 دراسات وبحوث

رهانات الحداثة الإسلامية / عامر عبد زيد الوائلي

(من يثير العاصفة؟ الكلمات التي لا صوت لها) .. نيتشه
يعيش العالم المعاصر ثورة هائلة في طرق نقل المعلومات، وبفضل التقنيات الحديثة
فإن نقل المعلومات والحصول عليها يتم بسرعة فائقة، كما أنه لم يعد بالإمكان وضع القيود والحواجز أمام حركة الفكر والثقافة، إذ أصبح العالم يتفاعل بعضه مع البعض الآخر، في حين بقي العالم العربي الإسلامي حتى الآن (عالما تحكمه رؤية قروسطية تتخللها نظرة ماورائية إلي الوجود ومازال المرء ينتمي إلي ما قبل الأزمنة الحديثة يعيش على وفق المعايير القديمة ويتصرف بطريقة لا تبعد كثيرا عن ردود أفعال)1.

في وقت كان فعل التغيير والحداثة منجزا خلقته المدينة بكل ما تملك هذه المدينة من نزوع نحو محو الثابت والانسجام مع الآخر وتبادل المواقع لانتاج خطاب يقف في الضد من الأحادية الغارقة والمنغلقة علي نفسها في وقت نجد أن الفكر العربي مازال يعاني افتراضات صورية مستخدما حيلا لغوية عقيمة وخائضا في مهاترات سفسطائية ونقاشات بيزنطية تحاصره الغيبيات من كل جهة وتهزه المغالطات من الداخل وتسيطر عليه النزعات الدغمائية والكليانية2.

في ظل هذا الواقع نرى الافكار التي تعامل مع كل جديد علي انه غزو استعماري غربي، يستهدف الإسلام في عقيدته وقيمه. وهذا الكلام وصف به كل فكر الحداثة بوصفها مشروعا  قوامه الإلحاد العقدي والفساد الأخلاقي. واستخدامها الغموض في التعبير مسلكا لهدم القيم وتقويض الأخلاق. وبالتالي تشكل الشيوعية المادية الإلحادية الجوهر الفكري للحداثة. وما غاب هو أن الحداثة حقبة تاريخية لها محدداتها الزمنية المفهومة والقيمية التي يستدعي إدراكها جهدا نظريا وبحثيا مستفيضا. إن الحداثة تتحدد من حيث كونها مسارا ثلاثيا متشابكا أساسه الرؤية التقنية للعالم التي تشكلت منذ القرن السادس عشر، وسمحت بتبلور المفهوم الجديد للعلومية، أي النظرة التجريبية للطبيعة التي هي خلفية العلوم الدقيقة التي ارتبطت بها الثورة الصناعية ـ التقنية التي غيرت شكل العالم خلال القرون الثلاثة الأخيرة. الثورات السياسية والدستورية التي أنهت الاستبداد السياسي ـ الديني القائم في العصور الوسيطة أي تحالف المؤسسة الكنسية والدولة، باستبداله بمرجعية الإرادة الذاتية الحرة والتعاقد المدني المحدد لشرعية السلطة ونظام الحكم. الفلسفة العقلانية الذاتية، التي أرست قطيعة مع التقاليد الفلسفية الوسيطة، وأناطت مسار التأمل والمعرفة بالذات المفكرة. ومع أن مسار الحداثة اصطدم بالمؤسسة الدينية معرفيا وأيديولوجيا، إلا أنه من الخطأ الواضح النظر إلي الحداثة بوضعها  مشروعا معاديا للدين، إذ ليس في المحددات المذكورة ما يخرج علي ثوابت الدين ومقدساته، بل يتعين التنبيه إلي أن الحداثة ارتبطت بالإصلاح الديني في الغرب3 هذا احد مفكري الحداثة(ماكس فيبر) أكــد أن الأخلاق والعقيدة البروتستانتية المسيحية هي التي خلقـت المجتمع الـــــرأسمالي المتطور ــ ألا أنه أكد أيضا إلي ــ بان هذا المجتمع الرأسمـــــالي المتطور يرتكز علي العقلانية ويتقـاطع مــع الســلطة الكـاريزمية والسلطة التقــليدية التي تعـــتمد عــلي الانفعالات والعـادات والتقـاليد والولاءات الشخـصية والعشائرية والأســرية والقبلية، فالسلطة العقـلانية هي رمز للتقدم والتحضر والكفاءة والعلم والعدالة والمساواة. وهنا ضرورة مراعاة العلاقة الجامعة بين المدنية والحضارة اذ للحضارة جانبان: (مادي) و(معنوي).

أما المادي فيتمثل في التطور العلمي والعملي في استثمار الطبيعة وإعداد لوازم الرفاه البشري.

وأما الجانب المعنوي فيتمثل في الدين والقيم والأخلاق التي تنظم ارتباط الانسان بنفسه وبالخالق وبالطبيعة، ولو فقدت الحضارة جانبها المعنوي لم تعد حضارة وسميت حينئذٍ (مدنية). الحضارة لغة خلاف البداوة (وحضر، حضارة أقام بالحضر، وتحضّر البدوي تشبه بأخلاق الحضر).

 

أما المصطلح عليه اليوم، ففي تحديد مفهومه اختلاف كبير توصلنا بعد الاطلاع على بعض المراجع إلي النتائج التالية:

1 ــ هناك ارتباط وثيق بين مفهوم (الحضارة) و(المدنية) و(الثقافة).4

- أما (المدنية) فتستعمل للتعبير عن التطور المادي والتقني والفني وكل ما يتصل برفاه الإنسان وراحته ورقيه من خلال سيطرته علي الطبيعة.

- وأما (الثقافة) فتستعمل للتعبير عن التطور المعنوي في السلوك ونمط الحياة وطريقة العمل والتفكير والشعور.

 

- وأما (الحضارة) فقسم يستعملها لما يرادف (الثقافة) وقسم آخر يستعملها لما هو أعم من ذلك فيجعل للحضارة جانبين، جانباً مادياً وجانباً معنوياً، وبه يصبح مفهوم الحضارة أعم من الاصطلاحين معاً أعني (المدنية) و(الثقافة).

فالحضارة المادية تعني الوسائل والأساليب والطرق العملية.

إما الحضارة الروحية فتعني البناء الفكري القويم والهادف وكذلك تعني التأملات وطرق المعرفة.

 فإذا ما أغفل أي نظام عن هاتين الحضارتين المرتبطتين مع بعضهما فإن أبواب التقدم والازدهار ستكون موصدة بوجهه، فجميع الحضارات وعبر التاريخ كانت تمتلك هذين العاملين. لكن لا يمكن إهمال البعد التاريخي او الاجتماعي في تناول تلك العلاقة الثنائية وفي إطار أي جماعة اجتماعية - ثقافية محددة، (فإن مفهوم المقدس يختلف في تعريفاته وحدوده وأثره، اعتمادا علي استجابة تلك الجماعة للظروف التاريخية المتغيرة)5. إلا أن البعد المعنوي كما يصفه "مليكان" هو الذي يضعنا علي مفترق طرق بين التخلي عن الدين الذي يعني فراغاً روحياً وقلقاً واضطراباً. وبين المفهوم الجديد أي أن يقبل الدين بهيئة جديدة، وفهم جديد أي المعنوية أي الدين العقلاني الذي يقوم علي مراعاة عناصر الحداثة غير القابلة للاجتناب وهي:

1 ــ اتصاف الحداثة بكونها منهجا برهانيا استدلاليا. يقوم علي الاحتكام إلي الذات لا إلى الغير، لان هذا يقود إلي اغتراب الفرد عندما ينقاد إلي رأي تعبدي لمجرد أن مصدره فلان.

2 ــ عدم الوثوق بالتاريخ وقلة الاعتماد عليه: فان إنسان الحداثة يقول بعدم إمكانية معرفة حقيقة الحكومة أو الدين أو الخط أو الرياضيات بمجرد الاطلاع على وضعها الحالي،ولابد من دراسة الأوضاع التي مرت بها هذه الظواهر والمقولات عبر التاريخ وطبيعة التحولات التي شهدتها.

فقد أيقن" ديفيد هيوم" بعدم إمكانية الوصول إلى نتائج يقينية في التاريخ، وعدم الثقة بالتاريخ تعني أن التاريخ علم احتمالي لا قطعي، فان المعنوية لا تعد التاريخ ركنا من أركان الفكر أو السلوك الديني.

3 ــ الحداثة آنية ــ مكانية.إي أن  كل ما تقوله وتدعيه،يجب أن يخضع للاختبار حتى يتسنى لنا التأكد من صحة ما تقوله وبالتالي يجب أن استشعر اثأر ما أومن به ألان في الدنيا عب الإحساس بالبهجة والراحة والسكينة والأمل والرضا الباطني المعنوي .

4 ــ انهيار الإحكام الميتافيزيقية والقوانين الشمولية القديمة لما وراء الطبيعة .التي تجعل كل شيء صالح للتفسير في ضوئها لو سألت أمثال: ابن سينا وهيجل واسبينوزا عن أي شيء، ينبرون لتفسيره وإعطائه مكانه الخاص في منظومتهم الفكرية التي يعتبرونا شاملة لكل شيء في عالم الوجود، لديهم إجابات جاهزة عن كل سؤال، سواء تعلق بما قبل الموت أو بما بعده .

5 ــ سلب القداسة من الأشخاص.ان احد سمات الحداثة الدعوة للمساواة (Egalitarianism) .الحداثة تنظر الى جميع أبناء البشر بعين واحدة من الناحية المعرفية .المساواة تعني النظر إلى الجميع بعين واحدة ومن يدعي شيئا فلابد أن يأتي بالدليل عليه .

6 ــ إن للأديان التاريخية أحكاماً ومتعلقات.فان الكثير مما في هذه الأديان من تعاليم نظرية أو إحكام عملية ترجع في الحقيقة إلى كون هذه الأديان ظهرت في مقطع تاريخي خاص، وموضع جغرافي خاص، وفي ظل ظروف وأوضاع ثقافية وحضارية خاصة 6

إلا إن هذا الأمر قد يغيب عن المثقف المغترب  الذي مازال استهلاكيا لخطاب غيره؟ من دون النظر إلي ممكنات العمل داخل المنظومة المعرفية للمجتمع وضخامة الإرث الحضاري للدين، تلك المنظومة التي جعلتنا نحمل أكثر من قناع ونرسم أكثر من ظل لإقدامنا التي أدماها العطب التاريخي لثقافة التابو وعدم القبول بالنقد والمراجعة الدائمة لذواتنا. وأيضا غاب عن المثقف السلفي المدافع عن الهوية الجامدة وهو هنا يعكس الصيغ الموروثة التي تشكل بقواعدها ومفاهيمها واجراءاتها المنطلق النظري، الذي يتعين في داخله مفهوم الهوية على نحو نمطي (جوهراتي) يفك ارتباطه بالتاريخ هذا التصور الذي لا يعكس سوى حالة استقالة تامة يجهلون ما يدور خارج قصورهم المعرفية ومفاهيمهم المجردة من استعباد للإنسان واستغلال للطبيعة وتهديد للبيئة ولقيمة الحياة على الأرض ولا يكترثون بصعوبة الحياة اليومية واستفحال الأمراض والبطالة والأمية وسطوة الدعاية والإشهار علي العقل والذوق وتنامي مشاعر القلق، والضياع، في وقت كانت الحرية والنقد هي السائدة في عصر النهضة "وكما يري الكثير من المفكرين العرب، فإن العقل العربي الذي اشتغل في عصر النهضة على النهوض كان مضطراً إلى أن يمارس نوعاً من النقد لتفسير أسباب انحطاطه، وكان عليه في الوقت نفسه أن يدافع عن نفسه أمام الغازي المستعمر الذي يهدده بالاستئصال، لذلك كان العقل العربي عقلاً نقدياً ودفاعياً في آن واحد7 ولكن في ظل الدولة الوطنية التي قدمت خطابها الشعبوي تغيرت مسيرة السلطة التي هي الوظيفة الاجتماعيّة التي تقوم علي سنّ القوانين، وحفظها، وتطبيقها، ومعاقبة من يخالفها، وهي التي تعمل علي تغييرها وتطويرها كلّما دعت الحاجة: إنّها الوظيفة التي لا غني عنها لوجود الجماعة ذاتها، لاستمرارها، ولمتابعة نشاطها. من هنا بالذات، إنّها تلك الوظيفة القائمة علي اتّخاذ المقررات التي يتوقّف عليها تحقيق الأهداف التي تتابعها الجماعة. فالتنظيم، والتقرير، والحكم، والعقاب، هي المهامّ التي تنتظر السلطة، في أيّة جماعة كانت". على أنّ هذه الوظيفة الاجتماعيّة عندما تنحرف عن مسارها الأخلاقيّ وتكرّس نفسها لخدمة فئة من أصحاب النفوذ، فإنّها تصبح المنتهِكة الأولى للقوانين، والمتجاوزة والمحرِّفة لها، بحيث تصبح هذه القوانين أداة طيّعة تخدم مصالح أصحاب النفوذ، وتضرّ بمصالح الآخرين من الطبقات الأخرى، وتستعبدهم في آن واحد وهنا تنفصل السلطة عن الشعب، "وتدافع عن مصالح المستغلّين ــ بكسر الغين ــ وهم الأقليّة في المجتمع. ويمارسها الأشخاص الذين يصبح الحكم بالنسبة إليهم مهنة (الموظفين والجيش والبوليس.. الخ). أمّا المؤسسات الرئيسّة الهامّة الملحقة بالسلطة العامّة (ف) فهي المحاكم والسجون وغيرها من المؤسسات العقابيّة"8. ولكي تستطيع السلطة الاستبداديّة أن تسمو فوق الجميع، عليها أن تعمل ـ وبكلّ جهودها المدروسة والمنظّمة ــ على إبقاء شعوبها جاهلة، لأنّها تري في الجهل واحداً من الشروط الأساسيّة التي تمثّل قوتها، وتعزز في هذه الشعوب فكرة قبول التقاليد المتوارثة، بحذافيرها من دون نقاش. وليس غريباً أن تتقيّد هذه الشعوب بالتقاليد، لأنّها شعوب مسحوقة بعملها اليوميّ ومحرومة من الترفيه ومن النشاط الفكري. إذ يجد المواطن نفسه ومنذ الصغر، وفي مختلف ظروف حياته، محاطاً بهذه التقاليد التي يزرعها في أعماقه جمع من المسمّين الرسميّين من كلّ الأصناف الكهنوتيّة، بحيث تصبح هذه التقاليد ضرباً من العادات الذهنيّة والأخلاقيّة الأقوى في معظم الأحيان من عقله السليم الطبيعي.9والواقع إن الحاكم الذي يبرر حكمه بأبوية للمواطنين يعاملهم كما يعامل ألأب أطفاله على إنهم قصرٌ غير بالغين أو قادرين علي أن يحكموا أنفسهم ومن هنا كان من حقه توجيههم بل عقابهم اذا انحرفوا لأنهم لا يعرفون مصلحتهم الحقيقية.. فنحن ننتقل من الأخلاق إلي السياسة ونعود مرة أخرى من السياسة إل الأخلاق، وذلك كله محاولة لتبرير الحُكم الاستبدادي الذي حاول مفكرو الاستبداد تبريره (فعلى جميع الأفراد أن يجعلوا إرادتهم خاضعة لإرادته وملتزمين بحكمه وكان كل إنسان يقول لغيره: إني أخول السلطة وأتنازل عن حقي في أن احكم نفسي لهذا الإنسان أو لهذه المجموعة من البشر على شرط أن تتخلى له عن حقك وتتنازل عنه، وتخول له السلطة من جميع ما يقوم به من أفعال)10 إن الأساس الذي تقوم عليه هذه الحكومات عند "هوبز" هو الرأي الشخصي للفرد وهي ليست أشكالاً حقيقة أو مقبولة لدى الناس وذلك لان الناس يشعرون دائما إن الحكومة إذا كانت من نوع ما يرغبون فيه فإنهم يؤيدونها ويحبونها وهم ينفرون منها إذا لم تقم على وفق مشيئتهم أو تحقق إرادتهم. وينتهي هوبز الي إن شكلاً واحداً للحكومة هو الذي تتركز فيه السيادة في يد شخص واحد وذلك على وفق المعيار الذي اتخذه لتقسيم الحكومات وهو معيار السيادة11في وقت تعرضت هذه الفكرة إلي النقد عبر تأكيد "لوك " أن اتفق الناس طواعية أو تعاقدوا على أن يرتبطوا ويتخذوا في مجتمع يحقق لهم حياة آمنة مطمئنة يسعدون فيه بما يملكون ويأمنون فيه من الأخطار الخارجية والداخلية12.هذه الحياة الآمنة تعني أشياء كثير تتجاوز حالة الفوضي التي نعيشها اليوم حيث العزوف عن الابتكار وعدم الاكتراث بقدرات الطاقات الشابة في ميدان التصنيع التكنولوجي والإفادة من علوم الحيل الميكانيكية والالكترونية يعبر عن إضاعة ربان السفينة لمقود القيادة وانفلات الحبل الرابط بين جميع الفئات والمكونات وفقدان البوصلة عندما أصبحت محتارة في أمرها هل تعمل على تحضير الأرواح للحساب في الآخرة أم تعمل على استخدام الأجساد لصنع الحياة علي الأرض؟13.

إن هذا العالم يتغير علي إيقاع سريع، ولا يمكن التعاطي مع أفكار قديمة تحت ذريعة الاختراق والهوية الجوهرانية، بل ينبغي خلقه وإعادة تشكيله، بتجديد الأفكار وإعادة خلقها على مستوى الواقع وعلى مستوى الفكر الذي يتصل بالمنطق الذي هو اليوم مرتبط بالواقع لان العالم اليوم بما يواجهه من تحديات لم يعد متساوقا ولا يحكمه منطق ولا يمكن اختزاله في قانون وذلك نتيجة عودة اللامعقول وانفلات المكبوت من الرقابة وتنامي العنف وتصاعد وتيرة النزاعات والصدامات وعولمة الحرب والقمع والاحتكار والاستغلال، هذه الوقائع ليست متخيلة إلا إن المنطق القديم بدل إن يعالجها فانه يكتفي بنفيها عبر عدها من ملامح الاغتراب وهذه نتيجة المونادة التي يسجن نفسه داخلها، في وقت إن الواقع يجب إن يثير الخلق والابتكار الفكري الذي يستجيب إلى معاناة الأفراد الذين أصبحوا مجرد هياكل عظمية منفصلة عن ذواتها تنعم بالسعادة الوهمية والمتعة المادية ولا تعي التعاسة الحقيقية والخواء الروحي،فكيف نستطيع إعادة المصالحة بين عالم الحقيقة وعالم الحياة هذا الأمر رغم انه فيه شئ من البعد الأخلاقي الذي يهيمن على خطابات دعاة الهوية ألا أنه يمكن أن يكون جزءاً من العلاج لان الداء يفترض الدواء عبر الأفكار الخلاقة التي تعتمد على الخبرة والمنهج الاستكشافي الذي هو استطلاع مستقبل علاقات قامت في الماضي وعن طريق إنموذج صوت للعلاقات والتشابكات. إن المنهج ألاستهدافي وهو يمثل التدخل الواعي المباشر لتغيير المسارات المستقبلية في ضوء أهداف وأحكام محددة. المنهج الشمولي وهو كذلك يمثل التعبير الدقيق عن كل الظواهر والحركات، بحيث لا تأهمل الأسباب والمضاعفات الموضوعية التي تفرض نفسها لتغيير المسارات المستقبلية، ويؤكد خبراء هذا الميدان أن كل المناهج والأساليب تستخدم مع بعضها وبنسب متفاوتة اعتباراً لطبيعة الدراسة وأهدافها. إلا أنها تتجاوز تلك الدراسات التي صدرت خلال السنين الأخيرة، الساعية إلي تأكيد (نهاية التاريخ الكوني) أو (صدام الحضارات والثقافات)، وتكشف عن حقيقة الموقف الذي تشكل بداخل الوعي الغربي المعاصر، خاصة لدى أصحاب القرارات الإستراتيجية، الذين هم أيضا يحاولون أن يخلقوا "منادة "غربية جوهوانية متعالية علي الآخر وتتعامل معه بوصفه خطر على الذات عند "صموئيل هنتغتون" الذي يشير إلي سمات تميّز الغرب عن الحضارات الأخرى أقدم من تحديث الغرب وهي: التراث الكلاسيكي (الكاثوليكية والبروتستانتية واللغات الأوربية "إذ الغرب يتّسم بالتعدد عن غيره"، الفصل بين السلطة الروحية والسلطة الدنيوية، وحكم القانون "بوصفه مفهوماً مركزية القانون بالنسبة للوجود المتحضر الموروث عن الرومان"، والتعددية الاجتماعية، الهيئات النيابية" منذ وقت مبكّر، خلقت التعددية الاجتماعية طبقات سياسية متميزة، وبرلمانات ومؤسسات للديمقراطية"، والفردية)14. هذا التصور يعيد تأميم الحداثة بوصفها مشروعا غربيا وليس حقبه عالمية مرت بها البشرية لاشك أن هذا التصور الذي ينطلق من معيار الهوية سوف يجد له من يرفضه ومن اجل أن يؤكد هويته هو الأخر ويتعامل مع ما يأتي من الغرب علي انه غزو ثقافي. اما الواقع الاغترابي الذي يعيشه العربي بخاصة والمسلم بوجه عام هو هذا الاغتراب بين الفكر الوسيط والواقع الثقافي والحضاري فهذا الفصل بين المدنية والحضارة يتعارض مع الحداثة ويتعارض مع الواقع وينتج إنسانا مغتربا ومن هنا يأتي الاستخدام غير البريء الذي تقوم به السلطة التي تريد استخدام البعد المعنوي الحضاري وتدعي احتكاره وبتأميم الرأسمال الرمزي من اجل منافع آنية حتي تضفي الشرعية على الوضع السياسي. هذا الأمر يؤثر على التحديث المدني والتحديث الحضاري عبر النقد وتقديم حلول جديدة وبالتالي ينتج أزمة يعاني منها الإنسان أولا: وبحسب خبراء الصحة النفسية فان للعمل فوائد وهي إشباع الحاجات النفسية: حيث يسهم العمل في إشباع حاجات الإنسان النفسية كالحاجة إلى الاحترام والتقدير، وإلى إثبات الذات، والاستقرار الباطني، والاطمئنان النفسي، وغيرها من الحاجات النفسية والمعنوية. والعمل يقوي كيان الإنسان المعنوي، كما أنه يصفي الروح، ويصقل الضمير الإنساني، ويجلي المواهب الباطنية، ويهذب النفس الإنسانية، وينمي الروح الاجتماعية، ويصنع الإرادة القوية. إن البيئة المحملة بالضغوط والأحداث الصادمة والاحباطات تولـّد قلقاً مزمناً وشاملاً،يتطور الى اضطرابات وقلق وفصام،فإننا نتوقع أن تكون نسبة الاصابات بالاضطرابات العقلية في مجتمعاتنا العربية أعلى من أيه نسبة في العالم.غير اننا،كالمعتاد،نخفي عيوبنا.فنحن الوحيدون في العالم الذين لا نعطي أرقاماً صحيحة حتي بأعداد موتانا،فكيف بـ (المجانين) بيننا؟! ذلك ان السلطة في مجتمعاتنا مصابة بـ (البارانويا)15. أعني أنها تضع نفسها دائماً في موضع الشك والاتهام، حتى لو كانت بريئة منه فعلاً! العرب.. أكثر المجتمعات تعرضاً للإصابة بالشيزوفرينيا والقلق. من هنا تاتي الحاجة إلى إعادة التساؤل عن الأسلوب الكفيل بإعادة صياغة الثقافة العربية الاسلامية في المرحلة الراهنة، صياغة تأخذ بعين الاعتبار إعادة تأسيس منطلقات الأمة على أرضية نقدية تأخذ بالمستجدات الفكرية والتحديات الواقعية من جهة، والعمل على الحضور الفعال على أرض الواقع المعاصر من جهة ثانية، وهذه تعد من أهم التساؤلات الموجهة الينا، بل وأكثرها إلحاحاً على الذهنية العربية الإسلامية المعاصرة، التي تعاني، من جراء تاريخ ثقيل ومثقل بالمحن والانحطاط والمعاناة، من شرخ عميق يبين، لان الفكر في الحضارة التي تخصنا إذا ما أراد أن ينهض من جديد وأن يكون له اثر مستقبلي فانه مطالب بأن يحطم كل العقبات المنتصبة أمامه وأن يفكك حصون السلطة التي تحاصره وذلك بالتحالف مع الناس،فإن الفكر العربي الإسلامي ملزم بعقلنة المجال الإيماني والعمل على تأويل رموزه ومجازة ومتشابهه بترجمتها في لغة مفهومة وينبغي كذلك أن يبذل جهده من أجل إعادة المصالحة بين الإنسان والمقدس لأن الحياة من دون غائية ومن دون مقاصد هي حياة غير جديرة بأن تعاش،الابتعاد عن إيديولوجيا السلطة والاحتراس من النزعات الشمولية والأفكار المحافظة والاصطفاف في خندق المعارضة والمجتمع المدني والتعبير عن طموح الطبقة الناشئة في التغيير والعمل على ترجمة أحلامها بحياة أفضل في نظريات علمية تكون سلاحها الفكري من أجل الثورة، وهذه الشروط لن يستوفيها الفكر العربي إلا بالانخراط في تجربة تفكير فلسفي جذرية تقلب الأحوال رأسا علي عقب ولن يوفيها حق قدرها إلا إذا أنشأ النظرية وتوصل إلي الفكرة وخط المنهج الملائم، إن على هذا العقل أن يلتفت إلى صوت القوي المغلوبة أو المهمشة وان يقوم بتفكيك خطابات المؤرخين القدماء لكي يكشف عن استراتيجيات الحذف والتصفية تجاهها، لأنها قد تكون مضادة للخط السائد، أو للأيديولوجيات المسيطرة16 .ونعتقد أن الخطاب الموجه للمرأة والمناقش لوجودها المجتمعي هو من مطلوبات هذا الالتفات خاصة وان أية بنى إنسانية اجتماعية هي دائبة التغير وليست ثابتة ودائمة، فكل عنصر وبنية هو خاضع لقوانين التحول بوتائر متباينة، فالمجتمع بنية متحركة متحولة، والتاريخ يصنعه البشر، ولكن ضمن ظروف موضوعية موروثة تفرز تشكيلاتها الإجتماعية على قاعدة الإنتاج وقواه17.

 

........................

هوامش

[1] زهير الخويلدي، بؤس الفكر العربي وحتمية الاستئناف الحضاري، موقع جدل،2007.

 [2] أمام  عبد الفتاح، الطاغية،"دراسة صورة الاستبداد السياسي،"عالم المعرفة الكويت،ص17.

 [3] عوض القرني،الحداثة في ميزان الإسلام،جريدة الشرق الأوسط، الخميس 62 مايو 2005-ع 9676.

 [4] محمد صادق الابراهيمي،الأزمة الحضارية في عالمنا المعاصر، موقع info@balagh.com .

 

 [5] محمد اركون، تحولات المقدس، ترجمة :كامل يوسف حسين، م/ نزوى .

 [6] مصطفى ماليكان، التدين العقلاني، مركز دراسات فلسفة الدين - بغداد

 [7] 6جورج طرابيشي، ندوة الراي الفكري ع 1117،2،27 ايلول 2002.

 [8] 7 اشراف روزنتال؛ ب.يودين، الموسوعة الفلسفية، ترجمة :سمير كرم، دار الطليعة، بيروت،ط6،1987ص22

 [9] مخائيل اكونين، الإله والدولة، ترجمة : جلال المخ،دار الطليعة، تونس،1982، ص22.

 [10] عبد الفتاح أمام،توماس هوبز العقلاني فيلسوف العقلانية ، ص372.

 [11] ابراهيم درويش، النظام السياسي، ص75.

 [12] جون لوك، مقالتان في الحكم المدني، ترجمة :ماجد فخري، بيروت،1959،ص195.

 [13] زهير الخويلدي،بؤس الفكر العربي،ص ؟

 [14] صموئيل هنتغتون، صدام الحضارات،ترجمة :مالك عبيد، دار الجماهيرية،1998.

 [15] قاسم حسين صالح، الانسان والمجتمع، المشهد النفسي موقع .

 [16] محمد اركون، قضايا في نقد العقل الديني، ترجمة وتعليق هاشم صالح دار الطليعة، بيروت،1998.

 [17] هشام غصيب، مقومات التصور الجدلي للتاريخ، الرأي الثقافي ع 11716 -11/ 10/ 2002،ص25

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2039 الخميس 23 / 02 / 2012)

 

 


المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

دراسة مهمة تتناول موضوعا راهنا. فعلا الحاجة الى الاستمرار في فتح هذا الملف.
شكرا لجهدكم الفلسفي دكتورنا المكرم

د. علي الربيعي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1997 المصادف: 2012-02-23 01:45:55