 دراسات وبحوث

جان بودريار

يحتل فكر الفرنسي جان بودريار مكانة مرموقة ومميزة في منظومة الفكر الإنساني المعاصر، ويتميز طرحه الابستمولوجي

 بمناقشة وتحليل الظواهر السسيو-اجتماعية من منظور يتسم بالجدة والاستناد على الحجج والبراهين المثيرة للجدل والحوار الأكاديميين، وعلى الرغم من إن بودريار لا يصنف ضمن كوكبة علماء السياسة المعاصرين، فإن كتاباته التي تناول من خلالها العديد من القضايا السياسية الراهنة، حملت في طياتها فرضيات ذات دلالات مهمة لباحثي حقل النظرية السياسية، وبالأخص ما يتعلق منها بمفهوم موت الواقع الذي جاء في سياق رد فعل فكري طرحه بودريار إبان تناوله لتداعيات الثورة المعلوماتية الجديدة على الظاهرة السياسية...

لقد عرف بودريار في الأوساط الأكاديمية منذ ستينيات القرن المنصرم، وكانت أطروحاته ومقالاته البحثية ذات الملمح السوسيولوجي تلقى صدى واسعا داخل وخارج الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، صدى بدأ ينزاح تدريجيا من إطار الوسط الأكاديمي إلى الوسط الإعلامي، عندما أعلن بودريار ان أحداث الحادي عشر من سبتمبر تمثل ضربة قاسمة لنموذج الهيمنة الأمريكية، وأن تلك الأحداث تحقق حلم كل من يتمنى هزيمة الطغيان الأمريكي (1)، فعقب ذلك الإعلان، بدأت وسائل الإعلام تتحدث عن مفكر مثير للجدل سبق له وأن فاجأ الأوساط الثقافية بآراء ومواقف ابستمولوجية غريبة مثل تلك التي أكد من خلالها بأن حرب الخليج الثانية لم تقع...

هكذا كان الأمر بالنسبة لمتلقي غير مطلع على فكر بودريار، ولكتاب وصحفيين وإعلاميين لم يختصوا في مجال دراسة أطروحاته السوسيولوجية، تلك الأطروحات التي لم يفاجأ دارسيها من الباحثين والمهتمين بشؤون السوسيولوجيا المعاصرة بآراء ومواقف بودريار من حرب الخليج الثانية وأحداث الحادي عشر من سبتمبر، لأن مضامين أطروحات بودريار تشي بمؤشرات وملامح تجعل من السهل تقبل مثل ذلك الموقف من بودريار، ومن بين تلك الأطروحات التي تساعد على استيعاب مثل تلك الآراء والمواقف ذلك البارادايم البودرياري المتعلق بالثورة المعلوماتية المصاحبة لتفاعلات الملمح الجديد لظاهرة العولمة والمعنون ب"المافوق واقعية" أو "موت الواقع"...

فالمقصود يا ترى بالمافوق واقعية او موت الواقع؟ وما أهمية ذلك الطرح للفكر السياسي المعاصر؟ وما هي أهم الدلالات والاستخلاصات التي يمكن استنتاجها من خلال دراستنا لذلك المفهوم؟

هذه الأسئلة وغيرها سنحاول الإجابة عليها من خلال سبرنا في جانب من ملامح فكر بودريار وتحديدا طرحه المتعلق بموت الواقع، محاولين التدليل على فرضية مفادها ان البارادايم الذي يقدمه بودريار حول موت الواقع يرتبط ارتباطا وثيقا برد فعل بعض المفكرين الغربيين على التفاعلات المختلفة لظاهرة العولمة وبالأخص ملامحها الجديدة المتعلقة بأنساق السياسة والاقتصاد والمعلوماتية..

 

-2-

لا نعثر في الأدبيات العربية المهتمة بترجمة الفكر السياسي غير العربي، إلا القليل عن سيرة المفكر السياسي جان بودريار، ومن بين أهم ما ورد عن سيرته الذاتية، تلك النبذة التي وطأ بها جوزيف عبد الله ترجمته لكتاب بودريار المعنون ب"المصطنع والاصطناع"، ففي تلك التوطئة يستعرض جوزيف عبد الله جانبا من سيرة بودريار الذاتية، وذلك من خلال الإشارة لجملة من المحطات والأحداث من بينها مايلي: (2)

أولا: ولادة جون بودريار في مدينة ريمس الفرنسية بتاريخ 27 يوليو 1929م، وظهور ملامح نبوغه العلمي منذ دراسته الابتدائية، نبوغ حفز معلميه على مساندته في طلبه الخاص بحصوله على منحة دراسية خلال المرحلة الثانوية، ليتمكن بودريار بعد ذلك من الالتحاق بثانوية هنري الرابع في باريس..

ثانيا: الفتى الريفي الذي سيثير الجدل في العالم لاحقا يترك الدراسة الثانوية ويقرر الانضمام لدار المعلمين العليا، ويسجل بعدها في سطور أجندة سيرته الذاتية أول محطات نشاطه الراديكالي، وذلك عندما اعتنق الماركسية وقرر الانتقال إلى مدينة أرل الفرنسية ليكون عاملا زراعيا ثم معلم بناء..

ثالثا: يعود بودريار الى باريس، ويلتحق بالسوربون ليتم دراسته الأكاديمية، وهناك ينجح في الحصول على شهادة الميتريز في تخصص دراسة اللغة الألمانية، وبفضل تلك الشهادة يتمكن بودريار من العمل كمراجع ومترجم عن الألمانية في العديد من دور النشر الفرنسية، وأيضا يتمكن من الإفلات من أداء الخدمة العسكرية في الجزائر، عندما حصل على بديل لأداء تلك الخدمة وعمل في محفوظات مركز السينما العسكرية الفرنسية.

رابعا: يلتحق بودريار بجامعة نانتير الفرنسية بغية الحصول على شهادة الدكتوراه، ويتخصص في حقل سوسيولوجيا المدينة الذي أسسه الفيلسوف هنري ليفيفر، وكان

بودريار حينها يواصل دراسته في سلك الدكتوراة ويتابع في نفس الوقت

محاضرات رولان بارت في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا، وفي عام 1968 يناقش أطروحته في الدكتوراة والتي أجيزت بتقدير عالي، ومكنت بودريار من العمل كأستاذ مساعد ثم محاضر في جامعة نانتير، ليرتقي في السلم المهني الجامعي ويتسلم الإدارة العلمية في جامعة باريس التاسعة-دوفين خلال الفترة من "1986م-1990م".

سادسا: قبل ان يتوفى بودريار في السادس من مارس 2007، بالعاصمة الفرنسية باريس، ترك بودريار بمكتبة الفكر الإنساني المعاصر مؤلفات فكرية عدة، منها على سبيل الذكر لا الحصر (نظام الأشياء / مجتمع الاستهلاك / نحو نقد الاقتصاد السياسي للرمز / التبادل الرمزي والموت/ حرب الخليج لم تقع/ قوة الجحيم/ العنف في العالم/ المصطنع والاصطناع).

هذه نبذة مقتضبة عن سيرة المفكر الفرنسي بودريار، نبذة تختزل جانبا من حياة مفكر ظل سؤال هزيمة المعنى شغله الشاغل طيلة مراحل تحوله الفكري والمعرفي، المعنى الذي ظلت تقلباته وتداعيات تأثره بالثورة المعلوماتية هاجسا للعديد من مجايلي بودريار في فرنسا، فهذا هو الفرنسي "كورنليس كوسترياديس" يشير في كتابه "صعود اللامعنى" إلى أن "عالمنا قد غدا يعيش ظاهرة فريدة في تاريخ البشرية، وهي تفتت المرجعيات والمنابع المنتجة للدلالة" (3).

أما اينياسيو رامونيه فقد كتب يقول (4): "لم تعد وسائل الإعلام تتوجه إلينا لنقل أخبار موضوعية وإنما لكي تغزو عقولنا"، في حين اعتبر بورديو إن التكنولوجيا المعلوماتية الجديدة تثير مخاوف نابعة من إمكانية قيامها بعنف رمزي مصدره الطبقة الاجتماعية التي تهيمن على تلك التكنولوجيا (5)، وعن العلاقة بين المرئي والمكتوب وتأثير الصورة يقول ريجيس دوبريه "ان اللامساواة في الديمقراطية الوسائطية بين الفقراء الجدد الذين يستقبلون البصري والأغنياء الجدد الذين يصنعونه ويذيعونه ويفرزونه، لا تكمن فقط في المقدرة الفردية على الإرسال والبث، إنها توجد أيضا في المقدرة على عرض المرء نفسه للرؤية شخصيا"(6)...

ان التوجس المشار إليه آنفا كان بمثابة الرافد الرئيسي لأطروحة موت الواقع عند جان بودريار، والتي كانت ملامحها الابستمولوجية تظهر شيئا فشيئا من خلال الآراء التي كتبها بودريار حول أثر وسائل الإعلام على المتلقي خلال سبعينيات القرن المنصرم، ففي كتاب انتقد فيه ما ورد في مقال نشره الفيلسوف الألماني

إنزنبرغر يؤكد بودريار على "ان تأثير وسائل الإعلام في العلاقات الاجتماعية لا يتأسس على اعتبارها حاملة لمضامين، بل هو قائم في تركيبتها للعمليات التي تقوم بها، فهذه العلاقات لا تنتمي الى سجل الاستغلال، بل إلى التجريد والفصل وإلغاء التبادل، فوسائل الإعلام ليست معاملات بل هي مستجيبات للايديولوجيا (7)..

لقد كان بودريار في رده على انزنبرغر يعلن عن اغتيال المعنى، متهما وسائل الإعلام المعاصرة بارتكاب تلك الجريمة، وذلك من خلال تواطؤها مع ايديولوجيا ناعمة تحجب هيمنة مصدر الرسالة الإعلامية عن المتلقي .. هي إذا صلاة بودريارية على روح المعنى..

 

-3-

بعد وفاة بودريار بأربعة أشهر دعت نخبة من المثقفين الأمريكيين البارزين إلى احتفالية تكريمية لبودريار أقيمت بكاليفورنيا وارتدى من خلالها المحتفلين قمصانا كتب عليها "نحب بودريار وبودريار يحبنا"، لقد أراد أولئك المحتفلون ان يعبروا عن عميق احترامهم لصاحب أطروحة المافوق واقعية، يقول أحد الصحافيين العرب في متابعة لتلك الاحتفالية(8):-

"خلال هذا اللقاء التكريمي كان ثمة إجماع على ان بودريار يمثل صورة المثقف القادر على تبديد البؤس الثقافي الأمريكي في هذه المرحلة، وفي الواقع لقد فاجأ جان بودريار الأوساط الثقافية الأمريكية برؤيته النافذة وبقدرته على استكناه المستقبل في قلب الحاضر، في كتابه التبادل الرمزي والموت، اعتبر بودريار ومنذ السبعينيات من القرن الماضي ان مركز التجارة العالمي هو شعار الرأسمالية الجديدة، وقد استبق بودريار إمكانية حصول أزمة داخل هذا النسق الرأسمالي الجديد بأكمله، قائلا: "ان التحدي الوحيد الممكن لهيمنته وسيطرته المطلقة كامن في تكوينه ذاته، وفي عدم تمكنه في لحظة ما، من مجابهة التحديات المفروضة عليه إلا عبر موته هو نفسه وعبر انهياره الذاتي".

لقد قادت فرضيات بودريار الابستمولوجية وبالأخص ما يتعلق منها بالمعلوماتية إلى إعلان بودريار عن موت الواقع، والتأكيد على أن ثمة هناك جلاد لا يُرى يقف

وراء الصور والمعلومات التي تبثها الفضائيات ومواقع الانترنت، جلاد يتوشح برداء الحقيقة والحرص على تفعيل منظومة حرية الرأي والتعبير، في حين لا يقدم إلا رؤيته الذاتية للحظة الحدث، لهذا وبلغة بودريار فإن العالم يعيش "لحظة انقلابية تنقلنا من عصر الواقع إلى عصر موت الواقع بسبب موت أو نهاية أو تحلل المبدأ المؤسس للواقع، مبدأ الصراع والمواجهة الجدلية والتناقض والنفي والقطيعة والمجاوزة والثورة والتقدم"(9).

إن قراءة متمعنة في ثنايا سطور كتاب المصطنع والاصطناع الذي طور من خلاله بودريار أطروحة موت الواقع أو ما فوق الواقعية، تكشف لنا مدى حالة الاحباط التي انتابت بودريار من خلال تأمله في هذا الملمح الجديد من العولمة، ففي هذا الكتاب يدافع بودريار عن أطروحات عدة من بينها مايلي: (10)

أولا: خضوع العالم لمدار مصطنع حلت فيه النسخة مكان الأصل، "إن النسخة تحافظ على علاقة مرجعية مع الأصل، فنسخة اللوحة لا تأخذ معناها إلا من اللوحة، بينما المصطنع لا يفعل غير اصطناع مصطنعات أخرى، هنا يختفي كل مفهوم للأصل، لحدث أصلي، لحقيقة أولى، بحث لا يبقى مجال لغير المصطنعات".

ثانيا: المصطنع الذي نعيش فيه سواء كان صورة أو لغة لا يحجب الواقع بل حل نفسه مكان الواقع، وذلك بتدميره لثنائية الدال والمدلول، ما يعني أن سلطة الرمز أي السلطة التي تقف الصور واللغة التي تبثها الوسائل المعلوماتية الجديدة افترست المرجعية التي تشكلها أو كان يشكلها الواقع.

ثالثا: أن المافوق واقعية أي حالة الاصطناع الناجمة عن تورط وسائل الإعلام المعاصرة في حجب الواقع، تستمد قوتها من تخريب النظرة السوية للواقع، فيتم التلاعب بوعي المتلقي وإقناعه عبر قوة الميديا برؤية الطرف المتحكم في الآلة المعلوماتية.

إن بودريار كما يشير عبد السلام المسدي في كتابه المعنون ب"تأملات سياسية" يطرح من خلال تبنيه لفرضية المافوق واقعية أو موت الواقع، جدلا وارفا حول عالم مافوق الحقيقة الذي نعيشه الآن، فوسائل الاتصال والتمظهر المعلوماتي للعولمة عملت على تحويل المشاهد في أذهان ومتخيل الناس الى حقائق تفوق صدقيتها في نفوسهم صدقية الحقائق الواقعية ذاتها، وعلى هذا الأساس يمكن وفق متصور بودريار أن نميز بين ثلاثة مستويات في علاقة الإنسان بالأحداث، وهذه المستويات هي "مستوى حقيقة الواقع- مستوى حقيقة الخيال- مستوى حقيقة الوعي" (11).

وحتى نقترب من استيعاب أكثر وضوحا للما فوق واقعية، سيكون من المفيد ان نقف على ما ورد في مقالة بودريار التي نشرها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر في صحيفة اللوموند تحت عنوان "ذهنية الارهاب"، ففي هذه المقالة يؤكد بودريار ان غياب الواقع وهيمنة المصطنع، تسببا في حجب حقيقة هامة عن وعي المتلقي الذي يتابع هذه الأحداث عبر الفضائيات ومواقع الانترنت، وهذه الحقيقة هي أن ما قام به الإسلاميون هو في الأساس رد فعل على الطغيان الأمريكي، ومحاولة لرد الاعتبار للذات الإسلامية التي أُهينت بسبب ذلك الطغيان، لقد تعاطف الكثيرون مع ضحايا الحدث وقليلين هم من انتبهوا أو فكروا في الأسباب الحقيقية التي دفعت بعض الإرهابيين للقيام بذلك العمل، ومن خلال جدل فلسفي ذي سمة سوسيولوجية يصل بودريار في هذه المقالة لاستخلاصات عدة أهمها مايلي(12):

1- صحيح إن الإرهابيين هم من قاموا بذلك العمل، لكننا يجب أن نعترف أننا نحن في الغرب الذي أردنا ذلك، لأننا تغاضينا عن البعد الرمزي للحدث، أي البعد الذي يكشف بشاعة الهيمنة التي نمارسها ضد الآخر غير المنتمي للحضارة الغربية.

2- أن البعد الرمزي الذي يحاول التحكم في بث الصور وأيضا في لغة الأخبار الذي تم حجبه وإخفائه عن المتلقي هو ان ما حدث لا يتعلق بصدام حضارات أو صدام أديان، بل هو رعب مقابل رعب، إرهاب لا أخلاقي مقابل إرهاب لا أخلاقي غربي تسببت فيه أمريكا ومنطقها التوسعي.

3- ان قيام الصور ولغة الأخبار بحجب الحقيقة وتكييفها وفق مصلحة رؤية صانع ومتخذ القرار السياسي الأمريكي جعل المتلقي يعيش في ظل تفسيرات مبنية على نسخة مزورة أدت إلى موت الواقع وصعود اللامعنى أو المصطنع.

إذا بودريار من خلال الرؤية الآنفة يتبنى منطق تستمد من خلاله العلامات والأشياء وجودها من النسق المجتمعي وأيضا من خلال عملية التبادل بين الناس وبين الطبقات المهيمنة، فتبادل العلامات يتخذ عنده "شكل الشبح هذا المفهوم الذي يعني فيه بودريار نهاية الجوهر والمرجعات، وتوليد واقع يتجلى في نماذج فاقدة للواقعية، ومجتثه عن أصولها، شبح يرتد إلى لعبة قوامها التمويه والمغالطة والزيف" (13).

ان ملامح سياسية عدة بالإمكان استنباطها من خلال تأملنا في السمات والخصائص التي أطرها بودريار لذلك الشبح في أطروحة موت الواقع، ملامح على غرار تلك التي يؤكد من خلالها على إن العالم بفعل العولمة أصبح يعيش حرب عالمية رابعة، فوفق بودريار فإن الحربين العالميتين الأولى والثانية "تعكسان الصورة الكلاسيكية للحرب، الأولى وضعت حدا لتفوق أوروبا وللعهد الاستعماري، والثانية حطمت النازية، والثالثة التي تكون قد وقعت تحت ما يسمى الحرب الباردة، قضت على الشيوعية، وكل حرب من هذه الحروب قادتنا الى وضع عالمي جديد (14)، أما الحرب الجديدة فيعتقد بودريار انها حرب الطغيان الأمريكي الذي ترفده تجليات عدة اهمها الايديولوجيا التي تقف وراء مصدر الصورة واللغة التي يبثها أغنياء المعلوماتية لفقرائها..

لهذا فإن تسلط الولايات المتحدة على قواعد اللعبة في المنتظم الدولي الراهن أدى إلى حقد المناوئين لها وتعاظم رغبتهم في تحطيمها، يقول بودريار: (15)

"ان الارهاب هو الفعل الذي يعيش الخصوصية والتميز والمتعذر تبسيطها لقلب نظام التعامل العام، كل الخصوصيات –الأجناس/ الأفراد/ الثقافات- الذين دفعوا حياتهم ثمنا لنظام عالمي تقوده قوة واحدة تنتقم اليوم من خلال هذا التحول الإرهابي للوضع".

 

-4-

ختاما تكشف لنا رؤية بودريار حول موت الواقع وحول المرئي والمصطنع أو محنة العين الساذجة كما يقول ريجيس دوبريه، عن التحدي الذي يفرضه الملمح المعلوماتي الجديد لظاهرة العولمة، وبالأخص على الباحثين الذين يشتغلون على فرضيات تنتمي لحقل النظرية السياسية أو حقل علم الاجتماع السياسي أو أي حقل آخر من حقول العلوم السياسية، وعلى الرغم من أن بودريار لا يقدم لنا حلولا أو نماذج أمبيريقية تتصدى للحظة موت الواقع، فإن هاجس ضياع المعنى وسط هذه الفوضى التي يفرضها عنف رمزي مصدره أغنياء المعلوماتية، يظل هاجسا جديرا بنقاش أكاديمي رصين بعيد عن الأجندات التي تدعم استبداد أغنياء أو فقراء المعلوماتية، نقاش هادئ يتمحور في الأساس حول ماهية الجلاد الشبح الذي يكمن وراء الرسائل التي تبثها مختلف وسائل الإعلام المعاصر

 

عزالدين اللواج/كاتب وباحث

 

 

.....................

الهوامش

1 - عبد الإله الصالحي، جان بودريار فيلسوف المهمات المستحيلة،

(http://www.aljaml.com/node/14946).

2- جان بودريار، المصطنع والاصطناع، ترجمة: جوزيف عبد الله، بيروت، المنظمة العربية للترجمة، 2008م، ط1، صص 9-15.

3- السيد ولد أباه، اتجاهات العولمة (اشكالات الألفية الجديدة)، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 2001م، ط1، ص133.

4- جون بيار لوغوف، الديمقراطية لما بعد الشمولية، تعريب: محمد الخالدي، طرابلس، منشورات الجنة الشعبية العامة للثقافة، 2006م، ط1، ص154.

5- بيير بورديو، التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول، ترجمة: دروش الحلوجي، القاهرة، دار ميريت، ط1، 2007م.

6- ريجيس دوبريه، حياة الصورة وموتها، ترجمة: فريد الزاهي، الدار البيضاء، أفريقيا الشرق، ط1، 2002م، ص273.

7- أرمان وميشال ماتلار، تاريخ نظريات الاتصال، ترجمة: نصر الدين العياضي والصادق رابح، بيروت، المنظمة العربية للترجمة، 2005م، ط1، ص113.

8- عيسى مخلوف، الاحتفاء الأمريكي بالفيلسوف وعالم الاجتماع جان بودريار (لحظة الكشف عن الحقيقة)، موقع صحيفة الرياض السعودية

(http://www.alriyadh.com/2007/08/12/article271914.html).

9- جان بودريار، الفكر الجذري (أطروحة موت الواقع)، ترجمة: منير الحجوجي وأحمد القصوار، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، ط1، 2006م، ص5.

10- جان بودريار، المصطنع والاصطناع، مرجع سبق ذكره، صص 26-31.

11- عبد السلام المسدي، تأملات سياسية (خواطر هادئة في زمن ملتهب)، بيروت، دار الكتب الجديدة المتحدة، 2009م، ط1، ص44.

12- جان بودريار وآخرون، ذهنية الإرهاب، ترجمة: بسام حجار، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 2003م، ط1، صص17-37.

13- محسن بوعزيزي، السيميولوجيا الاجتماعية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2010، ط1، ص95.

14- حسونة المصباحي، الفيلسوف جان بودريار، نحن أمام شكل جديد من الإرهاب، موقع صحيفة الشرق الأوسط (http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&article=66501&issueno=8388).

15- حسونة المصباحي، المصدر السابق    

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2336 الخميس  27 / 01 / 2013)

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا بحق ..
شكرا بحق ..
شكرا بحق ..
شكرا بحق ..
شكرا بحق ..
شكرا بحق ..
شكرا بحق ..
شكرا بحق ..
شكرا بحق ..
شكرا بحق ..
شكرا بحق ..

Nael G PARIS
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2333 المصادف: 2013-01-24 15:32:41


Share on Myspace