 دراسات وبحوث

إشكالية الإمامة والافتراق في علم الموسوعات الإسلامية / ميثم الجنابي

mutham aljanabiإذا كانت التقاليد اللاهوتية لعلم الكلام قد نجحت في تعميق الأسس العقائدية للأصول والفقه،

ومن ثم إثقال كاهل علم الملل والنحل (علم الموسوعات الدينية والفلسفية)، في تضييق "خيال" الرحمة الإلهية، فإنها استثارت أيضا إمكانية الخيال التصنيفي للفرق. ولم يكن ذلك في الواقع، نتاجا لتفنن "الذهنية الإسلامية"، وحذلقة المهاترات الكلامية ومكر النفس العاقلة، بقدر ما كان تعبيرا مناسبا عن الصراع الاجتماعي والعقائدي الذي لازم نشوء الخلافة وتطورها.

والقضية هنا ليست فقط في أن انقسام الأمة حول الإمامة وجد انعكاسه في حديث الافتراق، بل ولأن الإمامة عادة ما كانت تتطابق في وعي الفرق مع التمثيل الذاتي للفرقة الناجية. لهذا ليس مصادفة أن تتفق جميع كتب الملل والنحل الإسلامية على إدراج "اختلاف الإمامة" كأحد الأسباب الجوهرية القائمة وراء انقسام الأمة. ولا ضرورة هنا للبرهنة على تأثر أصحاب علم الملل والنحل الإسلامية أحدهم بالآخر بصدد هذه القضية، رغم أننا نستطيع القول بتأثر البغدادي بالأشعري، والاشعري بالنوبختي وهلمجرا. لكنها إشارة لا تغني الحقيقة شيئا، لاسيما وأن هذا الاعتراف والإقرار بمركزية الإمامة في وعي وصراع الفرق اتخذ صيغة البديهة ـ العقائدية. فقد احتلت قضية الإمامة منذ البداية حجر الزاوية في تبلور الوعي السياسي وغيره من أشكال الوعي الاجتماعي.

فقد أشار النوبختي في أولى سطور كتابه (فرق الشيعة) إلى "أن فرق الأمة كلها المتشيعة وغيرها اختلفت في الإمامة في كل عصر، ووقت كل إمام وبعد وفاته، وفي عصر حياته منذ قبض الله محمد". وأكد الأشعري نفس الفكرة في معرض تتبعه تاريخ الخلاف، مشيرا إلى أن أول ما حدث من الاختلاف بين المسلمين بعد موت النبي محمد هو اختلافهم في الإمامة. ووجدت هذه الاختلافات انعكاسها واستمرارها في أحكام وعقائد الفرق حتى أيامه. ونعثر على نفس الفكرة وصداها عند البغدادي، رغم أنه لم يعط لها أهمية مركزية. بعبارة أخرى انه حاول أن يجعلها حلقة في سلسلة الخلافات. لكنه كان مضطرا تحت ثقل فعاليتها المؤثرة حتى زمنه للقول بأن الاختلاف حول الإمامة "باق إلى اليوم، لأن ضرارا والخوارج قالوا بجواز الإمامة في غير قريش". وإذا كان ابن حزم قد وجه جلّ اهتمامه صوب مناقشة قضية الإمامة ذاتها وآراء الفرق المتباينة حولها، من أجل البرهنة على خطأ المواقف "الغالية"، ومن اجل إثبات الصيغة "السنية" لها، انطلاقا من منهجيته في التفريق بين الإسلامي وغير الإسلامي، وبالتالي استبعاد مناقشة تاريخية الأحداث كهويات مستقلة، فان الشهرستاني سار في اتجاه تعميق التقاليد الموضوعية لعلم الملل والنحل. وعلى الرغم من إدراجه خلاف الإمامة في الدرجة الخامسة ضمن التسلسل التاريخي للخلافات، فإن ذلك لم يمنعه من التشديد على جوهريتها في كل الافتراق الإسلامي وافتراق الفرق. بل نراه يشدد على أن "اعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة في كل زمان". وليست هذه القاعدة الدينية في الواقع سوى الصيغة النظرية المجردة، التي حاولت الفرق المختلفة إثبات شرعية تمثيلها في صراعات الأمة واختلافاتها، وبالتالي إدعاء تمثيلها لفكرة "ما أنا عليه وأصحابي".

وإذا كانت المؤلفات التاريخية والكتب المخصصة لتصوير ودراسة قضايا الإمامة والسياسة مثل كتاب (الإمامة والسياسة) لابن قتيبة الدينوري (ت ـ 276) قد صورت دراما الإمامة والصراع الدائم بين السلطة والأخلاق، والحق والباطل، والمكر والفروسية، والخطأ والصواب، والاجتهاد المضاد، فإن مؤلفات الملل والنحل الإسلامية صاغت بطريقتها الخاصة نمط استيعابها للخلاف في إطار تصنيف الفرق الإسلامية. فعندما يضع النوبختي قضية الإمامة في صلب البواعث الأساسية القائمة وراء الخلاف في الأمة، فإنه يكون بذلك قد حدد أسلوب تعامله معها، أي إبراز الطابع السياسي لمفهوم "القاعدة الدينية". فنراه يتكلم حول هذا الجانب بعبارة تتناول حسبما يقول "ما روى له من العلل التي من أجلها تفرقوا واختلفوا". وفي محاولته الكشف عن هذه العلل، يربط كل من الأسباب السياسية وانعكاساتها الفكرية في مقالات وبراهين الفرق. فالحشوية (أهل الحديث)، وبالأخص الأوائل منهم قالوا بأن النبي محمد مات ولم يستخلف على دينه من يقوم مقامه في جمع كلمة المسلمين ووحدتهم. ذلك يعني أن النبي يكون قد "جوز فعل هذا الفعل لكل إمام أقيم بعد الرسول". بينما استندت الشيعة إلى فكرة النص. وليس مصادفة أن يقارن النوبختي بين من يدعوهم بأهل الإهمال (الحشوية وأهل الحديث) وأهل النص (الشيعة)، ويضعهم على طرفي نقيض. فإذا كان أهل الإهمال (للنص) قد جوز أغلبهم الإمامة في الفاضل والمفضول، بمعنى الإقرار بإمكانية تولية إمام حتى في حالة وجود من هو أفضل منه لأسباب سياسية أو شخصية، فإن أهل النص شددوا على أن الإمامة لا تكون إلا للفاضل المتقدم. وإذا كان أهل الإهمال قد قالوا بأن النبي لم يوص إلى أحد من الخلق، وإذا أوصى فعلى معنى أنه أوصى الخلق بتقوى الله، فإن أهل النص عارضوا ذلك بفكرة حقيقة النص. بينما صاغت المرجئة فكرتها العامة، التي ينسبها النوبختي للفضل الرقاشي وأبي شمر وغيلان الدمشقي والجهم بن صفوان، بعبارة "إن الإمامة يستحقها كل من قام بها إذا كان عالما بالكتاب والسنة، ولا تثبت الإمامة إلا بإجماع الأمة كلها". بينما اعتبرت الخوارج، باستثناء النجدية، بأن الإمامة تصلح في جميع الناس من كان منهم قائما بالكتاب والسنة عالما بها. حيث مثلت النجدية في آرائها هذه نموذج "الفوضوية المحافظة". وإن تميزها وامتلاكها هذين النقيضين في ذاتها جعلها محط انتقاد الفرق جميعا. فهي لم ترفض الإمامة بالمعنى الدقيق للكلمة، ولكنها قالت بفكرة الإمامة المجردة، المتمثلة في فكرة إمامة الناس أنفسهم على أساس التمسك بالقرآن باعتباره إمام الأئمة الوجودية.

في حين سارت المعتزلة بخطى أوسع وشمولية أعمق في نظرتها للإمامة، تجاوزت في حالات عديدة نماذج العقائدية المذهبية لتجعل من قضية الإمامة جزءا من عالم السيادة والعقل. ومع أن آراء المعتزلة كانت متشعبة للغاية، إلا أن الحوافز المستترة لوعيها النظري كانت تقوم في فعالية تقاليد الصراع الإسلامي ذاته. ولم يبعد المعتزلة من الانحراف عن احتكامها الدائم أمام عرش العقل العقلاني. وبهذا تكون قد أسهمت في إعادة النظر بالأحكام السابقة للفرق ذاتها. وبقدر ما كانت الأحكام السياسية للمعتزلة نتاجا لتداخل تقييمات "الفتنة الكبرى"، فإنها ساهمت بالقدر ذاته في تذليل العقائدية الصارمة وفسحت المجال أمام العقائدية الضيقة لكسر براهينها البدائية. وقد لاحظ النوبختي هذا التغير الذي أخذ يطرأ على آراء الفرق الإسلامية الأولى، بما في ذلك المعتزلة، عندما أكد على أن الكثير من آرائهم تغيرت وأن جملة من هذه التغيرات "حديثة العهد". فالفرقة الأولية لأهل الحديث والحشوية القائلة، بأن النبي محمدا مات ولم يستخلف على دينه من يقوم مقامه، تعرضت إلى تغييرات جديدة مثل إضافة فكرة "أن يجتهد الناس آراءهم في نصب الإمام وجمع حوادث الدين والدنيا". بينما قال قسم منهم، بإبطال الرأي مؤكدين على فكرة "أن الله أمر الخلق أن يختاروا الإمام بعقولهم". وينطبق هذا أيضا على المعتزلة، التي شذت طائفة عن أسلافهم، فزعمت "أن النبي نص على صفة الإمام ونعته ولم ينص على اسمه ونسبه"، كما يقول النوبختي.

لم تكن ظاهرة التغيير والإضافة معزولة عن ضغط الجدل الفكري. وقد لاحظ النوبختي على سبيل المثال، أن جدل الإمامية الشيعة مع الحشوية من أهل الحديث أجبرهم على اتخاذ نفس نمط براهينهم. فقد لجأت جماعة من أهل الحديث "حين عضها حجاج الإمامية إلى القول بأن النبي محمد نص على أبي بكر بأمره إياه بالصلاة، وتركت مذهب أسلافها في أن المسلمين بعد وفاة الرسول قالوا "رضينا لدنيانا بإمام رضيه رسول الله لديننا" كما ينقل النوبختي.

وباستثناء الملطي وابن حزم ونسبيا البغدادي، فإن أصحاب علم الملل والنحل الآخرين، لم يخوضوا جدل النقض وبراهين الأدلة. لقد اكتفى كل منهم باستعراض وتصنيف وجهات النظر. إلا أن هذا الخلاف الحاد في مظهره، لم يكن في الواقع، سوى نتاج منهجيات البحث ونمط التفكير المميز لهذا المؤلف أو ذاك والغاية التي يسعى إليها. فقد حاول الملطي التنبيه ثم الرد على أهل الأهواء والبدع، بينما سعى ابن حزم للفصل بينهم، في حين حاول البغدادي الكشف عن الفرق بين الفرق. بينما نعثر عند الأشعري على مقالات المسلمين واختلافاتهم، وعند الشهرستاني على آراء أهل الملل والنحل، وعند الفخر الرازي (ت ـ 606) على اعتقادات المسلمين والمشركين، وعند ابن المرتضى (ت ـ 840) على آراء أهل الملل والنحل. ولا يعني انتفاء الجدل، بقدر ما انه يعكس أحد صيغه المبطنة. إذ لا تخلو هذه  المؤلفات أيضا من ردود لاذعة أحيانا. غير أن قيمتها النقدية والجدلية تجاه الفرق الأخرى، تقوم في تصنيفها على أساس اكتشاف المعيار الجوهري، أي المقياس الذي تقاس به عدد الفرق ومستوى تمثيلها للجماعة والسنة والفرقة الناجية.

إن التعقيد الأشد بهذا الصدد يقوم في عدم وجود كل عناصر هذا التعميم مجتمعة عند أي من مؤرخي علم الملل والنحل الكبار. مما أدى إلى إقرار البعض بعدد الفرق، بينما رفضه القسم الآخر، في حين ركز البعض على فكرة السنة والجماعة، بينما البعض على الفرقة الناجية. وهي خلافات منهجية ومذهبية في نفس الوقت. وقد كانت الوحدة بين الرؤية المنهجية والمذهبية أمرا طبيعيا في منظومات علم الملل والنحل. وذلك لأنهما كلاهما كانا نتاجا لنمط الوعي الثقافي الإسلامي. وإذا كان من العبث الآن سبر أغوار الدهاليز المذهبية ومتاهاتها العديدة، فإن مما لا شك فيه هو أنها شكلت الخلفية الواقعية التي بلورت مواقف مؤرخي الفكر وواقع الفرقة في الأمة وتقييم مدارسها وشيعها. ولم يكن ذلك نقصا كما يبدو للوهلة الأولى. فعلى الرغم من أن حصر الفرق في عدد معين أدى إلى تضييق إمكانية تتبع ظهورها وتطورها وازديادها، فانه افرز قواعد الحدود الضرورية بالنسبة لتحديد الجوهري من العرضي. وكما انه أدى إلى وضع أغلب الفرق في خانة الضلال والانحراف، فإنه أفرر أيضا واحدية الحقيقة. وكما انه أعطى للجميع إمكانية اتهام وانتقاد وتفسيق وتكفير الآخرين، فإنه صنع إمكانية تقييم الذات وتقديمها على أنها الفرقة الناجية. ذلك يعني أنه أعطى للجميع حق الفهم المختلف لشعار: فليتنافس المتنافسون!!

وباستثناء ابن حزم، فإن جميع ممثلي علم الملل والنحل الإسلامي اتخذ من حديث انقسام الأمة مقدمة "شرعية" لتناول موضوعاته. وهي مقدمة لم تؤد إلى توحيد النتائج في المواقف، بقدر ما أنها رسخت إمكانية التنافر والخلاف. وهو واقع ارتبط أساسا بالطابع العقائدي ـ المذهبي للحديث اكثر مما فيه من منهجية وتحليل. وقد لاحظ النوبختي منذ وقت مبكر، بان مفهوم الجماعة في آراء الفرق المتصارعة يعكس مضمون الفرقة (الافتراق) اكثر مما يعكس مضمون الجماعة (الوحدة). وبهذا يكون قد حدس الطابع الإيديولوجي للحديث. لهذا نراه يتغافل عن استعماله في تصنيفه للفرق. وفي نفس الوقت نرى ان عدم استعماله بل ورفضه كما هو الحال عند ابن حزم لم يضيق من فاعلية المواقف الإيديولوجية والعقائدية في تصنيفه للفرق وأحكامه عليها. إلا أن حصيلة التحليل المنهجي ـ العقائدي في علم الملل والنحل، أبدعت بما في ذلك من خلال "شرعية الحديث" قوانينه العامة في تصنيف الفرق، التي استندت في الإطار العام، إلى الرؤية الواقعية لتعدد الفرق واختلافها. وليس مصادفة أن يشترك أغلب مؤلفي كتب الملل والنحل المسلمين في تقسيماتهم العامة للفرق الكبرى. فالبلخي قسم فرق الأمة الكبرى إلى ست وهي الشيعة والخوارج والمعتزلة والمرجئة والعامة والحشوية. بينما تتشابه تقسيمات النوبختي والاشعري والبغدادي. فهم جميعا يقسمونها في الإطار العام إلى أربع فرق كبرى، هي الشيعة والمعتزلة والمرجئة والخوارج عند النوبختي، والشيعة والخوارج والمرجئة والمعتزلة عند الأشعري، والروافض والخوارج والقدرية المعتزلة والمرجئة عند البغدادي. ولا تختلف آراء ابن حزم عن ذلك. فهو يضيف إلى الفرق الأربع العامة، فرقة أهل السنة. ولا تختلف في الواقع، تقسيمات الشهرستاني عن سابقيه من حيث اتجاهها العام. فهو يضيف إلى جانب المعتزلة والخوارج والمرجئة والشيعة كل من الجبرية والصفاتية، أي أنه يزاوج بين آراء النوبختي والأشعري والبغدادي وابن حزم عن تصنيف الفرق. بعبارة أخرى، انه يمثل استمرار ونفي رفيع المستوى للتصنيف الذي سبق وأن وضعه الملطي في تصنيفه للفرق العامة وهي كل من الزنادقة والجهمية والقدرية والمرجئة والرافضة والحرورية، وما وضعه البغدادي، الذي أضاف إلى الفرق الأربع العامة فرق النجارية والجهمية والمشبهة.

وسوف يظل هذا التقسيم والتصنيف محافظا على "بؤرته" الأساسية تجاه الفرق الكبرى حتى في الكتابات المتأخرة نسبيا، كما هو واضح في تصانيف فخر الدين الرازي وابن المرتضى. أما الشيء الجديد الذي يدخله الرازي في تصنيفه العام فهو إضافته لفرق الصوفية إلى جانب المعتزلة والخوارج والروافض والمشبهة الكرامية والجبرية والمرجئة. حقيقة أنه ليس الأول والوحيد بهذا الصدد. فقد سبق للاسفرايني (ت ـ 471) وان ادخل المتصوفة في فرقة أهل السنة والجماعة، كما هو جلي في كتابه (التبصير في الدين). أما ابن المرتضى، فإنه تتبع تصنيفات المعتزلة والشهرستاني والرازي. وأضاف إلى الفرق الأربع الكبرى كلا من المجبرة والباطنية والحلولية والزيدية. وفيما لو توسعنا في تفصيل هذه الصياغات العامة، فإن ظاهرة التصنيف، تبدو أكثر تعقيدا وتعرضا للتبدل والتنوع، بحيث يصعب أحيانا حصرها بمقياس معين، باستثناء مقياس الانتماء الفكري والمذهبي. إذ نراه واضحا في ترتيبهم الفرق وحشرهم إياها في الاتجاهات العامة. بل يمكن الجزم، بأنه ليس هناك مؤرخ من مؤرخي الفرق والمدارس الفكرية الإسلامية ممن تجرد كليا عن التأثير المباشر أو غبر المباشر لهذا الانتماء. وقد يكون الشهرستاني هو الوحيد الذي تسامى على احتراب الفرق وشعور الانتماء الضيق فيها، مع انه لم يتصف بالتجرد الكامل.

وهنا يجدر القول، بان ظاهرة النقاء التام أو التجرد الكامل في عالم اتسم بالصراع الفكري والمذهبي والعقائدي، ليس لها ما "يبررها" من وجهة النظر التاريخية. فهي ليست رديفا للموضوعية الناقصة. إنها تكمل الموضوعية من وجهة نظر التحليل العلمي. فلقد كان جميع علماء علم الملل والنحل إسلاميين من حيث المنشأ والتربية والعقيدة. وبالتالي، فإنهم نظروا إلى أعمالهم باعتبارها جزءا من مهماتهم الروحية أيضا. وإن هذا التناقض النسبي بين الانتماء الروحي ـ العقائدي والموضوعية الفكرية الصارمة، كان على الدوام المحرك القائم وراء بلورة وصياغة تقاليد علم الملل والنحل وتصنيفه للفرق.

فإذا كان الملطي على سبيل المثال قد أجهد نفسه في تقسيم الفرق إلى ثلاث وسبعين فرقة متتبعا حرفية الحديث، كما فعل البغدادي والشهرستاني وابن المرتضى، فإن كل منهم قد أسهم في خطته الخاصة، بجمع وترتيب عددها. إذ نرى الملطي يقسمها على الشكل التالي: الزنادقة خمس فرق، والجهمية ثمان، والقدرية سبع، والمرجئة اثنتا عشرة، والرافضة خمس عشرة، والحرورية خمس وعشرون. وجعله ذلك يستنتج بأن مجموعها اثنتا وسبعين فرقة يضاف لها الفرقة الناجية وهي فرقة أهل السنة والجماعة. في حين وزعها البغدادي بالصيغة التالية: الروافض عشرون فرقة، والخوارج عشرون فرقة، والقدرية المعتزلة اثنتان وعشرون فرقة، والمرجئة خمس، والنجارية ثلاث، ثم كل من البكرية والضرارية والجهمية والكرامية على فرقة واحدة. أي أنه يطبق بصورة دقيقة، شأنه شأن الملطي عدد الفرق الضالة (اثنتان وسبعين)، أما الفرقة الأخيرة فهي فرقة أهل السنة والجماعة من فريقي الرأي والحديث. في حين لا يقدم الشهرستاني أرقاما دقيقة شأن سابقيه، ولكنه يفلح في الاقتراب من تمام الرقم التقليدي للحديث. إلا أن تعداده للفرق يثير إشكاليات أكثر مما يحلها. إذ نستطيع جمعها عنده بطريقة توصلنا إلى انه كان يقر بالرقم ثلاث وسبعين في حالة جمعنا إياها بالشكل التالي: المعتزلة اثنا عشرة فرقة، الجبرية ثلاث، والصفاتية ثلاث، والخوارج ثمان عشرة، والمرجئة ست، والشيعة تسع وعشرون. كما أن من الممكن قراءتها بالشكل الذي يجعل منها رقما يصل إلى الواحد والسبعين، في حالة جعل الخوارج عنده ست عشرة فرقة. كما أن من الممكن جعلها سبع وستين فرقة في حالة جمع فرق الشيعة بخمس وعشرين فرقة. أو يمكنها أن تكون خمس وستين فرقة في حالة جعل الخوارج ست عشرة فرقة، والشيعة خمس وعشرين. وحتى في حالة الموافقة، وهو أمر ممكن في حالة التلاعب بالأعداد وتصنيفها، على ما أشار له الشهرستاني بعد استعراضه للفرق، من أنه أنجز القسم المتعلق "بالفرق الإسلامية" وما بقيت إلا فرقة الباطنية. ومع أن الشهرستاني يقول عنها بهذا الصدد "وقد أوردهم (الباطنية) أصحاب التصانيف في كتب المقالات إما خارجة عن الفرق وإما داخلة فيها. وبالجملة هم قوم يخالفون الاثنين والسبعين فرقة". إلا أن الحصيلة النهائية للرقم تختلف عما سبق وإن قال به في مقدمة كتابه عما اسماه باستيفاء "أقسام الفرق الإسلامية ثلاثا وسبعين فرقة". وهو أمر يشير إلى عدم جوهريته بالنسبة لتصنيفه. بينما ينزع ابن المرتضى في تدقيق أرقام الفرق الإسلامية نزوع الملطي والبغدادي. فنراه يبحث في عدد الفرق الثلاث والسبعين تصديقا للحديث النبوي عن انقسام الأمة والفرقة الناجية منه. لكن ذلك لم يمنعه من الإشارة إلى تعقيدات هذه القضية. فهو يقسمها بالشكل التالي: الروافض عشرون فرقة، والمعتزلة عشرون فرقة، والمرجئة ست فرق، والمجبرة أربع فرق، والباطنية فرقة، والحلولية فرقة والزيدية فرقة.

أما بالنسبة لمؤرخي الفرق الآخرين مثل النوبختي والأشعري وابن حزم والرازي، فإنهم لم يشغلوا أنفسهم بهذا الجانب كثيرا. فالنوبختي على سبيل المثال، لا يورد الحديث أصلا. إضافة لذلك، إن جل اهتمامه كان منصبا على فرق الشيعة. والطريف في الأمر هنا أن تصل فرق الشيعة في تعداده إياها إلى ثلاث وسبعين فرقة، على الأقل في حدود المرحلة، التي توقف عندها في تأليف كتابه المشهور. والشيء نفسه يمكن قوله عن الأشعري، بينما اعتبر ابن حزم الحديث لا يصح من طريق الإسناد. في حين وقف الرازي أمام واقع التعدد الكبير في الفرق. الأمر الذي جعله مترددا بين ضرورة حصرها ضمن الرقم الشائع وبين إيجاد تبرير لكثرتها الزائدة على العدد المشهور. لهذا نراه يورد عدد من الفرق يتجاوز الثلاث والسبعين، وفي نفس الوقت يبحث عن مخرج لذلك في فكرته التي صاغها بعبارة: "إنه يجوز أن يكون مراده (الحديث) من ذكر الفرق، الفرق الكبار. وما عددنا من الفرق ليست من الفرق العظيمة". غير أن من الضروري ألا يكون الرقم أقل من ثلاث وسبعين، في حين لا يضر كثرتهم عن الرقم المذكور، حسب قول الرازي. إذ لو ذكرنا كافة الفرق لجاز أن يكون أضعاف ما ذكرنا، بل ربما وجد في فرقة واحدة من فرق الروافض ثلاث وسبعون فرقة، كما يقول الرازي.

من كل ما سبق يتضح، بأن تأثير الحديث على مؤرخي الفرق الإسلامية والأديان والمدارس الفلسفية، انصب في إطار ما يمكن دعوته بالمنهجية العقائدية. وهو أمر جلي على الأقل في مواقفهم من عدد الفرق. غير أن هذه المنهجية لم تكن نتاجا مفتعلا لتنافر القوى، بقدر ما كانت نتاجا ضروريا لضيق الوعي المذهبي ـ الفرقي. وفي هذا كانت تكمن أيضا طاقتها الفعالة بالنسبة لتنشيط الصراع والتناقضات، أي أنها كانت نتاجا خاصا لواقع الخلافة ونزوعها الثقافي والروحي. فهي لا تختلف كثيرا عما هو مميز للثقافات الكبرى في حروبها الفكرية والعقائدية، إلا أن لها خصوصيتها المرتبطة بواحدية الثقافة الإسلامية، التي عادة ما تفعل وتبدع جديدها ضمن وحدة الأول والآخر.

***   ***   ***

 

تابع موضوعك على الفيس بوك  وفي   تويتر المثقف

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2118 السبت  12 / 05 / 2012)


تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2076 المصادف: 2012-05-12 14:07:14


Share on Myspace