 دراسات وبحوث

تفسير سورة التوحيد

mohamadtaqi jonيكرر الله (جل جلاله) وحدانيته في قرآنه الكريم. والوحدانية ضد الشرك، وهو ما يتورط به الإنسان دائماً في كل زمان ومكان.

ولعلّ السبب هو الاستغراق في الطبيعة الإنسانية، وعدم الارتفاع الروحي والإيماني الذي يجعل الإنسان مستوعباً (الله)، فيوحده ويفردنه. وهكذا كان الإنسان في كل مراحله يؤمن بالله الواحد ويثنّي عليه إلهاً أو آلهة تطمئن نفسه إلى التعاطي معها، ولا تطمئن تماماً مع الإله الواحد (الله) (جل جلاله) بمفرده، فيقع في الشرك كما قال عزّ من قائل (ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ)[1].

والآلهة كثيرة قد تكون أحجاراً (أصناماً). وقد تكون بشراً، أو مجموعة كحزب او منظمة. وقد تكون مالاً. وقد تكون أشكالا أخرى غير محددة؛ إذ أن الإنسان مولع بعبادة شيء ما، وهذا الولع يبدو ضئيلا ثم ينمو حتى يغم البصر والعقل.

في سورة التوحيد، وهي سورة أرادها الله أن تعبر عن الوحدانية بشكل كامل وصريح، وتعطي وجهة نظره في هذا الموضوع، نجد أن الله (عز وجل) يكبر بذكره الإشراك بالإنسان فقط. وهذا يعني أن الإشراك بالإنسان هو أقبح إشراك عند الله. وانه مهما ساء شركاً عبادة غيره كالأصنام والأموال وسواهما، فعبادة الأشخاص أسوأ شركاً.

(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)

فكلمة أحد تدل على (ما يصلح أن يخاطب)[2]، ولا يقال أحد لغير العاقل. وهذا يعني لا أحد من الناس يصلح أن يكون الهاً. فالله هو واحد ولا احد من الناس مثله و نظيره. ولا تستقيم الجملة بجعل غير الإنسان محتملا للفظ (أحد) لا الأصنام (لأنها أشياء) ولا المال ولا النساء (لأنها منافع) ولا المنظمات والأحزاب والحكومات (لأنها متعددة في ذاتها). وهذا يعني ان هذه الجملة (التوحيدية) تعني ترك (عبادة الإنسان) والإشراك به دون سواه.

(اللَّهُ الصَّمَدُ)

 الصمد هو (السيد) لأنه يصمد (يقصد) إليه في الحوائج[3]. ولم يستعمل العرب كلمة الصمد لسوى (القصد) مطلقاً، قال عمرو بن كلثوم:

إِذا صَمَدَت حُمَيّاها أَريباً       مِنَ الفِتيانِ خِلتَ بِهِ جُنونا

ولم تستعمله مع آلهتها، فلم يقولوا لصنم (الصمد) ولا خاطبوا بهذه العبارة الأصنام. وهذا يعني أن الله (جل جلاله) يقول لا صمد مقصوداً من الناس، بل الصمد المقصود للحاجات والعبادات هو (الله) العظيم فقط. ونفّر في آية أخرى من عبادة (الناس الصالحين الهداة) في قوله (تعالى): (قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدي إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)[4]. فالآية واضحة الدلالة على أن بعض الناس عبدوا أنبياء وأئمة هدى وصالحين: كالعزير (عليه السلام) وعيسى بن مريم (عليه السلام) والإمام علي (عليه السلام) وعدي بن مسافر (رحمه الله) وسواهم. وهؤلاء لا يكونون الله أبداً لأنهم بكل بساطة احتاجوا إلى هداية الله ليهدوا الناس، وهم يهدون إلى الله حتماً، ألا أن تقادم الزمن وازدياد محبة الناس وتعظيمهم لهم حولهم إلى آلهة تعبد علنا أو سرا وعن علم أو عن جهل.

 (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ)

وهذه الجملة في الإشراك بالإنسان حصراً؛ لان الإنسان فقط يلد ويولد. فيقول الله العظيم للإنسان اعبدني أنا فقط لأني لم ألد ولو أولد مثلك، لأني خارج إطار الزمن خالد لا احتاج إلى عملية (الولادة) للاستمرار، تلك التي يعانيها الإنسان لأنه داخل دولاب الزمن فيهرم ويموت ويحتاج إلى الولادة ليبقى. ولا يقصد الله (سبحانه) في هذه العبارة غير الإنسان؛ فلا الأصنام تلد وتولد، ولا الأموال في الواقع أو سائر الجمادات والمنافع، وهذه آية دامغة على أن شر ما يراه الله في الإشراك هو الإشراك بالبشر.

(وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ)

ويختتم الله (جل جلاله) السورة بتأكيد نفي الإلوهية عن الإنسان حصراً؛ إذ انه لا أحد (من الناس) كفوٌ لله وبمستواه في العبادة. فالآية لم تقل (كفوا شيء) فتخرج الآية إلى غير الإنسان كالأصنام ونحوها. بل أن الله قرأ باستهزاء تسمية الأصنام بأسماء مؤنثة، ووجد أليق بها بعدما الهت أن تسمى بأسماء ارفع لها من أسماء الإناث (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى)[5]. فنحن لا نحس بذلك الغضب من الله الذي تتوهج به وتسفر عنه آيات ذكرت آلهة أناساً.

وبهذا فان قراءة سورة التوحيد قراءة دقيقة تظهر أن أقبح إشراك يراه الله وعانته البشرية هو الإشراك بالإنسان وليس سواه كالأصنام والمنافع. وهذا يجعلنا نتعامل بحذر شديد في معتقداتنا، وان نجعل إسلامنا متطابقاً مع توجه القرآن الكريم ومفهوم الله للتوحيد الذي هو (أس الإسلام) وقد كرر الله (تعالى) في سورتين هذا المفهوم في قوله (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء)[6].

وآيات هذه السورة يفسر بعضها ببعض؛ فقد سأل أهل البصرة الإمام الحسين (عليه السلام) عن معنى (الصَّمَدُ)، فقال: ان الله (تعالى) فسّر الصمد بقوله (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ)، فهذه السورة هي عبارة عن آية واحدة في التوحيد مكررة بصور مختلفة من المعنى نفسه.

 

أ.م.د محمد تقي جون

 

 

 

 



[1]سورة غافر، الآية: 12.

[2]صحاح الجوهري

[3]الصحاح.

[4]سورة يونس، الآية: 35.

[5]سورة النجم، الآية: 21- 22.

[6]سورة النساء، الآية: 48؛ سورة النساء، الآية: 116.

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2333 الاحد  20 / 01 / 2013)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2329 المصادف: 2013-01-20 16:32:08


Share on Myspace