 دراسات وبحوث

الإمام علي- القوة والمثال (9): مثال القوة ومفارقات المصير السلطوي (2)

mutham aljanabiلقد تحول الإمام علي بن أبي طالب إلى موشور إشعاعات القوى المتحاربة. فهو يدرك مضامين ما تسعى إليه، ولكنه فوق القوى المتأثرة والقوى الجازعة. لقد كان منغمسا في بؤرة الصراع، وبالقدر ذاته كان يرغب في الوقوف فوق القوى المتصارعة. ولم يكن ذلك موقفاً سلبياً بقدر ما كان تعبيراً سياسياً لوعي الهوة الهائلة بين المثال الإسلامي للدولة كما فهمه وبين واقع بعيد عنه. وهو تناقض أصبح تذليله مخاطرة كبرى، لأنه يضع المرء وعقله وقلبه وضميره وروحه وجسده أمام الاختيار الصعب، إلا وهو الإقدام حتى النهاية أو الانتهاء فيها، أي تقديم الرأس قربانا لها. غير أن الإمام علي لم يفكر آنذاك فيما إذا كان هذا القربان كبيرا أو زهيداً. فهو ليس من الرجال الذين إذا أحسن إليها تحسّ يومها دهرها. فالدنيا بالنسبة له "أهون من عفطة عنز"(13) لولا ما "أخذ الله على العلماء ألا يقاروا على كظة ظالم وسغب مظلوم"(14). لكن مفارقة الظاهرة التاريخية السياسية التي أخذت ترتسم أمام عينيه تقوم في أن الناس مع الملوك والدنيا، إلا من "عصمهم الله"(15).

وبغض النظر عن إننا لا نرى هنا موقفاً محدداً عن السلطة بصورة مباشرة، إلا إننا نرى في هذا الموقف إشارة حية واستلهاماً صائباً لأحد جوانبها. والمقصود بذلك قضية مصلحة الملوك والمصالح الضيقة. وهي الظاهرة الاجتماعية السياسية الفريدة التي واجهها العرب المسلمون لأول وهلة بعد موت النبي محمد. ولا يغير من هذه الحقيقة خلو القاموس السياسي للمسلمين الأوائل من مصطلح الخليفة. فالخيال والقاموس اللغوي كانا يمتلكان مفهوم الملك. وضمن هذا السياق يمكن النظر إلى انتقاد وإدانة الملوكية على انه انتقادا للخلافة أو أحد جوانبها. وبالأخص تلك الجوانب التي تشبه الملوكية مثل التحكم بالناس والخروج على الشريعة والتصرف حسب رغبات الخليفة بأموال المسلمين وحقوقهم, وإذا كانت أغلب الآراء النقدية التي أطلقها الإمام علي بهذا الصدد موجهة ضد سياسة عثمان، فان آراء كهذه لا تفقد قيمتها التاريخية حتى في حال وضعها على لسان أو أنسابها إليه. وهي ظاهرة محتملة وممكنة وواقعية أيضا. وذلك لان الجوهري في هذه العملية هو الفعل التاريخي ومضمونه الواقعي. وهو الشيء الذي حدد على الدوام آراء القوى المتصارعة وردود فعلها ومواقفها.

فإذا كانت الخلافة نتاجاً عفوياً، فأن صدفتها التاريخية تمتلك "قانونيتها". ولا يشكل هنا أهمية كبيرة الفعل الواعي لاختيار لقب خليفة رسول الله. وذلك لان جوهر القضية لا يقوم في السعي الواعي لإيجاد مصطلح متمايز عن المصطلحات المعروفة للعرب مثل الملكية والقيصرية والكسروية، أو رغبة في الأصالة، بقدر ما أن الخلافة كانت نتاجاً عفوياً لفعل التقاليد العربية القبلية والآلية الإدارية السياسية والفكرية الدينية التي صنعها الإسلام المنتصر. فعفوية العلاقات الاجتماعية لا تنفي الفعل الواعي للناس. وهو الشيء الجلي في واقعة انتخاب أبو بكر، وتعيين عمر بن الخطاب، ومؤامرة صعود عثمان بن عفان. فهي اللوحة التاريخية التي عكست في تسلسلها عملية تطور الخلافة. فإذا كانت الخلافة عفوية المنشأ فان استمرارها ليس كذلك.

فعفوية انتخاب أبو بكر تعمّقت في ممارسة تعيين عمر بن الخطاب، وارتقت بدورها إلى سياسة صعود عثمان. وهي ظاهرة قد لم يعيها الإمام علي بمعايير الرؤية السياسية في أول الأمر، لكن إبعاده المستمر عن السلطة والتآمر عليه والنتائج الاجتماعية السياسية والأخلاقية المترتبة على مسار الخلافة، وبالأخص زمن عثمان، بدأت تفرز في عباراته ومواقفه الاجتماعية والأخلاقية والدينية صيغة ونفساً سياسياً متزايداً. فخلافة أبي بكر أخذت تتأطر في وعيه السياسي على أنها تقمّصا الخلافة، وذلك لعلم الخليفة الأول " إن محله منها محل القطب من الرحى"(16). بينما نراه ينظر إلى تعيين عمر بن الخطاب "نهبا لتراثه"(17). وإذا كان الصبر "وفي العين قذى والحلق شجى" هو الأسلوب الذي بدا له أكثر اتزاناً بفعل ما للشخصيتين الأوليتين من قوى هائلة وعبقرية سياسية وإيمان صادق وإسلام عميق، فانه لم ير في صعود عثمان بن عفان إلى السلطة سوى مؤامرة دفينة. فإبعاده عن السلطة في هذه المرة كان فعلاً سياسياً واعياً من جانب أغلب أعضاء "هيئة الشورى". فقد مسخت نتائج الشورى مبدأ الشورى نفسه. لهذا نراه لا يستهجن فعل عمر بن الخطاب في اختيار الجماعة، بقدر ما أدرك هذه المرة مصير إبعاده للمرة الثالثة على التوالي عن قيادة الأمة والسلطة. وعبّر عن ذلك في إحدى كلماته الوجيزة عندما قال: "وجعلها في جماعة زعم إني احدهم. فيا لله وللشورى"(18). ولعل كلمة "زعم" تسلط الضوء على تحسسه الخفي لوجوده الدعائي والوهمي في تلك الهيئة التي جعلت من الشورى الأولى محل استهجانه المتألم. وهو استهجان اتخذ صيغة الموقف السياسي، أي الموقف المرتكز على أساس تفسير محدد. ولم يخطئ الإمام علي في تفسيره، بل أصاب عمق الظاهرة بوصفها نشاطاً واعياً موجهاً ضده لأسباب اقتصادية وسياسية وقبلية وشخصية. فعملية ترشيح عثمان اتخذت في مظهرها الخارجي شكل ردود الفعل القبلية الدفينة، التي عبّر عنها الإمام علي في وصفه القائل "فصغى رجل منهم لضغنه (يقصد سعد بن أبي وقاص) ومال الآخر لصهره (يقصد عبد الرحمن بن عوف) مع هن وهن إلى أن قام ثالث القوم"(19). وإذا كان طلحة والزبير من بين الأشخاص الستة للشورى، ومن بين الأوائل الذين سيتصدرون موجة التمرد العسكري الارستقراطي ضد خلافته فيما بعد، فسيصبح من الواضح السبب الجوهري لإبعاده هذه المرة أيضاً عن دفة الحكم. ولم يكن ذلك غائباً عن إدراكه الدقيق لما جرى. وقد صوّره مرة بعبارة مقتضبة، عندما أشار إلى أن عثمان بن عفان "قام ومعه بنو أبيه يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع"(20) .

فقريش الارستقراطية التي سبق وان ناصبت محمداً العداء واضطرت في نهاية المطاف إلى الرضوخ، تبدو كما لو أنها تعيد الكرّة مرة أخرى وعلى أساس آخر ضد شخصية الإسلام المثلى. فقد كان من الصعب بالنسبة للإمام علي بن أبي طالب ترديد آيات سورة الغاشية (فذكّر إنما أنت مذكّر. لست عليهم بمسيطر)(21) ، رغم انه مارس التذكرة وفقدان السيطرة. أما الملجأ الوحيد بالنسبة له آنذاك فقد كان الله، مازالت قواه الأرضية ضعيفة، ومازالت تصوراته وقناعاته الدينية الأخلاقية تمنعه من التمرد. من هنا ترديده الدائم على استعانته بالله على قريش ومن أعانهم، لأنهم "قطعوا رحمه وصغّروا عظيم منزلته، وأجمعوا على منازعته أمراً هو له ثم قالوا: ألا انّ في الحق أن تأخذه وفي الحق أن تتركه"(22). لقد واجه هنا الخداع بصورة مكشوفة وجهاً لوجه للمرة الأولى. ففي إحدى كلماته التي يدعو بها الله إلى معاقبة قريش جزاء أعمالها ضده، وبالأخص تجاه سلوكها من السلطة المسلوبة منه، نعثر على العبارة التالية:"فجزت قريشاً عني الجوازي. فقد قطعوا رحمي وسلبوني سلطان ابن أمي"(23). ومن الممكن افتراض تغيّر بعض الكلمات هنا كما في أماكن أخرى من خطبه، إلا أن مما لاشك فيه هو معاداة قريش الارستقراطية له. وهو عداء مستعصي على الحل برز بوضوح في لمحات الصراع بينه وبين معاوية. وقد أدرك سبب ذلك العداء الكثير من المفكرين والمؤرخين المسلمين القدماء. فصاحب كتاب (تاريخ بغداد) يؤكد على أن علياً لا تجتمع عليه قريش أبداً ولا العرب. بينما شدد ابن أبي الحديد على أن قريشاً كلها كانت تبغضه أشد البغض ولو عمّر عمر نوح أو توصّل إلى الخلافة بجميع أنواع التوصل كالزهد فيها تارة والمناشدة بفضائله تارة. بحيث جعله ذلك يستنتج بأن الخلافة لا تحصل لعلي إلا بتجريد السيف وهو ما فعله في آخر الأمر(24).

فقد كانت قريش تعلم، بأنه "أحق الناس بالخلافة" من غيره، كما يقول هو عن نفسه(25). لكنه اضطر للابتعاد عنها "زاهداً فيها وفيما تنافسوه من زخرفة وبهرجة"(26). ولم يكن ذلك معزولا عن إرادته الحرة، التي قيّدتها الحالة الحرجة التي وضعته فيها الارستقراطية العربية الإسلامية الجديدة. فقد حاولت هذه الارستقراطية الإسلامية الجديدة تصويّر سعيه للسلطة على انه سعي أناني. وهي الصيغة التي لازمت سلوك أغلبية قريش منه ونخبها الإسلامية الارستقراطية الغنية، بدأ من استخلاف أبو بكر ومرورا بتعيين عمر و"اختيار" عثمان.بمعنى إننا نعثر في كل حلقات هذه السلطة على قلادة الإبعاد الدائم له عن السلطة. وهو فعل "طبيعي" أيضا بسبب غياب آلية الدولة وفكرة الوصاية وولاية العهد. أما تعيين عمر بن الخطاب فانه افترض دون شك، وجود قناعات إبعاده عن السلطة.. أما في الواقع فان ما جرى هو مجرد فرضية سياسية، كما هو الحال بالنسبة لصعود كل خليفة وسقوطه. والقضية هنا لا تقوم في تتبع كل أنواع الفرضيات الممكنة من أجل بناء حكم مقنع للجميع. فمما لا شك فيه هو أن لكل حكم مهما كان جدياً، مقدماته الخاصة. ومع ذلك فان محاولات تصوير تصرفات الإمام علي بن أبي طالب ومواقفه من السلطة على انه سلوك أناني، يفترض البحث عنه أما في شخصيته نفسها أو في الدوافع القائمة وراء هذا التقييم.

ومن الممكن القول بان هذه التقييمات تتشابه في الكثير من بواعثها الاجتماعية والنفسية مع مواقف العرب الوثنية في تقييمها لمساعي النبي محمد لان يكون "ملكاً للعرب". وهي تقييمات لم تكن نتاجا لسوء الفهم فقط، بل ونتاجاً أيضاً لسوء النية. وفيما لو تجاوزنا إمكانيات الولع المجادل بصدد كفتي الميزان وإثقال سوء النية وسوء الفهم، فان إحدى الصيغ التي نعثر عليها في إظهار "أنانية" الإمام علي وحرصه على السلطة، هي تلك التي تنسب إلى الخليفة عمر بن الخطاب في تقييمه الشخصي لأعضاء الشورى. فقد رشّح ستة أفراد لم يستطع أن يفرض أياً منهم، انطلاقا من أن لكل منهم نقيصته المميزة. فإذا كان ما يمنعه من تولية سعد بن أبي وقاص هو شدته وغضبه مع انه رجل حر، فان ما يمنعه تولية عبد الرحمن بن عوف هو كونه "فرعون هذه الأمة"، بينما الزبير هو "مؤمن الرضا كافر الغضب". أما طلحة فلكونه ذا نخوة وكبر، في حين أن ما يمنعه تولية عثمان هو عصبيته لقومه وأهله. أما ما يمنعه تولية علي بن أبي طالب فهو "حرصه عليها، ولو انه أحرى القوم أن وليها وان يقيم على الحق المبين والصراط المستقيم"(27). فإذا كانت نواقص شخصيات الشورى واضحة المعالم ومثيرة للجدل وقلق الشكوك، فان "نقيصة" الإمام علي في جوهرها مديح مبطّن. إذ ماذا يمكن أن يعني الحرص الساعي لإقامة الحق المبين والصراط المستقيم؟ فالتناقض الفعلي بين الحرص على السلطة واستعمالها من أجل الحق لا يمتلك معنى وقيمة سلبية إلا في الذهنية المعارضة له. وإذا صحّت هذه الكلمات المنسوبة إلى عمر، فان من الصعب البحث عن بواعثها في ميدان ما غير ميدان السياسة. فقد كان عمر بن الخطاب رجلاً عادلاً، مستقيماً، كبير الهمة، شديد العزم، عظيماً في أفعاله وغاياته السياسية. إلا أن لهذه العظمة أيضاً مثالبها. فالخلاف القائم أو التباين الكبير بين عظمة عمر وعلي تقوم في أن عظمة الأول سياسية، بينما عظمة الثاني روحية أخلاقية. وقد أقلقت هذه العظمة الحس السياسي لمخالفيه ومعارضيه وأتباعه. وشكلت بالتالي أحد المصادر الكبرى في إثارة الهاجس السياسي لموقفه في الوعي السلطوي ووعي العوام، بما في ذلك في الأوقات التي بدا فيها مغموراً في عالم النسيان.

فقد حاولت السلطة قمع تأثيره المباشر من خلال قطع إمكانية الاستمرار الحي لفعاليته. وهو الشيء الذي يمكننا العثور عليه في موقف أبي بكر وأتباعه منه. فعندما قرر الإمام علي بعد موت فاطمة مبايعة أبي بكر باسم الهاشميين، مما ساهم لدرجة كبيرة في تثبيت دعائم السلطة، فان ما هو مثير للاستغراب والانتباه موافقة أبي بكر على مقترحات المغيرة بن شعبة، الذي نصحه بالتوجه إلى العباس عمّ علي بكلمات توحي له بأنهم يسعون لان يخلعوا له (العباس) في هذه الإمرة نصيباً ويكون له ولعقبه، من أجل أن تكون للسلطة الحجة على علي وبني هاشم(28). وان رفض العباس لهذه المساومة، أو بصورة أدق، لهذه المخادعة السياسة والمراوغة الرذيلة، لم تثن علياً عن أن يتمسك بكلماته ووعده. وبغض النظر عن اختلاف المواقف والتقييمات لهذه الحادثة، فإنها تكشف عن الحوافز الدفينة لإبعاده عن التأثير اللاحق في السياسة. وبالتالي فان محاولة تصوير سلوكه وموقفه على انه فعل أناني هو مجرد وسمه بما كانوا ينزعون إليه أنفسهم. بينما لم يجد هو، شأن مربيّه (النبي محمد) في ذلك سوى سعي باسم الحق للحق. وبهذا المعنى يمكن فهم "حبه" للسلطة على انه حق من حقوقه(29). وإذا كانت مفاهيمه الأخلاقية الدينية قد سوّغت له الصبر كمعيار أعلى للشجاعة فتلك ليست نقيصة في مضمونها التاريخي والأخلاقي. أنها مجرد كبوة حصان تكشف عن جبروته. أَوَلَمْ يكرر هو في دعائه "اللهم إني أعوذ بك أن أفتقر في غناك، أو أضل في هداك أو أُضام في سلطانك أو أُضطهد والأمر لك؟"(30).

لم يتحسس الإمام علي بن أبي طالب ويستوعب الاضطهاد والضيم الذي وجه ضده كقضية شخصية. مما خفف عن الارستقراطية العربية الإسلامية شعور تأنيب الضمير، الذي نادراً ما كان يقلقها. لكنه أعطى لها في الوقت نفسه حرية الحركة النشطة في احتواء السلطة وتسييرها. فهو لم يفعل إلا من خلال المفاهيم الإنسانية الدينية التي استوعبها. كما كان جهاده واجتهاده محددان بوازع شخصي ينحلّ في الإرادة الإلهية المجسّدة في مفاهيم الحق القرآني كما فهمها. وهي مفاهيم قدم نفسه قربانا للعمل بما يتطابق مع روحها ونصها. فالإسلام بالنسبة له هو العمل الصالح(31) ، أي الأداء المستند إلى التصديق واليقين والتسليم للإرادة الإلهية. ومن الصعب الآن القول فيما لو انه نظر إلى ما جرى معه نظرته إلى امتحان الهي أو، لكنه سلك نفس السلوك الذي رسمه القرآن في آياته (واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً)(32) ، أي لا جزع فيه. وهي الفكرة التي سبق ومارسها في ردّه على محاولة العباس وأبي سفيان تحريضه من اجل استلام السلطة. فقد دعا آنذاك الناس إلى أن "يشقّوا أمواج الفتن بسفن النجاة"(33) ، بينما ردّ في وقت لاحق على الذين رأوا في استمرار سكوته "جزعاً من الموت" بتصوير أخاذ قال فيه:"هيهات بعد اللتيا والتي. والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه"(34). أما مكنون العلم الذي حذر من انه فيما لو باح به لاضطربت الجموع اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة (اضطراب حبل الدلو في البئر العميقة )، فنعثر على احد مضامينه في نصيحته لأبي ذر عندما قال له:"يا أبا ذر انك غاضب لله فأرج من غضبت له. إن القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك"(35). وإذ استمر في مطالبة أبي ذر بترك ما خافوه عليه - (الدنيا) في أيديهم، بل والهرب منهم، فانه لم يهمل رؤية الحل وإمكاناته. فالجميع ستعلم من الرابح غدا. فلو أن السموات والأرضين كانتا على عبد رتقا (أي ملتئمتين) ثم اتقى الله لجعل الله له منها مخرجاً، كما يقول الإمام علي(36).

لكنه لم يبحث عن هذا المخرج وراء هذا العالم بل من خلاله. من هنا صياغته لشعار النشاط الإنساني "لا يؤنسنك إلا الحق ولا يوحشنك إلا الباطل"! فالخوف على الدين يستلزم الصراع من أجل الدنيا، وليس لأجلها فقط. أما الهرب منهم فلا يعني الكف والانزواء من مواجهة الباطل والكفاح ضده. ففي إحدى كلماته التي ردّ بها على المغيرة بن الأخنس، يشير إلى واقع مشاجرة جرت بينه وبين عثمان بن عفان(37). بمعنى أن مواقفه الشخصية إبان حكم عثمان لم تكن تخلو من لحظات صراع شديدة ضد التوجه العام لسلطة الخلافة(38). بل يمكن القول بان الإمام علي ظل على الدوام باعثاً لقلق السلطة وهاجساً مثيراً لنفسيتها الانتقامية. وهو الشيء الذي يمكننا تلمسه ليس فقط على مثال مواقفه في المراحل الدرامية الأخيرة لحياة عثمان وحكمه، بل ومنذ اللحظات الأولى لصعود أبي بكر إلى سدة الحكم. فالمصادر التاريخية العديدة تشير إلى الخلافات الداخلية العميقة بين معسكر أبي بكر وعمر وأتباعهما من جهة، ومعسكر علي وأتباعه من جهة أخرى. وهي خلافات لم تخمد مظاهرها الأولية إلا بعد مبايعة علي لأبي بكر. وفيما بين هاتين المرحلتين، تبلورت الكثير من عناصر المبايعة التقليدية في الخلافة، التي افترضت أيضاً كإحدى مقدماتها الضرورية ممارسة القهر والإجبار على أخذ البيعة. ولعل في تجرؤ أبي بكر بعد مبايعة علي له على حلّ البيعة عن الجميع وجلوسه في المسجد ثلاثة أيام متوالية في استقبال الناس يسألهم "قد أقلتكم من بيعتي هل من كاره؟ هل من مبغض؟" والناس تؤكد بيعتها له مؤشرا على ذلك. ذلك يعني بان شعور الاطمئنان بالسلطة قد أخذ بالاستتباب فقط بعد مبايعة علي بن أبي طالب. بل أن خطبته الشهيرة وعناصرها الراديكالية في تحديد العلاقة بين الراعي والرعية قد جرت بعد هذه المبايعة. بل إننا نرى صدى واثر هذه الحالة بما في ذلك في غمرات موته. هو لم يتأسف أكثر مما تأسف علي مواقفه من علي، عندما قال "ليتني تركت بيت علي وإن كان أعلن عليّ الحرب". أما مواقف عمر بن الخطاب من الإمام علي، فإنها كانت تتسم بطابع سياسي بحت. وهي مواقف بدأت منذ الأيام الأولى من اجل إجباره بمساعدة السلطة على تقديم المبايعة لأبي بكر. فقد سلك عمر بن الخطاب في مواقفه من علي آنذاك سلوك الشرطي الجسور والمحرّض الغيور، الذي طالب بقتله في حالة رفضه الخضوع للسلطة. بل نراه يدخل مرة بيت الإمام علي بالقوة مما أدى في بعض اللحظات إلى تعرض فاطمة لإصابات جسدية ومعنوية مؤلمة. أما مواقف عثمان بن عفان الفعلية الدفينة، فإنها تبرز في إحدى الكلمات التي خاطب بها علياً، عندما بلغت الصراع ذروته الحادة بعبارة:"والله يا أبا الحسن، ما أدري أشتهي موتك أم أشتهي حياتك؟ فوالله لئن مت ما أحب أن أبقى بعدك لغيرك، لأني لا أجد منك خلفا. ولئن بقيت لا أعدم طاغية يتخذك سلماً وعضداً ويعدك كهفاً وملجأ لا يمنعني منه إلا مكانه منك ومكانك منه. فأنا منك كالابن العاق من أبيه. إن مات فجعه وان عاش عقّه. فأما سلم فنسالم وأما حرب فنحارب. فلا تجعلني بين السماء والأرض"(39).

وبغض النظر عن الملابسات التي أحاطت بهذه المواجهات الخفية والمعلنة، إلا أنها تعكس واقعية تمثيله معسكر المعارضة، التي اتخذت آنذاك مختلف الصيغ والمظاهر. فإذا كانت هذه المواقف في حصيلتها العامة زمن صعود أبي بكر إلى السلطة لمواجهة "سرقة" الخلافة، فإنها في اتخذت زمن عمر بن الخطاب صيغة المعارضة الايجابية، التي وجدت انعكاسها النموذجي في العبارة الشهيرة "لولا علي لهلك عمر". أما في زمن عثمان، فإنها سارت في الاتجاه "الطبيعي" المعارض للتوجه العام الذي عبّر عنه مرة في جملته البديعة "الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له. والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه"(40). وكذلك في عبارته القائلة بان في "العدل سعة. ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق"(41). وليس مصادفة أن تسأله الناس مخاطبة عثمان باسمها. ففي عبارته "إن الناس ورائي وقد استفسروني بينك وبينهم" دلالة واضحة على توجهه السياسي في تمثل مصالح الجمهور من جهة، وكونه لسان العدالة المقارع "لانحراف" السلطة من جهة أخرى. فهو يدرك أن سياسة عثمان ليست نتيجة جهل، وذلك لان "الطرق واضحة وأعلام الدين قائمة". وبالتالي فان عصب القضية يقوم في طبيعة توجه السلطة الاجتماعي، أي فيما لو أنها عادلة أم جائرة. لاسيما وان "فأفضل عباد الله عند الله إمام عادل هدى وهدى، فأقام سنّة معلومة وأمات بدعة مجهولة... وان شر الناس عند الله إمام جائر ضلّ وضلّ به، فأمات سنة مأخوذة وأحيا بدعة متروكة"(42). من هنا تحذيره لعثمان من أن يكون إمام الأمة المقتول(43). ومهما يكن من استباق هذا التحذير لحوادث التاريخ الواقعية، فان هذه "الإضافة الموضوعة" لا تغير شيئاً جوهرياً من طبيعة التحذير.

فالأحداث اللاحقة قد جعلت من عثمان إمام الأمة المقتول. والمقتول الأول، الذي جعل من الممكن تطبيق فكرة "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". لقد حرر الواقع إمكانية الفكرة الانتفاضية وقيدها في نفس الوقت بازدواجية دينية. ولم تعد السلطة من الآن فصاعداً خلافة مقدسة. أما الجمهور الذي رفع بأيديه علياً إلى منصة الحكم، فأنه يكون قد حكم عليه بالتبجيل الروحي المؤكد والموت السياسي المحتمل! 

 

..................................

الهوامش

12) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص69.

13) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص37.

14) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص36.

15) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص189.

16) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص30-31.

17) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص31.

18) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص34.

19) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص35.

20) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص35.

21) القرآن: سورة الغاشية، الاية22-23.

22) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص85.

23) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج3، ص61.

24) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج3، ص765، ج4، ص273.

25) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص124.

26) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص124.

27) ابن قتيبة: الإمامة والسياسة، ج1، ص37.

28) ابن قتيبة: الإمامة والسياسة، ج1، ص23.

29) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص84.

30) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص197.

31) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج4، ص29.

32) القرآن: سورة المزمل، الآية 10.

33) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص41.

34) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص41.

35) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص12.

36) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص13.

37) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص18-19.

38) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص88.

39) ابن قتيبة: الإمامة والسياسة، ج1، ص50.

40) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص89.

41) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص46.

42) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص69.

43) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص69.

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2367 الاربعاء 27 / 02 / 2013)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2367 المصادف: 2013-02-27 14:01:00