 دراسات وبحوث

"افتراق الأمة" بين التاريخ والفكر (2-2) / ميثم الجنابي

mutham aljanabiان فكرة انقسام الأمة وضرورة "الفرقة الناجية" شكلتا في تجريديتهما الخميرة

التي بلورت في إطار علم الملل والنحل الإسلامي، أساليب البحث المنهجية المتباينة. ومن الممكن إجمالا حصرها في أربعة أساليب كبرى وهي الأسلوب العقائدي، والاستعراضي ـ الموضوعي واللاهوتي الفلسفي ـ الجدلي، والفلسفي التحليلي المقارن. ومن الممكن أن نتخذ من الملطي ممثلا للأسلوب الأول، ومن الأشعري ممثلا للأسلوب الثاني. ومن البغدادي وابن حزم وابن المرتضى ممثلين للأسلوب الثالث ومن الشهرستاني ممثلا للأسلوب الرابع.

فعندما نطالع ما تبقى من أجزاء كتاب الملطي (التنبيه والرد على أهل الأهواء البدع)، فإننا نعثر فيه على منهجية عقائدية استندت في تقسيمها للفرق على أساس مقارنة آرائها بعقيدة أهل السنة والجماعة، كما تناولتها سابقا. إذ لا تشغل الملطي هنا مهمة مقارنة المدارس أو تصنيفها استنادا إلى استنتاجاتها النظرية، بل يتخذ من أشكالها الظاهرية تاريخيا هويات قائمة بحد ذاتها. لهذا لا يضع أمام نفسه سوى مهمة التنبيه على هفواتها والرد عليها، كما هو جلي في موقفه من الجهمية. طبعا إن ذلك لم يكن موقفا مميزا للملطي دون غيره من أئمة علم الملل والنحل المسلمين، بقدر ما أن الملطي مثله بصورة نموذجية. وفي هذا يقوم اختلافه عن الأشعري والبغدادي وابن حزم.

فقد عمق الأشعري موضوعية المنهجية العقائدية وبالأخص ما يتعلق منه بموقفه من المعرفة. فقد أشار في الأسطر الأولى من كتابه إلى انه "لا بد لمن أراد معرفة الديانات والتمييز بينها من معرفة المذاهب والمقالات". مما حدد بدوره الطابع الموضوعي وغير المتحزب لاستعراضه آراء أهل المذاهب والمقالات. إلا أن ذلك لم يخلصه من التقييم والمقارنة المتحزبة أحيانا. لكنها ذابت في تصنيفه لها. وهو الأمر الذي خلصه من قيود تصنيفها اللاهوتي والفلسفي الجدلي. فقد اهتم الإشعري أساسا بالفرق الإسلامية. وطبق بصورة غير مباشرة فكرته عن الإسلام والإيمان ليشمل بها كافة الفرق المتصارعة. لهذا مهدت كتاباته السبيل تاريخيا وفكريا أمام المعرفة المتعمقة وتقييمها المجرد في صراع أهل الكلام.

ولو انتقلنا إلى الأسلوب الثالث (اللاهوتي ـ الفلسفي ـ الجدلي)، فإن الاختلاف بين البغدادي وابن حزم وابن المرتضى لا ينفي القاسم المشترك بينهم، الذي يقوم في محاولة كل منهم صياغة منهجه العام لتفريق فرق الإسلام ومدارسه الفلسفية عن غيرها من فرق الأديان والمدارس الفلسفية الأخرى. إضافة لذلك، أن ما يميز هذا الأسلوب هو قيامه على أساس جملة من المبادئ اللاهوتية والفلسفية وليس على أساس الانتماء المباشر لهذا الدين او ذاك.

إذ نرى البغدادي يضع في استعراضه لأركان أهل السنة والجماعة، وفي تصنيفه وتحديده لماهية المسلم وغير المسلم، واختلاف المتسنن عن المبتدع، وفي تحديده للمبادئ الفلسفية ـ اللاهوتية المتعلقة بقضايا نظرية المعرفة والإلهيات والوجود، نفس المبادئ التي نعثر عليها عند ابن حزم وابن المرتضى. فنراه يضع في الركن الأول ما يتعلق بإثبات الحقائق والعلوم، أي ضرورة إثبات العلوم ورفض أحكام وتصورات السوفسطائية الذين ينفون العلم وينفون حقيقة الأشياء كلها، الذين يشكون في وجود الحقائق، وكذلك الذين قالوا بأن حقائق الأشياء تابعة للاعتقاد، وصححوا جميع الاعتقادات مع تضادها وتنافيها". في حين وضع ابن المرتضى السوفسطائية ضمن من اسماهم بالفرق الكفرية، التي دعا فرقتها الأولى بالتجاهلية. وضمّنها ثلاث فرق وهي "السوفسطائي، وهو منكر اليقين في كل شيء وجاعله حسبانا، وعنديّ وهو مثبت الحقيقة وجاعلها تابعة للاعتقاد، وسمني وهو منكر ما لم يشاهده بالحواس". أي ما سبق لابن حزم وأن دعاهم بفرقة "مبطلي الحقائق وهم الذين يسميهم المتكلمون السوفسطائية".

وإذا كان البغدادي يضع في الركن الثاني المتعلق بالإقرار بأن كل ما عدا الله بما في ذلك العالم هو مخلوق مصنوع، توجها معارضا لأفكار من اسماهم بأهل الطبائع (من الفلاسفة) القائلين بقدم العالم، وكذلك آراء الثنوية، فان ابن المرتضى يتكلم عن الدهرية "القائلون بقدم العالم واختلفوا في المؤثر، منهم من نفاه مطلقا ومنهم من أثبته علة قديمة". وهي أفكار سبق وان عبّر عنها ابن حزم بمن اسماهم بأولئك "القائلين بإثبات الحقائق، إلا أنهم قالوا العالم لم يزل وأنه لا محدث له ولا مدبر".

لكن إذا كانت الخلافات في تصنيف المبادئ العامة عند الثلاثة تقوم في كيفية إدراك انتمائهم لاتجاهات فكرية مختلفة، فإنهم يلتقون في منهجية وضع الحدود العامة والمبادئ الكبرى لتقييم المسلم من غير المسلم. فنرى البغدادي يسير في طريق الكلام السني الصارم، كما وضعه في أركانه المشار إليها سابقا، وبالأخص ما يتعلق منها بضرورة الإقرار بخلود وقدم صانع العالم (الله) وبصفاته الأزلية وبرسله وأنبيائه وحاكمية مبادئ الإسلام وأصوله. بينما نرى ابن حزم يجعل من الرؤية الإسلامية لمسائل الفكر الفلسفي الكبرى "قواعد" يشكل رفضها أو قبولها دليلا على حقيقة الانتماء للإسلام أو الخروج منه. فهو يضع إلى جانب مبدأ إبطال الحقائق المميز للسوفسطائية، ومبدأ إثبات الحقائق المقرون بفكرة قدم العالم ورفض وجود الله، مبادئ من يقول "بإثبات الحقائق وأن العالم لم يزل وأن له مدبرا لم يزل". أي القول بأزلية الله والعالم، أو ما يتطابق في بعض تجلياته مع آراء "أهل الطبائع" حسب مفهوم البغدادي، و"الدهرية" حسب مفهوم ابن المرتضى. ثم "القائلون بإثبات الحقائق. فبعضهم قال إن العالم لم يزل، وبعضهم قال هو محدث. واتفقوا على أن له مدبرين لم يزالوا وأنهم أكثر من واحد". وهي أفكار تتطابق من حيث مضمونها مع آراء الثنوية، التي تقر بأكثر من إله. ثم "القائلون بإثبات الحقائق وأن العالم محدث وأن له خالقا واحدا لم يزل، وأبطلوا النبوات"، أي أولئك الذين يتفقون مع آراء المسلمين بصدد القضايا الإلهية، لكنهم يرفضون مبدأ النبوة. وأخيرا أولئك "القائلون بإثبات الحقائق وأن العالم محدث وأن له خالقا واحدا لم يزل وأثبتوا النبوات، إلا أنهم خالفوا في بعضها، فأقروا بعض الأنبياء عليهم السلام وأنكروا بعضهم". من هنا يبدو واضحا التشابه الكبير بين آراء البغدادي وابن حزم. بمعنى رفضهما حتى أولئك الذين يتفقون مع المسلمين بصدد كل القضايا بما في ذلك النبوة، في حالة رفضهم الإقرار بكل النبوات. ولا يعني ذلك سوى ضرورة تضمن آراءهم الإقرار بالنبوة المحمدية.

وقد سار ابن المرتضى في نفس الاتجاه. فعندما يقسم ما أسماه "بالفرق الكفرية" إلى سبع فرق وهي التجاهلية والدهرية والثنوية والصابئة والمنجمية والوثنية والكتابية، فإن مضمونها يتطابق لحد كبير مع مبادئ ابن حزم وأركان البغدادي. إذ تلتقي الثنوية بفرقها التسع، المانوية والمزدكية والديصانية والمرقيونية والماهانية والكيشانية والصامية والمهراكية والمجوس، في فكرتها القائلة بتعدد المبادئ الأولى المتحكمة في الكون والوجود الإنساني. بينما يدعوهم ابن حزم "بأولئك الذين يختلفون في عدد مدبري العالم". والشيء نفسه يمكن قوله عن تصنيفه لفرق الصابئة والمنجمية والوثنية، أي أولئك الذين يقرون بوجود الله، إلا أن إقرارهم هذا متباين من حيث مضمونه. فالصابئة يقرون بالله ولكنهم يعبدونه من خلال التقرب بالملائكة (الكواكب). وهو الحكم الذي يمكن إطلاقه على الوثنية بمختلف اتجاهاتها. إلا أن ما يميز الوثنية هو جحدها للرسل. أما الفرقة الكتابية فإنها تحتوي على النصارى واليهود. ويكفر ابن المرتضى النصارى على قولهم بالإتحاد والحلول، بينما يكفر اليهود على عدم إقرارهم بنبوة محمد ونفي شمولية الإسلام العالمية.

وبغض النظر عن النزعة الجدلية الشديدة المميزة لهذا الأسلوب، التي تصل أحيانا إلى حد التكفير الصريح، إلا أنها شكلت إنجازا كبيرا بالنسبة لتعميق الطابع التحليلي والمقارن لعلم الملل والنحل. فقد استطاع هذا الأسلوب صياغة فكرة وممارسة المبادئ والأصول في تقسيم وتصنيف الفرق. ذلك يعني انه استطاع أن يبلور فكرة المقاييس والمعايير الضرورية للتقسيم والتصنيف. وعندما نتتبع استمرار أسلوبه في التحليل والتعميم الفلسفي، فإننا نرى ديمومتها غير المباشرة في منظومة الشهرستاني العلمية. بل يمكن القول، إن من الصعب فهم إنجاز الشهرستاني في هذا المجال خارج إطار هذه التقاليد.

فقد عمق الشهرستاني في منهجيته الفلسفية التحليلية المقارنة، العناصر الفعالة والإيجابية في تقاليد العلم السابقة. واستطاع توحيد وتوليف عناصر المنهج الموضوعي الاستعراضي، والفلسفي ـ اللاهوتي ـ الجدلي. حيث سار في اتجاهين متداخلين، يتقاربان من حيث أهميتهما وفاعليتهما بالنسبة للتحليل والمقارنة مع ما أبدعه الفكر الإسلامي من وحدة الظاهر والباطن. فهو يبدو من جهة ندا للاشعري في موضوعيته، واستمرار أو نسخة معمقة للبغدادي وابن حزم في منهجيته.

أما في الواقع، فإنه مثل النفي الجدلي لهما من خلال توليفه نتاج علم الملل والنحل الاسلامي ككل. فهو يشير في مقدمته الأولى في "بيان تقسيم أهل العالم جملة" إلى التقسيمات الأربع السائدة في عصره. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه جرت العادة على تقسيم العالم إما استنادا إلى "العامل الجغرافي" (الأقاليم السبعة) بحيث أعطي "أهل كل إقليم حظه من اختلاف الطبائع والأنفاس التي تدل عليها الألوان والألسن". وأما استنادا إلى اعتبارات الأقطار الأربع (الشرق والغرب والجنوب والشمال) بحيث "تميز كل منهم بصفات متعلقة باختلاف الطبائع وتباين الشرائع" في حين قسمهم البعض الآخر على أساس "القومية" كالعرب والعجم والروم والهند وبحث عن خصوصية كل منهم في نمط الذهنية السائد عندهم. فالعرب والهنود يلتقون في "ميلهم إلى تقرير خواص الأشياء والحكم بأحكام الماهيات والحقائق واستعمال الأمور الروحانية، والروم والعجم في ميلهم إلى تقرير طبائع الأشياء والحكم بأحكام الكيفيات والكميات واستعمال الأمور الجسمانية". وقسمهم البعض بحسب الآراء والمذاهب. وجعل الشهرستاني من الصنف الأخير غرضه في التأليف. وما هو ملفت للنظر، أن الشهرستاني لا يناقش هذه الآراء ولا يشير إلى خطئها أو صوابها. وهو أمر يشير إلى اتفاقه النسبي مع بذورها العقلانية. فالعوامل الجغرافية والقومية يمكنها أن تلعب دورا لا يستهان به في بلورة الذهنية العامة، ولكنها لا تبدع أسلوبا في إدراك الحقائق كما هي.

وهذا ما يبرز بوضوح في موقفه من التقسيم الثالث (القومي). فهو لا يتخذه أسلوبا في التحليل والتقييم، ولكنه لا ينفي "واقعيته" التاريخية، أو على الأقل صيغة انعكاسه في "الوهم التاريخي" القائل بنماذج الفكر المتضادة. فالفكرة القائلة، بأن العرب الوثنية (الجاهلية) والهنود يتميزان بخضوع ذهنيتهم إلى تصوير خواص الأشياء والحكم بأحكام الماهيات والحقائق وسيطرة الأمور الروحانية، بينما الروم والعجم يميلون إلى تصوير طبائع الأشياء والحكم بأحكام الكيفيات والكميات واستعمال الأمور الجسمانية، لا تعكس في الواقع إلا جزءا محددا وجامدا ومنعزلا في الإبداع الفكري.

والشهرستاني نفسه لا يعطي لهذا الواقع النسبي صيغة مطلقة. إضافة لذلك نراه يشدد على طابعه النسبي التاريخي والمتغير. فهو يضع ما أسماه بحكماء الهند وحكماء العرب (الجاهلية) ضمن الفلاسفة أيضا، رغم أنهم مقارنة بفلاسفة الروم (الإغريق) يبدون كالعيال عليهم. في حين يشر في موضع آخر إلى "فلاسفة الإسلام الذين هم حكماء العجم، وإلا فلم ينقل عن العجم قبل الإسلام مقالة في الفلسفة. إذ حكمهم كلها كانت متلقاة من النبوات".

من هنا نستطيع القول، بان الشهرستاني حاول إظهار قيمة البحث كما هو في علم الملل والنحل، باعتباره العلم الذي يؤرخ للفكر والحقيقة. وبالتالي الممثل النموذجي لموضوعه وقوانينه الخاصة. وبهذا يكون قد سار في اتجاه تعميق النزعة اللاهوتية ـ الفلسفية في تقاليد العلم، ولكن في اتجاهها العقلاني الموضوعي. من هنا مأثرته الفكرية في تاريخ علم الملل والنحل الإسلامي وتاريخ الفكر العالمي ككل، التي يمكن مقارنتها مع مأثرة ابن خلدون في العلم التاريخي. فكما أن ابن خلدون حاول البحث عن العوامل "المجردة" المؤثرة في نشوء العمران، رغم إقراره النسبي بتأثير العوامل الجغرافية (الأقاليم السبعة) والأقطار الأربعة، كذلك الشهرستاني حاول في ميدان علم تاريخ الأفكار البحث عن العامل "المجرد" في صيرورة الفكر والمدارس. وكما أن ابن خلدون وجده في العصبية والية الفعل المتبادلة بين السياسة والاقتصاد، فان الشهرستاني وجد عامل تشعب الأفكار والمدارس والأديان وتطورها في صراع التقليد والإبداع، والعقل والنقل، والتأويل والنص.

وفيما لو أجرينا مقارنة بين المبادئ التي وضعها ابن حزم في تصنيفه للفرق الخارجة عن الإسلام وبين ما وضعه الشهرستاني، فإننا نعثر على تطابق خفي، وشبه كلي في مظاهره. إلا أن الخلاف الجوهري يقوم في طبيعة الموقف من هذه المبادئ وموقعها في منهجية التصنيف. فعندما يبلور الشهرستاني مبدأ "التقسيم الضابط" لتسلسل الفرق والاتجاهات، فإنه يسلسلها بالشكل التالي: أولا من الناس من لا يقول بمحسوس ومعقول وهم السوفسطائية، وثانيا، من يقول منهم بالمحسوس ولا يقول بالمعقول وهم الطبيعية، وثالثا، منهم من يقول بالمحسوس والمعقول ولا يقول بحدود وأحكام وهم الفلاسفة الدهرية، ورابعا من يقول بالمحسوس والمعقول والحدود والإحكام ولا يقول بالشريعة والإسلام وهم الصابئة، وخامسا من يقول بهذه كلها وإسلام ولا يقول بشريعة نبينا محمد وهم المجوس واليهود والنصارى، وسادسا من يقول بهذه كلها وهم المسلمون.

بعبارة أخرى، إن الشهرستاني خلافا للبغدادي وابن حزم، يضع هذا التسلسل ضمن رؤية إيجابية لمسار المعرفة وشموليتها التاريخية. فهو لا ينظر إلى هذا التسلسل نظرته إلى قواعد لفرز فرق الكفر عن فرق الإيمان. ذلك يعني أن الجوهري فيها ليس فكرة التكفير، بل دراسة الأبعاد المعرفية فيها. وليس مصادفة أن يضع الشهرستاني في هذا التسلسل مبدأ التقييم المعرفي لا قضايا الإيمان واللاهوت. فنراه يفرز المبادئ المتعلقة بالموقف من المعقول والمحسوس، وجوهرية المعقول والمحسوس، ثم مسائل الحدود والأحكام والشريعة والإسلام. ولم ينظر إلى هذه المسائل كقضايا منفردة ومنعزلة، بل نظر إليها كأجزاء مكملة بعضها للبعض الآخر. أما انتقاده للفرق السابقة للإسلام، فانه مبني على نقد عدم احتواها على الشمول لا تخطئتها كما هي بسبب عدم انتمائها لعالم الإسلام. وحتى في معرض إشارته إلى التضاد القائم بين أهل الأديان وأهل الأفكار الوضعية (الأهواء والنحل)، فإنه يفسر ذلك انطلاقا من فكرة مدى تقبلهم أو رفضهم للعقائد العامة، وإلا فمن الصعب فهم تقييمه لأديان المجوس واليهود والنصارى.

ومع أننا نستطيع رؤية بوادر التقييم العلمي الصارم في تقسيمه للفرق، المبني على أساس تمييز الديني والدنيوي، الإيماني والدهري، العقلاني وغير العقلاني، التقليدي والمبدع فيها، إلا أنه تقييم يبقى تابعا في منهجه للمبدأ "المجرد" والأكثر جوهرية، وهو مبدأ التمييز بين الحقيقي وغير الحقيقي، الحق والباطل، الصواب والخطأ.

من هنا فإن تقسيمه لاتجاهات الملل (الدينية) والنحل (الدنيوية) هو تقسيم علمي، لا يتطابق بالضرورة في منهجه مع تضاد الحقيقي وغير الحقيقي. وهو السبب القائم وراء وضعه ضمن ما أسماه "بأرباب الديانات مطلقا" كل من المجوس واليهود والنصارى والإسلام، في حين يضع ضمن "أهل الأهواء" الفلاسفة والدهرية والصابئة وعبدة الكواكب والأوثان والبراهمة. ذلك يعني أن هذا التقسيم مبني على أساس تحديد الموقف من علاقة العقل بالشريعة. أما انحيازه إلى الإسلام فيه، فانه يستند ليس إلى نفسية الإيمان، بل إلى تضمن الإسلام آنذاك على كل تاريخ إبداع العقل الإنساني المنقول إليه من وحي التجارب الكبرى للبشرية. بعبارة أخرى، إن الانحياز للإسلام يعادل الانحياز إلى تمثل شمولية الحقيقة في تاريخها الإنساني ككل. وهو استنتاج واضح في فكرته عن الإسلام، الذي لا يعني بالنسبة له سوى ذروة التعبير الأكمل عن الحقيقة العقلية. وبالتالي فان الفرقة الناجية هي فرقة الحق. بهذا يكون الشهرستاني قد دفع مناهج العلم الإسلامي السابقة في ميدان دراسة الأفكار والأديان إلى أقصى درجة ممكنة آنذاك عبر تحويله الحقيقة المنطقية إلى معيار الحكم على الفرق واختلافاتها.

***

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2070 الأحد 25 / 03 / 2012)


تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2028 المصادف: 2012-03-25 13:16:33


Share on Myspace