 دراسات وبحوث

اعادة قراءة أيات الحجاب (2) / احمد الكناني

ahmad alkinaniالحجاب مفردة اثقلتها فتاوى الفقهاء وحملتها ما لا تطيق وجعلتها تستوعب الزمان بأكمله

وتختزل الشريعة برمتها وهي لا تستحق كل هذا التهويل والعويل،  ولذا سأعرض عن اقوالهم هذه المرة بعد ان عرفنا متبنياتهم في الحلقة السابقة والتي ظهر انها تستند الى نصوص قرأنية بعيدة عما نحن بصدده كمفهوم للحجاب الاسلامي المتعارف عليه اليوم،  كقوله تعالى : {واذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب}"?"  فالاية وان تضمنت لفظة الحجاب صريحا الا ان المعني به امرا اخر لا علاقة له بزي المراة،  وانما هو الساتر بمفهومه العام .

او تستند الى روايات لا ترقى الى المستوى الذي يجعلها دليلا على الحكم بفرض الحجاب،  اما لضعف في المسانيد او قصور في الدلالات،  وما سلم منها فهو متعارض مع بعضه البعض  كما في الرواية التي تصف المرأة بأنها عورة فأذا خرجت استشرفها   الشيطان،  او تلك الرواية التي تساوي بين المراة والكلب الاسود .. المتعارضة مع رواية عائشة،  وقد تقدمت المناقشة في تلك الروايات في الحلقة الاولى .

ثم ان منهج البحث في دراسة مثل هذه المفاهيم يتطلب الاخذ باعتبارات الحالة الاجتماعية السائدة انذاك، وهذا ينفع كثيرا في فهم النص الوارد في هذا المورد بالخصوص،  ولا يصح قصر النظر والجمود على ما ورد من  الروايات والاخبار والقواعد الفقهية واقوال الفقهاء لفرض زي بعينه كوضع شرعي يترتب عليه الثواب والعقاب الاخروي،  او ادراجه كقانون جزائي يعاقب مرتكبه بغرامات مادية اوحتى ايداع السجن كما يحصل في بعض البلدان الاسلامية .

وذلك لان الحجاب يدخل ضمن المنظومة الاجتماعية التي تحكم العلاقة بين الرجل والمراة  داخل المجتمع في الجزيرة العربية وقتذاك، حاله حال مفهوم القيمومة اوالنفقة وما الى ذلك مما تقتضيه طبيعة المجتمع القبلي، الذي يفرض على الرجل جملة التزامات غير متوافرة عند المراة،  ويجعل الضرورة هي المناط في خروجها من البيت واختلاطها مع الاخرين، واحكام الحجاب جاءت ضمن هذه السياقات صونا واحتراما لها،  لكن هل من الاحترام والصون لكرامتها هذا اليوم حرمانها من فرص التعليم او العمل وان تتساوى مع الرجل في تلك الفرص ؟ بالطبع ان المفاهيم قد تغيرت وبتغير المفاهيم سوف تتغير الاحكام تبعا لها، فكما ان الاحكام تابعة للموضوعاتها  فهي تابعة لمفاهيمها ايضا .

ونلاحظ  تلك العلاقة بوضوح في ايات سورة النور الامرة بالغض من البصر لكلا الطرفين الرجل والمراة  وابداء الزينة لاناس معينين كالازواج والاباء والاخوة .. الى اخر ما تذكره الاية من استثناءات . وكذلك  النهي عن التفنن في اللباس والزينة وكشف الصدور والاعناق  لكل افراد المجتمع لما في ذلك من خرق للادب والحياء العام وتجاوز على حق للمجتمع .

و سر ذلك : ان التشريعات الاسلامية في الاغلب تهدف الى بناء مجتمع سليم  تصان فيه الحقوق ولو اقتضى ذلك الغاء خصوصيات الافراد،  وهذا ما يميز المجتمع الاسلامي عن غيره من المجتمعات التي تعطي الاولوية للحالة الفردية وان اقتضت الغاء بعض خصوصيات المجتمع،   ومنه تفهم الشدة المفرطة  في تشريع بعض العقوبات الجنائية المسماة بالحدود اذ الهدف قطع دابر السرقة مثلا عن المجتمع وان نتج عنه قطع يد الفرد ... والحجاب ايضا حق من حقوق المجتمع وان كان فيه الغاء لخصوصية الحالة الفردية،  فالمراة المسلمة عند خروجها الى الشارع وهي متبرجة  قد تعدت حدود المجتمع وتجاوزت على حق للمجتمع ومن حق المجتمع الاعتراض عليها،  ومن هنا جاء النص الناهي عن الضرب بالارجل لجلب الانتباه الى الخلخال وما تخفيه من الزينة والاثارة، رغم ان ما تقوم به يعد حقا طبيعيا بحسب نظرتنا اليه الان .

و لنعد قراءة ايات الحجاب  ضمن الجو العام الذي نزلت به وعلى ضوء ما تقدم  :

{ يا ايها النبي قل لازواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك ادنى ان يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما } "?"

{ وقل للمؤمنات يغضضن من ابصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن الا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن الا لبعولتهن او ابائهن او اباء بعولتهن اوابنائهن ابناء بعولتهن او اخوانهن او بني اخوانهن او بني اخواتهن او نسائهن او ما ملكت ايمانهن او التابعين غير اولي الاربة من الرجال او الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا الى الله جميعا ايها المؤمنون لعلكم تفلحون}"?"

يظهر ان الظروف الاجتماعية التي رافقت الدعوة بادناء الجلابيب هي حالة تشابه الازياء بين  الجواري والسيدات حتى كدن لا يعرفن من هي السيدة ومن هي الجارية في مجتمع يضع فوارق طبقية واسعة بين سيدات المجتمع وبين مملوكاتهن،  فالسيدة العربية هي من تصان بالجلباب لا الامه الفارسية او الرومية التي هي عرضة للبيع والشراء وعبث العابثين .

ويؤيد ذلك اطباق المفسرين على هذا المعنى وانه الشأن في نزول الاية،  وروايتهم قصة تعرض النساء الحرائر باذى من القول من قبل بعض الفتيان عند خروجهن لقضاء الحاجة لعدم تمييزهن من الاماء،  وتفصيل القول في هذه الاية تكفلت به الحلقة الاولى من هذا المقال،  والنتيجة التي توصلت اليها ان الاية تخاطب النساء المسلمات بالتزام الستر والاحتشام في الملبس وهذا ما يتناسب ونظرة الاسلام للمجتمع،  بعد الغاء خصوصية صفة الحرية والرقية عن المراة وتعميم الحكم وتعديته لكل النساء المسلمات،  وان كان منطوق الاية خاص بالسيدات الا ان المفهوم عام للسيدات وغيرهن،  ونظير ذلك كثير في الاحكام اذ نزول الاية يكون كقضية في واقعة  الا ان المستفاد هو حكم عام،  حتى قيل ان الايات نزلت باياك اعني واسمع يا جارة .

و الاية الثانية الامرة بالغض من البصر وحفظ الفرج وستر مواضع الزينة جاءت  بذات المعنى الذي اكدته اية ادناء الجلابيب، ومن قبلها الايات الامرة بالاستئذان للدخول في البيوت{يا ايها الذين امنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على اهلها

}"?" لان البيوت سكنا لاهلها تأمن فيها الناس على عوراتهم وحرماتهم فلابد من حفظها عن الاخرين،  والامر بالاستذان مقدمة لحفظ الامن للبيوت التي هي لبنات المجتمع ومن خلالها يسود الامن في المجتمع  وهذا ما يتوخاه الاسلام للمجتمع، وكأن هناك وحدة سياق يجمع بين ايات الاسئذان وايات الحجاب،  ويجمعهما ادب التعامل مع البيت والمجتمع والنتيجة المستقاة من كل ذلك هي مجتمعا سليما خال من اساليب الغواية ومقدمات الجريمة.

هذا مجمل ما يمكن استيحائه من ايات الحجاب،  اما محور تلك الايات وهو الضرب بالخمار على الجيوب بحاجة الى اعادة قراءته مرات ومرات،  وسأستعين على ذلك ببعض أراء الرعيل الاول من المفسرين التي تلقي ببعض الضوء على فهم وضعية الخمار وكيفية ستره للجيوب :

الفخر الرازي : " قال المفسرون ان نساء الجاهلية كن يشددن خمرهن من خلفهن،  وان جيوبهن كانت من قدام فكان ينكشف نحورهن وقلائدهن،  فأمرن ان يضربن مقانعهن على الجيوب كي تغطي بذك اعناقهن ونحورهن وما يحيط به من شعر وزينة من الحلي في الاذن والنحر وموضع العقدة منه "?"

ابن كثير:"ان المراة كانت تمر بين الرجال مسفحة بصدرها لا يواريه شئ وربما اظهرت عنقها وذوائب شعرها وقرطة اذانها،  فأمر الله المؤمنات ان يستترن في هيئاتهن واحوالهن"?"

و نقل ابن كثيرعن الفراء : كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما قدامها،  فأمرن بالاستتار .

الفضل الطبرسي:" الخمر والمقانع جمع خمار وهو غطاء رأس المرأة المنسدل على جيبها امرن بألقاء المقانع على صدورهن تغطية لنحورهن،  فقد قيل انهن يلقين مقانعهن عن ظهورهن فتبدو صدورهن"?"

القرطبي : " وسبب هذه الاية ان النساء كن في ذلك الزمان اذا غطين رؤوسهن بالاخمرة وهي المقانع سدلنها من وراء الظهر . قال النقاش : كما يصنع النبط فيبقى النحر والعنق والاذان لا ستر على ذلك،  فامرالله تعالى بلي الخمار على الجيوب،  وهيئة ذلك ان تضرب المراة بخمارها لتستر صدرها" ?".

ابن العربي : "{و ليضربن بخمرهن على جيوبهن } الجيب هو الطوق والخمار هي المقنعة . روى البخاري عن عائشة انها قالت : رحم الله نساء المهاجرات الاول لما نزل " وليضربن بخمرهن على جيوبهن " شققن مروطهن وفي رواية ايضا : شققن أزرهن فاختمرن بها،  كأن من كان لها مرط شقت مرطها،  ومن كانت لها ازار شقت ازارها" .

قال ابن العربي :" وهذا يدل على  ستر العنق والصدر بما فيه ..."?"

و هذا الاستدلال من ابن العربي بحاجة الى وقفة تأمل قصيرة،  وذلك لانه استفاد من الاية وجوب ستر العنق والصدر ولم يتطرق الى تغطية الرأس اصلا،  وكأن الاية لم تتعرض الى ستر الرأس وانما تامر النسوة بألقاء الخمار على الجيوب،  والهدف هو ستر الصدر، لكن كيفية الستر تاتي من القاء الخمار على الصدر .

و ذلك لان النص جاء بلفظ الضرب وهو يتضمن معنى الالقاء اي يلقين الخمار على الجيوب وهي فتحة الصدر وهذا معناه ان الخمار لم يؤمر به لانه موجود من الاصل انما امر بألقاءه على الجيوب ليستر العنق والصدراذ كانت من عادتهن ان يضعن الخمار على أذنهن ويسدلنها خلف رؤوسهن وبذلك تظهر اذنهن واقراطهن و رقابهن وشئ من صدورهن .

و مما تقدم يظهر ان المستفاد من ايات الحجاب انها تخاطب النساء المسلمات بالتزام الستر والاحتشام في الملبس وعدم الظهور باعناق وصدور عارية،  وعدم التبرج بأظهار الزينة لعموم المجتمع حفاظا على سمات المجتمع الاسلامي . وما زاد على ذلك  فهي اراء ومعتقدات للفقهاء،  ولا يخفى ان الخلفيات الفكرية للفقيه لها كبير الاثر في استنتاجاته للاحكام ومن ثم الافتاء على ظوئها .

و في هذه المناسبة تحضرني فتوى ذكرها استاذنا في الفقه الاستدلالي في قاعة الدرس نقلها عن احد كبار مراجع النجف انذاك عندما سأله عن حكم وطء الزوجة دبرا ؟ فأجابه السيد المرجع بأني كنت احلله ايام الشباب لاكني عدلت الى الكراهة هذه الايام ..

 

.................

المصادر :

(?) الاية ?? من سورة الاحزاب

(?) الاحزاب??

النور??  (?)

النور?? (?)

التفسير الكبير،  الفخر الرازي ,181  ط8  دار الكتب العلمية 2002 (?)

( ?) تفسير القران العظيم،  ابن كثير6 /46 ط دار طيبة 2002

(?) " مجمع البيان، الفضل الكبرسي 7 / 138 , ط الاعلمي

الجامع لاحكام القران،  القرطبي 12 /213  , ط  دار الفكر بيروت (?)

حكام القران،  ابن العربي 3 / 382  ط? دار الكتب العلمية بيروت ا(?)

 

تابعنا على الفيس بوك  وفي   تويتر

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2303 الخميس 13 / 12 / 2012)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2291 المصادف: 2012-12-13 01:57:43


Share on Myspace