 دراسات وبحوث

الإمام علي - القوة والمثال (10) .. الانتصار والهزيمة - المثال والواقع (1)

mutham aljanabiإن الضرورة التي تدفع أحياناً حرية القادة في مواجهة مصيرها وجهاً لوجه لا تسألهم عما إذا كان ذلك مثيراً لعواطفهم أم لا. فالكل تواجه مصيرها في نهاية المطاف وجهاً لوجه. وإذا كان ذلك حقيقة بالنسبة للذات الفردية، فان من العبث البحث في مآسيها عما يمكنه أن يخفف من وطأة المعاناة الاجتماعية والثقافية التي يفرضها صعود وموت شخصيات كهذه بالنسبة للذاكرة التاريخية وصدى أزيزها المقلق.لكنها في الوقت هي الحالة التي تعطي للتضحية التاريخية معنى يفوق كل الخسائر المادية. هذا إذا نظرنا إلى الظاهرة بمنظار الوحدة المعنوية وتعاستها التي عادة ما يؤدي إليها فعل الحرية القاهر. وهي الحالة المتناقضة التي عادة ما تضع الشخصيات الكبرى في مراحل الانعطاف الحادة. بمعنى أنها تضع الشخصية أمام خيارات متنوعة لكنها محكومة بتصوراتها عن الأمثل. وهي تصورات تتطابق في وعيها مع المبادئ المتسامية، من هنا إشكالاتها السياسية والحياتية. بمعنى أنها تضع الشخصية حالما تصل إلى السلطة أمام مهمة إعادة التيار التاريخي الجارف و"المنحرف" إلى مساره "الطبيعي"، أي المحكوم بقيم الحق والعدالة. وهي الرؤية التي تجعل من تراث القدماء والمعاصرين قوة هوجاء عوجاء في مواجهة السلطة الجديدة وتحديها. وهي الحالة التي واجهها الإمام علي بعد أن رفعه الجمهور المنتفض والمتمرد على خلافة عثمان بن عفان. فالجماهير التي أنزلت السيف في رقاب الخلافة لم تعر اهتماماً إلى ما إذا كان "خليفتها" المقتول يرتّل (إنا لله وإنا إليه راجعون)! لكنها أصرّت على انتخاب خليفتها الجديد للمرة الأولى بطريقة حرة.

ولعل انتخابه كان المرة الأولى والأخيرة في تاريخ الخلافة. فهي الحالة الوحيدة والتجربة التاريخية الكبرى للخلافة التي كان الصوت الوحيد والحاسم فيها للجمهور المتمرد. فهي الانتفاضة التي حطمت أحد أهم أسس الخلافة بإعلان وممارسة إمكانية الانتفاض ضدها. وبهذا المعنى تكون قد عمقت الطابع السياسي للصراع الاجتماعي. وساعدت على تفتيت الوحدة الصلدة للعناصر التيوقراطية الإسلامية الآخذة في التشكّل. لكنها أفسحت المجال أيضاً أمام تيار "الأسلمة" الحقيقية للسياسة الاجتماعية، بمعنى الربط "الصحيح" بين الدين والدنيا، أو إعادة صنع "تيوقراطية الحق". ومن الممكن العثور على أحد مظاهرها في إحدى كلماته بعد مبايعة الناس له بالخلافة عندما قال:"إني أريدكم لله وأنتم تريدوني لأنفسكم. أيها الناس أعينوني على أنفسكم، وأيم الله لأنصفنّ المظلوم من ظالمه، ولأقودن الظالم بخزامته حتى أورده منهل الحق وان كان كارها"ً(1). لكن تناقضات الواقع لم تنعكس في المضمون الموضوعي لعملية التسيس الاجتماعية وتهشّم الجماعة، بل وفي الممارسة السياسية للإمام علي نفسه بوصفه  ممثل التيار الأكثر إنسانية وتمثلا لفكرة العدالة والحق آنذاك. فالضرورة القاهرة للاستيلاء على السلطة لم تفسح له المجال للتفكير بالماضي، بينما بدا المستقبل له مجهولاً. لهذا دعا الجمهور الذي بايعته لالتماس غيره. وانطلق في موقفه هذا من أن الآفاق قد أغامت! وإذا كان مضطراً لقبول ما عرضه واقترحه الجمهور عليه، فانه لم يقبله إلا بشرط يفترض معرفة ما لا يعرفه الجمهور. لهذا صرح بأنه فيما لو أجاب طلبهم، فانه سيركب بهم ما يعلم ولن يصغي إلى قول القائل وعتب العاتب(2).  ولم يقصد بذلك استصغاره أو استخفافه بعقول القائلين والعاتبين. على العكس! أنها تعبّر عن الحالة النفسية للأخلاقية المتيقنة بقناعاتها حالما تقف أمام مهمة اتخاذ الموقف الذي لا يتعارض مع رؤيته ومساعيه لتنفيذ مبادئ وقيم الحق والعدالة. من هنا إضافته، بأنه فيما لو تركوه، كأحدهم أو لعله أسمعهم وأطوعهم لمن ولوّه أمرهم. فهو لهم وزيراً خير منه أميراً(3). غير أن للمصير برودته. وإذا كانت حرارة التمرد والانتفاض الذي قام به جمهور المسلمين وإلحاحهم لم تفعل إلا على جعله يصرّح بأنه وزيراً لهم خيراً منه أميراً، فان لهيب المعارك أبرز معالم الوعي الخفي والهاجس المتألم والمغلّف بالإدانة لكل ما هو قائم بما في ذلك مجيئه الاضطراري إلى السلطة. وهي الحالة التي صورها في إحدى كلماته لأهل العراق عندما خاطبهم قائلا، بأنه لم يأتهم اختياراً، بل جاء إليهم سوقاً(4). وقد انعكس ذلك في سياسته المتذبذبة أحياناً، التي لم تحددها على الدوام إرادته الخاصة، بل مستوى تطور التناقضات الاجتماعية، مما أعطى لأعدائه فرصة اتهامه بانعدام القدرة على القيادة. وهو تقييم لم يكن معزولاً عن الهجمة الارستقراطية ضده. فإذا كانت قريش، التي تدعي أن الخلافة فيها قد حاربته قبل استلامه السلطة بإبعاده عنها، فإنها أخذت تحاربه بصورة أشد بعد أن دفعه جمهور المسلمين المتمردين إلى صعود سدة الحكم.

بعبارة أخرى، إن الاتهامات القائلة بضعفه السياسي ليست إلا التعبير المركز عن ردة الفعل الارستقراطية في محاولتها سحب البساط من تحت قدميه، وانعكاساً لواقع ومستوى تطور الصراع الاجتماعي. فقد قالت قريش عنه، بأنه "رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب"(5). ومن الخطأ القول بان ضعف إرادته السياسية وانعدام الحكمة لديه هما اللتان أدتا إلى أن تكون مواقفه، حتى في أشد اللحظات حرجا، مائعة وفاقدة للحزم الكامل. فالقرارات مرتبطة دون شك، بالشخصية القيادية، لكن قراراتها في نهاية المطاف نتاج لانكسار تصوراتها وآرائها على موشور الأحداث التاريخية. فديناميكية التطور والصراع الاجتماعي زمن الأحداث العاصفة الملتوية عادة ما تجعل القوى الإنسانية أقرب إلى الجدل والفرقة مقارنة باتفاق اللصوص في مواقفهم تجاه "الأهداف الآنية". وهي المفارقة التاريخية الواقعية التي تبرز على الدوام عندما تكون الظروف الاجتماعية قد نضجت أمام القوى الإنسانية لتحقيق سيطرتها السياسية، بينما القيادة عاجزة عن إدارة الصراع، أو عندما تكون الظروف غير ناضجة بعد، بينما القيادة تسعى لإضفاء تصوراتها ورغباتها على الواقع، أو عندما تكون في مرحلة صراع انتقالي عاصف. فالآلية الداخلية لتشكيل وصيرورة الوحدة والفرقة، والتلاحم والانشقاق داخل المعسكرات الاجتماعية المتحاربة، تحددها نوعية الأفكار ووسائل بلوغها. وهذه بدورها تستند على مستوى النضوج الاجتماعي. وضمن هذا السياق يمكن فهم مأساوية العبارة الصغيرة الطافحة ألماً، التي اختتم بها إحدى خطبه قائلاً:"لا رأي لمن لا يطاع"(6).

إن الطاعة المشروطة التي أكد عليها في اغلب خطبه، باعتبارها إحدى مقومات الحكم البديل الذي ينشده، وأحد شروط بلوغ الحق الإلهي كما فهمه هو، سرعان ما تحول فقدانها إلى مصدر معاناة شديدة، بحيث حدا به في إحدى كلماته حول أهل الكوفة لأن يشبههم بالإبل التي غاب عنها رعاتها، بحيث كلما جمعت من جانب تفرّقت من آخر(7). إلا أن فقدان السيطرة السياسية الفكرية والتنظيمية في معسكره هو نتاج تحطّم "البرنامج البديل"، الذي حاول بمساعدته إعادة اللحمة للأمة الإسلامية، التي تبلورت في غضون عقود قليلة بعد موت النبي محمد كوحدة للتناقضات الاجتماعية المتفجرة. وحالما أخذ على عاتقه مهمة تنفيذ هذا "البرنامج" اصطدم للحال بتلك الآلية السلطوية التي صيّرها تكوّن الدولة في غضون ثلاثة عقود خلت. وهي آلية طرية في مظهرها صلبة في مكوناتها. من هنا سرعان ما هبّت في قتال مستميت بالضد منه. فالمصالح المادية المباشرة، أو كما يقول هو "حلاوة الدنيا ورواق زبرجها" هي التي أدت إلى نكث طائفة (أصحاب الجمل)  وقسط أخرى (أصحاب صفين)(8). وإذا كان شعار المعركة التي خاضتها القوى الارستقراطية هو الثأر لدم عثمان، فانه لم ينظر إلى الثأر (بوصفه استمرارية للتقاليد العربية الوثنية- الجاهلية) ولم ينخرط في هذه الأدلجة الجاهلية، بل وجد جوهر القضية في سعي تلك القوى لإحكام سيطرتها المادية والمعنوية على الدولة والأمة.

وليس مصادفة أن نراه يستشهد بالآية القرآنية القائلة (وتلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين)(9). لقد انطلق منها باعتبارها حجة لدحض الافتراءات، ومرشدا له في صراعه ضدها. من هنا موقفه المتشدد تجاه السلطة. فالخلافة ينبغي أن تكون، حسب نظره، بيد أحق الناس بها، أي أقواهم عليها وأعلمهم بأمر الله فيها(10). ولم تعن هذه الكلمات في مضمونها الواقعي التاريخي سوى أقوى الناس في الدفاع عن الحق وأعلمهم بإدارة شؤون الدولة لصالح الرعية. من هنا تحديده جملة من الشروط الضرورية لإمامة المسلمين، مثل ألا يكون بخيلاً في أموال المسلمين، وألا يكون جاهلاً فيظلمهم بجهله، وألا يكون جافياً ولا ظالماً بالمال فيتخذ قوماً دون قوم، وألا يكون مرتشياً في الحكم فيذهب بحقوق الناس وألا يكون معطلاً للسنة فيهلك الأمة(11). وليس من الصعب رؤية انتقاده واقع الخلافة التي سبقته في كلماته المذكورة أعلاه. غير انه لم يقف عند حدود النقد المبطّن، بل وصاغ "برنامجاً" يحدد فيه طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تسود بين رعاة الأمة ورعيتها، أي بين القادة والمجتمع. 

فمثال السلطة بالنسبة إليه مازال يستمد مقوماته من استيعابه للسيرة المحمدية وأحكام القرآن المتناثرة في صحفه. فهو ينطلق من أن الله قد جعل له حقاً بولاية أمور المسلمين. لكنه حق غير محدد بفكرة "الوصاية" ووصفة "العصمة" التي يجري لاحقا تحويلها إلى مسلمات عقائدية. ف(نهج البلاغة) يتضمن دون شك الكثير من العبارات والتصورات والآراء والأحكام الموضوعة. ولعل فكرة الوصاية هي من بين أهمها. رغم أن (نهج البلاغة) لا يحتوي ألا على إشارة واحدة صريحة فقط بهذا الصدد. والمقصود بذلك محاولته مقارنة "أهل البيت" بغيرهم من الأمة الإسلامية. إذ تشير كلماته إلى أن "لآل محمد خصائص حق الولاية وفيهم الوصية والوراثة"(12). وفي مقطع آخر ترد كلمة الوصاية سلباً حال حديثه عن موقع الأنصار تجاه "إمارة المسلمين". بمعنى أن الإمارة لا يمكنها أن تكون بهم لانعدام الوصاية بذلك من جانب النبي(13). وماعدا ذلك فإننا نعثر في كل (النهج) على مقاطع قليلة تشير إلى أفضلية وأولوية أهل البيت. ففي معرض رده على قريش التي ادعت في جدلها مع الأنصار، بأنها من شجرة الرسول يقول:"بان قريشاً احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة"، أي "آل البيت"(14). وعلى هذا الأساس جرى نسب الأبيات التالية إليه :

فــان كنت بالشورى ملكت أمورهم        فكـــــيف بهذا والمشيرون غيب

وان كنت بالقربى حججت خصيمهم       فــــــغيرك أولى بالنبي وأقرب(15)

أما في الواقع فان هذا الشعر مبني على أساس ترنيم موقفه السياسي من خلافة أبي بكر و"تقمصه" الخلافة، أي كل ما نعثر عليه في الفكرة التي تتضمنها إحدى الكلمات المنسوبة إليه والقائلة، بان "الأئمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم ولا تصلح الولاة من غيرهم"(16). ومن الصعب التصريح بالنفي الكامل لإمكانية نشوء وبلورة قناعات كهذه في إحدى حالاته النفسية حول أفضلية "آل البيت" مقارنة بالبقية الباقية من قريش والمسلمين بشكل عام. غير أن هذه الأفضلية لم تتعد حدود الموقف من الإسلام والإيمان به والدفاع عنه. وتلك قناعات تستند إلى واقع ملموس مرتبط بشخصية محمد ونشاطه وبأصحابه الأوائل من جهة، والى بقية آثار الروابط القبلية والعائلية، التي ظلت تفعل فعلها لفترة طويلة بعد سيطرة الإسلام من جهة أخرى. من هنا فان من الصعب توقع إمكانية ظهور فكرة الوصاية والوراثة بالمعنى الذي أسست له الفرق الشيعية المختلفة في أوقات لاحقة. فإمكانية الوصاية والوراثة، في حالة افتراض عدم وضعها المقصود، تمتلك إحدى مقدماتها في التقاليد القبلية. وإذا كانت كلماته الأولى حول الوصية والوراثة في آل البيت وردت ضمن خطبته الشهيرة بالشقشقية، التي تعبر عن إحدى حالاته النفسية المريرة والمتهيجة، فإنها لا تتضمن مع ذلك، المعنى الذي ستعطيه بعض الفرق الشيعية لهذه الفكرة في أوقات لاحقة. بعبارة أخرى، إن كلماته المذكورة أعلاه لا تحتوي على "أساس إلهي"، وإلا لوضعه هذا في اختلاف، ولحد - ما في تناقض مع المفاهيم القرآنية، التي لم تحو أحكاما تشير إلى الوصاية أو الوراثة في الحكم (السياسي) عند المسلمين. بصيغة أخرى، إن الوصاية والوراثة في الحكم ليست من أفكار الإمام علي، بل من أدلجة الفرق اللاحق، بوصفها رد فعل لاهوتي سياسي ضد وصاية ووراثية الحكم الأموي والعباسي. وان تطور مفاهيم وحجج الشيعة بهذا الصدد تعكس بدقة واقع تطور الخلافة الوراثية بإضفاء ملامح التيوقراطية الناصعة عليها. وينطبق هذا أيضا على فكرة أفضلية بني هاشم. فحتى في حالة افتراض عدم وضعها، فإنها لا تتضمن عناصر المفهوم المذهبي الضيق حول "إلهية" الوصاية والوراثة العلوية للخلافة، أي طابعها الشمولي واللاتاريخي.

ثم أن واقع نشوء وتطور الخلافة حتى استيلائه على السلطة لا يبرهن على ممارسة فعالة في تنفيذ هذه الأفكار. فأفكاره حول السلطة ومواقفه الاجتماعية والسياسية وأحكامه الأخلاقية لا تدع مجالاً للاقتناع بفكرة الوصاية الإلهية. إذ لا نعثر في خطبه على أية فكرة توحي بعصمة أولياء الأمر سواء من داخل آل البيت أو من خارجه. وبالتالي، فان قضية العصمة شأنها شأن قضية الوصاية هي مسألة تاريخية. بمعنى أن لها مقدماتها الاجتماعية والفكرية. وقد لعبت شخصية الإمام علي بن أبي طالب ومجمل ظروف نشاطه وموته دوراً لا يستهان به في بلورة هذا الاتجاه. وذلك لان فكرة العصمة الشيعية هي نتاج "طبيعي" لاشتداد الصراع الاجتماعي والطابع المتأزم والمأساوي لكفاح الأمة والجماعة. فالقوى الاجتماعية تبحث دوماً في تاريخها عما يسدّ ثغرات واقعها المباشر. أولم يقل هو عن نفسه بأنه "ما لقي رجلاً إلا أعانه على نفسه، وانه يعسوب المؤمنين"؟

وقد تحول هو بهذا المعنى إلى الطلاء الذي حفظ تهرؤ الحركات السياسية الشيعية. فهو لم يشر بالعصمة لنفسه ولا لبنيه وأحفاده، بل يمكننا توكيد العكس. إذ نعثر في كل خطبة ورسائله على ما يؤكد نفي العصمة عن أي كان من البشر. ففي "وصيته" المرهفة بالإحساس الإنساني لابنه الحسن يؤكد على أهم غاياتها مثل العمل بما "يكفيه مؤنة الطلب"، لكي "يعافى علاج التجربة"، ومن أجل أن "يستبين له ما ربما أظلم عليه منه"(17). ويؤكد في وصيته أيضاً على أن يعرض "على قلبه وفكره أخبار الماضين، وان لا يبيع أخرته بدنياه"، وان "يمسك عن طريق خاف ضلالته"، ثم أن يفهم وصيته "ولا يذهبن عنها صفحا"(18). بل ويحذره في القضايا الدينية الفكرية، من انه "لو أشكل عليه شيء فليحصله على جهالته، فانه أول ما خلق خلق جاهلاً ثم علم"(19).  بصيغة أخرى إن كل من فكرة الوصاية والوراثة والعصمة ليست من أفكار علي. لقد كان هو إلى جانب الشورى، ولكن بأفضل معانيها. وإذا كان من الصعب الاستناد في ذلك إلى نص خاص، ماعدا تلك الكلمات القليلة الواردة في (نهج البلاغة) في معرض رده على كلمات معاوية بصدد الموقف من الشورى، فان ذلك لا يغير من حقيقة رؤيته السياسية وسموه الأخلاقي الذي لا يدع المجال لفكرة ونفسية الاحتكار السياسي للسلطة أياً كان شكله. فالشورى، حسبما ورد في رده على معاوية "إنما للمهاجرين والأنصار. فان اجتمعوا على رجل وسموه إماما كان ذلك لله رضى"(20). وبغض النظر عن الطابع الملموس لهذا الرد على مناورة معاوية السياسية، فإننا نستطيع أيضاً أن نعثر على موقف ايجابي من الشورى وفي الوقت نفسه نرى دحضاً لا لفكرة الوصاية الإلهية فحسب، بل وحتى لفكرة حصر الخلافة في قريش. وإذا كان انتخاب الإمام بالإجماع مقبولاً، فانه سيكون مقبولاً لله أيضا. وما كان رضا لله لا يمكن أن يكون غير مرض لعلي. بل أن علياً في كلماته لمعاوية يؤكد على إمكانية عزل أمير المؤمنين وحتى مقاتلته فيما لو اتبع غير سبيل المؤمنين(21). وان موقفه من مقتل عثمان، رغم بعض ذبذباته، يكشف عن موقفه العملي بهذا الصدد. من هنا نستطيع التوصل إلى أن مواقفه وأفكاره من السلطة تؤسس أولا وقبل كل شيء لما جرى تقريره أعلاه.

لقد انطلق الإمام علي من مقدمة سياسية وأخلاقية عميقة المحتوى تستند إلى مبدأ يقول بان حق الولاية "الإلهي" مرتبط بحق الأمة عليه. بمعنى انه يجعل من حق الوالي على الرعية وحق الرعية على الوالي حقوقا متكافئة افترضها الله(22) . ولعل في عبارته التي يؤكد فيها على انه "ليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة، ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية"(23) دليلا قاطعا بهذا الصدد. وفيها نعثر على تأسيس أولي وإعلاء من شأن الفكرة الشرعية والديمقراطية الإنسانية (الإسلامية). فهو يرى في الوحدة المبنية على الحق، أساس التناسق الاجتماعي للأمة. أما اختلاف الكلمة (الفرقة) وظهور معالم الجور فهي نتاج تهشم العلاقة بين الرعية وولاتها(24). فالسلطة بهذا المعنى، ضرورية، كما أنها أحد عوامل ازدهار المجتمع ووحدته. ومن ثم فالوحدة الاجتماعية للأمة تجد انعكاسها في السلطة وهي انعكاس لها.

ومن الممكن القول بان علياً قد رأى الترابط الوثيق والمتبادل بين شكل السلطة ومضمونها، بين أساليبها واتجاهية تطور المجتمع. لكنها كانت هلامية بالقدر الذي كان يسمح به مستوى تطور العلاقات الاجتماعية آنذاك. فالإمام علي لا يركّز اهتمامه على فكرة السلطة بوصفها كياناً منظماً لمجرى العمليات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وإقامة وتنظيم الأحكام القضائية ومتابعة الفرائض الدينية، بل ونظر إليها من منطلق الدفاع عن مصالح جمهور الأمة، باعتبارهم أساس ومادة وأداة وغاية السلطة. فهو لم يسع إلى عزل السلطة عن الجماهير، على العكس! انه سعى، فيما لو جاز القول، إلى توزيعها بينهم. فمن واجب حقوق الله على العباد كما يقول هو"النصيحة بمبلغ جهدهم. والتعاون على إقامة الحق"(25). غير أن ذلك لا يعني نفياً لهرمية السلطة. فالبنية السلطوية التي تشكلت مع سيطرة الإسلام ارتبطت أيضا بإحدى أفكاره التي أصبحت مع مجرى تطور الدولة مسلمة من مسلماته العقائدية (الأيديولوجية). والمقصود بذلك فكرة الله ثم النبي ثم أولياء الأمر. ولم يكن حينذاك بعد سد الحلقة المفقودة بين أولياء الله والله بمفهوم "خليفة الله" وعناصرها التيوقراطية السياسية. فالسلطة مازالت تمتلك الكثير من الوشائج المتينة بالأرضية الاجتماعية التاريخية والثقافية (الروحية) التي صنعتها. لكن تطورها منذ خلافة أبي بكر حتى علي قد أفرز جملة من التحولات الاجتماعية والاقتصادية والإدارية السياسية والفكرية الروحية (الأخلاقية) التي ساهمت في إعادة بلورة مفاهيم الإمام علي وممارساته تجاهها. وإذ كانت محاولاته بهذا الصدد تبدو في مظهرها الخارجي كما لو أنها رجوع إلى المنبع الأول للإسلام، فان حقيقتها تقوم في استشراف المستقبل استنادا إلى يقين التجربة التاريخية للماضي. ففي وصيته أو كتابه للأشتر النخعي عندما عينه واليا على مصر نراه يؤكد على أن "الوالي فوق الرعية، وولي الأمر فوقك والله فوق من ولاّك"(26). غير أن ولي الأمر هنا ليس بمنزلة النبي. ومع ذلك فهو يؤدي أغلب وظائفه بمساعدة القرآن والسّنة. فالله يبتعد أكثر فأكثر في هذه المرحلة من مراحل تطور الدولة عن واقع الصراع المباشر. انه "يغترب" في الدولة الآخذة في الصيرورة  والتراكم.

 

......................

الهوامش

1) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص19.

2) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص181.

3) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، 182.

4) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص118-119.

5) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص70.

6) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص70.

7) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص189.

8) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص36.

9) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص36.

10) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص87.

11) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص14.

12) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص30.

13) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج، ص116.

14) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص116.

15) ديوان الإمام علي بن أبي طالب، بيروت، مؤسسة الاعلمي،(ب-ت)ص9 (تعليق حوله)، نهج البلاغة، ج4، ص43-44.

16) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج 2، ص37.

17) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج3، ص41.  

18) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج3، ص39-40.  

19) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج3، ص43.

20) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج3، ص7.

21)  علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج3، ص7.  

22) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص198.  

23) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، 198.  

24) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص199.  

25) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص159.  

26) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج3، ص84.  

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2369 الجمعة 01 / 03 / 2013)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2369 المصادف: 2013-03-01 14:08:15