 دراسات وبحوث

الكتاب والقرآن للدكتور محمد شحرور(3) .. قراءة معاصرة

abduljabar alobaydiمصطلحات بحاجة التى تحديد معناها اللغوي والعلمي: الكتاب، القرآن، الفرقان، الذكر.

 مصطلحات وردت في المصحف الشريف، تشير الى معنى واحد على انها مترادفا ت كما وردت في التفسير القرآني للمفسرين، فهل هي مترادفات حقاً أم مختلفات في اللغة والمعنى؟

هذه هي احدى أشكاليات التفسير القرآني اليوم .

على الباحث العلمي ان يقدم الدليل على التغاير او التشابه ليصل القارىء الى الحقيقة الموضوعية للسؤال. لذا علينا ان نبدأ بتحديد مصطلحي (الكتاب والقرآن) ثم نبحث في مصطلحي الفرقان والذكر، لنقدم عرضاً بالرأي المقبول علميا ولغوياً؟ بعد ان دمر التفسيرالفقهي معاني مصطلحات المصحف الشريف.

فكلمة الكتاب جاءت من كلمة كتبَ، والكتاب في اللسان العربي تعني جمعُ أشياء بعضها مع بعض لأخراج معنى مفيد. وللكلمة تخريجات لغوية كثيرة مثل مَكتب ومكَتبة، او كُتب الصلاة والصوم وكلها مع الجملة تؤدي الى معنى مفيد، كما في قول الحق: (ان الصلاةَ كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا، النساء، 103). أن أعمال الانسان كلها كُتب، في المشي والنوم والزواج والحج وغيرها كثير. من هذا يتبين لنا ان لا يوجد شيىء في اعمال الانسان الا وله كِتاب (وكل شيىء أحصيناه كتابا، النبأ29).

وحين يقول الحق: (كتاب أحكمت أياته، هود1) فهذا لايعني ان القرآن يشيرالى كل آيات المصحف، وأنما يعني مجموعة الآيات المحكمات، وعندما يقول الحق:(كتابا متشابهاً،  الزمر23)،، فأنه لا يعني الاشارة الى كل المصحف وأنما يعني الآيات المتشابهات، وعندما يقول الحق: (وما كان لنفسٍ ان تموت الابأذن الله كتاباً مؤجلاً، آل عمران 145)، فأنه يعني كتاب الموت . وعليه فمن الخطأ أن نظن أنه عندما ترد كلمة كتاب في المصحف فانها تعني كل المصحف، لأحتواء المصحف على كُتب كثيرة ومتغايرة. والكُتب التي وردت في القرآن هي على نوعين:

الاول: ما يتعلق في العبادات والسلوك الانساني ككتب الصلاة والصوم والاخلاق.

والثاني : قوانين جدل الكون وحياة الانسان ككتب الموت وخلق الكون.

لذا فالرسالة المحمدية هي مجموعة التعليمات التي يجب على الانسان التقيد بها، وهي مناط التكليف.

ان الكتاب الألهي يحوي المحكمات على حدة، والآيات المتشابهات على حدة، وآيات أخر لا محكمات ولا متشابهات.كما في قول الحق: (وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين، يونس37).

فالمحكمات هي التي تمثل رسالة النبي، وهي ام الكتاب وهي قابلة للاجتهاد حسب الظروف الاجتماعية والاقتصادية، والمتشابهات هي التي عرفت بالقرآن والسبع المثاني، وهي قابلة للتأويل وهي آيات العقيدة، اما الآيات اللامحكمات واللا متشابهات فهي ايات تفصيل الكتاب. من هذا يتبين لنا ان هناك فرقاً بين الكتاب والقرآن والفرقان والذكر.فالقرآن والسبع المثاني هما الايات المتشابهات ويخضعان للتأويل المتطورعلى مر العصوروحسب مقتضيات التغير الحضاري في المجتمعات الانسانية حتى لا يبقى النص القرآني جامدا كما هو عند السلفيين والوهابيين، وهذه هي اسباب الخلاف الكبير بين المعتزلة والفقهاء المتزمتين على عهد الخليفة المآمون العباسي في القرن الثاني للهجرة.

لأن التشابه يحوي ثبات النص وحركة المحتوى.

 

2

فالقرآن لايفسر بل يؤول، لذا فالتفسير القرآني حمل طابع الفهم المرحلي النسبي لقوانين الوجود، وهنا كانت كارثة النص الديني عند المسلمين . أما أم الكتاب هي التشريعات الملزمة للناس في التنفيذ.

وما يدل على التغايربينهما هو ما جاء في قول الحق: (شهررمضان الذي أنزل فيه القرآن هدىً للناس وبيناتٍ من الهدى والفرقان، البقرة185).نلاحظ هنا ان القرآن جاء معطوفاً على الكتاب، وفي اللسان العربي لا تعطف الا المتغايرات، أوالخاص على العام. وهذا يدل على أحتمالين:

الأول:ان القرآن شيء والكتاب شيىء أخر، لكن تجانسهما يثبت أنهما من عندالله عزوجل.

والثاني:ان يكون القرآن جزءأً من الكتاب، وعطفهما يكون من باب عطف الخاص على العام، للتنبيه على أهمية الخاص، يقول الحق: (والذي أوحينا أليك هو الحق مصدقاً لما بين يديه ان الله بعباده لخبير بصير، فاطر آية 31).

ان الله مطلق ومعلوماته مطلقة، وعند الله توجد الحقيقة الموضوعية بشكل مطلق، لذا فأن المعرفة الخاصة جاءت لأفهام الناس النسبية في مطلقية الله في المعرفة، هنا جاءت المعرفة القرآنية تَدَرُجية، أي قراءة النص القرآني مع نمو المعرفة الانسانية، فكان (ثبات النص وحركة المحتوى ) هو الحل الوحيد الذي أهداه الله للبشرية لتكون المعرفة للناس من عند الله مباشرة وهو المثل الاعلى في الهداية(ولله المثل الأعلى).لذاجاء الاتصال بالبشر بطريقتين:

الاولى:عن طريق النبوات والرسل كما في رسالة التوراة والانجيل المرحلية، والمرحلية لا تخضع للزمن الدائم لذا نسخت بالقرآن، فالنسخ جاء بالديانات لا بالايات القرآنية كما يدعي الفقهاء، من هنا فأن تفسير القرآن وفق التفسير التوراتي كان الطامة الكبرى بالنسبة للمفسرين الذي كانوا يجهلون هذا التصور القرآني العظيم لخلق الكون والانسان.

ان مجيء الحركة العلمية العالمية قضت على التفسير القرآني وفق هذا المنطق الذي جاء به الفقهاء المسلمين ورجال الدين المسيحيين، ساعتها وقف العلماء موقف الحيرة من هذا التصور التوراتي فلم يكن بمقدورهم الا رفض التفسير التوراتي وأستبدالة بالتفسير العلمي البحت، مما مهد لضرب الكنيسة وفصل الدين عن الدولة، وهكذا كانت اوربا بعد ظهور الحركة العلمانية هي ابعاد الدين عن السياسة والمجتمع وظهور حركة النهضة الاوربية..

أما الطريقة الثانية:وهي طريقة الاتصال دفعة واحدة لا رجعة بعدها، وهنا كان الحل بظهور نظرية ثبات النص وحركة المحتوى، وهو التشابه الذي يحتاج الى التأويل بأستمرار، فكان القرآن هو الحل الامثل لاحتواء عصرنة الزمن على الرغم من ثبات صيغته اللغوية، وهنا يكمن أعجاز القرآن بجماله البلاغي والتفسيري. ان التأويل يجب ان يكون من قبل العلماء مجتمعين لا الفقهاء متفرقين وكل حسب أرضيته المعرفية في كل زمان ومكان، أستناداً الى الآية (7) من سورة آل عمران، يقول الحق: (وما يعلمُ تأويله الا الله والراسخون في العلم). وهذا هو الحل لأنهاء الاشكاليات التي نعاني منها الآن والتي أوجدها لنا المفسرون خطئاً وأدخلونا في نفق الانحباس الفكري والسجن الحديدي الرهيب الذي أصبح بمرور الزمن هو المعتمد في التطبيق فكان ولا زال الطامة الكبرى لنا الى اليوم.فالقرآن يؤول من قبل العلماء ولا يفسر من قبل الفقهاء.

 

لذا فأن التفاسير القرآنية الحالية يجب ان يعاد النظر فيها وترفع من مناهج التدريس في المدارس والجامعات والمعاهد الدينية وبأمر حكومي واستبدالها بنظرية التأويل الجديدة من قبل علماء التخصص لا فقهاء العام، والا سيبقى المجتمع العربي والاسلامي غارقاً في الخطأ بعيدا عن كل تقدم حضاري . لقد استطاعت آوربا الخروج من مأزق الكنيسة ورجال الدين، بينما نحن لازلنا مكبلين بأرائهم دون تغيير.

 

أما الذكر:

فهو تحول كلمات القرآن الى صيغة لغوية أنسانية منطوقة بلسان عربي، لذا قال تعالى للعرب:(لقد أنزلنا اليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون، الانبياء10).هنا جاء تكريم العرب بالقرآن، لكن هذا التكريم لا يعني ان الله كان عربيا، لأنه سبحانه وتعالى منزهاً عن الجنس.

 

3

وعلينا ان نفهم ان الذكر ليس القرآن نفسه، بل هو أحد صفات القرآن كما في قول الحق:(ص والقرآن ذي الذكر، ص1 )، وهذا الطرح العلمي الرصين في القرآن كان حلا للأشكالية الكبرى التي تولدت بين المعتزلة وخصومهم حول نظرية خلق القرآن على عهد الخليفة المآمون العباسي. والتي انتهت بأنتصار الفقهاء وموت الفكر التطوري في الأسلام منذ عهد المتوكل العباسي( 232 للهجرة) . فتحول الاسلام الى السلفية والمذهبية والهرطقة الفكرية التي نجني ثمارها اليوم بعد ان تحكم فينا رجال الدين الذين لا يعترف بهم القرآن ولا يخولهم حق الفتوى على الناس ولا يميزهم بلباس معين.

لذا علينا ان نفهم ان أهل الذكر هم أهل اللسان العربي، فالصلاة لا تجوز الا باللسان العربي للتأكد من التلاوة الصوتية للآيات القرآنية وهي الصيغة التعبدية كما في قول الحق: (أنا أنزلناه قرآناً عربياً، يوسف2).هنا جاءت أهمية اللغة العربية في نشر الاسلام وليس التفاضل بها على اللغات الاخرى. لذا قال القرآن الكريم (انا نحن أنزلنا الذكر وانا له لحافظون، الحجر9)وذلك لتبيان ان الذكر جاء وحياً مادياً من خارج أدراك محمد(ص) وان التنزيل عملية مادية حصلت خارج ادراك الرسول، ودخلت أدراكه بالأنزال، وهذا أكبر دليل مادي وعلمي ان القرآن كان منزلأ من عند الله وليس من وحي محمد كما يعتقد بعض الملحدين.

 

أما الفرقان:

فقد جاءت لفظته في ستة مواضع من المصحف الشريف وفي هذه المواضع الستة جاء معرفاً.، البقرة 53، 185، وآل عمران3-4، الانبياء48، الفرقان1، والانفال41. فللنبي موسى جاء الفرقان وجاء معه الكتاب، وهو نفس الفرقان الذي أنزل على محمد(ص) في شهر رمضان وهو منفصلا عن القرآن. ولوتأملنا سورة الانعام في الايات 151-153 لوجدنا ان الفرقان هو الوصايا العشر التي نزلت على موسى وهي مفصولة عن الكتاب، وان الكتاب بالنسبة لموسى وعيسى هو التشريع فقط وليس التوراة والانجيل كما في قوله تعالى ):ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل، آل عمران 48).

فالوصايا العشر هي نفسها التي جاءت الى موسى وعيسى ومحمد، وهي رأس الاديان السماوية الثلاثة وسنامها، لأنها القاسم المشترك بين تلك الاديان، وهي تحمل الطابع الانساني العام، .وهذا دليل اخر على ان اليهود والمسيحيين والمسلمين هم اخوة في الانسانية لا يجوز التفريق بينهم سوى بالمعتقد الديني فقط وهذا ليس ضيرا (لكم دينكم ولي دين).وان مسألة التكفير فيما بينهم هي مسألة اجتهادية فردية لا غير. (يقول الحق: ان المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات (الأحزاب35) .فالمؤمنين والمؤمنات هم اصحاب محمد، والمسلمين والمسلمات، هم اصحاب الديانات الأخرى والتلازم بينهم موجود.

ان هذه الوصايا العظيمة هي نفسها الصراط المستقيم التي جاءت الى بني أسرائيل وأصبحت قاعدة عامة لمن جاء من بعدهم من اصحاب الديانات السماوية كما في قوله تعالى:( ولقد مننا على موسى وهارون، ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم، ونصرناهم فكانوا هم الغالبين، وأتيناهما الكتاب المستبين، وهديناهما الصراط المستقيم، الصافات114-118).وقد سميت الوصايا بالصراط المستقيم لأنها لا تتغير أبداً . وبدون الاستقامة لا تستقيم الحياة ولا تدوم العدالة بين الناس.

ان الاخلاق والأمانة في الأسلام هي مبادىء أنسانية عامة يشترك فيها كل البشردون تمييز، وهي من ثوابت الدين الاسلامي والديانات التي سبقته، ولا تحمل طابع التغيير والتطور والمرونة فهي من الثوابت، كما هي في التقوى في الاسلام.لذا ان الالتزام بها حدي للانسان ليكون من المهتدين.فلا يجوز لمسلم او غير مسلم الخروج عن خط الاستقامة متحججاًً بالصوم والصلاة والحج والزكاة فهي لا تغفر الذنوب ولا تمحي السيئات والخطأ، فهذه امور تنفذ تحت أمرة الواجب التعليمي وليس لها علاقة بخط الأخلاق الثابت في التنفيذ.لذا لابد من التخلص من شيوع فكرة ان الحج يمحي الذنوب، فالذنب لا يمحى ان أرتكب بتقصد، كسرقة أموال الدولة والأستغلال والخيانة الوطنية والتزوير كما يعتقد سراق المال العام ومزوري العهود والوثاق اليوم.

 

والفرقان نوعان:

الاول هو الفرقان العام:

وهو الأخلاق المشتركة في الأديان السماوية الثلاثة لذا فرقها الله لوحدها فسماها الفرقان .وعلى المسلم المؤمن ان يتعامل مع المؤمن الاخر والمسلم غير المؤمن من الديانات الاخرى على هذا الاساس لا على اساس التقوى الفردية، وهو الذي جاء الى موسى وعيسى (ع) ومحمد (ص) .

والفرقان الخاص وهو الذي جاء الى محمد وحده وهو الذي ذكر في سورة الفرقان، كما في قول الحق: ( تبارك الذي نَزَل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، الفرقان 1). ويحتوي الفرقان الخاص على آيات التحريم، والنهي والتوكيد، والسراط المستقيم،

والبحث في هذا الموضوع يطول ان اراد الباحثون التعمق فيه.

من هنا يتبين لنا ان الكتاب هو الرسالة، والحكمة هي الوصايا، والتوراة هي نبوة موسى، والانجيل هو نبوة عيسى، ومجموعهم هو الكتاب المقدس والفرق فيها واضح،

أما الاسلام بشموليته هو نبوة محمد (ص) ورسالته الكبرى للعالمين.

 

...................

ملاحظة:

:نحن ندعو كل الباحثين والمهتمين بمعرفة النص القرآني على الحق والحقيقة للرد على كل تصور يرونه بحاجة الى تفصيل لنكون رأيا موحدا في التفسير الجديد الذي نرجو له ان يكون بداية لأسلامنا الصحيح لنخلصه من أيدي مغتصبيه من الفقهاء اصحاب المذاهب الطارئة على الاسلام،  بعد ان فقدنا الاسلام الصحيح . وبه سنتخلص من الفِرق المذهبية القاتلة الدخيلة على الاسلام ولو بعد حين، لكن الالف خطوة تبدا بخطوة ومن الله المستعان والخير العميم.

والى يوم الأثنين القادم في الحلقة الرابعة.

والله يهدي الى كل رشاد،

 عرض الدكتور عبد الجبار العبيدي

  

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2358 الاثنين 18 / 02 / 2013)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2358 المصادف: 2013-02-18 14:45:47