 دراسات وبحوث

مفهوم العلم عند العرب بين الجاهلية والاسلام / عبد الجبار العبيدي

abduljabar_alobaydiيحتل الفكر في كل أمة ٍمركزاً طليعياً،  ويعبر عن نفسيتها وتنعكس فيه نقاط الضعف والقوة فيها، فهو مقياس وجودها وتحركها الحضاري.

وكلما كانت دائرة العقول الواعية للفكر الذي تستند اليه أمة ناهضة أوسع، كانت النتائج المتوخاة اقرب للتنفيذ بغض النظر عن الاستعداد الطبيعي للفكرة وللانتاج العلمي المطلوب.

 

لذا فلنا ان نقول ان تاريخ أية أمة من الامم هو تاريخ لفكرها ومنعطفاته قوة وضعفاً. فعندما أشرق الاسلام نجده وبمقتضى واقعيته، ركز على الجانب الفكري وبنائه تركيزاً شديداً لا مثيل له. فقد جاءت اولى آيات القرآن الكريم تدعو الى ذلك: (أقرأ بأسم ربك الذي خلق، خلق الانسان من علق، أقرأ وربك الاكرم، الذي علم بالقلم علم الانسان مالم يعلم، سورة العلق 1-5). وجاء كذلك في شروط الخلافة العلم (الماوردي –الاحكام السلطانية ص 6). ونرى ان النبي (ص) قد طلب من الدعاة المفكرين الانتشار في الافاق بغية نشر الوعي نحو الاسلام وفكره العتيد وأهدافه العامة في الحياة ونظمه الاخرى، حتى بنى ذلك المجتمع القوي الذي نشر النور والحضارة خلال فترة لا تعد شيئاً من عمر الزمن، هدم خلالها الكثير من الافكار والمعتقدات السائدة أنذاك رغم القوة والعمق النسبيين لبعضها.

 

وبقي الاسلام يسير ويتوسع على أساس من تعاليم القرآن السامية والسنة النبوية الشريفة. ولنأخذ سورة من سوره كسورة الرعد مثلاونقرأها ونتملاها نجد ان كل أياتها حض على العلم والتعلم والتفكر في هذا الخلق الواسع الكبير. وحين نقرأ هذه الايات التي تقول (الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش، وسخر الشمس والقمر كل يجري لاجل مسمى يدبر الامر يفصل الايات لعلكم بلقاء ربكم توقنون، وهو الذي مد الارض وجعل فيها رواسي وانهارأ ومن كل الثمرات جعل فيه زوجين اثنين، يغشى الليل النهار  ان في ذلك لقوم يتفكرون،  سورة الرعد آية2-3). هنا نلمس المنهجية الواضحة في التصوير الفني لخلق الكون .

 

وحينما نتعمق في هذه الايات الكريمة نسأل  أنفسنا فنقول:لماذا التفكير فيها ؟ولماذا لا نحفظها عن ظهر قلب قانعين بالايمان المطلق العميق في قائلها فحسب؟

 

لا بد ان تكون الاجابة هنا على هذا السؤال، بأن هذا كان مذهب الاقدمين من الاتعاظ بالقرآن الكريم، لان عصورهم كانت عصور فكر ديني خالص في الشرق والغرب على السواء.أما اليوم فنحن لا نقل ايماناً عن أولئك القدماء، لكننا نعيش في عصر العقل والعلم.وقد تنبه الناس بعد ركود طويل الى مفاتيح القوة التي اودعها الله هذه الارض التي نعيش عليها  ومَلكَ الناس مفاتيحها ونفذوا بها الى حيث القوة وسادوا الارض وما عليها، وها نحن اليوم نجري وراءهم ولا نكاد نلحق بهم، لانهم يعيشون عصر العلم حقاً،  وكل شيء عندهم هو علم وبحث ومنطق، ولو اننا معاشر المسلمين تنبهنا الى ذلك لكنا نحن السايقين.

 

وعندما نقرأ آيات كتلك التي ذكرناها من سورة الرعد، نرى بالفعل انها دعاوةً واضحة الى الفكر العلمي، لان القرآن الكريم عندما يذكر انه رفع السموات بغير عمد ثم استوى على العرش، يريد ان يقول لنا: فكروا ايها الناس في هذه السموات التي خلقتها ورفعتها بغير عمد، وفكروا ايضاً في الشمس والقمر وقد خلقتهما بحساب وتدبر وكل منهما يجري لاجل مسمى.

 

لكن غالبيتنا لم تنتبه الى هذه الدعوة والى التفكر بها وغاب عنا ان كل ما ذكر في آيات القرآن الكريم لم يكن لمجرد الذكر، بل ذكرها القرآن وأودعها مفاتيح العلوم ولو بحثنا عنها لوجدناها.

 

وفي سورة الرعد أية اخرى  تقول :لو أن قرءاناً سُيرت به الجبال أو قطعت به الارض  او كُلَمَ به الموتى بل للهِ الامر جميعاً(أية 31). هذه الاية الكريمة تشير الى ان الله قد اودع هذا القرآن أسراراً لو تمكنا منها لسيرنا بها الجبال وقطعنا الارض، وليس المراد حتماً اننا نستطيع تسيير الجبال، بل نستطيع عمل الانفاق فيها وأختراقها، فكأننا تغلبنا على وجودها بالعقل والعلم، وقطعنا الارض، وقد فعل اهل الغرب والشرق ذلك بالعلم كما ترى بعينك اليوم.

 

أجل هذا الذي فاتنا  عمله اليوم او الذي توقفنا عنده، هو الذي عمله اهل الغرب، أما نحن الان فلا زلنا نركض وراء من الغى الزمان والمكان والتاريخ واسقط العقل، كما قلنا.فمنذ بدايات عصر النهضة الاوربية، بدأ اهل الفكر في الغرب الاوربي كله يخرجون من ركود العصور الوسطى وظلامها، فدعا ديكارت (1596-1650 ) الى التفكير المنطقي للوصول الى حقائق الاشياء، وكان مذهبه يقوم على الشك وعدم التصديق قبل المشاهدة في سبيل الكشف عن الحقائق العلمية الكاملة (عثمان امين :ديكارت ص 75 وما بعدها).وحَملَ معاصره الانجليزي فرنسيس بيكون (1561-1662) راية الفكرهذه وسار بها الى الامام ودعا الى معارضة النظرية الارسطوطاليسية عن العلوم بنظرية جديدة قائمة كلها على التجربة، ودون نظريته هذه في كتابه  المعروف :الاحياء الكبير،  والذي حذر فيه المشتغلين بالعلوم من الافكار الخاطئة  والطرق الضالة في النظر الى الطبيعة والخرافات المتوارثة، وضرورة التحرر من المعتقدات البالية او النظريات السابقة والكلمات الرنانة التي تؤثر في العقول سلباً(العقاد-فرنسيس بيكون مجرب العلم والحياة ص54-55).وبهذا الاتجاه العلمي المعقول دخل العلم عصره الحديث، وقفز التفكير العلمي قفزة بارعة نحو التحرر والتقدم والازدهار.

 

وتلك الدعوة أيضاً هي التي أنتفع بها رجال النهضة في أيطاليا عندما اتجهوا الى العمل بأيديهم في تركيب أدوات واختراع ألات تساعد الانسان على النفاذ الى اسرار هذا الكون، حقاً ان الانسان ليدهش وهو يتامل تلك الرسوم العجيبة التي خلفها لنا فنان مثل ليوماردو دافنشي (1542-1519)، حيث تدل بعض تلك الرسوم على انه كان يفكر في تركيب ألات تسير بقوى غير قوى الانسان والحيوان، بل في رسومه ما يدل على انه فكر في امكان الطيران ورسم بيده مركبات تطير في الجو، وهو بطبيعة الحال لم يفكر في البخار او الكهرباء، ولكن ولا شك كان ذا فضل عظيم في أكتشافهما فيما بعد (سجموند فرويد- ليوناردو دافنشي ص31وما بعدها). ولكن اما يحق لنا ان نقول ان العربي عباس ابن فرناس قد سبقه بهذا التفكير، لكن الفرق بين الاثنين،  ان الاول استطاع ان يحول الفكر والفكرة الى تطبيقات عملية والثاني توقف عنها ولا متابعة من بعده فيها.

 

ان الانسان عندما وهب نعمة العقل، وهب قوة عظيمة يمكن ان تصل به الى افاق بعيدة جداً، ولكن عملية الفكر نفسها لاتتم  الا بتدريب حتى تعمل. ولكن اذا كانت هناك حدود لما يمكن ان تصل اليه عضلات يد الانسان مثلاً، فلا حدود لما يمكن ان يصل اليه الفكر الانساني اذا هو تدرب وتعلم وانطلق في طريقه، ولهذا نرى القرآن الكريم يقول في سورة الرعد (ان في ذلك لآياتٍ لقوم يتفكرون)، وهي دعوة صريحة الى التفكير الدائم في هذه الظواهر التي أودعها الله في كونه العجيب.ولو أننا درسنا وطبقنا هذه الدعوة  فهماً وتطبيقاً علمياً صحيحاً لكنا نحن اليوم في مقدمة ركب الانسانية وهم من ورائنا.

 

ان تاريخ امتنا الفكري لم يخلِ من العلماء والمفكرين الذين سلكوا طريق الفكر المنطقي ووصلوا الى أفاق رفيعة في مجالات التقدم الحضاري من أمثال جابر بن حيان والخوارزمي والكندي والرازي وابن سينا والبيروني وابن البيطار .ومن أمثال هؤلاء العلماء الافذاذ ابي عبدالله محمد الشريف الادريسي الذي صنع بيده كرة ارضية ورسم عليها اليابس والماء ثم سطحها على الورق ورسم خرائط مفصلةلكل قسم من اقسام الكرة الارضية، ثم وصف ذلك في غاية التفصيل في كتابه الذي يعتبر من معالم التاريخ العلمي الانساني الا وهو كتاب(نزهة المشتاق في أختراق الافاق)، وهو كتاب منشور تقرأ فيه وتتعجب من ذلك العمل العلمي الرفيع ( ابن النديم –كتاب الفهرست ص333، وعبد الحليم منتصر تاريخ العلم ص127).

 

ومع قلة عدد اولئك العلماء، فان أثرهم في الفكر العربي ثم العالمي كا عظيماً.ولكن مع الاسف لم نجد من يستطيع وسط ظروف الانكسار المادي والمعنوي الذي حل بالامة الاسلامية بعد القرن السادس الهجري، ان يقتفي أثرهم ليكمل مسيرة العلم والعمل التي بدؤوها.

 

ان موضوع الفكر العلمي عند العرب والمسلمين، موضوع واسع وأساسي  لاهمية الجانب العلمي فيه، لذا سنحاول التطرق الى بعض الجوانب الهامة فيه وكيف نظروا الى العلم واهميته  وكيفية التصرف مع انسانية الانسان، في وقت ساد الظلم والقهر ربوع الامبراطوريات الكبرى.

 

سنحاول في هذا البحث المتواضع ان نبين في هذه الدراسة  ثلاثة جوانب يسودها الاختصارهي:

- مفهوم العلم عند العرب قبل الاسلام.

- مفهوم العلم عند العرب في الاسلام

- علاقة العلم بالحضارة العربية والعالمية.

 

أولاً- سأركز في الجزء الاول على المضمون الواقعي لكلمة العلم خلال تاريخ العرب قبل الاسلام، وما يمكن جمعه وألتقاطه من المصادر الادبية والعلمية في مختلف المجالات الحضارية عندهم.

في الجاهلية كانت تطلق كلمة العلم على ما ينافي الجهل حسب معارف الجاهلية المحددة .وكانت لا تتعدى الشعر والفقه والكهانة والحكمة والخطابة والانساب( وجدي –دائرة معارف القرن العشرين ج6 ص58). وهي اهم المظاهر التي تحدد لنا معالم العقلية الجاهلية وتعطينا فكرة عامة عن العقل الجاهلي.

 

الشعرُ:

فالشعر عند العرب هو منظوم القول، وجمعه أشعار، وقائله شاعر، لانه يشعر ما لا يشعر به غيره اي يعلم.

قال شاعر جاهلي: شعرتٌ لكم لما تبينتُ فضَلكُم     على غيركُم ما سائُر الناس يشعُر

(ابن منظور –لسان العرب مجلد2 ص323 مادة شعر).

وقيل ما سمي الشعر شاعرأً الا لفطنته، اي لعلمه.

من هنا فان بين كلمة شعر وشاعر وبين كلمة العلم صلة .ذلك ان الشاعر وفقاً لنظرة المجتمع له وقت ذاك هو أمرؤ أعتبره معاصروه شخصاً على علم خاص لم يكن في متناول كل الاخرين، لذا فنحن نرى ان كلمة علم ومشتقاتها ترد بمعناها في كثير من اشعار الجاهلية وضدها بالطبع الجهل.

قال يزيد بن الحكم (الزبيدي –تاج العروس تحت مادة علم)،

 

ومُستَرقُ القصائدِ والمضاهي        سواءُ عند علامِ الرجالِ

وكما قلمنا ينطبق على ضده الجهل، والجهل ان تفعل فعلا بعيداً عن العلمِ.

قال ابن جني(ت392للهجرة)

(قالوا جهلاء كما قالوا علماء، حملا له على ضده.وفي الحديث الشريف" ان من العلم جهلاً". وهو ان يتكلف العالم الى علم ما لايعلمه فيٌجهله ذلك . وفي الحديث "أنك أمرؤ فيك جاهلية"( ابن منظور –لسان العرب مادة علم وجهل). وهنا المقصود الحال التي كانت عليها العرب قبل الاسلام من الجهل بالله والرسول والشرائع والمفاخرة والتجبر.فالانسان الجاهل ليس جاهلا لان ذهنه يخلو من كل معرفة، بل هو كذلك لان لديه معارف خاطئة . والجاهلية أصطلاح مستحدث ظهر بظهور الاسلام، وقد أطلق على حال قبل الاسلام تمييزاً وتعريفا ًلها عن الحال التي صار عليها العرب بظهور الرسالة من العلم.

قال عمرو بن كلثوم :( معلقة عمرو بن كلثوم)

ألا لا يجهلنَ أحدُ علينا         فنجهل فوق جهل الجاهلينا

 

من هنا كان الشعراء في الجاهلية هم أهل المعرفة، أي انهم كانوا من أثقف أهل زمانهم، وأنهم على مستوىً راقٍ وعالٍ في الفكر والرأي وفي فهم الامور.  وفي الحديث الشريف( ان من الشعر لحكمة)، النويري –بلوغ الاربج3 ص4. أي ان في الشعر كلاماً نافعا ًيمنع من الجهل والسَفه وينهي عنهما، والحكَم هنا بمعنى العلم.قال الخليفة عمر بن الخطاب(رض) "الشعرُعلم قومٍ لم يكن لهم اعلمُ منه" (السيوطي، المُزهر ج2 ص473.

وأنه كتب الى ابي موسى الاشعريقول له: مُر من قِبلكَ بتعلم الشعر، فأنه يدل على معالي الاخلاق، وصواب الرأي، ومعرفة الانساب (ابن رشيق العمدة ص(28) . وقال العسكري: لاتعرف أنساب العرب وتواريخها وايامها ووقائعها الا من جملة أشعارها، فالشعر ديوان العرب، وخزانة حكمتها، ومستنبط أدابها، ومستودع علومها (السيوطي، المزهر ج2ص473). من هنا فالشاعر هو الذي يتعاطى الشعر ومن يقوله أو يكثر القول فيه.

 

وتأسيساً على هذا جُُعل للشعراءمزايا، ومنحهم العلماء امتيازات خاصة، لدرجة انهم أصبحوا يرون أنفسهم فوق الناس في الفطنة والفهم.كان الناس يرون هذا الرأي فيهم لما وجدوا عندهم من فطنةٍ وذكاء وحُسن بديهة.

ولا يعني هذا ان الشعراء كانوا كلهم من أرقى الناس عقلاًًومن أكثرهم فهماً وأدراكاً، ومن أعلمهم بالامور،  وأبصرهم في المعرفة، فبينهم ولا شك تفاوتاً في الادراك، فهناك من هو أرقى منهم عقلاً وأكثرُ أدراكاً، وهم مع ذلك لا يقولون الشعر ولا يمارسونه، مثل الحكام والكهنة، واصحاب الاراء الاخرى.

وأياً ما كان فهذا دليل على ان المعرفة العلمية كانت معروفة ومنتشرة بين العرب، وكان لكلمة العلمِ عندهم مفهوم ومدلول.

 

أما الفقه:

فتردُ لفظَتهُ بمعنى العلمُ بالشيْ والفهم له. ويطهر ان الجاهليين كانوا يستعملون لفظة فقه ومتشابهاتها في معان ٍلها صلةُ بالعلم. ودليل ذلك ما ورد بالقرآن الكريم (وما كان المؤمنون َلينفروا كافة، فلولا نفرَ من كلِ فرقةٍ منهم طائفةُ ليتفقهوا في الدين(التوبة 122).أي ليكونوا علماء، وفي الحديث الشريف (أبغضكم آليٌ الثرثارون المتفيهقون ) نشوان الحميري، شمس العلوم ج1 ص242.أي الثرثارون المدعون العلمَ والفقه.وورد في كتب اللغة والادب والاخبار :فقيه العرب يعني عالم العرب(ابن منظور، اللسان مادة لغة.

والفقه لغةً:الفهم او المعرفة، وأصطلاحاً:علم الشريعة، وبمعناه الاعم يشمل كل نواحي الحياة الدينية والسياسية والمدنية، التي يلزم تنظيمها بقوانين يقرها الدين وعلم هذه القوانين  هو الفقه  الخاص بالشريعة .

 

الكهانة ُ

أما الكهانةُ، فهي من الكاهن الذي يتعاطى الخبر من الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الاسرار،  وقد كان في العرب كهان يزعمون ان لهم تابعاً من الجن ورائيا يلقي اليهم الاخبار .ومنهم من كان يزعم انه يعرف الامور بمقدمات اسباب يستدل بها على مواقعها في الكلام من يسأله، وهذا يخصونه بالعراف كالذي يدعي معرفة الشيءالمسروق ومكان الضالة ونحوهما .وفي الحديث "من أتى كاهناً او عرافاً فقد كفر بما أنزل على محمد (اللسان، مادة كهن). أي من صدقهم وبنزول القرأن فقد بطل علم الكهانة .والعرب تسمي كل من يتعاطى علماً دقيقا ًكاهناً ومنهم من كان يسمي المنجم والطبيب  كاهناً او حكيماً.

 

أما الحكمة :

معناها الخبرة المكتسبة بالتجربة، وهي عبارة عن معرفة افضل الاشياء بأفضل العلوم، وقديماً قيل لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها حكيم.والحكيم هنا بمعنى العالم، فصاحب الحكمة هو صاحب المعرفة والعلم.وفي المعاجم العربية، الحُكمَ تأتي بمعنى العلم والفقه. يقول القرآن الكريم( واتيناهُ الحُكمَ صَبيِا) سورة مريم آية 12.أي علماً وفقهاً والمقصود هنا  يحي بن زكريا.

والحاكم هو الذي يحكم بين الناس لانه يمنع الظالم من الظلم، والحكمة معناها العدل، ورجل حكيم أي عادل أحكمته التجارب وهو المتمعن بالامور والعالم بها.

 

أما النسابُ

 فهو العالم بالنسب، وجمعه نسابون، ويقصد به العلامة الذي بلغ العناية والنهاية بسبب ان النسب عند الجاهليين من اهم علومهم التي برعوا وتخصصوا بها، حتى صار النسب مرادفاً للعلم عندهم .ويصفه أبن حزم، بأنه علم جليل رفيع أذ يكون به التعارف ولا ينكرُ حَقَهُ  الا جاهل او مُعاند(ابن حزم، الجمهرة ص2). لما له من اهمية عند العرب والمسلمين .

 

واما الاساطيرُ:

فهي الاباطيل، وهي احاديث لا نظام لها تشمل كتب القصص والسحر والحكايات والتواريخ فقد كانت موجودة عند العرب قبل الاسلام (اللسان مادة سطر) .وقد جاء ذكر الاساطير في القرأن  الكريم" وقالوا اساطير الاولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة واصيلا، قل أنزله الذي يعلم السرفي السموات والارض انه كان غفورا رحيما(الفرقان آية 5-6). ويذكر الدكتور العلامة جواد علي"ان هذه الكتب لا تعني بالضرورة الكتب الدينية التي كانت عند اليهود والنصارى .قد يكون من بينها مؤلفات في الفلسفة والطب وفروع المعرفة الاخرى التي كان الناس يتدارسونها اذ ذاك، (المفصل ج8 ص 321).وهذا يؤكد ان التدوين كان باللغة العربية التي نزل بها القرآن، وان الذي رفعها وجعلها لغة العرب جميعاهو القرآن الكريم، وان هذه اللغة قد عرفت الفاظ الحضارة والفكر في يوم نزوله لورودها فيه .ولورودها فيه اهمية كبيرة في اعطاء فكرة على مستوى اهل الحجاز العقلي في ذلك الوقت.ففيه الفاظ مثل العلم والعلماء والحكمة والاساطير، والفاظ ذات صلة بالكتابة والتدوين تحثت عنها ومصطلحات اخرى. ولا يمكن ورود مثل هذه الكلمات في لغة قوم مالم يكن لهم او لجماعة منهم على الاقل حظُ من ثقافة وتفكير وعلمً.وكانت لديهم معارف بالطبيعة :كالظاهرات الفلكية والجوية وحياة الحيوان والمعرفة بالانسان من جوانب معينة كالفراسة والقيافة، واغلبها جاء عن طريق الملاحظة والاستدلال بدافع الحاجات العملية كما لاحظ صاعد الاندلسي في كتابه طبقات الامم .

 

ومهما يكن من امر فأن لفظة العلم تعني عندهم  المعرفة العامة، وكلمة العلماء تعني اصحاب المعرفة والفهم ولا شك ان اكثر اهل التوحيد كانوا يقرأون ويكتبون  وكانت عندهم كتب اليهود والنصارى وان اكثرهم كانوا اصحاب رأي وفكر في خلق العالم رغم انهم بقوا خارج نطاق عقائد اهل الكتاب .ولا شك ان القرآن الكريم والسنة الشريفة ميزا العلماء عن السواد من الناس.

وخلاصة القول :اننا من خلال تتبع طريقة استعمال الشعراء والفقهاء والكهان والحكماء واصحاب المعرفة لهذه الكلمات نستطيع ان ندرك طرفاً مما فهموه من كلمة علم على الوجه التالي:

-انهم كانوا على بينة من ان العلم شيء مكتسب، وانه ذا قيمة ذاتية وحدود مقررة، والعلم فضلاً عن ذلك يُعلي شأن صاحبهِ بين غيره من الناس.

- كانوا على وعي تام بأنه ثمة درجات متفاوته من اليقين في عملية الادراك الذهني والمعرفي.

- انهم نظروا الى العلم على انه صورة رفيعة للواقع والحقيقة وان شاعرهم وخطيبهم وفقيههم وحكيمهم كان يعرف ما يقول تماماً.

 

وبالجملة فأنه يمكن ان نقرر ان العرب في العصر الجاهلي نظروا الى العلم على انه ادراك الحقائق وتحصيلها شيئاً فشيئاًوبالتدريج.اذن من الجلي الواضح انه كان لمفهوم العلم صفة تحليلية وتجزيئية عندهم.وبهذا فأن كلمة العلم كان لها مدلولا معروفاًعند العرب قبل الاسلام.

فهل كل هذا التوجه العلمي عند العرب قبل الاسلام والعرب جهلاء؟ انها خُرافة ساقها لنا مؤرخو الاسلام.

 

مفهوم العلم عند العرب في الاسلام

بعد ظهور الدعوة الاسلامية، لابد من ان نوجه أهتمامنا الى الكتاب الذي له من كل الوجوه الاهمية البالغة والاثر العميق في نشات حركة العلوم واتجاهها وتطورها.

الا وهو القرآن الكريم. نجد ان لفظة علم ومشتقاتها وردت اكثر من 750 مرة في القرآ،، وهذ العدد لا يمثل كلمة عالم اذ انها وفقاً لعلم اللغة لا صلة لها باللفظ علم بمعنى المعرفة.والقرآن يحوي بين دفتيه اكثر من 78 الف كلمة، من هنا نستطيع ان نقرر ان كلمة علم تبلغ 1%من مجموع الفاظ القرآن الكريم، لذا فأن لفظة علم ومشتقاتها ذي خطر وأهمية عظيمين في فهم الافكار القرآني’، وكيف ان القرآن الكريم حول طريقة تفكير العرب مما ادى الى ظهور الحركة العلمية عندهم على نحوٍ متميز.في التنوع والشمول عما عند غيرهم وتاريخ الفكر العلمي يشهد بذلك.

 

ان فكرة العلم الانساني وتنوع الادراك الذهني وتباينه واضحة وثابتة في القرآن،  لذا استعمل كل المصطلحات التي تدل عليه مثل:علم/يعلم، عقل/يعقل، فقه/يفقه، فكر /يفكر، فهم / يفهم وغيرها كثير.

 

ونحن لا نقف على مختلف درجات الكفاية التي يمكن ان يحقق بها الانسان الادراك الذهني فقط، وأنما نطلع على طرف من التفاوت في طبقات المعرفة الذي يعبر عنها القرآن بكلمات مثل الشك، والظن، والعلم واليقين .ففي الشك(فأن كنت في شك مما انزلنا...يونس 94)، وفي الظن(وما لهم به من علم ان يتبعون الا الظن، النجم 28). وفي اليقين (كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم التكائر اية 5).ونطالع مرارا قي الكتاب شيء من المجادلة التي يحصل الانسان من خلالها المعرفة ويمتحنها، ان افضل ما يتصف به العلماء هو قبول فكرة الجدل، اذ ان الجدل والنقاش يؤديان الى معرفة الحقيقة والحقيقة بنت الجدل. وفي هذا الصدد تشير الفاظ مثل جادل /يجادل، وحجة وبرهان  الى قدر عظيم من التدقيق والتحري في مفهوم العلم (وجادلهم بالتي هي احسن، ويقول(ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الانسان اكثر شيء جدلا،   الكهف 54) ويقول(ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدىولا كتاب منير، الحج ىأية 8).ويقول(ايها الناس قد جاءكم برهان من ربكم، النساء 174).

 

ويقول الدكتور عبد الرزاق نوفل:صاحب كتاب المسلمون والعلم الحديث: ان القرآن الكريم دعا الى العلم دعوته الى الدين  وانه دعا صراحة الى دراسة مختلف العلوم  نوانه حوى اصول هذه الدراسات في محتلف قطاعات العلم.

 

وكذلك نجد ان القرآن الكريم يقدم الدليل قبل ان يعلن الحقيقة، وليس ادل على تشريف القرآن للعلم من انه جعله من عطاء الله الذي يدعو الانسان  لنفسه به في الاية الكريمة" وقل ربِ زدني علماً، طه اية 114". وجعل العلماء بعد الملائكة في التوحيد بنص الاية"شهد الله انه لا آله الا هووالملائكة وآلوا العلم قائماً بالقسط لا أله الا هو العزيز الحكيم، آل عمران آية 18".والعلم المقصود في القرآن ليس الفقه اواللغة كما يقولون لان بين العلم والفقه بون شاسع وبين العلماء والفقهاء ذات البون نفسه.بدليل الاية الكريمة "ولقد اتينا داود وسليمان علماً "، النمل أية 15.اي من غير تحديد لكلمة العلم.

 

وهكذا دعا الكتاب الكريم المسلمين الى العلم، ووجههم وجهة لم يكونوا قد أتجهوا اليها، وهي وجهة الفكر والتفكر في الاسباب والمسببات، والملاحظات والاستنتاجات، ونبه العقل لكي يبحث ويفكر في نفسه وفيما حوله،  ويؤمن بالاستدلال من الاثر على المؤثر، ومن الخلق على الخالق، ومن القدرة على القادر، ومن الابداع على المبدع.

 

وفي الجملة نستخلص من القرآن الكريم السورة التالية لمفهوم العلم :العلم في مجموعه امرُ جليل الخطر يتألف من نوعين اساسيين هما:علم بشري دنيوي، وعلم بشري ديني، وفضلا عن العلم البشري، علم آلهي، او ما سمي بالعلم اللدني، وهو العلم الذي يبحث فيه عن احوال الموجودات التي لا تفتقر في وجودها الى المادة مثل الملائكة والجن، اي مجموعة الروحيات، وهذا العلم بطبعه اعلى قدراًمن العلم البشري كماً وكيفاً، مع انهما متلاحمان ومتشابكان لا ينفكان، وعلى هذا الاساس فان البشر يكتسبون العلم بالعمل ولكن بالقدر الذي تسمح به مشيئة الله وقدرته، لان الله لم يعطِ الانسان الا القليل منه:" وما اوتيتم من العلم الا قليلا"، الاسراء 85. ومن هنا يظهر ان العلم يمثل شيئاً متنوعاً لا يقاس من ناحية، لكنه محدد يؤلف وحدة تامة في حد ذاتها من ناحية اخرى.

 

ويبقى العلم اولا وقبل كل شيء غاية وهدف لكل ما ينفع في تطور البشرية وتقدمها، فالعلم اذن رديف للدين، وبهذا نكتفي في هذا المقام، اي في كل مناحي الحياة العقلية والدينية والسياسية والاجتماعية.على السواء.

ومن خلال ما دخلت فيه المعتزلة والصوفية من نقاشات حادة، افرزوا صياغات جديدة في تعريف كلمة العلم ومدلولها في الاسلام فقالوا:

-     العلم هو المعرفة، وهو صورة المعلوم في نفس العالم.

- وقالوا: العلم معرفة وتيقن وايمان، وهو الادراك اوحصول صورة الشيء في العقل.

- وهو ضد الجهل وهو صفة تنفي الجهل والشك عن الانسان، والعلم مرتبط بالعمل، والعمل هو الغاية الاصلية والهدف الحقيقي للعلم.

وهذا ما توصل اليه علماء الغرب بعدما حولوه من النظرية الى التطبيق.، ونحن بقينا بفضل الفقهاء ورجال الدين مكانك راوح.

 

اما علاقة العلم بالحضارة العربية والعالمية :

فقد تركز حول مسألة التوافق والاختلاف بين التطور العلمي والتكنولوجي وبين المعاناة الانسانية للامم والشعوب وامكانية تطويع العلم لخدمة الانسان .

لذا اعطي للعلم والعلماء مكانة التكريم والتقدير والعناية والرعاية التامة في الشريعة الاسلامية التي اغفلها الفقهاء.يقول القرآن"يرفع الله الذين آمنوا  والذين آوتوا العلم درجات"، المجادلة آية 11.

 

لقد تعامل الاسلام مع العلم من موقع الفهم العلمي والحضاري لواقع  التخلف في المجتمعات البشرية من الناحية المادية والمعنوية وامكانية احلال العامل الانساني في هذا التعامل ليصبح العلم اساسا في خدمة الانسان، لذا اعطى لمسألة الامن والامان والاطمئنان والكفاية والعدل المكانة الاولى في الانجاز والتحقيق، حتى لا يوضع العلم وانجازاته الكبرى في خط مضاد للحياة الانسانية لان القرآن الكريم اراد للعلم ان يتفاعل مع حركة التغيير التاريخي في المجتمعات الانسانية، ويجنبه الاستمرار، لخدمة اهداف جماعة او فئة دون اخرى.

 

وباختلاط االعرب والمسلمين بالشعوب الاخرى نقلت لهم هذه المبادىء السامية في حكم الناس لتغيير الواقع المجتمعي للشعوب وتخليصها من المعاناة الراهمة انذاك.بدليل الاية الكريمة"وما ارسلناك الا كافة للناس بشيراً ونذيرأً".

 

وتبقى اراء المعتزلة والصوفية ورسائل اخوان الصفا وخلان الوفا  هي الاساس في دراسة الحضارة العربية وعلاقتها بالشعوب الاخرى. ويشاركهم القزويني في كتابه أثار البلاد واخبار العباد هذه الجماعات في الاتجاه نفسه.

 

ان العقل العلمي الذي تكون نتيجة حركة الحضارة العربية الاسلامية، عمل على بناء حضارةٍ وعلمٍ لخدمة الانسان، وجعل من العلم هذا بدأً لنهضة بشرية فيما بعد، وان العرب والمسلمين الذين ادركوا ان العلم لا يتطور من فراغ، ادركوا ايضاً انه لا يمكن ان تؤدى رسالة بمعزل عن المجتمع وعن النفس الانسانية وعن الحوار الحضاري بين الامم .

 

فهل نحن لازلنا كما كنا منذ بداية الاسلام؟

 

د. عبدالجبار العبيدي

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1959 السبت 03 / 12 / 2011)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1915 المصادف: 2011-12-03 00:46:52


Share on Myspace