 دراسات وبحوث

الإمام علي- القوة والمثال (7)

mutham aljanabi قوة المثال ومفارقات التاريخ السلطوي(2)

فإذا كان من الصعب تحديد عمق وقوة الاحتجاج الاجتماعي، فان مما لا شك فيه هو أن الفتوحات الإسلامية استقطبت أغلب طاقات الاحتجاج الداخلي، الذي لا يمكن القضاء عليه أو استنفاده الكلي في ظروف الدولة ومؤسساتها. فإذا كانت خلافة عمر بن الخطاب قد عمّقت في مجرى استقطابها قوة السياسة في الأمة وتثوير طاقاتها الاجتماعية وتوجيه جهادها نحو تأسيس الدولة المتماسكة، فان التحذير الذي أطلقه الإمام علي يبدو كما لو انه يتضمن نزوعاً رمزياً في رؤيته ملامح تراجيدية الانتقال التي سيواجهها هو في وقت لاحق. لهذا نراه يطالب عمرا بان يكون قطباً يستدير بها رحى العرب، بمعنى البقاء في المدينة. بينما نراه ينزع إلى مغادرتها. وإذا كان يرى في بقاء عمر مصدراً للقوة، فان مغادرته لها تبدو كما لو أنها إنهاء لقيمة هذا المصدر. غير أن هذه المقارنات الشاعرية تبقى من إبداع اللغة المعاصرة وتأملها المترفّع عما كان يجري من أحداث. أما ما جرى، فانه كان "غيباً" ينبغي خوض غماره من أجل رؤية فضائله ورذائله، عظمته وسخافته. فقد كان الوجود الإسلامي آنذاك في طور التكوين الحكومي، الذي أَلْهَم الجميع مشاعر الاعتزاز والتحدي. فالسلطة ذاتها أثارت شرارة المواجهة. كما أنها هي نفسها التي أحرقت مشاعر المؤمنين في تأمل لهيبها. وبهذا المعنى فان مواقف الإمام علي من السلطة، التي مثلت في كينونتها طبيعة التحولات الجارية، لم تكن مبنية بالضرورة على رؤية كل حيثيات الواقع ومجرياته. لقد كان بإمكان الردة السابقة وحركاتها التي أقلقت حياة أبي بكر، أن تثير في أعماقه شعور القلق السياسي تجاه يقينيات الأمة. وفي هذه العملية كان من الممكن أن تتحول الكثير من العقائد الإسلامية المختلفة إلى بديهيات سياسية.

فقد سلك الإمام علي في أحد مستويات نشاطه السياسي قبل صعوده لسدة الحكم سلوك الوزير المستشار. وهو موقع أثبط لحد ما عزيمته في الصعود للسلطة، بحيث نراه يرفض منصب الخليفة عندما طالبه الجمهور بذلك بعد مقتل عثمان بن عفان. بحيث فضل أن يكون لهم وزيراً من أن يكون أميراً. بينما قذفه الصراع الاجتماعي إلى المقدمة في حالات عديدة واجبره على أن يكون ممثل الجمهور في مواجهة السلطة خصوصاً زمن عثمان. فقد خاطب عثمان مرةً "إن الناس ورائي وقد استفسروني بينك وبينهم. فالله الله في نفسك. فانك والله ما تبصر من عمى ولا تعلم من جهل. وان الطرق لواضحة، وان أعلام الدين لقائمة"(17). وهي عبارة أوسع وأعمق من أن تكون مجرد إشارة عابرة أو حتى دليلاً ضمنياً على اشتداد الصراع الاجتماعي وتناقضاته. وذلك لأنها تحتوي من حيث الجوهر على تعبير كان مقتل عثمان بن عفان نهايته الخجول وبدايته الصريحة. بمعنى تعبيره عن الصراع الواقعي، الذي أشار إليه الإمام علي بعبارة مقتضبة عميقة المغزى عندما قال مرة "أقبل مزبداً كالتيار لا يبالي ما غرّق، أو كوقع النار في الهشيم لا يجفل بما حرّق"(18). غير أن الصراع ليس قوة مغتربة! وقد أدرك علي أسبابه بوضوح متزايد مع تنوع وتعمق تجربته السياسية والأخلاقية. فالمسلمون الأوائل كانوا يقاتلون كما يقول الإمام علي، مع النبي بغض النظر عن أن القتل يختطف الآباء والأبناء والأخوات والقرابات. بمعنى أن القتال كان مبنيا على أساس العقيدة. ولم يفعل ذلك سوى أن يزيدهم بعد كل مصيبة على إيمانهم ومضيهم على الحق تسليماً للأمر وصبراً على مضض الجراح(19). أما الآن فان البحث عن القلوب "التي وهبت لله وتوقدت على طاعته" أصبح في صياغة التمني المتعجّب. وقد استثار ذلك شعور التألم الأخلاقي الفعال، وبالتالي رؤية الواقع بمعايير ومنظار الفكرة المتسامية والقيم العليا. بمعنى انه نظر إلى الواقع من زاوية الحساسية المرهفة لتجمير شعلتها الدائمة. فعندما طرح السؤال على نفسه في إحدى خطبه التي قال فيها:"أين العقول المستصحبة بمصابيح الهدى، والأبصار اللامحة إلى منار التقوى"، و"أين القلوب التي وهبت لله وتوقدت إلى طاعته"؟ فانه لم ينف وجودها بقدر ما انه أرادها دائمة الفعل والعمل. ومن غير الدقة اتهامه بالقفز على الواقع. فبغض النظر عن البدايات المميزة للحركات العقائدية الكبرى، أي محاولاتها صنع آلية "الوحدة والحق" والتضحية من أجلها بالغالي والثمين، فان هذه الخميرة الجوهرية تنحل بالضرورة حال تحولها من بؤرة الروح إلى عالم السياسة. بمعنى سعيها لقلب العالم وإعادة بناءه على مثالها. أما في الواقع، فإنها لا تعمل إلا على صنع واقعٍ له مقدماته التي لا تحددها بالضرورة متطلبات الفكر وأهدافه المعلنة.

ومن الصعب حصر هذه العملية في إطار ما محدد وتعيين نتائجها الملازمة بالضرورة. فالقضية هنا لا تقوم في تتبع كل جوانب وخصوصية هذه العملية التي أدت إلى ما آلت إليه من نتائج في مرحلة الخلافة السابقة لخلافة الإمام علي، بقدر ما تقوم في الإشارة إلى الطبيعة العامة للمتغيرات الاجتماعية والأخلاقية والسياسية وانعكاسها في رؤيته الخاصة. فقد بدا له واضحا التباين الجوهري بين صراع الماضي والحاضر. فإذا كان الصراع السابق يستند إلى العقيدة والحق، فان الصراع الذي عاصره يشير إلى توجه معاكس بحيث أصبح من الصعب رؤية الشخصيات التي تضع نصب أعينها هدف الحق المطلق، أو حسب عبارته، "تلك القلوب التي وهبت نفسها لله"(20). وهو تعجب لا يخلو من الحزن، بسبب التأسف المرير الذي يستثيره "ازدحام الناس على الحطام"(21)، أي المصالح الدنيوية العابرة.

فالمستقبل الذي بشر به الإسلام والقرآن بيقين قاطع، لم يعد يمتلك سحره الغابر. فآية الصافات القائلة (لقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين وان جندنا لهم الغالبون)(22) أخذت تفسح المجال للتنبؤات المشحونة بتخوف الزمن الآتي، الذي سوف لن يكون به "شيئاً أخفى من الحق ولا أظهر من الباطل"(23)، الزمان الذي لن تكون فيه "سلعة أبور من الكتاب (القرآن) إذا تلي حق تلاوته ولا أنفق منه إذا حرّف عن مواضعه"(24). وبغض النظر عن إمكانية انتحال أو وضع هذه العبارات وأمثالها على لسانه، إلا أن مضمونها يتوافق مع آرائه العامة ومثله الحياتية العملية. إضافة إلى أن ممارسة التنبؤ الإسلامية لم تكن سحرية الطابع ولا أسطورية المعنى. لقد استندت في آن واحد إلى التراث العربي (الجاهلي) ونظراته الواقعية وكذلك إلى رؤية الواقع المحيط. فقد عاش الإمام علي في تلك المرحلة التي كشفت له في اغلب جوانبها عن الكيفية التي يجري بها تحريف مواضع الكتاب (القرآن). بصيغة أخرى، إن القضية لا تقوم فقط في أن هذا التنبؤ يستند إلى تقاليد عربية وواقعية، بل ولان معطيات الصراع التاريخية آنذاك تكشف عن واقع تحول القرآن أحياناً إلى غطاء، وإلى وسيلة للمكر السافر في حالات أخرى. وهو واقع سوف يواجهه بكل قسوته في معارك الجمل وصفين. غير أن ما هو جوهري بالنسبة لنا الآن هو ليس تحليل فعل استعمال القرآن المباشر بقدر ما تقوم في رؤية تلك الحالة التي أصبح فيها استعمال القرآن المؤدلج جزء من الممارسة السياسية.

لقد تحولت الآيات القرآنية إلى بديهيات سياسية. لكن مفارقة الظاهرة تقوم في كونها بديهيات ينبغي أن تخدم مصالح القوى المتعارضة. مما أدى إلى أن تصبح الناس هي "أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم"(25)، كما يقول الإمام علي. بمعنى تحويل الآيات القرآنية إلى جزء من البديهيات السياسية قبل أن تتخذ مفاهيم القرآن هذه الصيغة.

إن مصدر الإيديولوجيات الإسلامية الأساسي أصبح بهذا الشكل منبوذاً من قبل حملته منسياً من حفظته السالفين. ووراء كل ذلك تقف تلك القوة الرقيقة – الخشنة (الثروة)، التي رافقت نشوء الدولة وتطورها. وإذا كان الإمام علي قد حدس سرّ الدرهم وقوته، التي أصبحت معها "ضربة السيف على المؤمن هينة الوقع"(26)، فانه وجد فيها في الوقت نفسه رجوعا إلى الوراء ونكوصا عن المبادئ والقيم، تثليما "لحصن الله بأحكام الجاهلية" الجديدة_27).

 فالانقلاب الذي أحدثه الإسلام في حياة العرب مازال قائماً، لكن أسسه الروحية آخذة في التسوس. وكل ما هو حوله يوحي بالانحلال. ومجمل الواقع يعبر عن انحراف مناف للخير الإلهي. ففي كل مكان "لم يعد يوجد إلا فقيراً يكابد فقراً أو غنياً بدّل نعمة كفراً أو بخيلاً اتخذ البخل بحق الله وفراً، أو متمرداً كأن بأذانه عن سمع المواعظ وقراً"(28). والعالم الجديد الذي صنعه تيار الإسلام الجارف أفرز في غضون عقود قليلة بعد نشأة الخلافة وسلطاتها، "أشباحاً بلا أرواح ونساكاً بلا صلاح"(29). بل أن نشاط الناس يبدو عبثاً، أو حسب عبارته، كتجارة بلا أرباح. فالناس نوّم في يقظتهم، عمي في نظراتهم، وفي نطقهم بكم، تائهة ضحية المذاهب والمشارب. ولم يعن ذلك وقوفه بالضد من التنوع والتباين بقدر ما انه وجد في الانهماك المتهالك وراء الخلافات تباين المصالح الدنيوية لا مصالح الحق.

 ولعل أعمق عبارة صوّر بها هذا الواقع الجديد وانسلاخ الإسلام التاريخي عن فاعليته السابقة بوصفه دين الحركة الاجتماعية الصاعدة، هي كلماته التي وصف بها حال الإسلام بعبارة "لبس الإسلام لبس الفرو مقلوبا"(30). ومن الصعب القول بان علياً قد وعي كل جوانب ما ندعوه الآن بالعملية التاريخية لصيرورة الدولة، لكنه تحسس دون شك وقاوم الاتجاه الصلد في تطور مؤسساتها. لقد تحسس حالة تهشيم الوحدة القديمة لأمة الإسلام ونشوء وحدة جديدة على أشلائها، لم يعد الإسلام فيها قوة تلقائية، بل قوة مؤدلجة وتراثاً يمكن التلاعب به وتطويعه بما يخدم مصالح القوى المتحاربة.

غير أن ذلك لا يعني بان علياً سعى لمعارضة هذه العملية في تكون الدولة ومؤسساتها. فهو شأن كل رجال المبدأ الكبار ومصلحي الروح الأخلاقي العظام كان لابد وان تساور هواجسه العميقة قوى المعارضة المتسامية للتسلط والسلطان. وبهذا المعنى كان لابد له من أن يفترض في أي موقف ايجابي من السلطة نزع سلطويتها. لكن التعارض الفعلي بين المسار الواقعي لصيرورة المؤسسات الحكومية ومضامينها العملية التي سعى لتنفيذ برنامجه من خلالها، قد أدى إلى إثارة معضلات كبرى شاهد من خلالها الماضي والحاضر والمستقبل. ومن ثم تقييم تجارب الإسلام وموقعه فيها. وضمن هذا السياق يمكن القول، بان موقفه المعارض للاتجاه الصلد في تهشيم الوحدة الروحية القديمة، باعتبارها المثال الأعلى لحقيقة السلطة، لم يعن تهاوناً أو تهادناً أو هجوماً ضد بنائها الجديد، بقدر ما كان يحتوي على مساعي تمتين وحدتها الداخلية من خلال الرجوع الدائم إلى يقينها الأول. مما أدى إلى بلورة رؤية لا تتضمن في ذاتها أية معارضة لتأسيس الدولة ومؤسساتها. على العكس! وهو الشيء الذي يمكن رؤيته في كل نشاطه قبل صعوده لسدة الخلافة. كما يمكن رؤية صداها غير المباشر في جملة الاتهامات التي وجهت إليه من جانب الارستقراطية القرشية، بما في ذلك الاتهام المنسوب لعمر بن الخطاب حول ما اسماه بحب علي للسلطة ورغبته فيها! وهو اتهام معكوس من حيث النية والغاية. إلا أن ذلك لا يعني اضمحلال الرغبة العارمة في امتلاك السلطة، ولكن بوصفه سعيا للروح الأخلاقي المتسامي من اجل إتمام بناء الفكرة الإسلامية، كما فعل قبله النبي محمد في قيادة الأمة وخلفه أبو بكر في استخلافه للنبي(31). فهو ليس من أزلام السلطة. انه رجل الدولة الإصلاحي في أدق وأعمق وأجلى معانيه. انه رجل الإصلاح الشامل. بمعنى محاولة إعادة المجرى العام للدولة والأمة والروح حسب متطلبات الرؤية الإسلامية التي استوعبها والإخلاص لها. لهذا كان لابد له من الرجوع إلى التجربة المحمدية وإبراز أولوية العمل. ولم يكن ذلك معزولاً أيضاً عن حالة تحول الصراع السياسي إلى مركز الصدارة في مواجهات القوى المتحاربة. وليس مصادفة أن يؤكد في وصيته لعبد الله بن العباس في جدله مع الخوارج على ألا يحاججهم بالقرآن لأنه حمّال، (أي يحمل معاني كثيرة) ذو وجوه تقول ويقولون. ولكن حاججهم بالسنّة، فأنهم لن يجدوا منها محيصاً"(32).

إن احتلال العمل مركز الصدارة لا يعني من الناحية التاريخية سوى كونه المقدمة الضرورية للتطور الاجتماعي السياسي والفكري اللاحق. فقد احدث انتصار الإسلام انعطافاً حاسماً في الحياة الاجتماعية والروحية للعرب آنذاك. لكنه شأن أي انتصار سياسي فكري تاريخي كبير كان لابد له من أن يتجزأ ويعيد صياغة نفسه. فتوحيدية الإسلام لم تعق اختلاف الآراء وتنافرها. على العكس أنها وفرت غطاء للمواقف المتباينة تجاه كل ما يجري، بل وأصبحت بمعنى ما مصدرا من مصادرها. غير أن العامل الحاسم في تحديد هذه المواقف كان يعود أساسا إلى التوجه الاجتماعي للقوى المتصارعة. فالممارسة الاجتماعية السياسية آنذاك لم تكن عميقة للدرجة التي يصبح معها صراع الأفكار "قضية أولى"، أو أن يندفع فيها هذا الصراع إلى المقدمة باعتباره التعبير المثالي والانعكاس الروحي لأحداث العالم المادي. لكن العمل ظل مع ذلك المعيار النهائي سواء وعت القوى المتصارعة ذلك أم لا.

فالسنّة النبوية هي أيضاً التعبير العملي النظري عما جرى. ومن ثم التعبير المناسب عما ينبغي. وبالتالي يمكنها أن تكون المثال (الواجب) لما يجري. فالكلمة تمتلك إمكانية التأويل المتباين بما في ذلك كلمات القرآن. وتلك ميزة التراث العربي (الجاهلي) التي استمرت لقرون عديدة بعد سيطرة الإسلام أيضا. أما العمل – الحدث فانه ذو حكم قاطع. وتلك أيضاً من تقاليد العرب الجاهلية، التي تصبح معها الكلمة (ومعها فقط) ذات معنى مؤثر. وهو السبب الذي يفسر لنا لماذا أكد الإمام علي بن أبي طالب على أن تكون السنّة حجيج ابن عباس ضد خصومه. إضافة لذلك، إن السنة هي رمز الوحدة في العمل. ففي مراحل الصراع الاجتماعي الحاد يصبح العمل مضمون الكلمة. وإذا كان بإمكان الكلمة أن تكون مصدر خلاف بين ممثلي المعسكر الاجتماعي الواحد، فان العمل لا يمكنه أن يؤدي في حالة الاختلاف عليه سوى إلى تجزئة المواقف، ثم الميول والاتجاهات، وفي نهاية المطاف سيحتدم الصراع بوصفه صراعاً لا مهادنة فيه. وذلك لان الممارسة هي الوحيدة القادرة على أن تكون زمن الصراع العنيف معيار الحقيقة المطلقة. لأنها تكشف عن توجه القوى الاجتماعية. وفي هذا الواقع، لم يكن بإمكان الإمام علي تجنب تأثير عملية التفكك والتآلف الجديدة في المجتمع العربي الإسلامي.

فقد مثّل هو استمرارية الاتجاه الإسلامي المحمدي ولكن في مرحلة انتقال المجتمع من الوحدة الإسلامية إلى وحدته الجديدة التي ترتكز على قيم السلطة والدولة والإيديولوجية المغتربة. فقد كان التفكك والابتعاد عن الوحدة الاجتماعية للجماعة الإسلامية وتهشمها بالنسبة للإمام علي يمثل رجوعاً إلى الماضي. حيث بدت الجاهلية بالنسبة له كما لو أنها تعيد تشكيل نفسها وتنتظم خيوطها من جديد كما يفعل العنكبوت تجاه ضحاياه. وعوضاً عن الهروع في هذه الحالة إلى منبع الجماعة الإسلامية ومصدر قوتها وعظمتها كما دعا هو، فان "قوى المنكر" تسير في خطاها. وهو الأمر الذي جعله مرة يقول، بان أظلم ما في الأمر عندما لا تعترف هذه القوى بجهلها.

لقد نظر هو إلى الجهل باعتباره رديفاً للشر الاجتماعي والأخلاق الجاهلية. بينما أظهرت الممارسة كل من الجهل واللاجهل بوصفهما مقولات سياسية عملية، في وقت لم يفقد الإسلام به بعد تأثيره المعنوي. وفي هذه الحالة كان لابد للماضي من أن يظهر بقوته المعهودة باعتباره السند المتين والدفين في أعماق الذاكرة، واليقين الأخلاقي الذي لا يمكن للقوى المعاصرة أن تمسكه بأياديها. بمعنى انه كان لابد" للعروة الخالدة" من أن تبحث عن مرتكز لها لا يمكن للسلطة أن تحاصره بقواها المباشرة. وليست هذه "العروة الخالدة" سوى الماضي أو المستقبل. لكن إذا كان المستقبل عادة ما يقلق السلطة باعتباره مستقبلها أيضاً وخزانة آفاق وجودها ومصيرها، فان الماضي عادة ما يشكل بالنسبة لها مستودع ثرواتها المنسيّ. إذ بإمكانها الرجوع إليه بالقدر الذي تضطرها إليه الذاكرة المحاصرة في سعيها للخروج من هذا المأزق أو ذاك، أو لتبرير ما تجده ضرورياً لأعمالها. فالماضي يتحول بهذا المعنى إلى خادم صغير لا يفعل أكثر من أن يؤدي خدماته على مثال صغار موظفيها، على عكس القوى التي تبحث في الماضي عن عروة يقينها الأخلاقي. وهي الظاهرة التي توافق من حيث مضمونها عملية الرجوع إلى مبدأ الحق. من هنا بناء موقفها من الماضي على أساس استقامة الاجتهاد والبحث عن دليل العدالة وليس على أساس التبرير والتأويل المؤدلج.

وليس مصادفة أن تؤدي هذه العملية أحياناً إلى نتائج عكسية في إعمالها المباشرة. فقد رفض الإمام علي الانصياع للإجبار "السياسي" غير المباشر، الذي حاول فرضه على الجميع عبد الرحمن بن عوف عندما طاف بسؤال محدد علي كل أولئك الذين كانوا في هيئة الشورى لاختيار الخليفة بعد موت عمر بن الخطاب، وهو إن كان كل منهم سيسلك سلوك من قبله (أبو بكر وعمر)، وان لا يقرّب أحداً من أهله. وإذا كان عثمان قد أجاب بالإيجاب بينما سيكون سلوكه مغايراً تماماً أي انه سيخالف من قبله، فان علياً رده قائلاً "مالك ولهذا؟ إذا قطعتها في عنقي. فان عليّ الاجتهاد لأمة محمد حيث علمت القوة والأمانة استعنت بها كان في بني هاشم أو غيرهم". وعندما شدد ابن عوف قائلا "لا والله حتى تعطيني هذا الشرط"، فانه أجابه "والله لا أعطيكه أبداً"(33). وبغض النظر عن كل الحوافز الفعلية القائمة وراء ضغوط ابن عوف، فان ما هو جوهري بالنسبة لنا هنا هو رؤية الموقف الحقيقي من تراث الماضي وإدراك الموقع الشخصي في اندماجه بالماضي والمستقبل. فإذا كان عثمان قد قال وخان وأعطى العهد ونكث، فان علياً رفض القول وآمن ولم يعط الكلمة وتمسك بالحق. ذلك يعني انه سلك السلوك الوحيد الذي يفرضه منطق الحق وسيطرة الروح الأخلاقي. وفي هذه العملية كان لابد للماضي أن يصبح معيارا ومحكا صارما لتقييم كل ما هو موجود. لهذا يصبح الرجوع إلى الماضي أسلوب المقارنة ورؤية النفس. ولهذا السبب أيضاً وجد الإمام علي في سلوك السلطة رجوعاً إلى الجاهلية وماضيها، أي انه كان يبحث عن المثال الأقوى القادر على أن يكون بذاته قيمة معترفاً بها من قبل الجميع. والأهم من ذلك قيمة مطلقة بالنسبة له رغم اجتهاده الحر(34). من هنا نستطيع القول بان الرجوع إلى الماضي في أفكاره وممارسته لم يكن، من الناحية الموضوعية والتاريخية، وهما اجتماعياً.

فالانعطافات التاريخية الحادة عادة ما تحصل في الطوباوية الثورية المتسامية على صيغة مزدوجة يحددها أساساً عدم نضج الظروف الموضوعية لتجسيد المفاهيم والشعارات التي تصوغها هذه الطوباوية. لهذا عادة ما تجد في القوى المعارضة لها تجسيدا للماضي المنقرض، بينما تبحث هي ذاتها عن أسس قواها في الماضي. وفي هذه العملية الواقعية للصراع الاجتماعي عادة ما يجري استعادة الماضي بمختلف الصيغ. لكنها استعادة تجري في الفكر والممارسة على أسس جديدة. ومن الممكن العثور على هذا الحدس الخفي في موقفه من الاستعادة وأسلوب رؤيتها في جملة المفارقات التي يقدمها بين ماضيه وحاضره، أي كل ما حدد وبلور مقدمات وعيه الديني السياسي، ووضعه على محك الصراع الفعلي.

فقد رأى هو في ظهور الإسلام حلاً لـ "الفتن"، التي مزقت شمل العرب بحروبها الدامية. لهذا نراه ينظر إلى الإسلام نظرته إلى الضوء الذي أنار الدنيا الكاسفة النور. وهو نور لم يفقد شعاعه وتوهجه بفعل عدم تقدم العهود به والأحقاب والقرون(35). فلقد بعث الله محمداً كما يقول في إحدى خطبه، "والناس ضلال في حيرة وخابطون في فتنة، قد استهوتهم الأهواد واستخفّتهم الجاهلية الجهلاء"(36). وإذا كانت إحدى مآثر النبي محمد تقوم في تذليل هذا التفرّق و"دفن الضغائن وإطفاء النوائر والتأليف بين الأخوان"، أي صنع الأمة الإسلامية الموحدة، فان مصيرها اللاحق قد وضع علياً ومأثرته على مستوى آخر وباتجاه نوعي جديد. إذ ليست الفتنة من حيث مضمونها التاريخي، والكثيرة التردد في خطاباته، سوى التعبير اللغوي السلبي عن الصراع الاجتماعي المناهض لوحدة الأمة. لهذا نراه يتكلم عن فتنة جاهلية وأخرى معاصرة له. بحيث نسمعه مرة يقول في إحدى نصائحه للمرء أن يكون أيام الفتنة كابن اللبون (ابن الناقة الذي بلغ السنتين من العمر) "لا ظهر فيركب ولا ضرع فيحلب"(37). وهي نصيحة لا تعبر عن رغبته في تجنب الصراع باعتباره ضرورة، بقدر ما تعكس طبيعة موقفه الأخلاقي. غير أن العامل الحاسم عنده يبقى مع ذلك الجهاد والعمل.

فقد اعتبر الإمام علي الجبن نقيصة والعجز آفة. في حين اعتبر الصبر شجاعة. ومن الممكن رؤية الانطباع العربي (الجاهلي) والإسلامي في موقفه من الصبر باعتباره أكثر الصفات جمالاً. إلا أن تصويره للصبر باعتباره شجاعة، يتضمن في آن واحد رفع شعار التضحية والاستعداد لتحمّل صعوباتها باسم العدالة. فالمقولات الأخلاقية لا تتضمن في أحكامه معنى سياسياً مباشراً. لكنها تخدم مقولات السياسة العملية، بوصفها قيم عليا. لهذا ربط في كل واحد الصبر بالشجاعة، والشجاعة بالعدالة، بوصفها الدورة التي لفت في فلكها قوى الاقتتال بين الأخوان (المسلمين) على ما دخل "في الإسلام من الزيغ والاعوجاج والشبه والتأويل"(38). بعبارة أخرى، لقد طالب الإمام علي بمواجهة حالة الزيغ عن مبادئ الإسلام بالصبر والشجاعة، بسبب ما فيها من مرارة قاسية تستلزم الجلد وتماسك الروح وانضباط الجوارح. فهو يقف أمام واقع أصبح فيه القرآن السلعة الأكثر بواراً حال تلاوته الحقة والأنفق بيعاً حال تحريفه.

إن انعدام العدالة ومكابدة الفقر تبرز لا بسبب اختلاف "التأويل"، بل وبسبب "الانحراف" الاجتماعي والسياسي الذي جعل من "صرخة الدماء الصادرة من جور القضاء" التجلي المفزع لانتهاك القيم والمفاهيم التي استوعبها هو. لقد رغب هو في الوسيلة القادرة على جمع المسلمين. وكان مستعداً لان يمسك مقابلها عما سواها. غير أن تطور الدولة وغير الأمة والروح الأخلاقي وبنية السلطة قد جعل من هذه الوسيلة مجرد شعار. وبهذا المعنى لم يكن سعيه للوحدة الاجتماعية وهماً سياسيا. لقد اقترب أكثر من أي شخصية إسلامية آنذاك من استيعاب وفهم القضية الجوهرية التي أبرزت ضرورة تطبيق شعاره المذكور أعلاه، ألا وهي قضية السلطة.

 

............

17- علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص69.

18- علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ي27-28.

19- علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص236.

20- علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص28.

21- علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص28.

22- القرآن: سورة الصافات، الاية171، 173.

23- علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص30.

24- علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص31.

25- علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص126.

26- علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص126.

27- علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص154.

28- علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص11-12.

29- علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص207.

30- علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص209.

31- إن أية مقارنة فيما بينه وبين الآخرين تظل نسبية الطابع. فالتباين بينه وبين النبي محمد واضح وجلي. فهو يبقى إلى جانب النبي "مقلّدا وتلميذا" كبير النباهة وعميق التلمذة. ولربما يكمن في هذا بعض الأسباب الوجيهة وراء مأساته الحياتية والسياسية، إلا أن ذلك لا يضعف ولا قيد شعرة من عظمته. على العكس! انه يعطي لها وهجاً مثيراً لحاسة الضمير. أما تشبيهه بأبي بكر فيقوم أساساً في مسعاهما للخير الإسلامي ووحدة الأمة وعظمتها وسمو روحها الأخلاقي. وهو بهذا المعنى يسير في خطى النبي وأبي بكر، أكثر مما في خطى التجربة السياسية لعمر بن الخطاب. وليس مصادفة، فيما يبدو، أن ينحاز ابن أبي بكر إلى صفّه كأحد معاونيه المخلصين، بينما يعتزله ابن عمر. وإذا كان تباين سلوكه السياسي عن عمر بن الخطاب، هو بفعل اختلاف زمنيهما وشخصيتهما فان الدور الحاسم تاريخياً يعود إلى أن عمر تسلّم السلطة بعد النبي محمد والخليفة أبي بكر، بينما علي تسلّمها بعد عثمان. لقد استلم هو السلطة، فيما لو استعملنا مجازية الرياضة المعاصرة، بريد السباق من يد رجل منهوك القوى، متأخراً، لم يقبل هزيمته وتأخره، بل شتم من ينبغي أن يقطع شوطه الأخير! بينما تقبلها الأخير على مضض لاسترجاع كل الفوز السابق في منازلة كان ينبغي أن تزهق روحه لها من أجل اللحاق بالأوائل.

32- علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج3، ص136.

33- ابن قتيبة: الإمامة والسياسة، ج1، ص40.

34- إن الموقف المذكور أعلاه، شأن الكثير من المواقف والآراء التي نعثر عليها في (نهج البلاغة) والكتب المؤرخة لحياته وأفعاله، يؤكد بصورة قاطعة على الطابع الاجتهادي لوعيه وفعله. وليست العبارة الشهيرة القائلة بأنه لولا علي لهلك عمر، إلا دليلاً على اجتهاده في حل الأمور أكثر مما هي دليلاً على "عصمته" المعرفية. وإذا كان الارتباط وثيقاً بين المعرفة والاجتهاد، فان المعرفة لا تنتج بالضرورة اجتهاد. وبهذا يمكن القول، بان محاولة تصوير الإمام علي واجتهاده وآرائه على أنها نصوصاً مقدسة لا تقبل الجدل، أو الاكتفاء بها أو بناء نظرية نهائية عليها، لا يؤدي إلا إلى صنع تعارض جدي بين آرائه ومساعيه وحياته الواقعية ومثاله الواجب. فهذه جميعا لا يمكن الجمع بينها بالتبرير الأيديولوجي. لاسيما وانه لا يؤدي في نهاية المطاف إلى إثارة إشكاليات أكثر مما يحلها.

35- علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص157.

36- علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص186.

37- علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج4، ص3.

28- علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص236.

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2361  الخميس 21 / 02 / 2013)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2361 المصادف: 2013-02-21 16:21:28


Share on Myspace