 دراسات وبحوث

المرأة نموذج منهج الكمال في الأسلام / فاطمة ال شبير الخاقاني

 المقدمة:  تشكل قضايا التربية في مجملها الجانب الأكبر من مرحلة التكوين الأولى للإنسانية،

وهي العامل الأساسي والرئيسي لكل مجتمع إنساني، ولذا تعد التربية في الفكر الإسلامي الوسيلة المثلى التي يمكن استخدامها في توضيح وإرساء دعائم العقيدة والمثل والقيم في نفوس أبناء المجتمع وفق الإطار الفكري العام للنهج الإنساني، وما يرافق ذلك من إعداد كافة أبناء المجتمع أفراداً وجماعات لتحقيق الأهداف الفردية والجماعية التي ينشدونها وفق تعاليم الإسلام الغراء، ويحتاج ذلك إلى إنشاء مؤسسة علمية تربوية تتولى مهام العملية التربوية في إعداد أبناء المجتمع وتعليمهم، لكي يكون العلم في خدمة المجتمع وأبنائه، وكما تحدّث القرآن في الأسس والروابط الإنسانية والقانونية في الاُسرة، تحدّثت السنّة النبويّة عن ذلك، نذكر منها ما روي عن الرسول الكريم (ص):

(كلّكم راع فمسؤول عن رعيّته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيّته، والرّجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده، وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيِّده، وهو مسؤول عنه، ألا كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته)(1).

وما روي عن الصادق (ع) : (من خُلق الأنبياء حبّ النساء)(2).

وما روي عنه (ع) أيضاً :

(ما أظنّ رجلاً يزداد في الايمان خيراً إلاّ ازداد حبّاً للنساء) (3).

 ومن هنا فقد احتوى منهج المدرسة الإسلامية على نظام متكامل من الحقوق والواجبات، يبين للإنسان كيفية العيش على هذه الأرض مع أخيه الإنسان بنظام وأمن وسلام، وتتجلى أهمية نظام الحقوق والواجبات في شمولية ممارسته لجميع نواحي الحياة، ولكافة إفراد المجتمع المسلم على اختلاف مواقعهم ومسمياتهم؛ فبين حقوق الطفل المسلم، وحقوق الزوج، وحقوق الزوجة، وحقوق الحاكم، وحقوق المحكوم في جملة من الآيات القرآنية، وقد برز ذلك واضحا في نظرة الإسلام إلى المرأة، فقد عرض القرآن الكريم لكثير من شؤونها في أكثر من عشر سورمنها سورة البقرة، والمائدة، والنور، والأحزاب، والمجادلة، والممتحنة، والتحريم، وعرض لها في سورتين عرفت إحداهما بسورة النساء الكبرى، وهي سورة النساء وعرفت الثانية بسورة النساء الصغرى وهي  سورة الطلاق.

كما أعطت السنة النبوية للمرأة كافة حقوقها من دون زيادة ولا نقصان،  واحترمت إنسانيها وكرامتها، ومنعت كل ما يؤدي إلى ظلمها واهانتها، ولقد كانت التطبيقات العملية لمشاركة المرأة في العصر النبوي سنة يهتدى بها، حيث أعطت أروع النماذج لما كانت عليه المرأة المسلمة، ولما يجب أن تكون عليه، وبدلا من أن يهتدى ويقتدى بتلك السنة النبوية في مجال التطبيق العملي، أخذت مكانة المرأة تتراجع، وجهلت المرأة الأسس التي ينبغي أن تحافظ عليها، ونوعا ما ابتعدت عن انتهاج السلوك المناسب لطبيعتها، بل ذهبت إلى أكثر من ذلك حين جهلت الأسس الإسلامية التي رفعت من مكانتها .

 

اِشكالية اِدراك مكانة المرأة انسانيا:

شهدت العقود المختلفة، اهتماما متزايدا بقضية حقوق المرأة، وكأنها وليدة هذا القرن، وباتت قضيتها محط نظر وسائل الإعلام والاتفاقيات والمؤتمرات الدولية التي حملت شعارات تمكين المرأة، ودعوات تحرير المرأة ومساواتها بالرجل في كل شيء، ولم يكن العرب والعالم الإسلامي بمنأى عن هذه الشعارات، حيث ظهر العديد من المثقفين والمثقفات يطالبون بتغيير وضع المرأة انطلاقا من حالة الظلم التي لحقت فيها في العالم الإسلامي (4)  .

 ولم يفرق هؤلاء عن قصد أو عن غير قصد بين ما له صلة من هذه الممارسات بالشريعة الإسلامية الغراء وبين ما هو متصل بعادات وتقاليد ألفها الناس وتعودوا عليها، حتى عدها البعض جزءا من هذا الدين، مما أوجد حالة من التشويش حول طبيعة مكانة المرأة في الإسلام، اندس من خلالها أعداء الإسلام ليقرروا أن الإسلام قد ظلم المرأة وهضم حقها.

 أعتقدَ الكثير من الغربيين رجالا ونساء أن المرأة العربية والمسلمة مضطهدة وغير متساوية في الحقوق مع الرجل، وليس لها أي دور أو اعتبار في الحياة العامة، مع أن الصورة الحقيقية لطبيعة مكانة المرأة في الإسلام ودورها يختلف اختلافا كبيرا عما يدّعوه، هذا فضلا عن جهل المرأة المسلمة نفسها بالأسس والمبادئ الإسلامية التي رفعت من قدرها، ووضعتها بالمكانة اللائقة بها، وذلك نتيجة لفقدان التأصيل المنهجي الذي تحاكم إليه الأفكار والممارسات، مع عدم إدراك الواقع وتغيرات العصر.

 

عبقرية السكينة وعالم السكن:

أنّ دور المرأة في تكوين القاعدة النفسية لبناء الاُسرة أكبر من دور الرّجل الذي عبّر عنه القرآن بقوله : (وخلق منها زوجها ليسكن اليها).

 فالزوج هو الذي يسكن الى الزوجة، ويستقرّ بالعيش معها، فهي مركز الاستقطاب اطار الاستقرار والودّ والمحبّة، فيتحدّث القرآن عن السكن، في مواضع عديدة، ومن خلال ذلك نستطيع أن نفهم معناه الذي توفّره الزوجة لزوجها:

(ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكّرون)(الروم/21)، (وجعل منها زوجها ليسكن إليها)(الأعراف/189).

ونفهم قيمة السكن، في الاجتماع عندما نعرف أنّ القرآن وصف العلاقة بين الزّوج والزّوجة بأنّها علاقة: سكن وودّ ورحمة، وإذن فلنقرأ كلمة (سكن) في مواضع عدّة من القرآن، لنعرف دلالتها الاجتماعية والاُسريّة، قال تعالى : (جعل لكم اللّيل سكناً) أي يسكن فيه النّاس سكون الرّاحة (5) .

وقال تعالى : (صلِّ عليهم انّ صلاتك سكن لهم)، أي إنّ دعواتك يسكنون اليها، وتطمئن قلوبهم بها، والسكينة فعيلة من السكون، يعني السكون الذي هو وقار، لا الذي هو فقد الحركة (6).

(هو الّذي أنزل السّكينة في قلوب المؤمنين)، أوجد الثبات والاطمئنان (7).

وأوضح اللّغويّون معنى (السكن) بقولهم :

وسكن الريح: هدأت، وسكن النّفس بعد الاضطراب: هدأت، وسكن النفس اليه : استأنس به، واستراح اليه... والسّكن : المسكن، وكل ما سكنت اليه، واستأنست به، والزّوجة والنّار، أي يأنس بها الإنسان لتبديدها الظلمة وتوفير الدفء ولانضاجها الطعام، والرحمة والبركة والقوت .

والسكينة : الطمأنينة والاستقرار والرّزانة والوقار (8).

وهكذا نفهم معنى السكن، الذي توفِّره الزّوجة لزوجها وأسرتها، وهو: الرّاحة والاستقرار والاستئناس والرّحمة والبركة والوقار، كما نفهم سر اختيار القرآن لهذه الكلمة الجامعة لمعان عديدة .

 

الأسباب والدوافع القرآنية لمكانة المرأة:

جاء الإسلام منهجاً للحياة، وشمل العقيدة والفكر والثقافة والسلوك والعبادة، فقد كان من بين القضايا الأساسية التي اهتم الإسلام بدراستها وبحثها وتحليلها تحليلاً علميّاً مسألة نشوء المجتمع والحياة الاجتماعية بما فيها من تعقيدات وتركيبات وعلائق، ومعرفة دوافعها وأسبابها، وقد أشارت الآيات القرآنية إلى وجود العديد من الأسباب والدوافع، ومنها:

1- الأساس والدافع الأول:

حيث بينت الآيات، أن العنصر الأساس في البناء الاجتماعي هو قانون الزوجيّة الطبيعي العام المتمثِّل في التركيب الغريزي للمرأة والرّجل، فهما عنصرا البناء الاجتماعي وأساس البنية الحيوية من الناحيتين العضويّة والنفسيّة:

(وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)(الروم/ 21).

2- الأساس والدافع الثاني:

كما أشارت الآيات القرآنية إلى أن الدافع الثاني الذي يدفع الإنسان لتكوين الحياة الاجتماعية عنصر التعارف بين أبناء النوع البشريّ القائم على أساس غريزة حب الاجتماع التي عبّر عنها الفلاسفة بقولهم، الإنسان مدنيّ بالطّبع:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ"(الحجرات/ 13).

3- الأساس والدافع الثالث:

 وتشير الآيات إلى أن السّبب الثالث من أسباب بناء المجتمع، هو تبادل المنافع المادية المختلفة، فقد شاء الله سبحانه وتعالى أن يتكامل الأفراد بقابليّاتهم وطاقاتهم الفكرية والجسدية والنفسية، وعلى هذا الأساس نشأت الوظيفة الاجتماعية، وفسّر مبدأ النشوء الوظيفي في المجتمع لتتكامل الحياة كما تتكامل أجهزة البدن في أداء وظائفها:

(هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)(الزخرف/ 32).

 وهكذا يوضِّح القرآن دوافع نشوء المجتمع الإنسانية والمادية، وفي كلّ هذه العناصر يبرز دور المرأة واضحاً وأساسيّاً، سواء في جانبه المادي أو النفسي أو الوظيفي في الحياة الاجتماعية، فالمرأة هي الجزء الأكبر من المجتـمع، وانطلاقاً من نظرية التكامل الوظيفي التي وضّحها القرآن آنفاً، يهتم الاسلام بدور المرأة في بناء المجتمع كما يُهتم بدور الرّجل على حدٍّ سواء ضمن أطر الأهداف والقيم الإسلامية، فليست المرأة عنصراً ثانويّاً ولا وجوداً إضافيا(9).

 

وحدة الوظيفة الأنثوية الذكورية:

ان الإسلام وهو يسعى إلى تحقيق المجتمع الفاضل، لا ينظر إلى كل من المرأة أو الرجل باعتبارهما جنسين منفصلين متصادمين كما هو الحال اليوم، وإنما ينظر إليهما كبناء موحد، ينعقد على الولاء لقيم الإيمان:

(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(التوبة/ 71) .

 وبذلك يضع القران الكريم صلاح المجتمع أمانة في أيدي المؤمنين والمؤمنات، ويجعل كلا منهما مسؤولا عن ذلك، فلا يعفى الرجل ولا يستثنى المرأة، وتشمل هذه المسؤولية مقومات المجتمع الإدارية والسياسية والاقتصادية والروحية كافة.

أن الإسلام لا يعفي المرأة من عموم التكليف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مبادئ السياسة، أو المشكلات الاجتماعية التي تقوض الأخلاق (10).

 

المرأة نفسيا وعضويا:

من القضايا العلمية المسلّم بها لدى علماء النفس والطب أنّ لكل من الرّجل والمرأة تكوينه العضويّ، وانّه من الطبيعي أن تختلف تبعاً لذلك الوظيفة الاجتماعية للمرأة عن وظيفة الرّجل؛ لذا فإنّ استقامة الحياة الاجتماعية تحتاج إلى أن يحافظ كل من الرّجل والمرأة على انتمائه الجنسي، فتحافظ المرأة على أنوثتها، ويحافظ الرّجل على رجولته، وتشير الدراسات العلمية إلى أنّ الهرمونات التي تفرزها الغدد الصمّـاء تساهم في تكوين الفروق النفسية والسلوكية بين الرّجل والمرأة كما يساهم الجهاز العصبي، ولقد وضّح القرآن الحكيم الفارق التكويني بين الجنسين الذي تبنى عليه الفوارق الوظيفية كما بيّن المشتركات التكوينية بين الجنسين أيضاً:

(ولا تتمنّوا ما فضّل الله به بعضكم على بعض للرِّجال نصيبٌ مِمّا اكتسبوا ولِلنِّساءِ نصيبٌ مِمّا اكتسبن واسألوا الله من فضله إنّ الله كان بكلِّ شيء عليماً)(النساء / 32).

وأكّدت السنّة المطهّرة أنّ مظاهر التكامل في شخصيّة كل من الرّجل والمرأة ترتبط بتركّز الخصائص النوعية لدى كل منهما ومحافظته عليها واعتزازه بها؛ لذلك نهت السنّة عن أن يتشبّه أفراد الجنس الاُنثوي بالرِّجال، كما نهت الرّجل عن ذلك، وقد جاء في الحديث الشريف النهي والزّجر العنيف واللّعن لهذا الصنف من الناس، فقد روي عن الامام الصادق(ع) وأبي الحسن الرضا(ع) :

(إنِّي لاكره أن يتشبّه الرِّجال بالنِّساء)(11) .

ومعنى الكراهة هنا هو الحرمة وعدم الجواز، كما جاء في عنوان الموضوع أعلاه، وروي عن الصادق (ع) قوله:

(كان رسول الله يزجر الرّجل أن يتشبّه بالنِّسـاء، وينهى المرأة أن تتشبّه بالرِّجال في لباسها)(12).

وعن ابن عبّاس قال :

(لعن رسول الله ص، المتشبِّهين من الرِّجال بالنِّساء، والمتشبِّهات من النِّساء بالرِّجال)(13).

وانّ تشخيص تلك الفوارق يترتّب عليه التسليم العلمي بالفارق الوظيفي في بعض المجالات والتكاليف الحيوية التي كلّف بها كل من الرّجل والمرأة، وتأسيساً على ذلك تتحدّد الفوارق والمشتركات في الوظيفة الاجتماعية .

 

مبادئ تأصيل مكانة المرأة :

لقد قرر الإسلام العديد من المبادئ والأسس والقواعد والمنطلقات التي تقوم عليها طبيعة مكانة المرأة في الإسلام، والتي من شانها أن تضع المرأة في الوضع اللائق والمناسب لها:

 

1- تحريم كراهية المرأة:

  كان الرجل قبل بزوغ فجر الإسلام صاحب المركز الممتاز والوحيد في الأسرة والمجتمع، وكانت المرأة من حيث العموم تابعة للرجل ومنسوبه إليه ومسيرة بأمره يفعل بها ما يشاء، يقتلها أو يدفنها وهي حية، ولا حول ولا قوة لها، وقد أشارت العديد من الآيات القرآنية إلى هذا المعنى، وبينت ضعف مركز المرأة وكراهية العربي لميلادها:

(وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ  أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ)(النحل/57-58-59).

 وهكذا تبدو قيمة العقيدة في تصحيح التصورات والأوضاع الاجتماعية، فالمرأة نفس إنسانية إهانتها إهانة للعنصر الإنساني الكريم، وأودها قتل النفس البشرية، هذا وقد ذهب البعض إلى أبعد من ذلك حين كان يدفنها وهي حية:

(وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ  سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ)(التكوير/7-8-9).

وهكذا كانت مكانة المرأة قبل الإسلام سواء أكانت في المجتمع الجاهلي، أو في ظل المجتمعات الأخرى في العالم، وببزوغ فجر الإسلام أخذ مركز المرأة شكلاً آخر، فلقد كرم الإسلام المرأة وليدة وفتاة وزوجة وأماً، وجعل الجنة تحت أقدام الأمهات، وحرم وأدها، واعتبره جريمة كبرى يكون جزاءه التخليد في نار جهنم كون ذلك قتل للنفس المحترمة بدون وجه حق(14).

 

 2- تسوية المرأة بالرجل في أصل الخلقة:

 لقد سوّى الإسلام بين المرأة والرجل في أصل الخليقة، بحيث جعلها من نفس واحدة، وخلقهما من طينة واحدة، وقد أشارت الآيات القرآنية إلى هذه التسوية باعتبار أن الإسلام للناس كافة، ولم يفرق في دعوته الناس بين الذكر والأنثى:

(يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء)(سورة النساء/1).

حيث تعود البشرية الى أصل واحد وصدرت من اِرادة واحدة والى اِله واحد وخالق واحد، حيث خلقهم من نفس واحدة متثلة برحم واحد ومنتسبة الى نسب واحد، حيث أنّ كلا من المرأة والرجل مخلوق ادمي جدير بالتكريم، حيث يتساوون في القيمة والحرية والعزة والكرامة (15).  

 

3- تسوية المرأة بالرجل في التكاليف الشرعية:

لقد قرر الإسلام  المساواة التامة بين الرجل والمرأة في التكاليف الشرعية:

(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ  فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)(النحل/96-97)، (وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ)(غافر).

فالمرأة إذن مخلوق مستقل من حيث المسؤولية عن العمل، كما أن الرجل كذلك، وكل منهما مكلف استقلالا بالتكاليف الشرعية، إلا بما استثنى فيه أحدهما عن الآخر بحكم الطبعة والانثوية والطبعة الذكورية تقديرا لهما واحتراما لواجباتهما، ولكل منهما الأجر والثواب على قيامه بما أمر الله عزوجل، به دون مضاعفة الأجر لأحدهما على الآخر:

(فَمَن يَعْمَلْ  مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)(الزلزلة/6-7-8) .

 وفي هذا ردّ على ميراث لثقافة الوثنية والأمية والجهل. انه ردّ على الذين ظلموا المرأة واعتبروها خالية من الروح، وإنها أم الخبائث والأوثان (16).

 

4- المساواة بين المرأة والرجل في التعليم:

اعتبر الإسلام التعليم من الحقوق الأساسية للإنسان سواء أكان رجلاً أو امرأة:

(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ  * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)(العلق/1-2-3-4-5).

وقد ورد في الحديث الشريف وقال (ص):

(طلب العلم فريضة على كل مسلم)(17).

إن هذا يؤكد أن الإسلام حث على ضرورة تعليم المرأة، ولم يفرق في ذلك بين الذكر والأنثى (18).

وقد طالبت النساء بهذا الحق:

(فعن أبي سعيد الخدري قال: قالت النساء للنبي ص : غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوما من نفسك، فوعدهن يوما لقيهن فيه، فوعظهن وأمرهن، فكان فيما قال لهن: ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجابا من النار، فقالت امرأة: واثنين، فقال: واثنين)(19) .

 إن الإسلام قرآنا وسنة، وهو يحث على تعليم المرأة يريد منها أن تتعلم كل ما تستطيع تعليمه لمثيلاتها من النساء، فتنفع به بنات جنسها كالطب النسائي، وطب الأطفال، والتمريض، والتوليد، والتدريس، وإدارة المدارس، حيث تؤدي خدمة إنسانية من ناحية، ووظيفة نافعة من ناحية أخرى، فضلا عن ما تدرب نفسها على القيام بشؤون البيت والأسرة.

 

5- تحديد أهمية الرجل والمرأة:

 لقد حدد الإسلام أهمية كل من الرجل والمرأة في بناء الأسرة الإسلامية، فاعتبر الإسلام أن كلاً من الرجل والمرأة جناحان لا تقوم الحياة الإنسانية ولا ترقى إلا في ظل عملية تنسيق ومواءمة بينهما، حتى يستطيع كل فرد من أفراد الأسرة أن يؤدي الدور الذي فرض عليه، وبدون ذلك لا يستطيع كل فرد أن يحقق السعادة المنشودة في الدنيا والآخرة:

(فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)(طه/122-123-124) .

فالسعادة إنما تتمثل بإتباع القاعدة الأساسية التي لا بد وأن ينطلق منها كل مسلم، وهي عبادة الله عزوجل:

(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)(الذاريات/55-56) .

فلا تستقيم حياة البشر ولا حياة الانسانية وحتى الجن دون هذه الوظيفة وادراكها والتيقن بها وهي العبودية لله عزوجل دون غيره، بما تكون لها دلالة شمولية تمتد الى ثقافة أوسع غير ما يقتصر على ما يسمى بالشعائر وغيرها لتمتد الى مفاهيم خلافة الأرض كحضارة واعمار وسلام وعدالة وهي من المواضيع الاساسية للمناج الرباني لاسعاد البشرية دنيا وآخرة، وبذلك ندرك أهمية المرأة وفي نفس الوقت الرجل في هذه الغاية لكمال الانسان وتكامله وكيفية ذلك.

 

6- الريادة اجتماعيا:

 شاركت المرأة في العهد الإسلامي الأول، أي عصر النبي(ص)، في أكثر من مجال من مجالات الحياة الاجتماعية، وقد جعل النبي (ص)، من أيام العيدين معرضا إسلاميا يلتقي فيه المسلمون جميعا رجالا و نساء، شيوخا و أطفالا دون تمييز، و حتى النساء الحائضات أوجب الرسول عليهن الخروج إلى صلاة العيد و إن كن لا يصلين، وكان قد اعتذرت إحدى النساء للنبي(ص)،  بأنها لا تملك جلبابا، فقال لها الرسول الكريم(ص):

(لتلبسها صاحبتها من جلبابها، ولتشهد الخير ودعوة المؤمنين)(20).   

 لقد كن النساء في عصر النبي (ص)، يقمن بأعمال  تقتضي مخالطة الرجال، ولم ينهى النبي (ص)، عن ذلك رغم احتمالات الفتنة ما دامت لم تصل إلى حد الأمر الغالب، وقد بقيت مشاركة المرأة في الحياة الاجتماعية حتى بعد أن وقعت مثل هذه  الحوادث المؤسفة في حياته (ص)، إذ المطلوب في مثل هذه الحالات هو إعادة الوضع إلى الصورة الصحيحة، وليس نسف هذا الوضع من الأصل.

 فالمطلوب أن تستمر مشاركة المرأة في الحياة الاجتماعية مع إزالة جميع أنواع الفتن، ولنا في هذا الموضوع أسوة حسنة في سيرة الرسول (ص)، عندما كانت الصحابيات وقبلهن أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن، يشاركن في الحياة العامة للمجتمع، بالخروج للتعلم والتعليم، ولا يخفى على أحد سؤالهن الرسول (ص)، أن يجعل لهن يوما خاصا بهن وحدهن فقط، ثم خروجهن للعمل في الزراعة والحرث والرعي والتجارة، ناهيك عن الخروج في قوافل المجاهدين، سواء كمجاهدات أو ممرضات، أو مسعفات للمرضى والجرحى، وغيرها من الأعمال التي امتهنتها الصحابيات رضوان الله عليهن، التي برهنت بها الصحابيات أنه بإمكان المرأة المسلمة أن تكون عضوا فاعلا في الحياة الاجتماعية للأمة المسلمة إذا أرادت هي ذلك، وذلك استجابة لحاجات الحياة الجادة النشطة، وتوفر لها الجو الإسلامي بضوابطه المشروعة التي لا تخدش الحياء، وقبل ذلك اختيار الوظيفة المناسبة لها، وما يليق بها من الأعمال، التي لا تتعارض مع واجبها في البيت، فيمكن أن تعمل بأجر لبعض المؤسسات، وهي في البيت، أو في خدمة مجتمعها وبنات جنسها، والإسهام في مقاومة الفقر والجهل والمرض والرذيلة(21).

 

7- الحرية في اختيار الزوج:

 أعطى الإسلام للمرأة الحق بالموافقة على قبول الزوج أو رفضه، ولم يسمح بأي نوع من أنواع الإكراه، ولا أي ممارسة للضغط العملي أو الفكري على الفتاة، ويستوي في ذلك أن تكون بكراً أو ثيباً، لأن الزواج يقوم على عاملين:

أولهما مادي: وهو أن يكون الزوج كفء ذا قدرة على تحمل أعباء الحياة الزوجية، وهذا العامل يستطيع الأولياء إدراكه والاستقلال به .

والثاني نفسي مطلق: وهو ما لا يستطيع أحد إدراكه إلا الزوجة، وهذا العامل أكثر أهمية من العامل الأول، إذ يمكن الاكتفاء بالشيء القليل في حين أن الحياة الزوجية لا تستقيم مع عدم الرضا النفسي بين الزوجين.

 ومن هنا حرص الإسلام على الرضا التام بينهما، فليس لولي النكاح أن يستقل برأيه دون ما نظر إلى موافقة الزوجة أو عدم موافقتها، فهي التي سوف تعاشر الزوج بكل ما تحمله المعاشرة من معاني نفسية وعلاقات مادية(22) .

ولذلك كان من ضمن الأمور التي حرمها الإسلام العضل،وقد روى البخاري ذلك بقوله:

(كان الرجل إذا مات فإن أولياءه أحق بزوجته أن شاء بعضهم تزوجها وإن شاءوا زوجوها فهم أحق بها من نفسها وأهلها) (23).

 وقد نهى الإسلام عن هذا عندما قرر حرية المرأة في اختيار زوجها من ناحية، ومن ناحية أخرى عندما حرم الزواج من زوجة الأب(24).

وفي تقريره لوجوب المودة والرحمة في العلاقة الزوجية لم ينسى النبي (ص)، في حجة الوداع أن يوصي الأزواج بزوجاتهم،  فقال النبي(ص) في تلك الخطبة من بين الأمور التي قالها:

(أيها الناس إن لنسائكم عليكم حقاً... إنما النساء عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئاً اتخذتموهن بأمانة الله... فاتقوا الله بالنساء واستوصوا بهن خيراً، اللهم هل بلغت؟ اللهم فاشهد).  ولذا فان العلاقة الزوجية يجب أن تبنى على المودة والصبر واللطف والوفاء وعدم التسرع في إصدار الحكام، فيجب عدم الملاحقة والمتابعة عند الغضب، لإنه كثيراً ما يزول الغضب بزوال السبب، فالعلاقة الزوجية علاقة مقدسة مربوطة بميثاق الله، وهي ليست شراكة مالية بين اثنين حتى تفصم عراها بسرعة (25).

 وقد أسبغ الإسلام على الحياة الزوجية معنى رائعاً:

(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا  لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)(الروم) .

 فهذه الآية تذكر الزوجين معاً بمدى أهمية العلاقة بين الزوجين،وما ينبغي أن تكون عليه هذه العلاقة من هدوء واستقرار وسكينة على أساس ما أوجده فيهما من قابلية التواد والتراحم، وحيث توجب عليهما بطبيعة الحال أن يفهماها ويمارسنها على هذا الوجه.

 إن المتأمل في كتاب الله الكريم وسنة النبي (ص)، وسيرة أهل بيته عليهم السلام، يرى أن الله عزوجل حرص في أكثر من موضع على صيانة كيان الأسرة، ووضع الحلول المناسبة لتفادي مساوئ افتراق الزوجين، وكفى عظة لنا أن نقرأ ما قصه القرآن الكريم لنا لنا في سورة المجادلة، ولقد كان النبي(ص)، المثل الأعلى للزوج ولفهم العلاقة الزوجية:

(خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي)(26)

 ان العلاقة المتبادلة بين الزوجين وفيما يفيد وينفع، حتى تهيئ لإفراد الأسرة أجواء الأمان والحرية والحماية والاستقرار والمودة، ليكونوا أعضاء أسوياء، تمض بهم سفينة الحياة بعيداً عن الهزات التي قد تتعرض لها الأسرة المسلمة، وحتى تصبح في مجتمع تسوده عوامل القوة والبناء .

 

النظرة إلى عمل المرأة:

 إن الإسلام لم يفرض على المرأة أن تباشر الأعمال كالرجل تماماً لتعول بيتها ونفسها، أو تشارك وتعول أولادها، وفي الوقت نفسه لم يحرم الإسلام على الأم أن تباشر الأعمال مطلقاً تفادياً للحالات التي يتحتم فيها على المرأة أن تباشر بعض الأعمال لتعول نفسها وأولادها.

 لقد حسم الإسلام هذه المعضلة عندما قرر أن إنفاق الزوج على الزوجة لا يقلل من شأن هذه الزوجة أو يشعرها بالخجل أو الحرج، وإنما اعتبره الإسلام واجبا يقوم به الزوج ويجعل عقوبته الغضب من الله سبحانه وتعالى، فانّ الاصل الذي ثبّتته الشريعة الإسلامية في العمل هو الإباحة، وبذا يكون العمل من أجل جمع المال وزيادة الثروة أمراً مباحاً،ما زال يجري وفق المباح في الشريعة، وفي تقرير هذه الأمور الإسلامية رد حاسم على أمثال قاسم أمين، لأنه لا يدرك الطبيعة الانثوية وما تتعرض له نسائيا كالناحية البيلوجية، عندما يقول:

(لا ينبغي للمرأة أن تعيش عالة على غيرها وإن عليها أن تشارك الرجل في العمل لتعول به نفسها)(27). 

لقد جاء كلام سيد البشر (ص)، ليرد على أمثال هذه الدعاوى لتحرير المرأة من عبودية التقاليد الاجتماعية والإسلامية، فقال (ص)، والذي يرويه الإمام مسلم في صحيحه:

(دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك)(28).

 ولا يعني ذلك أن الإسلام لم يعط للمرأة حق العمل، إذ الشواهد التاريخية في حياة المرأة المسلمة تثبت ما كانت تقوم به من أعمال، فهذه سيدة نساء العالمين فاطمة الزهرا(ع)، كانت تقوم بكثير من الأعمال داخل بيت زوجها حتى أثر الرحى في كفيها، وهذه أسماء بنت أبي بكر كانت تعلف فرس زوجها وتسقى الماء، كما قامت الكثير من الصحابيات بإعمال التمريض (29).

 وهنا لابد من التنبيه إلى أن الإسلام قد راعى الفوارق الفسيولوجية بين المرأة والرجل، لذلك فقد كلف المرأة بالقيام بالأعمال التي تتناسب وطبيعة جسدها، في الوقت الذي طلب منها الابتعاد عن الأعمال التي لا تتناسب وطبيعتها، وهذا ما اكتشفه الدكتور الكسيس كاريل، وعندما نستشهد برأي الدكتور الكسيس كاريل فإننا لا نستشهد برأي إنسان عادي بل برأي عالم وطبيب أولاً، وفيلسوفاً ثانياً، وباحثاً أمضى حياته بالمختبرات ثالثاً، حين يقول:

(ولقد أدى الجهل بهذه الحقائق الجوهرية بالمدافعين عن الأنوثة إلى الاعتقاد بأنه يجب أن يتلقى الجنسان تعليماً واحداً، وأن يمنحا قوى واحدة ومسؤوليات متشابهة، والحقيقة أن المرأة تختلف اختلافاً كبيراً عن الرجل... فعلى النساء أن تنمي أهليتهن تبعاً لطبيعتهن، دون أن يحاولن تقليد الذكور، فإن دورهن في تقدم الحضارة أسمى من دور الرجال. فيجب عليهن أن لا يتخلوا عن وظائفهن المحددة(30).

 

وجوب الإنفاق على المرأة:

لقد راعى الإسلام متطلبات الإنسان الأساسية، بل زاد عليها، ولكن ليس إلى حد الترف والمبالغة في الإنفاق، ومن بين هذه المتطلبات الأساسية نفقة الزوجة على زوجها.

 فقرر الإسلام إنفاق الزوج على زوجته، واعتبر التقصير فيه ذنباً عظيماً يعاقب عليه الإنسان يوم القيامة، ولا يقف الأمر هنا، بل إن الإنسان ملزم بالإنفاق على زوجته عن طريق حاكم الشرع إن امتنع عن الإنفاق. فالزوج مكلف بالإنفاق على زوجته، إذ الزوجية سبب في وجوب النفقة على الزوج حتى عندما يحصل الطلاق الرجعي ولذلك كانت القوامة الثابتة للرجل على المرأة من أسباب وجوب النفقة على الزوج:

(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ)(النساء/34)، (وعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ  بِالْمَعْرُوفِ)(البقرة/233) .

 وقد ترك الإسلام مقدار النفقة إلى تقدير العرف، فهي بقدر الكفاية، ومن ضمن ما أكد ذلك وهذا ما أكده الحديث الشريف الموجه حديثه لهند بنت عتبة زوج أبي سفيان، عندما شكت شح أبي سفيان، فقال لها النبي (ص):

(خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) (31).

لقد وضعت الشريعة الإسلامية الاُسس العامّة لترشيد الأنفاق بإطلاقه، كما حدّدت النظام الأساسي لأنفاق الأسرة وميزانيّتها بشكل محدّد، نذكر من ذلك وصف القرآن لعباد الرّحمن، المثل الأعلى في الانضباط والالتزام الذي وضّح فيه منهجهم القويم في الأنفاق الذي دعا الفرد والجماعة الى الالتزام به وبميزانيته التي تتحمّل المرأة المسؤولية الكبرى في تنظيمها وتحديد طبيعتها مع تحريم الأسراف ومنع التبذير:

(والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً)(الفرقان / 67)، (وكلوا واشربوا ولا تُسرِفوا)(الاعراف / 31)، (وآتِ ذا القربى حقّه والمسكين وابن السّبيل ولا تبذِّر تبذيراً * إنّ المبذِّرين كانوا اُخوان الشّياطين وكان الشيطان لربِّه كفوراً)(الاسراء / 26 ـ 27)، (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كلّ البسطِ فتقعد ملوماً محسوراً)(الاسراء/29) .

وهكذا تتحدّد الأسس العامّة لميزانيّة الأسرة والصّرف والنّفقة ضمن اطارين من التقنين والتربية والتوجيه الأخلاقي، وهما الإطار الاجتماعي والإطار الأسري .ويبرز دور المرأة في تدبير شؤون المنزل والاقتصاد المنزلي، في حرصها على ماليّة الأسرة ومراعاتها الاعتدال في الصّرف والكماليّات ووسائل الزينة والمباهات في الصّرف وحبّ الظهور، فضلا عن وجوب الانفاق على المرأة في فترة عدة الطلاق كما كانت زوجة :

(أسكنوهنّ من حيثُ سَكنتُم مِن وُجْدِكُم وَلا تَضارُوهُنَّ لِتُضَيِّقوا عَلَيهِنّ وَإن كُنّ أُوْلاتِ حَمْل فَأنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوف وَإنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى * لِيُنْفِقْ ذُو سَعَة مِن سَعَتِهِ وَمَن قَدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللهُ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إلاّ ما آتاها سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْر يُسْراً)(الطّلاق/6ـ 7) .

 

الحق في الميراث:

جاء الإسلام ثورة عارمة على التقاليد الاجتماعية التي كانت سادة في المجتمع الجاهلي، والتي كان بها ظلماً للمرأة وهضماً لحقوقها، ومن بين هذه التقاليد التي كانت سائدة حرمان المرأة من الميراث، فجاء الإسلام ليحرم ذلك ناطقاً بحق المرأة بالميراث:

(لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا)(النساء/7) .

 ثم بين الله سبحانه وتعالى نصيب كل وارث من الرجال والنساء في آيات المواريث من سورة النساء في الآيات(10، 12، 116).

الايات مبنية على قاعدة أن للذكر مثل حظ الأنثيين، وحكمه ذلك أن الإسلام أوجب على الرجال نفقات وأعباء مالية لا تدفعها المرأة، وإذ ما استعرضنا مجالات إنفاق الرجال نجد أن نصيب المرأة مساوياً لنصيب الرجل تارة، وزائداً عليه تارة أخرى، فالرجل يدفع المهر ويقوم بالإنفاق على أهله وزوجته وأولاده، حتى وإن كانت هذه الزوجة غنية فإنها غير ملزمة بالإنفاق على نفسها وأولادها، وفي إعطاءها النصف نظرة إسلامية إلى حالة المرأة، والتي هي أضعف من الرجال على الكسب، ولها من الشواغل الزوجية وما يتصل بها من حمل وولادة وتربية ما يصرفها عن الكسب .

 

المشاركة في السياسية:

  للمرأة في الإسلام الحق أن تقوم بالإصلاح الاجتماعي الذي لا يتنافى مع كرامتها، فتوجه وتنتقد وتقدم النصيحة فتلك أمانة حملها كل مؤمن ومؤمنة، وتلك مسؤولية أنيطت بكل فرد من المسلمين ذكراً أو أنثى، وأن من أهم الواجبات على المسلم من ذكر وأنثى إسداء النصيحة لإخوانهما وأخواتهما المسلمين وعامتهم، وفي ذلك يقول الرسول (ص):

(الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله، قال: لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم)(32).

 فللمرأة المسلمة إذن أن تمارس هذه النصيحة للحاكم بضوابطه الشرعية، كما أن لها أن تنتقده، وتأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، ولها أن تفرز أهل الشورى، ولها أن تشكل الجمعيات  (33).

 وقد تجلى دور المرأة في الحياة السياسية في بيعتهن للرسول (ص)،فقد بايعت النساء رسول الله (ص)، وهذه البيعة لها وجه ديني وهو التعبد والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، ووجه آخر سياسي دنيوي، قال تعالى:

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)(الممتحنة/12).

وكان النبي (ص) يبايع النساء كما يبايع الرجال فعن أميمة بنت رقيقة قالت:

(بايعت رسول الله في نسوة فقال لنا: فيما استطعن وأطعتن الله ورسوله، قلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، قلت يا رسول الله بايعنا قال: لا أصافح النساء، إنما قولي لإمرأة قولي لمائة إمرأة) (34).

فهي اِذن ممارسة عملية ودليل قرآنيّ نفّذه الرسول (ص) في حياته التبليغية والسياسية، على قبول بيعة المرأة لوليّ الأمر بل ووجوبها، فانّ البيعة في هذه الآية هي بيعة طاعة لوليّ الأمر، على الالتزام بأحكام الشريعة وقوانينها، والإقرار بولايته، وتمثِّل البيعة أبرز مصاديق الحقوق السياسية في المجتمع الإنساني.

 وقد دخلت المرأة المسلمة ميدان السياسة على عهد رسول الله (ص)، كما سجّلت آية البيعة ذلك، فقد دخلن الميدان السياسي، وشاركن في الحياة السياسية، دخلت المرأة المسلمة أيضاً وأبدت رأيها في مسألة الامامة والسياسة والخلافة بعد وفاة الرسول (ص)، وأفضل الشواهد على ذلك هو موقف السيدة فاطمة الزهراء (ع) بنت الرسول الأكرم محمّد (ص) وزوج الامام عليّ بن أبي طالب (ع)، التي دخلت الميدان السياسي بعد وفاة أبيها (ص)، فكانت الى جنب عليّ في تحرّكها ومواقفها السياسية(35).

وممّا يثير الاستغراب أنّ أولئك المنادين بحقوق المرأة السياسية يوجِّهون التهمة الى الفكر الإسلامي، والمعتقدات الإسلامية، ونعتها بأنّها أفكار ومعتقدات تحرم المرأة من المشاركة في الحياة السياسية، وتمنع عليها العمل السياسي، ودعموا مزاعمهم تلك بالأوضاع الاجتماعية والسياسية التي يشاهدونها في البلدان الإسلامية، من غير أن يفرِّقوا بين الإسلام كنظام وشريعة ومبادئ، وبين الكثير من أتباع الإسلام الذين لا يمثِّلونه في سلوكهم السياسي والاجتماعي، وأنّ الذي يشاهدونه في مجتمع المسلمين، هو مختلف عمّا ينبغي أن يكون في المجتمع الإسلامي، فصورة المرأة في مجتمعات المسلمين تلك، وطريقة التعامل معها، وقيمتها في المجتمع في مساحته المخالفة للاسلام هي وليدة تصوّرات ومفاهيم نشأت عن أعراف وتقاليد وممارسات اجتماعية لا تمثِّل الإسلام، لا سيّما الموقف من المرأة في الحقل العلمي والثقافي والاجتماعي والسياسي، وعلاقتها بالرّجل .

إنّ السياسة في الفكر الإسلامي تعني رعاية شؤون الأمّة في مجالاتها الحيوية كافّة، وقيادة مسيرتها في طريق الإسلام،  لذا فهي مسؤولية اجتماعية عامّة، كلّف بها المسلمون جميعاً .  وتلك المسؤولية هي في مصطلح العلماء واجب كفائي، يتوجّه فيه الأمر والخطاب لعموم المسلمين، بغضّ النظر عن كونهم رجالاً ونساءً إلاّ ما ورد من استثناء :

(أن أقيموا الدِّين ولا تتفرّقوا فيه)(الشورى/13)، (وعد الله الّذين آمنوا منكم وعملوا الصّالحات ليستخلفنّهم في الارض كما استخلف الّذين من قبلهم)(النور/55)، (وأطيعوا الله وأطيعوا الرّسول وأُولي الامر منكم)(النساء/59)

وفي كل تلك الآيات يتوجّه الخطاب فيها الى عموم المسلمين رجالاً ونساءً، فإقامة الدِّين بعقيدته وبكامل أنظمته السياسية والاجتماعية والتعبّدية الخ، هي مسؤولية الجميع، وخطاب الطاعة لاُولي الأمر الوارد في الآية التي تحدّثت عن الطاعة هو متوجّه الى جميع المكلّفين، والوعد بالاستخلاف متوجِّه الى كل الذين آمنوا وعملوا الصالحات رجالاً ونساءً، وبالتأمّل في الآيتين (آية الشورى، وآية ولاية المؤمنين)، نجدهما أساساً فكريّاً واسعاً للحقوق السياسية، بل للواجبات السياسية للاُمّة بكل عناصرها، الرجاليّة والنسائية، على حدٍّ سواء، والآية الكريمة الأخرى التي توجب العمل السياسي بمستوى الكفاية على الرِّجال والنِّساء، وتوجيه الرأي العام السياسي الخ، هي:

(ولتكن منكم أُمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأُولئك هم المفلحون) .

إنّ القرآن الكريم في هذه الآية يوجب أن تكون من المسلمين اُمّة، أي جماعة، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وهذه الجماعة شاملة للرِّجال والنِّساء على حدٍّ سواء، بدليل:

 (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأُولئك هم المفلحون).

ومن الواضح في الفكر الإسلامي أنّ المساحة السياسية هي مساحة واسعة تضمّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما يشمل المشاركة في إدارة السلطة، وتخطيط سياسة الأمّة، والتثقيف السياسي والشورى والبيعة، والمشاركة في التمثيل عن الأمّة في المجالس التي نسمِّيها بمجالس الشورى والبرلمان، ومن هذه الأسس القرآنية نفهم أنّ الحياة السياسية مفتوحة أمام المرأة في الإسلام، كما هي مفتوحة أمام الرّجل، وعلى المستويين، من الواجب العيني والكفائي، أو إباحة المشاركة في الحياة السياسية بكل مجالاتها .

                       

المكانة والدور التربوي لها :

 ان أسس الاسلام وقواعده جاءت لتضع المرأة بالمكانة اللائقة بها، كي تمارس أدوارها في هذه الحياة على الوجه المطلوب، فإنّ لعمليّة الأعداد والتربية الأثر الفعّال في بناء وتكوين اشخصيتها وممارسة مهامها في المجتمع وتوجيه الطّاقة واللّياقات الإنسانية الوجهة البنّاءة، وفي حال إهمال المرأة وحرمانها من عملية التربية والتوجيه والأعداد المدروس والمنظّم تنشأ نشوءاً عفويّاً تتحكّم بها الظروف والمحيط والحوادث التي كثيراً ما تتسبّب بقتل شخصيّتها وهدر طاقاتها وإعاقة نموّها الاجتماعي، فتتحوّل إلى شخصية ضعيفة مهزوزة لا تستطيع أن تتعامل مع المجتمع والحوادث والمشاكل والفرص تعاملاً ناجحاً .

 لقد جاءت نظرة الإسلام للمرأة منبثقة من نظرة الإسلام للإنسان المكرم، فلا تمايز ولا اختلاف، وأحكام الشريعة تقرر فيها المساواة وتحقيق العدالة ولا تخصيص لأحد إلا بمخصص، لأن الشريعة شاملة متكاملة، فقد سن الاسلام القوانين التي تصون كرامة المرأة وتمنع استغلالها جسديا أو عقليا، ثم ترك لها الحرية في الخوض في مجالات الحياة.

 يبقى أمام وصول المرأة المسلمة إلى وضعها العادل في المجتمعات الشرقية هو العادات والموروثات الثقافية والاجتماعية التي تضرب بجذورها في أعماق نفسية الرجل الشرقي الذكورية وليس العائق الدين أو العقيدة، فمن ناحية العقيدة فقد حطّم الإسلام المعتقد القائل بأن حواء الرمز الأنثوي، هي جالبة الخطيئة، أو النظريات الفلسفية القائلة بأن المرأة هي رجل مشوه، فأكّد الإسلام أن آدم وحواء كانا سواء في الغواية أو العقاب أو التوبة، كما أن الفروق الفسيولوجية بين الرجل والمرأة لا تنقص من قدر أي منهما فهي طبيعة كل منهما المميزة له عن الأخر، كي تتيح له أن يمارس الدور الأمثل المطلوب من كل منهما القيام به.

 وقد أكدت نصوص الكتاب والسنة وروايات أهل البيت عليهم السلام، على التكامل الفطري بينهما من حيث إنهما يشتركان ويتكاملان في القيام بالمسؤوليات والواجبات التي فرضها الله عزوجل، عليهما في هذه الدنيا يقول تعالى:

(فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ)(آل عمران/195).

فعن أم سلمة أنها قالت للنبي(ص):

(يا رسول الله لا نسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء، فأنزل الله تعالى: (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض ..) إلى آخر الآية : وقالت الأنصار هي أول ظعينة قدمت علينا(36).

وقال عز وجل: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(التوبة/71).

 فقد ذكر الله عز وجل المؤمنين ذكورا، والنساء إناثا، ولم يفرق بينهما في القيام بالأمر بالمعروف بما يحمل هذا الشعار من كل أفعال البر، في الاجتماع والسياسة والأخلاق والاقتصاد والتعليم، وفي إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وإطاعة الله ورسوله الخ .

 وعلى الرغم من وجود التكامل والاشتراك في أداء الواجبات التي فرضها الشرع عليهما، فلم يغفل الفصل بين الاثنين فيما يتعلق بوظائفهما الفطرية والكونية، باعتبار ما ركب الله سبجانه وتعالى في كل منهما من فطرة تتضمن إمكانات واستعدادات بدنية وعقلية ونفسية تميز أحدهما على الآخر، ولهذا كان في شرع الله أحكام مشتركة بينهما تتعلق بالواجبات التي يؤديانها ويشتركان فيها، كما أن في الشرع أحكاما خاصة بكل واحد منهما مما ينسجم مع فطرته ويحافظ عليها. وليس هناك فرق بين المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية والسياسية والعلمية والفكرية وغيرها إلا استثناءات حددها الشرع بدقة (37).

 

نطرة النوعية والجنسية:

فالإسلام حين ينظر إلى الرجل بوصفه إنساناً وينظمه ويوجهه ينظر إلى المرأة باعتبارها إنسانا أيضا، ويساويها مع الرجل على الصعيد الإنساني في كل تنظيماته وتوجيهاته، لأنهما سواء في كرامة الإنسانية وحاجاتها ومتطلباتها .

 وأما حين ينظر الإسلام إلى المرأة بما هي أنثى وينظم أنوثتها ويوجهها، ينظر في مقابل ذلك إلى الرجل باعتباره ذكرا، فيفرض على كل منهما من الواجبات، ويعطي لكل منها من الحقوق، ما يتفق مع طبيعته، وفقا لمبدأ تقسيم العمل بين أفراد المجتمع، وتنشأ عن ذلك الفروق بين أحكام المرأة وأحكام الرجل، فمرد الفرق بين أحكام المرأة وأحكام الرجل إلى تقدير حاجات ومتطلبات الأنوثة والذكورة، وتحديد كل منهما وفقا لمقتضيات طبيعته .

 أما في مجال التنظيم الذي يرتبط بإنسانية الإنسان فلا فرق فيه بين المرأة والرجل، لأنهما في نظر الإسلام إنسان على السواء، فالإسلام وحده هو الذي نظر إلى المرأة نظرة إنسانية على قدم المساواة مع الرجل، بينما لم تنظر تراثيات الحضارات الأخرى وحتى الحضارة الأوربية الحديثة إلى المرأة إلا بوصفها أنثى، والموقف الحضاري لكل مجتمع من المرأة ينعكس بدرجة كبيرة، بمقدار تغلغل تلك الحضارة على دور المرأة في تاريخ ذلك المجتمع، وطبيعة موقفها من الأحداث .

 فالمرأة في مجتمع يؤمن بإنسانية المرأة والرجل على السواء تمارس دورها الاجتماعي بوصفها إنسان، فتساهم مع الرجل في مختلف الحقول الإنسانية، وتقدم أروع النماذج في تلك الحقول نتيجة للاعتراف بمساواتها مع الرجل على الصعيد الإنساني.

  وهكذا فان المرأة من حيث كونها إنسانا مساوية للرجل، فهي مخاطبة مثله بتكاليف الشريعة، فهي مسئولة مسؤولية كاملة، لا يحمل عنها في الدنيا والآخرة تبعات أعمالها غيرها .

أن خطاب التكليف الإسلامي المعروف بأبعاده المتعددة، إنما جاء عاما للرجل والمرأة على سواء، عقيدة وعبادة ومعاملة، وأمرا ونهيا، وموالاة وحقوقا وواجبات، وجعل الله ميزان الكرامة والفوز وهما، التقوى والعمل الصالح وليس الذكورة والأنوثة، حيث  للمرأة المسلمة في بناء المجتمع المسلم، دور لا يقل عن دور الرجل فهي مصنع الرجال، ودورها في توجيه الأجيال دور كبير، فالمرأة في البيت والأسرة  لها الدور الأهم في رعاية البيت وتنشئة الأطفال على المفاهيم والقيم الأخلاقية المستمدة من الإسلام، ولذا لابد أن ندرك حق الإدراك أهمية دور المرأة في حركة التغيير والتنوير الاجتماعيين، سواء بالمنظور الديموغرافي الذي يكشف عن أن أكثر من نصف المجتمع من النساء، أو بالمنظور التربوي من حيث أن المجتمع يتربى على يدها، حيث تشكل الأم العامل الرئيس في تكون شخصية الطفل في السنوات الست الأولى وإن كل محاولة لإحداث تحول اجتماعي مصيرها الخيبة ما لم تسبق بثورة على مستوى التربية العائلية، ولأن شخصية الفرد تتكون خطوطها الأساسية في البيت حيث يقضي الطفل أيامه الأولى ملتصقاً شديد الالتصاق بأمه، فإن كل تحول حقيقي في صلب المجتمع ينبغي أن يمر بالأسرة، وبالتالي بالعنصر الرئيسي فيه وهو المرأة، التي تشكل الكفة الأخرى في الميزان، ولا تستقيم إحدى الكفتين إلا مقترنا بالأخرى ومرتبطا بها، إذ أنهما يشكلان وحدة واحدة ونفسا واحدة، وليس كالإسلام دين أحل المرأة مكانها الصحيح، فبعد أن اعترف بإنسانيتها الكاملة، أفسح لها فرصة المشاركة في الجهاد والمساهمة في البناء (38) .

   إن الإسلام صرّح بأن، المرأة الصالحة، خير من ألف رجل غير صالح، لأنها عنصر رئيسي في بناء المجتمعات وتربية الإنسان، فإذا كانت المرأة تسعى الى الكمال فسوف ينعكس ذلك على تنمية أفراد المجتمع الذي يعيشون في حضنها ويترعرعون في كنفها، وإذا كانت المرأة هي الحضن المقوم لأفراد المجتمع، فهي المرأة العاكسة لسلوكيته، ولهذا فلا بد من أن يوفر لها المكان المناسب لتقويمها فقد قال رسول الله (ص):

(ما أكرم النساء إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم).

  فإذا كانت المجتمعات التي سبقت المجتمع الإسلامي قد نظرت إلى هذا الكائن الإنساني نظرة احتقار وازدراء، وعاملتها معاملة قاسية يندى لها الجبين فإن الإسلام نظر إليها نظرة رفيعة التقدير، حيث جعلها في مصاف الرجل تماماً، لكل منهما مسؤولياته في تقويم المجتمع الذي دعا إليه الإسلام، وأن أي انتقاص لها وخفض لكرامتها سوف يكون له انعكاساته السلبية على المجتمع الإنساني هذا ما أكد عليه النبي(ص)، بصورة خاصة منفرداً به عن بقية الشرائع، ومتميزاً فيه عن سائر الأنظمة القديمة والحديثة، وهنا لابد من التأكيد على أن قدرة المرأة على القيام بهذا الدور تتوقف على نوعية نظرة المجتمع إليها والاعتراف بقيمتها ودورها في المجتمع، وتمتعها بحقوقها وخاصة ما نالته من تثقيف وتأهيل وعلم ومعرفة لتنمية شخصيتها وتوسيع مداركها، ومن ثم يمكنها القيام بمسؤولياتها تجاه أسرتها، وعلى دخول ميدان العمل والمشاركة في مجال الخدمة العامة.

 

القوامية هي تفضيل للمرأة:

القوامية هي تفضيل للمرأة من ناحية احترام الاسلام للفطرة النسائية وايجاب الالتزام بها من قبل الرجل من كونها من أهم الطبائع البشرية التي تختص بالمرأة:

(الرِّجال قوّامون على النِّساء بما فضّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصّالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ...)(النساء / 34) .

لتتفرع من هذه القوامية أسس تشكل أعمدة احترام النساء وبناء الاسرة وتثقيفها كوظيفة اجتماعية مقدسة:

(ولهنّ مثل الّذي عليهنّ بالمعروف)(البقرة / 228)، (وعاشروهنّ بالمعروف)(النساء / 19)، (لينفق ذو سعة من سعته)(الطّلاق / 7)، (وتعاونوا على البرِّ والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان)(المائدة / 2) .

 وكما تحدّث القرآن في الأسس والروابط الإنسانية والقانونية في الاُسرة، تحدّثت السنّة النبويّة عن ذلك، كما ورد في الحديث الشريف:

(كلّكم راع فمسؤول عن رعيّته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيّته، والرّجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده، وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيِّده، وهو مسؤول عنه، ألا كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته)(39).

وما روي عن الصادق (ع) : (من خُلق الأنبياء حبّ النساء)(40).

وما روي عنه (ع) أيضاً : (ما أظنّ رجلاً يزداد في الايمان خيراً إلاّ ازداد حبّاً للنساء)(41).

 

أمثلة ورموز نسائية :

لقد كان للمرأة دور بارز وخطير في مسيرة رسالات السماء وحركة الأنبياء والمرسلين (ع) والعظماء عموما، فقد ساهمت المرأة في الكفاح الفكري والسياسي، وتحمّلت التعذيب والقتل والهجرة وصنوف المعاناة كلّها والإرهاب الفكري والسياسي والجبروت، وأعلنت رأيها بحريّة، وانضمّت الى الدعوة الإلهية رغم ما أصابها من خسارة السلطة والجاه والمال، ولحوق المطاردة والقتل والتشريد والإرهاب بها، فها هي مريم اُمّ المسيح التي عظّمها القرآن كما عظّمها نبيّ الإسلام محمّد (ص)، فقد أثنى القرآن في آيات عديدة على هذه المرأة النموذج وهو يقدِّمها مثلاً أعلى للرّجال، كما يقدِّمها مثلاً أعلى للنّساء ليقتدى بسلوكها واستقامة فكرها وشخصيّتها، والذي يدرس تأريخ المرأة في الدعوة الإلهية، يجدها جهة للخطاب كما هو الرّجل، من غير أن يفرِّق الخطاب الإلهي بينهما بسبب الذكورة والأُنوثة .

وبدراسة عيّنات تأريخية من حياة النساء في مسار الدعوة الالهية، نستطيع أن نفهم الموقع الرائد والفعّال الذي شغلته المرأة في حياة الأنبياء ودعواتهم، فتتجلّى قيمة المرأة في المجتمع، ومشاركتها الفكرية والسياسية، وحقوقها الإنسانية والقانونية، نقرأ هذه المشاركة المتقدِّمة والواسعة عندما نقرأ قصّة كفاح أبي الأنبياء إبراهيم (ع) ضدّ قومه ممّا دعاه الى الهجرة، فكانت سارة زوجته والمؤمنة بدعوته رفيقة جهاده وصاحبته في هجرته، وليبدأ فصل من أعظم فصول تاريخ الإنسان على يد النبيّ ابراهيم (ع)، تسانده زوجه سارة، وتقف الى جنبه في جهاده ومعاناته وهجرته .

ويتحدّث القرآن عن قصّة الهجرة والحياة الأسرية هذه، كما يتحدّث عن دور هاجر الزوجة الثانية لابراهيم (ع) ومشاركتها في كتابة الفصل المضيء من تاريخ الإنسان في أرض الحجاز، في مكّة المكرّمة، لقد كانت قصّة هذه المرأة من أشهر قصص التاريخ، وأكثرها غرابة، وأعظمها كفاحاً وصبراً، فتألّقت في سماء التأريخ لتكليف الهي من خلال احتضان ابنها النبيّ اسماعيل(ع)، في واد غير ذي زرع عند البيت المحرّم، ليكون أباً لاعظم نبيّ في تأريخ البشرية، وهو محمّد (ص)، ويسجِّل القرآن تلك الحوادث بقوله :

(ربِّ إنِّي أسكنتُ مِن ذريّتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرّم)(ابراهيم / 37).

ويتحدّث القرآن عن اُمّ موسى (ع)، وتلقّيها للتلقين والتوجيه الإلهي الذي اُلقي في نفسها، لتحفظ موسى (ع) من ظلم فرعون، وتكريمها العظيم بإعادته (ع) لها، لتكون اُمّ النبيّ المنقذ(ص)، الذي حطّم بمساعدة الهية أعظم طاغوت في تأريخ البشرية، يعرضها القرآن محوراً أساسياً في صنع هذه الحوادث، ثمّ يتحدّث عن زوجة فرعون وهي آسيا المؤمنة وعن مريم اُم المسيح عيسى (ع)، ويعرضهما نموذجاً ومثلاً أعلى لأجيال البشرية، بقوله :

(وضربَ اللهُ مثلاً للّذينَ آمنوا امرأةَ فرعون إذ قالت ربِّ ابن لي عندكَ بيتاً في الجنّةِ ونجِّني من فرعونَ وعمله ونجِّني من القوم الظالمين * ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربِّها وكتبه وكانت من القانتين)(التحريم/11 ـ 12).

 لنقرأ هاتين الآيتين، ولنتأمّل بمحتواهما الفكري الرائع الذي تحدّث عن شخصية المرأة بإجلال واحترام، ليس بوسع أيّة حضارة ماديّة أن تمنحهما لها .  

 قدّم القرآن المرأة الصالحة مثلاً عمليّاً للرِّجال والنِّساء، وطالبهم بالاقتداء بها، فقد جاء ذلك في قوله عزوجل : (وضرب الله مثلاً للّذين آمنوا)، انّ عبارتي (ضرب الله مثلاً)، و(للّذين آمنوا)، كما هي واضحة، تبرزان لنا مفهوماً حضارياً إيمانياً فريداً في عالم الفكر والحضارة الخاص بالمرأة الصالحة؛ فقد جعلها مثلاً أعلى، وقدوة للرّجال، كما هي قدوة النساء في العقيدة والموقف الاجتماعي والسياسي، فعرض نموذجين لسموّ شخصيّة المرأة المؤمنة ومكانتها في الفكر الإسلامي. عرض امرأة فرعون، ملكة مصر، وسيِّدة التاج والبلاط والسلطة والسياسة والدولة الكبرى في ذلك العالم، التي تحدّت السلطة، ومريم ابنة عمران التي تحدّت كبرياء بني اسرائيل وتآمرهم، وحربهم الدعائيّة ضدّها.

 من هذه النصوص نفهم مقام المرأة وشخصيّتها في حياة النبيّ (ص) ودعوته، والموقف النبويّ هذا يمثِّل في المفهوم الإسلامي أرقى تقييم لمكانة المرأة الإنسانية، واحترام شخصيّتها .

 وندرك عظمة المرأة في الرسالة الإسلامية وفي حياة النبيّ (ص) بالشكل الذي يتسامى بشخصيّتها، ويمجِّدها باحترام وتقدير، حين نعرف أنّ أوّل من استشهد في الإسلام هي، سميّة أمّ الصحابيّ الجليل عمّار بن ياسر، قتلها أبو جهل أحد قادة الشرك، فقد دفعت حياتها ثمناً لمبادئ الرسالة الربانية حين بدأت المواجهة بين الإرهاب والطاغوت، وبين محمّد (ص) والمستضعفين الذين وجدوا في رسالة الإسلام المنقذ لحقوق الإنسان، والمحرِّر من الجهل واستعباد الإنسان لأخيه الإنسان، كما سارع العديد من النساء المستضعفات لتصديق النبيّ (ص) في بدء دعوته، وتحمّلن الأذى والتعذيب والاضطهاد، فهاجرن الى الحبشة والى المدينة المنوّرة، ونصرن الله ورسوله (ص) بكلّ ما اُوتين من قوّة، وتتألّق شخصيّة المرأة الصالحة حين نُطلّ على المشهد المحيط بالشهداء من خلال تصوير القرآن، وإخباره عنها:

(وأشرقت الارض بنور ربِّها ووُضِعَ الكِتاب وجيء بالنبيِّين والشّهداء وقُضِيَ بينهم بالحقِّ وهم لا يُظلمون)(الزمر / 69).

انّ المرأة المسلمة لمّا تكتشف مكانتها الحقيقية في الإسلام بعد، وانّ الرّجل المسلم لمّا يعرف مكانة المرأة في الإسلام على حقيقتها أيضاً، لذا اختلّ ميزان التعامل والعلاقة الذي لا يستقر إلاّ بالعودة الى مبادئ القرآن ليعرف كلّ منهم حقّه ومكانته ومسؤوليّته تجاه الآخر وعلاقته به، وإنّ المرأة اللاّهثة وراء سراب الحضارة المادية الذي يخفي وراءه مستنقع السقوط والاضطهاد للمرأة، لو عرفت ما لها في الإسلام من قيمة وحقّ وتقدير لما نادت إلاّ بالإسلام، ولعرفت أنّ المنقذ لكرامة المرأة وحقّها هو مبادئ القرآن .

 لقد تجلت الانعكاسات التربوية لطبيعة مكان المرأة في الإسلام عند الكثير من النساء اللواتي غيرن وجه التاريخ يوم فهمت دورها ومكانتها في هذا الوجود، حيث يمثل النموذج الأول خديجة بنت خويلد المبقية بالكبرى وابنتها فاطمة عليها السلام ، ويمثل النموذج الثاني شخصية أم سلمة رضي الله عنها، وزينب بنت الامام علي عليه السلام وغيرهن من النساء، وبالتالي أخذنا لنموذجين لدلالة على أن الاسلام أهتم بالمرأة منذ فجره وانبعاثه:

النموذج الأول: خديجة الكبرى عليها السلام :

        فمما لا شك فيه أن السيدة خديجة بنت خويلد الملقبة بالكبرى، لعبت دورا كبيرا في دعم النبي (ص) منذ اللحظة الأولى التي انقطع فيها النبي (ص) للعبادة والتعبد في غار حراء، وخروجه على التقاليد الاجتماعية التي كانت سائدة آنذاك من عبادة للأصنام والأوثان، حيث لم تعارضه في ذلك، بل شجعته على زهده، وكانت ترسل إليه الطعام وهو في تلك المنطقة المقطوعة، وبقيت على هذه الحالة حتى جاء النبي (ص)، جبريل(ع)،  وهو في غار حراء، ودار بينهما الحوار المعروف للجميع، وقد عاد النبي (ص)، إلى زوجته وهو يرتعش من وقع الوحي، وهنا أسرعت تلك الزوجة الصالحة لتقف بجانب زوجها وتدثره، منذ اللحظة الأولى، وهذا ما أشارت إليه سورة المزمل في القرآن الكريم، وبعد أن هدأ روع النبي (ص)، ذهبت به إلى ورقة بن نوفل فبشرها بنبوة محمد(ص)، فآمنت برسالته (ص) (42).

وكما كان للمرأة دورها في حياة ابراهيم وموسى وعيسى، نجد دورها واضحاً وعظيماً في حياة النبيّ محمّد (ص) ودعوته، فلقد جسّدت هذا الدّور العقيدي الفريد خديجة بنت خويلد القرشيّة الكبرى عليها السلام، التي كانت سيِّدة مجتمع مرموقة في مكّة المكرّمة، وثريّة صاحبة مال وثروة وتجارة ورأي، فآمنت بمحمد(ص) ورسالته وصدّقته، وبذلت أموالها الطائلة لنصرة دعوته، ولاقت معه صنوف الأذى والاضطهاد على امتداد عشر سنوات من حياتها المقدّسة، ودخلت معه الشِّعب، وتحمّلت معاناة الحصار الذي دام ثلاث سنوات، فكانت من أعظم الشخصيات في تاريخ الإسلام؛ لذا سمّى رسول الله (ص) العام الذي توفِّيت فيه عام الحزن، ويُعظِّم المسلمون هذه الشخصية تعظيماً فريداً، ويقتدون بسلوكها ومواقفها الكريمة تلك .

وفي حوار له مع زوجه عائشة حول شخصيّة خديجة ردّ عليها قائلاً :

(ما أبدلني الله خيراً منها، كانت اُمّ العيال، وربّة البيت، آمنت بي حين كذّبني النّاس، وواستني بمالها حين حرمني الناس، ورُزِقتُ منها الولد، وحُرِمتُ من غيرها)(43).

ويتحدّث عنها مرّة أخرى فيقول:

(إنِّي لاحبُّ حبيبها) (44) .

وكما تحدّث عن موقعها في نفسه، وحركة دعوته، ومسار رسالته، تحدّث عن ابنته فاطمة الزّهراء (ع)، فقال: (فاطمة بضعة منِّي، يؤذيني ما آذاها) (45).

وسُئل مرّة : (يا رسول الله أيّ أهلك أحبّ إليك ؟ قال : فاطمة بنت محمّد...)(46).

 لقد استطاعت السيدة خديجة الكبرى، أن تسجل اسمها ضمن الخالدين عندما قررت طوعية واختيارا دخول صراع الإسلام مع الجاهلية من أوسع أبوابه، ومنذ أول لحظة اتصلت بها السماء مع الأرض، فأخذت توالي النبي (ص)، بتشجيعها وتبث فيه من روحها ثبات وقوة، فقد كان النبي (ص)، يخرج إلى قومه فيدعوهم إلى الإسلام فيكذبوه ولا ينال منهم إلا الإهانة، فيرجع إلى بيته حزيناً يائساً فتزيل خديجة الكبرى عليها السلام حزنه، وتحيل يأسه أملاً وتهون عليه، وتدعوه إلى التمسك برسالته، واحتمال الأذى في سبيلها، وها هي ذا قريش تقاطع النبي(ص)، وأهل بيته ثلاث سنوات طوال حتى ليكاد هو وعشيرته يهلك جوعا،ً فلا تحزن خديجة الكبرى، بل تقابل ذلك بالصبر والإيمان(47).

وقد كانت خير مستشار للرسول، ونعم الناصح الأمين حتى صح فيها قول ابن إسحاق من ولابد أن نؤكد هنا انها المرأة الوحيدة في التاريخ صرفت مالها على الرسالة السماوية حيث كانت من النساء الثريات من بين قومها.

وقد توفيت السيدة خديجة في السنة العاشرة من نزول الوحي قبل الهجرة بثلاث سنين وسمي ذلك العام في حياة الاسلام بعام الحزن لأن النبي (ص)، فقد فيه اثنين من أقوى المناصرين له فقد عمه ابيطالب عليه السلام الذي كان يحميه وزوجته التي كان يسكن إليها وتدعمه وحزن النبي صلى الله عليه وسلم حتى خيف عليه ولا غرو فقد ظلت معه أربعاً وعشرين سنة لم يتزوج عليها، لله درك يا من صلحت لان تكوني مدرسة نستقى منك دروساً في التربية العملية، لله درك يا من بقي النبي (ص)، مرتبطا بك حتى وأنت بالقبر (48).

 هذا نموذج من النماذج التي ينبغي على المرأة المسلمة أن تعود إليه، فتستقي منه المرأة كيف تستطيع أن تنشئ أسرة يقام بها شرع الله سبحانه وتعالى، وتمارس فيها أسس الحياة المثلى (49).

النموذج الثاني أم المرمنين أم سلمة رضي الله عنها:

  أما النموذج الثاني فيمثل شخصية أم سلمة رضى الله عنها من خلال ما قدمته هي عن نفسها:

(أتاني أبو سلمة يوما من عند رسول الله فقال: لقد سمعت من رسول الله قولا سررت به، قال: لا يصيب أَحدا من المسلمين مُصِيبَةٌ فَيَسْتَرْجِعَ عِنْدَ مُصِيبَتِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَاخْلُفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلاَّ فُعِلَ ذَلِكَ بِهِ. قالت أمُّ سلمة: فحفظت ذلك منه، فلمَّا تُوُفِّي أبو سلمة استرجعتُ، وقلتُ: اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها، ثم رجعتُ إلى نفسي فقلتُ: مِن أين لي خيرٌ من أبي سلمة؟ فلمَّا انقضَتْ عدَّتي استأذن عليَّ رسول الله وأنا أدبغ إهابًا لي، فغسلتُ يدي من القرظ وأذنتُ له، فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف، فقعد عليها، فخطبني إلى نفسي، فلمَّا فرغ من مقالته قلتُ: يا رسول الله، ما بي أن لا تكون بك الرغبة فيَّ، ولكني امرأة بي غَيرة شديدة، فأخاف أن ترى منِّي شيئًا يعذبني الله به، وأنا امرأة قد دخلتُ في السن وأنا ذات عيال، فقال:  أَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنَ الْغَيْرَةِ فَسَوْفَ يُذْهِبُهَا اللَّهُ مِنْكِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنَ السِّنِّ فَقَدْ أَصَابَنِي مِثْلُ الَّذِي أَصَابَكِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنَ الْعِيَالِ فَإِنَّمَا عِيَالُكِ عِيَالِي، فقالت: فقد سَلَّمْتُ لرسول الله، فقالت أمُّ سلمة: فقد أبدلني الله بأبي سلمة خيرًا منه رسولَ الله).

 ويمكن من خلال التحليل الدقيق والعميق لهذا النص استنتاج العديد من الدروس التربوية، والتي يمكن للمرأة المسلمة، بل وللمرأة بشكل عام أن تستفيد منها في حياتها، فتوظف ما استفادته كي تقوم  بالدور المطلوب منها، وهو ما يتفق أشار اليه الغضبان من الصفات التي تمثلت في شخصية أم سلمة رضى الله عنها (50) .

ومن هذه الصفات:

1- المسلمة العالمة: فأم سلمة هي التي نقلت لنا هذا الحكم الشرعي، إنا لله وإنا إليه راجعون، وهو ما يقوله المسلم عند المصيبة إذا ألمت به، وكم من حكم شرعي فقهناه من النسوة، وفي هذا تأكيد على الدور الكبير الذي يمكن أن تقوم به المرأة في عملية التعلم والتعليم.

2- المسلمة القدوة: فلقد نقلت لنا الحديث بالأسلوب الذي يقربه إلى أذهاننا بحيث مثلته واقعاً حياً لا كلاماً نظرياً بحتاً، ومن خلال المعاناة الشخصية المباشرة لها، وهذا يؤكد على أهمية القدوة.

3- المسلمة المربية: فهي التي أعطتنا في هذا المجال من الدروس ما لا يحصى ومن خلال نص واحد مقتضب.

4- وفاء المرأة لزوجها: فعلى المرأة أن ترى أن زوجها هو مثلها الأعلى، وأن يحيا هذا في شعورها، وتؤمن به الإيمان الذي لا يتزعزع، لتستقر حياة الأسرة في عشها الهانئ الهادئ.

5- التقييم من خلال العقيدة: فعظمة أبي سلمة في ذهنها ليس بمقدار ما يقدم لها من لباس وزينة، أو يهيئ لها من طعام وشراب، بل عظمته في نفسها أنه أول مهاجر إلى الله ورسوله.

6- المسلمة الملتزمة: فليست علاقتنا مع نصوص- الشريعة علاقة حفظ وانتهى الأمر، أو علاقة إعجاب على أحسن تقدير، أو علاقة خاطر يرد إلى الذهن ويمضي، بل علاقة عمل وتطبيق.

7- المسلمة المؤمنة: وليس تطبيق النصوص ناتجاً عن عادة أو إجبار أو تكليف، بل عن قناعة وجدانية لا يتطرق إليها شك.

8- المسلمة الأم: فابنتها الصغيرة تحتاج إلى عناية ورعاية، وهي على استعداد أن تعاني شظف العيش، لتتمكن من تربية ابنتها والحنو عليها ورعايتها الرعاية المطلوبة.

9- المسلمة العظيمة: وسر عظمتها في رأي أنها لم تستجب لعواطفها منذ أول وهلة، لأنها تعلم مدى خطورة كونها زوجاً لرسول الله، وما يقتضي ذلك من تكاليف ومسؤولية خافت أن تؤذي رسول الله في سنها وغيرتها وابنتها؛ فاعتذرت عن أشرف كرامة سيقت إليها.

10- المسلمة الأنثى: إنها لا تكابر في المحسوس، ولا تنكر الواقع فهي تعلم عنف غيرتها وشدتها، فمن ذا الذي يضمن أن لا تخرج عن طورها من جراء الغيرة، فتقع في سخط الله وغضبه في لحظة من لحظات غيرتها الجامحة.

11- المسلمة الخالدة: وهكذا دخلت أم سلمة تاريخنا الإسلامي أما للمؤمنين في الأرض كل الأرض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولم يكن بإمكانها أن تبلغ هذه المرتقى العظيم لولا ماضيها العظيم من جهادها في سبيل الله وهجرتها إلى الله، واستعدادها لأن تخسر حياتها كلها في سبيل الالتحاق بركب الإسلام العظيم.

 ومن الجدير ذكره عند الحديث عن أم سلمة الإشارة إلى الدور الكبير الذي قامت به يوم صلح الحديبية،حيث كان له أهمية كبرى في جمع كلمة المسلمين ولم شملهم بعد أن كادوا أن يتفرقوا، فقد وقع صلح الحديبية بين المسلمين والكفار، مع أن قسماً كبيراً من المسلمين لم يرق له هذا الصلح، فهل يعودون مقهورين دون دخول مكة، وسمعوا نداء النبي (ص)، قوموا فانحروا ثم أحلقوا، ها هي عيونهم مسمرة برسول الله (ص)، هل يعون ما يسمعون؟ ماذا؟ أيعودون ولم يدلفوا إلى مكة؟ ونداء آخر من رسول الله (ص)، أن ينحروا ويحلقوا رؤوسهم ويحلوا من أحرامهم، ومرة ثالثة أوامر النبي(ص)، تصدر والمسلمون لا يحركون ساكناً، كيف يعودون بلا طواف ولا سعي ولا عمره؟

 ودخل النبي (ص)، على أم سلمة وذكر لها ما لقي من الناس، وتتقد ذهنيتها عن عبقرية نادرة قل نظيرها في التاريخ، ولا بدع في ذلك؛ فهي تربية بيت النبوة قالت:

(يا نبي الله أتحب ذلك؟ أخرج ثم لا تكلم أحد منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك).

 فالأمر اللفظي لم يحرك ساكناً طالما أن الرسول (ص)، لا يزال في إحرامه، لكن الأمر العملي هو الذي حسم الأمر، فلم يعد للمسلمين عذر في التلكؤ بعد أن وجدوا رسول الله (ص)، يحل من إحرامه ويحلق رأسه، وخرج النبي(ص)، فلم يكلم أحدا حتى فعل ذلك: نحر بدنه، ودعا حالقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق رأس بعض(51).

لقد ظهرت في هذا الصلح المبارك أهمية الشورى، ومكانة المرأة في الإسلام، وأهمية القدوة العملية في موقف واحد، وفي قبول النبي(ص)، لمشورة زوجته أم سلمة تكريم للمرأة، التي يزعم أعداء الإسلام أن الإسلام لم يعطها حقها وتجاهل وجودها، وهل هناك اعتراف واحترام لرأي المرأة أكثر من أن تشير على نبي مرسل، ويعمل النبي(ص)، بمشورتها لحل مشكلة واجهته في حياته، وهنا يجب أن لا ننسى أن أم سلمة كانت سبب نزول الاية الكريمة:

(فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ..)(آل عمران/195).

 فأي شريعة أعظم من هذه الشريعة التي جعلت النساء تسأل النبي بهذه الطريقة، ولا يسكتن عن حق أو دور يعتقدن أنه يجب ذكره كما يذكر للرجال على حد سواء؟.

ولعلّنا نكتشف من خلال البيان القرآنيّ والتاريخي الموجز هذا أنّ المرأة في مفهوم القرآن والرسالة الإلهية هي حاضنة عظماء الأنبياء (ع)، والمكلّفة بحفظهم، والعناية بهم، والوقوف الى جنبهم، تجسّد ذلك جليّاً في حياة ابراهيم وموسى واسماعيل وعيسى ومحمّد (ص)، أعاظم الأنبياء والمرسلين (ع) ، وقادة الفكر والإصلاح والحضارة الإلهية على هذه الأرض .

ولقد سجّل القرآن دور المرأة في حياة النبيّ (ص) ودعوته ومشاركتها له في الهجرة والجهاد مقروناً بدور الرّجل عند حديثه عن الهجرة والبيعة والدعوة والولاء، واستحقاق الاجر والمقام الكريم وعلاقة الرّجل بالمرأة... الخ في مئات الآيات من بيانه وحديثه في هذه الموضوعات:

(والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)(التوبة / 71)، (ربِّ اغفر لي ولوالديّ ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تُزِد الظّالمين إلاّ تبارا)(نوح / 28)، (يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم)(الحديد / 12) .

في هذه الآيات يرفع القرآن المرأة الى أكرم مقام يمكن أن يحتلّه انسان في الدنيا والآخرة، وهو يتعامل معها كما يتعامل مع صنوها الرّجل على حدٍّ سواء، فهي والرّجل في مفهوم الرسالة الإسلامية (أولياء) يوالي بعضهم بعضاً، ولاءً عقائديّاً، يقومون بإصلاح المجتمع، ومحاربة الفساد والجريمة والانحطاط، ويحملون رسالة الخير والسلام والأعمار في الأرض.

 وفي الآية الثانية يتوجّه النبيّ نوح (ع) إلى ربِّه بالدعاء للمؤمنات، كما يتوجّه اليه سبحانه بالدعاء للمؤمنين، ومن محتوى هذه المناجاة تشعّ مبادئ التكريم والحبّ والاحترام للمرأة، ذلك لأنّ الدّعاء لشخص يحمل هذه المعاني كلّها .

ويتألّق مقام المرأة مضيئاً، ويشرق مقدّساً على صفحات القرآن من خلال تصويره للمؤمنين والمؤمنات في هالة من نور، يوم لقاء الربّ وساعة استحقاق الجزاء الذي يُقيّم فيه الإنسان من خلال عمله وسعيه في الحياة .

وهكذا نفهم أنّ القرآن قد منح المرأة الصالحة الحبّ والولاء، ودعا لها بالمغفرة والعفو والرّحمة ، وأحاطها بهالة من نور، وهي المرأة التي مثالها آسية زوجة فرعون، ومريم اُمّ المسيح، وخديجة زوج الرّسول محمّد (ص) وفاطمة بنت محمّد (ص) .

 

النتائج:

1- أن الإسلام ساوى بين المرأة والرجل مساواة تامة في الخلق والتكوين ،واختيار الزوج وطلاقه، كما إن للمرأة حق النفقة.

2- أن الإسلام قد ساوى بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات ولم يفرق بينهما في القيمة الإنسانية، وان تردي أوضاع المرأة المسلمة وحرمانها من الكثير من حقوقها لا يعكس روح القرآن والأحاديث، بل هو نتيجة للظروف والعادات الاجتماعية السائدة في العديد من الدول الإسلامية.

3- ان الاسلام جاء بهدف تبيان اثر التكريم الإلهي للإنسان على حقوق الرجل والمرأة في الإسلام، حيث أن الرجل والمرأة مخلوقان من أصل واحد، ومتساويان في الأمور الجبلية والفطرية، ولكن الإرث الاجتماعي الذي توارثته المجتمعات والأمم قد فصلا بينهما فصلا شنيعا.

4- تتجلى مكانة المرأة في الإسلام، وما للدين الحنيف من فضل على المرأة، وما منحها من حقوق لا ينكرها إلا جاهل أو مكابر، وإيقاف الناس على ما حبا به الإسلام المرأة من خصائص.

5- أن حق العمل المناسب لطبيعة المرأة مباح لها، كما أن هناك مجموعة من الحقوق كفلها لها الاسلام ومداريه الفقهية ومنها حق المرأة في التعليم وإبداء الرأي والمساواة، فضلا عن القضاء على كافة أشكال التميز ضد المرأة .

6- قبت التاريخ الاسلامي للمرأة دور متميز منذ فجر الاسلام، و أن الشريعة الإسلامية غيرت الكثير من المفاهيم الجاهلية، حيث أصبح للمرأة دورا بارزا في إدارة شؤون بيتها،  كما أصبح لها حق التملك والتصرف في مالها، وأصبح لها مصادر دخل من الأعمال التي كانت تقوم بها كالغزل والنسيج والخياطة والزراعة والرضاعة، الى جانب الدور السياسي التي كانت تقوم به، حتى أنها قادت أو وجهت الأحداث السياسية.

7- بين الاسلام دور الأم في إعداد العلماء، وأن للام دورا كبيرا في إعداد الأعلام، وأنها قادرة على مضاعفة الجهود وسد الفراغ في حالة غياب الأب، وهي قادرة على الموازنة بين العاطفة والعقل، حيث تمكنت المرأة المسلمة تحقيق غايتها من خلال الأبعاد البنائية للشخصية المسلمة.

8- يهدف الأسلام الى التعرف على الأدوار الاجتماعية للرجل والمرأة من منظور تربوي إسلامي، حيث اختلاف مفهوم النوع بين المنظور الإسلامي وغيره، وقد اهتم الاسلام بوضع الأسس التي تحكم علاقة الرجل بالمرأة، وان الممارسات الخاطئة عند بعض المسلمين نتيجة سوء فهم وتطبيق مع الجهل بأوامر الشرع تجاه المرأة والرجل.

9- الاسلام جاءت بهدف الكشف عن دور المرأة  في تعزيز الثقافة الإسلامية في ظل تحديات العثزر والمستجدات الزمنية والمتغيرات المكانية، والمقومات الواجب توافرها في المرأة المسلمة لأداء هذا الدور، حيث أن دور المرأة كبير في هذا الإطار، وان الاسلام دوما يؤكد على تقديم برامج إرشادية تناسب ماغيرات الزمن والمكان تعمل على الارتقاء بدور المرأة في تعزيز الثقافة وانسانيتها من خلال تنوع الأساليب الحديثة المستخدمة في تربية الأبناء التي تتلاءم وروح العصر مع مهارة في التعامل مع معترك الحياة.

10- يركز الاسلام على استنباط  الصفات التربوية للمرأة المسلمة من القران والسنة، وبيان الأثر التربوي الناتج عن التزام المرأة بهذه الصفات على نفسها وأسرتها ومجتمعها، حيث أن القرآن الكريم تضمن العديد من الصفات التربوية الواجب على المرأة التزامها ومنها العفة والحياء والحجاب، الى جانب أن التزام المرأة بهذه الصفات له آثار تربوية عميقة على نفسها وأسرتها ومجتمعها، وانه لا صلاح لهذه الأرض ولا راحة لهذه البشرية ولا رفعة إلا بتربية المرأة التربية الصحيحة.

11- ايجابية الفكر الاسلامي بخصوص القدرة لدى المرأة العاملة على تخطي الانعكاسات التربوية التي تواجهها، مقترنة بالمعايير الشرعية في العمل، وتحلي المجتمع بالقيم والمفاهيم والمعتقدات الدينية التي تحفظ عفة المرأة وتصونها من السقوط والابتذال.

ان هذه النقاط المبسطة تدل على العناية والمكانة السامية التي ينبغي أن توضع فيها المرأة في نظر الإسلام، وهذه المكانة لم تحظ بها المرأة كما حظيت بها في الاسلام .

 إن الإسلام جعل المرأة شريكة الرجل في الأصل الذي تفرع عنه الإنسان، ومن الرجل والمرأة تعددت القبائل والشعوب، وبذلك كان الرجل أباً، وكانت المرأة أماً، واعتبر القرآن الكريم ذلك نعمة توجب عليه الشكر، ومراقبة الله عزوجل، كما توجب عليه النظرة المستقيمة إلى أخيه الإنسان، الذي يشاركه في معنى الإنسانية .

 

الختامية:

ان الفكر الاسلامي قد أصل حقوق المرأة وواجباتها بالاعتماد على دراسة آيات القران الكريم والسنة النبوية، حيث من الضرورة الفصل بين ما هو موروث من العادات والتقاليد حول المرأة وبين ما هو إسلامي أصيل يمثل رؤية الإسلام لطبيعة مكانة المرأة ودورها التربوي في الحياة، وبالتالي فمن المهم جدا الاطلاع على الأدب النظري المرتبط بالمرأة بما لها من حقوق وما عليها من واجبات، وكذلك  التعرف على المنهجية العلمية المستخدمة لتنشأت المرأة لنفسها أو من قبل أسرتها وذويها، ومعرفة كيفية انعكاس طبيعة مكانة المرأة في الإسلام على الدور التربوي لها، لادراك جدلية التمييز ضد المرأة، وما دار حولها من أفكار ومفاهيم مغلوطة، وبيان الرؤية الإسلامية في ذلك، من خلال التمييز بين سلوكيات الناس باتجاه المرأة وما تعودوا عليه وبين ماله علاقة بالدين.

وهكذا فإن إعلاء الإسلام لشأن المرأة في الحقوق والواجبات كان يمثل قمة العدالة المطلقة، لما للمرأة من أهمية قصوى في المجتمع. وانطلاقاً من هذا الفهم يجب على المرأة المسلمة أن تعلو وترتفع عن الاهتمام المزيف المتجاوز حده في مفاتن جسمها وملبسها ورياشها، وعن تخبطها خبط عشواء في عقيدتها وعبادتها وسلوكها، وتنبع تلك الطاعة وذلك الانقياد عن علم راسخ في كتاب الله وسنة النبي (ص)، وهو سبحانه اختار لها الأنوثة لتكون أم الخليقة فهي أمهم التي يؤمون إليها، يستقدمون منها الكلمات، فيسعدون في الدنيا والآخرة بقدوتها الصالحة وتربيتها الرفيعة السمية، وبقيادتها الرحيمة الحكيمة، وبتعليمها البناء المستند إلى كتب الله وسنة المصطفى(ص)، فتلك هي المرأة المسلمة العاملة، تلك هي المرأة البانية للمستقبل الجديد ببناء جيل جديد.

 

.....................

الهوامش والمصادر :

1- البخاري/ ج 3/ ص 196 .

2- الكليني/ الفروع من الكافي/ ج 5/ ص 320/ ط 3 .

3- الكليني/ الفروع من الكافي/ ج 5/ ص 320/ ط 3 .

4- خمش، حنان احمد/2006/ حقوق المرأة في الإسلام/ المجلة الأردنية للعلوم التطبيقية،(9)2، ص183 .

5- الطريحي / تفسير غريب القرآن الكريم، والطباطبائي / تفسير الميزان .

6- الطريحي / تفسير غريب القرآن الكريم، والطباطبائي / تفسير الميزان .

7- المعجم الوسيط .

8- المعجم الوسيط .

9- الكعبي، محمد مطر/2010/ دور المرأة في بناء المجتمع/ دار القلم، الكويت .

10- التل، شادية/1991/ مكانة المرأة ودورها في المجتمع الإسلامي/ من بحوث ندوة المرأة في العالم الإسلامي التي عقدتها الايسيسكو في القاهرة، بتاريخ 19-21/1991 .

11- الحرّ العاملي / وسائل الشيعة / كتاب الصّلاة / أبواب أحكام اللّباس / الباب 13 .

12- الحرّ العاملي / وسائل الشيعة / كتاب الصّلاة / أبواب أحكام اللّباس / الباب 13 .

13- البخاري / صحيح البخاري / ج 7 / ص 55 .

14- شحاتة،عبد الله/1984/ المرأة في الإسلام بين الماضي والحاضر/الهيئة المصرية للكتب، ص 5-9 .

15- جرادات، صالح احمد/ 2000/ حقوق المرأة في الإسلام دراسة مقارنة مع الواقع/ مطبعة الروزنا، اربد .

16- عاوجي، وهبي سليمان/1988/ المرأة المسلمة/ مؤسسة الرسالة، بيروت/ ص 1988،32-33 .

17- السيوطي-1373هـ، جـ،2ص54 .

18- المساعدة، عبد المهدي/2001/ المؤتمر العلمي حول حقوق المرأة والطفل في ظل التشريعات الوضعية والدولية والسماوية/ جامعة اليرموك .

19- رواه البخاري/ 1379هـ، جـ1، ص192 .

20- البخاري/ كتاب العيدين .

21- صادق، فريدة/2011/ وعي المرأة بدورها الاجتماعي وأثره في معالجة الفقر .

22- الزعبلاوي، محمد السيد محمد/1984/ الأمومة في القرآن الكريم والسنة النبوية/ص116-117/ مؤسسة الرسالة/بيروت، لبنان .

23- البخاري/ جـ8، ص345 .

24- كركر، عصمة الدين/1985/ المرأة من خلال الآيات القرآنية/ الشركة التونسية للتوزيع/ ص 140 .

25- غزلان، رشيد/1990/ المنهاج في حقوق الزوجات والأزواج في الإسلام/ المطابع التعاونية، عمان/ ص133 -134 .

26- السيوطي، 1373، ج1، ص11 .

27- أمين، قاسم/1980/ تحرير المرأة، المؤسسة العربية للنشر،بيروت/ص43 .

28- الزعبلاوي، محمد السيد محمد/1984/ الأمومة في القرآن الكريم والسنة النبوية/ مؤسسة الرسالة/بيروت، لبنان ،ص 165-166 .

29- العك، عبد الرحمن/ 2005/ شخصية المرأة المسلمة في القران والسنة/ دار المعرفة، بيروت /ص 11 .

30- كاريل، الكسيس/1977/ الإنسان ذلك المجهول/ مكتبة المعارف، بيروت/ ص104 .

31- الشوكاني، محمد علي/1982/ نيل الأوطار/ دار الفكر، بيروت، لبنان،6/ ص262 .

32- السيوطي، الجامع الصغير في احاديث التيسسير والتدبير، جـ2، ص18 .

33- أبو فارس، محمد عبد القادر/2000/ حقوق المرأة المدنية والسياسية في الإسلام/ دار الفرقان،عمان .

34- الترمذي، 1983، الحديث رقم 1597 .

35- ابن قتيبة الدينوري/ الامامة والسياسة / ج 1، ص 19 .

36- ابن كثير، تفسير سورة آل عمران .

37- صادق، فريدة/2011/ وعي المرأة بدورها الاجتماعي وأثره في معالجة الفقر .

38- التل، شادية/1991/ مكانة المرأة ودورها في المجتمع الإسلامي/ من بحوث ندوة المرأة في العالم الإسلامي التي عقدتها الايسيسكو في القاهرة، بتاريخ 19-21/1991/ مراجعة محمد توفيق أبو علي/ ص22 .

39- البخاري/ ج 3/ ص 196 .

40- الكليني/ الفروع من الكافي/ ج 5/ ص 320/ ط 3 .

41- الكليني/ الفروع من الكافي/ ج 5/ ص 320/ ط 3 .

42- الرفاعي، جميلة عبد القادر / و العزيزي محمد رامز/ 2006/ حقوق المرأة في الإسلام/ دار المأمون للنشر والتوزيع،عمان .

43- إسعاف الرّاغبين المطبوع على هامش نور الأبصار للشبلنجي/ ص 96 .

44- صحيح مسلم / ح 15 / ص 201 / دار إحياء التراث العربي .

45- سنن الترمذي، ومسند أحمد بن حنبل / ج 4 / ص 5، وخصائص النسائي/ ص 25 .

46- الطبري/ ذخائر العقبى/ ص 36 .

47- هيكل، محمد حسنين/1968/ حياة محمد/ مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ص91 .

48- حسن، علي إبراهيم/1981/ نساء لهن في التاريخ الإسلامي نصيب/ مكتبة النهضة المصرية، القاهرة .

49- هيكل، محمد حسنين/1968/ حياة محمد/ مكتبة النهضة المصرية، القاهرة ، ص 91 .

50- الغضبان، منير محمد/ 1989/ إليك أيتها الفتاة المسلمة/ مكتبة المنار، بيروت ،ص 73-82 .

51- حسن، علي إبراهيم/1981/ نساء لهن في التاريخ الإسلامي نصيب/ مكتبة النهضة المصرية، القاهرة .

  

 

تابع موضوعك على الفيس بوك  وفي   تويتر المثقف

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2176 الأثنين 09/ 07 / 2012)

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا ع الكلام الرائع

غنوج المساعيد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2134 المصادف: 2012-07-09 11:16:43


Share on Myspace