 دراسات وبحوث

الإمام علي - القوة والمثال (12) .. الانتصار والهزيمة - المثال والواقع (3)

mutham aljanabiإن مفارقات الحياة المتناقضة، والمليئة بالمعاناة والتدمير لم تحصل على تعبيرها الخلاب في عبارته الشهيرة القائلة "كلمة حق يراد بها باطل"، بل وفي الخلاصة المأساوية الذي نفثتها روحه بعد ضربة ابن ملجم عندما دوى صوته:"فزت ورب الكعبة"!! أوَلَمْ يقل هو بان ألف ضربة بالسيف أهون عليه من موتة على الفراش؟ غير أن ذلك مرتبط بشخصيته البطولية التي ستسهم لاحقاً برفعه إلى مستوى أنصاف الآلهة. أما في الواقع، فانه لم يفز بالسماء، بل فاز بالمركز الذي جعله الضحية الكبرى الأولى للطوباوية الثورية الإسلامية. لقد ناضل هو من أجل المثال الذي بدا له واضحاً جلياً كاليقين. وعمل من اجل هذا اليقين المرتبط بمفهوم الحق الإلهي باعتباره قيمة مطلقة. لقد سعى إلى صياغة واضحة المعالم ومحددة للمفاهيم الاجتماعية الإسلامية انطلاقا من مثل القرآن الكبرى، غير أن "انحراف" الواقع جعل منها بعيدة المنال وغريبة المذاق. لقد سعى إلى إرساء أسس الوحدة الاجتماعية للأمة الإسلامية على أساس ومثل العدالة والمساواة من خلال أنسنة الغاية الإلهية للوجود الإنساني، إلا أن سيادة العابر جعلت من القيم الخالدة "نزوة" لا قيمة لها! وهو تعارض وتناقض لم يكن بإمكان الإمام علي آنذاك استيعاب طابعه التاريخي القائم في تناقض المثال والواقع، الذي شق مع ذلك لنفسه الطريق إلى وعيه.

لقد حدس هو في ذاته قوة المثال. لهذا سعى شأن الرجال العظام إلى أن يكون في تطابق مع ذاته المتعمقة في مجرى الصراع. فهو على يقين "من ربه وغير شبهة في دينه" (77). وانه ما حثّ الناس على طاعة إلا وسبقهم إليها، ولا نهاهم عن معصية إلا وتناهى قبلهم عنها(78). وان مثله بينهم كمثل "السراج في الظلمة يستضيء بها من ولجها"(79). ذلك يعني أن الممارسة الاجتماعية آخذة في التعمق والتوسع، لكنه لم ير سوى طريقا واحدا للخلاص. فمن وثق بماء لم يظمأ" كما يقول هو(80). ولم يظمأ الإمام علي من حرارة الصراع الاجتماعي، بقدر ما أحزن روحه جدب القيم الخالدة. وإذا كان هو في دعواه للناس يطالبها بإعانته، انطلاقاً من انه أولى الناس بالناس(81) ، فان  تيار الصراع الاجتماعي الذي دفعه إلى قيادة السلطة لم يكن بالنسبة له "لمنافسة في سلطان ولا التماس شيء من فضول الحطام"(82). مما حدد بدوره نوعية أعماله، التي أدت إلى وضعه في حالات عديدة بالضد من أتباعه. فهو يريد الناس لله بينما تريده هي لنفسها(83). ولم يعن ذلك في الواقع سوى سعة منطلقه وغاياته مقارنة باعتبارات المصالح الجزئية والعابرة. لهذا أصرّ على انه لا يمكنه أن يخطو في اتجاه إصلاحهم بإفساد نفسه(84).  وليس هذا إلا تعبيراً عن واقع التناقض القائم بين الإمكانية والواقع، بين ما يمكن القيام به وبين ما ينبغي القيام به، بين الواقع والمثال.

لقد وقف هو أمام معضلة مستعصية على الحل. فما يستطيع القيام به يتناقض مع مبادئه والمصالح الجذرية لمعسكره. وما ينبغي القيام به عصي على التنفيذ.  فالنموذج الديني المثالي ظل بعد انكساره على الواقع الاجتماعي التاريخي معلقاً وبعيداً عن وسطه المباشر وعالمه المحيط. وهي الحالة التي قال عنها مرة، بان "من ضيّعه الأقرب أتيح له الأبعد"!؟(85). وبغض النظر عما إذا قال هذه الكلمة عن نفسه ومعارضيه أم لا، فانه يكون قد حدس أحد أسرار الصدفة التاريخية لحياته. وهي صدفة محببة للتاريخ باعتبارها أحد مظاهره الضرورية. لقد أضاعه الأقربون! لهذا السبب لم يصبح رسول الثورة، بقدر ما أصبح ضحيتها الأولى الكبرى. فالسياسي لا يرى في هذا "الأبعد" سوى إمكانية وآفاق، بينما يعبر عنه الشاعر بمفهوم اللغز وانسياب النغم. أما الإمام علي قد أبرزه بموته. لقد حذّر معسكره قائلاً، بأنه إنما كان هو جاراً جاورهم بدنه، بينما سيعقبون منه جثة خلاء، ساكنة بعد حراك وصامتة بعد نطق. وغداً سيرون أيامه ويكشف لهم عن سرائره وسيعرفون بعد خلو مكانه وقيام غيره مقامه(86). واستكمل تحذيره هذا بعبارة تقول، بأنه كان "بالأمس صاحبهم واليوم هو عبرة لهم وغداً مفارقهم"(87). ذلك يعني انه اخذ يعي موته بوصفه المصير القاتل للجماعة. لكنه مصير لم يعد جزء من خطة الأزل وامتحانها بقدر ما هو النتيجة المترتبة على سيطرة "سفهاء الأمة وفجارها"، أي "أولئك الذين يتخذون مال الله دولاً وعباده خولا والصالحين حرباً والفاسقين حزبا"(88). وهو مصير وجده في إمكانية الصعود الأموي للسلطة(89).

إن علياً من الشخصيات القلائل في تاريخ الإسلام، التي شكل الدين بالنسبة لها أساس ومصدر وشكل قناعاتها الذاتية. غير أن الطابع المثالي والذاتي للتصورات الدينية ذو صفة تاريخية أيضا. بمعنى أنها وثيقة الارتباط بالواقع الاجتماعي في مرحلة الانتقال العاصفة في تاريخ الخلافة، أي في مرحلة لم  يتحول فيها الإسلام بعد إلى "أيديولوجية متسامية"، ولم تخترقه بعد آراء الخوارج والمرجئة، ولا جدل الشيعة وباطنياتها، واجتهادات المعتزلة والأشعرية ولا تأملات الفلاسفة وأسرار الصوفية. فقد أخضع علي ممارساته لأحكام الإسلام المباشرة، بينما شكل موقفه من "الحق المطلق" معيار إدراكه للحرية.

أما أفكاره عن حرية الإرادة، فإنها أوسع مما هو وارد في (نهج البلاغة). بمعنى أنها كانت تتراكم في مجرى صراعه السياسي والاجتماعي والأخلاقي. فهو لم يسلك سلوك من يرى وراء كل حادثة إرادة إلهية. رغم إننا نعثر على سبيل المثال، في معرض جداله مع معاوية، على فكرة يوحي مظهرها الخارجي بذلك. وبالأخص عندما يقول، بان الله قد ابتلى احدهما بالآخر، بحيث أصبح كل منهما حجة على الآخر(90). وهي فكرة جزئية، بمعنى أنها جزء من موقف أكبر واشمل تجاه وحدة الدين والدنيا. وذلك لان الجوهري بالنسبة للإمام علي لم يكن تحديد ماهية الإرادة الإلهية والقضاء والقدر وما شابه ذلك، بقدر ما كان سعيه من اجل تأسيس ما يمكن دعوته بضرورة التطابق مع المبادئ "الإلهية". وهو سعي إرادي. وعدم التطابق والتناقض الظاهري في أحكامه بصدد هذه القضية أو تلك، ما هو إلا انعكاس للتناقض (عدم التطابق) التاريخي بين الحرية والضرورة، والمثال والواقع. فهو يؤكد في معرض رده على سؤال وجه إليه حول القدر قائلاً "بأنه طريق مظلم فلا تسلكوه وبحر عميق فلا تلجوه، وسرّ الله فلا تتكلفوه"(91). وفي مكان آخر يؤكد على انه "كفى بالأجل حارسا"(92). بينما رد على سؤال حول ما لو كان مسيره مع جيشه إلى الشام بقضاء من الله وقدر، قائلاً "ويحك، لعلك ظننت قضاء لازماً وقدراً حاتما. ولو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب وسقط الوعد والوعيد. إن الله أمر عباده تخييراً ونهاهم تحذيراً"(93). إن هذه الأحكام العرضية الطابع، ظلت من حيث جوهرها خارج إطار نزعة الخمول والتفاؤل. فهو لم يقف مكتوف الأيدي أمام الجور والظلم. من هنا قوله "ما اختلفت دعوتان إلا وكانت أحداهما ضلالة"(94). لهذا لم تسمح مفاهيمه الاجتماعية الدينية ولا تراثه الشخصي بالانزواء والصمت أمام الظلم والضلالة. على العكس! غير أن مأساته الكبرى تقوم في محاصرة التاريخ العربي الإسلامي إياه في أشد اللحظات حرجا.

فالقسوة عادة ما تلازم مراحل الانعطاف التاريخي الكبرى. أنها تضع المعسكر الأكثر إنسانية وطوباوية وثورية أمام حالتين إما ذروة الانتصار وإما مأساة الهزيمة. ولم يكن بإمكان الإمام علي آنذاك أن يتصور مصيره جزءا من مراحل التاريخ المأساوية. وليس مصادفة ألا ينظر إلى المصير نظرته إلى قوة خارقة عمياء أو جزء من إرادة الفرد الخالصة. وذلك لان المرحلة التاريخية التي بلورت شخصيته، وتمثله للقيم والمفاهيم والمبادئ الأكثر إنسانية آنذاك، لم تنضج بعد من أجل تجسيدها. من هنا ظهور هواجس متعارضة وغامضة في أعماقه حولها. وفي الوقت نفسه ترسخ الرؤية الذاتية عن نفسه بوصفه جزء لا يتجزأ من حكمة إلهية. بحيث نراه يقول، بان الله لم يخلق الإنسان عبثا(95). وان الإنسان ليس فقط مخلوقا لله، بل ولقوة الحيوية الكبرى في البرهنة عليه، التي تجد تعبيرها في العبر والحجج والأمثال. وهي "أمثال إلهية" تكشف عن نفسها بوصفها تجليات ملازمة لوجود الإنسان وكيانه الخاص. بمعنى أنها الصورة المرئية لعالم خفي لكنه جلي، بعيد وقريب، متوهج بنوره لكنه يعمش البصر.

إننا نقف هنا أمام أفكار تحتوي على إدراك متميز ومتسام لقيمة الحياة والموت، وغياب لإشكاليات ما وراء الطبيعة، باستثناء الله، الذي بيده مفاتيح الحياة والموت. وإذا كان الله لم يخلق الإنسان عبثاً، فان موته لا يحتوي على مصادفة عابرة أو نهاية فاجعة. فالموت هو اقرب ما يكون إلى بوابة مرور الإنسان إلى العالم الآخر. وما الدنيا، كما قال هو مرة، إلا دار ممر إلى دار مقرّ(96). فمصير الإنسان وكل ما هو قائم يمرّ عبر الموت. وهي الصيغة التي تجعل من الموت ميزانا تثقل كفتيه كل من الحياة الدنيا والآخرة. من هنا قوله "ما بين أحدكم وبين الجنة والنار إلا الموت أن ينزل به"(97). ولهذا السبب أيضا نستطيع فهم سر اهتمامه البالغ بقضية الموت. فهو يوصي أتباعه بذكر الموت وإقلال الغفلة عنه. إذ كيف يمكن إغفال ما لا يغفل عن الإنسان؟ فالغد من اليوم قريب، وما أسرع السنين من العمر(98). لهذا طالب بالاستعداد الدائم للموت، وان يكونوا كالقوم الذين صيح بهم فانتبهوا(99). فللموت معنى. والحكمة في الخوف منه(100). وذلك لان الموت حكمة الحياة، بوصفه القوة التي تحمل على طرفيها الدنيا والآخرة. وبالتالي، فان كل اقتراب من الأجل هو اقتراب من الحكمة. واغرب ما في الأمر ألا يعي الإنسان حقيقتها البسيطة. وذلك لان اقتراب الأجل يحمل أيضا معنى الاستمرار في عبرة الماضين والقادمين وآثارهم. من هنا دعوته لرفض الجزع من الموت، بل ومواجهته والالتقاء به لا عن طريق مفارقة الحياة كما لو أنها ضد أو نافر أو عدو للبشر، بل بالتناغم مع شريعتها التي استبشرها الله في شخصية النبي محمد وقرآنه. إذ ليست موسيقى الحياة سوى صوت الله على الأرض بنغمه القرآني. وليست أوتارها سوى الحق والخير والعدالة. وهي أوتار لم يكن باستطاعتها أن تبدع آنذاك شيئا غير أنغام المأساة العلوية. فقد اختزلت مقولة الحياة والموت كل عناصر ومكونات الصراع الاجتماعي الدائر حينذاك.

فالمأساة هي النتيجة الملازمة للصراع الاجتماعي التاريخي العصي على الحل. وهي تظهر من خلال التاريخ وعبره وبأثره. ومأساة الإمام علي كانت وثيقة الارتباط بظاهرة تطور الدولة. وهي ظاهرة تتجاذبها تناقضات الإرادة الحرة والقيم المتسامية ومطامح ومصالح السياسة الضيقة وحب الجاه والثروة. وهو صراع تتمحور فيه ومن خلاله وحوله تناقضات القوة والمثال. وهي الحالة التي واجهها الإمام علي ووجدت انعكاسها المتنوع والمأساوي في مجرى معاناته من اجل بلوغ الحرية والمثال. من هنا شدة وكثرة العبارات المتعلقة بإظهار التناقض العنيف بين الحياة الدنيوية والأخروية، بين الحياة والموت. وفيه ينبغي البحث عن تحسسه وتلمسه وحدسه صعوبة تذليل العجز التاريخي الذي واجهه في تحقيق ما كان يسعى إليه. وهي الحالة التي أخذت تبرز من خلال تصادم الحرية والضرورة. فإذا كانت الحرية لا تتطابق أحيانا في أحكامه مع المستقبل، بل مع الموت، فلأن الأخير بإمكانه أن يكشف زوال كل ما هو قائم وكل ما هو مبني على القوة الغاشمة والخديعة والجور.

 إن تناقضات الصراع الاجتماعي والسياسي يحصل هنا على انعكاسه المقلوب رأساً على عقب في تناقض مقولتي الحياة الدنيوية والأخروية. فدعوته للموت جعلته أقرب إلى الحياة من وجهة نظر رؤية شوائبها. وهي المفارقة التي تعكس حالة النظرة المقلوبة إلى ما ينبغي أن يكون. فقد كان من الصعب عليه النظر إلى الموت نظرته إلى الترنيمة الحزينة في أغنية الحياة الصاخبة. فوحدة الحياة والموت لا يجزّئها حكم القدر، بل حكمة زوال ما هو عرضة للزوال. لهذا نراه يحذر أتباعه في إحدى خطبه قائلاً:"ألستم في مساكن من كان قبلكم أطول أعمارا وأبقى آثاراً وأبعد آمالاً وأعدّ عديداً وأكثف جنودا تعبّدوا للدنيا؟! قد ضعفوا عنها بغير زاد مبلغ ولا ظهر قاطع (راحلة أو دابة)، فهل بلغكم أن الدنيا سنحت لهم نفساً بفدية أو أعانتهم بمعونة؟!...اتعظوا فيها بالذين قالوا: من أشد منا قوة! حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركباناً، وأنزلوا الأجداث فلا يدعون ضيفانا"(101). ولا يمكن إغفال ما في هذه التصورات التشاؤمية من رؤية إنذار وإدانة لآفاق سيطرة الاتجاه الأموي. فالقوة عرضة للزوال ولا ينال المرء في هذه الحياة شيئاً إلا بفراق آخر. وان كل ما يوحي بالحياة يحتوي على نقيضه(102). إذ ليست هناك من سعادة دائمة على الأرض تماماً كما سبق للشاعر العربي أن قال :

ألا كل شيء ما خلا الله باطل   وكـل نعـيم لا مـحالة زائل

إننا نعثر في هذه الأحكام وأمثالها على مواقف لا علاقة لها بالابتعاد عن الحياة كمثل أسمى، بقدر ما أنها موجهة ضد ما يمكن دعوته بالنزوع الجاهلي الجديد. فعلي لا يزدري الحياة! على العكس! وعندما يؤكد على تفوق الحياة الأخرى وسعادتها مقارنة بتعاسة الحياة الدنيا ونقصانها، فليس ذلك إلا الحصيلة المباشرة لتحسس موت القيم وصعوبة بلوغ الأهداف التي سعى من أجلها. ثم أن ازدراءه موجه ضد حياة أولئك الذين تتحول الحياة عندهم إلى مجموعة مصالح أنانية. لهذا نراه يسير في خطى التقاليد الإنسانية العميقة التي تعي حقيقة وحدتها بالأسمى، أي كل ما يحدد بالضرورة البقاء الخالد للخالد، ومن ثم سمو الحق وفاعليته في الثواب والعقاب ولو بعد الموت. لهذا نظر إلى موته على انه فوز!

وقد فاز الإمام علي بالفعل! من خلال تحوله إلى أحد مصادر ورموز وعي الذات العربي والإسلامي الإنساني المتمرد. فتراجيديته السياسية ليست انعكاسا لطوباويته الثورية ونتيجتها الحتمية. بقدر ما هي النتيجة الطبيعية لغياب إمكانية تحقيق المثل التي دعا إليها آنذاك. فقد كان الإمام علي، حسب كلمات النبي محمد، "خشناً في ذات الله"(103) ، أي مبدئيا في موقفه من الفضيلة وقيمها. وهي صفة افرزها اغلب مفكري ومؤرخي الإسلام القدماء. ففي معرض تحليله وتحديده لسياسة الإمام علي، يشير ابن أبي الحديد، إلى أن علياً كان "شديد السياسة خشناً في ذات الله...أحرق قوماً بالنار ونقض دار مصقلة بن هبيرة ودار جرير بن عبد الله البجلي، وقطع جماعة وصلب آخرين...فان سائس في الدنيا لم يبلغ فتكه وبطشه وانتقامه مبلغ العشر مما فعل عليه السلام في هذه الحروب بيده وأعوانه(104). أي حروب الجمل وصفين والنهروان. وهي عبارة ليست دقيقة إلا في مجال "البرهنة" على كفاءته السياسية بمعايير المرحلة التي كتب فيها ابن أبي الحديد. لاسيما وانه نفسه يشير إلى أن الإمام علي كان يتصف بالحلم والصفح. وهي صفات مكملة لخشونته. فقد كان هو، كما يكتب ابن أبي الحديد، "أحلم الناس عن ذنب وأصفحهم عن سيء"(105). وليس هذا التعارض الظاهري سوى التعبير العملي عن تناقض المثال والواقع. ولم يكن ذلك غائباً أيضاً عن رؤية المفكرين المسلمين القدماء. فان ابن أبي الحديد نفسه يشير وان بصورة وجلة، إلى هذا التناقض، عندما أكد على أن تدابير الإمام علي كانت سليمة المحتوى لأنه كان يسعى دوما لكي تتطابق تدابيره بكل حذافيرها مع الشريعة. وبما أن من يعمل "بما يؤدي إليه اجتهاده ولا يقف مع ضوابط وقيود يمتنع لأجلها مما يرى الصلاح فيه، تكون أحواله الدنيوية إلى الانتظام أقرب. ومن كان بخلاف ذلك تكون أحواله الدنيوية إلى الانتثار أقرب"(106).

بصيغة أخرى، إن خشونة سياسته الصلبة قد عرّضته للهلاك. ومن الممكن أن يكون علي قد حدس ذلك بصورة خفية عندما قال كلماته الشهيرة "سلوني قبل أن تفقدوني، فلأنا بطرق السماء أعلم مني بطرق الأرض"(107). لقد تهشّم هو تحت طرقات المصير التاريخي وتسامى. انه مثّل الحركة التي أرادت الوقوف بوجه تيار الحياة "المنحرف" ولكن كجزء منه ومنها. وفي هذا يكمن مصدر تجدده الدائم وإعادة أدلجته من جانب الحركات الاجتماعية والسياسية القديمة والمعاصرة . فالحركات التي تستلهمه بوحي أيديولوجيتها العقائدية التقليدية أو المذهبية عادة ما تضفي عليه لباس وقناع التقديس مما يفرغ مثاله الواقعي والتاريخي. أما من يحاول تطويعه قسرا بالشكل الذي يخدم مآربها السياسية والحزبية، فانه يعجز عن إدراك حقيقة الإمام علي البسيطة والقائمة في كونه يلمع كالشهاب لأنه يحترق. (انتهى)

 

.....................

الهوامش

77) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص60.  

78) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص90.  

79) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص127.  

80) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص39.  

81) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص231.  

82) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص13.  

83) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص13.  

84) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص118.  

85) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج4، ص5.  

86) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص24.  

87) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج3، ص32.  

88) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج3، ص 120.  

89) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص183-184، 190، ج2، ص54-55، 79، ج3، ص11، 125.  

90) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج3، ص112.  

91) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج4، ص69.  

92) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج4، ص72.  

93) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج4، ص17.  

94) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج4، ص43.  

95) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص110.  

96) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج4، ص33.  

97) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص110.  

98) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص128.  

99) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص110، ج2، ص140.  

100) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص16-17.  

101)علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص219-220.  

102) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص192، ج2، ص28-29.  

103) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج1، ص44.  

104) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج1، ص44.  

105) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج1، ص40.  

106) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج1، ص44

107) علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص120.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2377 المصادف: 2013-03-09 10:36:13


Share on Myspace