 دراسات وبحوث

فلسفة الفقة .. اشكالية الادراك والتكوين / عبد الامير كاظم زاهد

مدخل: في معرض نقده للعقل العربي الذي تشكل على قاعدة البيان ثم انتقل الى العرفان قال الجابري ان ابرز انتاج للحضارة الاسلاميه هو الفقه فهو منتج خالص لهذه الحضاره ومنتج متميز (1)

وايا كان قصد الجابري من هذا التوصيف الا ان القدر الذي اقتبسه منه ان (الفقه) عباره عن اسلوب ممارسة المجتمع الاسلامي للحضارة والسلوك المدني وعلم الفقه هو ذلك النسق المعرفي الذي تحددت مصادره، ومناهجه، ومعرفياته، وتداخلت مع العلوم والمعارف الاخرى ليصنع هو الاخر حضارة في الوقت الذي هو من مصنوعات الحضارة الاسلامية.

ان هذه الجدليه بحاجة الى تفكيك منهجي وعلمي يدرس تحول السبب الى اثر وتحول الاثر الى باعث،  في الوقت ذاته الذي.

يدرس فيه الصلة بين مفهوم الحضارة من جهه ومفهوم الفقه بوصفه مسلكا اجتماعيا لممارسة الحياة من جهه اخرى

والصله بين مفهوم الحضارة من جهه ومفهوم الفقه بوصفه علم القانون او علم المنظومة الحقوقية للمجتمعات الاسلامية صله الفضاء بالجوهر ان اشكالية الادراك –بهذا التوجه والمستوى لفلسفه الفقه تتعمق كلما زاد انغمار الدارسين للفقه الاسلامي وبالنص الفقهي الذي لايزال الجهد المعاصر منه ينسج على المنوال التاريخي فضلا عن ان الوثاقه والاصالة في الفقاهة مرتبطه دائما بالنصوص القديمة ، فكلما كان النص قديما والموضوع اكثر قدما كان البحث اصيلا وملتصقا بعصر الانتاج الفقهي الذي اقترب من زمن النص وعبر عن الفعاليات الاجتماعية في تلك المرحلة.

اما فقه الواقع المعاصر او مايطلق عليه بالمستجدات فانه في احسن الأحوال يبقى محل شك في تاصيلاته، وهو اقرب الى الراي والاجتهاد بمعناه الأمم  منه الى الاستنباط.

أننا بحاجه ان نتيقن ان المجتهد المعاصر لايقل مهارة وقدرة عن المجتهد في العصور التاريخيه الغابرة وانه  يستطيع ان يكتشف الموقف القانوني الاسلامي من المستجدات بالقدر الذي كان الفقهاء التاريخيون يكتشفون اشكاليات عصرهم وانه بدرجه واحدة من القدرة على الاستنباط معه،  ونتيقن أن الإمكانات المتاحة للمجتهد المعاصر ربما تكون أكثر منها للمجتهد القديم لذلك: لابد من البحث بجديه في فلسفة الفقه من جهه كون البحث الفقهي ليس فقط بحثا في (تاريخ الافتاءات) وفقه السوابق الافتائيه، وان الاستنباط ليس ممارسه ناتجة عن تحليل مكونات المشهد التاريخي،  أنما هو محاوله للإفادة من الواقع تحليلا ومن عقل الفقيه ومعرفياته ضبطا للموضوع واستكشافا من النص، ومن النص تحديداً المضمون القانوني، ومن المنهج تحديداً للمسلك للوصول الى الحكم:

فان الاعتبار الصحيح أن الفقه: من حيث هو ممارسة علميه مم نحصل بفكر منظم بالظواهر الاجتماعية، والمعرفية، وهو قانون (الحراك الاجتماعي)

وطالما أن الحراك المجتمعي:يعيش ظروفه وبواعثه المتغيرة تغيرا سريعا فهو متغير يلزم في اقل الافتراضات أن يكون الفقه بمستوى التغييرات الحضارية المتسارعه..

فاطلالته على الماضي من خلال الحاضر، وتوقعاته (المفترضة) للمستقبل يلزم أن تكون من خلال الواقع الذي يعيشه.

وطبقا لهذا الفهم:فانه لايراد من العقل أبدا أن ينأى عن جوهر التفكير الفقهي بل الجهد الفقهي من حيث كونه ظاهرة نصيه .

فلا ينفرد العقل بالقرار الفقهي، للمجردان أن الفقه ناتج حضارة نص نعم فهو يلتزم بالعودة إلى النص المؤسس لهذه الحضارة وهو مرجعيه هذه الحضارة بإشاعاتها وشموليتها ليستطلع الموقف سواء أكان (استطلاعا مباشرا) أو استنطاقا للنص ولكن بالاستعانة بدور العقل وعلاقته بالنص وأثره في أنتاج الأحكام كمدخل أخر يتسع الحديث في مكانه .لكن حتى لانغادر هذه بلا محصله لابد أن نجد ضمن بحثنا عن فلسفة الفقه علاقة اتساقيه متوائمة بين كون العقلانية مدخلا لفهم النص أو شريكه النص المتفقة معه دائما في النتائج .

 

 

فلسفة الفقه .. مقاربة في التكوين المعرفي

لايزال الحديث أو البحث في مضمار فلسفة الفقه يحوم حول اكتشاف المفهوم، والإطار المفاهيمي ، والأسس المعرفية، والمجال المعرفي، والأثر في الفروع  فهو فرع جديد من فروع الدراسة العلمية في مجال العلوم الاسلاميه ربما ظهر في مطلع القرن الحادي والعشرين تحت هذا المسمى ولأجل المقاربة والتحديد المفضي الى الكشف عن ضبابيات هذا التخصص نرى اولا:

    ان هذا الفرع ليس من جنس المعرفة الفقهيه (الاحكام الفرعية، النظريات الفقهيه، والقواعد الفقهيه) .

ثانيا: ليس من جنس المنهج المنتج لهذه المعرفه (المصادر الاصوليه،  والقواعد الاصوليه،  واليات الترجيح عند تعارض البينات والادلة)..

ثالثا:لايندرج هذا التخصص في الرؤية المقاصديه المنتجه للاحكام الفقهيه التي لاتزال جذوتها المعرفيه تتقد في الكثير من الابحاث المعاصرة تلك التي اتخذت او تتخذ من فكره المقاصد منطلقا لها ، او منهجا لسيرورتها (1)

وربما يدخل تحليل المكونات العلميه (لاصول الفقه) في فلسفة الفقه لاعتبارات خاصة بمضامين تلك المكونات مثل (المباحث اللغوية التي تشكل رؤيه في علم النص،  واتجاه في علم الدلالة او المباحث الكلاميه مثل نظرية التحسين والتقبيح العقليين، باعتبار أن هذه النظرية يترتب على بعض اتجاهاتها وفرضياتها أقرار أصول منتجه للمعرفة الفقهية كالاستحسان والمصالح المرسلة وحاكمية الأعراف (3) أو رفضها طبقا لاتجاهات رافضه للتحسين والتقبيح أو لبعض مكونات النظرية

وربما تكون الصلة بين علم الأصول الفقه، وبين منهج البحث التاريخي (4) الذي يفيد في تقصي الحدث الذي أنجب الرواية أو النص أو أنتج القاعدة التشريعية الامره جزء من مباحث فلسفة الفقه، على أن تكون درجة التلازم قويه وغير قابلة للتفكيك ضمن الإطار التخصصي.

لكن يبقى اكتشاف أجزاء من المباحث في مجال فلسفة الفقه تصلح لكي تجمع (جزءا من المكون المعرفي لفلسفة الفقه وهذا غير كاف لتحديد المفهوم العلمي له ولايزال الإطار العام،  والأسس المعرفية تحتاج الى مزيد من البحث والتقصي.

أن هدفا جوهريا يجب أن يشخصه الباحث في المقاربات المفضيه إلى فلسفة الفقه يتخلص أن التعرف على الأجزاء المكونة لفلسفة العلم ربما تؤدي إلى اكتشاف الإطار العام والأسس المعرفية ولعل بعضها  في البواعث العلمية للاشتغال بهذا التخصص، وبتحديد الإطار التخصصي له والثمرة من أبحاثه

 

البواعث العلمية للاشتغال بـ (فلسفة الفقه)

 هناك مجموعة بواعث فيها: :

1-الجانب المنفعي الدنيوي من الفقه:هل الفقه علم أنساني دنيوي أو علم عرفاني أخروي؟

للاجابه أقول:لاينبغي لكل دارس للفقه أن يتعامل معه بوصفه تراثا نظريا وحفريات في بطون المعرفة، بل الذي ينبغي أن ننطلق منه في دراسة أي موضوع فقهي هو أننا نجري محاولات منهجية علمية لاكتشاف الموقف العلمي للإنسان المسلم من الأشياء والأفكار والسلوكيات،  فهو أذن معرفة مؤسسة (بالكسر) لقيم سلوكيه على صعيد الفرد أو مجموع السلوك المدني أو سياسات الدول والجماعات مع مايترتب عليها من أثار وتداعيات، ومن هذا يتجلى أثره  في واقع المجتمعات-على توالي عصورها وتظهر في اروقته-مستجدات فرديه وجماعية، ومستجدات دوليه، وعلى التفكير الفقهي ان يكون سباقا ومستشرفا لهذه، ولعل في تراث الفقهاء جذر تأصيلي لذلك وهو الفقه الافتراضي، ومن المتفق عليه أن في واقعنا المعاصر علوم اجتماعيه وعلوم صرفه، فلايمكن أن تنمو العلوم الانسانيه وتتطور دون أن تلابسها الحركه الاجتماعيه وهذه العلوم مرتبطه (بالتفكير الفقهي) أو أن ذلك التفكير مرتبط بها بحيث يجعلها (تحديات: مدخلاتيه) لكي ينمو بقدراته ويخضع أثارها لمنطقه الداخلي، فليس صحيحا ابدا ان نفكر في ظرف القطيعة بين العلوم والمدنيات وبين الفقه، لان التاريخ قدم لنا أمثله كثيرة تثبت ان المجتمع يؤثر بقدر معقول في نوع التفكير الفقهي وهذا لايتنافى ابدا مع حاكمية المخرجات الفقهيه على (موضوعاتها فإذا لم يكن عرف (التفكير الفقهي) عرفا استشرافا فلا اقل من ان تظهر عبقريات فقهيه لاينفصل تفكيرها واهتمامها عن الحاجة الاجتماعيه الحاضره .. وكمثال على ذلك فان فقه المنظمات الدوليه حاليا يعد ميدانا خصبا للاكتشاف الفقهي، وان ضوابط استخدام التقنيات الصناعيه والاليكترونية واليات المعلوماتية احتياجات فعليه للوعي الحضاري للإنسان المسلم ومن ذلك مثلاً فقه الإغاثة الدوليه للمناطق المنكوبة، وفقه ماجهته مشكلة نقص الغذاء العالمي، وأطروحة الأمم المتحدة عن السكان في العالم.

ومشكلات البيئة، وغسيل الأموال........ الخ

ان هذه المشكلات الانسانيه، لم تكن قبل نصف قرن سوى حديث يدور في أضيق نطاق في أروقة النخب المتخصصة أو شديدة التخصص، لكن لخطورتها واتساع تداعياتها صارت من أكثر الموضوعات تداولا بين عموم الناس، وأجهزة الأعلام، والهيئات الدولية وقد أنشئت لها معاهد متخصصة وكراسي أستاذيه في الجامعات، ومجلات متخصصه  وصدرت عنها مئات المؤلفات باللغات العالمية فضلا عن وكالات خاصه دوليه تعنى لهذه المشكلات في الأمم المتحده، فهل يبقى (عذر) عندما ينأى الفقه بنفسه عن المساهمة الجادة في حل هذه المشكلات الانسانيه، إذا لم يكن هذا التخصص من أوائل المعطيات التي تضع القواعد التي تنظم الجهد الدولي فأي تخصص يحل محله، ولعل هذا يتوقف على فلسفة الفقه فهي التي تحدد الباعث على التناول وموضوعات التناول وطريقة التناول ..

في عقيدتي:ان الفقه أجدر تخصص يستطيع ان ينظم السلوك الإنساني على خلفية الإيمان الطوعي و يجب ان يظهر في اروقته كونه تشريعا من عند الله وعلى  الالتزام به يترتب الثواب والانضباط الذاتي لذلك فان أدراك علاقة التردي البيئي بالإنتاج الصناعي الضخم بحيث يقرر عملا إنسانيا ودوليا للحفاظ على التوازن البيئي لان البيئة (هبات ومعطيات ربانيه مشتركه لجميع البشر) من مسؤولية الفقه وان الفقه ربما يكون الأقدر على تخليص الناس من (الإفراط في استخدام الاسمده والمبيدات على نطاق واسع بغية زيادة الإنتاج بحيث يؤدي إلى تلوث غير محسوس بالإنتاج الزراعي ويعرض المستهلك إلى خطر التسمم والتسرطن مما تقدم استطيع القول ان الباعث على التعميق في الدراسة الفقهيه وتحديد المرامي والأهداف  .

 

2- نطاق الفقه:جزء من فلسفة الفقه

لعل فلسفة الفقه هي التي تحدد نطاق المعرفه الفقهيه النظرية، فهل الفقه للإنسان الفرد بعيدا عن ارتباطاته مع مجتمع محلي، اومجتمع دولي، أو حيز كوني.

ان الوضع الحضاري المعاصر يفرض تقارب الأمم والحضارات ولابد ان يكون الفقه هو المنجم الذي تستقى منه القواعد القانونيه التي تنظم علاقة الإنسان مع ذاته ، وعلاقته مع الإنسان-أي إنسان-وعلاقه الإنسان بالمادة (الكون)، وعلاقة الإنسان بالزمن الكوني.

وبناءً على إدراك فلسفة الفقه ان هذا الكون يتحرك بتناسق دقيق جدا على وفق نظام علمي، فينتظر من الفقه ان يقدم توصيفا لطريقة تفكير كونيه، او أسلوب وممارسة علميه تنظم حركه الإنسان مع المادة وعند ذاك يسهم الفقه في تنظيم فعاليات الإنسان إزاء العالم الخارجي (المادة-الزمن-الأفاق الكونية) وقطعا: ان ذلك مرتبط بالمنهج العلمي للفقه،  والمنهج مرتبط بالفلسفة التي تقرره ، فهل تتسع شموليتها للاتساع الكوني والاتساع المجتمعي الإنساني.

 

3- إشكالية المنهج العلمي وفلسفة الفقه

يعرف العلم:بأنه مجموعة حقائق يكتشفها البحث الموضوعي المجرد، والبحث الموضوعي لايكون الامع وجود منهج علمي

ويقال انه:مجموعة الخبرات التي تجعل الفرد قادرا على التفكير المنظم وتفسير الظواهر.(5) ومصطلح التفكير المنظم أي المرتبط بقواعد برهانية لإنتاج المعرفة

وفي قاموس أكسفورد:يعرف بأنه تلك الدراسة المتعلقة بجسم مترابط من الحقائق الثابته المصنفه التي تحكمها قوانين عامه وتحتوي على طرق ومناهج موثوق بها لاكتشاف حقائق جديدة .(6)

 

في فلسفة العلم هناك نظريتان

النظرية السكونيه:    static  :وترى ان العلم هو معرفة نظام العالم، وان مهمة العلماء اكتشاف ذلك النظام وإضافته للمعروف من المكتشف وبموجبه تتيسر الطرق لتفسير الظواهر.

النظرية الديناميكيه Dinamic:ترى انه مجموعة البحوث التي تساعد على اكتشاف الأشياء، وأتاحه الفرص إزاء العمل الإبداعي منطلقا من تفسير الظواهر، فوظيقه العلم هي الاكتشاف.يشدد المعنيون على الفرق بين العلم والمعرفة ويرون ان العلم معرفة مبرهن عليها بالدليل، والمعرفة علم تلقائي

وهدف العلم التوصل إلى نظريات الحركه والنمو الاجتماعي والكوني ويراد بمصطلح النظرية:

بأنها بنيان من المفاهيم المترابطه والتعريفات والمقولات التي تحدد العلاقات بين المتحولات بهدف التفسير والتنبؤ.(7)

أقول:هل الفقه مجموعة حقائق نهائيه أو هو فرضيات نظريات علميه تتبع منهجا منتجا للمعرفة وقابلا للتعديل ثم هل الفقه يوصف الظواهر أو يفسر الظواهر، هل يسعى إلى (فهم العالم على أساس النظام ، أو يقدم مجموعة بيانات هي اقرب إلى المعرفه)

ان أول مدخل لدراسة فلسفة العلم هو قضية المنهج ، ولقد عرف الإنسان ضرورة المنهج منذ أقدم الأزمان وسعى إلى أيجاد الصلة بين العلم والمنهج، ولقد كان أرسطو الرجل الذي حفظ لنا التاريخ انجازاته في صناعة قواعد المنطق كمحاوله مبكره لضبط التفكير وخطوات السير نحو المعلوم في الوقت الذي كانت (ألطريقه غير المنهجية) تلقى قبولا عند الأمم ، فلم تعرف أوربا فكره المنهج بمعناه الاصطلاحي حتى القرن (17) حتى ظهرت الرؤى والنظريات المنهجية على يد بيكون، وستيوارت مل، وديكارت، وصار معناه الطريق المبرهن على صدقه وإيصاله إلى الكشف عن الحقائق من خلال طائفة من الحقائق التي توجه سير العقل.

أما في العالم الإسلامي فان المعرفه في بواكير عصورها ارتبطت بالمنهج وذلك في أوائل القرن الثاني الهجري واستمر التطور مثل (فكره الإسناد) ونقد المتن الحديثي كأمثله على نظريات منهج النقل الروائي من جيل إلى أخر، وفي خضم ذلك كان منهج الفقه (علم الأصول) هو مجموعة الضوابط التي حاولت ولاتزال تحاول رسم نقطة التوازن بين فقه النص وفقه الرأي والاجتهاد وإذا أردنا ان نربط الابتكار المنهجي (عند أهل الحديث) فإننا نعتقد ان كثيرا من عناصر المنهج التاريخي قد عرفه منهج الوثاقه عند المحدثين، وكثير من عناصر الاستنباط قد عرفه منهج نقد المتن الذي يسعى لاكتشاف اتساق مضمون الحديث مع الأصول و المرجعيات الأساسية ولعل ابرز مايحتويه علم الأصول ثلاثة محاور

أ‌-       مرجعيات الفقه (مصادر الاستنباط)

ب- قواعد اكتشاف المعنى من النص (دلالات النص)

ج- الترجيح عند تعارض الأدلة والبينان (الموازنه والتقييم العلمي للبيانات)

وفي المحور الأول:يجمع العلماء ان المعرفة الفقهيه تنتزع من القران الكريم لاسيما (الآيات المعنية بالتشريع وقواعد السلوك) لذلك فان التفسير المعصوم للقران هو غيره التفسير الإنساني للقران الكريم لأنه محاط بالمحددات (المكان/ الزمان/ الوعي) بحيث لايجعل لنا رؤية تفسيريه تعد جزءا من الثوابت، والإصرار على التفسير بالثوابت لايعني ان يفهم القران فهما تاريخيا ولعل الخطوة السابقة على هذا المدخل الانتهاء من ان النص ألقراني الذي لاياتيه الباطل ابدا يحتاج إلى أدلة ذات صله بالتوحيد والرسالية وهذه اطر فلسفيه ترتبط إلى حد ما بنظرية التكليف، فلابد من علائقية تنسق بين الحقائق القرانيه المطلقه والفهم النسبي لها

 وألسنه النبوية، من حيث كونها مصدر مجموعة جداليات فلسفيه أبرزها هل ألسنه مصدر رباني محض، أو بشري محض، أو بشري مسدد من الله، وهل هي عدل القران بحيث تقوى على نسخ ايه منه أو تخصص أو تقيد أو تشرع مالم يشرعه القران الكريم أوتضع ماسكت عنه (8) وهل هي فقط ماصدر عن النبي الأكرم (ص) أو تتسع لما صدر عن الأئمة الاثناعشر ، بل ربما وسعها آخرون إلى مطلق قول الصحابي ومذهبه (9) كل تلك التحويدات ترجع إلى أسس عقائديه فلسفيه 

ان كل اتجاه وكل مدخل لدليلية ألسنه يحتاج إلى موقف فلسفي سيؤثر في نوع المرجعية النصية للفقه وللإحكام الفرعية ناهيك عن (إشكالية وقف تدوين ألسنه، واستئنافه بعد قرابة قرن ومشكلة النقل بالمعنى، والوضع لأسباب متعددة منها أسباب سياسيه

وكلاهما-أي القران وألسنه-إذا تجاوزنا موضوع الإسناد والصدور إلى قضايا الدلالة والمعنى فإننا نجد ان فهم النص فهماً عرفياَ هو الذي عليه المدار وهو لايعدو أكثر من معرفه تفسيريه مرتبطه بظروفها.لذلك فالاجتهاد بوصفه حركه عقليه متظمه مرتبطه بالنص لابد ان تأخذ الزمن باعتبارها لأنها تستمد كينونتها من (تعديلات الفهم التفسيري)، لذلك فان مشروعية الخلاف والاختلاف بناء على تلك الأسس المعرفية تبدو غير محتاجة إلى تدليل.

والإجماع-المصدر الثالث-حتى تصير مرجعيته للفقه التفصيلي مرجعيه مبرهن عليها  فهل هو توافق عقل النخبه المفكرة المالكه للادوات والمهارات العقليه واليات الاستنباط ، وهي هذه النخبه محدده بوصف، ام هي مسماة(كمجموعة) من علماء عصر من العصور مثل (اجماع الشيخين) أو الأربعة الراشدين، او اجماع الصحابه، او فقهاء التابعين، او أهل المدينة.... الخ وهل الإجماع: هو اتفاق على إفتاء، أو على فهم النص، او انه عباره عن عدم العلم بالخلاف كما يقولون.

أقول:حتى تقرر هذه المداخل ولكي يستقر الإجماع أصلا منتجا للأحكام لابد من فلسفة تقرر هذه الضوابط التي على معاييرها يتم اختيار الأكثر دقة، والأكثر علمية،  وليس على أساس إيديولوجي مبنائي.

ولعل حاجة القياس إلى فلسفة تجعله محل اعتبار كونه أصلا منتجا للأحكام اشد من غيره مما تقدم ،  وربما تشتد الحاجة إلى اعتبار المصالح والأعراف، والية الاستحسان ان أصل الاستحسان في جزء كبير من تطبيقاته ينطوي على تفادي ما يتحقق من جراء بتطبيق النص من تداعيات سلبية لذا يعدل المجتهد من دليل جلي إلى دليل خفي،  ان الاستحسان يعبر عن فقه قائم على احترام الاستثناء.

4-فرضية اليقين:ان خصيصة اليقين، هي الخاصية الأبرز فيما يتبنى من المعرفه كحقائق، فما حصل فيه يقين، فانه يرتقي من حيز المعرفه إلى العلم .ولايتانى اليقين ألا أذا قام على صحة البيانات (المعلومة) مجموعة من البراهين واليقين-كما هو عند الفقهاء-كذلك عند فلاسفة علم المنهج ذاتي وموضوعي، والذاتي:عبارة عن شعور داخلي يطمئن بسببه الباحث إلى صحة النتائج البحثية، كما يطمئن الفقيه إلى صحة رواية أو سلامة فتوى، لكن يبقى هذا اليقين تجربة ذاتيه وحجه قاصره، وتلابسه الميول والأسبقيات والقبليات لذلك نجده يختلف من فقيه إلى أخر، فغالباً ما تتحكم فيه ظروف وعوامل ذاتيه .(10)

أما الموضوعي:فهو مايرتكز على الأدلة المنطقية أو الرياضية (العقليه) القاطعه والمقنعة ورغم ذلك لايزعم احد انه اليقين النهائي، لان التخطئه أساس فلسفي

يقول الغزالي(ليس في الواقعه التي لانص فيها حكم معين يطلب بالظن، بل الحكم يتبع الظن وحكم الله تعالى على كل مجتهد ماغلب على ظنه) وهذا قول المخطئه

أما المصوبه فذهبوا إلى أن فيه حكما معينأ يتوجه إليه الطلب، إذ لابد للطلب من مطلوب. فإذا كلف المجتهد بإصابته يكون مخطئا بغيره، وإذا لم يكلف كان مصيبا وان اخطا ولعل الشيخ الأنصاري الذي أحال الأمر على تصويب الطريقيه وليس متعلقها، فالطريق أذا تم اختياره بالدقة يؤدي إلى الصواب افتراضا.(11)

أن الجدل في اعتبار (معقوليه بعض الأحكام) وعدم معقوليتها هو الأخر له جذر فلسفي أو يراد أن يكون له جذر فلسفي، فإذا كان العلم هو الحقائق الميسره لفهم الظواهر وأسبابها فلابد أن يكون فهمها وتعلقها أول الكلام، ولابد أن تعلل الكثير من الإحكام وتعرف الحكمه من تشريعها ولو على وجه الأجمال بل لابد ان تعرف المالات والمصالح والمضار .

ثمة قضية أخيره في هذه المقاربة:هل الطبيعة غير التراكميه في الدراسات الفقهيه تقلل من علميه الجهود الفقهيه مايقال أن التراكميه أحدى خصائص العلم.والمراد بالتراكميه تتابع الجهود والمكتشفات بالاستناد إلى ماقبلها والترتب عليها، ونظرة في الجهد الفقهي تجد ان البناء لايرتفع الى أعلى بل يمتد أفقيا ويصر المشتغلون بالحقل الفقهي على البقاء في الطوابق القديمه حتى لو ظهرت طوابق جديدة

أن الفقه كعلم ليس كالفلسفه أو الفن لأنهما ليسا ذات طبيعة تراكميه لذلك نحن لانزال نتذوق الفن القديم بيد أن الفقهاء عليهم ألا يدعوا الفقه يكف عن التطور فلايعاد البحث في ذات الظواهر..

والمطلوب:ان ينمو الفقه ويتسع راسيا وأفقيا في أن واحد لعل هذه المدخلات تثير القلق المعرفي – للبحث حول جزيئات أخرى تدخل في مضمار فلسفة الفقه وبتجميعها يمكن صياغة الإطار العام لهذا التخصص...

 

 

.............................

المصادر

(1) محمد عابد : نقد العقل العربي

(2) جدلية النص والعقل، ظ فصل المقال لابن الرشد

(3) محمد شريف: تفسير النصوص الشرعيه،  رسالة ماجستير

(4) منهج البحث العلمي

(5) فؤاد زكريا: التفكير العلمي، منشورات ذات السلاسل

(6) قاموس أكسفورد:

(7) كارل بوبر:

(8) مناهل العرفان:محمد عبد العظيم الزرقاني

(9) محمد تقي الحكيم:الأصول العامة للفقه المقارن

(10) فؤاد زكريا:التفكير العلمي

(11) محمد تقي الحكيم: الأصول العامه للفقه المقارن 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد: 1690 الثلاثاء 08 /03 /2011)

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1645 المصادف: 2011-03-08 01:30:23


Share on Myspace