيرًا.. القدرة على الفهم والعمل في العالم الطبيعي.

- الذكاء التفاعلي: هو القدرة على تعرف وفهم مشاعر ودوافع وأهداف واعتقادات ونوايا ورغبات الآخرين، والتمييز بينها، والاستجابة لها، ومن ثم العمل مع الآخرين.

- الذكاء الشخصي: هو القدرة على امتلاك الفهم لنفسك، ومعرفة من أنت، وماذا يمكنك عمله، وماذا تريد أن تفعل، وكيف تتفاعل مع الأشياء، وأي الأشياء تتجنب، وأي الأشياء تنجذب إليها، وتعرُف المتشابهات والاختلافات في نفسك عن الآخرين، وأن تكون متلائمًا مع المشاعر الداخلية والقيم والمعتقدات وعمليات التفكير، وتستخدم تلك المعلومات لضبط حياتك الشخصية واتخاذ قرارات. إنه الذكاء الذي يُمكِّن الأفراد أن يُكوِّنوا نموذجًا عقليًا عن أنفسهم يتفهمون من خلاله مشاعرهم ودوافعهم الذاتية، ويعتمدون عليه في كل ما يخص حياتهم.

وقد تميزت نظرية جاردنر عن باقي نظريات الذكاء بتضميناتها التربوية؛ إذ يذكر جاردنر أن المتعلمين يمكنهم التعلم بطرق عديدة تتنوع بتنوع الذكاءات، ويوضح أرمسترونج (Armstrong, 2000) أن المعلمين اليوم يتعلمون كيف يقدمون المادة خلال تشكيلة من القنوات التعليمية متضمنة بصريات وموسيقى ووسائط متعددة وتعليم عن طريق الفريق وعروض عملية واستكشاف المواد. وتؤكد لامب (Lamb, 2002) على عدم وجود طريقة صحيحة ومناسبة واحدة لإدماج مدخل الذكاءات في الفصل الدراسي، إنه يستلزم فقط تغيير فكرتنا عن التدريس والتعلم والإمداد بتشكيلة من الأنشطة والخبرات لتسهيل التعلم.

وتظهر نتائج البحث التربوي أن هذا الاستخدام للقنوات التعليمية المتنوعة لإدخال المعلومات يسهم في ازدياد سعة الذاكرة العاملة المؤثرة؛ حيث تشير مادلين بيرلي آلن (2006) إلى أن بعض الناس يبدو أنهم يتذكرون ما يرون، بينما البعض يتذكرون بشكل أفضل عندما يسمعون، ولقد أثبتت الدراسات أن استخدام الذاكرة البصرية التي تعتمد على رؤية الأشياء والذاكرة السمعية التي تعتمد على سماع الأشياء معًا له مميزات أفضل خصوصًا في تعلم الأسماء واللغات أو المصطلحات. وهو ما يتفق ونظرية التشفير الثنائيDual-Coding Theory لبايفيو (Paivio, 1969, 1971, 1986, 1990 as cited in Marzano et al., 2001; Mousavi et al., 1995; Yang et al., 2003, p.330) التي تذكر أن الحجم المؤثر من الذاكرة العاملة قد يزيد عن طريق تقديم المعلومات بأسلوب مختلط (شكل سمعي وبصري) بدلًا من أسلوب واحد لأن المعرفة تخزن في شكلين وليس في شكل واحد (شكل لغوي وشكل بصري أو غير لغوي). الشكل اللغوي هو دلالات ألفاظ في طبيعته، أما الشكل البصري فيعبر عنه كصور عقلية أو حتى إحساسات جسمية مثل الشم والتذوق واللمس والارتباط الحركي والصوت، وأن نشاط المخ يتم حفزه أكثر لدى التلاميذ الذين يبدعون في التمثيلات غير اللغوية. بينما يرى أندرسون (Anderson, 1983 as cited in Carlson- Pickering, 1999; 2001) ويتفق معه باحثون كثيرون أنه عندما يريد الأفراد أن يفهموا شيئًا معقدًا بعمق فإنهم يجب أن يشفروا خبراتهم التعليمية ثلاثيًا. هذا يعني أنه إذا كنت معرضًا لأفكار جديدة وقدمت لك على الأقل من خلال ثلاثة ذكاءات مختلفة فسوف يكون لديك فرصة أفضل لتذكر المعلومات.

وتفسر لنا وولف (Wolfe, 2003) سبب قوة استدعاء الذاكرة مع زيادة مصادر الخبرة فتذكر أنه عندما تدخل خبرة ما إلى المخ فإنه يُفك تركيبها وتُوزع على المخ بأكمله، وأنه عندما تُستدعى معلومة يجب أن يُعاد تركيبها، لذا فإنه كلما كانت الطرق التي تُقدم بها المعلومات لمخ التلاميذ أكثر كلما كانت الطرق التي يملكونها لإعادة التركيب أكثر وكلما كانت الذاكرة أغنى؛ وبذا يكون التدريس المتعدد الأشكال مؤثرًا للغاية. كذلك يشير روجرز وأستون (Rogers & Aston, 1994) (في عصام علي الطيب وربيع عبده رشوان، 2006، ص ص 75: 76) إلى أن الطبيعة النشطة للفرد أثناء عملية تشفير المعلومات تعد من العوامل التي تساهم في زيادة كفاءة الذاكرة، فالتذكر عملية نشطة والفرد لا يتذكر إلا ما قام به أثناء مرحلة التعلم.

ويمكن إرجاع احتمالية تحسن الذاكرة وما وراء الذاكرة عند استخدام مدخل الذكاءات المتعددة في التدريس إلى فرضيتين من الفرضيات التي ساقها بعض العلماء لتفسير ما وراء الذاكرة (فرضية ألفة التلميح Cue familiarity hypothesis- فرضية إمكانية الوصول Accessibility hypothesis ). يذكر ميتكالف (Metcalfe, 2000) أن فرضية ألفة التلميح تشير إلى أن الأحكام بخصوص ما وراء الذاكرة تستند إلى مستوى الفرد من الألفة بالمعلومات الممد بها في التلميح؛ لذا فالأرجح أن يحكم الأفراد أنهم يعرفون الإجابة لسؤال إذا كانوا يألفون الموضوع والمصطلحات، والعكس صحيح. بينما تقترح فرضية إمكانية الوصول أن الذاكرة ستكون دقيقة عندما تكون سهولة المعالجة للمعلومات مرتبطة بسلوك الذاكرة، فإذا كانت سهولة المعالجة لا ترتبط بالذاكرة في مهمة معطاة فإن الأحكام لن تكون دقيقة (Schwartz, 1994) . فإذا كان مدخل الذكاءات المتعددة يوفر تنشيطًا للمخ بالعديد من المدخلات التي توفر سهولة المعالجة وتسهل إمكانية الوصول للذاكرة، فإن هذا يعني منطقيًا أنه يسهل عملية الاستدعاء ويجعله أفضل، كما يجعل أحكام الشعور بالمعرفة أكثر دقة.

وتتفق تلك النظرة مع ما أشارت إليه نتائج العديد من الدراسات من فعالية استخدام مدخل الذكاءات المتعددة في إثراء تعلم التلاميذ وزيادة قدرتهم على استدعاء المعلومات. ففي دراسة كامبل (Campbell, 1994) تحسن التحصيل الأكاديمي لكل التلاميذ بفصل الذكاءات المتعددة كما قيس بكل من اختبارات الفصل الدراسي والاختبارات المعيارية، كذلك أخذًا في الاعتبار متوسطات الدولة والمتوسطات القومية في كل المناطق، وكانت قدرة التلاميذ على التذكر مرتفعة في اختبارات نهاية العام، وكانت طرقهم لتذكر المعلومات موسيقية وبصرية وحركية، ما يشير إلى تأثرهم بالعمل خلال الذكاءات المختلفة، كما أن التلاميذ الذين كانوا سابقًا فاشلين في المدرسة أصبحوا مكتسبين للمعرفة وبدرجة مرتفعة.

وتقترح نتائج دراسة ميدن وميدن (Maiden & Maiden, 1988) نموذجًا متعددًا للذاكرة والذي توجد فيه فروق فردية داخلية، كما تدعم النتائج إمكانية أن يتدرب الأفراد بفاعلية في نمطهم للذاكرة الأفضل. وهو ما يتفق ونتائج دراسة ايركسون (Eriksson, 2000) التي أشارت إلى أنه عندما درس تلاميذ المرحلة الثانوية النصوص بطريقتهم الأكثر تفضيلًا نتج عنها أفضل استدعاء نص ممكن، وإن كان قد أنقص دقة التنبؤات.

ويذكر ايركسون (Eriksson, 2000) نقلًا عن كيرول وكورونيكا (Carroll & Korunika, 1999) وشنايدر (Schneider, 1985) أن ما وراء الذاكرة تهتم بالعلاقة بين معرفة التلاميذ بذاكرتهم وأداء الذاكرة. هذا وتشير نتائج دراسة جيتي وآخرين (Ghetti et al., 2008) إلى أن لتطورات ما وراء الذاكرة تضمينات هامة لحدة الذاكرة. كما أشارت نتائج دراسة شنايدر وآخرين (Schneider et al., 1987) إلى أن ما وراء الذاكرة تبقى منبئًا هامًا لسلوك الذاكرة. كذلك وجدت جيدي وآخرون (Geddie et al., 2000) أن قدرة ما وراء الذاكرة كانت مساعدة في تحديد سعة استدعاء المعلومات بدقة لدى الأطفال –تراوحت أعمارهم بين 43: 83 شهرًا، بالرغم من أن العمر كان المنبيء الأفضل لدى أغلب الأطفال-. وأظهرت نتائج بيرينغ وكي (Beuhring & Kee, 1987) أن تطور ما وراء الذاكرة تنبأ بمعظم الفروق المرحلية في الاستدعاء التلميحي، مقترحة أن تطور ما وراء الذاكرة ربما يفسر التحسنات في استراتيجيات الاسترجاع كذلك. وأشارت نتائج درسة ويد وآخرين (Weed et al., 1990) إلى أن ما وراء الذاكرة العامة ترتبط بدلالة بالاستدعاء. كذلك أشارت نتائج دراسة جولتني وهاك-وينر (Gaultney & Hack-Weiner, 1993) إلى أن التلاميذ البنين ضعيفي القراءة بالصفين الرابع والخامس ذوي درجات ما وراء الذاكرة الأعلى أظهروا استدعاءً -صريحًا وضمنيًا- أفضل مما كان للبنين ذوي درجات ما وراء الذاكرة الأكثر انخفاضًا. أما تيرنر وآخرين (Turner et al., 1996) فقد أشارت نتائج دراستهم إلى أن ما وراء الذاكرة قد تنبأت بالاستدعاء فقط للتلاميذ الذين لا يعانون من التخلف العقلي. كما توصل بانو وكازنياك (Pannu & Kaszniak, 2005, p.105) إلى أن هناك ارتباطًا قويًا بين مؤشرات وظيفة الفص الجبهي الأمامي وسلامة تركيبه وبين دقة ما وراء الذاكرة، وأن الجمع بين الاختلال الوظيفي للفص الأمامي والذاكرة الضعيفة يضعف بشدة عمليات ما وراء الذاكرة.

وترى الباحثة أن العلاقة المفترضة –والتي عززتها نتائج الدراسات الحديثة- بين ما وراء الذاكرة وأداء الذاكرة تبدو علاقة منطقية، ذلك أن معرفة الفرد بما تم تشفيره وتخزينه بنجاح وما لم يتم، وما هو قادر على استرجاعه يجعله يبذل جهدًا أكبر من أجل تذكر أفضل، ومن ثم تعلم أفضل؛ حيث أشارت نتائج دراسة ايركسون (Eriksson, 2000) إلى أن تلاميذ المرحلة الثانوية وجدوا القراءة من أجل تذكر نصوص كمهمة تتطلب جهدًا أكبر من القراءة من أجل الفهم، ما نتج عنه بشكل افتراضي وعي أفضل بأداء الذاكرة مقارنة بالفهم للنصوص نفسها.

وأكدت نتائج العديد من الدراسات على إمكانية اكتساب مكونات ما وراء الذاكرة عن طريق التدريب. ففي دراسة فيرهيغين وآخرين (Verhaeghen et al., 1993) 41% ممن تلقوا سبعة أشكال من تدريب الذاكرة زادوا الوعي بالذاكرة، كما وصف المشاركون التدريب بأنه مفيد. كما قام راو ومويلي (Rao & Moely, 1989) بإجراءات تدريب مركزة على اكتساب معرفة الذاكرة لتلاميذ الصف الثاني. وقد فاقت مجموعتا التدريب الصريح والضمني المجموعة الضابطة في كل من أداء الاستدعاء، وتنظيم الفئة أثناء الدراسة والاستدعاء، وما وراء الذاكرة التي تعتبر التنظيم كاستراتيجية. كذلك أشارت نتائج دراسة جولتني وهاك-وينر (Gaultney & Hack-Weiner, 1993) إلى أن التلاميذ البنين ضعيفي القراءة بالصفين الرابع والخامس والذين كانوا متفوقين في لعب البيسبول الذين استخدموا استراتيجية قراءة مصحوبة بتدريس منطمر في البيسبول –اللعبة التي كانوا خبراء فيها- سألوا أسئلة "لماذا" كثيرة، في إشارة إلى مراقبة –إحدى مكونات ما وراء الذاكرة- مناسبة. وفي دراسة مختار الكيال (2006) اتضح الأثر الإيجابي الفعال للبرنامج المستخدم في جميع متغيرات ما وراء الذاكرة خاصة مع مجموعتيّ العاديين وذوي صعوبات تعلم الحساب مقارنة بذوي صعوبات القراءة.

ومن الدراسات التي استخدمت مدخل الذكاءات المتعددة لتحسين القدرة التذكرية ومكونات ما وراء الذاكرة لدى التلاميذ.. دراسة أندرسون (Anderson, 1998) عن "استخدام الذكاءات المتعددة لتحسين التذكر في دراسة مفردات اللغة الأجنبية" نفذت الباحثة تجربة لزيادة القدرة على الاحتفاظ (تذكر) مفردات اللغة اللاتينية باستخدام استراتيجيات ذكاءات متعددة متنوعة وتقنيات تحسين ذاكرة متنوعة تم دمجهم في تصميم الدروس في سياق تعلم تعاوني. طُبق التدخل التجريبي على تلاميذ بالصفين السابع (ع= 38 تلميذًا) والثامن (ع= 53 تلميذًا)؛ حيث كانت هناك صعوبة ملحوظة لدى التلاميذ في الاحتفاظ بالمفردات نُسبت إلى تركيز المعلم على طرق التدريس اللغوية والنقص لدى التلاميذ في مهارات المذاكرة. تم تنفيذ التدخل التجريبي لمدة 10 أسابيع في الفترة من سبتمبر 1997 وحتى يناير 1998، حيث تم تقسيم التلاميذ في فصول اللغة اللاتينية إلى أربع مجموعات تبعًا لتفضيلهم لأسلوب التعلم في نطاق الذكاءات الأربعة: الحركي واللغوي والتفاعلي والبصري/المكاني. ولتقييم نتائج التدخل استخدمت الباحثة الاختبارات الموجزة للمفردات، ويوميات التلاميذ التقويمية لتقويم الأنشطة التعليمية التي أُعطيت وكيف ساعدت في عملية التذكر، ويوميات المفردات التي تُعطى بعد انتهاء كل درس أو بداية درس جديد، أشارت النتائج البعدية للتدخل التجريبي إلى زيادة درجات الاختبارات الموجزة للمفردات التي كانت تُجرى مرتين كل أسبوع، كما لوحظ زيادة الوعي لدى التلاميذ بتقنيات الذاكرة للتمكن من مفردات لغة أجنبية، والوعي بأنماط تعلم متنوعة لدى كل من المعلم والتلاميذ. لكن بالرغم من أن نتائج البحث تشير إلى أن استخدام مهارات الذكاءات المتعددة في تعلم قوائم المفردات يمكن أن يكون أداة فعالة في تحسين درجاتهم، إلا أن يوميات التلاميذ أشارت إلى أن أنشطة الذكاءات المتعددة لم يكن لها تأثير كبير على الذاكرة طويلة المدى للتلاميذ.

أما في دراسة جودنو (Goodnough, 2001) والتي كانت بعنوان "نظرية الذكاءات المتعددة: إطار عمل لأجل تفريد مناهج العلوم" فقد أظهر التلاميذ بالصف التاسع الذين درسوا العلوم من خلال مدخل الذكاءات المتعددة بالإضافة إلى النتائج المعرفية استفادة من إشراكهم في ما وراء المعرفة من خلال مدخل الذكاءات المتعددة، حيث كانت إجابات 11 تلميذًا –يمثلون 85% من تلاميذ الفصل الثلاثة عشر- إيجابية على استبيان فيما يتعلق بعبارات توضح أنهم أصبحوا متعلمين أفضل وبشكل أكثر سهولة كما استمتعوا بالعلوم أكثر من خلال استخدام تشكيلة من الذكاءات المتعددة، كذلك أحبوا العمل بشكل تعاوني مع تلاميذ آخرين في مشروعات.

وفي دراسة كامبابيلو وآخرين (Campabello et al., 2002) عن "الموسيقى تُعزز التعلم" استخدم الباحثون استراتيجيات موسيقية لتؤثر وتزيد استدعاء وذاكرة التلاميذ. كان المشاركون من فصل برياض الأطفال (31) تلميذًا، وفصل بالصف الثاني به (23) تلميذًا و (5) تلاميذ في برنامج تربية خاصة، وفصل بالصف الخامس (25 تلميذًا) من ثلاث مدارس ابتدائية. تحقق لدى الباحثين وجود صعوبة لدى التلاميذ في استدعاء الحقائق والمعلومات في مواد مختلفة من خلال عدم القدرة على اكتساب التمكن من نطاقات مهارة مستوى الصف الدراسي. تم تنفيذ التدخل التجريبي لمدة 14 أسبوعًا في الفترة من سبتمبر 2001 حتى ديسمبر 2001، وشمل تنفيذ أنشطة فردية وأنشطة مجموعة وأنشطة تعلم تعاوني في مجموعات صغيرة، كما تم دمج أداء حركات مع الأغاني. تم تقييم أثر التدخل بواسطة استبيانات قبلية وبعدية للتلاميذ والآباء لتحديد الاتجاهات عن التعلم من خلال الموسيقى في الفصل الدراسي وكيف يمكن للتلاميذ أن يتعلموا، وقوائم تحقق ملاحظة للتلميذ، ويوميات أسبوعية للتلاميذ، وسجلات تدوينية لملاحظة المعلم، واختبارات قبلية وبعدية. أشارت النتائج البعدية للتدخل التجريبي إلى زيادة في استدعاء الذاكرة –حيث حدث نمو إيجابي عام في الاحتفاظ بالحقائق الأساسية المتعلمة باستخدام التدخلات الموسيقية- والاندماج العاطفي للتلاميذ، وأن هذه الزيادة شجعت الارتباط الدافعي الذي شجع بدوره نجاحات إضافية. أشارت البيانات أيضًا إلى أن التلاميذ تعلموا المادة جيدًا وأصبحوا قادرين على نقل المهارات عبر المنهج إلى نطاقات مواد أخرى وإلى حياتهم الشخصية. بعض الأطفال أظهروا احتياجهم للدمج الحركي لاكتساب المعلومات واستخدموا الحركات لمساعدتهم في الاستدعاء أثناء الاختبار البعدي.

وفي دراسة ابتسام محمد فارس (2006) عن "فاعلية برنامج قائم على الذكاءات المتعددة في تنمية التحصيل الدراسي ومهارات ما وراء المعرفة لدى طلاب المرحلة الثانوية في مادة علم النفس" هدفت الدراسة لتحديد أثر برنامج قائم على نظرية الذكاءات المتعددة في مادة علم النفس على تحصيل ومهارات ما وراء المعرفة لطلاب الصف الثالث الثانوي أدبي. تكونت عينة الدراسة من (128) طالبًا وطالبة قُسموا لمجموعتين: تجريبية تتكون من (59) طالبًا وطالبة، وضابطة تتكون من (69) طالبًا وطالبة. استخدمت الباحثة مقياس التقييم النمائي للذكاءات المتعددة لبرانتون شيرر تعريب رنا قوشحة، كما أعدت اختبارًا تحصيليًا يقيس المستويات المعرفية الستة لبلوم، ومقياسًا لمهارات ما وراء المعرفة. أشارت النتائج إلى تحسن التحصيل الدراسي ومهارات ما وراء المعرفة لتلاميذ المجموعة التجريبية نتيجة لاستخدام البرنامج.

وفي دراسة بوشاسك وسيتلس (Pociask & Settles, 2007) عن "زيادة تحصيل التلاميذ من خلال استراتيجيات مستندة للمخ" هدفت الدراسة لتغيير مستوى ارتباط التلاميذ من أجل زيادة تحصيلهم الدراسي عن طريق دمج استراتيجيات الذكاءات المتعددة في الدروس اليومية. تكونت عينة الدراسة من 6 تلاميذ بالصف الثالث و 5 بالصف الرابع من ذوي صعوبات التعلم من إحدى المدارس، و11 تلميذ علوم بالصفين السابع والثامن من مدرسة أخرى ذوي درجات اختبار ودافعية وسلوك سيئة والتي أثرت سلبيًا على تعلمهم. أُجريت الدراسة في الفترة من سبتمبر 2006 وحتى يناير 2007م. تم جمع البيانات من خلال قوائم ملاحظة ومسوح للآباء وقوائم ذكاءات متعددة كأدوات قياس قبلي/بعدي، كما ساهم التلاميذ في التعريف بذكاءاتهم المتعددة الأقوى وكيف تؤثر في تعلمهم عن طريق كتابة تدوينات يومية لمدة سبعة أسابيع. أشارت النتائج إلى أن دمج استراتيجيات الذكاءات المتعددة في الدروس اليومية جعل التلاميذ أكثر ارتباطًا بعملية التعلم، كما حسَّن تقدير الذات لديهم، وزاد معدلات الاحتفاظ بالتعلم، وأثرى الدافعية للتعلم، وأنقص مدى السلوك الذي يقضيه التلاميذ بعيدًا عن المهمة التعليمية، حيث نقصت كل السلوكيات السالبة بدلالة خاصة عدم الاحترام تجاه المعلمين والزملاء.

هذا وتشير نتائج دراسة شنايدر وآخرين (Schneider et al., 1987) إلى أن الذكاء كان له تأثير على ما وراء الذاكرة في كل المجموعات العمرية من بين أطفال المدرسة الابتدائية. وتذكر كارليسون بيكرينغ (Carlson-Pickering, 2001) أن الذكاء الشخصي قد أصبح من أكثر الذكاءات التي نستخدمها اليوم من منظور تربوي.. فالتلاميذ اليوم لا يُطلب منهم فقط أن يُمدوا بإجابة عن المشكلة بل عادة ما يطلب منهم أن يُفسروا كيف وصلوا للحل؟.. ولا شك أن إجابة كيف؟ تتطلب منهم استخدام قدراتهم في ما وراء المعرفة Metacognition.. ونظرًا لاختلاف مستوى الذكاء الشخصي لدى التلاميذ فإن بعضهم يعتبر الإجابة مهمة سهلة بينما يجدها آخرون شديدة الصعوبة عن إدراك إجابة المشكلة المطلوب حلها أساسًا، مع ذلك يرى أغلب المعلمين أن هذا يقود لفهم أفضل للمحتوى. ومما يؤكد على هذا ما وجده كار وبوركوسكي (Carr & Borkowski, 1987) من أن ما وراء الذاكرة لدى تلاميذ الصفين الخامس والسادس الموهوبين كانت متعلقة بكل من التفكير التباعدي والتحصيل، مقترحين أن ما وراء الذاكرة تكون مستقلة عن –تظل مهمة لـ- التفكير التقاربي والتباعدي اللذين قد يكونان أساسًا للتحصيل الإبداعي.

نتائج الدراسة

يمكن إجمال النتائج التي توصلت إليها الدراسة في أن وعي التلميذات بالمجموعة التجريبية بقدرات الذاكرة لديهن لم يختلف عن وعي تلميذات المجموعة الضابطة، لكن بالرغم من ذلك حدث تحسن في مكونات التشخيص والمراقبة والتنظيم واختيار استراتيجية التذكر والدرجة الكلية لما وراء الذاكرة، ما ساعد على اتساق المعلومات بالذاكرة، وعمل على ارتقائها، ومن ثم حسَّن أداء المتعلمات في الفصلين التجريبيين بالدراسية وزاد من نموهن المعرفي. كما اتضح للباحثة –من ملاحظة التلميذات أثناء تطبيق البرنامج، ومقارنة درجاتهن القبلية والبعدية على مقياس مكونات ما وراء الذاكرة- أن درجات مكونات ما وراء الذاكرة والتحسن في تلك المكونات نتيجة لتطبيق البرنامج كان أفضل بالنسبة للتلميذات المتفوقات تحصيليًا بالمجموعة التجريبية منه لدى زميلاتهن في المجموعة نفسها، وهو ما يتفق ونتائج دراسة منال شمس الدين (2005) حيث كانت متوسطات درجات مكونات ما وراء الذاكرة للتلميذات مرتفعة التحصيل الدراسي أعلى من نظيراتها للتلميذات منخفضة التحصيل الدراسي.

توصيات الدراسة

بناء على النتائج التي توصلت إليها الدراسة توصي الدراسة بما يلي:

1- إنشاء مدارس عامة للتعليم الأساسي يتم فيها تطبيق مدخل الذكاءات المتعددة في كل المواد الدراسية لما لهذا النمط من المدارس من فوائد للنمو العقلي والمعرفي للتلاميذ والتلميذات؛ حيث توفر بيئة تعلم ذي معنى للتلاميذ، ما يكون له أثره في تطور عقولهم.

2- إعادة النظر في طرق وأساليب إعداد المعلمين –خاصة معلميّ العلوم- في كليات التربية؛ إذ أن الإعداد الحالي لمدرسيّ العلوم لا يؤهلهم لتطبيق استراتيجيات وطرق التدريس الحديثة، كما لا يفي بتزويدهم بالمهارات اللازمة لإدارة الفصل الدراسي أثناء تطبيق هذه الاستراتيجيات.

3- إعداد برامج تدريبية للمعلمين في الخدمة على استخدام مدخل الذكاءات المتعددة، وذلك من أجل تأهيلهم لتطبيقه.

4- إعادة تشكيل وصياغة المناهج الدراسية لمرحلة التعليم الأساسي وكراسات التدريبات والأنشطة للتلاميذ وكذلك أدلة المعلمين لتنفيذها في ضوء مدخل الذكاءات المتعددة.

5- تعديل الأهداف الدراسية في ضوء ما وراء المعرفة؛ أي التفكير في طريقة تفكيرنا والتخطيط لها وتنظيمها.

6- زيادة عدد حصص العلوم بالمرحلة الإعدادية إلى ست حصص أسبوعيًا بدلًا من أربع.

7- تفعيل دور المتعلم في العملية التعليمية، حتى يصبح له دور نشط في تعلمه، ما يؤثر إيجابيًا في تحصيله الدراسي، وتذكره للمادة المتعلمة.

8- ضرورة إعادة النظر في نظام التقويم الشهري للتلاميذ في المدارس، وتعميم نظام التقويم بالحقيبة الوثائقية portfolio على أن يتم تقديم دورات تدريبية للمعلمين في الخدمة على تطبيقه لضمان تطبيقه بطريقة صحيحة؛ لأن هناك من المعلمين من يتوهمون أن تنوع الأنشطة التعليمية يعني تقديم تشكيلة من الأنشطة اللغوية وحسب!

 

د. منى زيتون

.........................

* البحث كاملًا منشور ورقيًا في مجلة دراسات تربوية ونفسية "مجلة كلية التربية- جامعة الزقازيق"- العدد 71 - أبريل 2011م- الجزء الثاني.

* تتضمن الدراسة الكاملة أجزاءً منهجية وإحصائية و4 جداول، وشكلًا واحدًا، و77 مرجعًا، ويمكن للمتخصصين الرجوع إليها لتمام الفائدة.

 

 

 

عبد العزيز قريشقبل البدء:

مفهوم المواطنة هو نتاج الحراك الاجتماعي الواقع داخل المجتمعات وفيما بينها منذ وعى الإنسان طبعه الاجتماعي، حيث حصلت تطورات وتحولات اقتصادية وسياسية وثقافية واجتماعية وفكرية وتكنولوجية وبيئية وعلمية هامة عبر العصور والأزمنة، أفضت في مسارها وخطها التاريخي والزمني إلى تشنجات وصدامات بل وإلى حروب بين مكونات المجتمع الواحد كما بين المجتمعات نتيجة الانحباس في المنابت الاثنية أو الإيديولوجية أو السياسية أو القومية أو الثقافية أو الجغرافية أو العقائدية، مما ولد شعورا بالإحباط لدى الجميع من الوجهة التي سارت إليها الإنسانية والطريق المسدود الذي تعيشه جراء فقدان القيم الناظمة للحياة الاجتماعية في العصر الحديث. فتولدت رغبة أكيدة عند كل مكونات المجتمعات في تجاوز محن الإنسانية من خلال الاهتداء إلى مضامين نظرية قابلة للتطبيق على أرضية الواقع مستوحاة من الشرائع الإلهية والوضعية ومن الثقافة ومن التدافع الحضاري...

ومن تلك المضامين نجد المواطنة، وهي (لم تخرج من كتاب واحد بصورة كاملة بل قد خرجت من كتب الدين، النظريات السياسية والقانونية، التهذيب الأخلاقي، وحتى من الشعر الملهم البطولي)[1] حيث بعدها الفلسفي ينبع من الفكر المؤسساتي القائم على القواعد القانونية الصريحة المتضمنة في مجالي الواجب والحق المحتضنة للتساوي والديمقراطية والشفافية والحرية والعدل وضمان الحقوق الفردية والجماعية للأفراد والجماعات إزاء الانبناء (على الكفاءة الاجتماعية والسياسية للفرد)[2] بعيدا عن اعتبارات البلقنة الضيقة .

فالمواطنة تحتل مركز الفكر الدستوري والقانوني والسياسي والاجتماعي والتربوي والثقافي وقلب الدولة المدنية والحداثية بل (ثمة علاقة عميقة وجوهرية بين مفهوم المواطنة والأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية السائدة)[3] فإذا كانت الفلسفة الاجتماعية العامة للمجتمع هي التي تنظر للمواطنة مدخلا لبناء المجتمع والحفاظ على لحمته ضمن إطار من أداء الواجب واستيفاء الحق وبشروط موضوعية وذاتية ومؤسساتية ضامنة لنجاحها وخاصة فيما يتعلق بتنوع المجتمع بنية ووظيفة عبر تنوع مؤسساته ومكوناته الأساسية بما فيها الأقليات. ذلك أن المواطنة (لا تبنى بدحر خصوصيات المواطنين أو تهميش بعضهم لدواع ومبررات معينة، وإنما هذا المفهوم يبنى كحقيقة واقعية باحترام الخصوصيات وفسح المجال القانوني والثقافي لكل التعدديات والتعبيرات للمشاركة في بناء الوطن وتعزيز قوته وإنجاز مشروعه التنموي والحضاري)[4]؛ فإن الواقع المعيش هو الذي يطبق تنظيرات الفلسفة الاجتماعية للمجتمع ويمنحها قيمتها العملية والإجرائية والتداولية بين الدولة ومواطنيها وبين المواطنين فيما بينهم وبين الجماعات والأفراد وبين الجماعات فيما بينها بواسطة سن قوانينها ونشر ثقافتها وتربية قيمها، وإجرائها في حياة الناس على قدم المساواة والعدل. ومن ثم فسن القوانين وظيفة سياسية بالدرجة الأولى يتولاها النظام ومؤسساته المتنوعة خاصة منها الأحزاب السياسية والمؤسسات الدستورية، وأما نشر ثقافتها فهو وظيفة فكرية مجتمعية بطبيعتها يشارك فيها الجميع خاصة الطبقة المثقفة والإعلام والمؤسسات المدنية، والتربية على قيمها وظيفة أخلاقية واجتماعية وتربوية في عمقها، ترتبط أساسا بالتنشئة الاجتماعية للكائن البشري لتأهيله للاندماج في المجتمع المحلي والعالمي تحت سقف المواطنة، وهي منوطة بالأسرة والمدرسة بالدرجة الأولى.

والمواطنة ليست شعارا فحسب وإنما هي واقع معيش في ظل قوانين وقيم وثقافة الحقوق والواجبات التي تدفع المواطن إلى رعاية وطنه كرعايته لنفسه في مقابل رعاية الدولة لمواطنيها كرعايتها لنفسها مع استحضار بعد التنوع والتناغم بين مكونات المجتمع والوعي الاجتماعي بالقوانين الإلهية المبثوثة في الكون الحافظة للتنوع والاختلاف من مبدأ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)[5]. بما يقتضي ذلك من تنوع رائع منسجم متناسق كتنوع ألوان اللوحة الفنية وتناسقها وتناغمها لتنسج لوحة جميله تعشقها العين قبل الفكر. فالتنوع والاختلاف سمة الكون بثها الرحمان فيه ليجد كل منا غايته فيه. ألا ترى العيون اللوحة الواحدة فتذهب في رؤيتها مذاهب شتى! وتقرأها قراءات متنوعة! ومن علم الله تعالى وخبرته بالإنسان جعل الكرم يتربع قمة المواطنة لأنه يذيب جميع الحساسيات ويقهر جميع التشنجات ويجمع كل رؤى في روابط اجتماعية مقننة بالتشريع!

ومن مدخل التربية على قيم ومبادئ وأسس المواطنة ترتبط المؤسسة التعليمية بمسألة المواطنة ارتباطا عضويا ووظيفيا، حيث تمثل المؤسسة التعليمية مرفقا من مؤسسات المجتمع السياسي الرسمي منوط بها وظيفة التربية والتكوين التي تقوم أساسا على قيم المواطنة وحقوق الإنسان والديمقراطية والعدالة والمساواة والحرية في الحياة المدرسية انطلاقا من أدبيات الفكر التربوي بما فيها الفلسفة التربوية والتشريع المدرسي؛ فالميثاق والكتاب الأبيض يذهبان إلى ذلك مذهبا صريحا وواضحا، وبذلك فالمؤسسة جزء من بنية المجتمع الرسمي للدولة من جهة أولى ومن جهة ثانية تعد مكونا رئيسا من بنية المجتمع العام؛ منوط به التنشئة الاجتماعية والتأهيل للنشء قصد الاندماج في المجتمع. ويزداد هذا الارتباط مثانة في ظل وجود التباس اجتماعي في المؤسسة التعليمية ناشئ عن سياق الظواهر المرضية التي تعيشها واقعيا انطلاقا من كونها مجتمعا صغيرا مستنسخا من المجتمع الكبير. تتجسد فيه الظواهر الاجتماعية وغيرها بكل تفاصيلها، من قبيل العنف المدرسي السائد في المؤسسات التعليمية إزاء تدهور العلاقات الإدارية والاجتماعية بين مكونات تلك المؤسسات وتحطم القيم والمبادئ الناظمة للعلاقات والغش...

من هذا الواقع المدرسي المتوتر والمتشنج بل والمتفجر في كثير من الأوقات؛ تنبعث مسوغات طرح مجموعة من الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالمواطنة والمؤسسة التعليمية، من قبيل:

* لماذا التركيز على المؤسسة التعليمية في مسألة المواطنة؟

* وما المواطنة من منظور مدرسي؟

* وما الإشكالات التي يطرحها واقع المواطنة والمدرسة؟

* وكيف تصوغ المدرسة المواطنة بآلياتها وتنشئ النشء عليها؟

* وهل مدرستنا مؤهلة لمهمة بناء المواطنة في النشء؟

أسئلة كثيرة مفتوحة في سياق المواطنة والمدرسة تتطلب جهود فريق لا فرد لمقاربتها بحكمة وبشمولية في إطارها العام. لكن سأكتفي هنا بالتركيز على الأسئلة الثلاث الأولى؛ لعلي أضع معالم كبرى قابلة أن تكون موضوعات للتحليل والنقاش في ظل التجاذب الفكري المتعاظم بين مفكري مختلف المشارب السياسية والاجتماعية والتربوية وغيرها. خاصة منهم المتخندقون في الأطر السياسية والإيديولوجية والعقائدية والثقافية.

1 ـ لماذا التركيز على المؤسسة التعليمية في مسألة المواطنة؟

ليس غريبا أن المدخل الحقيقي لأنسنة الإنسان وقولبته في سحنة ما وفق منظور المجتمع السياسي باسم المجتمع العام، الذي خوله عبر المؤسسات الدستورية وبالطرق الديمقراطية !؟ أن ينوب عنه في الصغيرة والكبيرة ويصرف الشأن العام باسمه، هو المؤسسة التعليمية لأنها الأداة التربوية المروج لها سياسيا واجتماعيا وثقافيا وإعلاميا بلغة التنشئة الاجتماعية والتأهيل العلمي والمهني للاندماج في المجتمع، والجسر الذي يمر منه النشء إلى المجتمع، ومن هذا العنوان يدخل المجتمع السياسي لتشكيل السحنة المطلوبة لمفترض مستقبلي، يطغى عليه الخطاب السياسي وممارسته العملانية بلغة تربوية وتعليمية وعلمية تظهر على سطحها ما تخفيه في عمقها ويترسب في قاع سدها. فتتجلى في علوم مختلفة تقدم معرفة وأفكارا ونظريات وقيما وسلوكات ونماذج وكفايات وغيرها بلباس العلم المحايد بما هو العلم اصطلاحا، لكنه يعيد الإنتاج من جديد[6] في غفلة من المجتمع الذي يطمح للتغيير والتطور، على مستوى التفكير بالدرجة الأولى فضلا عن طبقات المجتمع.

وضمن هذا العلم المحايد؛ هناك تشكيل مقصود ومباشر للعقل الجمعي والشخصية الجمعية بما يوجهه نحو المستهدف من التربية والتكوين. وبذلك كانت المؤسسة التعليمية مطلب المجتمع السياسي قبل المجتمع العلمي والثقافي والاجتماعي لكي تعيد (إنتاج السائد الثقافي والاجتماعي... والتراتب الاجتماعي والحياة برمتها)[7] بل إعادة نفس المنتج السياسي تحت أسماء وعناوين مختلفة. فـ (المدرسة واحدة من أهم المؤسسات الاجتماعية التي يقع على عاتقها مهمة التعليم والتربية وبهذا فهي تقع في الصدارة كمؤسسة معنية بتطوير المواطنة وخلق الظروف المناسبة للتحول الديمقراطي غير أن المجتمع هو الذي يؤلف عناصر الثقافة المدرسية: المنطلقات الفكرية للمناهج والمقررات الدراسية، والقوانين والتشريعات، اللائحة المدرسية، نظام الامتحانات. أي أن ما يقدم في المدرسة ليس مستقلا عما يحدث في المجتمع والحياة والمدرسة)[8]. وبذلك تكون المدرسة هنا تابعا لا متبوعا، ويكون سؤال: " هل المدرسة تخلق المجتمع أم المجتمع يخلق المدرسة " سؤالا مشروعا؟

ولأجل زيادة توثيق مطلب المجتمع السياسي للمدرسة أكثر من أي مجتمع آخر؛ أسوق مثالا حيا من واقعنا المعيش، حيث ذهب مجتمعنا السياسي في عقود مضت ـ يعرفها ويعلمها الجميع ـ إلى إلغاء الفلسفة من الفكر التعليمي بمحاصرتها في منابعها الأولى لأنها كانت يومها مدخل المشاكسة والمعاكسة للمجتمع السياسي تقلب عليه المضاجع والمواجع، فسكنت وسكتت الفلسفة وحوصرت في مواضيع معينة ممسوخة ومبتورة ومشوهة وأقصي فعلها من المجتمع. لأن (الدولة وضعت أيديها على المدرسة التي فقدت دورها في تربية النشء لأنها كانت تعتبرها مصدرا للإزعاج وتفريخ بعض العناصر تنازع الدولة في سلطتها... [و] تهميش المدرسة بدأ عبر تبخيس رجال التعليم وعدم توفير الإمكانات الضرورية للقيام بعملية التدريس وتوجت بمنع تدريس مادة الفلسفة ومنع إصدار الكتب التي ترمز إلى المقاومة وتعتز بالوطنية، لكن هذه السياسة ... أتت بنتائج عكسية وأدت إلى بروز أشكال جديدة من المقاومة)[9] ، وعندما تأجج الحراك الاجتماعي وذهب إلى أبعد الحدود بوجود طفرات حادة وشاذة وعمياء وعنيفة تجلت بصورة واضحة في تفجيرات الدار البيضاء الأليمة والمؤسفة حقا. استدعيت الفلسفة من جديد ليس حبا فيها وتمجيدا لمكانتها في المجتمع ودورها في بناء العقل المنطقي والمحلل والناقد والمبدع؛ وإنما كمحارب وطني يذود عن المجتمع السياسي، بما يبعد الحراك الاجتماعي الراديكالي عنه بموازاة إبعاد مسؤوليته الكبيرة في هذا الحراك المتشنج نتيجة تخبطه في تصريف الشؤون العامة بما تقتضيه من حل الأزمات وإيجاد الحرية والشفافية والمساواة والعدالة والعدالة الاجتماعية وقيم المواطنة وغيرها. وطلب الفلسفة هنا مطلب للتحاور والنقاش والمدارسة للمختلف عليه لا لتأجيجه وصب الزيت عليه. لأن المسألة مسألة فكرية وإيديولوجية وعقائدية؛ وحده الحوار ينجح في تصريف المختلف عليه إيجابيا ويوجهه حيث يجب استثماره وذلك تحت عباءة المواطنة.

وبما أن مفهوم المواطنة مرتبط في أغلب جوانبه بالحقل السياسي والاجتماعي، فهو يقوم على أسس دستورية وقانونية واجتماعية وثقافية واقتصادية وتربوية وقيمية، تكون في مجموعها موضوع المواطنة، ومن ثمة كانت موضوعا معرفيا بامتياز قابلا للتدريس في صيغ متعدد وبمناهج متنوعة. ومنه ارتبطت المؤسسة التعليمية بالمواطنة من خلال وظيفتها العلمية كما ارتبطت بها من خلال وظيفتها التربوية انطلاقا من هيكل المواطنة المبني على القيم، والقيم شأن تعليمي محض. وبالتالي جاء التركيز على المدرسة في مسألة المواطنة لأنها الأداة بعد الأسرة التي تصوغ الأجيال عن قصد وعمد تحت مسميات عدة تبرر تلك الصياغة وذلك التدخل المباشر في تشكيل الإنسان نفسيا واجتماعيا وثقافيا وفكريا وعقائديا وإيديولوجيا.

2 ـ ما المواطنة من منظور مدرسي؟

لن نذهب هنا إلى تعريف المواطنة لغة واصطلاحا فذلك حاصل بحكم البحث في الموضوع والاطلاع على تفاصيله في حقول معرفية عديدة ومتنوعة. لكن سنذهب إلى المواطنة من منظور مدرسي، وهو منظور استقرائي لا لغوي ولا اصطلاحي. حيث تنظر المؤسسة التعليمية للمواطنة من منظورين متلازمين ومتلاحمين عضويا ومتكاملين وظيفيا وهما:

1.2. منظور معرفي:

يفيد هذا المنظور أن المواطنة قبل أن تكون سلوكا وممارسة هي حقل معرفي محض يدخل في مباحث عدة علوم بأجهزة مفاهيمية ومنهجية متنوعة، تشكل مادة مدرسية مستقلة أو مدمجة ممتحاة من المادة العالمة عبر النقل الديداكتيكي في أطر سياسية واجتماعية وفكرية وثقافية معينة، وفي شبكة تفاعلات بين مكوناتها النظرية وسيرورة تعليمية تعلمية معينة، منسوجة بيد المجتمع السياسي بالدرجة الأولى عبر السياسة التعليمية. تستهدف تمكين المتعلم من معرفة ما المواطنة؟ وهنا يصبح المنظور المعرفي أداة تعريف المواطنة لغة واصطلاحا وتعريف متعلقات التعريف وملابساته الفكرية والإشكالات التي يطرحا في الساحة الفكرية المتنوعة والسجالات السياقية في التعريف فضلا عن مكونات التعريف وأسسه النظرية والتطبيقية.

ومن هذا المنظور ترى المدرسة المواطنة خلا مادة علمية قابلة للتدريس وفق الأسس العلمية للعلم الاصطلاحي، فتنأى بنفسها عن السجالات والإشكالات المطروحة حولها. وتقدم المواطنة في صيغتها النهائية الحيادية كقيم وثوابت وحقائق علمية لا جدال فيها، تؤدي حتما إلى العدالة والمساواة والحرية بمجرد اكتسابها! وهذا وجه توهيمي وتمويهي لوجهها الحقيقي[10] وهو القيام بما طلب منها من قبل الجهة المسؤولة عنها رسميا القيام به تجاه المواطنة. وبذلك تظهر المدرسة خارجة عن نطاق التجاذب النظري أو الواقعي لإشكالية المواطنة، خاصة في عالمنا العربي والإسلامي الذي يتنوع عرقيا ودينيا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا حيث يشد هذا التنوع الولاءات بتلحيم عضوي وفكري قوي، تنحبس فيه المواطنة في مجالات ضيقة وتتخندق فيها كل معطياتها حتى تصير المواطنة مواطنات! وتستدعي المراجعة كمفهوم وافد علينا كما يراه البعض وأصل قديم لبس رداء الحداثة كما يراه البعض الآخر.

ومن ثم نجد المدرسة من المنظور السطحي التبسيطي تعرف المواطنة بأنها مادة دراسية مثل باقي المواد؛ تدرسها على قدم المساواة معها بعيدا عن أي تقاطع إيديولوجي أو عقائدي أو اثني أو ثقافي ... مع المطروح سياسيا واجتماعيا، وبعيدا عما يحمله المورد البشري من معتقدات وأفكار لأنها مادة علمية بالمواصفات المطلوبة عند العلماء وعند الديداكـتيـكـيين بما هي : (هي وحدة الانتماء والولاء من قبل كل المكون السكاني في البلاد على اختلاف تنوعه العرقي والديني والمذهبي للوطن الذي يحتضنهم، وأن تذوب كل خلافاتهم واختلافاتهم عند حدود المشاركة والتعاون في بنائه وتنميته والحفاظ على العيش المشترك فيه)[11].

لكن من منظور العمق فإن المدرسة تعرف المواطنة بحزمة من حزم تشكيل الهوية الفردية والجماعية للمجتمع الإنساني وفق رؤى معينة وقوالب مطلوبة. وهي مطلوبة من المجتمع السياسي، وهذا ما نلمسه في منطوق كلمة وزير التربية الوطنية السابق[12] الذي لمس عن قرب ابتعاد المؤسسة التعليمية عن المواطنة لأسباب جلية وخـفية تبعدها عن تحقيق أهدافها؛ مما جعله يقول في مقامه: ( ترسيخ المواطنة وهو منظور أساسي لم يطرحه أحد بكيفية مباشرة. وهــذا هو بيت القصــيد. وذلك لتصبح المؤسسة بيتا منظما، ومحترما، له من يصونه ويراقبه، وله من يعمل من أجل صيانته. ولا أعتقد أن مؤسساتنا حاليا تتطور في هذا الاتجاه. ولا أعتقد أيضا أنها تعيش أوضاعا تساعد على جعلها ذلك البيت الذي يفرض الاحترام. ما هي الأسباب ؟ على كل حال نحن الآن فتحنا هذا الملف ونطمح إلى معالجة الأوضاع بكيفية جدية. وكما جاء في التدخلات، نريد أن لا تعيش مؤسساتنا نوعا من الفوضى في كل جهات المملكة، هذا غير مقبول كيف ما كانت المبررات، والأخطر في المقابل هو السلوك الذي يقبل ما هو غير مقبول. فهناك تداخل العوامل، والعوامل الخارجية أصبحت تتحكم في سير وتدبير المؤسسات، وهنا لا أعمم. لكن هذا هو التطور الذي نلمسه من خلال ما أتوصل به شخصيا. لذلك، منظور ترسيخ المواطنة شيء أساسي كيف ما كانت الإكراهات والمبررات، وسنتخذ القرارات بنوع من التدرج لتحصين المؤسسة التعليمية، لأنها هي مرصد مصغر لما يجري داخل المجتمع، فلا بد من الاهتمام اليومي بالمؤسسات، لأنها هي المرآة والصورة والمحك. فبيت الوزارة هو المؤسسة، وبيت الأكاديمية والنيابة هي المؤسسة. كل ذلك جعلنا نعطي الأهمية التي يستحقها هذا الموضوع، ولا يجب أن نقلل مما يجب القيام به أو نقلص من أهميته، حذاري، لأنه وصلنا الآن إلى محطة متقدمة من تطبيق الإصلاح، وإذا لم تتحكم في هذا الحلقة /البنية /المؤسسة، من الصعب جدا أن نواصل الإصلاح ونحصن مكتسباته. لذلك، أدعوكم هذه السنة، وبدعم من الوزارة والشركاء، الاهتمام القوي والمتواصل بهذه الإشكالية) ومنه يتضح أن هاجس هذه الإشكالية تؤرق المجتمع السياسي.

وأما عن فحوى مضمون التعريف المدرسي للمواطنة تعرب عنه المادة الدراسية في تفاصيل الدروس المقررة سواء المستقلة منها أو المدمجة. وكلها شكليا وغائيا تسعى إلى إكساب المتعلم قيم ومبادئ ومفاهيم ومصطلحات المواطنة لكي يجد المتعلم فيها ما يشبع رغباته وطموحاته النظرية وتلبية لرغبته العلمية الافتراضية، ويجيب عن تساؤلاته العلمية المحدودة في ماهية المواطنة وواجباتها وحقوقها وشروطها وأساليب ترجمتها ميدانيا. وتبقى التساؤلات الجوهرية المتعلق بإشكالاتها خارج الدرس المدرسي بدعوى عدم البرمجة أو لضيق الوقت أو لسهو طارئ أو لمعطى علمي أو منهجي ؟!

2.2. منظور عملاني واقعي:

يفيد هذا المنظور أن المواطنة هي واقع ممارس بما يضمن مستلزمات المواطنة واجبات وحقوقا وشروطا وقيما، يجد المتعلم في فضاء المدرسة المواطنة ممارسة بكل وضوح، من حيث أن المدرسة مجتمع مصغر للمجتمع الكبير وكيان رسمي يعبر عن واقع حال الكيان الرسمي للدولة. ومن ثم يجد المتعلم نفسه متساويا مع زملائه في الحقوق والواجبات بعيدا عن معطياته الدينية أو المذهبية أو العرقية أو الاقتصادية أو الثقافية أو قناعاته السياسية ... ويجد حرية وعدلا في التعاطي مع قضاياه المدرسية في حدها الأدنى إن لم نقل قضاياه الاجتماعية التي يعيشها يوميا عبر تحريك المادة الدراسية تجاه إيجاد حلول لها من خلال مجموعة أسئلة ومناولات مساعدة، كما يجد وسطا مدرسيا ينعم بالسلم الاجتماعي ولحمته بين مكوناته قوية إزاء تقدير قدراته وإمكاناته الذهنية والفكرية والعقلية والعملية وكفاءاته الإجرائية. كما يجد المتعلم الديمقراطية في وسطه المدرسي بما يسمح له بالمشاركة الفاعلة والفعالة في الشأن التعليمي من خلال الآليات القانونية والتشريعية والتقنية الخاصة بذلك.

وهذا المنظور يعرف المواطنة بأنها ممارسة المتعلم الفعلية للحقوق والواجبات ضمن شروط ومستلزمات المواطنة داخل الفضاء المدرسي. وبالتالي هو منظور يرتبط ارتباطا عضويا ووظيفيا بالتعريف الأول ليشكلا وجهي عملة المواطنة بمفهومها الصحيح سواء تعلق ذلك المفهوم بالحقل السياسي أو بالحقل الاجتماعي أو الاقتصادي أو الثقافي. ونحن نجد الارتباط العضوي قائم على المضمون العلمي والثقافي والتعليمي للمواطنة. ونجد الارتباط الوظيفي في التلاحم بين النظري والتطبيقي في عملة المواطنة لتجسيد قيمها وسلوكاتها وأداءاتها ميدانيا، فيقتنع المتعلم بجدواها كمدخل لتحقيق ذاته الفردية وذاته الجماعية من خلال تحقيق رغباته ضمن حدود المواطنة. لكن عندما يفارق النظري الواقع الممارس إما استباقا أو تأخرا أو تنافيا؛ فوقتها لا تجد المواطنة مدافعا مقنعا أو مجادلا ملتزما وإنما تنهار كفكرة وقيمة معا. لذا كان النظام السياسي المغربي واعيا بمدى أهمية المؤسسة التعليمية في ترسيخ قيم المواطنة، ذلك أن المشروع التنموي المغربي يمر عبر الإصلاح التربوي (اعتبارا لدوره الحاسم في تعميم المعرفة، وترسيخ قيم المواطنة، وإعداد أجيال المستقبل)[13] و(اعتبارا لكون الحق في التربية يكلفه الدستور، وبالنظر إلى المكانة المتميزة التي يتبوؤها التعليم والتكوين في المشروع المجتمعي الذي نقوده من أجل المغرب، كناقل حاسم لقيم المواطنة والتسامح والتقدم)[14]؛ولن يكون النقل والترسيخ غير الممارسة الفعلية للمواطنة في المؤسسة التعليمية.

والمؤسسة التعليمية مجال اجتماعي؛ يجب أن تربط بين النظري والعملي لتأسيس منطق العلم عند المتعلم على الوحدة العضوية بين النظري والتطبيقي والتكامل بينهما وتمكينه من القيمة العملانية للعلم، بما يعني من توجيه النظري للعملي وتصحيح النظري للعملي في تزامن واقعي بينهما لكي لا تنتفي عن العلم صفة النفعية. لذا؛ كان أفضل العلم هو المترجم على أرض الواقع؛ وهذا مذهب من مذاهب الفكر التربوي الإسلامي والغربي على حد سواء. فقد وجدنا عند العديد من التربويين الربط بين العلم والعمل تماشيا مع سيرة أشرف الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي كان ترجمان القرآن الكريم على الأرض، فقد كان قرآنا يمشي على الأرض كما قالت عائشة رضي الله عنها. وها هو ابن باديس يقول تربويا: (من دخل في العمل بلا علم لا يؤمن على نفسه من الضلال ولا عبادته من مداخل الفساد والاختلال)[15] وبذلك (حرص ابن باديس على جعل العلم أساس العمل وجعل العمل متكاملا مع العلم واضح في جميع أقواله التي طرح فيها المسائل المتعلقة بالعلم والعمل .لأنه ربط النظرية بالتطبيق من صميم التربية في الإسلام وحقيقة من الحقائق الكبرى التي يقوم عليها الفعل التربوي المتطور لأن قيمة العلم ليست قيمة مطلقة إنما قيمته في التطبيقات والممارسات التي تترجم الحقيقة العلمية وتجسدها للعيان ، وتجعلها فعلا حيا بين الناس يبنون به حياتهم فالعلم الذي يبقى مجرد متعة فكرية لا يفيد وكذلك العمل فهو ليس قيمة مجردة عن المنفعة التي يحققها والأساس العلمي الذي يقوم عليه)[16]. ومن هنا، فالمؤسسة التربوية تنظر إلى المواطنة على أساس أنها ممارسة فعلية للجانب النظري الذي تقدمه للمتعلم. وانطلاقا من كونها مؤسسة سياسية واجتماعية فهي تقدم للمتعلم القدوة والمثال الذي يجب أن يقتدى به، حيث (القدوة في التربية هي أفعل الوسائل جميعا وأقربها إلى النجاح. من السهل تأليف كتاب في التربية! ومن السهل تخيل منهج، وإن كان في حاجة إلى إحاطة وبراعة وشمول ... ولكن المنهج يظل حبرا على ورق ... يظل معلقا في الفضاء ... ما لم يتحول إلى حقيقة واقعية تتحرك في واقع الأرض ... ما لم يتحول إلى بشر يترجم بسلوكه وتصرفاته ومشاعره وأفكاره مبادئ المنهج ومعانيه. عندئذ فقط يتحول المنهج إلى حقيقة، يتحول إلى حركة، يتحول إلى تاريخ)[17].

والسؤال المطروح في إطار منظور المؤسسة التعليمية للمواطنة بشقيه النظري والعملي هو: هل المتعلم فعلا يتشبع بالمواطنة روحا وممارسة؟ وتصبح سلوكا مدمجا في شخصيته وممارسة يومية تتعدى أسوار مدرسته؟

هذا السؤال يحيلنا على الإشكالات التي تطرحها المواطنة على المؤسسة في مقابل الإشكالات التي تطرحها هذه الأخيرة على المواطنة. وهنا بيت القصيد الذي ينسف من الداخل وظيفة المؤسسة التعليمية بمجمل تناقضاته وسلبياته. فترى ما الإشكالات التي تعيشها المواطنة والمدرسة معا من خلال وظيفة المدرسة؟

3 ـ بعض إشكالات واقع المواطنة والمدرسة:

ليس الواقع كالتنظير، وليس البساط ممهدا للمواطنة لاستنباتها في الفضاء المدرسي دون ارتجاج فكري أو عملي، لأن الفضاء المدرسي جزء مجتمعي من مجتمع عام يعيش ممارسات وتناقضات وسلبيات وتدافعات وتراكمات تاريخية وثقافية وتربوية واجتماعية تحمل ما تحمل من مضادات المواطنة، وتعمل على نسفها أو على الأقل كبحها وتعويقها رغم ما ذهبت إليه من إصلاح وانفتاح. فــ (المؤسسة التعليمية، على الرغم من المجهود المبذول على مستوى تغيير مناهج وبرامج المواد التعليمية، إن على المستوى المنهجي أو البيداغوجي أو التقني والفني، لا زالت في منأى عن الدخول في أجرأة مستويات التفعيل العملي والميداني لاستهداف الغايات الأساسية الكبرى؛ من مثل: ترسيخ قيم المواطنة الحرة، وتنمية روح المسئولية، ودعم التنمية الثقافية، والعمل في سياق البناء الديمقراطي. كما أنها ـ المؤسسة التعليمية ـ لا زالت غير ملامسة لغايات ضمان التماسك الاجتماعي وصيانة الهوية الوطنية المتعددة الأبعاد، وبصيغة أخرى يمكن القول بأن المؤسسة التعليمية لا زالت على حالها، وغير مواكبة للاهتمام الذي يوليه لها المجتمع المغربي بمنظور إصلاحي)[18]. ومنه نجد مشروعية البحث في الإشكالات المطروحة ومنها:

1.3. إشكال التنظير من فوق وداخل الغرف المغلقة والمكاتب المكيفة:

بما أن المؤسسة التعليمية واقع اجتماعي معيش لا افتراضي، وموضوع اجتماعي شيئي لا موضوع تجريدي مستنبت من الميتافيزيقا بالمفهوم المفارق لعالم الحس. فالواجب عند التنظير لها الانطلاق من واقعها المعيش لملامسة إشكالاته ومشاكله عن قرب، بما يفيد القيام بدراسات ميدانية ومسحية لواقع هذه المؤسسة قصد الانطلاق من حقائقها الموضوعية والواقعية لا الافتراضية؛ مما يجعل التنظير متينا مرتبطا بالأطر الموضوعية والذاتية والمتطلبات الفعلية لهذه المؤسسة بما تعني من مدخلات بشرية.

ولأجل أن تكون للمؤسسة مصداقيتها الميدانية يجب أن تحقق المتطلبات الفردية والجماعية للمتعلم، وأن يجد فيها ما يشبع فعليا وعمليا تلك المتطلبات. وهذا ما لا يقدمه التنظير من فوق بملابساته السلطوية القهرية والجزرية، التي تلغي ذات المتعلم وتحيله إلى طالب معرفة فقط لا مشارك في برمجتها وتخطيطها وبنائها. فالمتعلم الذي يخاطبه الخطاب التربوي بأسلوب فوقي مفارق لواقعه المعيش لن يحدث فيه تغييرا ولا إقناعا ولا إثارة ولا حافزية ولا تحديا. فمثلا: ما جدوى الحديث ضمن المواطنة عن حق المشاركة في تدبير الشأن العام بتخصيص في الشأن المدرسي وبحصر في تدبير الحصة الدراسية، وقد نزل عليه نص لغوي أو قضية معرفية من فوق تفوق قدراته العقلية أو حالته الاقتصادية أو الاجتماعية أو غير معني بها؟ كيف يكون الإقناع أو الإيمان بالقيمة تحت سلطة الكتاب المدرسي أو المدرس أو النظام التعليمي " العنف الرمزي " ؟ كيف يكون الإيمان بقيمة المشاركة في الشأن العام انطلاقا من عدم مشاركة المتعلم في برمجة احتياجاته وحاجاته التي قررها المبرمج التربوي في غيابه وأسقط حقه في المشاركة أو حتى استشارته؟ فالمواطنة لا تبرمج إلا من المعيش اليومي للمتعلم الذي لا يعرف عنه المبرمج المغربي سوى الأرقام والنسب الإحصائية. أما من هو؟ وما في جعبته من مكتسبات سابقة وأفكار وقيم وسلوكات ومعلومات؟ وما مهاراته وكفاياته وقدراته؟ وما متطلباته واحتياجاته وحاجاته؟ وما الموضوع والمنهجية المناسبين له؟ فذلك كله افتراضي من خلال التخمين التأملي على أحسن أحواله أو هو إرهاصات فكرية فيما يمكن توقعه.

وهذا تنظير يخلق تناقضا بين واقع المتعلم وبرمجة المواطنة، مما يؤدي إلى انفصام النظري عن العملي، وبذلك ينسف الهدف الذي سعى إليه حيث يحيل المواطنة إلى ترف فكري معلوماتي فقط قابل للتخزين في ذاكرة المتعلم يستدعى في الامتحان على أحسن تقدير.

2.3. إشكال درس المواطنة موضوعا ومنهجا:

وهنا؛ نجد أن التأليف المدرسي بما هو مفتوح على الهواية لا الاحتراف والعلمنة، ويقتحمه المختص وغير المختص فضلا عن الملابسات الإدارية والقانونية والتشريعية لا يترجم ما يريده حقيقة المبرمج التربوي الذي وضع المنهاج الدراسي. حيث يجري على درسه المدرسي ومادته المدرسية التباسات موضوعية ومنهجية يسيطر عليها العنف الرمزي والابتذال المعرفي والتعقيد الديداكتيكي. تزيدها الطين بلة الدلالات الخفية المبثوثة في ثنايا المتن التعليمي التي تحققها صور الكتاب فعليا؛ علما بأن (المدرس والمدرسة يلعبان دورا هاما في عملية التنشئة الاجتماعية بعد الأسرة، وذلك عن طريق معاملة المدرس للتلاميذ في الفصول وعن طريق مضمون المادة العلمية ومحتواها)[19]. فهذا الكتاب[20] يتحدث عن حقوق المعاق " ذوي الحاجات الخاصة " في حدود الاعتراف به وتعليمه وهي حقوق طبيعية مشتركة بين المعاق وغير المعاق، فأين حقوق المعاق في النص وما هي المواد القانونية الخاصة بها؟ وذاك الكتاب يتحدث عن الانتخاب وحملته من باب الحلقة والتهريج لا من باب أركان الدولة المؤسساتية والديمقراطية، وكتاب ثالث يقدم الديمقراطية وحقوق الإنسان بنص للغابة وما يقع فيها من وحشية وافتراس؛ ليقول في الأخير لمتعلم السنة الرابعة ابتدائي وقد تمرس على الحاسوب والإنترنيت : (وبدت لي الحياة الإنسانية عند ذلك جنة نعيم إذا ما قيست بالحياة في هذه الغابة الساكنة، لأن الإنسان قد أقام قوانين تحمي الضعفاء من الأقوياء، وتبيح للبطيء أن يسعى رغم بطئه، وللصغير أن يبقى رغم هوان أمره) خزعبلات تأليف مدرسي، يحاول تمرير خطاب ساذج على متعلم يشهد بأم عينه انهيار جنة الإنسان أمام أفعال وأفكار القوة العظمى في العراق وفلسطين وغيرهما، وأن الضعفاء لا تحميهم القوانين؟ بل تزيدهم ضعفا! وهلم جرا مما ابتلانا الله به من موبقات الرشوة وأكل المال العام وغيره. ويذهب إلى تكريس البطء والهوان في فكر المتعلم ويضمنهما له بالقانون الإنساني!؟ بل القياس هنا باطل لأنهما عالمان متشابهان ومتساوقان في المضمون والشدة. فكيف يقنع النص المتعلم بالديمقراطية وحقوق الإنسان من هذا المنطلق؟ وأين هي الديمقراطية وحقوق الإنسان في النص؟ نص يعيد تعليمنا إلى الغابة والقرون الوسطى بالتاريخ الأوروبي لا العربي الإسلامي. نص ...؟! " لا حول ولا قوة إلا بالله".

فهذا التباس في الموضوع كما في المنهج، فمادة المواطنة مادة قانونية بالدرجة الأولى تحمل في ثناياها قواعد قانونية ومواد تشريعية وحقوقا وواجبات، وقيما وأخلاقا وقواعد سلوكية لا يبرزها المتن التعليمي فكيف سيتشبع بها المتعلم؟ ويعرف ما له وما عليه بمثل هذا النص وغيره كثير كثير! فهذا التعاطي مع المواطنة وغيرها لن يزيد المواطنة في المدرسة سوى انهيارا وتمزقا وتأسفا على حالها.

3.3. إشكال عدم تأهيل المدرسة للمواطنة:

انطلاقا من كون المؤسسة التعليمية مؤسسة رسمية يجب أن تعبر من خلال حياتها المؤسساتية عن أهليتها لمقاربة موضوع المواطنة عبر قوانينها وبنيتها المادية والاعتبارية وتجهيزاتها وأدائها وسحنتها؛ نجدها خلاف ذلك! لأن بعض قوانينها يكرس العنف القانوني على المتعلم وعلى مكوناتها، فالمتعلم الذي يجد أستاذه باسم المواطنة وبحكم القانون تجمد في سلم معين مقابل أستاذ آخر يدرسه نفس المادة فتح السلم أمامه، ويجد مختبره يفتقد للمواد المساعدة في دراسته لهذه المادة أو تلك، ولا يجد مقعدا يجلس عليه بل يجد نفسه مكدسا في القسم شر تكديس، ويجد مؤسسته لا تحتوي على ملعب أو مرحاض أو قاعة ... كيف تخاطبه المدرسة بلغة المواطنة، وهو يرى بأم عينه سحق المواطنة باسم المواطنة!

فالمدرسة كمكون رسمي يجب أن تؤهل لغاية تدريس المواطنة بحيث نجعلها مواطنة لها حقوقها وعليها واجباتها التي لا نفرط في شروطها ومتطلباتها. إذن لا يمكن الانطلاق من التهميش إلى المواطنة إلا بإحقاق الحقوق واستيفاء الواجبات. لذا فمدرستنا مازالت غير مؤهلة بعد لتدريس المواطنة وهي مكبلة بأحمال ثقيلة حتى سحنتها وسخة لا ترى الطلاء إلا تبرعا أو تضامنا بين المحسنين أو شفقة من خارج! يتم في يتم! نريده أن يتحدث عن حنان الوالدين؟ فتدريس المواطنة له شروطه وظروفه ومتطلباته السياسية والاجتماعية ... حتى يقتنع بها المتعلم ويؤمن بها وبقيمها ومبادئها. وأما؛ والحالة هذه، فإننا نحاول أن نجمع بين المتناقضين بل المعاكسين في نفس المكان والزمان، فحتى توظيف منهج المحدثين في الاختلاف هنا لا يستقيم.

4.3. إشكال فاعلية المتعلم:

ترتبط المواطنة بالحقل السياسي ارتباطا عضويا كما أسلفنا، وحيث (المدرسة وحدة اجتماعية لها جوها الخاص الذي يساعد بدرجة كبيرة على تشكيل إحساس الطالب بالفاعلية الشخصية، وفي تحديد نظرته تجاه البناء الاجتماعي القائم. فهي تؤدي دورا حيويا في عملية التنشئة السياسية خصوصا أنها تمثل الخبرة الأولى المباشرة للطالب خارج نطاق الأسرة، وذلك من عدة زوايا، فهي تتولى غرس القيم والاتجاهات السياسية التي ينخرط فيها الطلاب، وليس بصورة تلقائية كما هو الحال في الأسرة أو المؤسسات الأخرى. كما أن المدرسة تؤثر في نوع الاتجاهات والقيم السياسية التي تؤمن بها الفرد، وذلك من خلال علاقة المعلم بالطالب، ومن خلال أداء المعلم لعمله، ومن خلال التنظيمات الإدارية)[21]. فمن المفترض وفقه في المؤسسة أن تفعل دور المتعلم في مقاربة المواطنة من خلال مداخلها السياسية والاجتماعية والثقافية والقيمية والقانونية، لكن ليس لمؤسساتنا شيء من هذا رغم ما قيل من إصلاح؛ فالتلميذ / المتعلم مازال على الهامش غارق في الحفظ والاستظهار. كل دروسه تلقين لا يحيد عنها الطباشير قيد أنملة، وإن أحسن بها فعبر بعض الوسائل والتجهيزات الالكترونية التي ليس لها قيمة مضافة على ناتجها التعليمي! أنشطتها مستغرقة في الإنشاء اللغوي، وفي الماضي وتمجيده والأشخاص، لا تشارك في نقد الحاضر وتعريته وهدمه لإعادة بنائه من جديد على أسس الحاضر. محورها الأستاذ، تغيب عن معظمها الوسائل اللوجستية كما يقع في المختبرات. وتقويمها اختبارات تقليدية. أسلوبها قهري بصيغة الأمر لا بصيغة المشاركة والانغماس في حل المشكل أو الوضعية التقويمية، تلمس فيه السلطوية والديكتاتورية، يؤدي إلى (انخفاض الدافعية عند التلميذ، وضعف قدرته على التركيز، وزيادة في توتره الداخلي، وميل إلى الثورة والغضب)[22]، وردة الفعل المتشنجة وربما العنيفة سواء إيجابية أو سلبية العنف!.

واقع تعليمي لا يجد فيه المتعلم نفسه ولا يجد فيه متعة التعلم. راكد قابع في طاولات تشبه مقاعد الناقلة لا تسمح له بالحركة ولا بتغيير طريقة الاشتغال. فضلا عن جمود منهجية التدريس في صيغ قديمة رغم ادعاء لبيداغوجيا الكفايات، ولعل نظرة سريعة على صيغ تقديم الدروس بين القديم والجديد تبرهن على أنها لم تشهد خلا تغييرات طفيفة جدا[23] والجوهر واحد. وهذا لا يفعل المتعلم ولا يمكنه من تشكيل شخصيته المستقلة بأبعادها المختلفة خاصة فيما يخص قناعاته نحو الآخر والوطن والمستقبل. ومن ثم فهو مسلوب الإرادة في المدرسة، مفعول به لا فاعل، مما يجعله متعلما سلبيا في تفاعله مع نفسه والآخر ومحيطه المدرسي والسياسي والمجتمعي.

واقع تعليمي يساهم في إنتاج متعلم مستهلك معرفيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وتكنولوجيا. متعلم ينقاد للسهل دون الصعب لا يقرب النقد والإبداع والابتكار إلا لماما أو عرضا. يؤمن بسلبيته وسكونيته. ألا ترى النظام التعليمي يتسلط عليه حتى في اختيار الشعبة بدعوى التوجيه وأي توجيه؟ يخالف رغباته بأقل معدل ، حيث يريد النظام التعليمي إنجاح فراسته النسبية وقراءاته الكهنوتية لمستقبل نجاح الإصلاح؟! فكيف نوطن المواطنة ونستنبتها عند المتعلم وهو غير فاعل في قسمه ومدرسته؟! ليست له مساحة الحرية المطلوبة في التعلم، كل التوجيهات مركزة في: " أنت افعل " وليس في: : أنا أفعل "!

5.3. إشكال فاعلية الأستاذ:

لقد تقلص بالتقنين المفرط دور الأستاذ وحصر في التنفيذ للمبرمج رسميا من متن تعليمي ومنهجية مقررة وخطوط حمر خفية؛ لم يعد الأستاذ معها يبتكر ويجتهد إلا للضرورة الملحة وخلسة! لذا لم يعد أداؤه يؤتي إلا القليل من النتائج، وأكثر جهوده ضائعة ومهدورة. فمثلا مع نص الغابة الذي مر بنا وهو نص لا صلة له بموضوع مجاله لا من قريب ولا من بعيد وإنما حشو وحشر على قياس من رمي به من السفينة للانقاذ وما هو بسباح ولا منقذ! لا يؤسس هذا النص لحقوق الإنسان ولا للديمقراطية ولا لثقافتهما، لأن موضوعه الغابة وليس تلك الحقوق. فماذا سيفعل الأستاذ حياله؟ فإن اجتهد فذاك خروج عن المقرر وإن التزم فتلك تفاهة رسمية تدرس للمتعلم بما لا يمكنه من حقوق ولا من واجبات، ولا من مؤسسات الديمقراطية أو من صيغ إنشائها، ولا من نهجها أو سلوكياتها. فهو مقيد الإرادة لا تُفتح دفاتره على الاجتهاد لأن رقابة الوزارة عبر أجهزتها الإدارية والتربوية وأنظمتها له بالمرصاد. فكيف يبني مواطنة أو غيرها؟!

إن تفعيل الأستاذ بترك هامش الإعداد الحر لدرسه وفتحه على أكثر من مرجع وأكثر من قضية وعنوان هو الكفيل ببعث الروح في درسه ودخ الدم من جديد في قلبه، بل بعث الحياة في أدائه ببعديه المعرفي والميتامعرفي قصد قراءة الآخر والأنا عن وعي عميق مما يكسب فعله معنى يحركه نحو النموذج المنظوماتي للمعرفة الكلي الذي يحقق عند الأستاذ التمكن من المعرفة الشرطية والإجرائية والتقريرية في المتن التعليمي المتعلق بالمواطنة، وبما يميز لديه بين المعرفة الصحيحة والخاطئة ضمن استحضار الفروق الفردية بين المتعلمين؛ لينقل فاعليته من السذاجة الإيبستيمية إلى الوعي الإيبستيمي الفاعل في المتعلم والموضوع والمجال.

ويزيد مشهد فاعلية الأستاذ تعقيدا أو تحسنا نمط شخصية الأستاذ وتكوينه وثقافته ووضعه الاجتماعي والاقتصادي ومظهره وسحنته الخارجية فضلا عن نوع العلاقات المنسوجة بينه وبين مكونات بيئته التعليمية المختلفة خاصة منها البشرية. فالعلاقات لها منطق التصديق على قيمة ما يدرس لمتعلميه من مواضيع بما فيها المواطنة. ومنه لا يمكن أن يقوم لدرس المواطنة في المدرسة قيام وقوام مادام النظام التعليمي يرى الأستاذ/ ة خلا منفذا لقراراته الفوقية ولا يترك له المبادرة.

6.3. إشكال مفارقة النظري لواقع المدرسة:

ينطوي هذا الإشكال على العديد من مواطن مفارقة النظري للواقع أو للتطبيق في الاتجاهين من المواطنة نحو المدرسة أو العكس انطلاقا من كون المدرسة مجالا سياسيا للسلطة الحاكمة تحمله بحمولة المواطن الصالح في عرفها ورؤيتها؛ ومجالا اجتماعيا لسلطة المجتمع يحمله بحمولة الهوية العامة المنبثقة من الموروث التاريخي للمجتمع وهي هوية لا تأخذ صورة واحدة جامدة لتعدد روافدها وتنوعها. ومن ثم يقوم الصراع في المؤسسة التعليمية بين سلطة السياسة وسلطة المجتمع، فتتقرر حقيقة عدم إمكانية الاشتغال المحايث عليها، لانصهار الروافد والتداخلات والتفاعلات في صبغ المدرسة بواقع الصراع الموجود في المجتمع العام والمجتمع السياسي بل والثقافي فضلا عن الاقتصادي. ونحن نجد انفصاما بين المؤسسة والمجتمع حيث (ثمة خلل في طبيعة الآليات الفاعلة والموجهة لقضية التعليم. لقد لوحظ طلاق حاصل بين المدرسة والمجتمع، بين المتعلم ومحيطه، وبين المتعلم وذاته كشخص وكشخصية)[24]. وهذا يقوض تدريس المواطنة في المدرسة لأن واقعها لا ينسجم مع خطابها ومعارفها المروجة في أدائها لوظيفتها المهنية على الأقل. فهي تشهد الفكرة ونقيضها في نفس الوقت، والقيمة وعكسها في ذات اللحظة بما يذكي في المتعلم الطلاق البائن بين شخصه وشخصيته!

فالمدرسة تعيش زمن المواطنة وزمن اللامواطنة في اليوم ألف مرة؛ فمثلا من حقوق المتعلم تكافؤ فرص التعلم داخل القسم بما يفيد تخصيصه بنفس المساحة الزمنية وبنفس المعلومة وبنفس المنهج المخصص لباقي زملائه لكن في واقع القسم هذا غير ممكن لأن السياسة التعليمية تقتضي حشر خمسين متعلما في الحجرة الواحدة وتخصيص ستين أو مائة وعشرين دقيقة للموضوع والمنهج وغير ذلك، مما يعني أن المتعلم ينتابه في حصته الزمنية عشر دقائق وأجزاء من الثانية؛ فهل يكفيه هذا الغلاف الزمني لاكتساب الموضوع والمنهج فضلا عن ملابساتهما؟ فأين تساوي تكافؤ الفرص في التعلم مقابل حجرة دراسية لنفس المستوى تحتوي على أربعين متعلما مثلا وفي نفس المدرسة؟ وأين تكافؤ الفرص في سياق الساعات الإضافية التي تأتي من تدهور خدمات المدرسة العمومية؟ وأين شخصية المتعلم المتوازنة أمام الفرز الممنهج للتلاميذ وفق المعدلات أو المحسوبية والزبونية والعلاقات الاجتماعية بمختلف أصنافها وأنواعها؟ وهي بالمناسبة ليست طارئة على المدرسة لأنها واردة من أزمة النظام التعليمي ككل، الذي تمارس فيه هذه العلاقات من أجل الترقية والانتقال وتبوء المناصب بعيدا عن معيار الكفاءة كأحد مبادئ وقيم المواطنة؟

فواقع المؤسسة التعليمية معروف ولا يمكن أن يرتفع كما هو واقع المجتمع السياسي والاجتماعي للأمة، ومن ذلك لا واقع المدرسة يقنع المتعلم بدعوى درس المواطنة ولا واقع خارج المدرس يقنعه هو الآخر بذلك. ومن ثمة يجد المتعلم درس المواطنة يدخل في باب تأثيث الفكر والذاكرة به كالمؤثثات الأدبية الأخرى، مادام لا يجد له امتدادا في معيشه اليومي بدء من طول انتظاره بباب المسؤول عن المؤسسة وانتهاء بطول انتظاره بباب المسؤول الإداري بالمرافق الإدارية الأخرى أو غيرهما. فتلك معطيات تتراكم لتشكل المكبح الحقيقي لدرس المواطنة وغيره في المدرسة.

وأي خطاب تعليمي للمعرفة من أجل النفع هو خطاب جامد وساذج في ظل واقع مفارق لتنظيراته. وعليه لن يطول القول في هذه الحيثية مادامت الإشارة تغني عن الجمل والكلمات لأن ذلك يشكل خبز يومنا وليلنا.

لــيــس خــتــامــا:

المواطنة والمدرسة في ظل الواقع المعيش المأزوم على مختلف الأصعدة ليست موضوعا مغلقا ومحسوما في أمره بقدر ما هو موضوع مفتوح للنقاش بما يبقي (صيغة الأزمة ملازمة للتعليم، وكأن قدر التعليم أن يكون قطاعا أزميا، فقد اعتبرته الدولة مصدرا أزميا، لأنه كان سابقا يولد نخبة سياسية معارضة، وهو الآن يولد توترا اجتماعيا بسبب الحركات الاجتماعية للمتخرجين المعطلين عن العمل، كما اعتبرته الفئات الاجتماعية مصدرا أزميا يولد التمايزات الاجتماعية ويكرس إجراءات الانتقاء والإقصاء ثقافيا واجتماعيا وبيداغوجيا، وينتج ترسبات سيكو ـ اجتماعية كالفشل الدراسي، التعثر والطرد المدرس، والبطالة، وينتج مفارقات تكوينية كالتباعد الحاصل بين التعلم والحياة عموما، والتباعد بين حاجات ورغبات المتعلم وواقع التعلم. كما اعتبره الممارسون مصدرا أزميا يولد تناقضات بين واجب الممارسة وواقعها، بين حاضر التعليم وطبيعة التكوين، كما أصبح ينتج ظواهر خطيرة، كالغش والعنف والغياب وضعف المستوى، إنها أزمة ممارسة. إنه أيضا مجال تتجسد فيه سلطة القرار، وإلغاء فعالية الممارسين والنظر إليهم كجنود عليها أن تنفذ، لا أن تفكر، وإطارا للعقاب يحرم فيه الممارس مما يتمتع به سواه من الموظفين، وبالتالي إنها أزمة الوضعية، ناهيك عن أزمة التكوين ومدى استمراره. لهذا أصبحت الرغبة في التعليم والجدية في التحصيل وفي التدريس مثار سخرية، وعلامة على السذاجة، ونعتا طوباويا وفقرا في الواقعية. وبالتالي أصبح التعليم نموذجا للضياع والهدر في المجهود وفي الزمن)[25].

فالأزمة مازالت قائمة رغم ما روج من إصلاح لأن الإصلاح لم ينطلق من الإنسان وإليه لأنه غاية التربية والتعليم والتكوين. فلم يبرح مكانه وإن علت وجهه مسحوقات التجديد، فالجسد والجسم قديم يستدعي مشرطا لاستئصال جراثيمه وطفيلياته. ويستدعي جراحا كفء فنانا يدري حقيقة فعله لا هاويا يستنبت المواطنة في تربة لم يؤهلها بعد ولم يكيفها لأجل البذور أو الشتائل؟! فذلك ضرب من الوهم يعلو الخطاب التربوي.

 

عبد العزيز قريش

.........................

المراجع:

ـ القرآن الكريم.

ـ رزنبرغ ، في " من دولة الرعية إلى دولة المواطنة، معقل زهور عدي، http://www.alfikralarabi.org/vb/showthread.php?t=2318

ـ د. فهد إبراهيم الحبيب، الاتجاهات المعاصرة في تربية المواطنة، مجلة المعرفة، وزارة التعليم، السعودية،http://www.almarefah.com/print.php?id=691.

ـ محمد المحفوظ، جريدة الرياض، السعودية، 22/03/2005.

ـ محمد المحفوظ، المواطنة وقضايا الانتماء الوطني، http://www.rasid.com/print.php?id=12779.

ـ مبارك سالمين، السياسة التعليمية والنظام التعليمي في اليمن ومدى توافقها في تكريس المواطنة والديمقراطية، http://www.wfrt.org/cedy/studies/res4_a.html.

ـ عبد المقصود الراشدي، http://www.ier.ma/article.php3?id_article=895

ـ أوليفيي روبول، لغة التربية، ترجمة: عبد السلام بن عبد العالي، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، 2002.

ـ الموسوعة الحرة ويكيبيديا، . http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%B7%D9%86%D8%A9 .

ـ د. حبيب المالكي، الكلمة التوجيهية في لقاء التنسيق الخاص بمديري الأكاديميات والنواب الإقليميين، الرباط 2 ـ 3 فبراير 2007، http://81.192.52.38/men/discours/alloc_min_2fevrier07.htm

ـ خطاب ملكي في المجلس الأعلى للتعليم .

ـ المادة1 من ظهير شريف رقم 1.05.152 صادر في 11 من محرم 1427 (10 فبراير 2006) بإعادة تنظيم المجلس الأعلى للتعليم، جريدة رسمية عدد 5396 – 17 محرم 1427 (16 فبراير 2006) .

ـ عبد القادر فضيل، فلسفة ابن باديس في مجال التربية والتعليم، http://www.binbadis.net/dirasat/lire_abdelkader_foudel.htm.

ـ محمد قطب، منهج التربية الإسلامية، دار الشروق، بيروت، لبنان، 1400/1980، ط4.

ـ سامر أبو القاسم، مهام منظومة التربية والتكوين وتحديات التعبئة والإدماج الاجتماعي، http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=59157

ـ د. مصطفى أحمد تركي، السلوك الديمقراطي، عالم الفكر، وزارة الإعلام، الكويت، المجلد 22، العدد2، 1993.

ـ د. فهد إبراهيم الحبيب، الاتجاهات المعاصرة في تربية المواطنة، مجلة المعرفة، وزارة التعليم، السعودية.

ـ عزيز لزرق، حدود وممكنات إصلاح التعليم، منشورات اختلاف 5، 2001، المغرب.

 هوامش 

[1] رزنبرغ ، في " من دولة الرعية إلى دولة المواطنة، معقل زهور عدي، http://www.alfikralarabi.org/vb/showthread.php?t=2318.

[2] د. فهد إبراهيم الحبيب، الاتجاهات المعاصرة في تربية المواطنة، مجلة المعرفة، وزارة التعليم، السعودية،http://www.almarefah.com/print.php?id=691.

[3] محمد المحفوظ، جريدة الرياض، السعودية، 22/03/2005.

[4] محمد المحفوظ، المواطنة وقضايا الانتماء الوطني، http://www.rasid.com/print.php?id=12779.

[5] القرآن الكريم، سورة الحجرات، الآية 13.

[6] انظر كتابات وكتب بيير بورديو صاحب نظرية إعادة الانتاج من منطلق الرأسمال الرمزي أو الثقافي وهو أخطر من إعادة الإنتاج من منطلق الرأسمال الاقتصادي لأنه خفي ولا يترك وراءه غبارا ولا دخانا.

[7] مبارك سالمين، السياسة التعليمية والنظام التعليمي في اليمن ومدى توافقها في تكريس المواطنة والديمقراطية، http://www.wfrt.org/cedy/studies/res4_a.html.

[8] نفسه.

[9] عبد المقصود الراشدي، http://www.ier.ma/article.php3?id_article=895.

[10] انظر في شأنه: أوليفيي روبول، لغة التربية، ترجمة: عبد السلام بن عبد العالي، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، 2002.

[11] الموسوعة الحرة ويكيبيديا، . http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%B7%D9%86%D8%A9 هناك تعاريف عدة؛ حيث رأيت هذا مناسبا للمجتمع المدرسي.

[12] د. حبيب المالكي، الكلمة التوجيهية في لقاء التنسيق الخاص بمديري الأكاديميات والنواب الإقليميين، الرباط 2 ـ 3 فبراير 2007، http://81.192.52.38/men/discours/alloc_min_2fevrier07.htm

[13] خطاب ملكي سامي بمناسبة تنصيب المجلس الأعلى للتعليم والإعلان عن إحداث هيئة وطنية للتقويم.

[14] المادة1 من ظهير شريف رقم 1.05.152 صادر في 11 من محرم 1427 (10 فبراير 2006) بإعادة تنظيم المجلس الأعلى للتعليم، جريدة رسمية عدد 5396 – 17 محرم 1427 (16 فبراير 2006) ص 405 . 

[15] عبد القادر فضيل، فلسفة ابن باديس في مجال التربية والتعليم، http://www.binbadis.net/dirasat/lire_abdelkader_foudel.htm.

[16] عبد القادر فضيل، نفسه.

[17] محمد قطب، منهج التربية الإسلامية، دار الشروق، بيروت، لبنان، 1400/1980، ط4، ص.: 180.

[18] سامر أبو القاسم، مهام منظومة التربية والتكوين وتحديات التعبئة والإدماج الاجتماعي، http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=59157

 [19] د. مصطفى أحمد تركي، السلوك الديمقراطي، عالم الفكر، وزارة الإعلام، الكويت، المجلد 22، العدد2، 1993، ص.ص.: 116 ـ 132.

[20] راجع أغلبية الكتب المدرسية في التعليم الابتدائي للغة العربية بقراءة ناقدة تتعجب لما تحويه من انزلاقات في المضمون والمنهج ونحملها أسماء لو نطقت لتبرأت منها.

[21]د. فهد إبراهيم الحبيب، الاتجاهات المعاصرة في تربية المواطنة، مجلة المعرفة، وزارة التعليم، السعودية، مرجع سابق.

[22] د. مصطفى أحمد تركي، السلوك الديمقراطي، مرجع سابق.

[23] يمكن إجراء مقارنة بين منهجية الكتاب الوحيد القديم في تقديم درس التراكيب أو الصرف أو التعبير وبين منهجية تقديمها في الكتاب الجديد، لتبين تطابقها في الجوهر وفي النظرية الديداكتيكية المؤطرة لهما.

[24] عزيز لزرق، حدود وممكنات إصلاح التعليم، منشورات اختلاف 5، 2001، المغرب، ص.: 21.

[25] نفسه، ص.: 69.

 

 

محمد بنيعيش1 - في بدء الجهر بالدعوة الإسلامية وعند المواجهة الأولى قد كان بإمكان رسول الله (ص) أن يخلص أصحابه الصديقين مما هم عليه في الظاهر من تعذيب ذلك لمعطيات ووقائع تثبت ذلك عمليا، ولكنه لم يفعل وذلك لحكمة عالية وبعد ما بعده من بعد لا علاقة له بالتخلي أو الضعف عن النصرة، كما يروى عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: "شكونا إلى رسول الله (ص) حر الرمضاء في وجوهنا وأكفنا فلم يشك"أي لم يدع لنا في الساعة الراهنة "[1].

يقول طه حسين فيما يناسب قصدنا من تناول المرحلة ويواكبه: " وكان التاريخ في ذلك الوقت كما كان في أكثر الأوقات أرستقراطيا لا يحفل إلا بالسادة ولا يلتفت إلا إلى القادة، وكان التاريخ كما كان في أكثر الأوقات ضنينا بخيلا ومستكبرا متعاليا، يحفل بالسادة في تحفظ ويلتفت إلى القادة في كثير من الاحتياط، لا يسجل من أمرهم إلا ما كان له شأن أو خطر ...

وكان ياسر من هؤلاء الدهماء فلم يحفل به التاريخ ولم يلتفت إليه ولم يصحبه في حياته الطويلة، ولم يسجل غدوه على التماس الرزق ولا رواحه على أهله بما اكتسب منه، حتى كان يوم أكره التاريخ فيه على أن يلتفت إلى الدهماء أكثر مما يلتفت إلى السادة والقادة، وعلى أن يسجل من أمر ياسر وأمثاله من عامة الناس أكثر مما يسجل من أمر حلفائه من بني مخزوم وأمثالهم من الملأ والسادة من قريش .

في ذلك اليوم نظر التاريخ فإذا أحداث ضئيلة تحدث لا يكاد الناس يأبهون بها ولا يعنون بها، ولكنها لا تكاد تحدث حتى تخفق لها القلوب وتنفتح لها العقول وتضطرب لها الضمائر، وحتى تعرف الدهماء نفسها وتشعر بحقها وتطمح إلى هذا الحق وتسعى إليه جادة لا وانية ولا فاترة، وحتى يذكر الملأ من قريش كل شيء، يرون المستضعفين في الأرض وقد سمت نفوسهم إلى أشياء لم تكن تنطلق بها، ويرون الرقيق وقد طمحوا إلى الحرية واشتاقوا إليها، وهاموا بها وجعلوا يتحدثون فيما بينهم كأنهم ليسوا أقل من سادتهم استحقاقا للحياة ولا استئهالا للكرامة، ولا ارتفاعا عما ينقص ولا تنزها عما يشين[2] ...

ونظر التاريخ ذات يوم إلى مكة فرأى فيها هذه الأحداث الصغار الكبار، وسمع فيها هذه الأحاديث التي كانت تهمس بها الأفواه وتصيح بها الضمائر والقلوب والنفوس ..."[3].

قلت: قد كان بوسع رسول الله (ص) أن يحسم المعركة وينهي المواجهة مع أعداء الدعوة بمجرد دعاء يخضعهم فيه بالجلال والإرادة الإلهية المعجزة كما قال الله تعالى(إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) [4]، وهذه معجزة قهرية تخضع القلوب وتكسرها وترمي بها في مقام الذل والاستسلام مع الملامة والتوبيخ لعدم الاستجابة بالرضا ومعنى الجمال والإدراك طواعية وحرية.

2 ) لكن الرسول (ص) قد كان حينئذ يؤسس للأمة والعالمين وليس لمرحلة زمنية ضيقة ورغبات وأحوال أفراد معدودين ومحدودين .ولهذا فكان مرة يظهر برداء البشرية العادية المتناسبة مع الواقع الأرضي والخاضعة لسنة التدافع والتمانع وحال الكر والفر والنصر والهزيمة والحرب السجال، تماما كما عبر عنه فيما بعد أبو سفيان لما سأله هرقل ملك الروم عن جملة نتائج الصراع بينه (ص) وبين قريش: "فهل قاتلتموه ؟قلت: نعم.قال: فكيف كان قتالكم إياه؟قلت: الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه !"[5].

ومرة كان يفيض عليه الجلال ويتجلى فيه فيرعب الأعداء بمجرد النظرة أو الدعاء والوعيد اللفظي.وهذا السجال روحي قبل أن يكون ماديا وعسكريا لأنه يكاد ينطبق عليه حال ما يصطلح عليه عند الصوفية بالجلال والجمال أو القبض والبسط والفرق والجمع وما إلى ذلك من تعاقب .

ولقد تجلى هذا الحال بكل وضوح وواقعية في مواجهة أعتا أعداء الرسول (ص) من كفار قريش، فكان على رأسهم أبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي ذي الشخصية المتناقضة في العداء والتحدي، أي أنه في بعض الأحيان كان يبدو شجاعا مستأسدا، ومتهورا متحديا ومنتحرا، وفي الوجه الآخر يظهر جبانا خوارا لا يكسو محياه، إن كان لديه محيا، إلا اصفرار الهوان والخسران والنكوص .

وهاتان الصورتان المتناقضتان في شخصية أبي جهل ستطفو في لحظة واحدة عند هذه الحادثة الفريدة من نوعها كما تروي كتب السير والحديث حيث: "قال يوما: يا معشر قريش إن محمدا قد أتى ما ترون من عيب دينكم وشتم آلهتكم، وتسفيه أحلامكم، وسب آبائكم، إن أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر لا أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته رضخت به رأسه فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بي بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم .فلما أصبح أخذ حجرا كما وصف ثم جلس لرسول الله ينتظره، وغدا عليه الصلاة والسلام كما كان يغدو إلى صلاته، وقريش في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما سجد عليه الصلاة والسلام احتمل أبو جهل الحجر وأقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا لونه من الفزع ورمى حجره من يده .فقام إليه رجال من قريش، فقالوا: ما لك يا أبا الحكم ؟قال: قد قدمت إليه لأفعل ما قلت لكم فلما دنوت منه عرض لي فحل من الإبل، والله ما رأيت مثله قط هم بي ليأكلني فلما ذكر ذلك لرسول الله (ص)قال: ذاك جبريل ولو دنا لأخذه..."[6]. وفي رواية مسلم: "فقيل له(أبو جهل) ما لك؟فقال: إن بيني وبينه لخندقا من نار وهولا و أجنحة.فقال رسول الله (ص): لو دنا لاختطفته الملائكة عضوا عضوا ".كما أن نفس المشهد سيتكرر عند قصة الأعرابي الإراشي وابتياع الجمال .كما يقص ابن هشام: " قَالَ قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ إرَاشٍ بِإِبِلِ لَهُ مَكّةَ، فَابْتَاعَهَا مِنْهُ أَبُو جَهْل فَمَطَلَهُ بِأَثْمَانِهَا. فَأَقْبَلَ الْإِرَاشِيّ حَتّى وَقَفَ عَلَى نَادٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ جَالِسٌ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَنْ رَجُلٌ يُؤَدّينِي عَلَى أَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ، فَإِنّي رَجُلٌ غَرِيبٌ ابْنُ سَبِيلٍ وَقَدْ غَلَبَنِي عَلَى حَقّي ؟ قَالَ فَقَالَ لَهُ أَهْلُ ذَلِك الْمَجْلِسِ أَتَرَى ذَلِك الرّجُلَ الْجَالِسَ - لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُمْ يَهْزَءُونَ بِهِ لِمَا يَعْلَمُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي جَهْلٍ مِنْ الْعَدَاوَةِ - اذْهَبْ إلَيْهِ فَإِنّهُ يُؤَدّيك عَلَيْهِ.

فَأَقْبَلَ الْإِرَاشِيّ حَتّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ يَا عَبْدَ اللّهِ إنّ أَبَا الْحَكَمِ بْنَ هِشَامٍ قَدْ غَلَبَنِي عَلَى حَقّ لِي قِبَلَهُ وَأَنَا (رَجُلٌ) غَرِيبٌ ابْنُ سَبِيلٍ وَقَدْ سَأَلْت هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ عَنْ رَجُلٍ يُؤَدّينِي عَلَيْهِ يَأْخُذُ لِي حَقّي مِنْهُ فَأَشَارُوا لِي إلَيْك، فَخُذْ لِي حَقّي مِنْهُ يَرْحَمُك اللّهُ قَالَ انْطَلِقْ إلَيْهِ وَقَامَ مَعَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَمّا رَأَوْهُ قَامَ مَعَهُ قَالُوا لِرَجُلِ مِمّنْ مَعَهُمْ اتْبَعْهُ فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُ. قَالَ وَخَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى جَاءَهُ فَضَرَبَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَقَالَ مَنْ هَذَا ؟ قَالَ مُحَمّدٌ فَاخْرُجْ إلَيّ فَخَرَجَ إلَيْهِ وَمَا فِي وَجْهِهِ مِنْ رَائِحَةٍ قَدْ اُنْتُقِعَ لَوْنُهُ فَقَالَ أَعْطِ هَذَا الرّجُلَ حَقّهُ قَالَ نَعَمْ لَا تَبْرَحْ حَتّى أُعْطِيَهُ الّذِي لَهُ قَالَ فَدَخَلَ فَخَرَجَ إلَيْهِ بِحَقّهِ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ. (قَالَ): ثُمّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَالَ لِلْإِرَاشِيّ الْحَقْ بِشَأْنِك، فَأَقْبَلَ الْإِرَاشِيّ حَتّى وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ الْمَجْلِسِ فَقَالَ جَزَاهُ اللّهُ خَيْرًا، فَقَدْ وَاَللّهِ أَخَذَ لِي حَقّي".

والقصة، و خاصة ما قبلها، من أولها لآخرها تصور لنا مدى نذالة وجبن أبي جهل، بكل ما تحمل كلمة جبن وخوار من معنى .بحيث يكفي أن يأتي شخص لمواجهة الآخر وهو مولي ظهره إياه قد يسمى غادرا وخائنا، وأسوأ منه أن يهاجمه وهو ساجد لله تعالى قد أسلم روحه وجسمه لعبودية الواحد الأحد.أي أن أبا جهل هنا قد كان رائدا لكل مظاهر الغدر والخيانة في هذا العالم ومثالا لمقام الجبن والشقاء في مقاومة مقام الثبات والحقيقة التي لا تزول بالوهم والتشويش.

فلقد كان طه حسين دقيقا ومحللا نفسيا جادا حينما خصص لأبي جهل فصلا أو عنوانا على هامش السيرة وصفه فيه ب"صريع الحسد"[7]، حيث الحقد والبغض والجبن والتهور، والضعف والشعور ر بالدونية والنقص مع نزعة الانتقام وتمني زوال النعمة عن الآخر.وحينما لا تتحقق الأمنية الظلامية يقع الشخص الحاسد في صراع نفسي ودوامة شر لا خلاص له منها، ستزداد غورا كلما ازداد الآخر فضلا ونعمة ونصرا.

إن أبا جهل قد فاض به الحسد فيضا وتوافق مع إبليس كل التوافق حتى أعلن عنه صراحة، مثلما أعلن إبليس حسده لآدم ولو على حساب مقامه وسعادته في الجنة وذلك حينما أبى أن يسجد له فوقع في وهم القياس المغالطي إلى أن قال: ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين )[8]، تماما كما روى البيهقي في حوار أبي سفيان والأخنس بن شريق وأبي جهل بعد استماعهم إلى النبي (ص) وهو يقرأ القرآن إلى جانب الكعبة .حيث قال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟فقال: ما ذا سمعت؟تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب كنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء ! فمتى ندرك هذه؟! والله لا نسمح به أبدا ولا نصدقه، فقام عنه الأخنس بن شريق"[9].

إن مكر أبي جهل الإبليسي هذا لم يقتصر على الإيذاء الفردي المادي أو الاستفزاز والاستدراج للنبي (ص)، وذلك بالتنكيل بأصحابه على نحو فظيع لإخراجهم على عجالة إلى المواجهة المباشرة والتمهيد للإفناء الجماعي الحتمي بحسب منطق العدد والعدة . فمثل هذا التحريض المحض أو المعارضة بمجرد الحسد الشخصي قد لا تفي بالمقصود، وربما ستلقى صدا استنكاريا من داخل الموالين له أنفسهم، وبالتالي فلن يتحقق الهدف الرئيسي من الحاسد نحو محسوده ألا وهو إقبار دعوته في مهدها وإقبار الداعي نفسه.

لهذا فقد رأى أبو جهل، وبئس الرأي كان، أنه لا بد من اللجوء إلى إضعاف موقع الآخر الذي هنا هو صاحب الدعوة رسول الله (ص)، بالسعي إلى تصيد ما يمكنه من المتشابهات في خطابه أو حتى سلوكه الممتنع بثباته وأمانته على الجميع، تماما كما يفعل بعض الحكام الاستبداديين أو الدول الإمبريالية والاستعمارية، وذلك كي تؤخذ، هذه الحيثيات بزعم العدو، كذريعة سلبية ومنفرة، طالما أن الدعوة عنده، أي النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في هذه المرحلة مقتصرة على الخطاب والمقاومة باللسان في الدرجة الأولى، وأيضا مرتكزة على تحمل الأذى من غير ركوب قارب التحدي والتجديف به عكس التيار في وجه الأعداء بواسطة السلاح والانتقام المادي قدر الإمكان...

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

 

الدكتور محمد بنيعيش

....................

[1] ابن كثير: السيرة النبوية ج1ص498

[2] طه حسين: إسلاميات، الوعد الحق ص574

[3] طه حسين: إسلاميات، الوعد الحق ص575

[4] سورة الشعراء آية 4

[5] رواه البخاري في كتاب بدء الوحي

[6] محمد الخضري: نور اليقين ص50

[7] طه حسين: إسلاميات، على هامش السيرة ج3ص 435

[8] سورة الأعراف آية 12

[9] ابن كثير: السيرة النبوية ج1ص 506

 

 

عادل بن خليفة بالكحلةمْن الممكن، أن نجد نساء في أقطار العصر الوسيط الإسلامية حافظات للقرآن أو ناسخات له (2)، أو ناقلات للحديث النبوي، لكنْ من النادر، إن لم يكن من المستحيل عمليَّا أن نجد منهن مفسّرات للقرآن أو للحديث، سواءً تجزيئيا (كجلّ الرجال المفسرين) أو موضوعيًّا. ومن المستحيل أكثر أن نجد منهن الكاتبات في الفكر الأصولي أو الإعتقادي أو الفلسفي. ومن الممكن أن نجد منهن المتدخلة في الشؤون السياسية، ولكن من المستحيل عمليًّا أن نجد مِنْهُن صاحب المَعْزَم في التدبير السياسي.

ولقد كان من الممكن لثقافة مغربية أنتجت «الكاهنةُ» مبادرتها السياسية، أن لا تكون فيها السيدة المنوبية وزينب النفزاويّة وفاطمة نْسُومر مجرّد استثناءات في المبادرة السياسية والدينية، إذا استطاعت فرض مشروعية دينية غير المشروعية المالكية إذْ تهمّشت فيها المشروعية التصوفية والمشروعية الإباضية. وهذا المعطى يمكن تعميمه على مجمل الحالة العربية قبل العصر الحديث.

أما جنوب الجزيرة العربية، وخاصة منه اليمن، فإن الوضعية الإناثية الإيجابية ما قبل «الإسلام» فقد استطاعت أن تبقى مع تطوّر، لأنها استُوعبت بمشروعية دينية تحمل وضعية إناثية إيجابية هي أيضا. ولذلك كانت المبادرة الإناثية ظاهرة ثابتة، لم تُجابَهْ باستنقاص فقهي أو عامّي، ولم تكن استثناءً أو حالاتٍ منعزلةً.

سنحاول في هذا العمل أن نُثبت أن ثقافة الوضعية الإناثية باليمن تطوّرية إذ مرت بثلاث إمَّاتٍ كُبْرى: إمَّة تأسيسية مع ذكرى بلقيس ومع زرقاء الهَمْدَانية، وإمّة إسماعيلية بما يُسمى «العصر الوسيط» مع الملكة أرْوَى، وإمَّة زَيْدية مع عدة نماذج (دَهماء بنت يحي المرتضى زينب الشهارية).

ذكرى بلقيس والتأسيس الإسلامي مع زرقاء الهمدانية:

تكاد تشتري كل المترجم لهن من اليمانيات في كمال الجمال الجسديي، وكمال عقلها معًا. ومن الأكيد أن بلقيس هي المثال الذي يختزن إمكانيات المرأة اليمانية في أي طَوْر من أطوارها. إنها، في ررواية القرآن ليست مُتملكة على اليمانيين فحسب، بل هي تملك قلوبهم وعقولهم أيضا (إنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ) (سورة النمل، 21) ولها نظام سياسي ذو حكمة تدبيرية وسَوْقية متطورة كثيرًا: (وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ) (النمل،21). وهي تعتقد أن النظام الوراثي مَفسدة للحكم ومقّوض للعدل: (قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ)، ولقد كان ذلك بناءً على قدراتها المعرفية (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) (النمل،21).

صحيح أن القرآن يرى أن معتقدها الديني فاسدٌ، ولكنه يؤكد رجاحة عقلها الذي يريد اختبار مدى صدق النبي: (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ) (النمل، 379)، لتعترف بقصورها الديني: (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (النمل، 43).

من المعروف أن إسلام الحكمة اليمانية لم يكن بإغراءات مالية ولا بفتح عسكري. فلقد استطاع معاذ بن جبل ثم علي بن أبي طالب أن يقوما بأسلمة إنْ لم تكن للأكثرية المطلقة فهي للأكثرية النسبية. فبَعْد أن كانت اليمن قاعدة لإسقاط دولة يثرب، حسب الأمر الكسْرَويّ –الساساني للأبناء (3) بصنعاء، أصبح الأبناء أنفسهم في مقدمة الانخراط اليماني في المشروع الثقافي الإسلامي في العالم. وتشهد الحلقة والمجلس في صنعاء بأن عملية الأسلمة لم تكن إكراها أو إغراء أو استمالة قبلية، بل كانت نتيجة حوار حقيقي مع الداعيتين. فلقد كان التظاسيس الإسلامي في طابع تسامحي-إقناعي-عقلاني، ولقد غطت امرأة يمانية هي أنيسة النخْعية وُفود معاذ بن جبل (4). ولقد كان الهمدانيون (ومنهم النخعيون) ضمن المنخرطين الأساسيين في هذا المشروع، وأهمهم مالك الأشتر، الذي كان الفاتح العسكري للشام ومصر، بينما كان غيره الفاتحين السياسيين.

ولعل أهم ما أفرزت الوضعية الإناثية الايجابية باليمن في هذه الفترة التأسيسية زرقاء بنت غديّ الهمدانية، ولقد كانت ضمن ندوة التدبير شبه الدائمة لمدينة الكوفية في عهد الخليفة الرابع، الذي كان كثير الاستشارة لها في الأمر الحضري الكوفي، كما كانت موجودة بصفتها الاستشارية والتعبوية في معاركه، وخاصة منها صفين، وقد خطبت فيها مرّات عديدة.

يصف معاوية بن أبي سفيان مبادرتها فيقول: «ألسْتِ راكبة الجمل الأحمر يوم صفين بين الصَّفّيْن تُوقدين الحرب وتحرّضين على القتال؟!». فلم تحضر المعركة في مؤخر الصفوف، ولم تكن مجرّد خطيبة، بل كانت في صميم سَوْق المعركة، إذ أن التعبئة بوجهيها: الجَوْس بين الصفوف والخطابة، من ذلك الصميم.

ولم تكن خطابتها تكرارًا للخطابة القتالية الرجالية ما قبل الإسلام، بل كانت حاملة لكثير من الوعي التاريخي بالمرحلة، فلم تكن تعبئ لمعركة صِفَّين، بل لمعركة مشروعيْن: مشروع تسمّيه «فتنة»، و«ظُلم»؛ ومشروع «كلمة عَدْل» و «الحقوق»، «التأمين كلمة العدل، وغلب الحقُّ باطله»، واندملت «شعب الشتات»، وهي من حامليه. وهي تقول محذّرة: «غشيتكم جلابيب الظّلم (5) وجارت بكم عن قصد المحجة، فيا لها من فتنة عمياء صمياء، يُسْمَعُ لقائلها ولا يُنظر لسائقها» (6). فهي ترى أن هذه الفتنة القادمة يمكن للأمة أن ترى القائلين فيها، ولكنّ سائقيها (7) ذوي دهاء يسمح لهم بأنْ لا يُرَوْا حتى يكون سَوْقهم أنجع.

إنها تعتبر المشروع الذي تنخرط فيه «الفرس» في سرعتها في انجاز الوعد التأسيسي، أما المشروع الآخر فهي تعتبره «البغل»، وهو «زفّ» لا يمكن أن «يقطع الحديد» (8) أي هو في نظرها عقيم ولا يمكنه الاستجابة للوعود التأسيسية.

وهي وإن كانت وفية لقائد مشروعها، فقد أقرّ لها معاوية بن أبي سفيان: «لوفاؤكم له بعد الموت أعجب إلىّ من حبكم له في حياته !» (9)؛ فهي تعتبر نفسها مبادرة وقيادية في مشروع «كلمة العدل». فهي مستعدة لتقديم التوضيح لمن أشكل على المشروع: «ألا من استرشدنا أرشدْناهُ، ومن استخبرنَا أخبرْناه» (10). ولقد اتهمها معاوية بن أبس سفيان: «لقد شاركت علي في كل دم سفكه»، فقالت:» أحسن الله بشارتك». فقال لها:» وقد سرَّكِ ذلك؟» قالت:» نعم والله لقد سرنّي فأنّى لي بتصديق الفِعل؟!» (11) لقد كانت منسجمة مع نفسها، مطابقة بين مثال وأفعال، ولذلك كانت مسرورة رغم «هزيمة» مشروعها النضالي، فلم تتغير مثاليتها رغم السنوات الطويلة التي مرّت، وهو ما لمْ يكُنْ حالُ الكثير من القُرَشيين ـنفسهم، الذين ساهموا في التأسيس الإسلامي.

ولقد احتفظت النساء اللواتي كُنَّ حول الخليفة الرابع بإعجاب كبير بمشروعه إذ قُلْن بعد سنوات من وفاته: أحببناه عى عدله في الرعية وقَسْمه بالسوية (12).

الطَّوْرُ الإسماعيلي: الملكة أرْوى:

زار المثقف المعاصر عبد العزيز المقالح اليمانية، عاصمة الملكة أروى ورآها حية في ذاكرة الناس «والحيث عنها لم ينقطع في المساجد وفي المدارس، عند ينابيع الماء وفي الطرق المرصوفة» (13). فهي لا تحمل مشروعية فحسب، بل إن سيرتها ومآثرها مازالت واضحة في الذاكرة العامّة.

أمها الرواح بنت الفارع بن موسى الصليحي، وقد تزوجت من عامر بن سليمان بن عبد الله الزواحي، بعد وفاة زوجها أحمد فولدت له سليمان بن عامر الزواحي الذي كان قائدا عسكريا كبيرا في العهد الصليحي، فكان أخًا لأروى من امها.

لم يربِّها والدَاها، وإنما الملك علي بن محمد الصليحي وزوجته الملكة أسماء بنت شهاب. وكل المُتاحات التربوية التي كانت لولدهم الذكّر أحمد بن علي، كانت لها هي أيضا من تربية دينية وتربية سياسية، ملمة بالتاريخ وأنام العرب والفقه الإسماعيلي وباعتبار أن الاستعدادات الذكائية التي كانت حاظية بها أفضل كان تفوقها على عليّ ابن أحمد. وكانت العلاقة بين «الأخوين» علاقة حب وتفاهم. ولقد أعدّها أبواها، المربيّان، لتكون زوجة الملك الجديد (علي بن أحمد) وهي في سن الثامنة عشر. ولقد كانت واسعة الثقافة، تضع شروحها على هوامش الكتب، وتباحث المختصين (14).

لقد طلب منها الملك أن تكون مجرّد مستشارة فرأت في ذلك استنقاصًا لها وأمرا شكليا، إذ اعتبرت ذلك جعلها مطلوبة للمَنْكَحِ فحسب، فما فوق المَنكح في نظرها هو الشراكة في الأمر لا مجرّد الاستشارة: «إن المرأة التي تُرادُ للفراش لا تصلح لتدبير أمر، فدعني وما أنا بصدده» (15)، أي هي تطلب إطلاق يدها معه في التدبير، فكان لها ذلك، فلمّا تُوفي أصبحت هي الملكة وحدها، ولكنها استعانت بعدد من المستشارين، فلم تستبّد بالأمر، كالقاضي عمران بن الفضل اليامي وأبو السعود بن أسعد بن شهاب، علاوة على مستشاراتها الكثيرات من النساء الثّقفات.

استطاعت أن تحافظ على استقلالية بلادها، بين مبادلات اقتصادية متكافئة مع البحرين القرْمطية-العدالية، وبين علاقة ولاء شكلية بالعُبيديين في مصر. وقد رفضت ضغط العبيديين عليها لتتزوج المنصور سبأ رغم حضوره بجيشه وأمواله إلى قصرها، لأن زواجها منه سيعني تبعيتها للدولة العبيدية عَبْر وسيط يماني، فلقد كانت تريد من الدولة العُبيديية أن تكون حليفًا وسط إقليم مليء بالصراعات، وأن تكون أحد مُمَوّني اليمن بالخبرة الادراية فاستقدمت مستشارًا كان يعمل مع العبيديين.

ولقد كانت مَيَّالة إلى الانتاج الحقيقي لا إلى الرَّيْع التسلّحي، كما درجت عليه عادة العرب المهيمينين. فلقد أقنعت زوجها بنقل العاصمة إلى ذي جبلة لأنهم خرجوا إليها «يحملون سِلالا أو جرارًا مملوءة بالبُنّ والعسل» (16) على عكس أهل صنعا الذين يستقبلون الملك بأسلحتهم، قائلة: « إن الحياة لأفضل بين هؤلا الرجال العاملين المكدّين» (17). فلقد تأثرت صنعا بتقاليد المهيمن العباسي إنْ قليلاً أو كثيرًا.

وفي عهدها «حُفرت الترع والقنوات، وكانت خزائنها مترعة بالذهب ويُقال إن من بين الأشياء التي فرضت عليها الضريبة: المسك والكافور والعنبر والصندل والأدوات العينية وكانت التجارة الهندية تأتي إلى الموانئ اليمانية بكثرة عظيمة، وكان حكام عون يؤدون إليها نصف خراجهم سنويًّا» (18).

كانت متمكنة في علوم التأويل والتنزيل الإسماعيليين وإحدى الدعاة والحُجج الكبار في هذه المدرسة. وحين أرادت الدولة العبيدية إرسال داعية إسماعيلي مصري اختارت هي نفسها مِنْ بين أسماء كثيرة في ذلك العصر، ما هو أقرب للمُنْتَقل اليماني. وكان لها من حسن التدبير العسكري والسياسي ما قضت به على عديد الفِتن التي هدّدت دًوْلتها ورغم إخفاق مسعى الأمير سبأ في الزواج منها، فإن أشعاره التي أرسلها إليها تعبّر عن حسن تقديره لها.

ولقد أصبحت أروى العجوز قيّمة على الدولة أكثر منها ملكة، فعيّنت عليّ بن عبد الله الصليحي، ابن أخ علي بن محمد الصليحي على الشؤون العامة، أي إنها عيّنته ملكا عمليّا دون إطلاق هذا الاسم عليه.

وقد اهتمت قبل انساسة المُحدثين تربية الماشية وزتحسين نَسلها مُحَمّيَةً أراضي خاصة لذلك، «وهذه الأوقاف لازالت موجودة وتسمى باسم أوقاف السيدة» (19)/ و عبّدت الطريق «من رأس جبل سمارة إلى السيافي على مسافة ثلاث مراحل، ويُعد هذا أوّل الطرق الزراعية الممهدّة في اليمن وأكثرها فائدة إلى الآن» (20). وأنشأت الكثير من المدترس والمساجد والمصحات. ولقد فرضت حرية الاعتقاد، فلم تشنّ حروبًا لتفرض عقيدتها ولم تحارب عقائد الآخرين، بل كانت دولتها مثالا في الحرية الدّينية، بخلاف دولة المتوكل العباسي أو دولة السلاجقة أو دولة المرابطين، بل إن الصليحيين ذوي الأصل الشافعي أنفسهم، لم يُكْرههم أحدٌ على التحول الإسماعيلي، إذ كان تحوّلا إراديّا.

الطّور الزيدي:

طور التكافئ الكمْيّ والكيفي بين النوعين: رغم ظهور الملكة أروى، وقبلها الملكة أسماء، لم يكن من الممكن في الطور الاسماعيلي مقاسمة الرجال. في الطور الزيدي أصبح عدد المختصات في العلوم كثيرًا، وأصبحن مشاركات في صنع المعرفة. فالعقل الإناثي اليماني أصبح بإمكانه التأليف في أصول الفقه والاجتهاد في الفقه والإنتاج في الفكر الاعتقادي (علم الكلام وعلم المنطق)، علاوة على العلوم الأخرى (النحو، الحديث...) فهذه دهماء شيحي المرتضى لم يكنلها شغل «غير العلم والاجتهاد فيه، ولا تتعلق غيره من أعمال النساء أو الرجال»، فليس العم لدى المرأة اليمانية زينة، وإنما ضرورة خصوصية لشخصيتهاوكانت «مقتدرة على الفتوى والإقرار وبالغة الكمال في التصنيف والتأليف» ولها رسائل، أي إن عملها وحد الوعاء المادّي ووجدت الناقل البشري إذ أن الثقافة اليمانية لا تمنع الوعاء المادي ولا الناقل البشري للمعقول الإناثي.

في السياق الثقافي الزيدي اليماني يمكن للمرأة أن تتدخل في ما يُشكل على الرجل دون أن يعني ذلك انتقاصا للرجل، بل كل ما يعنيه أن للمرأة عقلا. وأنَّ حسن الرأي غير مرتبط بالجنس.

فهذه زينب بنت القاسم المتوكل، كانت زوجة «العلامة يحي بن محمد بن عبد الله، المعروف بقاضي القضاة» (21) وكان قد بعث له الملك الزيدي بجماعة ليفصل بينهم في شجار، «فلم يستطع أن يجزم فيه بشيء» (22)، فتدخلت وفصلت في القضية. وكانت «هي التي توجّه زوجها في ما يفعل. ولمّا توفيت حزن عليها خزنا شديدا وتنكد عيشه بعدها حتى وفاته». فلقد كانت للمرأة لدى الرجل اليماني مكانه رفيعة، خاصة إذا كانت ثقفةً أو عالمية، إلى حد أنَّ الزوج قد يستميتُ تدريجيًّا تفجّعًا من موتها. وهذا الأمر ظاهرة عامّة ترّسخ بالطور الزيدي، وليس مجرد أحداث أو استثناءات قد نجد بعضها في ثقافات العالم الإسلامي الأخرى.

لم تكن المرأة اليمانية، خاصة بترسيخ الطور الزيدي، «ناقصة عقل ودين»، بل كان من العادي أن تكون من النساء الثقِفات والعالمات ومدرّسات العلم للرجال والنساء. فصفة بنت المرتضى بن المفضّل (في القرن الثامن الهجري – الخامس عشر الميلادي) «اشْتغلت بالعلم، ودرستْ على والدها» (23)، فالعلم لديها ليس مجرّد زينة إضافية بل كان لدى المرأة اليمانية مهنةً إذا شات، والوالدُ اليماني لم يَكُن يحرص على تدريس أبنائه الذكور فحسب، كما في جل الممارسات الثقافية للعالم الإسلامي آنئذ، بل يدرّس أيضا بناته أيضا. ولقد كانت صفة بنت المرتضى بن المفضّل غير متمكنّة من العربية والإخباريات فحسب، وهي في متناول أيّ ذي حافظة، بل «برزت وفاقت» (24) في ما يتطلب ما أكثر من الحافظة، أي القدرة الفهمية والاستنباطية كأصول الفقه والاقتدار «على الفتوى»، فلقد كانت الفتوى النسائية مقبولة ولم يكن هناك رفضٌ عامّيّ أو فقهيّ لها.

ولم تكتف بتأليف الرسائل والمسائل، بل كانت تراجع تُراجع الملك نفسه (الإمام المهدي بن علي بن محمد) «في كثير من المسائل العلمية وتراسلُه» (25)، ممَّا يبين أن البلاط نفسهُ معترف بالعقل الإناثي مساويًا إياه بالعقل الذكوري، أي هو غير مُجَنّسٍ للعقل. ولقد اهتمت بمسألة الكفاءة في الزواج فكتبت رسالة الجواب الوجيز على صاحب التجويز، شهدوا لها فيها بسعة الإطلاع الرقم الأخير.

زينب بنت محمد الشهاوية: عندما يَفصُل العقل الإناثي على العقل الذكوري:

إنها مثل الكثير من نساء طورها، متمكنّة من علوم تتطلب من العقل درجاتٍ عالية كالمنطق وأصول الفقه وعلم الفقه وعلم الفلك والسيمياء» (26). ولقد كانت تُذاكر الرجال والنساء في العلوم (27)، وقد كانت «لطيفة المذاكر، حسنة المحاضرة» (28).

تزوجت ثلاث مرات (مرتان منها مِن أميرين)، وقد كانت لها مع زوجها الأول (الأمير علي بن المتوكل) «مكانيات ومطارحات» (29)، فالعقل الإناثي من حقّه في الثقافة اليمانية بالطور الزيدي أن تناقش العقل الذكوري في المسألة العلمية. فلقد كانت هذه المرأة «تفضل على كثير من الرجال» (30).

لقد كانت تتزوج في المراث الثالث عن حب، ولكنها من سوء حظها لم تنجح في إدامة زواجاتها مرتين، إذ طُلّقت. وفي المرة الثالثة طلبت بنفسها الافتراق، فسكنت مدينة شهارة لتعيش تجربتها في الحب الإلهي، حتى توفيت سنة 1114هـ/17، بعد أن أخفقتها في حب زوج رابع فمضى «والعين قرحا ببعده حاجيرة» (31).

ولقد كانت معاتباتها للزوج الذي يفارقها تحمل الكثير من الإحساس العميق:

أهكذا كل من قد ملّ يعتذر   ويعقب المدح ذمّ منه مبتكر

أما أنا فقد حمّلني شططا     بالأمر والنهي فيمن ليس بأتمر.

إنها تحتج على أزواجها: «أين إشادة العدل واعتماد الحلم، وقد صُيّرت حقيقة الزوجية معدومة في الحكم» (32).

ولقد سكت في الحب البشري حتى سكت في سند الحديث النبوي الذي ينص على أن العلاقة الثنائية أمرٌ غيبي مفروض مُسْبقا:

رواه العلم أُفْتونا جميعا     أحقا جاء في الخبر الصحيح

إن شواهد الأرواح بعض   إلى بعض بر الغيب توحي

جنود فاختلاف وائتلاف    أريحوا بالجواب الصِّدْقِ روحي (33).

لقد أصبحت هي نفسها عاجزة عن الحب البشري، نظرًا لأنها أخفقت في المبادلة ثلاث مرات، فاختارت الحب الإلهي استجابة لاستعداداتها العشقية، بما هو حب مضمون المبادلة ومضمونٌ عدَمُ انقطاعه باعتبار أن المحبوب دائم، مطلق. وقد استعملت في رياضتها «المندل»، هو دليل تصوّفي. ويرى المترجمون لها أنها أرهقت نفسها بالرياضة، حتى كان مرضها، «والظاهر أنه بسبب الروحانية» (34).

الخاتمة

في قمة التدهور المعرفي للعالم الإسلامي بالقرن الثامن عشر، وفي أقصى درجات انتقاص السلطة الذكورية به للعقل الإناثي. والدين الإناثي، كانت الحكمة اليمانية بطورها الزيدي تعيش حيوية لا يعرفها جُلُّ العالم الإسلامي آنئذ وإعلاء من العقل الإناثي لم تعشه أقطاره في أي مرحلة من مراحله المعرفية. ولكن المفارقة أننا اليوم نعاصر يمنا ضعيفا فكريًّا ولم يقدّم في حراكه منذ سنة 2011 نماذج نسائية ترتقي إلى نماذجه التي كانت بأطواره السابقة على القرن التاسع عشر.

 

د.عادل بالكحلة

مركز مسارات للدراسات الفلسفية والإنسانيات

................................

 (1)- الإمّة، هي إحدى الموجّهات الرئيسية التي تؤُمُ سلوكًا انتحاليًا (=ثقافيا) معيّنا.

 (2)- الجبر (موفّق فوزي)، ناسخات القرآن الكريم عبر التاريخ الاسلامي، دار اكتاب العربي، دمشق، 1997.

 (3)- الأبناء هُمْ الحُكّام الفرس لليمن الفارسية قبل «الإسلام».

 (4)- العسقلاني (ابن حجر): الإصابة في تمييز الصحابة ..........

 (5)- ابن طيفور، بلاغات النساء،

 (6)- السائق هو صاحب السّضوْق (=الاستراتيجيا).

 (7)- ابن طيفور .......

 (8)- ابن طيفور.....

 (9)- ابن طيفور ........

 (10)- ابن طيفور

 (11)- ابن منظور............

 (12)- مهريزي (مهدي)، المرأة في الإسلام، مركز تنمية الفكر الإسلامي، بيروت، 2008، ص 253.

 (13)- المقالح (عبد العزيز)، قراءة في فكر الزيدية في المعتزلة دار العودة، بيروت، 1982، ص 159.

 (14)- عمارة ......................................

 (15)- ... كان الصليحيون شوافع، وقد كان اصبح الشافعي أحمد الصليحي اسماعيليل بطلبه.

 (16)-المقالح (عبد العزيز)، م.س، ص 167.

 (17)- المقالح (عبد العزيز)، م.س، ص 167 أيضا.

 (18)- المقالح (عبد العزيز)، م.س، ص 167.

 (19)- المقالح (عبد العزيز)، م.س، ص 151.

 (20)- المقالح (عبد العزيز)، م.س، ص 152.

 (21)- جحاف (لطف الله)، درر نحو الحور العين،.......

 (22)- جفاف (لطيف الله)، م.س، .......

 (23)-المساوي (أحمد)، م.س، المادة نفسها.

 (24)-المساوي (أحمد)، م.س، المادة نفسها.

 (25)- المساوي (أحمد)، م.س، المادة نفسها.

 (26)- زيارة المحسني الصنعاني (محمد)، تعاريظ نشر الصرف لنبلاء اليمن بعد الألف، مركز الدراسات والبحوث اليمني، صنعا، د.ت ص 709.

 (27)- زيارة الحيني الصنعاني (محمد)، م.س، ص 709

 (28)- ........................ م.س، ص 704

 (29)- ...................، م.س، ص 709

 (30)- ...................، م.س، ص 712

 (31)- ......................، م.س، ص 711

 (32)- ......................... ، م.س ص 710

 (33)- ................ ، م.س، ص 710

 (34)- ................، م.س، ص 711.

 

 

مادونا عسكريطالعنا سفر الجامعة في الكتاب المقدّس، المنسوب إلى الملك سليمان، ابن داوود الملك، ككتاب يسيطر عليه التّشاؤم والعبثيّة. إلّا أنّ كاتب هذا السّفر يلقّب نفسه بالحكيم، "قهلت" باللّغة العبريّة نسبة إلى قهل أو الجماعة، ما يدلّ على أنّ هذا السّفر أو هذا الكتاب نتيجة تأمّليّة لمفكّر أو حكيم أو فيلسوف شاء أن يعرض نتيجة خبرته الشّخصيّة التّأمّليّة. ومن الجيّد أن نذكر أنّ سفر الجامعة من الكتب الحكميّة في الكتاب المقدّس العهد القديم وأنّ كاتبه المجهول ينتمي إلى مدرسة الحكماء في التّوراة (مدخل إلى الكتاب المقدّس- الجزء الثّالث- الأب بولس فغالي). وقت تأليف هذا السّفر غير معروف، ويرجعه جورج سارتن إلى الفترة الواقعة بين عامي 250- 168 ق.م. كما يذكر ميخائيل إيتون في سلسلة التّفسير الحديث للكتاب المقدّس أنّ هذا النّص أخذ شكله الثّابت في القرن الأوّل الميلادي. كما يذكر أنّ لدينا أربع قطع من المخطوطات المكتشفة في خرائب قمران تمّ نشرها سنة 1954 م، وتتضمّن شذرات من الإصحاحات من 5 إلى 7 وقد أرجع تاريخها إلى منتصف القرن الثّاني ق.م.

تشير فئة من النّقّاد أنّ كاتب هذا السّفر متشائم، وأخرى تفيد أنّه متفائل في نهاية النّصّ، وأخرى ترى فيه العبثيّة، ولا ريب أنّ فئة ترى فيه وحياً ينبّه الإنسان إلى أنّ كلّ شيء بيد الله ويصعب على الإنسان أن يفهم ويدرك مقاصد الله. 

يحمل النّصّ ما يحمله من تناقضات في فكر الكاتب نفسه دلالة على الاختبارات المتنوّعة الّتي يخضع لها الإنسان بشكل عام، ولا ضير في ذلك. إلّا أنّ ما هو لافت- كي لا أقول صادم- هو أنّ النّص لا يتضمّن أفكاراً عبثيّة وحسب بل إلحاديّة. فكيف يستوي الإلحاد والعبثيّة مع نصّ موحى به من الله في كتاب مقدّس يقول فيه الرّسول بولس في رسالته الثّانية إلى ثيموتاوس (3:16): "كلّ الكتاب هو موحى به من الله، ونافع للتّعليم والتّوبيخ، للتّقويم والتّأديب الّذي في البرّ."؟

- العبثيّة في سفر الجامعة:

وكأنّي بالحكيم يصرخ مع ألبير كامو: " أصرخ قائلاً إنني لا أؤمن بشيء وأنّ كلّ شيء عبث ".

 وصل الكاتب إلى قناعة أن لا قيمة لشيء في هذا الكون ويبدو ساخراً من هذه الحياة غير آخذ إيّاها على محمل الجدّ. وأنّ كلّ التّناقضات الحياتيّة من حزن وفرح، وتعب وسعادة، وشقاء وسرور، وحكمة وجهل، ومسار الكون بكلّ عناصره... هي "قبض ريح". ويتحدّانا في مطلع السّفر قائلاً: باطل الأباطيل... كلّ شيء باطل. ويؤكّد على قوله دون عناء ودون أن يدفعنا للتّساؤل عن سرّ هذه العبثيّة من خلال سرده ما يشبه السّيرة الذّاتيّة.

ولعلّنا ونحن نطالع سفر الجامعة، يسيطر علينا قول الكاتب والفيلسوف العبثي ألبير كامو، إنّ العبثية أكثر من مرحلة في الحياة، وهي المرور بمراحل عديدة ومختلفة في محاولة العثور على معنى. ثم يدرك الإنسان أخيراً أنه لا يوجد معنى للشيء، وأنّ محاولة فهم الحياة مضيعة للوقت، ويجب الاستسلام والتّوقف عن البحث لوضع القيم والإيمان بها. ويشير  إلى كلمة absurde، أي لا معنى له، وأنّ على الإنسان أن يتبنى الحالة العبثيّة للوجود البشريّ. وكأنّ حكيم سفر الجامعة أدرك أن لا جدوى من البحث عن معنى، واستسلم وتوقّف عن البحث لأنّ كلّ شيء قبض ريح؛ حتّى وإن ذكر الله في أكثر من موضع. فيبدو لنا الله في سفر الجامعة بعيد عن الإنسان أو مفارق له، ولا يبدو لنا يهوه إله بني إسرائيل المرافق لهم على الدّوام. ولا بدّ من الإشارة إلى فقرات مضافة إلى هذا السّفر. ويعود ذلك إلى استخدام صيغة الغائب المفرد (هكذا يقول الحكيم)، أضف إلى ذلك تقاطع التّسلسل الفكريّ، وإضافات تبيّن للقارئ أنّ كاتباً آخر تقيّاً ورعاً، كما يقول إيتون، أضاف ما أضافه عندما بلغ الحكيم من خطورة في طرح فكره. كأن نقرأ في الآية 26 من الإصحاح الثّاني: "والله يعطي الصّالحين حكمة ومعرفة وفرحاً، ويجعل الخاطئين يعانون في الجمع والادّخار، ليعطي ذلك كلّه لمن يكون صالحاً لديه. هذا أيضاً باطل وقبض ريح." ما الّذي عنى به الحكيم إذ قال "وهذا أيضاً باطل وقبض ريح"؟ هل هو عطاء الله أم معاناة الخاطئين أم الاثنان معاً؟ في حين أنّ الإصحاح الثّاني لا يتحدّث عن الصّالحين والخاطئين من الآية الأولى حتّى الثّالثة والعشرين. فتبدو للقارئ وكأنّ الآيتين الخامسة والعشرين والسّادسة والعشرين خارجتان عن السّياق وتمّ إقحامهما. ومثيلاتهما كثيرة إلّا أنّ ما يهمّنا من ذلك هو أنّ الإقحام والإضافات لم تلغِ العبثيّة عند الحكيم، بل أضفت تناقضاً رهيباً وصارخاً على النّصوص وأربكت التّسلسل الفكريّ.  

كلّ شيء باطل عند الحكيم، وكلّ شيء قبض ريح. وبالتّالي فكلّ شيء تحت الشّمس لا معنى له: "فقلت في قلبي: ((ما يحدث للجاهل يحدث لي أنا أيضاً، فما نفع حكمتي هذه؟)) وقلت في قلبي: (هذا أيضاً باطل). فما من ذكر دائم للحكيم ولا للجاهل، وفي الأيّام الآتية كلّ شيء يطويه النّسيان. ويا أسفي، كيف يموت الحكيم كالجاهل!" (2:15-16). إذا كان الحكيم يعني بالحكمة المعرفة والتّعقّل أو الفلسفة، وبالجهل عدم المعرفة، فلقد عبّر عن فلسفة عبثيّة لا شكّ. وأمّا إذا عنى الحكمة كدلالة على الإيمان كما يرد في سفر يشوع بن سيراخ "رأس الحكمة مخافة الله"، أو كما جاء في سفر الحكمة المنسوب أيضاً للملك سليمان: "هب لي الحكمة الجالسة إلى عرشك ولا ترذلني من بين بنيك"، أو دلالة الحكمة بشكل عام في العهد القديم كنعمة إلهيّة كما ورد في سفر الأمثال والحكمة وسيراخ على أنّ الحكمة الحقيقيّة هي الله. وعنى بالجهل الإيمان: "قال الجاهل في نفسه لا إله (مز 1:14)  فثمّة تناقض خطير بل ورهيب في ما أورده الحكيم في قوله  "ويا أسفي، كيف يموت الحكيم كالجاهل!"

- الأفكار الإلحاديّة:

اعتبر القدّيس إيرونيمس وكثير من آباء الكنيسة أنّ الحكيم ينبّه القارئ إلى أنّ كلّ شيء باطل على الأرض فيوجّه قلبه إلى السّماء. إلّا أنّ هذا الشّرح اللّاهوتي للآباء يستند إلى إيمان بحياة ما بعد الموت. وأمّا الشّعب اليهوديّ فلم يعرف الخلود وقيامة الموتى إلّا في القرنين الأوّل والثّاني ق.م. لكنّ الحكيم لم يورد هذا المعنى وهو مسجون في هذا العالم العبثيّ. بل إنّ أقواله تأرجحت بين القدريّة واللّاأدرية حتّى بلغت الأفكار الإلحاديّة. فعن أيّ سماء نتحدّث؟

يقول الحكيم في الإصحاح الثّالث (19-18): "وقلت في قلبي: ((البشر يتصرّفون هذا التّصرّف ليمتحنهم الله ويريهم أنّهم في حقّ أنفسهم كالبهائم)) كيف لا، ومصير بني البشر والبهيمة واحد؟ فكما يموت الإنسان تموت هي، ولهما نسمة حياة واحدة. وما للإنسان فضل على البهيمة، لأنّ كليهما باطل".

كيف استشفّ الحكيم هذه الحكمة أو كيف بلغ هذه النّتيجة إذا كان مؤمناً؟ إلّا إذا قنعنا بأنّه تمّ إقحام الامتحان الإلهيّ في هذا القول؟ وكيف لمؤمن أن يساوي بين الإنسان والبهيمة إذ يقول أنّ كليهما باطل، وأنّ مصيرهما واحد؟ في حين أنّ الإنسان مصنوع على صورة الله؟ وحينما نظر الله إلى الإنسان فرأى أنّ ما صنعه حسن جدّاً؟ (سفر التّكوين) بل ويضيف في الآيتين الواحدة والعشرين والثّانية والعشرين من نفس الإصحاح: "كلاهما يصيران إلى مكان واحد، وكلاهما من التّراب وإلى التّراب يعودان. ومن يعلم هل تصعد روح البشر إلى العلاء وتنزل روح البهيمة إلى الأرض؟ فرأيت أن لا شيء خير من أن يفرح الإنسان بأعماله، وهذا حظّه. فمن يرجعه ليرى ما سيكون من بعده؟"

لعلّنا في هاتين الآيتين أمام فكر "لاأدري" لكنّنا حتماً أمام فكر إلحاديّ. وتشير العبارتان (من يعلم/ حظّه ) إلى لاأدريّة الحكيم، كما تشير العبارتان (يصيران إلى مكان واحد/ ومن يرجعه ليرى ما سيكون بعده) إلى فكر إلحاديّ يعبّر عن عدم تصديق بوجود حياة بعد الموت، كما يعبّر عن مساواة الإنسان والبهيمة في مصيرهما وعن عدم وجود إله.

ثمّ نقرأ في الإصحاح الرّابع من الآية الأولى إلى الرّابعة: "رأيت جميع المظالم الّتي تجري تحت الشّمس. فها هي دموع المظلومين ولا معزٍّ لهم، وفي أيدي ظالميهم قدرة ولا من يعينهم. هنيئا للأموات الّذين ماتوا من قبل، فهم أسعد حالاً من الأحياء الباقين حتّى الآن. .وخير من كليهما من لم يولد بعد، لأنّه لم ير المساوئ الّتي ترتكب تحت الشّمس. .ورأيت أنّ كلّ تعب وكلّ نجاح في العمل إنّما هو حسد الإنسان من أخيه الإنسان. هذا أيضاً باطل وقبض ريح."

قول الحكيم عقلانيّ ومنطقيّ لكنّه بعيد كلّ البعد عن الإيمان. فليس من يعزّي المظلوم ولا من يعينه على ظالمه، وبالتّالي فهو متروك لقدره ومصيره. ولست أقول إنّ الملحد يستسلم للفكر القائل بترك المظلومين لمصيرهم وإنّما مفاد القول أنّ الحكيم أهمل العناية الإلهيّة، وأهمل حماية الله لشعبه كما ترنّم كاتب المزامير. واعترف بالمسار الطّبيعيّ للإنسانيّة منذ البدء وحتّى نهاية التّاريخ المتضمّنة التّنافس والنّزاع والصّراع للسيطرة والتّحكّم (إنّما هو حسد الإنسان من أخيه الإنسان). بل وبلغ به اليأس حدّ أن يغبّط الأموات، فهم أسعد حالاً لأنّهم استراحوا وانتهوا من هذه الحياة وعادوا إلى التّراب.

"وخلاصة ما رأيته أنّ خير ما يفعله الإنسان هو أن يأكل ويشرب ويجد لذّة في كلّ ما يعمله تحت الشّمس مدّة أيّام حياته الّتي وهبها الله له، فهذا حظه." (17:5) تعارض هذه الآية قول الرّسول بولس إلى حدّ ما: "إن كان الأموات لا يقومون، فلنأكل ونشرب لأننا غدا نموت" (كور 32:15) فحكيم الجامعة يشجّع الإنسان على الأكل والشّرب واللّذة في كلّ عملٍ، أي الاستمتاع  بكلّ ما هو أرضيّ، فغداً نموت وهذا هو قدر الإنسان. هكذا يرى الحكيم. وللقارئ أن يقارن بين وحي الجامعة ووحي الرّسول بولس في نفس الكتاب. وله أن يتبيّن عقلانيّاً ماديّة قول الحكيم: "لذلك أمدح الفرح. فما للإنسان خير، تحت الشمس غير أن يأكل ويشرب ويفرح".// "والأحياء يعرفون أنّهم سيموتون. أمّا الأموات فلا يعرفون شيئاً ولا جزاء لهم بعد، وذكرهم طواه النّسيان."

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

 

محمد بنيعيشلقد كان الإعلان الأول أو جهر النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالدعوة في قومه وأقرب عشيرته بمثابة صدمة أو رجة قوية زعزعت كل الحسابات والتوقعات، فحركت الدواخل قبل الخوارج وامتزجت الحياة، حياة القلوب، بموتها امتزاجا لا يكاد يحلل ولا يعلل.إنه الماء الزلال ماء الحياة والطهارة في الأصل والفرع والقصد والغاية، شربا واستساغة .لكن المشكل والاختلاف يكون في لدى المتقبل والمتلقي.وهنا تتفاوت الاستفادة وحظوظ الاستثمار.

ومن يك ذا فم مُرّ مريض        يجد مُرّا به الماءُ الزلالا

أولا: خصوصية موازين القوة بين صراع أهل الحق وأهل الباطل

من هذه المحطة سيبدأ التفاعل القوي سواء عند أهل الإيجاب أو السلب معا، إذ الأولون يمثلون قمة التفاني في التشبث بالدعوة وتقديم الغالي والنفيس لحد تعريض أرواحهم للإزهاق وأموالهم للإتلاف دونها .

كما أن أول مبادئ هذه المحطة قد كان هو التحلي بصفة الصبر المشتقة من اسم الله تعالى الصبور، وهي صفة كفيلة بتحقيق الوصول إلى الغاية والهدف والمنتهى من الطلب، والصبر يمثل نصف الإيمان كما دلت عليه الأحاديث النبوية.

فلقد كانت معاناة الرسول (ص) في هذه المرحلة شديدة ومضاعفة إلى أقصى الدرجات، وكيف لا وهو قد يبتلى ويوعك بنسبة ما يوعك الرجلان من أصحاب الجلد معا من شدة الألم، وهو هنا سيتحمل الإذاية المنصبّة عليه شخصيا والمقصود بها ذاته الشريفة، أي أن التحطيم والتدمير قد طال في هذه المرحلة محور الرسالة والنبوة، والتي هي موطن المقدس ومستأمن الوحي الإلهي وإذنه .

إذن، فهي إذاية لله تعالى بواسطة رسوله (ص) ، والرسول على قدر المرسِل، والمرسٍل غيور فلابد وهو منتصر ومنتقم للذي أرسله، ولكنه مع هذا قد أراد بحبيبه أن يرتقي في سلم المعرفة ومقام الصبر الذي يؤسس للتوحيد الخالص وعدم الالتفات عند وجود المشوشات والعوارض والمثبطات، لأن الضعف عند الصدمات والتولي يوم الزحف والنكوص عند التهديدات كل أولئك تعبر عن ضعف في الرؤية ونقص في التوكل والمعرفة بمصدر القوة والحركة والفعل .

وهذا إن حصل فسيتنافى مع كلمة "لا حول ولا قوة إلا بالله "و"لا إله إلا الله".

كما أنه (ص) سيتحمل إيذاء آخر سيكون أشد من قصدِهم لذاته الشريفة، ألا وهو تعذيب أصحابه والتنكيل بهم على مرأى ومسمع منه، في حين سيبدو وكأنه غير مأذون له في أن ينتصر لهم عند هذه المرحلة وذلك لحكمة أرادها الله تعالى برسوله وأصحابه، مع أن عبارة ابن كثير السابقة " وقد كان يعصمه حيث لا يكون عمه بما شاء لا معقب لحكمه..." لهي قريبة جدا من تفسير هذا الوضع والموقف الصعب الذي واجهه بهذه الطمأنة التي كان يطمئن بها (ص) أصحابه وهم في أثناء التعذيب والتنكيل، كما كان يصبِّر بلال بن رباح وعمار بن ياسر بقوله الشهير "صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة"ثم يدعو لهم تحقيقا لا تعليقا: "اللهم اغفر لآل ياسر وقد فعلت"[1].

لكن الرد الأكثر بعدا ووعدا مستقبليا لمسار الدعوة وجني ثمارها لهو ذاك الذي سيرد به على خباب بن الأرت كما يحدث عن نفسه:"أتيت النبي (ص) وهو متوسد ببردة وهو في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة فقلت"ألا تدعو الله؟.فقعد وهو محمر وجهه فقال: "قد كان من قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذاك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليظهرن الله تعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه"[2]، وفي رواية "ولكنكم تستعجلون".

يقول محمد الخضري:"قال ذلك عليه الصلاة والسلام وهو في هذه الحال الشديدة التي لا يتصور فيها أعقل العقلاء وأنبل النبلاء قوة منتظرة أو سعادة مستقبلة، اللهم إلا أن ذلك وحي يوحى إليه، ثم أنزل الله تعالى تثبيتا للمؤمنين أول سورة العنكبوت:"ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين"..."[3].

ثانيا: بلال والفناء حبا وشوقا في مقام (أحد أحد)

فلقد كان النبي (ص) في هذا المقام يضع الأسس لهذه الأمة، أسس التوحيد الخالص العملي، والفناء في الله تعالى فناء حقيقيا لا يرى معه إلا مقام الأحدية، حيث لا حيث ولا أين ولا بين ولا فرق ولا جمع ولا قبض ولا بسط وإنما هو هو :"كان الله ولا شيء معه وهو الآن على ما كان عليه". وهو المعنى الذي شخصه واقعيا لفظا وحالا ومقالا ومقاما سيدنا بلال بن رباح رضي الله عنه.

"فأما رسول الله (ص) فمنعه الله بعمه، وأبو بكر منعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديد وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا، إلا بلال فإنه هانت عليه نفسه في الله تعالى، وهان على قومه فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول :أحد أحد "[4].

إنه لتعبير دقيق هذا الذي ورد في النص وخاصة عند "فإنه هانت عليه نفسه في الله تعالى وهان على قومه"، إذ بالتفسير القريب من الذوقي، إن كان لدينا ذوق صحيح، فإن بلالا سيكون قد عايش مقام الأحدية وتلذذ به وسمى إلى عالم الإطلاق حيث لا قيود ولا حدود، ولا أين ولا بين، ولا أنا ولا إنية، وإنما ما ثم إلا هو هو (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24) )[5].

(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) ).

فهو أحد في الأولية، أحد في الآخرية، أحد في الظاهر و أحد في الباطن .

وكتصوير لهذا الحال الذي كان عليه بلال بن رباح رضي الله عنه ومستوى الفناء لديه عن ذاته ومحيطه يقول أهل السير :"ومن الذين أوذوا في الله: بلال بن رباح، كان مملوكا لأمية بن خلف الجمحي القرشي، فكان يجعل في عنقه حبلا ويدفعه إلى الصبيان يلعبون به وهو يقول:أحد أحد، لم يشغله ما هو فيه من التوحيد، وكان أمية يخرج به في وقت الظهيرة في الرمضاء، وهي الرمل الشديد الحرارة لو وضعت عليه قطعة لحم لنضجت، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له:لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، فيقول:أحد أحد"[6].

أوليس هذا هو الفناء بعينه وسره، أوليست هذه هي التضحية بالذات والصفات، أوليس هذا هو المقام والموقف الذي لا يوازيه غيره من مظاهر التحدي والثبات على العقيدة والصبر وكل معاني الرجولة والبطولة؟

بلى ! إنها ثمرة المدرسة المحمدية الخالدة ذات الرسالة الإلهية الكاملة، كاملة الأسس وكاملة البنيان والطبقات وتحديد المقامات ومراقي العلى(وأن إلى ربك المنتهى).

وبقدر ما كان بلال وأمثاله من تلامذة هذه المدرسة العالية سلكا وسلوكا منغمسون في مقام الأحدية بالإشراف المحمدي، مع الفناء عن الذات والآخر رقيا وحضورا وتحررا، بقدر ما رأى فيهم الآخر من المحجوبون عبودية دونية مؤهلة للدهس، وإمعانا في التحطيم والإقبار والاحتقار !

فكان الجزاء والنصر بحسب مقام المنازلة، أي أن هؤلاء المعذبين في الظاهر هم أسعد ما يكونون في الباطن، وأرقى مقاما وجوديا وتخليدا في سجل التاريخ وعالم النور والنعيم الحقيقي .وعلى العكس فأولئك المحجوبون والطغاة سيكونون أبأس وأشقى الناس حالا لتطاولهم على المقام، ظانا منهم أنهم يتعاملون مع عبودية الخلق للخلق ولكنهم فوجئوا مصدومين هنا بمواجهة عبودية الخلق للحق، فواجهتهم ألوهيته سبحانه وتعالى وأردتهم أسوأ الموارد وأبأسها.

حتى إن بعض المفسرين يرون أن الآية الكريمة (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16))[7] قد نزلت في أمية بن خلف وأمثاله كتعبير عن قمة خسرانه وشقائه.

وبالمقابل نزل قوله تعالى :( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21) )[8] في حق أهل السعادة كأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وخاصة عند عتقه لبلال بن رباح وبذل المال لاستكمال تحرره من قيد العبودية البشرية وتحصيل انغماسه كلية في عبودية ومناجاة الأحد الصمد من غير عوارض أو شواغل .

 

الدكتور محمد بنيعيش

......................

 

[1] محمد الخضري:نور اليقين ص57

[2] رواه البخاري في مناقب الأنصار

[3] محمد الخضري "نور الأمين ص58

[4] ابن كثير"السيرة النبويةج1ص494

[5] سورة الحشر آية 23-24

[6] محمد الخضري:نور اليقين ص56

[7] سورة الليل آية 14 - 15

[8] سورة الليل آية 17 - 21

 

 

محمد بنيعيشأولا: بين أبي لهب وأبي طالب تختلف المواقف والمتاعب

إن الحكم على أبي لهب بواسطة الوحي وتخصيص سورة عنه قد تعتبر من ضمن المعجزات ذات الأبعاد العميقة في الدعوة، وذلك لما سيترتب عنه من نشر لها بواسطة العدو نفسه، والذي سيكون بشدة غضبه وانفعاله ومعارضته مثيرا لانتباه الآخر ودعوته إلى التحقيق وتمحيص الأمر حتى قد جاء الأمر على غير ما كان يتمناه ومن ثم كان تدميره في تدبيره...

فعن ربعي الديلي وكان جاهليا فأسلم قال: رأيت رسول الله (ص) في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: " يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه أحول ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب.يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه فقالوا: هذا عمه أبو لهب"[1].

وفي رواية أخرى قال: رأيت رسول الله (ص) بذي المجاز يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله، ووراءه رجل أحول تقدّ وجنتاه وهو يقول: أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم ودين آبائكم .قلت: من هذا ؟قيل: أبو لهب".

فلقد كانت السورة تحديا واستفزازا لأبي لهب، والمستفَز يكون من طبعه أن يمعن في الرد والمعارضة بأقصى وأقسى ما لديه من مساءة وقوة، وذلك طمعا منه في رد الاعتبار ومحاولة عدم السقوط والانهيار.

أما وإنه آيل للسقوط والهوي السحيق لا محالة فإنه عندئذ سوف لن يترك مشجبا أو خيطا يعلق عليه أو يتعلق به إلا وأمسك به وحاول جذبه إلى مقامه ليسقط معه ومن حوله في يأس ما بعده منه وإفلاس ما وراءه من متراس.

فكما يقول محمد رضا: " وقد أغضبت هذه السورة أبا لهب فأظهر شدة العداوة وصار متهما فلم يقبل قوله في رسول الله (ص) فكأنه خاب سعيه وبطل غرضه"[2].

وفي الجانب الآخر سيكون أبو طالب عم النبي (ص) وكفيله بعد جده عبد المطلب، والذي نال من بركته ما قد نال وحظي بصحبته وقربه أسمى حظوظ من أهمها ما كان من إخبار بحيرى إياه عن بشائر نبوته (ص) وفضله على العالمين.

لكن أباطالب هذا مهما كان حدبه وحمايته للنبي (ص) إلا أنه سيبقى دائما في صف المعارضة مع أنها قد كانت في بعدها ذات إيجابية لحد ما بالنسبة إلى الدعوة الإسلامية ومسارها وموقف قريش من الرسول (ص) وموقفه منهم.

وهنا قد تتداخل ازدواجية المواقف في التعامل مع الدعوة وحقيقة الدين، وأيضا ثنائية المعارضة والتأييد الصادرين من بيت واحد وعائلة وقرابة واحدة، كما أنه سيبدو الاعتدال والتطرف منبسطا بين هذين الجناحين بكل وضوح.

فأبو لهب قد كان يمثل التطرف بكل معانيه ومحمولاته، تطرفا في المعارضة والإيذاء والقطيعة والتحدي، كموقف مثير ومؤثر ومحفز ومستفز للآخر، إما بسلوك نفس المطب والهوي الفظيع وإما بعكسه على نفس المستوى من الحدة توازيا، أي التشبث والتسليم للمعترض عليه تبكيتا وضدا على تطرف المعارض، مما سيؤدي إلى تسريع تنامي ظاهرة المعارضة المتطرفة أو التأييد المطلق بالرغم مما سيترتب عنه من مصاعب ومتاعب.

وهكذا كان الأمر بين أبي لهب المتطرف ومن سار على حافة جرفه وبين أبي طالب المعتدل ومن اختار سبيله، بالرغم من توافق ظاهري وتقليدي بين الفريقين على مستوى الاعتقاد والشرك الموغل في براثن الوثنية المقيتة والمهلكة.

هذه النقطة بالذات ستجعل أبا طالب في صف المعارضة الضمنية، التي أظهرته بلباس المتناقض والمكبل باعتقادات الجماعة ودين الآباء والأجداد في مسلكهم الضال، في حين أنه لم يستطع الخلاص من هذه القيود والولوج إلى عالم الحرية وسعة الدين الصحيح مركز السعادة والنجاة، دين التوحيد الخالص الذي بعث الله به خاتم النبيين والمرسلين سيدنا محمد (ص) .

ومع هذه الحيرة و التجاذبات فقد بقي أبو طالب شهما في مواقفه وفيا لابن أخيه وصاحبه ومن كان بالأمس القريب تحت كفالته.

ثانيا: أبو طالب والموقف الشجاع ولو من غير اتباع

هذا الدعم وهذه الشهامة، بالرغم من التناقض لديه بين المعتقد والموقف ومتطلباته، سيتجلى بوضوح في هذه المحطة الفارقة والحاسمة بينه وبين قومه، وأيضا بينه وبين ابن أخيه حينما قالت له قريش: "إما أن تكفه أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين، ثم انصرفوا فعظم على أبي طالب فراق قومه ولم يطب نفسا بخذلان ابن أخيه "[3].

فلما تم عرض هذا الخيار المر والمفصلي في تحديد العلاقات بين أبي طالب وبين ابن أخيه لما قال له: "إن قومك قد جاءوا وقالوا كذا وكذا، فابق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق أنا و لا أنت، فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك .

فظن رسول الله (ص) أن قد بدا لعمه فيه، وأنه خاذله ومسلمه، وضعف عن القيام معه، فقال رسول الله (ص): "والله يا عم لو وضعت الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك في طلبه"ثم استعبر رسول الله (ص) فبكى .

فلما ولى قال له حين رأى ما بلغ الأمر برسول الله (ص): يا ابن أخي؟فأقبل عليه، فقال: امض على أمرك وافعل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشيء أبدا...".

يقول ابن كثير: "في ذلك دلالة على أن الله عصمه بعمه مع خلافه إياه في دينه، وقد كان يعصمه حيث لا يكون عمه بما شاء، لا معقب لحكمه..."[4].

لهذا السبب قلنا بأن أبا طالب قد كان يمثل جناحا معارضا ولكن بوجه آخر غير المعارضة النفسية المتنافسة أو المتعنتة والقائمة على الإكراه المادي والبدني في التصدي للدعوة، بحيث سيؤثر على تبعاتها الروحية ونتائجها السلبية كحكم عام على باقي المشركين، والمتمثلة بالنهاية في تخفيف العذاب عنه بالرغم من شركه ظاهرا وموته عليه كما أشارت إليه الروايات الصحيحة .

ومن يدري فقد ورد في كتب السيرة أن آخر ما قاله بأنه "على ملة عبد المطلب"[5]، في حين تقول بعض الروايات بأن عبد المطلب قد لجأ في آخر حياته إلى عقيدة التوحيد حيث: "انتهت إليه الرياسة بعد عمه المطلب، وكان يأمر أولاده بترك الظلم والبغي، ويحثهم على مكارم الأخلاق، وينهاهم عن دنيات الأمور، ورفض عبد المطلب في نهاية عمره عبادة الأصنام ووحد الله... وكان يكرم النبي (ص) ويعظمه وهو صغير ويقول: "إن لابني هذا لشأنا عظيما" وذلك مما كان يسمعه من الكهان والرهبان قبل مولده وبعدهّ..."[6].

وإذا كان الأمر هكذا وبحسب هذه الوصلة بين الخطابين والنتيجة التي آل إليها أبو طالب من جهة تخفيف العذاب عنه فإن ذلك كان بأنه لم يشهد برسالة النبي سيدنا محمد (ص) وليس مشركا بكل ما تحمل كلمة شرك من عمق وتوافق بين الظاهر والباطن، فكان عذابه مخففا، أخف من عذاب المشركين الذين هم في الدرك الأسفل من النار، لأن الشرك يبقى شركا مهما تخلله من أعمال وتأوله المتأولون من تأويلات، والله أعلم.

وإنه لحوار الشجعان هذا الذي دار بين الرسول (ص) وبين عمه، فيه المصارحة والاستعداد الكلي للمصارعة والمواجهة لا خيار آخر غيرها، كما أنه قد مثل نقطة حاسمة في اتخاذ القرار.

فالرسول (ص) في الصمود واستمرار الدعوة من غير التفات لمعارض أو تلكؤ و تردد ومجاملة من أجل انتظار إقناع الآخر والتماس رضاه، والعم أبو طالب في المساندة والتأييد ولو أدى الأمر إلى الصراع المرير والعام مع الكتلة المعارضة من قومه، إذ العلاقة هنا علاقة مبادئ والتزام بحلف الفضول الذي طبع سلوك بني هاشم جلهم في مسارهم التاريخي ونزعتهم السيادية لا السادية، وعلى أساس الأخلاق والقيم كان على رأس قائمتهم وفي مقدمتهم وكذا قائمة كل الكائنات سيدنا محمد (ص) .

حتى قد ينسب إلى أبي طالب هاته الأبيات المعبرة شعرا وأدبا عن عمق تقديره لشخصية ابن أخيه وما بعث به من دين وما هو عليه من فضائل:

والله إنهم لن يصلوا إليك بجمعهم

حتى أوسد في التراب دفينا

فامضي لأمرك ما عليك غضاضة

أبشر وقر بذاك منك عيونا

ودعوتني وعلمت أنك ناصحي

فلقد صدقت وكنت قدم أمينا

وعرضت دينا قد عرفت بأنه

من خير أديان البرية دينا

لولا الملامة أو حذارى سبة

لوجدتني سمحا بذاك مبينا[7]

 

د. محمد بنيعيش

........................

يتبع...

[1] ابن كثير: السيرة النبوية ج1 ص462

[2] محمد رضا: محمد (ص) ص 87

[3] محمد الخضري بك: نور اليقين ص49

[4] ابن كثير: السيرة النبوية ج1ص464

[5] جزء من حديث رواه البخاري في مناقب الأنصار

[6] محمد رضا: محمد (ص) ص16

[7] ابن كثير: السيرة النبوية ج1ص 464

 

منى زيتونفي مقال قريب نُشر منذ شهور بعنوان "القصص القرآني بين العرض المنطقي والعرض السيكولوجي" وعدت بأن تكون لنا عودة مع خواطر عن قصص قرآنية أخرى في مقال آخر.

وحديثنا اليوم مجرد تأملات وخواطر راودت ذهني أثناء قراءتي لكتاب الله ربطتها مع ما أعرف من حقول معرفية أخرى، ولا تتعلق بطريقة سرد القصص مثلما كان الحال في المقال السابق.

يَا أُخْتَ هَارُونَ

في سورة مريم، وفي سياق ما روى لنا الحق تبارك وتعالى عن موقف بني إسرائيل من السيدة مريم ابنة عمران بعد أن ولدت السيد المسيح ‏و﴿َأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾‏ [مريم: 27]، نجدهم يخاطبونها بقولهم: ‏﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ‏28].

ونجد مفسرينا قد اختلفوا بينهم فيمن يكون هارون المقصود في الآية، فتارة هو رجل صالح من بني إسرائيل شبهوها به في صلاحه، وتارة أنه رجل من عشيرتها اسمه هارون -ليس بهارون أخي موسى- كان مشتهرًا بالصلاح. فالأمر عندهم ليس أكثر من أن اسمًا واطأ اسمًا.

وأعتقد أن هذا النفي لأن المعني في الآية هارون النبي أخي موسى الكليم غريب لسببين؛ أولهما: أن المسلمين لا يعرفون هارونًا غيره يستحق أن يُذكر اسمه في كتاب الله، حتى يكون تذكير مريم بصلاحه ذو معنى، بينما المفترض أنها هي من يشهد لها القرآن بالصلاح وأنها المصطفاة على نساء العالمين، وثانيهما: أن هذا النفي يخالف ما يدل عليه لسان العرب؛ فأخو القوم –ببساطة- أي أنه منهم، سواء من أنفسهم أو من مواليهم!

يقول تعالى: ‏﴿‏وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: 65]، [هود: 50]. ‏و ﴿‏وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: 73]، [هود: 61]. ‏و ﴿‏وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: 85]، [هود: 84]. وكان العرب يقولون عند تحية بعضهم بعضاً "عمت صباحاً يا أخا العرب"، فالأخ هو الواحد من الجماعة التي ينتمي إليها، وجميع البشر هم إخوة من آدم.

وبذا فإن المعنى البديهي الذي يتبادر إلى ذهن القارئ لـ ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ أن مريم من نسل هارون النبي عليه السلام، فيكون المقصود إجمالًا بالآية: "يا سليلة النبي هارون ما هذا الذي اقترفتيه؟" عندما ظنوا بها السوء لما جاءتهم حاملة المسيح عليه السلام وليداً.

ولمن لا يعلم فإن بني إسرائيل هم أبناء يعقوب النبي عليه السلام، وهم اثنا عشر ولدًا، نال منهم النبوة ابنه يوسف عليه السلام، ثم إن جميع أنبياء بني إسرائيل من بعد يوسف جاءوا من نسل باقي إخوته الأسباط الباقيين، ولم يُبعث نبي قط من نسل وسبط يوسف، ولما بعث رب العزة موسى الكليم إلى بني إسرائيل –وموسى من سبط لاوي- انقطعت النبوة في نسل موسى رغم أنه أصل الديانة اليهودية، وجميع أنبياء بني إسرائيل من بعد موسى من سبط لاوي جاءوا من نسل أخيه هارون وليس من نسل موسى. أما داود عليه السلام وابنه سليمان فمن سبط يهوذا. ولكن، ما علاقة هذا بالخطاب القرآني للسيدة مريم بـ ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾؟

أرى أن لنفي المعنى البدهي بأن السيدة مريم من نسل هارون النبي سببًا رئيسيًا، وهو ما أورده الإمام الطبري في تفسيره قال: "حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي صدقة، عن محمد بن سيرين، قال: نُبئت أن كعبًا –يعني كعب الأحبار- قال: إن قوله ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ ليس بهارون أخي موسى، قال: فقالت له عائشة: كذبت، قال: يا أم المؤمنين، إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله فهو أعلم وأخبر، وإلا فإني أجد بينهما ست مائة سنة، قال: فسكتت.".

فكان تفسير كعب الأحبار مصدره الإسرائيليات كما نعلم، وظاهره أنه ينفي أن تكون مريم من نسل هارون فتُنسب إليه لتباعد المدة بين موسى وهارون من جهة وبين مريم والمسيح من الجهة الأخرى، ولكن ما يخفى على كثير من المسلمين أن التوراة –التي بين أيدي الأحبار- تتنبأ أنهم بانتظار الأمير من نسل داود، وليس من نسل هارون. وقد وافقت الأناجيل النبوءة التوراتية فذكرت أن السيدة مريم والسيد المسيح من نسل داود، وذلك لعدم مخالفة ما جاء في التوراة وإدعاء أن النبوءة قد تحققت في المسيح عليه السلام.

فكأن الله تعالى أراد في هذا الخطاب القرآني ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ أن يصحح لنا نسب السيدة مريم، وأنها ليست من نسل داود كما يذكر أهل الكتاب، وإنما هي من نسل هارون، لكن كعب الأحبار أراد أن يوفق بين ما يعرفه من كتب بني إسرائيل وما أُنزل في القرآن، فنفى أن يكون المقصود هارون النبي وهو ما تناقله عنه المسلمون. وزاد على هذا ما رُوي عن المغيرة بن شعبة بأن رسول الله أخبره أنهم كانوا يسمون بأسماء الصالحين منهم، ولكن هذه الرواية لم تكن أساس النفي، ولولا قول كعب الأحبار لكان التشكيك فيها أولى.

وهذا الرأي قد تكون عندي منذ سنوات بعد مراجعتي لما ذكر أهل الكتاب عن نسب السيد المسيح، وسبق لي نشره على مدونات الفيسبوك، وقد وسرني أثناء مراجعة المقالة أنني وجدت له أصلًا –وإن كان ضعيفًا-، ذلك أنني بإعادة مراجعة ما ذكر الإمام الطبري في تفسيره للآية وقعت على كلمة في الختام ذكر فيها الإمام "وقال بعضهم: عنى به هارون أخو موسى، ونُسبت مريم إلى أنها أخته لأنها من ولده، يُقال للتميمي: يا أخا تميم، وللمضري: يا أخا مضر.".

إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ

من أهم ما يميز الإنسان الناجح تقبل الواقع دون تشويه ودون سباحة عبر الزمن! إنه يدرك الواقع جيدًا ويجيد التعامل معه، ويتعامل مع غيره من البشر على ما هم عليه في اللحظة الآنية، فلا يعنيه ما كانوا عليه في الزمن القريب أو البعيد، ولا ما يُتصور أن يكونوا عليه في المستقبل القريب أو البعيد.

وكثيرون من بيننا لا يمتون لهذا الوصف بأدنى صلة، فهم لا يتعاملون مع واقعهم بل يهربون منه إلى ماضٍ أكثر سعادة أو إلى خيالات وأحلام يقظة، كما لا يتقبلون الترقي الذي قد يحدث لبعض ممن يعرفونهم وتحسن حالهم للأفضل مقامًا أو علمًا أو مستوى مادي أو غيره، ولا أنسى أن موجهًا للعلوم من هؤلاء الرافضين للواقع قال أمامي ذات مرة –جادًا لا هازلًا- إن المرحوم الدكتور أحمد زويل العالم المصري الحائز على جائزة نوبل هو زميل له، فاعتقدت أنه زامل زويل في كلية العلوم، وإذا به يرد علي بـأن زويل لو كان عاد إلى مصر بعد البعثة لكان موجهًا للعلوم مثله! وما سبق يُعرف بمعضلة "ما كان وما هو كائن وما سيكون"، والتي على أساسها تتحدد درجة وعي الإنسان.

وبعضهم عندما يكون ماضيه بالأساس سيئًا، وهو بحاجة للتهرب منه أكثر مما هو بحاجة للتهرب من واقعه، يختار أن يهرب من ماضيه بالإسقاط على الماضي وربما على المستقبل لغيره. وفي حوار سيدنا يوسف وإخوته ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 77]، نجد هؤلاء الخبثاء الذين كادوا لأخيهم الصغير في ماضيهم الأسود ينقبون عن شيء يسير في ماضيه أثناء لعبه في طفولته!

وما فعله أبناء يعقوب في هذا الموقف هو ما نسميه بالإسقاط على الماضي؛ فصاحب التاريخ الملوث يحاول تلويث تاريخ غيره بالتنقيب أو الافتراء أو حتى بالظن أن باقي الناس لا بد وأن لديهم في ماضيهم مثله ما يشين. وبعضهم يسقط على المستقبل فنجد أحدهم يظن -ودون بيِّنة- أن أي مسئول في الدولة هو لص، ولا فرق عنده بين (س) و (ص) من بينهم، وهذا الظن يشينه أكثر مما يشينهم لمن يعي معناه، فحقيقته أنه هو إن آلت إليه أمثال تلك المناصب الكبيرة لتربح من خلالها.

وهناك حقيقة أخرى يلفتنا إليها رد الصديق يوسف على إخوته؛ حيث جاء الرد القرآني على لسان يوسف موضحًا بأن لقصة السرقة التي ادعوها أساسًا، وليست مختلقة كليًا، ولكن ‏الحادثة ليست على الصفة التي ‏يصفونها بها. ‏

وكم من أمر ليست صفته على ما تظهر عليه؛ إذ ينبغي أن نضع نصب أعيننا أن ظواهر الأمور ليست دائمًا كبواطنها، وعلينا ‏أن نُعوِّد أنفسنا على أن نعف ألسنتنا خاصة عما لم نشهد، وكم من قصة انتشرت عبر مواقع التواصل فأساءت إلى أصحابها وحُكيت لي من بعض المطلعين بصفة أخرى تبرئهم، والله أعلم أين هي الحقيقة.

على سبيل المثال، فقد انتشر منذ سنوات أن سيدة ثرية في أحد المطارات المصرية اعتدت على أحد الضباط في المطار بالألفاظ الخارجة لما منعها من ركوب الطائرة، وبدا عليها من خلال مقاطع فيديو عديدة وكل منها شديدة القصر، إنها ليست في كامل وعيها وتحت تأثير مخدر أو مسكر ما، وكان مصيرها السجن، ولكني سمعت القصة بطريقة أخرى بعيدًا عن مواقع التواصل بأن الضابط شك إنها ليست صاحبة جواز السفر لأنها كانت تلبس فستانًا للسهرة أشبه في تصميمه بالجلابية، فأساء تقدير شخصيتها ومن تكون، فمنعها من ركوب الطائرة، فاتصلت بأهلها فطلبوا منها البقاء ساكنة في المطار، فلما استشعر الضابط المصيبة التي ستقع حتمًا فوق رأسه أحضر لها كوب عصير فاكهة بعد أن دس فيه حبة مخدرة، ليجد لنفسه مبررًا لمنعه إياها من ركوب الطائرة، وهي بحسن نية ظنت أنه يريد أن يراضيها فشربت العصير، وفقدت اتزانها، وكان يقول لها قولي كذا وقولي كذا ويصورها وهي تتلفظ بتلك الألفاظ، وكان ما كان.

ومنذ حوالي عامين سمعنا في الإسماعيلية أن محافظ المدينة قد تزوج بنتًا صغيرة طالبة في الجامعة وأبوها يعمل في مبنى المحافظة، وأنها كثيرًا ما كانت تحضر إلى مكتبه مع والدتها قبل إتمام الزواج، ولكن القصة ما أن بلغت القاهرة وانتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي حتى تبدلت وتقذرت وصارت إلى حال أوصلت الرجل إلى الاستقالة بعد سوء السمعة الذي لحقه!

فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ

واستكمالًا للحديث عن الظواهر التي قد تخالف تمامًا حقيقة الأمر، فلنا وقفة مع قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص:8].

عندما كنت صغيرة أذكر أنني استمعت إلى تفسير الآية في حديث الشيخ الشعراوي الأسبوعي، وكان الجزء الذي لفتني أن الشيخ الجليل قد رأى أن أخذ فرعون للرضيع الذي وجدوه ملقى في تابوته بجوار شجرة على الترعة المجاورة لقصره علامة على غبائه لأنه –وفقًا لما رأى الشيخ- من سيكون ألقاه إلا هؤلاء القوم الذين تُذبح أبناءهم؟

والحقيقة أنني –وعلى الرغم من حداثة سني وقتها- لم أوافق الشيخ فيما رأى في هذه الجزئية؛ فلم أر الحادثة على أنها علامة على غباء فرعون، وإنما رأيتها كيدًا من الله وتحديًا له، فالله تعالى لم يفجأ فرعون برسول في سن الكهولة يأتيه على حين غفلة، بل قد أراه رؤيا أولوها له بشكل صحيح، وعلى إثرها صار يذبح البنين من بني إسرائيل، ولأنهم كانوا عبيده الذين يكلفهم بمشاق الأعمال سُخرة دون أجر فقد اضطر إلى الرجوع إلى مؤولي الأحلام وكهنته وعرافيه ليكشفوا له عن السنوات التي يمكن أن يولد فيها هذا الصبي الذي سيكون تدمير ملكه على يديه، وكان يمكن أن يحسبوا له خطأ، ولكنهم أصابوا وفقًا للطبائع الأربعة التي تدور على السنين مثلما تدور على البروج (نار ثم تراب ثم هواء ثم ماء)، فعرفوا أن هناك سنة لا يمكن أن يولد فيها الصبي ويمكن استبقاء مواليدها دون ذبح، وبعدها سنة يكون فيها الخطر، وهكذا دواليك، ثم كان التحدي الأكبر بأن هذا الطفل سيولد في سنة من تلك التي تذبح فيها المواليد، ومع ذلك سينجو ويُربى، وأنت يا فرعون من ستربيه!

وإننا إذ نعلم أن هذا الطفل –موسى الرضيع- من بني إسرائيل، وأن أمه قد ألقته في اليم تنفيذًا لما أوحى الله به إليها لينجو، فإن هذا العلم من إخبار الله تعالى لنا وإلا فإن هذا آخر ما ينبغي أن يدور في ذهن فرعون وفي أذهاننا لو لم يخبرنا به الله.

ولنراجع الحدث معًا، إذ يبدو أن جواري وخادمات القصر وجدن تابوتًا صغيرًا بجوار شجرة من الأشجار التي تنمو على شواطئ الترع في مصر وتوجد بجوار القصر، فذهبن به إلى زوجة فرعون الأثيرة -والتي على الأغلب لم تكن تنجب أو لم تنجب له سوى بنتًا- فأحبت أن تحتفظ بالطفل الذي كان في التابوت وتتبناه، وأسمته موسى أو موشيه كما يُنطق في العبرية، وهو باللغة المصرية ‏القديمة منحوت من شقين "مو" ويعني‎ ‎ماء، و"شيه"‎ ‎ويعني شجر، فيصير‎ ‎الاسم ماء وشجر أو بين الماء ‏والشجر؛ لأنهم‎ ‎وجدوا تابوته في الماء وبجانب الشجرة.‏

وعندما عرضت السيدة آسيا الأمر على زوجها المتكبر المتجبر فرعون وافق إرضاءً لها، ولأنه –كما أرى ووفقًا لظاهر الأمر- ظن أنه ابن واحدة من جواري أو نساء القصر حملت به سفاحًا وأخفت حملها، ثم ألقت بالطفل بعد ولادته بجانب القصر ليسهل عليها تتبع أثره وتعرف مصيره بعد أن يُلتقط. وإلا فهل يعقل عاقل –سواء فرعون أو غيره- أن هذا الطفل قد حمله هذا التابوت الصغير عبر هذه الترعة الطويلة، والتي أتت به من إحدى القرى التي يسكنها المستعبدون من بني إسرائيل ليلقي به بجوار قصره المشيد المحاط بالأسوار، والذي لا تشق أسواره وبواباته الحصينة سوى هذه الترعة!

وهذا الفعل في حد ذاته بإشفاقه على طفل رضيع لقيط في أشد درجات الضعف، يظهر جانبًا من شخصية فرعون يغفل عنه كثيرون، ففرعون موسى –وكما تظهر ملامح شخصيته من آي القرآن الكريم- لم يكن المتسلط بالدرجة ذاتها على جميع رعيته، بل ﴿جَعَل أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ [القصص:4]، وكانت معاملته تتفاوت بين طوائف الرعية فيميز منها طائفة من يدعموه ممن استخفهم فأطاعوه فأهلكهم الله معه، ومنهم من هم دون ذلك، و﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ وهم المستعبدون الذين أظهر لهم وجهًا خشنًا لم يظهره لبقية الرعية. وهذا النموذج النفسي للديكتاتور الشيزوفريني المنفصم معروف، وقد تم تقديمه من قبل في السينما المصرية في فيلم "البريء".

إنها قصة مليئة بالتقابلات العجيبة بدأت بالماء الذي حمل الطفل ولم يهلكه، وانتهت بالماء الذي أهلك المتجبر وأغرقه. ولم يكن ظاهر الأمر كباطنه فلم يكن هذا اللقيط ابن سفاح كما قد يتبادر للأذهان، بل كان نبيًا صُنع على عين الله وألقى عليه محبة حتى أحبه عدوه ورباه، ‏لتكون العاقبة لفرعون حزنًا.

إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ

يقول تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إلى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ، فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ، إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ، وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ، وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ، فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ، كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: 52: 60].

ووقفتنا مع وصف فرعون لبني إسرائيل الذين فروا منه مع نبيهم موسى عليه السلام بـ ﴿إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾، والشرذمة هي البقية القليلة من كل شيء، وهو وصف صحيح يتناسب مع ما نعرف من حالهم، فإذا كان بنو إسرائيل هم أبناء يعقوب عليه السلام الاثنا عشر، والذين جاءوا جميعًا من البدو إلى مصر -مع أهلهم أجمعين- بعد أن صار أحدهم وهو يوسف عليه السلام عزيز مصر، ثم ذهب عزهم بعد أن باد ملوك الهكسوس الذين كانوا في خدمتهم، وتبدلت الدول، حتى جاءهم بعد قرنين أو ثلاثة قرون على الأكثر من دخولهم مصر ملك متجبر نالهم من ربهم بلاء عظيم على يديه بذبحه وجنوده أبناءهم الذكور لسنين، فالمنطق يقضي بأنه ما بقيت منهم وقت خروجهم من مصر إلا شرذمة قليلين.

والأهم أن الله تعالى ذكر هذا الوصف على لسان فرعون في كتابه العزيز، فهو كلام الله، وكلام الله حق، خاصة وأن الله تعالى لم يعقبه بتكذيب ما ذكر فرعون.

لكننا نجد مفسرينا ينساقون مع التفسيرات المستقاة من التوراة فذكروا أن عدد بني إسرائيل يوم خرجوا مع موسى كان ستّ مئة ألف وسبعين ألفًا! وأخذوا يسوقون التبريرات للوصف القرآني المخالف تمامًا للرقم الذي يضربونه تخرصًا بأن كل سبط منهم كان قليلًا ولكن جمعهم كان كثيرًا على هذا العدد! فهل ما يزيد عن خمسين ألف رجل لكل سبط يُسمى شرذمة! ثم ما علاقة فرعون بأنسابهم وتصنيفهم إلى أسباط؟! وهي مبالغات وتخرصات بالغيب غير مبررة تتعلق بالأرقام اعتدناها من مفسرينا، كذلك الذي ذكرناه عند عرض قصة البقرة في مقال ‏"القصص القرآني بين العرض المنطقي والعرض السيكولوجي" ‏عندما ذكر بعض المفسرين أنهم أخذوا يبحثون عن البقرة أربعين سنة! رغم اختيار الحق سبحانه وتعالى للفاء للعطف في الآية ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة: 72]؛ ما دل على أن هذا الحوار والجدل عن البقرة بين موسى وبني إسرائيل لم يستغرق أكثر من ساعات، وغالبًا لم يكن القتيل قد دُفن.

كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ

يقول تعالى: ﴿ فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ، فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ، قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 60-62].

ولنتأمل قليلًا في قول الكليم يوم ظن من معه أن فرعون لاحق بهم ﴿قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ وقد تراءى الجمعان مع شروق الشمس وأوشكا أن يتلاقيا، فجند فرعون من خلفهم والبحر أمامهم، وموسى مُصر أن الله تعالى الذي أمره بالسير بهم سيهديه السبيل، فهو معهم. لم يشك لحظة في ربه أو أنه تاركه، ولا شك أنه منجيه. إن ﴿كَلَّا﴾ هذه التي قالها الكليم لردع قومه عن الجزع والخوف لو وُضعت في كفة وإيمان أهل الأرض اليوم في كفة لرجحتهم.

طور سيناء والطور الأيمن

وفقًا للرواية القرآنية عن تكليم الله تعالى لموسى عليه السلام فإنه يوجد مشهدان لحدثين، وبفاصل زمني بينهما يصل إلى أعوام، وفي كلا الحدثين كان يظهر اسم جبل الطور؛ إذ إن تكليم الله لسيدنا موسى قد حدث مرتين وفقًا للقرآن الكريم.

2818 جبل موسى وجبل اللوز

المرة الأولى: خلال عودته من أرض مدين في شمال الحجــاز إلى مصر، وحدث ذلك عند جبل في جنوب شبه جزيرة سيناء، أسماه الله عز وجل في القرآن الكريم طور سيناء أو طور سينين، وفي آيات أخرى ذُكر تحت مسمى الطور فقط ‏﴿‏فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص: 29]، وذُكر مرة موصوفُا بالغربي ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص: 44]

المرة الثانية: بعد خروج بني إسرائيل من مصر بعبورهم البحر من عند خليج العقبة إلى شمال الحجاز، وإيتـاء موسى عليه السلام الألواح، عندما غاب عن بني إسرائيل أربعين يومًا، عبدوا فيها العجل. وأُطلِق على الجبل هذه المرة الطور الأيمن. ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: 52]

وفي الكتاب المقدس أيضًا كانت هناك إشارة لجبلين وليس جبلًا واحدًا؛ حيث جاء ذكر برية سيناء وجبل سيناء 35 مرة، وفي 17 مرة أتي ذكر جبل آخر اسمه حوريب، هو الذي عسكر حوله بنو إسرائيل لما يقارب العام بعد خروجهم من مصر، حيث أُعطوا الشريعة.

ويبدو أن القصة التوراتية، وتوحيد أهل الكتاب بين الجبلين وجعلهما جبلًا واحدًا، بنسبتهم الجبل الذي تمت عليه حادثة التكليم الأولى إلى مشهد التكليم الثاني، قد أثّرت على تأويلنا وتدبرنا لآيات القرآن الكريم. ولنفهم القصة على وجهها دون خلط. ولنتدبر الآيات القرآنية التي ذُكِر فيها الطور لمزيد من الفهم.

يقول تعالى: ‏﴿‏ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص: 29].

2817 منظور افقي لجبل موسى

وفي سورة القصص أيضًا، وفي آيتين متتابعتين يلفتنا الله سبحانه وتعالى إلى أنهما جبلان مختلفان حدث عليهما حدثان خطيران في تاريخ البشرية ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص: 44] وبعدها بآية يقول تعالى: ‏﴿‏وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ [القصص: 46].

ويقول تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: 52].

ويوضح تعالى أن الطور الأيمن هو الجبل الذي تجمعوا عنده بعد نجاتهم من فرعون ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ﴾ [طه: 80].

فعندما حكى تعالى عن مناداته لموسى عليه السلام عند عودته إلى مصر بعد السنوات التي قضاها في مدين جاءت سيرة طور سيناء أو الغربي، أما عندما جاء ذكر الجبل الذي وُوعدوا عنده بعد نجاتهم من فرعون قيل الطور الأيمن.

وربما كان في انتقاله عليه السلام من مدين في الشرق إلى الجبل الذي أُعطي عنده الوحي عند عودته إلى مصر، والذي يقع في الغرب من مدين، تفسير لوصف القرآن لذلك الجبل بـ ﴿الْغَرْبِيِّ﴾. ولو وضعنا الخريطة أمامنا، فالجبل الذي في شمال الحجاز هو الأيمن، وسُمي الأيمن من التيمن، ولم يُسم الشرقي. والآخر الذي في سيناء هو الغربي، ولم يرد الله أن يسميه الأيسر، فالعرب لا تتفاءل سوى باليمين، والقرآن نزل بلسان العرب.

ومن العجيب أيضًا أن يُشار إلى كثير مما يخص مصر بالغرب، ففي التوراة يُسمى النيل بالبحر الغربي، وفي الحديث الشريف جند مصر هو الجند الغربي المقصود بالحديث في صحيح مسلم.

ولم يغب عن مفسرينا الإشارة القرآنية مرة بالأيمن ومرة بالغربي، وإن كانوا لم يتوقفوا عندها كثيرًا، ومروا عليها عابرين، وفسروها على إنها اختلاف الجبل نفسه بالنسبة لجهة قدوم موسى عليه السلام عليه، مع أن اللفظ القرآني واضح ﴿مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ فإما أن الطور موصوف بأنه الأيمن أو أن الجبل له يمين، ولأن الجبل لا يمين له ولا شمال، فقالوا: اليمين، يمين موسى. والأصح أن الأيمن هنا صفة للطور الذي تجمعوا عنده بعد الخروج من مصر.

وكذا قال تعالى: ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ وليس بالجانب الغربي، فالأدق أن ﴿الْغَرْبِيِّ﴾ في الآية صفة للجبل، أي بجانب الجبل الغربي، وليس بجانب غربيّ الجبل كما فُسرت الآية. والوحيد الذي التفت إلى غرابة التركيب اللغوي للآية على تفسيرهم كان الفخر الرازي في "مفاتيح الغيب"؛ إذ إنه على قولهم فالجانب موصوف، والغربي صفة، فكيف أضاف الموصوف إلى الصفة، وإضافة الموصوف إلى الصفة تقتضي إضافة الشيء إلى نفسه؟! ولكنه قال إن ذلك جائز بشروط. وذكر أن التأويل فيه: جانب المكان الغربي، ثم المضاف إليه ليس هو النعت، بل المنعوت، إلا أنه حذف المنعوت وأقيم النعت مقامه. ووفقًا لكلام الرازي فالجبل ذاته هو الموصوف بالغربي، والغربي صفة للجبل، ولكن الجبل هنا وهو الموصوف محذوف.

ربما لا نفهم يقينًا سبب الوصف بأن ذلك الجبل هو الأيمن، والآخر هو الغربي، ولكن من الواضح أنهما جبلان، كل منهما وُصف بناءً على موضعه وصفًا يخالف الآخر، ولا يتفق تأويلٌ غيره مع سياق القصة القرآنية، والمكتشفات الأثرية بأن عبور بني إسرائيل كان إلى شمال الحجاز.

وللمزيد يمكن للقارئ أن يعود إلى مقالي "قصة جبلين وجزيرتين".

وَاْلطُّورِ

يقول تعالى: ﴿وَالطُّورِ، وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ، فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ، وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ، وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ، إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور: 1-7]

وقد قال مفسرونا إن القسم في بدء سورة الطور بقوله تعالى: ﴿وَاْلطُّورِ﴾ قد يُحمل على وجهين، أولها: إنه تعالى يقسم بطور سيناء؛ وهو الجبل الذي اختاره الله سبحانه وتعالى ليشهد إعطاء الوحي إلى موسى عليه السلام دون واسطة، وهو ما رجحه كثير من مفسرينا لعدم تمييزهم بين طور سيناء الذي شهد حادثة التكليم الأولى لموسى عليه السلام وإرساله إلى فرعون، وبين الطور الأيمن الذي أعطيت ألواح التوراة إلى موسى عليه السلام عليه عند مواعدة الله له بعد النجاة والخروج من مصر. وثانيها: إنه تعالى يقسم بالطور أي الجبل الصلد الضخم أو كثير النبت والشجر كأحد مخلوقاته العظيمة الدالة على قدرته، مثلما أقسم بالكثير من خلقه كالشمس والقمر والبحر والعاديات وغيرها.

ولأنني أرى أنه لا مبرر لأن يُقسم الله تعالى بأحد مخلوقاته مرتين في كتابه، إذن فالطور المقسم به في أول سورة الطور ﴿وَاْلطُّورِ﴾ ليس هو طور سيناء الذي أقسم به تعالى في أول سورة التين﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ﴾، وكنت أرى بالرأي الثاني الذي رآه مفسرونا؛ أي أن قسمه تعالى ﴿وَاْلطُّورِ﴾ قسم بالجبل الصلد الكبير الذي يُعتبر أكبر مخلوقاته على ظهر الأرض، إلا أن خاطرًا جاءني وجعلني أتوقف ذات مرة أثناء قراءتي سورة الطور، فانتبهت إلى كل ما أقسم به الله تعالى به بعد الطور، خاصة ﴿وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ﴾، وقد ظن مفسرونا أنه القرآن، ولكن ربما كان الأقرب أنه التوراة التي أنزلها الله على الطور الأيمن ألواحًا مكتوبة، بينما القرآن نزل متفرقًا مقروءًا ولوحه محفوظ في السماء لم ينزل الأرض، وكُتب بأيدي البشر‏﴿‏بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾‏ [البروج: 21-22]. وكان بدء الوحي به إلى نبينا على أحد جبال مكة ولم يُسم هذا الجبل طورًا في أي موضع من القرآن أو السنة أو السيرة أو أقوال الصحابة.

ثم نظرت إلى جواب القسم ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾، واسترجعت الصورة القرآنية في سورة البقرة لتخويف بني إسرائيل بإيقاع الطور فوق رءوسهم بعد أن رفعته الملائكة تخويفًا لهم ليأخذوا التوراة بالميثاق، فجاء في خاطري أنه ربما كان الأدق أن الذي أقسم الله تعالى به في سورة الطور، والذي ورُفع فوق رءوسهم كان الطور الأيمن الذي أُعطوا عنده التوراة، وأُمروا أن يأخذوها بحقها. والله تعالى أعلى وأعلم.

وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ...... نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ

ولنا وقفة مع الملك النبي الذي شهد الله له شهادتين عظيمتين إحداهما لم يشهد مثلها لغيره، وأعطاه عطيتين عظيمتين إحداهما لم ولن يُعطَ مثلها غيره.

أعطاه ملكًا لم ولن يُعطاه غيره، بعدما دعا دعوة راغب إلى ربه ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ ‏[ص: 35]. وهل حاز بشر مُلْكًا كالذي أعطي لسليمان بن داود!

وأعطاه من الحكمة ما شهد الله له بها أنه كان أفهم من أبيه. يقول تعالى: ‏﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ ‏[الأنبياء: 79].

وأما الشهادتان، فالشهادة الأولى له في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: 102]. وما شهد الله سبحانه لبشر بالبراءة من الكفر غيره.

وفي الميثولوجيا القديمة يصورون سليمان بأنه ملك العُصي الذي يجلس على كرسي عرشه ممسكًا عصا، وفي يده خاتم فصه من عقيق اليمن، وإلى زمن قريب كان العقلاء يقولون: زينة الرجل عصا من خشب زيتون الشام وخاتم من عقيق اليمن. وعند المؤمنين فالعصا رمز القوة يمسكها الرجل حين يُسن ليتوكأ عليها ويستقوي بها، وخاتم العقيق طاقة حكمة، والأنبياء يمسكون العُصي ويتختمون بالعقيق، ومنهم موسى عليه السلام ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام، ومن كان لديه صبي طائش ختّمه بالعقيق.

ولن أستفيض في شرح ما تقوَّله على سليمان بعض من الكهنة الفجرة من بني إسرائيل الذين نبذوا التوراة وراء ظهورهم –بل وما زالوا يتقولونه عليه إلى يومنا هذا- من أن ملكه كان سحرًا يختطه تحت كرسيه، والعصا قالوا: هي رمز السحر، ولا زال الساحر إلى يومنا هذا يمسك بالعصا ويشير بها ليوهم الرائي أنه قد صار ما يريد، والخاتم قالوا إن فيه ملكه يفرك فصه فتأتمر الجن بأمره، ولا زال بعض الجهلة يرددون هذا القول نقلًا عنهم فيقولون عمن أوتي من الله الكثير: كأنه أُعطي خاتم سليمان! وقد روى الإمام الطبري في تفسيره آية السحر في سورة البقرة "لما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما نُزِّل عليه من الله سليمان بن داود وعدَّه فيمن عدَّه من المرسلين، قال من كان بالمدينة من يهود: ألا تعجبون لمحمد صلى الله عليه وسلم يزعم أن سليمان بن داود كان نبيًا! والله ما كان إلا ساحرًا!".

وأما الشهادة الثانية لسليمان من الله، ففي قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 30]. فهذا النبي الملك الحكيم كان على عظم فضل الله عليه ‏﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾، ولم يشهد الله لعبد غيره أنه نعم العبد سوى عبده الصابر أيوب؛ فكأن من استحقا وصف الله لهما بأنهما ‏﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ هما الشكور والصبور.

لم ينس سليمان فضل الله ونعمته عليه فشكر ولم يبطر، وغيره قد يغتر بمعشار معشار ما أُعطيه، بل كان من دعائه عليه السلام: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: 19]. ولأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7]، وسليمان شكور ومبرأ من الكفر فقد استحق أن أعطاه الله الملك العظيم الذي رغب فيه من ربه، كما استحق أيوب أن يزيده فوق شفائه ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 43].

ولكن هذا الذي كان نعم العبد مع ربه هو ذاته مُذِل الشياطين، ومؤدب من يستحق الأدب من البشر، والذين تقولوا عليه بعد موته كثيرًا من شدة وطأة ما نالهم منه. ولعلها من الأعاجيب أن هذا الحكيم يجد من ينتقص من عقله، وفوق ذلك يكفره! ولكنه حسد البشر، وكل ذي نعمة محسود.

وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى

يقول تعالى في مطلع سورة النجم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [سورة النجم:1-4].

والقسم هنا في أول السورة قد يُحمل على جنس النجم فيشمل جميع النجوم لأن النجم أحد أعظم مخلوقات الله، ولكن أغلب المفسرين حملوا القسم على عنقود الثريا، والعرب إذا قالت: "النجم" إنما تعني –على الأغلب- الثريا. والثريا وإن كانت مجموعة نجمية وليست نجمًا واحدًا إلا أن تقارب نجومها وتجمعها على ارتفاع كبير في السماء يجعلها تضيئ كوحدة واحدة، ومن هنا سمى العرب كل وحدات إضاءة مجتمعة مرتفعة تضيء معًا بالثريا.

والثريا هي منزلة قمرية ممتزجة الطاقة (نار وتراب) تقع بين الحمل والثور؛ إذ تشغل 4.3 درجات الأخيرة من درجات الحمل وأول ‏‏8.55 درجات من بداية الثور. وفي الميثولوجيا القديمة، ووفقًا لنظرية الطباع الأربعة، فإن امتزاج طاقة النار التي تمثل القوة مع طاقة التراب التي تمثل الثبات والاستقرار هي أفضل طاقة لتأسيس كيان قوي وثابت، فالخيمة تُقام على أربعة عصي –والعصا هي القوة وهي رمز طاقة النار- وهذه العصي تثبت في التراب، وهذه تحديدًا هي طاقة الثريا. وهي المنزلة القمرية الثالثة التي ينزل عليها القمر ضيفًا في دورته حول الأرض من بين ثمان وعشرين منزلة. فما هي علاقة هذه المجموعة النجمية بصاحبنا ورسولنا عليه الصلاة والسلام؟

2816 سيدنا محمد

هذه المجموعة النجمية لارتفاعها في السماء هي أقرب مجموعات النجوم الثابتة في دائرة الأفق إلى المدار الظاهري للشمس، وكانت الثريا في الطالع مقترنة بالشمس يوم ميلاد ‏سيدنا ورسولنا محمد عليه الصلاة والسلام؛ إذ إن المعروف عند الفلكيين العرب أن طالعه صلى الله عليه وسلم كان في أواخر درجات الحمل، وشمسه كانت في أول درجة من الثور، وكلاهما مقترنان ضمن درجات الثريا لأنه وُلد قبل طلوع الشمس بدقائق، معلنًا أن شمسًا جديدة قاربت أن تُشرف على الدنيا.‏

ومنزلة الإكليل –وتُعرف أيضًا بالطريق المحترق- هي المنزلة الرقيب للثريا؛ أي المنزلة المواجهة للثريا تمامًا في دائرة الأفق، وهي منزلة ممتزجة الطاقة (هواء وماء) تقع بين الميزان والعقرب؛ إذ تشغل 4.3 درجات الأخيرة من درجات الميزان وأول 8.55 ‏درجات من بداية العقرب، ومفهوم أن المنزلة الرقيب هي التي تطلع من الشرق فتهوي الأخرى من الغرب، وعندما تهوي الثريا تطلع الإكليل. وقد روى الإمام الطبري في تفسيره عن مجاهد بن جبر قوله في الآية: "سقوط الثريا".

وفي الليلة السابقة لميلاده عليه الصلاة والسلام ظهرت تلك الدرجات الأولى من العقرب في منزلة الإكليل في الطالع من جهة الشرق مقترنة بالمشتري وزحل والعقدة الجنوبية لتقاطع مسار الشمس مع مسار القمر -والتي تمثل النهايات- منذ غروب الشمس وغروب النجم (الثريا)، وبعدها بدقائق طلع نجم قلب العقرب الأحمر الذي يقترب من الأرض ليلة ميلاد الأنبياء، أي أنه بمجرد أن هوت الثريا مع مغيب الشمس في الليلة السابقة على ميلاده عليه الصلاة والسلام حدث ما يُعرف بالاقتران العظيم، واستمر هذا الاقتران طوال الليل حتى هوى الإكليل وأشرقت الشمس مقترنة بعنقود الثريا والعقدة الشمالية لتقاطع مسار الشمس مع مسار القمر -التي تمثل البدايات- ‏بعد ميلاده عليه الصلاة والسلام بدقائق، والقمر أحدب متزايد غارب يُثلث الطالع في الدرجة 20 من برج الأسد، وذلك يوم الاثنين الموافق 20 من أبريل عام 571 بالتقويم الجولياني، الموافق العاشر من ربيع الأول من عام الفيل.

ونعرف جميعًا ما رُوي عن استطلاع الفلكي اليهودي في يثرب (المدينة المنورة) للسماء في تلك الليلة، وما شاهده من اقتراب النجم الأحمر (قلب العقرب) من الأرض، والذي لا يقترب إلى هذه الدرجة إلا ليلة ميلاد الرسل والأنبياء في إشارة لهدم الباطل ليُبنى الحق، وما روي عن تهدم إيوان كسرى وانطفاء نيرانه المقدسة وتهاوي الأصنام حول الكعبة في تلك الليلة العظيمة في تاريخ البشرية.

وللعلم فإن رقم سورة النجم في القرآن الكريم هو 53، وتوجد في ‏الحزب 53، وحساب الجُمل لاسم أحمد= 1+ 8+ 40+ 4= 53!‏

ورغم اقتناعي أن القسم في أول سورة النجم ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا ‏هَوَى﴾ بسقوط الثُريا تحديدًا كان إشارة منه تعالى لما حدث في السماء منذ لحظة الغروب في الليلة السابقة على ميلاده عليه الصلاة والسلام، وحتى أشرقت الدنيا بمولده، فإنه ربما كان القسم إخبارًا منه تعالى أيضًا بأن حدثًا سيحدث من علامات القيامة يتعلق بتلك المجموعة ‏النجمية التي تضرب بها العرب المثل في العلو والارتفاع، أو لعل ظالمًا سيهوي، ولذلك صلة بسقوط الثريا. وقد قال تعالى في موضع آخر: ‏﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُوم، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظيم﴾ ‏[الواقعة: ‏‏75-76].‏ وقال المفسرون: "إن القسم بمواقعها أي: مساقطها في مغاربها، وما يحدث الله في تلك الأوقات، من ‏الحوادث الدالة على عظمته وكبريائه وتوحيده". 

* ملحوظة: قمت باستخدام برنامج فلكي باستخراج الخريطة الفلكية للحظة ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم، وما ذكرته من تحليل الخريطة مجرد قشور، ولكنها تستوفي الغرض في هذه المقالة.

لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم

يقول الحق سبحانه في سورة النور، وفي معرض حديثه عن حادثة الإفك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 11].

والحديث في الآية –كما نعلم- عمن افتروا وتكلموا في حق السيدة عائشة أم المؤمنين، وقد أورد الإمام الطبري عن ابن عباس أنهم حسان بن ثابت، ومسطح، وحمنة بنت جحش، والمنافق عبد الله بن أُبيّ وغالبًا أن الأخير هو الذي تولى كبره؛ أي أنه هو من ابتدأ الكلام وكبّر القصة ودار يتكلم بها في المجالس وبين الجموع، وأيًا من كان فهو –وإن كان ذكرًا من المنظور البيولوجي- فكأن الجانب الأنثوي في شخصيته أكبر وأوضح من الجانب الذكوري.

وأكثر ما كان يستوقفني في الآيات هو قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، فكم تساءلت عن أين الخير في هذه الحادثة؟ ليس ردًا لكلام الحق سبحانه وتعالى ولكن لأن المصاب جلل، فأين تراه الخير في أن تُتهم واحدة من أطهر النساء في عفتها!

وبقي تعجبي حتى بدأ عملي في مجال الاستشارات المهنية والزوجية، فاكتشفت أن كلام الزوجة في حق زوجها، وكلام الزوج في حق زوجته هو أهم شهادة، وقد يبرئ الخائن في أعين الناس، ويخون الأمين.

والأمر سواء في الشرق والغرب، ولو رجعنا –على سبيل المثال- إلى الاتهام الذي واجهه الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون بأنه أقام علاقة مع إحدى المتدربات في البيت الأبيض، فلا يحتاج الأمر إلى درجة مرتفعة من الذكاء لنعرف أن تلك الحادثة لم تكن لتمر لو لم تقف هيلاري كلينتون إلى جانب زوجها ولآل به الحال إلى أحقر شأن، لأن الناس اقتنعوا أنه لو لم تكن حادثة بسيطة –وفقًا لأعرافهم- وليست علاقة جنسية كاملة لطلبت زوجته الطلاق.

وهو سواء أيضًا بين النساء الرجال، وأعرف صديقة ظنت بزوجها السوء –وهو على الأغلب بريء- وقامت بخلعه، وقد ساءت سمعة الزوج من يومها وتدمرت تمامًا.

وبالعودة إلى حادثة الإفك سنجد أن ما رُوي لا يشير إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صدّق في عائشة ما قاله الأفاكون، وإنما استشار عليّ بن أبي طالب وأُسامة بن زيد في فراقها لما لحقها من سوء السمعة، وأن سيدنا علي لم يشر عليه بفراقها إلا لذلك السبب لا غير، ولو كان رسول الله طلقها لكانت سُنة من بعده، وكم من نساء شريفات عفيفات كُن سيتطلقن لأن الكائدين والكائدات كادوا لهن وشنعوا عليهن. فهل هناك خير لنا من أن صار التثبت من شرف الزوجة كافيًا للإبقاء عليها وعدم طلاقها ورد كيد الكائدين؟

والغريب أن موقفها من علي الذي أشار على النبي بطلاقها كان أصعب من موقفها من حسان بن ثابت الذي شنع عليها! فقد غفرت لحسان وكانت تسمح له بالدخول عليها بعد أن فقد بصره، فكأن العقاب الذي طاله قد شفى صدرها مما قال في حقها، ولكنها مع ذلك لم تغفر لسيدنا علي إشارته على الرسول صلى الله عليه وسلم بطلاقها رغم أنه لم يشنع عليها، بل أراد فقط أن يُنقي عرض ابن عمه مما طالته من أقاويل.

وفي مقالي "الجميلة والوحش" ذكرت أنه يعجبني كثيرًا الوصف الذي استخدمه الحق سبحانه وتعالى في الحديث عن حادثة الإفك في سورة ‏النور، فهو يصف النساء البريئات اللاتي تُحاك القصص عنهن من الفُساق بـ ﴿الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ﴾، ‏فهي لم تقترف إثمًا ولم تفعل شيئًا، ويستحيل أن يدور في خلدها أن فاسقًا لعينًا يتقول عليها ويدعي عليها ‏سوءًا، وأن هناك من يلوك ذلك الإفك بلسانه عنها غيرة أو حسدًا أو سفاهة، وهي حقًا غافلة عن كل ذلك!

وكم أتذكر هذا الوصف عن السيدة عائشة كلما دار الحديث عن الولاية في فقه الأحوال الشخصية، وحديثها الشهير بأن ما من امرأة تزوجت بغير ولي إلا ونكاحها باطل، وهو رأي يناسب حسن ظنها بالناس وشخصيتها البريئة تمامًا التي لا تتخيل حجم الشر الذي يوجد في نفوس بعض البشر، فهي لفرط طيبتها تتوهم أن الأولياء جميعًا يستحيل أن يتفقوا على رفض رجل صالح تقدم لفتاة تقع تحت ولايتهم، ومن ثم فهي ترى –وبلا أدنى شك من جانبها- أن من تخالفهم وتزوج نفسها نكاحها باطل! ومعروف أن الإمام أبي حنيفة قد خالف هذا الرأي إن كان الرجل كفؤًا للفتاة لأن هذا يعني أنهم يتعنتون ولا يراعون مصلحتها، وهو الرأي الأولى بالصواب، وقد يصلح في حالات نادرة، وهناك قرية تقع بجانب مدينتي الإسماعيلية كانوا يكثرون فيها من زواج الأقارب منعًا لخروج أرض العائلة لأيدي أغراب، ففشت بينهم الأمراض الوراثية، وأشار عليهم الأطباء بالتوقف عن زواج الأقارب، فصار الرجال يتزوجون ويمنعون البنات من الزواج ويرفضون كل من يتقدم إليهن، خاصة إن كن متعلمات ويعملن ولهن دخل، وهناك حالة تعاملتُ معها لفتاة متعلمة منهن وتعمل ولها دخل معقول تزوجت رغمًا عن عائلتها ممن هو دونها في المستوى التعليمي لأنه قوي بما يكفي ليقف أمام عائلتها الرافضين لزواجها منه أو من غيره.

اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ ‏وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ

يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۗ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: 50]. وهي الآية التي كان لرسول الله قبلها أن يتزوج أي النساء شاء، فقُصر الحِل له بعدها على الأربعة أصناف المذكورات فيها من النساء، وليس له أن يتعداهن.

والجزء الأول من الآية يتحدث عن أن من يحللن للرسول صلى الله عليه وسلم هن أزواجه اللاتي آتاهن مهورهن، وما ملكت يمينه، وهو ما لم يستغلق على أغلب الناس فهمه، ولكن الإشكالية حدثت في عدم فهم ما تلا ذلك من قوله تعالى: ‏﴿‏وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ وقوله: ‏﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ولا أفهم ما العجيب في هاتين الجزئيتين ليستعصيا على الفهم!

ولنبدأ بمفهوم الحِل، وهو على وجهين: ففلانة تحل لك بمعنى إنها ليست من المحرمات عليك تحريمًا أبديًا أو تحريمًا مؤقتًا لأي من الأسباب، ومن ثم يجوز لك أن تتقدم طالبًا إياها للزواج، والوجه الثاني بقولهم إن فلانة حلال لفلان أي أنها زوجته، والمعنى في الآية واضح أنك يا محمد يجوز ويحل لك أن تخطب أي من بنات عمومتك وبنات خالك وخالاتك اللاتي هاجرن معك فقط، وعلى هذا فسخ الرسول صلى الله عليه وسلم نيته التي كانت معقودة بالزواج من ابنة عمه أم هانئ ابنة أبي طالب لأنها أسلمت يوم فتح مكة، فهي من طلقاء يوم الفتح، فلم يحل له الزواج منها، ولا تعني الآية بأي حال من الأحوال أن لرسول الله أن يعامل قريباته تعامل الرجل مع زوجته!

ولو نظرنا إلى الحكمة من تحريم زواجه صلى الله عليه وسلم من قريباته اللاتي لم يهاجرن فإن الله قد حرَّمه ولا شك كي تقر أعين زوجاته؛ فقريباته إن تزوج منهن ستكون لهن مكانة خاصة أعلى من مكانة بقية زوجاته، خاصة ابنة عمه أبي طالب التي تربى معها، فكيف يجوز أن يكون لامرأة من الطلقاء منزلة على السابقات الأوليات إلى الإسلام!

وأما قوله تعالى: ‏﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فالمعنى بوهبها نفسها له أي إنها قبلت أن تتزوجه بغير صِداق، أي راغبة عن المهر، وهذا إن قبل النبي أن يتزوجها على أن تكون خالية من الزوج، فلا يُعقل أن تذهب امرأة متزوجة إلى الرسول لتعرض عليه أن يتزوجها وهي زوجة لرجل آخر وعلى ذمته! والمعنى أيضًا أن رجال أمتك يجب أن يؤتوا النساء صداقهن ولا يحل لهم الوهب، وأن هذا الحكم خالص لك دونهم.

وقد اُختلف في المقصودة في هذا الجزء من الآية، والأرجح إن المرأة المؤمنة المقصودة هي ميمونة بنت الحارث أخت السيدة لبابة الكبرى أم الفضل زوجة العباس عم الرسول، والتي وهبت نفسها للرسول في عمرة القضاء قبل فتح مكة بعام، وتزوجها دون مهر، والفرق بينها وبين السيدة أم هانيء أن ميمونة كانت قد سبقت بالإسلام ولم تكن من الطلقاء، كما لم تكن من قريباته.

وآمل أن يفتح الله عليّ بالمزيد، ليكون لنا لقاء آخر بإذنه تعالى مع مزيد من الخواطر والتأملات في كتاب الله.

 

د. منى زيتون

الـخميس 16 سبتمبر 2021

 

 

محمد تقي جونتوطئة: تمثل القواعد البناء التحتي للغة، الذي يقوم عليه وجودها وبه تحقق شموخها. ويسمى علم قواعد اللغة (أمّ العلوم) لأهميته. فعليه تؤسس علوم: النحو، والصرف، والألفاظ، والمعاني، والتأثيل (علم أصول الكلمات). وما يتصل بهذه من علوم أخرى كالأصوات واللسانيات واللغة والإملاء وغيرها من شبكات العلوم الأخرى. فهي تمثل منظومة جينية كاملة تحدد عرق اللغة وهويتها الخاصة بها جدا.

لم تخترق قواعد اللغة العربية طوال عهودها حتى بعد وقوعها تحت تأثير احتلالات أجنبية مختلفة أصبحت هي أقل أهمية من لغاتها التي أخذت الصدارة. وظلت محافظة على قواعدها وهي تتهاوى في العجمة والعاميات، فبقيت عربية في جوهرها وهويتها لا غبار عليها في ذلك.

وظلت الألفاظ الجانب الوحيد الذي اخترق في العربية من قبل اللغات التي احتكت بها منذ اتصل العرب بغيرهم، ثم زاد واستفحل ذلك عندما صار العرب أمة محتلة من الامم الإسلامية كالترك والفرس والتركمان، وغير الإسلامية كالمغول. ولم تشكل الترجمة ونقل المعاني في زمن عز العربية وقوتها ظاهرة اختراق محسوبة على اللغة، فاغتنت وازدهرت.

وبعد احتلال الغرب لامتنا العربية وهيمنة لغاته ولاسيما الإنگليزية بما فرضته ظروف الاحتلال وعدم التوازن الحضاري من حالة استسلام تامة أو شبه تامة للعرب واللغة العربية، انهار سد الألفاظ والمعاني ووصل الانهيار إلى القواعد، فترك قسم من قواعدها واستبدلت به قواعد أجنبية، فصرنا نقرأ جملا عربية بقواعد إنگليزية. وهذا أعلى مستوى من الهجنة وصلته العربية.

لقد ذكرنا ومثلنا لتلك الاختراقات كما فعلنا في الألفاظ والمعاني. ولكتابنا فضل السبق في تسجيل اختراق المعاني والقواعد. وليس ما أحصيناه يمثل القواعد الإنگليزية المستعملة في لغتنا كلها، اذ لم يكن هدف الكتاب الإحصاء بقدر ما هو تسجيل الظاهرة. وان ما سجلناه يكفي لبيان الخطر الذي حاق بجذور وأصول اللغة العربية ممثلة بقواعدها بعدما كان الخطر طفيفا أو مقبولا وهو في السطح والظاهر.

* علي مول

يقال (علي مو‌ڵ) (محمد مو‌ڵ) بمعنى (المتجر العائد إلى علي والى محمد). في اللغة العربية يتقدم المضاف على المضاف إليه مثل (مدرسة الكندي) ولا تقبل العربية أو تستسيغ السليقة (الكندي مدرسة). وفي الانگليزية تكون المعادلة عكسية: AL- Cindy's school)) وهكذا نقرأ على الجدران (علي مو‌ڵ( (محمد مو‌ڵ) (الكوت مو‌ڵ) على الطريقة الانگليزية:

(Muhammad's mall)

(Ali's mall)

(Kut's mall)

ويقتضي الأسلوب اللغوي العربي ان نقول (مو‌ڵ محمد) (مو‌ڵ علي) (مو‌ڵ الكوت).

* أستاذ مساعد

يقال (هو مدرس مساعد) (بمرتبة أستاذ مساعد) وهي (من الألقاب العلمية).

في اللغة العربية كما ذكرنا يتقدم المضاف على المضاف إليه ولا يصح العكس. فإذا قلنا: (هذا أستاذ مساعدٍ) هذا: مبتدأ، وأستاذ: خبر مضاف، ومساعد: مضاف اليه، فستكون جملة مبهمة غير مفيدة، فما معنى انه (أستاذُ لمساعد)! بينما ترجع مفيدة اذا حذفنا المضاف اليه. أما إذا أعربت: هذا: مبتدأ، واستاذ: خبر أول، ومساعد: خبر ثان، فالجملة لا معنى لها، فكيف يكون استاذاً ومساعداً معاً!!

وهذا يؤكد أن هذه الصياغة غير عربية. وهي بالفعل جاءت منقولة من اللغة الانگليزية، فهم يقدمون المضاف إليه على المضاف بعكس منطوق لغتنا. وهي بالانگليزية:

(مدرس مساعد = Assistant lecturer)

(أستاذ مساعد = Assistant Professor)

و الصحيح (مساعد مدرّس) و(مساعد أستاذ) حسب قواعد لغتنا العربية.

* علي أحمد لطيف

يقال (محمد حسن جعفر) (عبد الكريم قاسم) (عبد الحليم حافظ) (في قراءة وكتابة أسماء العلم).

اللغة العربية تضع (ابن) فاصلا بين الابن والأب. فمنطق اللغة العربية يقتضي القول (علي بن أحمد بن لطيف). فعلي مبتدأ وابن خبر وهو مضاف وأحمد مضاف اليه، وباقي السلسلة مضاف ومضاف إليه. أو علي خبر لمبتدأ محذوف تقديره هذا، وابن بدل من علي وهو مضاف وأحمد مضاف اليه، وباقي السلسلة مضاف ومضاف إليه.

حتى جاء احتلال الانگليز ولغتهم فصارت الأسماء تكتب بإلغاء (ابن) فاصلا بين الأب والابن، تماماً كالأسماء الانگليزية والإفرنجية مثل:

(Charles Deigns)

(William Shakespeare)

(Tomas Addison)

فصرنا نقول (علي أحمد لطيف). وفي هذه الحالة لا يقدم النحو العربي إعراباً مقنعاً لأعلام السلسلة؛ سواء إذا قدرنا علياً مبتدأ أو خبرا لمبتدأ محذوف. ولا مناص من عدّ الاسم كله (علي أحمد لطيف) بحكم واحد هو مبتدأ أو خبر، وهو غير واقعي وهروب اضطراري إلى حل. وهكذا فالنحو العربي يقتضي وجود (ابن) بين الأعلام المتوالدة.

وقد وجدت شواهد قبور تعود إلى أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي تضع (بن) بين اسم الولد واسم الوالد، مما يدل قطعاً على أن استخدام منطق اللغة العربية كان مستمرا إلى زمن الانگليز، وطبعا طبقة الدفنة غير مواكبين لحركة الثقافة، مما جعلهم إلى نهاية زمن الانگليز غير متأثرين بهم، ثم انتقلت لهم هذه الثقافة.

ومثله الاختصار في سلسلة النسب والاقتصار على الاسم الأول واللقب فنقول (علي الربيعي)؛ (علي) الاسم الأول (first name)، و(الربيعي) الاسم الأخير (last name) كما يعمل الانگليز بأسمائهم.

* غداً صباحاً

يقال (ذهبتُ أمس عصرا) (سأراه غدا صباحا) بـ (اتخاذ ظرفي زمان معا).

في اللغة العربية لا يجمع ظرفا زمان بالتوالي. ولم يرد مثل هذا في المؤلفات العربية، بل ورد (عصر أمس) (صباح الغد) قال دريد بن الصمة:

أَمَرتُهُمُ أَمري بِمُنعَرَجِ اللِوى

فَلَم يَستَبينوا النُصحَ إِلّا ضُحى الغَدِ

وهذا الأسلوب منقول من اللغة الإنگليزية ففيها يرد:

(غدا صباحا = Tomorrow morning)

(أمس عصرا = Yesterday  afternoon)

* تدريسي

يقال: (أنا تدريسي) (أخي فدائي) (هو قيادي) (المعمل إنتاجي) (الداعشي إرهابي) (يعمل تحريا) بـ(اشتقاق اسم الفاعل من المصدر الملحقة به ياء النسب).

في اللغة العربية يشتق اسم الفاعل من الفعل مثل: عمل = عامل، كتب = كاتب. والأمثلة السابقة أسماء فاعل مشتقة من المصدر الملحقة به ياء النسب: فـ(التدريس مصدر درس، وبالنسبة اليه = تدريسي)، و(الفداء مصدر فدى، وبالنسبة اليه = فدائي)، و(القيادة مصدر قاد، وبالنسبة اليه = قيادي)، و(الإنتاج مصدر أنتج، وبالنسبة اليه = انتاجي)، و(الإرهاب مصدر أرهب، وبالنسبة اليه = إرهابي)، و(التحري مصدر تحرى، وبالنسبة اليه = تحري). وهذا القياس غير عربي، بل راجع إلى اللغة الانگليزية ومن الأمثلة:

(هذا تدريسي = This is teaching)

(رجل قيادي = Man leading)

(هو تحري = he is detective )

ويقتضي القياس العربي للجمل السابقة أن تكون: (هذا مدرس) و(أخي فادي) (هو قائد) (المعمل منتج) و(الرجل رهيب) و(يعمل متحريا).

ولبيان الفرق، نجد البحتري يستعمل لفظة (الفادي) على القياس العربي، بينما استعمل علي محمود طه (الفدائي) على القياس الانگليزي. قال البحتري:

وَبَقيتَ يَفديكَ الأَنامُ وَإِنَّهُ

لَيَقِلُّ لِلمَفدِيِّ قَدرُ الفادي

وقال علي محمود طه:

فَلسطِينُ يَفدِي حِمَاكِ الشّبابُ

فجَلَّ الفِدائِيُّ وَالمُفتَدَى

 

وإذا جمع هذا النوع مثل (تدريسيون، فدائيون، تحريّون) فيضاف خطأ آخر؛ لان المصدر لا ينسب اليه ولا يجمع.

* معلومات

يقال (يبيع المكسّرات) (أسعار المحروقات) (طلب معلومات) (بإيراد أسماء على صيغة المفعول مفردا وجمعا، تشتق من أفعال مبنية للمجهول وتدل على المادة أو ما تؤول إليه).

لا عهد للغة العربية بهذه الصيغ. وإذا وردت في المؤلفات العربية فبصورة مختلفة. فمثلا (معلومات) تأتي صفة لأسماء كما في قوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ) فمعلومات صفة لأشهر. وقال الشاعر:

وَمآثِرٍ كَانَت لَهُم مَعلُومَةٍ

فِى الصَّالِحِينَ وَسُؤدُدٍ لَم يُنحَلِ

فمعلومة صفة لمآثر. وهذا المعنى غير المعنى المستعمل في عبارة (طلب معلومات) فالمعلومات هنا تعني (شيئا معلوما بعينه) وليس صفة لاسم، ومخصوصا وليس (الشيء المعلوم عموما). ونمثل له بقول الشاعر المعاصر:

أعدادُ معلوماتِ رب العالمين

وضعفُ أضعافِ الذي أحصا

وقال لويس شيخو: (نجد في ما صنفه جرجي زيدان في كتابه تاريخ الآداب العربية معلوماتٍ لم نجدها في وصف آداب القرن التاسع عشر).

وهكذا نقول (ملبوسات) لأنها تُلبس، و(محروقات) لانها تُحرق، و(مأكولات) لأنها تُؤكل، و(مشروبات) لأنها تُشرب، و(مكسَّرات) لأنها تُكسَّر، و(معلومات) لأنها تُعلم و(مسموعات) لانها تسمع، و(مرئيات) لأنها ترى، و(مشتريات) لانها تشترى.

وهذه الصيغة منقولة من اللغة انگليزية، ومن ذلك:

(ملبوسات = Wearing)

(محروقات = Combustibles)

(مكسَّرات = Nuts)

(مأكولات = Edibles)

(مشروبات = Drinks)

(معلومات = Information)

(مشتريات= Purchases)

(مفاهيم= Concepts)

(مساحيق= Powders)

* واع

يقال (منظمة فتح) (حركة حماس) (وكالة واع) اختصارا لمنظمة (حركة تحرير فلسطين = ح ت ف وقد قلبت لان حتف تعني الموت)، و(حركة المقاومة الإسلامية= ح م ا س) و(وكالة الأنباء العراقية = و ا ع ) و(ص = صلى الله عليه وسلم) و(ش.ذ.م.م = شركة ذات مسؤولية محدودة).

لم تعرف العربية المختصرات في عصر الفصاحة حين نقاء اللغة أي العصر الجاهلي والاسلامي والاموي، وعرفوها باقتصار في العصر العباسي بتأثير المزاج اللغوي الأعجمي، مثل:

(بسمل) قال: بسم الله الرحمن الرحيم.

(سبحل) قال: سبحان الله.

(هلل) قال: لا إله إلا الله.

(حمدل) قال: (الحمد لله).

(حوقل) قال: (لا حول ولا قوة إلا بالله)

(الخ) اختصارًلـ(الى آخره)

(ج) اختصار لـ(الجمع)

(جج) اختصارا لـ(جمع الجمع). وغير ذلك، الا انه قليل ومعقول.

غير ان التوسع فيه كان بتأثير الانگليزية. فالانگليزية تختصر ألفاظا بحروف قليلة، وجملا بأوائل حروف الكلمات. والانگليزية مطواعة في الاختصار بعكس اللغة العربية. وقد روّج المستشرقون اختصارات مثل:

(ص) أي (صلى الله عليه وسلم)

(ع) أي (عليه السلام)

(رض) أي (رضي الله عنه)

ودفعوا الى تقليدهم فاشتهرت مختصرات كثيرة كمنظمة فتح ووكالة الأنباء العراقية. كما قلدوهم في اختصارات (التحادث = Chatt) مثل (س.ع = السلام عليكم).

ومن الاختصارات الانگليزية:

(أكاديمية = academe)(ACAD)

(أنا = I am)(I'M)

(الولايات المتحدة الأمريكية = USA = United state of America)

(العاصمة واشنطنDC = )

(مختصر وزارة الاتصالات = MoC)

(دكتور = DR = Doctor))

(سيد = MR = Mister)

(أخي Bro = Brother = )

(الثاني 2nd = Second = )

(الثالث 3rd = Third = )

(شخصيات مهمة جدا VIP = very important person = )

(شركة تتألف من شخصين أو أكثر W.L.L = With Limited liability =)

قياس ملابس يعني فوق الكبيرXL = extra large =)

(ساعات(Hrs = Hours

(سنوات(Yrs = years

ويختصرون الجملة مثل:

(أنقذوا حياتنا = S.O.S = Save our selves)

(يا إلهي = O.M.G Oh my cod)

(أحدثك لاحقا = T.T.U.L = Talk to you later)

(أنا آسف = IMS = Aim sorry)

(يضحك بصوت عال = LoL = laughing out loud)

(أراك لاحقا = CUL = See you later)

(U = you)

(R = are)

أمثلة:

س. ع  Hi

أنا أعمل 8 س          I work 8 hrs

* نجاح استثنائي

يقال (مدرسة نوعية أو نموذجية) و(نجاح استثنائي) و(اختيار كيفي) و(تخريج كمي) و(ميزانية انفجارية) بمعنى: (مدرسة فضلى والمثال المحتذى) و(نجاح فائق) و(اختيار كيفما اتفق) و(تخريج يهتم بالعدد وليس الجودة) و(موازنة ضخمة جدا).

في اللغة العربية لا تؤدي ألفاظ (نوعي، نموذجي) (استثنائي) (كيفي) (كمي) (انفجاري) المعاني المذكورة؛ بسبب أن الألفاظ العربية أثبت على معانيها الأصلية. فان لكل لفظة معناها المحدد. وهنا يظهر الفرق الأهم بين العربية وبين الانگليزية التي تكون الألفاظ فيها متحركة غير ثابتة في تزايد المعاني، لان اللغة العربية لغة لفظ واللغة الانگليزية لغة معنى. وفي الجمل السابقة تكليف الألفاظ العربية طبيعة الالفاظ الانگليزية في التوسع بالمعنى.

والألفاظ حسب معانيها العربية:

(مدرسة نوعية = مدرسة متخصصة بنوع واحد)

(مدرسة نموذجية = مدرسة للتجريب) لان النموذج هو العيّنة،

(نجاح استثنائي = نجاح بلا شروط)؛ لان النطق العربي الصحيح كما اسلفنا يقتضي (نجاح مستثنى) من الشروط.

و(اختيار كيفي = اختيار مبهم لانه يستفهم عنه بالكيف والكيفية)

و(تخريج كمي = تخريج مخصوص بعلوم الكم) قال الشاعر:

يا فائقاً في عُلومِ الكَمِّ أجْمَعِها

مِنْ مُوسِقَى وارْتَماطيقيٍّ وأشكالِ

و(ميزانية انفجارية) لا توجد في العربية لفظة ميزانية ولا معناها الاقتصادي، وقد اقرها مجمع اللغة في القاهرة والصحيح موازنة. وانفجارية، القياس العربي (منفجرة). والانفجار استعمل للماء كقوله تعالى: (وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا) (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا) فتكون بمعنى(موازنة مباركة ذات نمو).

والجمل السابقة ترجمات من الانگليزية:

(مدرسة نموذجية = typical school)

(نجاح استثنائي = Exceptional success)

(تخريج كمي = Quantitative graduation)

(اختيار كيفي = Qualitative selection)

(ميزانية انفجارية = explosive budget).

وتظهر ركة مجاراة العبارات العربية المترجمة أمام قوة تعبير العبارات الانگليزية. والسبب ان اللغة الانكليزية تمتلك طاقة مميزة في (التعبير بالمعنى) لا تمتلكها او تدانيها اللغة العربية التي تتميز طاقتها في (التعبير باللفظ). ولذا يجب إعادة تلك الترجمات بما يناسب دلالات ألفاظ اللغة العربية.

* ما يلي

يقال (جاءنا ما يلي) (اكتب كما يلي) (كالآتي) أي (بداية تمهيدية لكلام يتبعه).

في اللغة العربية لم ترد هذه الصيغة ممهدة ومتعلقة بكلام يليها، وجاءت في كلام مسترسل مثل (الشِّعار ما يلي الجسد).

وهي من اللغة الانگليزية التي من سماتها تنظيم الكلام وتجزئته، والصيغة ترجمة لـ:

كما يلي = (As follows / As following)

ما يلي = (The follows/ The following)

وقد وهم أصحاب كتب التصحيح حين صححوا (ما يلي، كما يلي) إلى (ما يأتي، كما يأتي، الآتي)، فكلاهما بمعنى واحد وترجمة للصيغة الانگليزية نفسها.

* إجراءات

يقال (قدم انجازات كبيرة) (هذه هي الإجراءات) (عمل فحوصاً) (لهم إملاءاتهم) (قدم إصلاحات كثيرة) (توجد تفصيلات) (قمتُ بالتدريسات) (عندنا تطلعات) ... بـ(جعل المصدر مفرداً ومن ثمَّ استخراج جمع منه).

في اللغة العربية لا توجد صيغة هذه الجموع وما على قياسها. فكل جمع في اللغة العربية يجب أن يكون له مفرد. فـ(دُفعات) مقبولة لوجود مفرد لها هو (دُفعة)، و(ثورات) يوجد مفردها (ثورة) و(ضوابط) لها مفرد (ضابطة). ولا نجد الجموع السابقة في المعجمات وكتب اللغة. و(إصلاحات) وردت بمعنى تصحيحات لغوية وليس بمعنى ما يصلح به الحال. جاء في الأغاني (قال أبو الفرج: ونسخت من كتاب لإسحاق بن إبراهيم الموصلي فيه إصلاحات بخطه). و(فحوص) وردت جمعا لفحص وهو (المستوي من الارض). أما الفحص بمعنى (البحث) فلا جمع له لعدم استعمالهم مفردا له. وقد مر ان (انجازات) خطأ اصلا لان الانجاز للوعد والحاجة فقط، ولم يستعمل له مفرد.

وهذا النوع من الجمع انتقل إلينا من اللغة الانگليزية؛ لأنها تتقبل بسهولة وجمالية هذه الجموع. والعبارات السابقة ترجمات هي:

(انجازات =  Achievement /Achievements)

(فحوصات = Test / Tests)

(إجراءات = Procedure /Procedures)

(املاءات = Dictation / Dictations)

(إصلاحات = Reform / Reforms)

(تدريسات = Teaching / Teachings)

* المديرية

يقال (مديرية التربية) (رئاسة الجامعة) (قيادة الشرطة) بـ(اشتقاق اسم يطلقونه على البناية التي يمارس فيها صاحب اللقب الإداري عمله).

هذا النوع من الاشتقاق لا عهد للعربية به. واذا وجدنا في كتب العربية (رئاسة) و(وزارة) فليس من هذا الاشتقاق، وانما تأتي اسما للمنصب او زمنه مثل (هو من بيت رئاسة) (كانت وزارة ابن مقلة سنتين وأربعة أشهر وثلاثة أيام) و(هو عظيم القيادة).

وهذا الاشتقاق نقل من اللغة الانگليزية ودخل مفاصل حياتنا الإدارية والاجتماعية فبدا كأنه عربي محض. وهو في حقيقته ترجمة لمصلحاتهم وحسب قياسات لغتهم، مثل:

(مديرية التربيةDirectorate of Education = )

(رئاسة الجامعة = University headship )

(مفوضية الانتخابات = Electoral Commission)

(المفتشية العامة General Inspectorate =)

(قيادة الشرطة = Police Leadership)

(وزارة التجارة = Ministry of trade)

* أعمل عليه

يقال (أعمل على الموضوع) و(عملوا على بناء جسر)، باضافة الفعل إلى الحرف (على).

في العربية نجد الصيغتين: (عمل في) و(عمل على). ولكن يستعمل (عمل على) للتقدير والحكم كقولهم: (عمل على رأي الأوسط) ويستعمل (عمل في) لبذل الجهد كقول الطوسي (عمل في الجزء الثالث). وقال السمعاني: (إن هامان عمل في بناء الصرح سبع سنين).

ولكن في العصر الحديث استعملت صيغة (عمل على) لبذل الجهد. كما استعملها الشعراء والكتاب. قال حافظ إبراهيم:

عَمِلتَ عَلى نَيلِ الخُلودِ فَنِلتَهُ   فَقُل في مَقامِ الشُكرِ يا رَبِّ أَوزِعِ

وقول أحمد بن مصطفى المستغانمي (1934) في شعر عامي:

عمِلنا على كتم الحقيقه وصونها    ومن صانَ سر اللَهِ أخذ بالشكر

وهذا بتأثير اللغة  الانگليزية ففيها (Work on).

* نفس الشيء

يقولون (نفس الشيء) و(نفس المادة) و(نفس العينين والوجه). وفي العامية (نفس الشي)، بـ(تقديم نفس على الشيء).

في العربية يجب تقديم الشيء على نفس، فيقال (الشيء نفسه). قال محمد العدناني (يقولون جاء نفس الرجل. والصواب جاء الرجل نفسه؛ لان كلمتي (نفس وعين) إذا كانتا للتوكيد وجب أن يسبقهما المؤكَّد). ويجوز تقديم نفس لغير التوكيد مثل (قرأت نفس الكتاب) أي جوهره. أما (قلت الشيء نفسه) فلا يجوز عكسه (قلت نفس الشيء) لان الشيء ليس له نفس.

وقد راج هذا الأسلوب الخاطئ بفعل اللغة الانگليزية فهي تستعمل  (Same thing).

* أنا كشاعر

يقال (هو كرئيس يحب شعبه، ولكنه كإنسان قاسي القلب) (أنت كناقد رائع) (أنا كشاعر أحب الجمال). بـ(استعمال الكاف لغير التشبيه).

وهذا التعبير مؤشر ضمن الأخطاء الشائعة السليقية، التي يجد الكثير من الصعب التخلص منها، فهو غير عربي، بل جاء من اللغة الانگليزية، ويقابل هذه الكاف (As) مثل: (You are as  a critic = أنت كناقد). وقد اقترح اللغويون الاستعاضة عنها بـ(بوصفه) أو (بصفته). فنقول في الجملتين السابقين:

(هو بوصفه/ بصفته رئيساً يحب شعبه، ولكنه بصفته/ بوصفه إنسانا قاسي القلب)

(أنت بوصفك/ بصفتك ناقدا رائع، ولكنك بوصفك/ بصفتك شاعراً غير موهوب)

ولكن المشكلة إن هذا التعبير غير عربي أيضاً وان كان مقبولا في منطق اللغة العربية. وليس له قوة التعبير المتأجنب لذا استمر الخطأ ومارسه حتى المثقفون وأهل الاختصاص. والأصح عندي أن يقال:

(هو رئيساً يحب شعبه، ولكنه إنسانا قاسي القلب)

(أنت ناقدا رائع، ولكنك شاعراً غير موهوب)

ونظيره تقريباً قول أبي العتاهية: (وَأَنتَ اليَومَ أَوعَظُ مِنكَ حَيّا) = (وأنت ميتاً أوعظ منك حياً) وممكن كتابة الجملة بطريق أخرى دون التقيد بوضع بديل لـ(As).

* سينما النصر

يكتب على قطع تعريف (وزارة الزراعة) (جامعة بغداد) (مصنع العفة) (فندق النصر)، (بدون اسم الإشارة (هذا) أو (هذه)).

وهذا ليس من قواعد الكلام العربي؛ لانَّ الكلام العربي يقتضي أن يكون مفيداً، قال ابن مالك (كلامنا لفظ مفيدٌ) وشرحه ابن عقيل بقوله (الكلام هو اللفظ المفيد). فـ(جامعة بغداد) مثلا ليس لها معنى مفيد بدون (هذه) = (هذه جامعة بغداد).

وكانوا في القديم حين يكتبون شواهد القبور يعرِّفون بالميت بجمل تامة المعنى، فيقولون (هذا قبر...) وأقدم نص على شاهدة يعود إلى عام (328م) المعروف بـ(نقش النمارة) اذ كتب على قبر امرئ القيس اللخمي (تي نفس مر القيس = هذا قبر امرئ القيس). وكتب على قبر ابي محجن (هذا قبر أبي محجن الثقفي) وكتب على قبر أم كلثوم بنت الإمام علي (هذا قبر السيدة زينب المكناة بأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب). وحين نقل جثمان المفكر عبد الرحمن الكواكبي إلى مصر كتب الشاعر حافظ إبراهيم على شاهدة قبره معرَّفا به:

هُنا رَجُلُ الدُنيا هنا مَهبِطُ التُقى   هُنا خَيرُ مَظلومٍ هُنا خَيرُ كاتِبِ

قِفوا وَاِقرَؤوا أُمَّ الكِتابِ وَسَلِّموا    عَلَيهِ فَهَذا القَبرُ قَبرُ الكَواكِبــي

ولا تدخل عناوين الكتب في هذا الأمر؛ لأنها إجابة على سؤال مستفهم، مثلا: (البيان والتبيين) إجابة على سؤال توهمه المؤلف هو (ما البيان والتبيين؟)، و(أسرار البلاغة) إجابة على سؤال (ما أسرار البلاغة؟).

ولو قدرنا ان الجمل السابقة لم توضع على بناياتها وقرئت في قطعها فقط فما ستعني (وزارة الزراعة) (جامعة بغداد) (مصنع العفة) (فندق النصر)؟ وهذا هو الفرق الجوهري بين اللغة العربية واللغة الانگليزية. اللغة العربية تقتضي جملها الفائدة.

والانگليزية لا تقتضي ذلك شرطا، فقد تعوض السيميائية وغيرها عن الفائدة. وقد يعبّر بالسيميائية فقط دون الكلام كما في (اللافتات المرورية = The traffic Sign)، أو بالكلام والسيميائية في  (اللافتات التحذيرية = The warning Sign) أو (القطع التعريفية = Induction Parts). والتعبير السيميائي يشرك الشخوص والأشياء مع الكلمات في التعبير. مثلا (glory school = مدرسة المجد)، تكمل البناية مع اللوحة الفكرة فتصبح في ذهن الناظر (This is glory school)

والقطع التعريفية واللافتات عرفناها من خلال الاحتلال الانگليزي. وان لغتها الخالية من اسم الإشارة تجعلنا نقطع بأن هذا الأسلوب غير عربي. ولو قرأها عربي من غير جيلنا المتأجنب لما فهمها البتة. ومن ذلك:

(وزارة الزراعة= Ministry of Agriculture)

(جامعة بغداد = Baghdad University)

(مصنع العفة = Chastity factory)

(سينما النصر = Victory hotel)

* ممنوع التدخين

يصاح على طفل وصل الشارع (السيارة)، وإذا أردتَ تشغيل شيء ويدك مبتلة (الكهرباءَ). ونقرأ على محل لوحة مكتوب عليها (مفتوح) أو (مغلق). وعلى ماكنة (معطلة). اختصارا لـ(انتبه من السيارة) (احذر الكهرباء)، (المحل مفتوح أو مغلق)، (الماكنة معطلة). وتكون كلاما او لوحات تحذيرية.

هذا المستوى من الحذف والاختصار لم تعرفه العربية قبل العصر الحديث. وليس من سمات العربية الحذف والاختصار المخل؛ فهم يقولون من باب المجاز مع وجود القرينة (رأسكَ والجدارَ) أي (احفظ رأسك، واحذر الجدار) إذا كنت تحذّره، فإن كنت تأمره فمعناه: (انطح رأسك بالجدار) و(اهلك والليل) أي (بادر أهلك قبل الليل). ولم يستعمل العرب قبل العصر الحديث لوحات تحذيرية.

وهذه كسابقتها لوحات تعريفية وتحذيرية مختلفة. وهي مثل سابقتها جاءت من اللغة الانگليزية:

(قطع تعريفية = Induction Parts)

(لافتات = Signboards)

(لافتات تحذيرية = Warning Sign)

(لافتات مرورية = Traffic Sign)

ومن ذلك:

(ممنوع الدخول = No enter)

(مخرج = Exit)

(ممنوع التدخين = No smoking)

(خطر = Danger)

(مركبة طويلة = long vehicle)

(انتباه = Attention)

(تحويلة = Diversion)

(احذر الدهان = Wet paint)

(الزم الهدوء = Quit)

(ادفع/ اسحب = Pull/Push)

(انتبه فولتية عالية = High voltage)

* عشرينات

يقال (خمس خمسات، وست ستات) و(في عشرينات القرن العشرين). بـ(جمع الأعداد المفردة (1- 9)). وقد جمعت العربية (عشرة = عشرات) و(مئة = مئات) و(ألف = ألوف وآلاف). إلا أنها لم تجمع الأعداد الأولية المفردة (1- 9). واستعملت صيغة ممنوعة من الصرف (آحاد، مثنى وثناء، وثلاث، ورباع) وهي ليست جمعاً؛ فـ(أحاد بمعنى واحد واحد) (جاؤوا أحادا أي واحداً واحداً) ومثله ثناء وثلاث ورباع. وهي لا تتجاوز ذلك في اللغة العربية الفصيحة كما ذكر ابن قتيبة في (أدب الكاتب) الا ان المولدين أكملوها إلى العشرة، قال المتنبي: (أُحادٌ أَم سُداسٌ) فذكر سُداس، وقال الكميت: (خِصَالاً عُشَارا) فذكر عُشارَا.

وفي كلامنا الفصيح والعامي المعاصر نجمع هذه الأعداد، مما يعني انه استعمال غير عربي. وهو بالفعل استعمال انكليزي:

(واحد - واحدات = One - Ones)

(إثنان- إثنانات  = Tow - Tows)

(ثلاث - ثلاثات = Three - Threes)

(أربعة - أربعات = Four - Fours)

(خمسة - خمسات = Five Fives)

(ستة - ستات = Sis - Sixes)

(سبعة - سبعات = Seven - Sevens)

(ثمانية - ثمانيات = Eight - Eights)

(تسعة - تسعات = Nine - Nines)

(عشرة - عشرات = Ten - Tens)

ومثله جمع العشرات (عشرين - عشرينات) (خمسين - خمسينات) وهناك من يُخطِّئ هذا الجمع ويقترح (عشرينيات، خمسينيات...الخ) وكلاهما ليس عربيا، والأصح ما طابق الأصل الانكليزي في الترجمة مثل:

(عشرين - عشرينات  = Twenty - Twenties)

(ثلاثين - ثلاثينات = Thirty - Thirties)

(أربعين - أربعينات = Forty - Forties)

(خمسين - خمسينات = Fifty - Fifties)

(سبعين - سبعيناتSeventy – Seventies = )

* اللاعودة

يقال (اللاعودة)، (اللامبالاة)، (اللاعنف)، (اللاإرادي)، (اللامنتمي) (لا سلكي) في (نفي العودة والمبالاة والعنف والارادة والانتماء وغيرها).

في اللغة العربية لا تدخل ألف التعريف على الحروف بل تختص بالأسماء، لذا قال ابن مالك:

بِالجَرِّ وَالتَّنوينِ وَالنِّدا وَألْمُسنَدٍ لِلإِسمِ تَمييزٌ حَصَلْ

وهذا يقطع بعدم عربية الجمل السابقة وعدم معقوليتها، فالصحيح عربياً إبدال (اللا) بـ(غير) أو (عدم)  فتكون: (غير المعقول) (غير المرئي) (عدم العنف). وهذا من أساليب تعبير اللغة الانگليزية، آثر المترجمون نقله أسلوباً ومعنى:

(اللاعودةNo return = )

(اللامبالاةindifference  )

(اللاعنف Nonviolence)

(اللاإرادي Autonomic)

(اللامنتميUnaffiliated  )

(اللاوعي Unconscious)

(اللامعقول Unreasonable, Absurd)

(اللاسلكي Wireless)

(اللاإنساني  Inhumane )

(اللامعنى  Nonsense)

* عباس!!

يقال (عباس تعال) (انهض أبي) (شكرا تلفون) بإسقاط أداة النداء دائما.

في العربية القاعدة النداء بأدوات النداء، وجواز حذفها في حالات ولأسباب. وأصبحت القاعدة الثابتة الآن حذفها، وهذا يدل على استعمال غير عربي. في اللغة الانگليزية لا توجد أداة نداء، وهذه القاعدة انتقلت لنا فصرنا ننادي بلا أداة نداء. والجمل السابقة صدى لجمل انگليزية مماثلة:

عباس.. انهض = (Abbas come )

انهض أبي (Get up, my dad )

(شكراً تلفون عند الكلام مع تلفون عمومي كشركة = Thanks phone)

* تمَّ

يقال (تم عقد الاجتماع) (تمت المصادقة على القرار) (ستتم محاسبة المقصِّر) (لن يتم حفظ الصورة) بمعنى (عُقد الاجتماع، صُدِّق القرار، سيحاسب المقصِّر، لن تُحفظ الصورة). وانوه بأن الصواب (تصديق القرار وليس المصادقة عليه).

كلمة (تمَّ) عربية بذاتها، ولكنها هنا ليست عربية سياقاً؛ فالسياق العربي يقبل أن تعطي كلمة (تم) معنى أن يكون شيء ناقصا ثم أكمل عندها يقال: تم، كقوله تعالى (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) أي اكتملت بالإسلام. و(تمَّ تحميل البرنامج بنجاح) لان تحميله مرَّ بوقت حتى اكتمل. وكقول الشاعر:

تمَّ ذاك الجمالُ والحسنُ فيه   بخلالٍ لم تشكُ منها اختلالا

ي اكتمل حسنه بأخلاقه.

أما الجمل السابقة فلا تعطي معنى الاكتمال، فالاجتماع يعقد فور أن يقرر الرئيس، وتصديق القرار لا يمر بمراحل، بل يصدّقه شخص أو جهة عند تقديمه. وسبب استعمال (تم) و(يتم) هو التهرب من الفعل المبني للمجهول لصعوبته على المتكلم العربي المعاصر (المتراجع لغويا)، فيعوض بعبارة (تم) و(يتم) الأسهل عليه.

(تم عقد الاجتماع = عُقِد الاجتماع)

(تمَّ تصديق القرار = صُدّق القرار)

(ستتمّ محاسبة المقصّر = سيُحاسبُ المقصّر)

كما ان هذا الأسلوب روجته الترجمة. ومفردة (تم) ترجمة للمفردة الانگليزية (Done). والجمل السابقة ترجمة دقيقة لجمل انگليزية:

* بصراحة

يقال (تكلم بصراحة) (قبَّلها بشغف) (جلس بتواضع) (تحدث بهمس)، بـ(إضافة الباء لاسم الحال).

هذا النوع من تركيب الجمل تستعيض عنه العربية بالاسم المنصوب حالاً. فيقال: (تكلم مصارحاً) و(قبَّلها مشغوفاً) و(جلس متواضعاً) (حدَّثهم هامساً)، وأنوه بأنَّ (صراحة) بمعنى المصارحة خطأ (صرُحَ – صَراحة = خلص نسبه) والصحيح (صارحه – مصارحة – تصريحا = أظهر له ما في نفسه)، فيصحح إلى (تكلم بمصارحة، بمصارحة). والجمل الأولى في موضع الحال مجرورة بالباء والحال عربياً لا يجرّ بل هو (اسم منصوب دائماً).

وهذا التركيب انگليزي. ومن الأمثلة عندهم:

تكلم بمصارحة = (Said frankly)

قبَّلها بحب = (Kissed her lovely )

جلس بتواضع = (Sat humbly )

يتحادث بوديةCommune =  )

يحكي بعطف = (Narrate sympathy)

فاذا قلت: (تكلم بمصارحة) (قبلها بحب) (جلس بتواضع) (تحادث بودية) (حكى بعطف) فأنت لا تتكلم العربية، وتتكلم العربية اذا قلت (تكلم مصارحة) (قبلها حبا) (جلس متواضعاً) (تحادث ودياً) (حكى متعاطفاً). واذا قلت (في صراحة أو صراحةً أنا فعلتٌ ذلك) فهو كلام عربي بتقدير (أقول في صراحة)، أما إذا قلت (بصراحة أنا فعلت ذلك) فهو غير عربي كما قلنا.

وقد اشتهر أسلوب التعبير الغربي هذا في الحديث والكتابات. قال الزهاوي:

كم من حكيم يبتغي إنكاره       بصراحة لكنه لا يجسر

بينما في الكتابات والأدبيات العربية القديمة عبروا في مثل هذه الحالة بـ(مصرحا). أورد المقّري التلمساني:

أذلك أم هلّا منعت مُصرِّحاً       فأيأستني لكن خلقت من الصخر

* يا للجمال

يقال (يا لجمالها!!) و(ما هذا الجمال!!). (أسلوباً في التعجب).

اللغة العربية لها صيغتان للتعجب – كما يذكر ابن عقيل – هما (ما أفعله) و(أفعلْ به). وبهذا فالتعجب من الجمال سيكون عربياً اذا قلنا (ما أجملها!!) (أجملْ بها).

اذن الصيغتان في الجمل المتقدمة غير عربيتين، وقد جاءتا ترجمة لصيغتين انگليزيتين هما:

(يا للجمال = How beauty)

(ما هذا الجمال = What a beauty )

وقد استحوذت الصيغتان غير العربيتين على الاستعمال المعاصر وقل أو ندر استعمال الصيغتين العربيتين. واستعملت من الشعراء والأدباء والكتاب. ومن شواهد الشعر، قول صالح الشرنوبي في الصيغة الأولى:

تنامين يا للجمال الكسول!!       ويا لمفاتنه الآسره

وقول زكي مبارك في الصيغة الثانية:

يا أمير الحسن ما هذا الجمالْ!!   يا لطيف الروح ما هذا الدلالْ!!

* بالكاد

يقال (بالكاد عرفته) (بالكاد دخلتِ البيت) بمعنى (بشق النفس، بجهد جهيد، بصعوبة). والتركيب (بالكاد = ب + ال + كاد) غير مستعمل في اللغة العربية، فهو غير عربي.

وقد وضعه المترجمون إزاء اللفظة الإنگليزية (Barely) و(Hardly) = (بالكاد ). ولا علاقة بين (الكاد) و(الكأد = المشقة) كما يذهب البعض، فلم يتناول أحد المعجميين الجذر (كأد)، ولا سبيل لرده إلى (كؤود) فان (بالكاد) مركب من ( ب + ال + كاد).

وقد ذكر احمد مختار عمر في كتابه (معجم الصواب اللغوي) أن مجمع اللغة المصري أقره. وللأسف هذا الجانب المؤسس للخطأ في اللغة العربية الذي جاء من الترجمات والتصرف العابث باللغة قد تبنته كتب التصحيح اللغوي والمجامع اللغوية، وانشغلت عنه - وهو من كبائر الأخطاء – بصغائر الأخطاء. وكان مجمع اللغة في القاهرة وغيره من المجامع عاجزا عن إيقاف هذه الأخطاء التي قلبت اللغة العربية قلباً، بل صار متبنيا لها ليسهم في خلق هذه اللغة (الوريث المسخ) للغة الفصاحة والبلاغة.

* صباح الخير

يقال (صباح الخير) (أنا آسف) (عفواً) (وجهاً لوجه) وهي (التعبير بعبارات مختصرة).

في اللغة العربية لا نجد هذه العبارات. ففي الترحيب نقرأ (كيف أصبحت) (كيف أمسيت) (تصبح في سرور) و(تمسي في سرور). (قال رجل لآخر: كيف أصبحت؟ فقال: بخير. فقال: هلا قلت أحمد الله وأستغفره، فكان أوله  شكراً وآخره عبادة). ولم ترد عبارة (أنا آسف) لان (آسف) بمعنى (متأسف: متلهف، غضبان). ولم ترد (آية في الجمال) بل قالت العرب (وكانت من الجمال في نهايةٍ). و(الوداع) هو (المفارقة) ولكن لم يقل أحدهم للآخر (الوداع)، بل (استودعك الله) لان (الوداع من الوديعة وهي الأمانة). وعبارات (اسمح لي، من فضلك) لا تقال وحدها بل في جمل مفيدة (اسمح لي أن أدخل) (أسألك من فضلك هذا الامر) ولا يقولون (عيد سعيد) فالسعادة لا تكون للعيد قال صفي الدين الحلي:

لا زلت في كل عيدْ     تحظى بجَدٍّ سعيدْ

فالجد (الحظ) هو السعيد. بل يقولون (هنّيت بالعيد، أهنيك بالعيد). ولا يقولون (العفو) بل (أطلب منك العفو، أسألك العفو) ويكون على ذنب يستحق طلب العفو، وليس على غير ذنب بل على تأخير او انشغال عن شخص تكلمه فهذه المبالغة لم يعرفها العرب. ولم ترد (مع أطيب الأمنيات) فالأمنيات يبلغها الله سبحانه فقط لذا جاء (والله يبلغنا في الدارين غاية الأمنيات) (والله سبحانه كفيل بفضله وكرمه ببلوغ الأمنيات). والعرب تقول (حصلوا من القبضة، وفي قبضتنا) ولا تقول (تحت السيطرة). ولم ترد عن العرب (افتقدتك) بل (اشتقت اليك) وغيرها. واذا قلنا (اذهب اولا الى المتجر وثانيا الى السوق) فهذه ترجمة للعبارة الانگليزية:

(First go to the store, second to the market)

أما العرب بقولون (اذهبت المتجر ثم اذهب الى السوق). اورد ابن السكيت (يقال ذهبت في حاجة ثم أتيت فلاناً من فوري).

وواضح ان هذه العبارات المختصرة نقلت من الانگليزية:

(صباح الخير = Good morning)

(مساء الخير = Good evening)

(تصبح على خير = Good night)

(إلى اللقاء، مع السلامة = Goodbye)

(أراك لاحقا= See you later)

(أنا آسف= I am sorry)

(اسمح لي = Excuse me)

(من فضلك = Please)

(عفوا= Your pardon)

(عيد سعيد= Happy Eid)

(عيد ميلاد سعيد = Happy birthday)

(عيد ميلاد مجيد [رأس السنة] = Merry Christmas)

(في الأقل = At least)

(مع أجمل التمنيات = With best wishes)

(آية من الجمال = Real beauty)

(اغرب عن وجهي = Get out of my face)

(وجبة دسمة = Heavy meal)

(لماذا حظرتني = Why did you block me)

(هذه شخصيتك الحقيقية =This is your real personality)

(كلنا في الهوا سوا = We are in the same boat)

(سأجبره على التراجع عن رأيه =I will make him eat his words)

(هل عندك فكرة عن الموضوع = Do you have an idea about the topic)

(مسألة وقت = it's just a matter of time )

(أنت متسرع جداً = You're so impulsive)

(خطوة بخطوة = Step by step)

(يفقد أعصابه = To lose his cool)

(لا تغير الموضوع = Don't change the subject)

(كن ايجابياً = Be positive)

(افتقدتك أمس = I missed you  yesterday)

(تحت السيطرة = under control)

(عيد ميلاد سعيد = I don’t have time to waste)

(لا تكن انطوائياً = Don't be introverted)

(منتجات نباتية = Plant products)

(حان دورك = It is your turn)

(ما المشكلة= ًWhat is the problem)

(في خدمتك = At your service)

(من هنا = From here)

(أراك قريبا = See you soon)

(هل من جديد = What is new)

(مزاجي جيد اليوم= I am in good mood today)

(رائع = Awesome)

* أحبك أكثر

يقال (أحبك أكثر) (استفاد الطالب أكثر)، بـ(جعل لفظة (أكثر) نهاية الجملة وغير مضافة لاسم).

العبارة غير عربية من ناحيتين: الأولى إنَّ العرب تستعمل للتفضيل صيغة (أفعل من) وليس (أفعل) وحدها مثل: (أفضل من) و(أجمل من) فتوجب (من) بعد (أفعل) فلا يقال (هند أجمل) بل (هند أجمل من شيماء). والثانية لا يجعل العرب كلمة (أكثر) في نهاية الجملة، لان التفضيل لا يقع في هذه الحالة.

والثانية لا يستعملون مع الحب لفظ الكثرة فلا يقولون (أحبك أكثر) بل يستعملون الشدة مثل (أحبك أشد من أبي). قال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ). ومن التعبير عن الحب أقوالهم: (أحبك حبا خالصا) (أحبك حبا شديدا) (أحبك حب النفس) (أحبك في الله).

وهذا الأسلوب في التعبير جاءنا من اللغة الإنگليزية:

(Very much )

( More )

(Too much)

(So much)

وقد ازدهرت هذه العبارة في الحديث اليومي والكتابة. قال نزار قباني من قصيدة:

(فحين أنا لا أقول أحبُّ …

فمعناه أني (أحبك أكثر))

أمثلة:

أحبك أكثر      I love you more

اعلمي أني أحبك أكثر          Know that I love you so much

في هذه الحالة ستستفيد أكثر   In this case, you will benefit more

الأمثلة صحيحة:

أحبك أشد مما تعرفين          I love you more

اعلمي أني أحبك حبا شديدا   Know that I love you so much

في هذه الحالة ستستفيد أكثر من قبل  In this case, you will benefit more

* هو أكثر من

يقال (هو أكثر مما يدعي) و(هي أكثر من مجرد شاعرة) بـ(جعل الكثرة في الشخص الواحد، وليس خارجه).

هذا الاسلوب تفتقده العربية؛ فقولنا اليوم (أبو تمام أكثر من شاعر) عبر عنه جيل العربية الفصيحة بـ(علمه بالشعر أكثر من شعره). فهذا الأسلوب التعبيري غير عربي. وهو منقول من اللغة الإنگليزية.

أمثلة صحيحة:

في الواقع، انه أكثر من مجرد مقهى. انه أيضاً مكتبة لبيع الكتب، ومطعم، ومسرح         Actually, it's more than coffee shop.  it's also bookstore a restaurant, and a theater

في الحقيقة، هو أكثر من صديق       Actually,  he is more than friend

أنت أكثر مما تدعيه   You more than you claim

في الواقع، زيادة عن كونه مقهى. هو مكتبة لبيع الكتب، ومطعم، ومسرح Actually, it's more than coffee shop.  it's also bookstore a restaurant, and a theater

في الحقيقة، هو صديق وأخ   Actually,  he is more than friend

ما تدعيه أقل مما يبدو عليك   You more than you claim

* على لا شيء

يقال: (تخاصم على لا شيء) و(يسعى من أجل لا شيء) بـ(جعل لا النافية للجنس في نهاية الجملة فقط ومع اسمها فقط).

هذه الصيغة غير موجود في العربية، لأنَّ (لا) النافية للجنس لا تأتي في نهاية الجملة بل في بدايتها مثل: (لا إله الا الله) (لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ). واذا جاءت في حالات في نهاية الجملة فلا تأتي (مع اسمها فقط) مثل (نقاتل على لا اله الا الله).

فهذا الأسلوب غير عربي، جاءنا عن طريق الترجمة من اللغة الانگليزية لعبارة (Nothing) مثل:

(Elisa's visit give me nothing)

فالترجمة انگليزيا (زيارة أليسا تعطيني لا شيء) وعربياً (زيارة أليسا لا تعطيني شيئا). والعبارات على هذه الشاكلة خاطئة ويجب تصحيحها إلى ما يناسب قواعد العربية.

أمثلة:

هم لا يسمونني البطل على لا شيء   They don’t call me a hero for nothing

مات على لا شيء      Dead for nothing

لغط كثير مقابل لا شيء        Much ado for nothing

الأمثلة صحيحة:

هم لا يسمونني البطل بلا استحقاق    They don’t call me a hero for nothing

لم يمت من اجل شيء مهم     Dead for nothing

لغط كثير بلا طائل تحته       Much ado for nothing

* سوف لن

يقال (سوف لن أذهب) (سوف لن تقام البطولة)، بـ(جعل لن بعد سوف).

هذه العبارة من الأخطاء الشائعة المؤشرة؛ لان اللغة العربية تقتضي أن يأتي بعد (سوف) جملة مثبتة وليس منفية، فيقال (سوف أذهب) (سوف تقام البطولة). أما إذا أردنا النفي فنقول (لن أذهب) (لن تقام البطولة).

وسبب شيوع (سوف لن) يعود إلى ترجمة العبارة الانگليزي:

(Will not)

(Won't)

أمثلة:

سوف لن تحتاجوا هذا الكتاب You won't be needing this book

سوف لن أسمح بحصول هذا الامر ثانية      I will not allow to happen again

قوارب مارة.. سوف لن يهتموا بنا    Passing boats will not care about us

سوف لن يعود الاحتلال إلى بلدي     The occupation will not return to my country

الأمثلة صحيحة:

لن تحتاجوا هذا الكتاب         You won't be needing this book

لن أسمح بحصول هذا الامر ثانية     I will not allow to happen again

قوارب مارة.. لن يهتموا بنا   Passing boats will not care about us

لن يعود الاحتلال إلى بلدي    The occupation will not return to my country

* ككل

يقال (لخدمة البشرية ككل) (أقصد المجتمع ككل) (الناس ككل) بمعنى (أجمع).

في اللغة العربية  لا يوجد هذا التركيب بهذا المعنى وهو معنى (بصفة الكل)، ويوجد بمعنى (مثل كل) أي تكون الكاف بمعنى مثل كقولهم (أنت ككل الناس لا تختلف عنهم) = (أنت مثل كل الناس). قال ابن الوردي (ت 749هـ):

بعضُكَ في الجودِ ككل الورى

فاعجبْ لبعضٍ يعدلُ الكلا

وهذا يقتضي التصحيح بوضع مكان (ككل) لفظة (أجمع) او كلمة مناسبة.

أما معنى الجمل السابقة فهي ترجمة للعبارات الانگليزية:

(As a whole)

(At large)

(Overall)

(Broader)

(Wider)

* ثاني أكبر

يقال (العراق ثالث أكبر مصدّر للنفط) (السياب ثاني أعظم شعراء العراق) (أنتِ خامسة أجمل نساء العالم) بـ(جعل عدد قبل اسم التفضيل لجعله متسلسلا).

في اللغة العربية لا يوجد مثل هذا التعبير. ولكن يوجد فيها تعبير لا يراعي التسلسل مثل (هو ثاني اثنين، أي أحد اثنين، وهو ثالث ثلاثة، إلى العشرة) ومنه قوله تعالى (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ) فلو راعى التسلسل لجعل الله الأول. والتفضيل في العربية صيغته مختلفة. كقول ناصح الدين الارّجاني:

أنا أشعَرُ الفُقهاء غيرَ مُدافَـعٍ       في العَصْرِ أو أنا أَفقَهُ الشعراء

ومثله:

إِنّ المَكارِمَ أَخلاقٌ مُطَهَرةٌ     فَالدّينُ أَوَلُّها وَالعَقلُ ثانيها

وَالعِلمُ ثالِثُها وَالحِلمُ رابِعَها       وَالجودُ خامِسُها وَالفَصلُ ساديها

وَالبِرُّ سابِعُها وَالصَبرُ ثامِنُها    وَالشُكرُ تاسِعُـها وَاللَينُ باقيهـا

وقال المتنبي:

الرَأيُ قَبلَ شَجاعَةِ الشُجعانِ      هُوَ أَوَّلٌ وَهِيَ المَحَلُّ الثاني

وورد بصيغة أخرى ولكنها مختلفة أيضا، مثل: (يا ثاني الموت الزؤام) و( يا رابع الشعراء).

وصيغة (ثاني أعظم) و(ثالث أكبر) جاءت من اللغة الانگليزية.

* مركز صحي

يقال (مركز صحي) (تدريب صيفي) (مخيم كشفي) (كتاب رسمي) (مستوى إبداعي) (رسالة ديوانية) (صورة شعرية) (كلام بديهي) (جهاد كفائي) (رسالة غرامية) (شعر صوفي) (نزول اضطراري) (صرف قانوني) (أمر ديواني) (حرب عالمية) (الدار الوطنية) (رجل قيادي) (الجمهورية العراقية) (القضية الفلسطينية) (نتيجة كارثية) (ميزانية انفجارية) (التعليم الكتروني) (سلك كهربائي) (مجال مغناطيسي) (عالم تكنولوجي)، بـ(جعل الاسم وصفا منسوبا بالياء وليس بين الاسمين انسجام معنوي، أو نسبة حقيقية).

النسب في اللغة العربية يكون إلى (صفة، مهنة، وطن، نوع). وما نستعمله الان هو النسب إلى كل شيء. وهذا لا عهد للعرب به لانهم ينسبون إلى ما ذكرنا فقط|. وقد وسع المولدون في العصر العباسي ذلك فقالوا (جارية ليلية الشعر = بنسبة شعرها الاسود إلى الليل) الا ان ما توسعوا فيه أضيق مما نستعمله اليوم بكثير. وبعض النسب نستعمله غير الاستعمال العربي مثل (نجومية) قال ابن الرومي (حكمة نجومية) يقصد سامية كالنجم، بينما نحن نقصد بـ(النجومية) الشهرة مثل (نجم سينمائي). والنسب في الجمل السابقة يخالف القواعد العربية.

من جهة أخرى كانت توجد بين الاسم وصفته المنسوبة نسبة حقيقية مثل (رجل بغدادي) (الرسالة الحاتمية) لان كاتبها الحاتمي، ولكنهم لم يقولوا (رسالة ديوانية) لانها لم يكتبها الديوان بل كتبت فيه فالأصح (رسائل الديوان). أو يكون بينهما انسجام معنوي مثل (نفحة نجدية). ومنه قول جرير : يا تَيمُ إِنَّ بُيوتَكُم تَيمِيَّةٌ      قُفدُ العِمادِ قَصيرَةُ الأَطناب

فالبيوت التيمية مشهورة بالصفات التي ذكرها، وكل بيوت تشبهها ممكن أن توصف بأنها تيمية.

في العصر العباسي وبتأثير الفهلوية وهي من اللغات الهندوأوربية كثر هذا الاستعمال للميل إلى الاختصار وتقليل الألفاظ. جاء في الأغاني ( أمر المأمون يوماً بالفرش الصيفي أن يخرج فأخرج فيما أخرج منه بساط طبري). فذُكر (فرش صيفي) و(بساط طبري) الفرش يوجد منه الصيفي والشتائي، والبسط الطبرية تنسج في طبرية فتوجد علائق مبررة. وقال الحريري (ت 516هـ) وهو متأخر، وهذا الأسلوب صار مألوفا ويزداد استمرارا في الزمن (اعْلَموا يا ذَوي الشّمائِلِ الأدبِيّةِ، والشَّمولِ الذّهبيّةِ، أنّ وضْعَ الأُحجِيّةِ لامتِحانِ الألمَعيّةِ واستِخْراجِ الخَبيّةِ الخفيّةِ. وشرْطُها أنْ تكونَ ذاتَ مماثلَةٍ حَقيقيّةٍ وألْفاظٍ معْنَويّةٍ. ولَطيفَةٍ أدَبيّةٍ) فأورد (الشّمائِلِ الأدبِيّةِ، الشَّمولِ الذّهبيّةِ،  الخَبيّةِ الخفيّةِ، مماثلَةٍ حَقيقيّةٍ، ألْفاظٍ معْنَويّةٍ، لَطيفَةٍ أدَبيّةٍ) وكلها بينها علائق وروابط؛ فالشمائل من الآداب، والشمول الخمرة ومن أوصافها الذهبية، والخبية التي تخبأ تكون خفية حتماً، والمماثلة: المشاكلة فهي حقيقية، والألفاظ معنوية لارتباط اللفظ بالمعنى، ولطائف الأدب  معروفة. فالعلاقة بين اللفظين علاقة ثابتة وليس متغيرة.

أما (مركز صحي) فلا توجد علاقة ثابتة بين مركز وصحي، فالمركز قد يكون لعشرات المسميات، مركز شرطة، مركز الكون، مركز القرار. والمخيم يرتبط بعشرات المسميات، مخيم لاجئين، مخيم للجيش. والشعر قد يكون في الغزل او الهجاء او المدح وليس هو للتصوف فقط، فالعلاقة بينهما متغيرة. وهكذا بقية الأمثلة. أما عنونة (التصريف الملوكي) لابن جني، فأراد بالنسبة التصريف (جواز النسبة إلى الجمع) والا قال (تصريف الملوك).

وهذا الانفتاح الذي جعل النسب إلى كل شيء على الإطلاق ثقافة جاءتنا من اللغة الانگليزية، ثم استشرى استعمالها وصارت اسلوبا سليقيا وعصريا في التعبير. وتوضح الجمال الاتية ذلك (حققنا اجتماعاً ايجابيا على الصعيد الرسمي والشعبي، لحسم قضايا مصيرية كإنشاء مراكز صحية ودور سكنية وورش هندسية وأقسام علمية وشعب مهنية. وخرجنا بتوصيات وقرارات سترتيجية) فأغلب العبارات بهذا الأسلوب.

ومن العبارات الشهيرة التي نتداولها على سبيل المثال لا الحصر:

(نتيجة كارثية Disastrous result =)

(موازنة انفجارية Explosive balance =)

(حلول ترقيعية Prosthetic solutions =)

(شخصية اعتدائية Aggressive personality =)

(كلامه ايجابي His speech is positive =)

(مؤسسة نفعية Utilitarian institution =)

(أموال خيالية Fictional money =)

(ظرف استثنائي Exceptional circumstance =)

(سنة بحثيةResearch year = )

(زمالة دراسيةFellowship = )

(خطأ مطبعي Typing error =)

والأقرب لروح العربية أن يقولوا (مركز صحة) (مركز تجارة) وكذلك بقية الجمل، لان الإضافة معرّفة في العربية، وقولك (مركز صحة) التعريف أوكد فيه من (مركز صحي).   جاء في الأغاني (طلب منه إجازة شعر فأجازه على البديهة) ولم يقل (إجازة شعرية).

* الحقيقة والواقع

يقال (في الحقيقة) (في الحقيقة والواقع) (في الواقع) (الحقيقة.. ) (حقيقةً ..) في (أول الجملة عندما يريد المتحدث تأكيد ما سيقوله).

في اللغة العربية تستعمل (في الحقيقة، والحقيقة، وحقيقةً) ولكن تكون في طي الكلام وليس بداية للكلام وللتأكيد. مثل: (هو في الحقيقة للجزاء) (لا يكون له أصل في الحقيقة). كما تستعمل لفظة (الواقع) بمعنى (الحادث) كقول ابي الفرج (الاختلاف الواقع في كتب الأغاني) ومثله (الخلاف الواقع) ويأتي بمعنى الكائن مثل (الواقع في ناحية) (الواقع في تشرين الأول). ولم يأت بمفهوم الشمولية الذي نستعمله للواقع، فلم يقولوا (واقعنا) (واقعهم).

وهذا الأسلوب جاءنا من اللغة الانگليزية:

(في الحقيقة = In fact)

(الحقيقة، حقيقة = As a matter of fact)

(في الواقع، واقعا = Actually, Reality)

* واقعياً

يقال (واقعياً غير ممكن) (ممكن نظريا وليس عمليا) (كن إنسانياً) (صحيح لغوياً) (مريض نفسياً)، بـ(نصب الاسم المنسوب غير العلم).

في اللغة العربية لا يمكن أن تأتي المنصوبات كخبر كان والتمييز والحال منسوبة ملحقة بياء النسب. وهذا الأسلوب جاءنا من اللغة الانگليزية فمثلا:

Present الان  Presently حاليا  Theory  نظرية   Theoretically نظريا

والصحيح ان تكتب الجمل السابقة (واقعاً غير ممكن) (ممكن تحقيقه قولا وليس عملا) (كن رحوماً) (صحيح لغة) (مريض نفساً).

* حتى

يقال (أنا لا اعرفه حتى) (هي لم توافق حتى) بجعل (حتى في آخر الجملة وبمعنى غير الظرفية).

في اللغة العربية تكثر استعمالات حتى، لذا قال سيبويه (أموت وفي نفسي شيء من حتى). فتأتي ظرفية بمعنى (انتهاء الغاية) مثل (سلام هي حتى مطلع الفجر = إلى حين طلوع الشمس) وتأتي عاطفة مثل (جاء الطلاب حتى خالد = جاء الطلاب وخالد). وتأتي للتعليل مثل (اتق الله حتى تفوز = لتفوز) وابتدائية مثل (النور يسطع حتى الضوء يلمع).

فواضح ان معنى الجمل السابقة لا ينطبق مع معاني (حتى العربية).

وهي مأخوذة من اللغة  الانگليزية ترجمة لـ(Even). والصحيح أن تغير (حتى) في هذه الجمل إلى ما يوافق معاني حتى العربية. أو تعاد صياغة الجمل بمعانيها وفق قواعد العربية بدون حتى.

* شاعر ما

يقال (تقاليد شعب ما) (قصيدة لشاعر ما) (في كتاب ما)، بجعل (ما) بمعنى (غير المعيَّن).

في اللغة العربية  لا نجد هذا التركيب، ولا تنتهي الجملة بـ(ما). وقد جاءت به الترجمة. وترجمت إلى (ما) كلمات انگليزية مضافة منها:

(A)

(Given)

(One)

(Some)

(Specific)

* نحن الاثنان

يقال (نحن الاثنان ناجحان) (سنذهب نحن الاثنان) بجمع (كلمتي نحن والاثنان معا في معنى).

لا يوجد هذا التعبير في العربية وهو غريب عليها، مع وجود علاقة بين التثنية والجمع لان التثنية والجمع كليهما غير مفرد. قال البغدادي (يقول الاثنان: نحن فعلنا، ونحن إنما هو ضميرٌ موضوعٌ للجماعة. وإنما استحسنوا ذلك لما بين التثنية والجمع من التقارب، من حيث كانت التثنية عدداً تركب من ضم واحدٍ إلى واحد. وأول الجمع وهو الثلاثة، تركب من ضم واحدٍ إلى اثنين، فلذلك قال: لأن الاثنين جميع). وكل لغات العالم عدا العربية لديها مفرد وجمع فقط.

وهذا التعبير والتركيب جاء من الانگليزية. ويعبر عنه بأكثر من طريقة منها:

(We both)

(Both of us)

(We two)

(The two of us)

(As two, As both)

(We are both)

ويجب تخطي هذا التعبير الغريب إلى التعبير العربي المناسب. فبدل (نحن الاثنان نحب الثرثرة) نقول (كلانا يعرف أني أحب الثرثرة)

* كم هي جميلة

يقال (كم هو طويل) (كم قاسية هذه السنين) (كم طويلة أيام الفراق) (كم هي جميلة) بـ(جعل (كم) وصفية).

في اللغة العربية تأتي (كم) للاستفهام أو الخبر. ولذا فهذه الجمل التي تبدأ بـ(كم) غير عربية. وهي ترجمة من الانگليزية لعبارات:

(كم أنت جميلة = How beautiful you are)

(كم أنت طويل = How tall you are)

(كم هو لطيف = How kind he is)

(كم هو حلو الطعم = How sweet it is)

(كم التمرين سهل = How easy it exercise )

والصحيح بدل (كم هي طويلة الحياة الأبدية) نقول (ما أطول الحياة الأبدية) وبدل (انظري كم أنت جميلة) نقول (انظري ما أجملك)

* وعليه

يقال (وعليه، سنعلن النتائج) (بناء عليه، قدمت التقرير) (بناء على ذلك، كانت الإجابة) بـ(جعل كلام المتحدث مستندا ونتيجة لكلام سابق).

في اللغة العربية لا يوجد اصطلاح (وعليه، وبناء على ذلك). وقد نقل الينا عن طريق الترجمة من الانگليزية لعبارات:

(Accordingly)

(therefore)

(Consequently)

(Thus)

(As such)

(Subsequently)

والصحيح ان يستعاض عنهما بلفظ (لهذا، ولهذا) لان العرب استعملته، أورد الامدي (ولهذا قال أبو هفان...) وقال أبو علي القالي (وطمح معناه ارتفع، ولهذا قيل للدابة: طموح). وكذلك استعمال (لأجل ذلك، من أجل ذلك) والأجل تأتي بمعنى (جرّاء) أو (جناية) (من أجل ذلك = من جناية ذلك، من جراء ذلك) قال تعالى (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) أي (من جراء) كما ذكر ذلك الراغب الاصفهاني.

* على كلٍّ

يقال (على كلٍّ) (وعلى كلٍّ) (صيغة تأتي في بداية كلام تحسم ما قبله).

في اللغة العربية وأدبياتها لا نجد هذا التركيب، بل نجد (على كل حال) (على كل تقدير) ...الخ. وتأتي في بداية الكلام وتضاعيفه.

وقد تسيدت هذه في أحاديث العامة وكلام وكتابات المثقفين والأدباء والكتاب، ذكر محقق كتاب (الانتصار) للسيد المرتضى: (وعلى كلٍّ فليس في قول المرتضى ما يستفاد منه انكار الروح أصلا). وأولع الشاعر صلاح عبد الصبور بـ(على كُلّ) فكررها في أعماله الشعرية.

وهذه الصيغة غير مستعملة في العربية، وان كانت عربية في اللفظ أو أمكن اعتبار التنوين تعويضا عن كلمة (حال، أمر...) وقد جاء في النصوص العربية الصحيحة (على كل حال). بل هي مترجمة عن:

(After all)

(Anyway)

ولا تعد الصيغة خطأ وممكن استعمالها.

* ثلاجة

يقال (اشتريت ثلاجة) (عندي سماعة) (الحاسوب يعمل) يقصدون الأدوات المعروفة.

في اللغة العربية اسم الآلة (يشتق غالبا من الفعل الثلاثي المتعدي، وقد يشتق من اللازم. وله ثلاثة أوزان قياسية هي: (مِفعَل) و(مِفعَال) و(مِفعلة). وتوجد اوزان غير قياسية  مثل (قلم، سيف، رمح )

واضح أن الأمثلة السابقة ليست على أوزان اسم الالة العربي. بل هي محاكاة لطريقة الانگليز. وتماشيا مع طريقتهم التي تجعل الاضافة في نهاية الكلمة فـ(ثلاجة) مشتقة من (ثلج) فيقتضي أن تكون (مِثلَجة) ومنها قولهم (أثلجت صدري). و(سمَّاعة) من (سمع) فيقتضي أن تكون (مِسمعة). بينما اشتقاق اسم الآلة (ثلاجة) (سماعة) محاكاة لأسماء الآلة الانگليزية: (Refrigerator = ثلاجة) من (Refrigerate = يبرّد). و(earphone = ear/ phone = سماعة).

وقد استوعبت أوزان الآلة العربية بعض أسماء الآلة المستجدة وهي أوسع بكثير مما عرفه العرب. وهي:

مِفعَل: مثل:(مبرد، مجهر، مكبس، مقص، مصعد، مدفع).

مِفعَال (مصباح، مسبار، منظار، مثقاب، ملقاط، منشار).

مِفعَلة (مطرقة، مسطرة، مغسلة، مقلاة، محفظة، منشفة).

وأضاف مجمع اللغة العربية اوزانا جديدة هي:

فَعّالة (ثلاجة، غسالة، نظارة، دراجة، سيارة، قلاية، سماعة)

فعّال (خلاط، سخان، جوال، نقال، رقاص، براد، كشاف)

مُفعِّل (محرّك، مولد، منبه، مكيف)

فَاعِلة (رافعة، ساقية، حاسبة، طابعة، كاتبة، حاملة)

فاعُول (حاسوب، ساطور، ناقوس، صاروخ،

وأوزان غير قياسية شملت الكثير من اسماء الالة الجديدة مثل: (ساعة، فرجار، بندقية، كوب، بروش)

وإعادة أسماء الآلة الحديثة إلى قواعد العربية صعب للغاية، ويحتاج إلى جهود كبيرة قد لا يُنهض بها في الراهن الواهن، وربما في المستقبل يعاد النظر بها. لذا فلا بأس من استعمالها كما هي.

* بالتالي

يقال (بالتالي ستصلح الأمور) (وبالتالي ستتغير النتيجة) بمعنى (ما سيتلو من شيء بتأثير شيء سابق، بإضافة (الباء) إلى (التالي) الكلام السابق في الكلام التالي).

في اللغة العربية لا يوجد هذا التركيب (الباء + التالي) وهو من الأخطاء المؤشرة اللغة العربية، ولا يصح منه إلا إذا كانت الباء زائدة مثل (لست بالتالي = لست تاليا). قال الشاعر:

وللسابق البادي من الفضل رتبة         تقصّر بالتالي وإن بلغ العـذرا

وهذا التركيب الغريب جاءنا من الانگليزية:

(In turn)

(Therefore)

(Then)

(So)

(Thus)

(Thereby)

ويجب تصحيحه إلى (ثم) (من ثم) (فيما بعد) (بعدها) وحسب الجملة.

* سأذهب حالاً

يقال (سأخرج بعد لحظات) (سأعود فورا) (سوف أنام الآن) بـ(استعمال سوف والسين للحاضر والمستقبل القريب جدا).

في اللغة العربية تستعمل (السين وسوف) كما يذكر محمد الإنطاكي (حرفي استقبال). وتسمى السين (حرف تنفيس) وسوف (حرف تسويف) (لانها أبعد من السين زمانا)، فجائز أن تقول (سأخرج بعد قليل) و(سأزورك بعد ساعة او بعد شهر او بعد سنة)، ولكن لا يجوز (ساخرج فورا او الان) و(سوف اخرج فورا او الان) فتخرج السين وسوف من المستقبل إلى الحاضر.

الجمل (سأخرج بعد لحظات) (سأعود فورا) (سوف أنام الآن) غير عربية  لانها لا تعني المستقبل الذي تعمل فيه السين وسوف. واستعمال (السين وسوف) للحاضر أو المستقبل القريب جدا من القواعد التي نقلت الينا من اللغة الانگليزية بصيغتيها:

(Shall)

(Will)

وتوجد صيغة ثالثة هي (going to) وشعبيا (gonna). جاء في كتاب  (Getting  = on in Englishتقدم باللغة الانگليزية) (أن هذه الصيغة بديلة من (Shall) و(Will):

(I will wire = I am going to write )

ويعبر بها عن العزم والتأكيد، وتستعمل للدلالة على الإثبات أو جملاً إخبارية، وتدل على المستقبل.

* كان يا ما كان

يقال في سرد الحكايات (كان يا ما كان) (كان في قديم الزمان) (قبل...) وفي العامية (گبل أكو فد واحد) بمعنى (في زمن قديم).

لا ترد هذه العبارة لدى القصاصين القدماء، بدليل عدم ورودها في كتب الأدب والتاريخ. وقد عرفت في العصر الحديث. وتحاول العبارة (كان) (يا ما كان) إعطاء تصور بطول مدة الزمان، وكأنهم لم يجدوا العبارة التي تعطي هذا التصور بنفسها. وفضلا عن ضعف العبارة تعبيرا فإنها غير فصيحة. وقد تدل (يا ما) على الكثرة في اللهجة المصرية، أي طول الزمن الماضي. وهذا دليل آخر على عدم عربيتها، وان المصريين نقلوها من الانگليز، فهم أول من احتك بالانگليز وشكّل هذه اللغة الهجينةً.

وقد حاول بعض المثقفين الدفاع عن عروبة هذه العبارة، وصلتها بالحكايا العربية. وأرى جازما أن العبارة منقولة من اللغة الانگليزية ترجمة لـ:

(Once upon a time)

(upon a time)

(There once )

وهذه العبارة (Once upon a time  = كان يا ما كان) قدمت عنوانا لمسلسل أمريكي، ومسلسل فرنسي، ومسلسل فلبيني، كما قدمت عنوانا لمسلسل مصري. وهو دليل على ان العبارة انگليزية نقلت إلى اللغة العربية.

والصحيح ان نقول: (في قديم الزمان كان هناك مهندس) و(في القديم كانت امرأة تعيش في الغابات)

* سنوي

يقال (يذهب يوميا لعمله) (تسلم راتبه الشهري) (نحتفل سنويا بعيد الأم) بالنسب إلى اليوم والشهر والسنة.

لم تنسب اللغة العربية إلى اليوم والشهر والسنة، فلم يرد (يومي/ يوميا، شهري/ شهريا، سنوي/ سنويا). بل قالوا (كل يوم) و(كل شهر) و(كل سنة) بدل ذلك. قال تعالى (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ). وكرر المتنبي (كل يوم) خمس عشرة مرة في شعره ومن ذلك قوله:

أفي كُلِّ يَومٍ تَحتَ ضِبني شُوَيعِرٌ       ضَعيفٌ يُقاويني قَصيرٌ يُطاوِلُ

وجاء في نكت الهميان (راتبه في كل شهر ألف مَنّ). وعن الرسول () (ان الله قد وعد هذا البيت أن يحجَّه كل سنة ستمائة ألف، فإن نقصوا كملهم الله تعالى من الملائكة)، فلم يرد (يومي/ يوميا، شهري/ شهريا، سنوي/ سنويا). بل (كل يوم) و(كل شهر) و(كل سنة). وقد جاء هذا الاستعمال من الانگليزية:

يوم – يومي = (Day - Daily)

شهر – شهري = (Month - Monthly)

سنة – سنوي = (Year – Yearly, Annually)

* ابتداءً

يقال (في البدء) (بدايةً أقول لكم) (في البداية أشكركم) بـ(جعلها بداية ومنطلقا للكلام).

في اللغة العربية يأتي ذلك في طي الكلام. وهذه الابتداءات روجتها المؤتمرات والمهرجانات، فالمتكلم يقولها ليفتتح كلامه.

(First)

(Fist of all)

(Outset)

(At the outset)

فنقول بدل (بداية، أشكركم كثيرا لحضوركم مؤتمرنا) (أشكركم كثيرا في بداية  مؤتمرنا لحضوركم)

* من والى

يقال (السفر من والى بغداد) (الذهاب من والى العمل) (اختصاراً وتركاً للتكرار).

لا يوجد هذا الاستعمال في العربية لعدم ميلها إلى الاختصار الشديد. وهو من ميزات اللغة الإنگليزية، فهو منقول منها ترجمة لـ:

(From and to)

(to and From)

* يؤدلج

يقال (يؤدلج الموضوع) (يجند نفسه للقضية) (يؤرشف السجلات) باشتقاق مصطلح من اسم، ثم اشتقاق فعل من المصطلح.

لم تعرف العربية هذا الاسلوب. فلم يقولوا (يجنّد نفسه او غيره) بل (يعاني الجندية) (انتسب الى الجندية) وقالوا (نشر الاسلام بين العرب) ولم يقولوا (يؤسلم العرب) وغير ذلك.

وهذا الاسلوب جاءنا من الإنگليزية، لطبيعتها في التعبير المختصر وتوليد معان كثيرة من اللفظ. فمنهم جاء: (أرشفة/ يؤرشف ِArchive = ) (أدلجة/ يؤدلج=  Edify) (تجنيد/ يجنّد Recruit = ) (موسقة/ يموسق =  Music).

ثم انتقلت عدوى هذا الاسلوب الى مثقفينا بمختلف أصنافهم فصرنا نجاريهم في هذا الاسلوب الغريب على العربية الذي لا يقيم لفصاحة الكلمة اعتبارا. ومن المشهور المتداول من ذلك:

(أسلمة/ يُؤسلم = من الاسلام) (تهويد/ يُهوِّد = من اليهودية) (تنصير/ يُنصِّر = من النصرانية) (مسرحة/ يمسرح = من المسرح) (أمركة/ يُؤمرك = من أمريكا) (التشيوع/ يُشيوع = من الشيوعية) (التقيوم/ يُقيوم = من القومية) (الأسلبة/ يُؤسلب = من الاسلوب) (القولبة/ يُقولب = من القالب) (الأنسنة/ يُؤنسن = من الانسان) (الشخصنة/ يُشخصن = من الشخص) (المكننة/ يمكنن = من الماكنة).

* عمل حادثا

يقال (عمل حادثا) (عمل الواجب) (عمل بأصله) (عمل جدارا) (عمل مساجا) (عمل نسخة اخرى) (عمل تاجرا).  (أفعال مكررة واعتماد على الأسماء في التعبير).

اللغة العربية تضع لكل معنى لفظاً فعلا كان أو اسما. فلا تكرر ألفاظا بعينها لم توضع لها ويوجد غيرها في التعبير. مثال ذلك قول المعري: (فمثله مثل جارسة الكحلاء، تسمحُ بالمَسائب المِلاء. تطعم الغرَب، وتجود بالضرَب. وتجني مرّ الأنوار فيعود شُهداً عند الاشتيار). فاستعمل افعالا مستقلة وأسماء مستقلة. (الجارسة: النحلة اذا جرست أي طلبت الزهر. والكحلاء والغرَب: نوعان من النبت ترعاه النحل في جني العسل. والانوار: جمع نَور: وهو الزهر. والاشتيار: جني العسل خاصة. واستعمل من الافعال تطعم: تتناول، تجود: تعطي العسل، تجني: تتناول الرحيق). وهذا الغيض من فيض لا حدود له. وهذا النص عباسي، وان كان المعري يحب استعمال الغريب، الا انه يعطي صورة لاتساع اللغة، وان افعالها واسماءها مستقلة في المعنى والدلالة.

وفي نهاية العصر العباسي بسيادة اللغات الاجنبية ولاسيما الفارسية والتركية، وهي لغات تعبّر بالمعنى لقلة ألفاظها المستقلة، أصبحت العربية تنحو نحوها، في تكرار أفعال بعينها والاعتماد على الأسماء المسندة إليها في التعبير. وقد أحصى (دوزي) عشرات المعاني للفظة (أخذ) في استعمال المؤلفين العرب في حقبة (ما بعد الفصحى) ومن ذلك:

(أخذ جزاءه = نال عقابه)

(أخذ خاطره = عزاه)

(أخذ دربه = ذهب لطيته)

(أخذ روحه = قتله)

(أخذ عقله = أفقده الرشد)

(أخذ وجهاً = تدلل وتصرف كما يحلو له)

وبتأثير اللغة الانگليزية اتسع هذا الاستعمال، فأصبحت اللغة العربية به وكأنها عزيز ذل، وغني افتقر، واذا بها نسخة من هذه اللغة تعوض عن قلة الأفعال بتكرار أفعال بعينها.   فالفعل (Make) يعطي معاني عدة هي:

(صنع، عمل = Make )

(هرب = Make off)

(يحرر = Make out )

(رتبت، زوقت/ ماكياج = Make up )

(أصلح، عوَّض، جازى = Make up for )

(سالم، هادن = Make up with  )

(كسب = Make a bundle )

(أناخ = Make a camel )

(بدا كأنه يحاول أمراً ما = Make as )

(صاحبَ =Make be )

(رضي، تدبر أمره = Make do with )

(اتجه =  Make for )

(حوّل، صيَّر = Make into )

(مارس، نجح = Make it )

(أبصر، تمكن، حرَّر مقالة = Make out )

ولم تعانِ اللغة العربية هذا الأمر، فالأفعال قائمة بنفسها كثيرا في التعبير كما نجد ذلك في الكلمات العربية المقابلة لمعاني (Make). الا ان المترجمين منحوا العربية هذه الصفة التي لا تليق بكرم ألفاظها الواسعة، فقالوا: (عمل حادثا) (عمل الواجب) (عمل بأصله) (عمل جدارا) (عمل مساجا) (عمل نسخة اخرى) (عمل تاجرا). وهذا الامر شاركته فيه العامية فنجد أفعالا تكرر بعينها متكئة على الأسماء في التعبير مثل:

(يسوِّي أكل) بدل (يطبخ)

(يسوِّي طفل) بدل (تحبل، تنجب)

(يسوِّي عزيمة) بدل (يولم)

(يسوِّي نفسه ما يدري) بدل (يتجاهل)

(يسوِّي مشكلة) بدل (يشاكس)

(يسوِّي واهس) بدل (يرغّب)

(يسوِّي وشم) بدل (يستوشم، يشِم)

(يسوِّي مَسِح) بدل (يمسح)

(يسوِّي مراجعة) بدل (يراجع)

(تسوِّي سِحِر) بدل (تِسحَر)

(يسوِّي جريمة) بدل (يُجرم)

(يسوِّي چات) بدل (يحاور)

* راح أروح

يقال (راح أروح) (راح أنام) (راح أكمل العمل). وهي (صيغة عامية تعمل فيها لفظة (راح) عمل ليس).

وكان للعامية العراقية نصيب من تغلل الألفاظ والعبارات والصيغ الإنگليزية. وهنا نتناول بعض ذلك. ومنه صيغة (راح + فعل مضارع = راح أروح) وهي ترجمة للصيغة الإنگليزية (going to) وشعبيا (gonna) وهي تقابل (Shall) و(Will).

وهذه الصيغة لم تستعمل في العربية الفصحى، واستعملت بشكل مذهل في العامية العراقية والخليجية، وأصبح استعمالها سليقياً. فيقال: (راح اكتب) (راح نروح) (راح يشتري).

أمثلة:

آني راح أكتب          I am going to write

احنا راح انروح        We are gonna to go

هيّه راحت تنام         He is going to sleep

* واحد كل

يقال في الالعاب (النتيجة واحد كل) (انتهت اللعبة ثلاثة كل) بمعنى (أن النتيجة هدف لكل من الفريقين، أو ثلاثة لكل فريق).

تقتضي العربية أن تكون الجملة: (النتيجة واحد لكل منهما) أو (كلاهما واحد)ولكن هذا الاستعمال ليس وفق السياق العربي، بل هو تعبير انگليزي:

واحد كل = (one all )

* الواحد

يقال (الواحد شيسوّي) (الواحد وين يروح) (الواحد يريد مصلحته) (أكو فد واحد). يقصدون بـ(الواحد) (الشخص).

وهذا غير موجود في تعبير اللغة العربية، وانما جاء من الانگليزية لأنه مستعمل فيها.

 

الاستاذ الدكتور محمد تقي جون

............................

* الموضوع مستل من كتابي (اللغة العربية الخامسة – الفصحى الهجينة)