 دراسات وبحوث

الأسلوب الإنشائي بين تحديد المفهوم وتأصيل المصطلح / الوارث الحسن

alwarth_alhasanمقدمة: يكتسي التصرف في بناء الجملة أو العبارة، أهمية بالغة في فن التعبير، وهو الذي يجعل الأساليب المعتمدة من لدن المبدعين متباينة، فترى بعضهم مثلا، يستعملون التشبيه أو الاستعارة أو الكناية،

ويتفننون في إيراد صورها، بأسلوب موجز مقنع، بينما ترى آخرين يعتمدون على أساليب إنشائية تنقل ما في نفوسهم من تحير وشك وتعجب وحنين ورجاء وأمنيات...

وانطلاقا من هذا الشاغل البلاغي بالعبارة أو الجملة، ظهرت دراسات في علم الكلام (التفسير، الفقه، الأصول...) اهتمت بهذا الجانب. وكان للقرآن الكريم دور كبير في ظهورها، لما يتميز به الأسلوب القرآني من تنوع وغنى، كما ظهرت دراسات مماثلة في علم الوسائل (النحو، الصرف، البلاغة...)، وقد كان كلام العرب، شعره ونثره، مصدر الاهتمام في هذا الصدد، لما يحويه من أساليب تعبيرية نادرة.  

وفي نفس الإطار، حاول المهتمون، وخصوصا منهم النحويون والبلاغيون والأصوليون، رصد معالم ظاهرة الإنشاء في الكلام، وقدموها لنا في صور نحوية إجرائية تبحث في القواعد، وحلل بلاغية منطقية تبحث في المعاني، وقضايا فقهية تهتم بالمقاصد.

و للتعرف على معالم هذه الظاهرة، باعتبارها الجانب الذي يهمنا في كتابنا، رأينا من المفيد، أن نقوم بجولة مركزة في الدرس اللغوي، حتى نقف على آراء اللغويين العرب، وقواعدهم في هذا المجال، وذلك لاعتبارين هامين:

أولهما: أن دراسات أولئك اللغويين تتضمن مفاهيم نظرية مفيدة لنا في مناقشة وتحليل بعض ظواهر الأساليب الإنشائية، من جهة، ومفيدة جدا، من جهة أخرى، في معرفة أهمية التعبير بالإنشاء في القول الشعري، ولاسيما من حيث قيمته الأسلوبية والإيحائية والدلالية.

ثانيهما: الرغبة في الاستئناس بآرائهم، والاستناد إلى هذه الآراء في البحوث الأدبية والنقدية.

وبناء عليه، سنقسم حديثنا عن الأساليب الإنشائية إلى ثلاثة أقسام، وذلك كما يلي:

- أولا: الأسلوب الإنشائي عند الـنـحـاة

- ثانيا: الأسلوب الإنشائي عند الـبـلاغيين

- ثالثا: الأسلوب الإنشائي عند الأصوليين

 

1- الأسلوب الإنشائي عند النحاة:

أ- فـي الـتـحـديـــد:

نظر النحاة إلى الكلام، فلم يجدوه على ضرب واحد. وعندما حاولوا تصنيفه اختلفوا اختلافا بينا. وهكذا، اعتبر البعض منهم: «أن الكلام ينقسم إلى خبر وطلب وإنشاء»( )، «فإما أن يقبل الكلام التصديق والتكذيب أولا، فإن احتملهما، فهو الخبر نحو: قام زيدٌ، ما قام زيدٌ، وإن لم يحتملهما، فإما أن يتأخر وجود معناه عن وجود لفظه أو يقترنا، فإن تأخر عنه، فهو الطلب نحو: اضرب، ولا تضرب، وهل جاءك زيد؟، وإن اقترنا فهو الإنشاء، كقولك لعبدك: أنت حرٌّ، وقولك لمن أوجب لك النكاح: قبلتُ هذا النكاح»().

وقال بعضهم: «الكلام ينقسم [...]، عند بعض أصحاب المعاني، إلى أربعة أقسام: خبر، واستخبار، وطلب، ودعاء. فالخبر أوسعها: وهو أن يخبر المتكلِّم المكلَّم بما يفيد معرفته. والاستخبار: أن يطلب المستخبِر من يكون لمن دونك، أو لنظيرك، أو لمن هو أعلى منك، فإن كان لمن دونك سمّيته طلبا، وإن كان لله سبحانه سميته سؤالا، ودعاء، وطلبا. وإنما اختلفت التسمية لاختلاف المخاطبين بهذه اللفظة، لأنك تستقبح أن تقول: أمرت والدي، كما تستقبح أن تقول: سألت غلامي»( ).

وقال بعضهم: «إن الكلام خمسة أقسام: خبر، وأمر، وتصريح، وطلب، ونداء. واعتبره البعض ستة أقسام وهي محيطة بالكلام: خبر، واستخبار، وهو الاستفهام، ودعاء، وتمن، وأمر، وطلب، فالأمر لمن هو دونك، والطلب إلى من أنت دونه»( ).

وقال غيرهم: «معاني الكلام ستة: خبر، واستخبار وهو طلب الخبر، ونداء، وتمن، وعرض. وقال آخرون: وإباحة، وندب»( ).

وادعى قوم أن أقسام الكلام تسعة: «نداء، ومسئلة، وأمر، وتشفع، وتعجب، وقسم، وشرط، ووضع، وشك. وقالوا عشرة: نداء، ومسئلة، وأمر، وتشفع، وتعجب، وقسم، وشرط، ووضع، وشك، واستفهام»( ).

وكثرت التقسيمات إلى أن وصلت ستة عشر قسما( ). لكن بعضهم جمع هذه التقسيمات كلها في أصلين اثنين هما: الخبر والإنشاء، كما في قول جلال الدين السيوطي، الذي أكد فيه أن الحذاق من النحاة وغيرهم من أهل البيان قاطبة، نصوا على انحصار الكلام في الخبر والإنشاء( ).

 

ولعل أهم ما نستخلصه مما سبق:

أولا: إن بعض الأقوال خلطت بين الإنشاء من جهة، ومعانيه المتولدة عنه، من جهة ثانية. والمؤكد أن النحاة العرب قد وقعوا هنا ضحية النزعة النظرية الصورية، حيث أن اهتمامهم كان منصرفا للتشابه الشكلي في الصيغ والتراكيب، متناسين الاختلافات الدلالية بينها( ).

ثانيا: إن الكلام، ورغم تعدد التعريفات، مرده عند النحاة إلى أصلين: خبر إذا احتمل التصديق والتكذيب، وإنشاء إذا لم يحتمل التصديق والتكذيب، سواء اقترن التلفظ بالمعنى في الكلام، أو تأخر التلفظ عن المعنى فيه، على حد سواء.

 

و يـمكن إجمال تلك الاجتهادات في الرسم البياني التالي:

ب- الأسلوب الإنشائي في الدرس النحوي:

قبل الحديث عن مادة الإنشاء في الدرس النحوي، لابأس أن نلقي نظرة ولو موجزة عن مصطلح إنشاء في المعجم اللغوي.

 

فالإنشاء لغة، يتصل بمادة (ن، ش، أ) ومفاده: «الخلق، والابتكار، والابتداء، والارتفاع)( ). وفي هذا المعنى يقول ابن قتيبة: «أنشأ الكاتب الكتاب، ابتدأ عمله على غير مثال يحتذيه»( ). وتقول العرب: «أنشأ يفعل كذا، وأنشأ يقول كذا، ابتدأ، وأنشأ الله الخلق، ينشئهم، إنشاء، إذا ابتدأ خلقهم، وأنشأت أنا الشيء، أنـشئه إنشاء»( ).

ومن ثم، يمكن القول: إن الإنشاء في اللغة والأدب، هو إيجاد أو ابتكار شيء دون أن يكون له واقع من قبل.

أما في الاصطلاح، فإن الباحث في كتب النحو يلاحظ أن النحاة لم يفردوا بابا خاصا لدراسة الأسلوب الإنشائي، وأن آراءهم في الأسلوب بشكل عام تتوزعها عدة أبواب مختلفة، ويغلب عليها الطابع الصرفي والإعرابي.

 

2- الأسلوب الإنشائي عند البلاغيين:

أ- فـي الـتــحـديــد:

ينقسم الكلام عند البلاغيين إلى قسمين: خبر وإنشاء، على نحو قول الخطيب القزويني: «ووجه الحصر أن الكلام إما خبر، أو إنشاء»( ). ولم نعثر في كتب البلاغيين القدماء التي تصفحناها، تقسيما آخر للكلام، غير ما يتعلق بالإشارة إلى أن الإنشاء يقترن بالطلب في إحدى معاني الكلام عند السكاكي( ).

وانطلاقا من هذا التقسيم الثنائي للكلام، قدم لنا البلاغيون عدة تعريفات ومفاهيم تدل على فهمهم المطلق لهذين الأسلوبين، رغم اختلافهم في الصياغة والتناول( ).

وهكذا استعملوا مصطلح خبر للدلالة على الكلام الذي ليس له نسبة في الخارج (الواقع)، أكان يناسبه أو لا يناسبه( )، فيكون الخبر تبعا لذلك، هو ما يحتمل التصديق والتكذيب لذاته( ).

أما الإنشاء، فقد اختلف البلاغيون في تناوله، فمنهم من تناوله ضمن معاني الكلام( )، ومنهم من قسمه إلى نوعين، إنشاء طلبي، وإنشاء غير طلبي( )، ومنهم من جعل كثيرا من مباحث الإنشاء فرعا عن الخبر( ).

ورغم هذا التناول، فإن البلاغيين - كما أسلفنا الذكر - لم يهتموا بالإنشاء كما اهتموا بالخبر، حيث جاء كلامهم عن هذه الظاهرة متفرقا في إشارات وتنبيهات، ضمن باب الخبر والإنشاء، وباب الأساليب الإنشائية عموما.

 

ب - الأسلوب الإنشائي في الدرس البلاغي:

يتصل الإنشاء في اصطلاح البلاغيين بدلالته اللغوية، حيث لم يبتعد كثيرا عن مفهوم الخلق والابتداء. وتتلخص تلك الدلالات في القول، بأن الإنشاء: «نوع من الكلام، ينشئه صاحبه ابتداء دون أن تكون له حقيقة خارجية يطابقها أو يخالفها، فلا يحتمل لذلك الصدق ولا الكذب»( ).

وقد ورد في المعنى عند يحيى بن حمزة العلوي قوله: «إن الإنشاء هو استدعاء أمر غير حاصل ليحصل»( ).

وقال ابن يعقوب المغربي: « الإنشاء هو الكلام الموجد لنسبته، فيجب أن يعلم أن نسبة المسند والمسند إليه لا يوجدها الكلام، إذ لا يوجب الكلام اتصاف أحد بصفة حقيقية، كالقيام أو القعود في: قم، واقعد، مثلا [...] وإنما الذي يوجبه الكلام ويقتضيه أن تلك النسبة تدل على تكيفها بكيفية عائدة في حصولها إلى اللفظ، فيوجب قم واقعد مثلا، نسبة القيام والقعود للمخاطب مكيفين، لكونهما مأمورا بهما، وكون الشيء مأمورا به كيفية يرجع وجودها إلى وجود صيغة الكلام»( ).

وقال الدسوقي: «الإنشاء لم يقصد به حكاية شيء بل المقصود به إحداث مدلوله [...] وإيجاده لذلك اللفظ، بحيث لا يحصل ذلك المعنى بدون اللفظ»().

 

ولعل أهم ما نسجله من هذه المفاهيم:

أولا: إن الإنشاء عند البلاغيين هو صورة الكلام ينشئه صاحبه ابتداء دون أن تكون له نسبة خارجية تطابقه أو تخالفه، وبناء عليه، يكون الإنشاء هو كلام لا يحتمل الصدق والكذب لذاته( )، بخلاف الخبر. مثل قولنا:

- هل جــاء زيــد؟

ففي هذا المثال، نرى أن جملة (هل جاء زيدٌ ؟)، لها معنى ليس له وجود خارجي، وهو الاستخبار عن المجيء، فيكتفي اللفظ فيها بذاته وتكون له قيمة الحدث أو الفعل الذي ينجز به شيء ما، فالمتكلم قد أنشأ كلاما يفهم منه أنه يطلب جوابا، يتعلق بمدلول اللفظ فيه، وهو هنا مجيء زيد. فالكلام إنشاء من نوع الاستفهام لا يتعلق بشيء خارجه( ).

ثانيا: عدم احتمال الأسلوب الإنشائي للصدق والكذب، إنما هو بالنظر إلى الصيغة الموضوعة له. مثل: نسبة الكلام للمخاطب بلفظ: قم ، أو لا تقم، فإنما يوجدها صيغة افعل، لا تفعل، مثلا.

ثالثا: إن البلاغيين ركزوا على عبارة (المقصود) في تعريفهم للإنشاء، وذلك لإخراج غير الطلبي منه، الذي هو في الأصل أخبار نقلت عن طريق القصد إلى معنى الإنشاء، على نحو قول عبد السلام هارون: «ولأن أكثره في الأصل أخبار نقلت إلى معنى الإنشاء» ( ).

هذا، وقد نظر البلاغيون إلى الأساليب الإنشائية، فلم يجدوها على ضرب واحد، وإنما تمضي على حالين: طلبية، وغير طلبية. وبناء على ما جاء من تعاريف البلاغيين في هذا الشأن يمكن أن نميز بين الإنشاء الطلبي، وغير الطلبي، كالتالي:

- إن الإنشاء الطلبي، هو ما يستلزم مطلوبا ليس حاصلا وقت الطلب( )، وهو بذلك يتأخر وجود معناه عن وجـود لفظه، أي: أن التلفظ يسبق الامتثال له ( ). مثل قولك: قُم، فإن لفظ الأمر (قم)، قد سبق إلى الوجود قبل وجود معناه، أي: قبل قيام المأمور بتنفيذ ما أمر به، وهو فعل القيام. وهكذا في جميع أنواع الطلب، كالنهي والاستفهام والنداء والتمني( ).

- أما الإنشاء غير الطلبي، فهو ما لا يستلزم مطلوبا ليس حاصلا وقت الطلب( )، وهو بذلك يتحقق وجود معناه في الوقت الذي يتم النطق به، أي: أن مدلوله يتحقق زمن التلفظ( )، فإذا قال شخص لآخر، بعتك...، أو زوجتك...، فإن معنى البيع، أو الزواج، يتحقق وجوده في وقت التلفظ بكلمة القبول، قبلت الشراء...، قبلت الزواج.... وهكذا في جميع أنواع غير الطلب، كالتعجب والقسم والمدح والذم وأفعال الرجاء( ).

هذا بالإضافة إلى أن الكثير من البلاغيين يميلون إلى تصنيف الإنشاء غير الطلبي، في قسم الخبر، ودليلهم على ذلك قصة الأعرابي الذي بُشر بأنثى، «فقيل له: نعمت المولودة، فأجاب: والله ما هي بنعمت المولودة، فكأنه فهم من قول المبشر، نعمت المولودة، أن يخبره بما له من قيمة فضلى، فكذبه، وقال له مؤكدا: والله ما هي بنعمت المولودة»( )، ومعلوم أن احتمال التصديق والتكذيب هو من صفات الخبر.

إلى جانب ذلك، يمتاز الإنشاء الطلبي عن غيره، بخروجه إلى معان جانبية (مجازية)، تفهم من سياق الكلام وقرائن الأحوال، وتدرك بالذوق والدراية كالاستفهام. فهذا الأسلوب مثلا: معناه الأصلي، هو السؤال والاستخبار، لكن قد يفيد عددا من المعاني المختلفة في مقامات متباينة وفق مقاصد المتكلم، وعلاقة هذا الأخير بسامعه، مثل: الإنكار والالتماس والتقرير...( )، على نحو قول السكاكي: «فمتى امتنع إجراء هذه الأبواب على الأصل، تولّد منها ما ناسب المقام»( )

ومن أهم الأساليب الإنشائية الطلبية التي اهتم بها البلاغيون:- الأمر والنهي والاستفهام والتمني والنداء

 

3- الأسلوب الإنشائي عند الأصوليين:

أ- فــي التحـديـــد:

تحتوي الجملة المفيدة بأقسامها المختلفة على نسبة تامة بين ركنيها. وهذه النسبة، حسب الأصوليين، إذ كان لها حقيقة ثابتة في ذاتها( )، فإن الكلام إن احتمل الصدق والكذب لذاته، بحيث يصح أن يقال لقائله إنه صادق فيه أو كاذب، سميت جملة خبرية ولذلك قال الأصوليون: «الخبر يلزمه الصدق والكذب»( ).

أما إذا كان الكلام موجدا لنسبته وينشئه صاحبه ابتداء، دون أن تكون له حقيقة ثابتة، يطابقها أو يخالفها، ولا يلزمه الصدق والكذب لذاته( ) فالجملة تكون حينئذ إنشائية( ). ولذلك قال الأصوليون «الإنشاء لا يلزمه الصدق ولا الكذب»( )، مثل قولنا: دع ذا، فهذه الجملة لا تنصرف إلى حقيقة ثابتة في ذاتها إلا قبل إطلاق اللفظ الذي وضع لها، وهو طلب الفعل من المخاطب (أن يدع شيئا)، والذي يمثل حقيقة هذه الجملة . وبالتالي فالمتكلم هو الذي يوجد وينشئ هذا اللفظ. وهو تقسيم يجري مجرى تقسيم الكلام عند النحاة والبلاغيين.

انطلاقا من هذا التقسيم الثنائي للكلام، عقد الأصوليون مقارنات بين الأسلوبين معتمدين في ذلك على منهجهم الوضعي، لما له من دور في تحديد نوعية الأسلوب (خبري / إنشائي)( ).

وبناء على ذلك، فإن الأصوليين وهم يتناولون الإنشاء، كان التمييز بين معناه الوضعي، ومعناه الاستعمالي، حاضرا في دراستهم، فكيف ذلك ؟.

 

ب- الأسلوب الإنشائي في الدرس الأصولي:

تتصل الأساليب الإنشائية في الدرس الأصولي بنوعين من الإنشاء، النوع الأول منهما، يتعلق بالصيغة والمعاني المتولدة عنها (الوضع اللغوي الأول، والاستعمال). بينما يتعلق النوع الثاني: بقصد المتكلم (النقل) وفي هذا الصدد كتب القرافي: «الإنشاء لا يقع إلا منقولا عن أصل الوضع في صيغ العقود، والطلاق... ونحوها، وقد يقع إنشاء بالوضع الأول، كالأوامر والنواهي، فإنها تنشئ الطلب بالوضع اللغوي الأول»( ).

وهكذا تلعب الصيغة والمعاني دورا مهما في تحديد إنشائية الجملة بالنسبة للنوع الأول مثل قوله تعالى: {انْظُروا إلى ثَمَرِه إذا أثْمَرَ}( ) فالصيغة الأمرية (افعل) وقصدها (الإرشاد) يحددان إنشائية الجملة، مثلها في ذلك مثل باقي أساليب هذا النوع ( ).

بينما اعتبر الأصوليون النوع الثاني أخبارا نقلت إلى معنى الإنشاء( )، وتتحدد إنشائيته بقصد المتكلم ( )، أي: أن الظاهر يقتضي الإخبار، لكن القصد يقتضي الإنشاء، مثلا: يطعم ستين مسكينا: فإن ظاهر هذه الجملة يقتضي الإخبار، لكن القصد هو إنشاء حكم شرعي متضمن معنى الأمر: (الأمر بالإطعام). وهكذا بالنسبة لباقي أساليب هذا النوع( ). وبالتالي يكون القصد هو الموجه الأساسي في معرفة نوعية الخطاب المراد تبليغه حسب العرف الأصولي.

أما أهم الأساليب الإنشائية التي اهتم بها الأصوليون، فهي: الأمر والنهي ().

 

*- أستـاذ باحث

Yasloti_69@hotmail.com

 

..............................

 الهوامش:

(1) الكافية في النحو، ابن الحاجب، 2/311.

(2) شرح شذور الذهب، ابن هشام، ص: 31.

(3) أمالي ابن الشجري، 1/424. همع الهوامع، جلال الدين السيوطي، 1/12.

(4) أمالي ابن الشجري، 1/388.

(5) أمالي ابن الشجري، 1/388.

(6) همع الهوامع، جلال الدين السيوطي، 1/12.

(7) راجع: نفس المصدر، 1/12.

(8) راجع: نفس المصدر، 1/12.

(9) راجع: نفس المصدر، 1/12.

(0 ) راجع: نفس المصدر، 1/12.

(1 ) وذلك نابع من انصراف النحاة العرب في الغالب إلى دراسة الأدوات والمفردات من جهة الإعراب، دون إلمامهم بما تخرج إليه هذه الأدوات من معان مجازية.

(2 ) لسان العرب، ابن منظور، مادة (نشأ).

(3 ) أدب الكتاب، أبو بكر الصولي، ص: 118.

(4 )أدب الكتاب، أبو بكر الصولي، ص: 118

(5 ) الإيضاح ، الخطيب القزويني، 1/85.

(6 ) ولا خلاف بين المصطلحين، لقول السكاكي: «والطلب إذا تأملت نوعان: نوع يستدعي في مطلوبه إمكان الحصـول، ونوع لا يستدعي فيه إمكان الحصـول». مفتاح العلوم، يوسـف السكاكي، ص: 302. ولقول الخطيب القزويني: «الإنشاء ضربان: طلب وغير طلب، والطلب يستدعي مطلوبا غير حاصل وقت الطلب، لامتناع تحصيل الحاصل، وهو المقصود بالنظر ههنا». الإيضاح، 1/227.

(7 ) وإن كانت عنايتهم بالخبر فاقت عنايتهم بالإنشاء. ولعل السبب في ذلك راجع إلى مسألة الأسبقية فقط، لقول بهاء الدين السبكي «إن أكثر مباحث الإنشاء، هي في الأصل فرع عن الخبر»، انظر: عروس الأفراح، 1/163.

(18) انظر مثلا: الإشارات والتنبيهات، محمد الجرجاني، ص: 10.

(9 ) أي بصرف النظر عن الواقع الذي يقابله، إذ لو نظرنا إلى قائله، أو إلى النسبة الخارجية التي قد توافقه وقد تخالفه، لوجدنا جملا خبرية كثيرة لا تحتمل صدقا ولا كذبا، إما لأن قائليها منزهون عن الكذب، وأخبارهم بهذا صادقة حتما، كأخبار الكتب المقدسة والأحاديث النبوية الشريفة، وإما لأن قائليها كاذبون أصلا، كأخبار مدعي النبوة فيما يحدثون به من نزول الوحي عليهم، ومن أنهم أنبياء ورسل.وأيضا لوجدنا أخبارا كثيرة لا تحتمل صدقا ولا كذبا، لأنها توافق أو تخالف الحقائق الثابتة، وهي بذلك بديهيات مسلمة، كقولنا مما لا يحتمل - باعتبار الواقع - الكذب: الأب أكبر من الإبن والشمس تطلع نهارا. وكقولنا مما لا يحتمل - باعتبار الواقع - الصدق: الإبن أكبر من الأب، والشمس تطلع ليلا. لكن الأخبار السابقة كلها وما هو على شاكلتها تحتمل الصدق والكذب

(20) دروس في البلاغة العربية، الأزهر الزناد، ص: 105.

1(2) الطراز، يحيى بن حمزة العلوي، 3/280.

22 مواهب الفتاح، ابن يعقوب المغربي، 1/169.

23 حاشية الدسوقي، 1/166- 167.

(24) أي: بالنظر إلى ذات الكلام وليس بالنظر إلى ما يستلزمه من خبر.

(25) انظر: دروس في البلاغة العربية، الأزهر الزناد، ص: 105.

(26) دروس في البلاغة العربية، الأزهر الزناد، ص: 105.

(27) الطراز، يحيى بن حمزة العلوي، 3/280.

(28) مواهب الفتاح، ابن يعقوب المغربي، 1/169.

(29) حاشية الدسوقي، 1/166- 167.

(30) أي: بالنظر إلى ذات الكلام وليس بالنظر إلى ما يستلزمه من خبر.

(31) انظر: دروس في البلاغة العربية، الأزهر الزناد، ص: 105.

(32 الأساليب الإنشائية في النحو العربي، عبد السلام هارون، ص: 13.

(33 نفسه ، ص: 13.

34) علم المعاني، عبد العزيز عتيق، ص: 74.

(35) وهناك من البلاغيين من أضاف: الرجاء والعرض والتحضيض. راجع: الطراز، ابن حمزة العلوي، 3/280. والأساليب الإنشائية في النحو العربي، ص: 14.

(36 الأساليب الإنشائية في النحو العربي، ص: 13.

37 علم المعاني، عبد العزيز عتيق، ص: 74.

(38 والبلاغيون لا يكادون يلقون بالا إلى الإنشاء غير الطلبي، لقلة الأغراض البلاغية المتعلقة به من ناحية، ولأن أكثر أنواعه في الأصل أخبار نقلت إلى معنى الإنشاء من ناحية أخرى، كما قلنا. فالقزويني مثلا: لا يعرف به ولا يمثل له. انظر: الإيضاح، 1/227. وراجع: الأساليب الإنشائية في النحو العربي، ص: 13، وعلم المعاني، عبد العزيز عتيق، ص: 74، والبلاغة الاصطلاحية، عبده عبد العزيز قلقيلة، ص: 150، وعلوم البلاغة، مصطفى المراغي، ص: 65.

(39) البلاغة العربية في ثوبها الجديد، بكري شيخ أمين، ص: 80.

(40 وقد اهتم البلاغيون بدراسة هذه المعاني، واعتبروها جوهر الأسلوب الإنشائي، لما لها من مزايا ولطائف، تلعب دورا مهما في إقناع السامع والتأثير عليه. راجع: دلالات التراكيب، أبو موسى، ص: 201.

41 مفتاح العلوم ، يوسف السكاكي، ص: 304.

(42) أي: بقطع النظر عن قائلها، وأيضا بصرف النظر عن طبيعة الواقع الخارجي.

(43) تهذيب الفروق السنية، شهاب الدين القرافي، 1/19.

(44) أي بالنظر إلى ذات الكلام وليس بالنظر إلى ما يستلزمه من خبر.

(45) البحث النحوي عند الأصوليين، مصطفى جمال الدين، ص: 265.

(46) قال شهاب الدين القرافي مثلا: «الإنشاء هو القول الذي بحيث يوجد به مدلوله في نفس الأمر أو متعلقه». الفروق، 1/21.

(47) لعل اعتماد الأصوليين على المنهج الوضعي، جعلهم لا يميزون في دراستهم بين الأسلوبين، على اعتبار أن هذا المنهج لا تكتمل صورته إلا بوجود ثنائية في الكلام: خبر / إنشاء، لفظ/ معنى... الخ، وهذا خلاف البلاغيين الذين لم يعتنوا بالإنشاء كما اعتنوا بالخبر.

48) الفروق، شهاب الدين القرافي، 1/23.

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد: 1777 الجمعة: 03 / 06 /2011)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1732 المصادف: 2011-06-03 02:04:09


Share on Myspace