 دراسات وبحوث

صيرورة الوجود وماهيته من الأصل إلى الكون الكلي الحي

هل الكون المرئي مخلوق أم أزلي؟

رؤية بانورامية موجزة لتطور النظريات الكونية من بداية القرن العشرين إلى أواسط العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين:

انقضى قرن ونيف على تبلور التصور العلمي للكوزمولوجيا cosmologie، علم الكونيات الحديث، ويعيش اليوم مخاضاً عسيراً على تخوم العلم الطبيعي لا سيما الفيزياء النظرية ومعضلة الأصل الحقيقي للكون المرئي وما رافقها من أفكار جديدة وجريئة بخصوص بداية الكون المرئي وما قبله وما سيؤول إليه مصيره. وماذا لو كان الكون أزلياً وأبدياً؟

إن مسألة الأصل والبداية في علم الكون أو الكوزمولوجيا العلمية، ليس جديداً فمنذ أكثر من قرن وهي تؤرق أذهان وتفكير العلماء والفيزيائيين. فما أن إنتهى آينشتين من صياغة نظريته الجديدة عن الثقالة أو الجاذبية سنة 1916 والمعروفة بنظرية النسبية العامة، قرر تعميمها وتطبيق معدلاتها على الكون المرئي برمته وكان يأمل بأنه سوف يتكهن أو يتنبأ ويتوقع مصير هذا الكون المرئي المادي الذي نعيش فيه. ومن بين الصيغ والحلول العديدة لمعادلاته كانت هناك واحدة تقول بأن هذا الكون المرئي ساكن وثابت ولا متغير وأزلي univers inchangeable et éternel. فهناك حسب بعض تلك المعدلات، قوة طاردة أو نابذة répulsive ناجمة عن الفراغ عبر عنها آينشتين آنذاك بالثابت الكوني constante cosmologique ليوازن بها أو يعادل النزوع الطبيعي للكون للتقلص والانكماش تحت تأثير ثقل محتوياته. فآينشتين كان في ذلك الوقت مقتنع تماماً بأن الكون ساكن وثابت statique وليس له لا بداية ولا نهاية. وكان يميل بالفعل لهذه الصيغة ولذلك اختار هذا الحل solution.

ولكن، وبعد فترة زمنية وجيزة لا تتجاوز بضة أعوام، دفعته مجموعة من المشاهدات الرصدية إلى التنكر لذلك الخيار. وفي سنة 1929 لاحظ عالم الفلك الأمريكي إدوين هابل Edwine Huble بأن المجرات السابحة في الفضاء، تهرب وتبتعد عن بعضها البعض، والتفسير الوحيدة الممكن لهذه الظاهرة هو أن الون المرئي في حالة توسع l’univers est en expansion، أي أنه ليس ساكناً وثابتاً كما تصور آينشتين. فالفضاء أو المكان الكوني يتمدد وتتباعد المسافات الكائنة فيه. وهذا يعني أنه إذا كان لكون المرئي اليوم في حالة توسع فهو حتماً كان في الماضي أصغر حجماً ولو تتبعنا الزمان نزولاً إلى الخلف فسوف نصل إلى اللحظة التي كان فيها الكون المرئي مضغوطاً في حجم ميكروسكوبي متناهي في الصغر أية لحظة حدوث الانفجار الكبير البغ بانغ Big Bang.

وتصور العلماء أن ذلك يمثل بداية الطبيعة وربما نقطة انطلاق الكون المرئي وأصله. ثم بنيت نظريات عديدة حول اللحظة البدئية أو الأولية والتأسيسية التي عرفت بإسمة الفرادة الكونية. وبالتالي حدد له عمر وتاريخ منذ لحظة الظهور وقدرت بـــ 13.7 مليار سنة عندما كان في حالة شديدة الكثافة وشديدة الحرارة وبدأ بالبرودة والتمدد ومر بمرحلة تضخم وتوسع إلى الحدود التي نعرفها اليوم واتخذ هيئته الحالية physionomie actuelle.

قدمت هذه الرؤية العلمية الأولية بعض الإجابات على بعض الأسئلة لكنها وفي نفس الوقت ساهمت بطرح العديد من الأسئلة الأخرى التي لا تقل أهمية أو جوهرية عما ردت عليه من أسئلة كانت مطروحة سابقاً، مالذي جعل الكون موجوداً ولماذا هذا الوجود المادي ومتى وهل كان هناك شيء ما سبق وجوده؟

دفعت هذه التساؤلات وغيرها العديد من العلماء إلى دحض أو التحفظ على هذه الرؤية غير الكاملة للعالم فبعضهم يفضل رؤية أبسط لكون بلا بداية ولا نهاية وهي رؤية تحظى بقول أكبر في نظرهم. ففي سنة 1948 تخيل علماء كبار من أمثال فريد هويل Fred Hoyle وهيرمان بوندي Hermann Bondi وتومي غولد Tommy Gold نظرية جديدة أسموها نظرية الخلق المستمر théorie de la création continue وبالتالي استبدلوا تأثيرات التوسع التي تزيد الفاضء الفارغ بين المجرات بفرضية الخلق المستمر للمادة من قبل الكون الدائم ذاته. بمعنى آخر ف|إن الكون يبدو ومنذ الأزل وإلى الأبد على ما هو عليه اليوم. بيد أن نتائج عمليات الرصد والمشاهدة العلمية والفلكية والأبحاث النظرية الجريئة وضعت نهاية لهذا النموذج الكوني وفضلت عليه نموذج الانفجار الكبير البغ بانغ Big Bang. وقد أثبت العالمان ستيفن هوكينغ Stephen Hawking وروجر بينروس Roger Penroseوكانا في شبابهما باحثين في جامعة كمبردج،أنه عندما نعرض فيلم حدث التوسع بالمقلوب ونعود القهقري إلى الوراء فسيكون من المستحيل تفادي نقطة قصوى تتوقف عندها عن العمل المعادلات الفيزيائية. ولا يمكن لتلك النقطة ــ اللحظة إلا أن تكون البداية المفترضة للكون المرئي والمرصود. وفي نفس الوقت جاء إكتشاف الأشعة الكونية الخلفية الميكرو موجية، وهي أشعة كهرومغناطيسية أطلقها الكون بعد مرور 380000 سنة من حدث الانفجار الكبير والتي وصلت إلينا اليوم مشعشعة وضعيفة وباردة وأخف حدة بكثير عما كانت عليه بسبب التوسع والتمدد الكونيين حسب ما تنبأت به نظرية الانفجار الكبير لكون في حالة أولية أساسية لا متناهي في كثافته وسخونته مما رفع نظرية الانفجار الكبير إلى مصاف النظريات العلمية الرصينة ولكن غير الكاملة. هيمنت هذه النظرية وما تبعها من نظريات فرعية تدور في فلكها وجمدت النقاش بين المؤيدين والمعترضين بالرغم من استمرار التساؤلات الجوهرية المذكورة أعلاه بلا إجابات مما حدا بالكثير من العلماء والباحثين إلى البحث عن بدائل لذلك عادت اليوم من جديد فكرة الكون الأزلي والأبدي للظهور. كانت نظرية ولادة ما للكون قد صيغت دون أن تأخذ في الحسبان تأثيرات الفراغ على الفضاء أو المكان الكوني ولكن في الفيزياء المعاصر فإن كل فراغ ليس بفراغ تام وحقيقي فالفراغ في حالة تقلبات وترجرجات وتموجات وبالتالي فإن مؤثرات كمومية أو كوانتية es effets quantiques تجعل الجسيمات الأولية تظهر وتختفي بلا توقف وباستمرار مما يقود إلى تمدد المكان أو الفضاء قليلاً في كل مرة. فبعد ثواني من الانفجار الكبير امتلأ الفضاء أو المكان بمائع كوانتي أو كمومي أي ببيئة كمومية أو كوانتية وفجأة بدأت إحدى تلك التموجات والتقلبات الكوانتية بالتنامي وكلما انتفخت كلما ظهر فراغ يقوم بدوره زيادة الانتفاخ أكثر فأكثر وخلال جزء لا متناهي من الثانية انتفخت تلك النقطة التي احتوت كوننا المرئي والمرصود notre univers observable بصورة خارقة خارجة عن التصور وانتقلت من بعد صغير إلى حجم هائل وهي المرحلة التي عرفت في الفيزياء بمرحلة التضخم inflation ولكن هل التضخم حالة فريدة؟ لا يوجد سبب يقول بأن نقطة واحدة فقط من المائع الكمومي أو الكوانتي الأولي هي التي انتفخت بهذه الصورة. وكما هو الحال على سبيل المثال ما يحدث على سطح ماء يغلي يوجد عدد لا نهائي من الأكوان الفقاعات infinité d’univers-bulles قد ظهرت من التقلبات والتموجات الكوانتية أو الكمومية وكل واحد منها له أصله الخاص به وتضخمه الخاص به أما الفضاء بمجمله الذي تظهر فيه بلا توقف أكوان فقاعات فإنه يبدو بلا بداية ولا نهاية مما يعني في هذه النظرية عن التضخم الدائم أو الأبدي فإن الكون لا زمني atemporel. وبالرغم من هذه التخريج لم يستطع هذا النموذج تخطي مشاكل البداية المفترضة للكون المرئي. أثبت ثلاثة علماء للكونيات هم الكسندر فيلينكين Alexander Vilenkin من جامعة توفت وآرفين بورد Arvine Borde من جامعة جنوب نيويورك وآلان غوث Alan Guth من معهد ماسوشوسيت للتكنولوجيا أن للكون المرئي بداية زمنية. وإذا رغب علماء الكونيات تفادي المشاكل التي يطرحها الأصل الكوني فعليهم اللجوء إلى نظريات أخرى. من بين الصيغ الأخرى للكون الأبدي والأزلي نجد صيغة الكون الدوري أو التعاقبي الحلقي univers sucliques وإحدى سيناريوهات هذا النموذج الناجم عن نظريات الأوتار قد رسمه العلم نيل توروك Neil Turok أستاذ الفيزياء النظرية في معهد بريميتر الكندي، والعالم بول ستينهارد Paul Steinhardt من جامعة برينستون، يقولان فيه أن كوننا المرئي له أربعة أبعاد وموجود على طوية feuillet تسمى البران brane غارقة في كون كلي super univers ذو أبعاد أكبر وبالتالي فهو ليس وحيد بل محاط بعدد لا متناهي من البرانات – الأكوان الحرة في حركتها ومن هنا إمكانية حصول تصادم بين برانين وربما بصورة منتظمة، وبالتالي فإن الطاقة الناجمة من جراء التصادم تحول إلى مادة وأشعة مما يعطي انطباع أن انفجار كبير قد وقع وتتكرر الحالة دورياً وعلى نحو متعاقب ومن هنا ستختفي قضية الأصل الكوني ومشاكله، وقد أظهر فيلينكين ومساعدته أودري ميثاني Audrey Mithani أن المادة في هذا النوع من السيناريوهات والموجودة على البران تمدد أكثر فأكثر عند كل تصادم أو انفجار كبير ولو عدنا في الزمن إلى الوراء فلن يكون بمقدورنا تفادي وجود الفرادة الأصلية singularité originelle. ولم يصب الآحباط العلماء بل حاول آخرون صياغة سيناريو ثالث وهم جورج إيلي Georges Ellis من جامعة كاب تاون في أفريقيا الجنوبية، وروي ماارتين Roy Maartens من جامعة بورتسموث في بريطانيا، وهو سيناريو خرج ايضاً من ثنايا أو من صلب نظرية الأوتار الفائقة théorie des supercordes حيث يبدأ كل شيء من كون غاية في الصغر وساكن غارق في سبات من الأزل، وفجأة يحدث تضخم يقوده إلى حجمه الحالي وهيئته أو هيكيليته الحالية.

هناك نقطة ضعف في هذا السيناريو تتمثل في عدم وجود أية ضمانات ثبات واستقرارية هذا النموذج الكون إذا أخذنا بالاعتبار ظاهرة التأثيرات الكمومية أو الكوانتية فيمكن أن ينهار على نفسه في أية لحظة كما أظهرت ذلك المعادلات الرياضياتية المتعلقة به وبالنظر الكمية اللانهائية للزمن المتوفرة فإنهم يعتقدون أن عملية الانهيار سوف تحصل لا محالة. وبالتالي فإن كوناً منبثق univers émmergent لا يمكن أن يكون موجوداً على نحو دائم.

وهكذا رغم جميع المحاولات يجد العلماء أنفسهم دائماً وجهاً لوجه مع معضلة الأصل الكوني مما يعني أنه يوجد على نحو ما مرحلة أولية أساسية أو تأسيسية وإنه يمكن العثور على الإجابات من النظرية الكمومية أو الكوانتية فهي الوحيدة القادرة، من خلال التقلبات والتحولات أو التموجات الكمومية أو الكوانتية، أن تظهر شيئاً من اللاشيء ومن غير المنطقي والحالة هذه التفكير ببداية ما للكون المرئي. وقد ساهم العالم ليونارد سيسكند Leonard Susskind من جامعة ستانفورد في هذا المضمار وألقى بعض الضوء على هذه المسألة، من خلال التصور الذهني البحت حيث افترض صورة خيالية غير ممكنة عن مدينة مشيدة على خط مستقيم لا نهائي في جهته اليمنى وله حافة في جهته اليسرى وتخيل أن هذه المدينية الخيالية تضم سكان موزعون على نحو منتظم على الخط وكل واحد منهم يمتلك تلسكوب متطابق مع بقية التلسكوبات أي كلها من نوع واحد. ويحاولون مراقبة أو مشاحد الحافة اليسرى للمدينة. فمن البديهي أن جزء صغير منهم سيتمكن من مشاهدة الحافة وهم الذين يتواجدة بالقرب منها أما الغالبية الساحقة منهم المتوجدون بعيداً عن الحافة فلن يتمكنوا من ذلك وهم ينظرون ناحية اليسار ولن يرصدوا سوى لانهائية المدينة. ونفس الشيء ينطبق على الكون المرئي حسب سيسكند فحتى لو كانت للكون بداية فإنها تعود بلا شك إلى زمنية بعيدة جداً بحيث لا يوجد اليوم اي مؤشر أو أثر باقي عنها ليدلنا عليها وبالتالي لن نتمكن مطلقاً من معرفة ما هو شكل هذه البداية اي لو كانت البداية موجودة فإنها ضائعة في ضبابية الزمان، في البعد الرابع للوجود.

 

البعد الرابع، هل هو حقيقة ام خيال؟

نحن نعرف أن في الكون ثلاثة أبعاد مكانية هي الطول والعرض والارتفاع أو العمق ولكن هل هناك أبعاد أكثر من هذه الثلاثة التي تعودنا عليها بحواسنا وأدركناها؟ ولكن هناك بعد رابع كما تقول النسبية العامة لآينشتين وهذا البعد قد يكون زماني وقد يكون مكاني.

إذا سلمنا أن البعد الرابع زماني، فإننا نستطيع أن نتخيل الوضع كأنه سلسلة أحداث أو فلم. فإن شكل الجسم في لحظة معينة قد يتغير في اللحظة التي تليها. وهذا البعد هو الذي تطرق إليه آينشتاين في نظريته النسبية.

وقد يكون البعد الرابع الذي نتحدث عنه بعدا مكانياً ولكن كيف يمكن أن يكون البعد الرابع مكاني؟ كيف نتخيل الأجسام فيه؟

القطعة المستقيمة عبارة عن مجموعة نقاط مصفوفة على بعد واحد. والأجسام الثنائية الأبعاد كالمثلث والمربع والدائرة تتألف من مجموعة قطع مستقيمة وكل هذه الأجسام تعيش في عالم ثنائي الأبعاد وترى بعضها البعض كخطوط مستقيمة. فالكائنات البسيطة تألف بعدي الطول والعرض وتبرمج عقلها على أن الكون مؤلف من بعدين فقط. وتستطيع التحرك يميناً ويساراً، وشمالاً وجنوباً. لكنها لا تستطيع أن تتحرك، ولا أن تتخيل، الاتجاه الأعلى والأسفل أي البعد الثالث.فالمرء الذي يعيش في مكان ذو بعدين فقط لا يستطيع أن يتخيل البعد الثالث ولا يستطيع أن يراه، رغم كونه موجودا. ولا يسعه تخيل الأجسام ذات الثلاثة أبعاد مثل المكعبات والأهرام والكرات، ولا يستطيع أن يراها. والمكعبات والأهرام والكرات عبارة عن أجسام تتكون من عدة شرائح ثنائية الأبعاد.

وإذا زار الجسم الثلاثي الأبعاد العالم الثنائي الأبعاد، فإن الأجسام ثنائية الأبعاد لا تستطيع أن تراه ولا حتى أن تتخيله. وإذا مر جسم ثلاثي أبعاد واخترق المستوي الذي يعيشون فيه فإنهم فقط سيرون شريحة واحدة فقط من الشرائح المكونة له وهي انعكاس الجسم ثلاثي الأبعاد على العالم ثنائي الأبعاد وهذا الانعكاس ثنائي الأبعاد أيضا وتراه الأجسام الأخرى كخط مستقيم.

والشيء نفسه ينطبق علينا، نحن أجسام مكونة من ثلاثة أبعاد ونألف الأبعاد المكانية الثلاثة. ونرى انعكاسات الأجسام الثلاثية الأبعاد والتي هي ثنائية أبعاد. ولكننا لا نألف بعداً رابعاً. ولا نستطيع أن نتخيل الأجسام ذات الأربعة أبعاد لكننا نستطيع أن نرى انعكاسها على عالمنا الثلاثي الأبعاد. وكما أن العالم الثلاثي الأبعاد عبارة عن مجموعة عوالم ثنائية الأبعاد (مستويات) متراصة فوق بعضها البعض، فإن العالم الرباعي الأبعاد عبارة عن مجموعة عوالم ثلاثية الأبعاد فوق وجنب وخلف بعضها البعض. وهذه أشكال انعكاسات الجسيم الرباعي الأبعاد في العالم ثلاثي الأبعاد.

إثبات وجود البعد الرابع

الحديث عن مفهوم البعد الرابع إنما هو فلسفات، وإن كانت منطقية. ولا يوجد أي إسناد علمي أو معادلات رياضية جبرية تؤيد مفهوم البعد الرابع.

لكن نظرية الأوتار، التي تقول أن المادة مكونة من أوتار صغيرة من الطاقة، والتي تعتبر القوى الكهرومغناطيسية والجاذبية كقوى واحدة، تنطوي على وجود أحد عشر بعداً (الأبعاد المكانية الثلاثة إضافة إلى الزمن وسبعة أبعاد أخرى). هذه النظرية لا زالت تحت التطوير ولم تثبت صحتها العلمية بصورة نهائية بعد.

نظرية الأوتار تقول أن عالمنا المكون من ثلاثة أبعاد متجاور مع عوالم مشابهة أخرى وهذا ما يكون البعد الرابع، كما أنا عالمنا ثلاثي الأبعاد يتكون من عوالم لا نهائية ثنائية الأبعاد.

يأمل القائمون على نظرية الأوتار أن يتوصل تقدم العلم إلى إثبات النظرية. تثبت النظرية عن طريق تسريع جزيئين صغيرين (بروتونين) وعند تصادمهما ببعضهما سينتج عن هذا الاصطدام جزيئات أصغر من ضمنها الجسيم الافتراضي الذي أطلق عليه اسم غرافيتون، Graviton. الغرافيتون عبارة عن جسيم افتراضي يتأثر بالجاذبية وله خاصية وهو التنقل بين العوالم ثلاثية الأبعاد. فإذا اصطدم بروتونين ونتج عن الاصطدام خروج الغرافيتون فإن ذلك سوف يثبت وجود البعد الرابع، كما يفترض العلماء أيضاً وجود نوع من أنواع الحياة مختلف عن حياتنا يمكن أن تنشأ في كون مؤلف من عدة ابعاد مكانية وزمانية لايمكننا معرفتها في الوقت الحاضر.

 

هل الحياة جزء جوهري من الكون المرئي؟

هل الحياة موجودة منذ الأزل في جميع أرجاء الكون المرئي أم إنها خلقت هنا وهناك في ثنايا هذا الكون المرئي الشاسعة على فترات متباينة؟ ولكن من خلق من؟ وهل هناك عملية خلق حقاً؟ هل الحياة سابقة للكون المرئي، متمثلة بكينونة حية وعاقلة، هي التي قامت بخلق الكون المرئي أم العكس، أي أن يكون الكون هو الذي يحتوي الحياة في طياته ومكوناته الجوهرية ويبثها في كل مكان من أرجائه. الإيمان بالله لدى المؤمنين مبني على قاعدة معكوسة، فعندما تسألهم من هو الله؟ يقولون لك أنه الخالق ولكن هذه الإجابة تتعاطى مع صفة أو مهنة كصانع أو نجار أو بناء ولا تُعرف ذات وماهية أوكينونة إلهية. وعندما تسألهم ومن قال لكم أنه الخالق؟ فهل شاهدتم حدث الخلق بأنفسكم؟ سيكون جوابهم: لا ولكن ورد ذلك في كتبه المقدسة التي أخبرتنا أنه الخالق، عندها سيفرض سؤال محرج نفسه عليهم وهو: ومن قال أن هذه الكتب من الله فهذا الأمر لم يثبت تاريخياً؟ الإجابة الوحيدة الممكنة من قبلهم هي: لأنه قال لنا فى كتبه أنها كتب من عنده. والحال بات معروفاً اليوم من الناحية العلمية إن الأديان من صنع الإنسان، والإنسان هو الذي خلق الآلهة في مخيلته التي تطورت بتطوره. فبعد أن كان الإله حجراً أو جذع شجرة قديمة ميتة كانت تتوسط المساحة السكنية التي تقطنها قبيلة بدائية يعتقدون أنها تحميهم من الشر، اتخذ الإله أشكالا اخرى كالقمر والشمس والكواكب والنار والبرق والعواصف، ثم أصبح الإله في هيئة إنسان يهبط من السماء ليصارع يعقوب، وينهزم أمامه كما جاء في نص التوارة: َبَقِيَ يَعْقُوبُ وَحْدَهُ. وَصَارَعَهُ إِنْسَانٌ حَتَّى طُلُوعِ الْفَجْرِ. 25 وَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ ضَرَبَ حُقَّ فَخْذِهِ فَانْخَلَعَ حُقُّ فَخْذِ يَعْقُوبَ فِي مُصَارَعَتِهِ مَعَهُ. 26 وَقَالَ: «أَطْلِقْنِي لأَنَّهُ قَدْ طَلَعَ الْفَجْرُ». فَقَالَ: «لاَ أُطْلِقُكَ إِنْ لَمْ تُبَارِكْنِي». 27 فَسَأَلَهُ: «مَا اسْمُكَ؟» فَقَالَ: «يَعْقُوبُ». 28 فَقَالَ: «لاَ يُدْعَى اسْمُكَ فِي مَا بَعْدُ يَعْقُوبَ بَلْ إِسْرَائِيلَ لأَنَّكَ جَاهَدْتَ مَعَ اللهِ وَالنَّاسِ وَقَدِرْتَ») (سفر التكوين، الإصحاح 32). ثم أصبح الإله كالإنسان يرسل ابنه الوحيد لينقذ البشرية من الخطيئة الأولى بإراقة دمه كما تقول الديانة المسيحية، ثم تعالى الإله بعد ذلك وأصبح كائناً بيدين ورجلين ووجه وعواطف إنسانية من غضب وضحك وما إلى ذلك، وأصبح يجلس فوق كرسيه أو يستلقي على عرشه فوق السماء السابعة وينزل من وقت لآخر إلى السماء الدنيا وغير ذلك من الحكايات الخرافية إذا أخذناها بمدلولها الحرفي المباشر. ولقد جاء في كتاب سيغموند فرويد موسى والتوحيد ما مفاده إن فكرة الإله الأوحد الكلي القدرة والمطلق لم تترسخ في الديانة اليهودية إلا مع مرور الزمن فقد جاء في كتاب فرويد: هنالك شواهد كثيرة في التوراة على ان اليهودية في بداية امرها لم تكن دينا توحيديا بل خالطتها كثير من المعتقدات الوثنية لشعوب المنطقة التي سكنت بينها الى حين، ولعل النبي موسى هو الذي وطّد التوحيد والتشريعات الاولى التي ميزت اليهودية عن باقي الاديان الوثنية. ولعل دلالة كلمة "إلوهيم" وهي الجمع العبري لـ إله دلالة على تعدد الاله في العصور الاولى لليهودية ولو ان رجال الدين اليهود يعللونها بأن إلوهيم هي صيغة الجمع للتعظيم كما هو معروف باللغة العبرية وفي كثير من اللغات الاخرى مثل العربية فإن الإلوهيم بالعبرية ً تعني أيضاً الهابطون من السماء بصيغة الجمع.

وفي كنعان كان اله اليهود هو إيل وفي عهد النبي موسى كان الههم هو أتون الذي نادى به الفرعون الموحد اخناتون حيث تظهر اثاره في النص التوراتي الغريب التالي: "اصغي يا إسرائيل، ادونَي إلهنا الهنا واحد" وأدوني هو اللفظ العبري للإله أدونيس الذي كان يعبد في شمال الشام ومن المرجح ان الاله أتون المصري الذي يمثل القوة الخفية في اشعة الشمس لإله لايرى هو امتداد مقتبس من الاله أدونيس. وبعد ذلك اصبح اله القبيلة العبرية في عهد النبي هارون اخو النبي موسى وسموه "يهوه". ويهوه هو اله وثني للبراكين جُرّد من صفاته الوثنية السابقة ليحل محل اله التوحيد ادوني بعد اندماج العبريين النازحين من مصر ببني جلدتهم الذين كانوا يعبدون يهوه في سيناء. ونرى ان صورة الاله قد تطورت من صورة اله وثني (نصف اله ونصف بشر) يصارع التنين وينتصر عليه، إلى إله محدود الصفات، فهو ليس الخالق الاول والأوحد وقواه ومعرفته محدودة، أي ليس هو الإله الخالق الأوحد كلي القدرة والمعرفة. ويلاحظ أيضا تأثر الطقوس الوثنية بالطقوس اليهودية مثل تقديم الاضاحي للإله المتعطش لرائحة الدم والشواء ونلاحظ ايضا تأثير الطقوس المصرية في تحنيط الموتي في ما تذكره التوراة من تحنيط النبي يعقوب والنبي يوسف بعد موتهم. جاء كما ورد ذلك في كتاب موسى والتوحيد لسيغموند فرويد.

هناك أساطير وخرافات وغيبيات يصدقها المؤمنون بالرغم من تناقضها الواضح والصارخ مع العقل والعلم ولكنهم يتقبلونها على علاتها كونها تتشكل معهم بالإيمان ووراثة المعتقدات وهنا يصبح العقل إما مغيباً تماما كونه يتناقض مع المنظور والمحسوس أو عقلاً يترنح بين العلم والخرافة، وفى كل الأحوال يكون تمرير مثل هذه الكمية من الخرافات تعبيراً عن إحتياجات نفسية تجد أمانها فى المقدس، والطريف أنهم يريدون إثبات وجود الله بهذا المنطق الخرافي.

يميل أغلب العلماء للفرضية الثانية أي أن الكون هو موجد الحياة ومنبعها لأنه هو ذاته كينونة حية. فلقد توصل لفيف من العلماء في أواخر عام 2009 إلى اكتشاف مثير بفضل مرصد راديوي يبلغ قطره 30 متراً تمثل بالعثور على مادة الآسيتونايتريل وهي مادة قريبة في تركيبتها الجزيئية من الحوامض الأمينية التي هي بدورها تمثل اللبنات الأولية للأحماض النووية التي يعتقد علماء الأحياء والبيولوجيا أنها جوهر الحياة، والأهم في ذلك أنهم عثروا على هذه المادة العضوية في غيمة غازية هائلة تقع في مركز مجرة درب التبانة بالقرب من سديم أو كوكبة القوس. وبدراسة هذا التشكيل السديمي الكثيف والساخن جداً الذي يبلغ قطره مايقارب ثلثي المسافة التي يقطعها الضوء خلال سنة، أي ثلثي السنة الضوئية، وفي مركزه نجم حديث الولادة. تتيح لنا هذه الاكتشافات العلمية الحديثة في هذا المضمار إمكانية التركيز على فكرة باتت مقبولة من قبل عدد من العلماء والباحثين مفادها أن إحتمال تشكل اللبنات الأولى للحياة الأساسية كان في الغيوم السديمية المنتشرة في كل أرجاء الكون المرئي، وقد تكون هي المصدر الأساسي أو الأولي الذي مهد لظهور الحياة فوق عدد كبير من الكواكب التي تلائم ظروفها البيئية نشأة الحياة فوقها كما هو الحال مع كوكبنا الأرض، وهي كواكب توجد في عدد من المنظومات الشمسية في مجرتنا وفي باقي مجرات الكون المرئي وتعد بالمليارات. وهذا ما سيشجع العديد من العلماء على محاكاة عملية نشوء الحياة مختبرياً من خلال عدد كبير من التجارب البيولوجية والتفاعلات الكيميائية المختبرية. ولو تم إثبات هذه الفرضية فهذا يعني أن من المحتمل أن تكون الحياة بأشكالها المتنوعة، وحياتنا البشرية أحد أنواعها، هي أكثر شيوعاً وانتشاراً في الكون المرئي مما كنا نعتقد في الماضي القريب. بعبارة أخرى إن الحياة هي جزء أساسي وجوهري للوجود الحي في المنظومات الكونية وفي الوجود كله وهي من شروط التركيبة الكونية الشاملة في مقابل فرضية الآنثروبي anthropienالتي تحدثنا عنها في مقالات سابقة وكدليل على وجود أشكال حياة خارج كوكبنا، نشرت دورية "مجلة علم الكونيات" (the Journal of Cosmolgy) مؤخرا مقالا أثار الجدل وشارك في تحريره علماء من المملكة المتحدة وسريلاكنا.

ففي يوم 29 ديسمبر/كانون الثاني من سنة 2012، سقطت مجموعة كبيرة من الشهب بقرية أراغانويلا السرلانكية، وقامت مجموعة من العلماء بجمع عينات لدراستها.

أحد هذه الأحجار النيزكية سمي (Polonnaruwa meteorite) وهو نيزك حجري غير حبيبي كربوني (carbenaceous chondrite) كشفت الصور الإلكترونية المجهرية أنه يحتوي بداخله على طحالب من نوع الدياتوم (diatom) المتحجرة، أي تركيبة عضوية حية. وقد قام بقيادة الدراسة البروفيسور شاندرا ويكراماسينغ، مدير مركز البيولوجيا الفلكية بباكنغهام. ويعتقد فريق البحث أن هذا الاكتشاف يؤكد فرضية التبزر الشامل (panspermia) التي تقول بأن الحياة منتشرة في مختلف أنحاء الكون المرئي وتنتشر عبر الكويكبات والنيازك، منذ أن بدأت النجوم بإنتاج العناصر الثقيلة والمواد الأساسية للحياة كالكاربون والأوكسجين والهيدروجين، وبالتالي الماء، في مختلف مراحل التطور الكوني على امتداد 13 مليار سنة.

أثارت الدراسة الكثير من الجدل في الأوساط العلمية، اعترض بعض العلماء المشككين على هذا الاكتشاف مقدمين حججا مثل أن تكون الطحالب قادمة من مياه من الأرض علقت بالحجر النيزكي عند سقوطه على كوكبنا.

وفي هذا السياق لم ينف كاتب المقال في حوار له مع جريدة هافينغتون بوست إيجاد كائنات معروفة أرضيا توجد في العادة بالمياه العذبة أثناء الفحص، إلا أنه أكد أن الحجر النيزكي يحتوي على 12 نوعا من الطحالب على الأقل التي أثارت حيرة الخبراء ليس مصدرها الأرض باكل تأكيد، إذ أنها كانت أنواعا مجهولة بالنسبة للعلماء.

أما بالنسبة للمشككين في كون الحجر نيزكيا مصدره الفضاء، فإن الفريق سيقوم بنشر بيانات تؤكد أنه بالفعل حجر نيزكي، ويبقى هذا الاكتشاف محل جدل إلى أن يتم نفي أو إثبات صحته. كما يقول علم الأجنة الطبي أن تطوّر الإنسان كان تتويجاً لعملية تطور بدأت منذ 3،7 مليار عام، حينما ظهرت بكتيريا وحيدة الخلية في المحيط البدائي، ومنها تطورت "شجرة الحياة" النباتية والحيوانية. ومن الفرع الحيواني، وفي مرحلة متأخرة جداً، ظهرت الثدييات، ومنها قرد راما، وهو نوع أكثر تطوراً من فصيلة الشمبانزي، ومن هذا القرد تطوّر الإنسان، منفصلاً عن ابن عمّه الشامبانزي العادي، منذ 7 مليون عام فقط. ويشترك الإنسان المعاصر مع الشامبانزي في 98،5% من الجينات (نسبة الجينات تحدّد قرب أو بعد انفصال حيوان عن سلالة نسب الآخر بمن في ذلك الحيوان الناطق)، في حين أنّه لا يشترك مع الزّهرة إلا بـ2% من الجينات، ولا يشترك مع الأرنب إلا بـ70%من الجينات. وهكذا مع جميع النباتات والحيوانات التي تطور منها كما تنص على ذلك نظرية التطور والانتخاب الطبيعي لتشارلز داروين.

لاتوجد لدى العلماء مشكلة بأن يكون للكون صانع وهذا احتمال موجود ولايمكن نكرانه على نحو مطلق وقاطع، المهم إثبات أن إله الأديان هو الصانع أو الخالق للكون المرئي، بيد أن الاديان عجزت عن اثبات مسؤولية ألهتها عن خلق الكون بأدلة علمية قاطعة."

من الأسئلة المحيرة التى تضلل وتدفع العقل نحو التفكير الخرافي أو الميتافيزيقي سؤال " من خلقنا إذن"؟ والذي يطرح هذا السؤال إعتبر أن الوجود جاء من عملية خلق وفرض هذا بتعسف من غير إثبات أو دليل على الآخرين وكأنها حقيقة.. فهل الوجود جاء من الخلق؟. حريا ً أن يتم إثبات ذلك أولاً ومن ثم نبحث عن الفاعل سواء كان كائناً حياً وعاقلاً وقادراً على كل شيء أو تركيباَ مادياً ذي مزايا نجهلها في الوقت الحاضر لأننا ما زلنا على العتبة الأولى من سلم العلم والمعرفة في امتداده اللانهائي.

ولو تقبلنا قصة الخلق المتعسفة التي فرضتها الأديان على عقول البشر فلماذا لا نسأل من خلق الخالق.. فإذا أصروا كعادتهم بالقول أن الخالق لا يُخلق فحريا بنا اعتبار الماهية التي يتكون منها الكون المطلق والكلي الحي هي التي لم تخلق وإنما موجودة منذ الأزل وإلى الأبد، أي سرمدية الوجود، وما كوننا المرئي المرصود ومافيه من محتويات، ومنها الحياة وجميع الكائنات، سوى جسيم أولي من مكوناته.

 

الكون المرئي بين البداية المفترضة والنهاية المحتملة:

إن مجرد الحديث عن مفاهيم البداية والنهاية سيجرنا حتماً، وعلى الرغم منا، إلى الحديث عن الزمان، إذ أن هذه المفاهيم هي مفاهيم زمانية بامتياز. فهل سيميط العلم يوما ما اللثام عن الحقيقة الحاضرة الغائبة دوماً والمتعلقة بالبداية الحقيقية، وليس المفترضة، والنهاية المجهولة والمتوقعة، لكل ما هو موجود على أرض الوجود المادي الذي نعيه وندركه بحواسنا البشرية؟ لقد عجزت فيزياء القرن العشرين وما سبقها عن تقديم الإجابة الشافية الكافية على هذا السؤال فهل ستنجح فيزياء القرن الواحد والعشرين في ذلك؟

في القرون الوسطى كان التفكير الإنساني يتركز في معظمه حول موضوع الأزلية والأبدية والخلود، من وجهة النظر الثيولوجية الدينية بالطبع، أو كما تراها الكنيسة الكاثوليكية والمؤسسة الدينية الحاخامية اليهودية وبالطبع ما يقابلها في الإسلام الشيعي والسني من مرجعيات ومراتبية دينية، مما يعني في نهاية المطاف أن الإنسان هو الذي اختلق آلهته من مخيلته أو أنه رأى ظواهر خارقة ومخلوقات كونية غريبة اتخذها آلهة له. ففي القرون الوسطى، على سبيل المثال، كان هناك رجل دين مسيحي متنفذ في الكنيسة الكاثوليكية ومستشاراً للملك سان لوي Le roi saint Louis وأسقف باريس يدعى غيوم الأوفريني Guillaume d’Auvergne، والذي كان يتمتع بقوة شخصية مدهشة وانفتاح ذهني منقطع النظير وجرأة لا مثيل لها عند أقرانه وزملائه، وكان أول من تساءل في تلك الحقبة:” هل كان يوجد شيء ما في الوقت الذي سبق الزمان؟” وبعده بقرون تساءل الفيلسوف الفرنسي غويتون Guitton:” هل كان هناك زمان قبل الزمان، زمان أولي سبق زماننا هذا الذي نعيش فيه؟” لم تكن الإجابة سهلة ناهيك عن أن تكون بديهية ولكن العلم ونظرياته الحديثة والتكنولوجيا المتقدمة قدمت لنا اليوم بداية لإجابات خجولة ومعقدة نوعاً ما لأنها توسلت بمنهجيات رياضياتية جبرية مركبة وصعبة تحدثت عن زمان بسيط temps simple وزمان مركب temps complexe وعن زمان واقعي temps réel وآخر متخيل أو خيالي temps imaginaire وهذه مفاهيم علمية وليست فنطازيا fantasmatique أو فذلكة كلامية ناجمة عن تصورات وهمية effet de l’imagination. وكان من أوائل من استحدثها واستخدمها علمياً عالم الرياضيات الفرنسي الفذ هنري بوانكاريه Henri Poincaré في أواخر القرن التاسع عشر. ودونها في سنة 1902 في كتابه الهام العلم والفرضية La Science et L’Hypothèse كتب بوانكاريه بجرأة:” بوسع شخص ما كرس وجوده وعقله كله للعلم أن يتمثل أو ربما يتخيل البعد الرابع quatrième dimension ” وهنا تكمن المعضلة أمام العلماء. كيف يمكن جعل البعد الرابع مرئياً هندسياً وفراغياً وعلى نحو سهل وبسيط؟ visualiser la quatrième dimension géométriquement وكيف يمكن التمييز رياضياتياً وحسابياً mathématiquement بين الزمان والمكان، أو بعبارة أخرى كيف يمكن صياغة التمثيل الهندسي أو إيجاد التمظهر الهندسي représentation géométrique لما سماه آينشتين Einstein فيما بعد سنة 1905 الزمكان L’espace-temps ذو الأبعاد الأربعة؟ في نهاية خمسينات القرن الماضي شاع بين بعض العلماء إمكانية اللجوء إلى شكل آخر من الزمان يختلف عن الزمان الواقعي الذي نعيش فيه وهو الزمان المتخيل أو الخيالي temps imaginaire وهو زمان افتراضي حاسوبي لا يقاس أو يحسب بالأرقام العادية المألوفة الموجودة على مينا الساعة اليدوية، بل بأرقام أو أعداد متخيلة أو خيالية nombres imaginaires وهي أعداد غريبة كما وصفها الفيلسوف والعالم ديكارت Descartes في القرن السابع عشر، والتي يكون جذرها التربيعي دائماً سالب négatif. وهي الوحيدة القادرة على التعاطي مع الزمن المتخيل الذي وصفه عالم الفيزياء والرياضيات الشهير ستيفن هوكينغ Stephen Hawking بأنه الشكل الجوهري la forme fondamentale للزمان الواقعي temps réel. حيث أن الزمن المتخيل هو زمن بلا مدة كأنه متجمد وكل لحظاته متوقفة ومتداخلة ومتراكمة فوق بعضها البعض أو منطوية على نفسها، ولكي نتمكن من تصورها يتوجب علينا أن نأخذ مثال كصورة تقريبية ليست دقيقة تتمثل ببكرة الشريط السينمائي التي تضم أحداث فيلم كامل وصوره ولقطاته ومشاهده وكلها ملفوفة على هذا الشريط وبداخله وهو بدوره ملفوف داخل بوبينة أو علبة معدنية. فالفيلم ليس في الزمن الواقعي ولا يجري في المدة طالماً كان حبيساً في العلبة، فهو يقبع في الزمن المتخيل إذا جاز لنا التعبير، ولا يخرج للزمان الواقعي إلا عندما نضع بكرة الفيلم على جهاز العرض ونعرضه على الشاشة عندها يدخل في الزمن الواقعي ويعرض أحداثه في سياق المدة الزمانية حيث يكون له بداية ونهاية وماضي ومستقبل. وفي طيات هذا الزمن المتخيل، الذي لا يتعدى كونه معلومة حاسوبية تختزن كل ذاكرة الكون الجمعية سواء التي سبقت الانفجار العظيم Big Bang أي في هيئته السابقة للنشأة الحالية، أو تلك التي تتضمن كل مافي الكون المرئي من موجودات ومكونات وأحداث دارت أو ستدور في الزمن الواقعي في سياق المدة durée. بعبارة أخرى هيئة ذات مغزى ثيولوجي غيبي للكون المرئي كما كان قبل تجسده عندما كان ما يزال قابعاً في تفكير الله La pensée de Dieu، على حد تعبير آينشتين، وكما ستكون صورته بعد ظهوره في تفكير البشر. وهاهي الجملة السحرية التي نطقها آينشتين تظهر وتتحدى ” ماذا كان يجري في فكر الله قبل خلق الكون؟”بالطبع بالنسبة لمن يعتقدون بأطروحة الخلق الإلهي المباشر والمستقل عن إرادة ما سواه. يقول القانون الثاني للثرموديناميك أو الديناميك الحراري أن الكون سينتهي مع مرور الزمن، الذي يحسب بمليارات المليارات من السنين، بعد أن يمر بحالة تراوحية، ومن ثم سيصل الكون المرئي بعدها حتماً إلى نوع من التوازن الساكن أو الثابت، إن لم نقل الميت، حيث يتوقف انتقال الطاقة من وسط إلى آخر، بيد أن المادة والحياة، التي هي إحدى مكونات الكون المرئي الجوهرية، ستكون قادرة على انتزاع الطاقة من الوسط الذي يحيطها سواء في المكونات المادية الأخرى أو الفراغ الكمومي أو الكوانتي، لكونها تضم كائنات تفاعلية عضوية حية وليست جسيمات مادية جامدة فقط. وربما هذا هو السر وراء ديمومة الحركة داخل الكون المرئي. فبالرغم من التناقض الظاهري بين هذه الفرضية ونظرية الانفجار الكبير التي تستند على نقطة الفرادة لانطلاق آلية البناء الكوني، إلا أن الاقتراح الممكن لتجاوز هذه المفارقة هو اعتبار الانفجار الكبير مجرد حدث مرحلي بين مرحلتين أو حالتين هما التضخم والتقلص، أو التوسع والانكماش.

 

تجربة جديدة تدعم صحة نظرية الانفجار الكبير أو العظيم:

تمكن مختصون في علم الفلك في مرصاد سي أس أي آر اوcsiro في استراليا من تسجيل قراءات لدرجة حرارة الكون في مسافات بعيدة وتبين توافقها مع ما تنبأت به نظرية الانفجار الكبير. وباستخدام هذا المرصاد الراديوي تمكن فريق دولي من فرنسا والسويد وألمانيا واستراليا من قياس قيمة درجة حرارة الكون المرئي والمرصود قبل نصف عمره من الآن.يعبر الدكتور روبرت براون الذي يعمل في المرصاد عن هذه التجربة " بأنها أدق قراءات لرصد الوتيرة التي بردت بها درجة حرارة الكون المرئي منذ نشوئه".

بما أن الضوء يأخذ زماناً لينتقل عبر الفضاء، فإننا حين ننظر الى الفضاء الخارجي نرى ماضي الكون المرئي كما كان عليه حاله حينما صدر من البقعة التي انتجت هذا الضوء. لذا فنحن نرى الكون كما كان عليه حاله قبل نصف عمره من الآن، وعليه فإننا في الحقيقة ننظر الى أماكن تبعد عنا مسافة نصف قطر الكون.

لكن كيف من الممكن قياس درجات حرارة لأماكن بعيدة كل هذا البعد؟!.

درس الفلكيون في المرصد الاسترالي مجرة تبعد 7.2 مليار سنة ضوئية بازاحة طيفية حمراء تعادل 0.89. الشيء الوحيد الذي يبقي غازات هذه المجرة دافئة هو الاشعاعات الكونية التي صدرت عن دوي الانفجار الكبير أو العظيم في تلك الحقبة. ولحسن الحظ هناك نجم زائف(Quasar) كازار يقع خلف هذه المجرة، لذا فان الاشعة الراديوية الصادرة عن هذا النجم الزائف(والعملاق) تعبر غازات المجرة التي تقع أمامه، تمتص هذه الغازات بعض من طاقة هذه الاشعاعات الراديوية التي تخترقها ليؤدي ذلك الى ظهور أنماط بارزة في نشاطات هذه الغازات الماصة للأشعة. من هذه الأنماط تمكن الفلكيون من قياس درجة حرارة الغازات في تلك المجرة. تبين أنها تعادل 5.08 كلفن، أي هي جدا باردة ولكن تبقى أدفأ من درجة حرارة الكون اليوم وهي 2.73 كلفن.

ووفقا لنظرية الانفجار الكبير أو العظيم فان درجات حرارة الكون المرئي انخفضت بوتيرة سلسة عندما توسع الكون. وهذا ما يتوافق مع قراءات هذا المرصاد التجريبية،حيث أن الكون المرئي كان في الماضي أشد دفئاً من اليوم، على حد تعبير الدكتور سيباستيان أونسالا من جامعة تشالمريس السويدية، وانطلاقاً من هنا يمكننا تخيل بنية وهيكيلية الكون المرئي ابتداءأ من تكون النجوم والمجرات.

 

تشكل النجم:

بات معروفاً اليوم أن النجوم تشكلت ضمن سحب من الغبار المنتشرة في جميع انحاء معظم المجرات ومن الامثلة المألوفة عن سحب الغبار تلك سديم اوريون Orion. حيث تؤدي الاضطرابات الموجودة في اعماق هذه السحب الى الارتباط بكتلة كافية لأنهيار وانكماش الغازات والأغبرة بفعل قوة جاذبيتها، في ذلك الحين تبدأ حرارة المادة المركزية بالارتفاع، وهنا يكون قد تشكل ما يدعى "النجم الاولي" (نجم في المراحل الاولى من تشكله)، ويتشكل المركز الساخن في قلب السحب المنهارة بفعل انهيارات وتكاثف تلك السحب، ويبدأ بجمع الغبار والغاز حوله، ليصبح في يوم من الايام نجما جديدا.

من الجدير بالذكر ان هذه المادة لن تنتهي جميعها كجزء من النجم، حيث يمكن ان يتحول الغبار المتبقي الى كواكب او كويكبات او مذنبات، او قد يبقى كما هو على شكل غبار.

يُذكر ان مرصد ناسا شاندرا للأشعة السينية قد اشار الى ان التفاعل بين المجال المغناطيسي للنجم الاولي والغاز المحيط به، يعتبر التفسير المحتمل لزيادة نسبة السطوع العرضية، كما جاء في موسوعة وكيبيديا.

في الواقع أننا، حتى في الفضاء الخارجي، لا نجد فراغا بالمعنى المطلق، فهنالك إشعاعات كونية من جسيمات مادية كالبروتونات والنوترينوات (جمع نوترينو) وغير مادية كالفوتونات، ستؤثر بالضرورة في حركة جسم يتحرك في الفضاء، ولكنها لوحدها لن توقفه، أو على الأقل سيتطلب الأمر وقتا طويلا جدا بحيث ستدخل عوامل أخرى طويلة الأمد في المعادلة، مثل مدى تماسك المادة المكونة للجسم..

يستغرق اكتمال تشكل نجم بحجم شمسنا حوالي 50 مليون سنة، بدءاً من مرحلة الانهيار وصولا الى بلوغه مرحلة النضوج، بالنسبة لشمسنا فأنها ستبقى في مرحلة نضوجها هذه الى ما يقارب 10 مليار سنة، ويعود اشعاع هذا النسق للطاقة الى تفاعلات الاندماج النووي للهيدروجين (بلازما الهيدروجين) التي ينتج عنها الهيليوم عميقا في باطن هذه النجوم. أما بخصوص ما يلزم النجم من الضغط لحفظه من الانهيار تحت وطأة وزنه وحفظ درجة سطوعه، فأنه يعتمد على الطاقة المتدفقة من داخل مركز النجم نحو سطحه كما تغطي نجوم هذا الحزام نطاق واسع من درجات السطوع والالوان ويمكن تصنيفها وفقا لهذه الخصائص. هناك نوع من النجوم تسمى الاقزام الحمراء وهي تسمية تطلق على اصغر انواع نجوم هذا النسق، والتي تبلغ كتلتها 10% من كتلة الشمس ويقتصر ما ينبعث منها على 0.01% فقط من الطاقة، وهي ذات توهج ضعيف وبدرجات حرارة تتراوح بين 3000 – 4000k كلفنk= وعلى الرغم من طبيعتها المتضائلة إلا ان الاقزام الحمراء تعد النجوم الاكثر شيوعاً في هذا الكون والتي تصل اعمارها الى عشرات المليارات من السنين.

من جهة اخرى تطلق تسمية، hyper géants شديدة الضخامة، على النجوم العملاقة التي تفوق كتلتها كتلة الشمس بحوالي 100 مرة أو أكثر، وتبلغ درجة حرارة سطحها اكثر من 30،000 كلفن وبمقدار طاقة منبعثة ما يفوق طاقة الشمس بمئات الآلاف المرات. ولكنها على عكس النجوم الصغيرة، تمتد اعمارها لبضعة ملايين من السنين!

و رغم الاعتقاد بشيوع نجوم ضخمة مثل تلك في بدايات هذا الكون، إلا انها الان نادرة للغاية، اذ تحتوي مجرة درب التبانة على مقدار ضئيل جدا من هذا النوع النجوم.

الشهب هي التي وصفت في النصوص الدينية بأنها خلقت لرجم الشياطين وهناك النيازك التي لها ادوار ومهمات في المعادلة الكونية. من المؤكد أن النجوم موجودة ليس من أجل أن تزين السماء كما تقول الأديان السماوية، ولكن للنجوم اهمية عظمى وهي أساس هيكيلية الكون المرئي.

تكون النجومجاء في موسوعة ويكبيديا بأن النجوم تعتبر من اكثر الاجسام الفلكية المعروفة على نطاق واسع من محتويات الكون المرئي، حيث تمثل اللبنات الاساسية المؤلفة لبناء المجرات كما يعتمد عمر وتكوين وتوزيع النجوم في المجرة على تاريخ ومدى فعالية وتطور تلك المجرة وتعتبر النجوم بأنها الاجسام المسؤولة عن انتاج وتوزيع العناصر الثقيلة مثل الكاربون العنصر الأساسي للحياة، والنتروجين والأوكسجين كما ترتبط خصائصها ارتباطا وثيقا بالأنظمة الكوكبية التي قد تتجمع حولها، ولهذا تعتبر دراسة نشوء واستمرار ونهاية النجوم مسالة محورية في مجال علم الفلك.

 

هل هناك ما قبل وما بعد في الكون المرئي؟

كلما نجح الانسان في فك لغز ما من ألغاز الكون المرئي والمرصود التي كانت مستعصية أمامه، مثل سر الحياة الذي تحدثنا عنه باقتضاب أعلاه، كلما انبثق من جديد أمامه عدد آخر من الألغاز والتحديات التي تجعله يشعر بالعجز تارة وبالإحباط تارة أخرى بالرغم من التطور التكنولوجي الذي حققه في العقود الأخير الماضية منذ منتصف القرن العشرين المنصرم ولغاية منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. كان أكبر تحدي واجه وما يزال يواجه العلماء في المجال الكوني هو هل سنتمكن يوما ما من تجاوز أو عبور جدار بلانك mur de Planck بغية معرفة ما حدث بالفعل في البداية الحقيقية، وليس المفترضة، للكون المرئي القابل للرصد والمشاهدة والحساب؟. طرحت نظريات علمية كثيرة على امتداد خمسة قرون إلا أنها جميعاً أخفقت في فك لغز الأصل والبداية. وكانت النظرية العلمية الوحيدة المؤهلة للقيام بذلك هي نظرية الأوتار الفائقة بكل تنويعاتها théorie des super cordes التي تنطلق من فكرة أن الجسيمات الأولية المكونة للمادة ليست أشياء محددة دقيقة ومنتظمة ponctuels بل هي عبارة عن أوتار ترتج أو تهتز cordes vibrantes. كان أول من وضع أساس هذه الفكرة في سبعينات القرن الماضي هم غابرييل فينزيانو Gabriel Veneziano وجويل شيرك Joël Scherk وبيرنارد جوليا Bernard Julia وجون شفارتز John Schwarz وميكائيل غرين Michael Green ومن تلاهم من علماء شباب كرسوا جهودهم لإجراء تجارب في مختلف أنحاء العالم في هذا المضمار. وقد حظيت هذه النظرية على إعجاب أغلب العلماء حتى ممن كانوا يعارضونها

فهي أنيقة ومثيرة وجذابة ومنطقية. وتستند هذه النظرية على مسلمة postulat بسيطة ومغرية وشفافة وجوهرية lapidaire إلى جانب كون نتائجها وتبعاتها هائلة ومدهشة. فكل جسيم أولي، كان العلماء يعتبرونه بمثابة نقطة مادية عديمة الحجم taille nulle هو في الحقيقة ليس سوى وتر مهتز يصلح ويخضع لقوانين النسبية الخاصة ولفيزياء الكموم أو الكونتا. بتعبير آخر، لو نظرنا، وهو أمر مستحيل في الوقت الحضر، إلى جسيم أولي بمجهر قوي جداً فسوف نكتشف شيئاً ليس له أبعاد محددة ودقيقة منتظمة، بل شيء أحادي البعد unidimensionnel أي شيء من قبيل الخيط، إذا كانت له أطراف أو نهايات extrémités مفتوحة أو على شكل حلقة أو خيط ملفوف boucle إذا كانت النهايات مغلقة أي ليست له نهايات حرة، وإن هذا الوتر، سواء كان مفتوحاً أو مغلقاً، يهتزvibre ويتحرك بسرعات يمكن أن تصل إلى سرعة الضوء، وبالتالي يتعين علينا أن نلجأ لنظرية النسبية الخاصة la relativité restreinte لوصف هذه الحركات لأنها النظرية التي توفر لنا معلومة حركية cinématique جيدة كونها تصف حركات الأشياء التي تمتلك سرعات فائقة جداً تقارن بسرعة الضوء بحيث لايمكننا إهمالها أو تجاهلها، شرط ألا تكون تلك الأشياء الموصوفة خاضعة لقوة الثقالة أو الجاذبية، إذ أن نظرية النسبية العامة la relativité générale تبدأ فعلها حال وجود الثقالة أو الجاذبية la gravitation وتبدو فاعلة باعتبارها نتيجة مباشرة لفرضيات نظرية الأوتار الفائقة. وفي الحقيقة علينا أن نوضح أن هذه النظرية تقترح، ليس فقط تمظهر أو تمثيل وتبيين للأشياء الجوهرية للكون المرئي فحسب، بل وأيضاً للزمكان l’espace-temps إذ تعتبر هذا الأخير بمثابة حلبة أو وعاء معطى أساساً، وهو الحال في النسبية الخاصة وليس في النسبية العامة، ولكن بعدد من الأبعاد يفوق الأبعاد الأربعة المعروفة حتماً. وعلى نحو أدق تستبدل نظرية الأوتار الفائقة كل الجسيمات التي نعرفها بشيء واحد ووحيد ممتد أو ممدود ومبسوط ولكنه غاية في الصغر سمته بالوتر الفائق الذي يهتز في الزمكان العادي الآينشتيني لأن تماسك وترابط النظرية المنطقي هو الذي يفرض كل هذه الأبعاد الإضافية بحيث أن الأبعاد الإضافية غير الأبعاد الأربعة التي نعرفها المكانية كالطول والعرض والارتفاع والبعد الرابع الزمان تكون منطوية على نفسها في حيز صغير إلى درجة تكون فيها غير قابلة للملاحظة ويتعذر رصدها إن لم نقل يستحيل مشاهدتها لكونها دقيقة جداً وغير منظورة وغير مدركة بالحواس ولا بأدق المكروسكوبات وهي مثل قطعة القماش التي تبدو للناظر ببعدين فقط في حين أن لها ثلاثة أبعاد بسبب نحافة الخيوط التي تكون هذه القطعة من القماش.

وكما يمكن لوتر آلة الكمان الموسيقية أن يعطي عدة ألحان ونوتات تناغمية منسجمة فإن مختلف أنواع الاهتزازات للوتر الفائق يعطي عدد من الجسيمات الأولية. فالجسيمات الأولية المعروفة التي يمكننا إنتاجها في المختبرات تتناسب مع نمط من الارتجاجات والاهتزازات ذات الترددات المنخفضة أو الأكثر انخفاضاً مثل النوع الذي يتوافق مع الالكترون وآخر مع النيوترينو وثالث مع الكوارك وهكذا. بيد أن النمط ذو الترددات الأعلى يتوافق مع نوع آخر من الجسيمات تكون أكثر ثقلاً لم ترصد من قبل أبداً ويتعين علينا اكتشافها إن آجلاً أم عاجلاً. أما الأبعاد الأخرى الإضافية فهي مضغوطة ومطوية وفق التنوع الهندسي المعروف بإسم الـ Calabi-Yau الذي لا يوجد له مقابل باللغة العربية ويطول شرحه لأنه دقيق ومعقد سأكرس له مقال خاص به لاحقاً.

إن الإطار النظري للأوتار الفائقة لم يقدم على نحو موحد أو صيغة وحيدة بل على شكل نظريات متعددة تحمل نفس الإسم منذ ثلاثين عاماً وحصرت مؤخرا بخمسة نماذج أو صيغ مما طرح مشكلة التماسك والترابط المنطقي للنظرية بالضد من النية المسبقة التي كانت تنوي تقديم نظرية واحدة وموحدة. وتتطلب دراستها معرفة مفاهيم فيزيائية ورياضية حديثة كالطوبولوجيا ومفهوم الزمر والمجموعات والتحليل الرياضي والهندسة الريمانية وكهف أفلاطون ومفهوم جوهر لابينز المفرد المسمى الموناد monad الخ.. لقد اعترض ليبنز على المفاهيم التي سادت في زمنه عن الجوهر والوحدات الأصغر والذرات والفراغ والمكان المطلق والزمان المطلق والمادة المطلقة التي تداولتها نظريات ذلك الزمان منذ ميكانيك نيوتن، كما إنه لم يقتنع بمفهوم الجوهر الممتد وعارض تفسيرات ديكارت للحركة التي تقول أن كل ممتد قابل للقسمة وإذا لم يكن كذلك فليس بوسعه أن يكون أصغر جزء ممكن بل هو مجرد جزي مادي فحسب. إلى جانب أن قوانين الحركة تقتضي أن تكون العناصر الداخلة في الموضوع حاملة للطاقة، أي لا بد أن يكون العنصر المكن الوحيد جوهرا بسيطاً لا أجزاء فيه أو ماهية غير مركبة وقد أطلق ليبنز على هذا الجوهر تسمية الموناد أو لنقل إنه الجوهر الروحي للوجود. وهو غير قابل للتقسيم أو التحطيم أو التفكيك إلا بالإبادة التامة ولا يأتي للوجود من اللاشيء ولا من العدم بذاته وإنما يحتاج لعملية خلق وهو لا يتفاعل مع غيره من المونادات فكلها من نوع واحد.

فنظرية الأوتار الفائقة توجد إما بعشرة أبعاد مكانية وبعد زماني ما مجموعه أحد عشر بعداً، أو بستة وعشرون بعداً أو أكثر. والصيغة الأرقى لنظرية الأوتار الفائقة هي النظرية أم théorie M وهي ذات أحد عشر بعداً. إن مبرر وجود نظريات الأوتار بمختلف أشكالها وصيغها هو فكرة توحيد القوى الجوهرية الأساسية الأربعة التي تحكم وتسيير الكون المرئي، أي التي تحملها البوزونات أو الجسيمات المولدة للكتلة والتي تعرف بالفرميونات وإن أنجع شكل للنظرية يتجلى بمفهوم الأكوان الموازية وتعدد الأكوان والموجودات التي تقع بين اللامتناهي في الضغر واللامتناهي في الكبر، من الكائنات ما دون الذرية الأصغر من الكوارك إلى السدم والحشود المجرية مروراً بالنجوم والكواكب والسحب والغازات الكونية. وقد لاحط إدوارد ويتن Edward Witten إن مرجع نظريات الأوتار الفائقة الخمسة واحد هو الذي سماه بالنظرية أم théorie M ويجمع بينها التوائم والاتساق كما يوجد هناك نوع من التطابق الرياضي ومفاهيمه بين مختلف الصيغ النظرية للأوتار ويحدث التحول والانتقال من فضاء لآخر وفق المفهوم الرياضي للتطابق من خلال دالة التحويل fonction du transformation.

 

الإطار المفاهيمي للنظرية:

في سنة 1994 ظهر اقتراح توحيدي لمختلف أشكال الأوتار الفائقة عندما قبل في الأوساط العلمية المعنية أن كل صيغة نظرية هي عبارة ميزة أو خاصية متميزة للنظرية العامة والرئيسية التي تستحق الاعتراف ويأملون أن تغدو نظرية جوهرية وهي التي سميت بالنظرية أم théorie M التي تنتظر الصياغة النهائية بما فيها معادلاتها الرياضياتية وبناءاتها التنظيرية الأساسية وتوقعاتها وحلولها للكثير من الإشكالات النظرية القائمة التي لم تحلها النظريات الفيزيائية السابقة بفضل وجود التناظرات أو التماثلات symétries المعروفة علمياً بتعبير الثنائيات dualités وهي الصيغة التي من المؤمل أنها ستنجح في جمع وتوحيد مختلف النظريات والصيغ النظرية للأوتار الفائقة وضم بعضها للبعض الآخر في بنيان واحد لأنها كلها تأخذ في الحسبان وجود قوة الثقالة أو الجاذبية وجعلها ضرورية كما وصفتها نسبية آينشتين العامة. بعبارة أخرى، بدلاً من أن تتمركز الثقالة أو الجاذبية وسط نوع من الشكلانية أو الشكلية الصورية formalisme، فإنها تكتسب صفة قانون ونظام اساسي يمتلك خاصية التنبؤ والتكهن المستمد من مباديء النظرية ذاتها. وبالتالي تغدو مفوهمياً ضرورية. من هنا يمكننا أن نفهم أن النسبية العامة تنبجس في الواقع من ضرورة وجود جسيم الجاذبية أو الثقالة الأولي المسى الغرافيتون graviton. وهذا الجسيم يظهر في الحسابات والمعادلات ويبدو رياضياتياً بمثابة حالة خاصة من الاهتزازات لوتر مغلق أو حلقة boucle مثلما هو الحال بالنسبة لترددات واهتزازات وتر مفتوح الذي يتوافق عادة مع جسيم الفوتون الذي هو الجسيم الوسيط للتفاعل الكهرومغناطيسي. وبالتالي نستطيع القول أن نظرية الأوتار الفائقة تشكل، في حدها الأقصى، النظرية الكمومية أو الكوانتية للكهرومغناطيسية، التي تعرف بإسم الكهروديناميكية الكوانتية أو الكمومية électrodynamique quantique. من هنا، وإنطلاقاً من إطار شكلي أو شكلاني تحده وتقوده الفيزياء الكوانتية أو الكمومية والنظرية النسبية الخاصة، لأنهما لا يتعاطيان مع الثقالة أو الجاذبية فإن مباديء نظرية الأوتار الفائقة ذاتها تقودنا إلى معادلات نظرية النسبية العامة مما يسمح لنا الادعاء بأن هذه النظرية الجديدة هي نظرية صيلة كمومية أو كوانتية أصيلة للثقالة أو الجاذبية théorie quantique authentique de la gravitation وهذا هو مبعث جمال وأناقة نظرية الأوتار الفائقة وسحرها كما يقول أنصارها ومنظريها.

وبإمكان نظرية الأوتار الفائقة أيضاً أن تظهر انطلاقاً من مبادئها الأكثر جوهرية تظريات فيزيائية أساسية يستخدمها العلماء والفيزيائيون لوصف الظواهر التي تحدث على الصعد أو المستويات الفضائية التي يمكنهم بلوغها تجريبياً، مثل انبثاق نظرية الحقول أو المجالات الكوانتية أو الكمومية théorie quantique des champs من رحم الأوتار الفائقة وهي النظرية الناجمة من تزاوج الفيزياء الكوانتية أو الكمومية مع النسبية الخاصة والتي تؤلف الأساس الشكلي أو الصوري للنموذج المعياري لفيزياء الجسيمات، وهي بهذا المعنى تحتوي النظريات الفيزيائية المعروفة، أي لك التي تعمل في المستويات الفضائية التي تزيد على 10_19 من المتر أي في المستوى المكاني الأكبر من مستوى طول بلانك الذي تبلغ قيمته 10_35 من المتر، وتتميز على نحو راديكالي عندما تهتم بظواهر تحدث في مستويات غاية في الصغر إلى الحد الذي لا يتغير فيه حجم الوتر لكنه ليس قيمة مهملة négligeable بيد أنه لم يعد لهذه الحالة وجود في كوننا المرئي الحالي الذي هو شاسع أو هائل في اتساعه وممتد أو متمدد وبارد لكنه كان مختلفاً في زمن بلانك الذي يتواجد بالقرب من جدار بلانك عندما كان حجمه يقارن بحجم الوتر. ومع ذلك لم تتمكن النظرية من وصف الكون المرئي عند لحظة حدوث الانفجار الكبير وذلك لسبب بسيط وهو أن الحسابات الرياضية غير ممكنة في الطاقات المنخفضة عندما لا تتفاعل الأوتار فيما بينها إلا بصورة ضعيفة في حين أن كثافة المادة في الكون البدائي الأولي أو البدئي univers primordiale كانت مرتفعة جداً والأوتار مكدسة فوق بعضها البعض حيث لا تهتز ولا تتأرجح ولا تتفاعل بقوة فيما بينها وهي حالة تستعصي لحد الآن على الحساب الرياضي.

لوحظ أن هذه النظرية تعطي نتائج ذات انعكاسات وتداعيات أساسية مهمة، فهي تتكهن أو تتنبأ بأن درجة الحرارة داخل الكون المرئي لا يمكنها أن تفوق حدود قيمة قصوى في السالب أو الموجب، بحيث أنها لم تكن لا نهائية في أية لحظة من عمر الكون. ويقترن بهذه الحدود القصوى لدرجة الحرارة حدود قصوى للكثافة والانحناء أو التحدب الزمكاني، مما يعني أن هذه القيم أو المقادير grandeurs لم تتمكن ولن تتمكن من تجاوز أو تخطي حداً معيناً من القيم الكونية أي أن الكون المرئي لم يكن أبداً دقيق ومنتظم ponctuel فحجمه لم يكن معدوماً على نحو مطلق وكثافته لم تكن لا نهائية أبداً مهما كانت عالية، وبالتالي فإن الفرادة singularité التي زعم البعض أنها الأصل أو البداية لم تحدث أبداً مما يقودنا للقول أنه لوصحت نظرية الأوتار الفائقة فإن حدث الانفجار الكبير كما نتصوره وندرسه لم يقع ولم يكن ممكناً حدوثه، بقي أن نعرف بماذا يمكننا أن نستبدله؟

توجد فرضية أخرى تحاول استيعاب واحتواء التناقض والمفارقة الناجمة من افتراض وجود الفرادة الكونية وهي تلك التي تتحدث عن الأكوان المتوازية des univers parallèles وحسب رأي المدافعين عن هذه الفرضية فإن كوننا المرئي الذي نعيش فيه ليس سوى النسخة الرابحة من بين عدد لانهائي من الأكوان العقيمة infinité d’univers stériles حيث أن وجود كون منظم يحتوينا في أحضانه ليس أمراً ملفتاً ومتميزاً وذا قيمة remarquable لأنه سيكون ضائعاً ضمن عدد لا نهائي من الأكوان الفوضوية univers chaotiques وهذه الفرضية، رغم شهرتها وانتشارها وهيمنتها هذه الأيام على المسرح العلمي، لأنها باتت على الموضة كما يقولون، إلا أنها ليست علمية محضة كما يدعي مروجوها فهي لم تزل مجرد فرضية تحتاج إلى اليقين العلمي والبرهان والتجربة المختبرية اليقينية فهي لحد الآن غير قابلة للإخضاع التجريبي المختبري الحقيقي n’est pas véritable expérimentalement ولأنه في جميع الأكوان الممكنة والمحتملة فإن الرياضيات والقوانين الرياضية تبقى هي نفسها المعمول بها والسارية في كوننا المرئي، وبما أن الواقع الفيزيائي يتحدد ويسير بفعل الرياضيات les mathématiques فمن المتوقع حتماً أننا سنقع على نفس الكون الذي يضمنا ويحتوينا أي كوننا المرئي. وهنا تأتي الفرضية الثالثة التي يعتقد البعض أنها الأقرب للمنطق العلمي، حسب أنصارها، والتي تقول بكون واحد ووحيد تحدده وتنظمه قوانين الفيزياء وفي هذه الحالة فإن التطور الكوني أو الكوزمولوجي évolution cosmologique لا يترك شيئاً للصدفة وإن الحياة تظهر كنتيجة حتمية لا يمكن تفاديها conséquence inévitable لسيناريو محكم ومفروض يملى على الوجود من خارج الكون، وفي غاية الدقة والتنظيم، من قبل قوانين فيزيائية طبيعية محكمة وصفها البعض بأنها هي الإله الخالق. وفي هذه الحالة فإن لهذا الكون الفريد من نوعه، هو عبارة عن شفرة خفية غامضة code sous-jacent تحتية ذات جوهر أو طبيعة رياضياتية essence mathématique يمكن مقارنتها بالشفرة الجينية code génétique للكائن الحي، وهي التي نشرح وتفسر كل القوانين الفيزيائية وتنظم وتحدد بدقة لا متناهية ومذهلة جداً قيم valeurs جميع الثوابت الجوهريةconstantes fondamentaux للكون المرئي والعلاقات فيما بينها لكي تنجب كوناً منظماً univers ordonné وقابلاً للتطور نحو الحياة والوعي la vie et la conscience. وفي الحقيقة هناك الكثير من الفيزيائيين ممن لاحظوا أن القوانين الجوهرية للطبيعة تبدو في غاية الدقة والتوازن والضبط العياري بغية السماح بتشكل المجرات والنجوم والكواكب وللسماح للحياة بالانبثاق من المادة. كانت مهمة العلماء حتى وقت قريب تتركز بالأساس على اكتشاف طبيعة القوانين الفيزيائية وتبعات تطبيقاتها، لكنهم امتنعوا عن طرح تساؤلات بشأن أسباب وجود تلك القوانين. ولكن مع تقدم العلم والتكنولوجيا العصرية بات من الصعب الاكتفاء بالقول أن هذه القوانين بدأت فعلها التنظيمي مع حدوث الانفجار العظيم Big Bang من أجل تنظيم وهيكلة المادة والكون المرئي بلا أي سبب ظاهر وجلي وبات من حق العلماء البحث في كلمة” لماذا” المتعلقة بتلك القوانين وهل هناك سبب لوجودها.

بعض السيناريوهات عن مرحلة ما قبل الانفجار الكبير Big Bang تستبدل هذا الحدث بمرحلة غاية في الكثافة يمكن أن تقوم بدور الجسر الكمومي أو الكوانتي pont quantique بين كوننا في حالته التوسعية وكون آخر سبقه في حالة معاكسة أي إنكماشية وصلت به إلى النقطة الحرجة التي سبقت الانفجار الكبير الذي نعرفه ويمسى الكون النقيض أي بعد حد معين من التمدد والتوسع تنعكس السيرورة ويصبح في حال تقلص وإنكماش وهكذا دواليك بلا توقف خلال مليارات المليارات المليارات المليارات من السنين. كما تم اقتراح بضعة نماذج من قبل بعض العلماء من أمثال غابرييل فينزيانو Gabriele Veneziano وهو أحد مؤسسي نظرية الأوتار الفائقة والاستاذ في الكوليج دي فرانس وموريزيو غاسبريني Maurizio Gasperini الاستاذ في جامعة باري وهم يعتقدون أن الكون المرئي شهد تطوراً مماثلاً ومتناظراً symétrique للكون الذي انبثق بعد الانفجار الكبير ولكن بصورة معكوسة واستمر مليارات المليارات من السنين وهو يتقلص وينكمش إلى أن وصل إلى اللحظة التي سبقت الانفجار الكبير. وفي تلك المرحلة السابقة antécédente فإن المادة، وبدلاً من أن تتناقص كما هو الحال في كوننا الحالي، فإن تغدو أكثر ارتفاعاً في منسوبها وتتزايد أكثر فأكثر كما تتزايد درجة الحرارة وترتفع أكثر فأكثر بدلا من أن تبرد كما في كوننا الحالي،في الوقت الذي تتقلص فيه أبعاد الكون إلى حد تكون فيه كثافة الطاقة ودرجة الحرارة قد بلغتا قيمهما القصوى الحرجة المسموح بها من جانب نظرية الأوتار الفائقة. في هذه المرحلة ينقض الكون على نفسه في قفزةrebondit بدلا من الاستمرار في التقلص ويبدأ من جديد في التمدد في حين أن كل المقادير التي ارتفعت تبدأ بالتناقص والعكس بالعكس. إن ظاهرة الانعكاس هي التي تتوافق مع حالة الحدث الذي أطلقنا عليه تسمية الانفجار الكبير إلا أن معناها يتغير إذ يمكننا أن نرى الكون السابق لكوننا المرئي كما لو إنه صورة له منعكسة في مرآة الكون اللاحق للحدث الكوني المتمثل بالانفجار الكبير الذي أدى لظهور الكون المرئي الذي نعرفه. والذي هو بدوره ليس سوى حالة انتقالية une transition بين مرحلتين منفصلتين ومتميزتين لنفس الكون الذي يبدو أنه يتكرر. ومن هذا المنظور، فإن معرفة ماذا حدث في الدقائق الخمسة التي سبقت الانفجار الكبير لم تعد ميتافيزيقية ولا طائل منها بل أصبحت مسألة علمية من مسائل الفيزياء النظرية  physique théorique

ظهرت بضعة سيناريوهات بديلة تخيلت إحداها الكون المرئي على شكل راية drapeau بأربعة أبعاد وسمته البران brane أو غشاء يرفرف داخل زمكان أوسع منه وهو شيء مبسوط أو ممتدد étendu. وفي نظرية الأوتار الفائقة سمي بــ P-brane حيث حرف P يشير إلى عدد الأبعاد المكانية التي تكون البارن أو الغشاء وما فيها من توسعات أو تشعبات ويضاف إليها البعد الزماني للحصول على العدد الكامل للأبعاد في 1- brane الذي يعني غشاء ببعد واحد مكاني ومعه البعد الزماني وكلما تغير العدد يتغير عدد الأبعاد مثل 2- braneوتعني غشاء ببعدين مكانية ومعها بعد زماني وهكذا دواليك وهذا هو السطح الكوني surface d’univers. ولنتذكر هنا أن نظرية الأوتار الفائقة المعيارية تفترض أن الأبعاد المكانية الإضافية للزمكان منطوية على نفسها في مستويات لامتناهية في الصغر تقترب من طول بلانك حيث تخبرنا نظرية الأوتار الفائقة أن الكون المرئي ومحتوياته يخضع إلى مكون واحد جوهري وأساسي على هيئة وتر مغلق أو مفتوح وباهتزاز الوتر تنتج الجسيمات الأولية المختلفة ومنها الجسيمات الحاملة أو الناقلة للقوة والمولدة للكتلة.

 

هل نتقدم حقاً نحو نظرية كل شيء؟

التوازي مع نظرية الأوتار الفائقة التي قادت إلى النظرية أم théorie M ظهرت نظرية الحقول أو المجالات الكوانتية أو الكمومية théorie quantique des champs وهي نظرية تظهر فيها القوة بين جسمين من خلال جسيمات أخرى كما هو مع الكهرومغناطيسية فيما يخص التفاعل بين إلكترونين الذي ينتج الفوتونات إلا أنه من الصعب التعامل مع الثقالة أو الجاذبية على أنها قوة تتفاعل مع الجسيمات وتخضع لقوانين فيزياء الكم أو الكوانتا إذ لا يمكن إخضاع الغرافيتون graviton الذي يفترض أنه الجسيم الحامل للثقالة أو الجاذبية لقوانين الكم أو الكوانتا كما يخضع لها الفوتون. وذلك لأن النتائج الرياضية الناجمة عن عملية إخضاع الغرافيتون لقوانين الكونتا أو الكمومية ستكون ذات قيم ومقادير لا نهائية infinies وهي لا معنى لها لا رياضياتياً ولا فيزيائياً وبالمقابل لا يمكن إخضاع قوانين الكم أو الكوانتا وتطبيقها على المديات والأجسام الضخمة كالمجرات والنجوم التي تتعامل معها النسبية العامة لآينشتين. والحال أن نتائج كلتا النظريتين كل على حدة صحيحة وصادقة في مجال استعمالاتهما لكن إخضاع قوانين إحداهما للأخرى في بعض المجالات النظرية تأتي بنتائج لا منطقية ومجموعة من الفرادات غير المرغوبة عند العلماء.

وكان لا بد من إيجاد بديل نظري سماه العلماء الثقالة الكمومية أو الجاذبية الكوانتية gravitation quantique التي من شأنها توحيد نظريتي النسبية العامة والكوانتا.

هناك فرضية أخرى متداولة ولكن على نطاق محدود وتقول بالعكس تماماً لما ذكرناه أعلاه أي إن الأبعاد الإضافية حسب هذه الفرضية هي ذات أحجام لا نهائية tailles infinies. بمعنى آخر أن كوننا المرئي هو عبارة عن مسطح أو سطح surface بأربعة أبعاد وما البرانات branes سوى أغشية تكون جسيمات المادة فوقه بما فيها من إلكترونات وكواركات ونيوترونات التي تتوافق أو تتطابق مع الأوتار المفتوحة محكومة بالعيش في حين أن الأوتار المغلقة كالغرافيتون يمكنها الوصول للأبعاد الإضافية أي الزمكان الكامل. ومن جراء إدخال فرضية البرانات في نظرية الأوتار الفائقة ظهرت عدة نماذج كزومولوجية إلا أن الفكرة العامة هي نفسها والتي تقول أن كوننا المرئي محصور بالأغشية البرانات. وهذه الفكرة قديمة جداً تعود للعهد الإغريقي. فقد كتب الفيلسوف هيراقليط Héraclite إن الصاعقة foudre تحكم الكون لأنها النار الأزلية الحكيمة التي تقف وراء إدارة العالم. وفي عام 2001 طور جوستين كوري justin khoury وبول شتاينهارد Paul Steinhardt ونيل توروك Neil Turok في هذا المجال ما عرف بنموذج الاحتراق أو الاشتعال العام modèle de conflagration لأنه يشبه أطروحة الإكبيروسيس Ekpyrosisالتي دافع عنها وروجها هيراقليط Héraclite في القرن الخامس قبل الميلاد، وملخصها أن الكون عبارة عن شعلة نارتولد وتتأجج ومن ثم تخمد وتنطفيء ومن ثم تولد من جديد من رمادها. إن هذا السيناريو يستند على فرضية أن البران أو الغشاء brane ليس وحيداً في العالم وأن هناك أكوان أخرى تطوف على أغشية أو برانات أخرى حولنا أو بالقرب منا لكنها غير مرئية وإن الفضاء الذي يحتويها مكون من الفراغ vide قد يكون هو الفراغ الكوانتي أو الكمومي. ففيزياء الكم أو الكوانتا تقول إن الفراغ هو خالي أو فارغ من الجسيمات لكنه ليس فارغ من الطاقة ويعمل بمثابة نابض أو قوة دفع محفزة على شكل طاقة محركة تقود برانين أو غشائين أو كونين لكي يتصادما عندما يقومان بتقلصات ذاتية وإن الطاقة الناجمة من جراء التصادم تتحول إلى مادة وأشعة. ولو كان هذا الحدث قد تم في الماضي على غشائنا أو كوننا فسوف نفسره من موقعنا عليه كما لو إنه الحدث الذي أسميناه بالانفجار الكبير. وبعد الاصطدام يدخل الغشاءان الكونان في حالة تمدد وتتشكل المجرات ز ولكن كلما ابتعد البرانان أو الغشاءان الكونان عن بعضهما فإن طاقة الفراغ تأتي لتكبح عملية الابتعاد أو التباعد ومن ثم ترغمهما على التقارب من جديد ومرة أخرى تولد فيهما حركة مضادة تدفع أحدهما باتجاه الآخر ليدخلا مرة أخرى في حالة تصادم جديد أي انفجار كبير جديد وهكذا دواليك.

اتبع علماء آخرون من بينهم ستيفن هوكينغ Stephen Hawking طرقاً أخرى للتقصي وتوصلوا إلى فكرة أن مفهوم أصل الكون المرئي المرصود يضيع في هباءة معتمة وغامضة من هباءات كمومية أو كوانتية للزمكان حيث تتداخل أو تتراكم الأماكن والفضاءات والأزمنة حتى يضيع الأثر ويتحول حدث البداية إلى إشكالية مشكوك فيها problématique. فمفاهيم المكان والزمان أو الزمكان التي نستخدمها ونستدل بها ونفكر بواسطتها بهذا الأصل وتلك البداية، لن تصبح سوى مفاهيم نسبية صاعدة أو منبثقة لم تظهر إلا في لحظة ما من تاريخ الكون المرئي وبالتالي لا يوجد أي معنى للحديث عن أصل للكون لذلك اقترح ستيفن هوكينغ تعبير كون بلا حواف الذي يعني أن الكون حجم متناه ولكن ليس له حدود أي ليس له بداية محددة.

هناك تنويعات كثيرة حول هذه النماذج لكنها لاتغير من المعطى الجوهري ولا توجد واحدة منها تتعاطى مع فكرة الخلق من العدم création ex nihilo فهي تفس حدث الانفجار الكبير، إما كفترة أو مرحلة انتقالية بين مرحلتين للكون أو كنتيجة لتصادم برانين أو غشائين أدى تصادمهما إلى ظهور كوننا المرئي ومعه غشاء كون لكون توأم غير مرئي، أو حرمان فكرة وجود بداية للكون من المصداقية والوثوقية، وفي كل الحالات تختفي اللحظة صفر وتتبخر بمعنى أن الفرادة الأساسية تتفتت الموجودة في النماذج الكوزمولوجية الكلاسيكية للانفجار الكبير والتي لا تأخذ بالاعتبار غير الثقالة أو الجاذبية. بعبارة مختصرة إن الفرادة لم تحدث أو توجد في أي وقت من الأوقات وهكذا وببساطة ألغيت الفرادة في الكون المرئي.

وبطرح فكرة وجود كون سابق لكوننا المرئي الحالي وسيكون له حتماً كون لاحق في نهاية حياة هذا الكون بعد مليارات المليارات من السنين، فإن نظرية الأوتار الفائقة، حتى لو كانت في بداياتها ولم تكرس بعد كما هو حال النسبية الخاصة والعامة، فإنها تبدو نظرية ثورية لأنها تضع العالم بالمقلوب فمن جهة تسمح بالتفكير بالانفجار الكبير بصورة مغايرة وبأنه لا يمثل أصل أو بداية للكون المرئي، ومن جهة أخرى فإنها تخبرنا بأن الكون البدئي لا علاقة له البتة باللحظات الأولى لوجوده بل هو مجرد مرحلة ساخنة جداً وكثيفة جداً اجتازها الكون في صيرورته قبل 13.7 مليار سنة.

إن هذه النتائج أو الاستنتاجات النظرية لا قيمة لها إذا لم تكن نظرية الأوتار الفائقة صحيحة وصالحة ومن المبكر إعطاء حكم قطعي بشأنها. فأحجام الأوتار من الصغر بمكان جعلها صعبة المنال ويتعذر إثبات وجودها وبالرغم من ذلك فغن النظرية حققت نجاحات باهرة على الصعيد الرياضياتي لكنها لم تحرز تجذراً راسخاً على الصعيد الفيزيائي بعد. فهي ليست جاهزة تماماً اطب تكون النظرية الجامعة والموحدة الوحيدة أو نظرية كل شيء كما يأمل أنصارها ولم يتم التحقق من صلاحيتها تجريبياً ولا مختبرياً ولا عبر الرصد والمشاهدة أي أن الطبيعة لم تمنحها بعد شهادة حسن البقاء والديمومة والصلاحية بتعبير آخر ما تزال نظرية الأوتار الفائقة في طور الميتافيزيقيا الرياضياتية رغم أناقتها وجمالها رياضياتياً. لذلك يحاول عدد من العلماء المعاصرين أن يبنوا كيان نظري جديد وفق مقاربات مختلفة من أجل التوصل إلى نظرية كمومية أ كوانتية للثقالة أو الجاذبية théorie quantique de la gravitaion انطلاقاً من مباديء مختلفة وافتراضات أكثر جرأة وجنوناً يعتقدون أنها ستكون الأساس الصالح لنظرية كل شيء.

 

هل نظرية كل شيء ستجيب على كل شيء أم لن تجيب على اي شيء؟

المعرفة غير محدودة وتتكون من مجموعة من النظريات والفرضيات والطروحات والتفسيرات تبدو بعضها متناقضة مع البعض الآخر أو مكملة بعضها للبعض الآخر أو مواصلة لما تنتهي بعضها وتبتدئ أخرى لتكملة المشوار، المهم هو الابتعاد عن العقلية الخرافية والتأمل والنظر بعقلية حرة مستقلة عقلانية وعلمية، حيث علينا أن نعرف علمياً مما يتكون الكون ومتى تكون ولماذا وكيف، وعلينا أن نعرف أننا نتحدث عن كوننا المرئي الذي نعرفه وندرسه ونعيش فيه، وهو في حقيقة الأمر ليس سوى جسيم صغير هو أصغر من أصغر ذرة رمل من مجموع ذرات الرمل الموجودة على اليابسة في الأرض، أي إنه كون من ضمن عدد لامتناهي من الجسيمات ـ الأكوان على صعيد أو في مستوى اللامتناهي في الكبر، وهناك كذلك عدد من الأكوان ـ الذرات أو الجسيمات في المستوى ما دون الذري حيث تتجمع أو تتفاعل المكونات الأولية للجسيمات البدئية التي شكلت المادة وكل جسيم في مستوى مكان وزمان أو طول بلانك اللامتناهي في الصغر. إنه جسيم ـ كون هو عبارة عن معلومة حاسوبية تختزن ذاكرته كون كامل ومستعد للانفجار العظيم البيغ بانغ لتكوين كون جديد لامتناهي في الكبر والسعة الذي يشكل الكون المطلق الواعي والذكي والحي تجليه الأوضح، رغم استحالة إدراكه أو تصوره واستيعابه، وهذا الكيان اللامتناهي الذي أسميته بالكون ـ الإله أو الكون الكلي الواعي والعاقل والحي، الذي ليس له بداية ولا نهاية ولا حدود، وهو الذي يمكن أن نسميه الله أي الكون ـ الإله المطلق الوحيد وما عداه نسبي. أما كوننا المرئي فهو لاشيء، ونحن في الكون المرئي ليس لنا وجود وأهمية تذكر فأرضنا كوكب بسيط عادي مبتذل جاءت إليه أقوام فضائية متطورة جداً تتقدم علينا بحوالي 60 مليون سنة من بينهم الإلوهيم الذين أشار إليهم التوارة، وغيرت تلك الأقوام المتطورة كل شيء في كوكب الأرض ووفرت له غلاف جوي وبيئة صالحة للحياة لأنه يقع في المسافة القابلة للحياة بالنسبة لشمسه التي يتلقى منها الطاقة وخلقوا الكائنات الحية فيه على صور متنوعة ومختلفة الأنواع والأشكال من أجل التوازن البيئي ثم قاموا بخطوة خطيرة عندما قرروا تطوير دماغ إحدى الكائنات من أعلى سلسلة من القرود التي انتصبت على قديمها بفعل قوانين الانتخاب الطبيعي ونظرية التطور الداروينية ولقحوه بجيناتهم لكي ينمو فيه وعي أعلى بكثير من وعي باقي الكائنات مما ساعده على النطق واختراع الكلام والكتابة والتفكير والتأمل والرقي التقني وصناعة الآلات وتدجين الطبيعة والحيوانات والسيطرة على الزراعة والطاقة والنار والماء واستمر الكائن البشري الهجين في التطور إلى أن وصل إلى عصرنا الالكتروني الحالي وغزو الفضاء وسيقوم الجنس البشري بنفس الدور الذي قامت به تلك الأقوام الفضائية حيث سيكتشف كواكب قاحلة لكنها قابلة للحياة وسيستعمرها وسوف تعتبره الأقوام البدائية هناك إذا عثر عليها في إحداها، بأنه إله مثل ما اعتبرنا نحن مطورينا كآلهة لنا والأنبياء ليسوا سوى مجرد مفكرين مصلحين أنيطت بهم مهمة إدارة مجتمعاتهم عبر سلسلة من القيم الاخلاقية والاجتماعية والمحرمات والممنوعات من أجل الردع والتخويف بعقاب إلهي رهيب هذا باختصار شديد هو الواقع الحقيقي واللوحة التي رسمتها لنا الكائنات الفضائية الذكية التي فضلت مراقبتنا عن بعد حتى لا يدب فينا الرعب والخوف من المجهول والإبادة وهناك آلاف الكتب والمصادر التي تشير وتدل على ذلك لامجال لذكرها هنا. لنعد إلى مقاربتنا العلمية المتواضعة الحالية ونبدأ بالسؤال الوجودي التقليدي والفلسفي لماذا يوجد الكون؟ يصمت العلم عن الإجابة لأن المقاربة العلمية إزاء هذا التساؤل الوجودي عاجزة عن تقديم الإجابة القاطعة وبالتالي لابد من مقاربة تجريدية إن لم نقل ميتافيزيقية. هذا ما كان يعتقده العديد من الباحثين والعلماء في مجال الكوزمولوجيا أو علم الكون la cosmologie. بيد أنه ظهرت في السنوات الأخيرة مقاربة جديدة، تستند لأطروحة الفيلسوف وعالم الرياضيات الألماني لايبنز التي طرحها في القرن السابع عشر، والتي تأتي في نفس سياق التساؤلات الجوهرية الكبرى بشأن الكون والوجود، والتي تمس جوهر الأشياء ومعناها، بمعنى الجانب الخفي للوجود، بشقيه المادي واللامادي، وعلى رأسها هل هناك بداية ما لكل شيء؟

الكون المعلومة الحاسوبية: المعلومة الافتراضية تسبق الوجود المادي للكون المرئي:

تناول لايبنز Leibniz لغز البداية والأصل في حين تجنب الكثير من الباحثين التعاطي مع الـ” لماذا” واكتفوا بـ ” كيف” وبين الفينة والأخرى يتحرشون بـ “متى”، وكان لايبنز هو الأجرأ في القرن السابع عشر عندما تساءل:” لماذا هناك شيء ما بدلا من لاشيء؟” وهو السؤال الذي ردده المفكرون والعلماء والباحثون والفلاسفة وفئات واسعة من النخب والمثقفين، فالبحث فيه شائك وصعب ومعقد وحساس كونه الأهم في الوجود ولم يتمكن من صياغته رياضياتياً علماء الرياضيات، وحده لايبنز Leibniz، صاحب كتاب خطاب في الميتافيزيقيا Discours de métaphysique ومختلق حساب اللانهائي في الصغر وناحت مصطلح علم الأشكال التوبولوجيا topologie، هو الذي جهد للإجابة على هذا السؤال الجوهري رياضياتياً mathématiquement، وكان الأب الروحي لكل علماء الرياضيات الفطاحل الذين أتوا من بعده. فهو أول من عارض مفهوم نيوتن Newton عن الزمن المطلق وأعتبره نسبياً قبل قرنين من آينشتين Einstein وكتب أيضاً:” أعتقد أن المكان هو وببساطة شيء نسبي كالزمان”.ثم أضاف متقدماً على عصره بقرون:” لا أعتقد بوجود مكان ولا زمان بدون مادة ” وهو صلب وجوهر نظرية النسبية وله تأثير كبير على مسألة الأصل والبداية في الزمان والمكان. كما تجدر الإشارة إلى أن لايبنز Leibniz هو مكتشف الحساب المزدوج والثنائي أو المركب calcul binaire وذكر ذلك في مفكرة لأكاديمية العلوم بتاريخ 1703 تحت عنوان تفسير علم الحساب المركب أو المزدوج arithmétique binaire الذي يستخدم الرقمين صفر وواحد وذلك قبل 250 سنة من ظهور المعلوماتية ولغة الرياضيات الحاسوبية المزدوجة أو المركبة. وكان هو الملهم لعلماء ومنظري فرضية الكون ـ المعلومة L’Univers information.

كان الفيلسوف وعالم الرياضيات الألماني لايبنز Leibniz يمتلك عقلاً يسبق زمانه بقرون عديدة وصاحب مخيلة عقلانية وعلمانية مذهلة إلى درجة أن أفكاره وآرائه ونصوصه تستلهم إلى يومنا هذا من قبل فطاحل علماء الفيزياء والرياضيات المعاصرين الذين يعتبروه معلمهم الأول وعلى رأسهم آينشتين Einstein. وكان لايبنز أول من طرح فرضية الكون ـ المعلومة، الحاسوبية L’Univers Information كما صارت تعرف اليوم في علم المعلوماتية informatique، ولغة الكومبيوتر ذات الأرقام الثنائية أو المزدوجة nombres binaire، التي سنتحدث عنها بالتفصيل لاحقاً في سياق هذه الدراسة.

لقد بات بوسع العقل الإنساني، المتطور الحالي، الذي يتعامل مع تكنولوجيا الكومبيوتر والمعلوماتية والنانو تكنولوجيا والأقمار الصناعية والهاتف المحمول والكومبيوتر الكوانتي والحاسوب العملاق والانترنت والقنوات الفضائية ووسائل الاتصال الحديثة، أن يستوعب، ولكن ليس بالسهولة المتوقعة، مقاربة كونية بلغة حاسوبية والتي تقول أن الكون المرئي ولد من طوفان معلوماتي مشفر ومركز في مصدر واحد سمي بالنقطة صفر.

أياً كان تصورنا للواقع الذي نعيش فيه، فأننا في الغالب على خطأ. فقد يكون الكون المرئي مجرد حاسوب هائل بحجم الكون المرئي الحالي، ويمكن تفسير كل ما يدور فيه كمعالجة للمعلومات. حيث يبدو أن ظهور الجسيمات الأولية كان من حروف أو كائنات معلوماتية حاسوبية وجدت في عالم افتراضي عير مادي قبل الانفجار الكبير.

قد لا تبدو العلاقة بين الواقع والحوسبة واضحة من الوهلة الأولى، ولكن إن أزلنا الطبقات ـ التي تحجب عنا الواقع كما هو ـ فهذا بالضبط ما يظن بعض الباحثين أننا سنجد. نحن ننظر للعالم كجسيمات تربطها مجموعة من القوى، على سبيل المثال، ولكن نظرية الكم أو الكوانتا تخبرنا أن هذه الجسيمات ليست سوى حالة فوضى في حقول لا يمكننا وصفها إلا من خلال معادلات فيزياء الكم أو الكوانتا.

و هنا يدخل الكمبيوتر على الخط، على الأقل إذا كنت تفكر فيه من خلال المفاهيم الإعتيادية كشئ يقوم بمعالجة المعلومات بدلا من صندوق موضوع فوق مكتبك.

"يُعبَّر عن فيزياء الكم أو اكوانتا في مجملها كمعالجة للمعلومات"، يقول فلاتكو فيدرال من جامعة أكسفورد. "و هذا يشير إلى أنك ستجد معالجة المعلومة كأساس لكل شيء."

من المؤكد أن للمعلومة مكانة خاصة في نظرية الكم. مبدأ عدم اليقين الشهير - الذي ينص على أنه لا يمكن معرفة كمية حركة جسيم وموضعه في وقت واحد - يعتمد على المعلومة. وكذلك التشابك الكمي، حيث تتشارك الكائنات الكمية الخصائص وتتبادل المعلومات بغض النظر عن المسافة المادية بينها.

في الواقع، يمكن اختزال أي عملية في الكون إلى تفاعلات بين جسيمات والتي تنتج إجابات ثنائية: نعم أو لا، هنا أو هناك، أعلى أو أسفل. وهذا أن يعني الطبيعة، في مستواها الأكثر أساسية، هي ببساطة تقلبات لأرقام ثنائية أو بايتات، تماماً مثل جهاز كمبيوتر. ونتيجة هذه التقلبات التي لا تعد ولا تحصى واضحة في ما نراه عملية جارية لترتيب، وإعادة ترتيب وتفاعلات الذرات - أو بعبارة أخرى، إعادة رسم الواقع.

وفقاً لإد فريدكن من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إم آي تي MIT، اذا أمكننا أن نبحث بعمق داخل هذه العملية لوجدنا أن الكون يتبع قانونا واحدا فقط. عملية معالجة معلوماتية وحيدة هي كل ما تحتاجه لبناء كون. حسب وجهة نظر فريدكن، فإن هذا من شأنه أن يكون شكلا من أشكال العملية المنطقية "إذا كان - فإن" (If - Then)؛ هذا النوع من العمليات المستخدمة في الحوسبة التقليدية لمعالجة البايتات التي تخزنها الترانزستورات في رقاقة والتي تشغل البوابات المنطقية، ولكن في هذه الحالة مطبقة على بايتات الكون كاملا.

ويرى فيدرال وآخرون ان الأمر أكثر تعقيداً من ذلك. لأننا يمكن أن نختزل كل ما في الكون إلى كيانات تخضع لقوانين فيزياء الكم أو الكوانتا physique quantique، فيجب إذن أن يكون الكون عبارة عن كمبيوتر كمومي أو كوانتي، بدلا من النوع الكلاسيكي الذي نستعمله يوميا.

أحد الأسباب التي تعطي لهذه الفكرة جاذبيتها، هو أنه في إمكانها تقديم جواب لسؤال: "لماذا يوجد شيء بدلا من لا شيء؟" العشوائية الكامنة في ميكانيكا الكم تعني أن المعلومات الكمومية - وبالتالي كون ما - يمكن أن تأتي الى الوجود بصورة تلقائية، كما يقول فيدرال.

رغم كل هذه الأفكار النظرية، يبقى إثبات أن الكون عبارة عن جهاز كمبيوتر كوانتي أو كمومي مهمة صعبة. ومع ذلك، هناك ملاحظة تجريبية تدعم فكرة أن الكون يتكون بشكل أساسي من المعلومات. في عام 2008، التقط كاشف موجات الجاذبية الجي إي أو 600 في هانوفر، ألمانيا، إشارة غريبة تشير إلى أن الزمكان مجزء إلى بيكسيلات. هذا بالضبط ما يجب توقعه من كون "هولوغرامي"، حيث الواقع الثلاثي الأبعاد هو في الأساس إسقاط للمعلومات المشفرة على السطح ثنائي الأبعاد الذي يمثل حدود الكون (نيو ساينتست، 17 يناير 2009، صفحة 24).

نشأت هذه الفكرة الغريبة من نقاش حول الثقوب السوداء. أحد المبادئ الأساسية في الفيزياء هو أنه لا يمكن تدمير المعلومة، ولكن يبدو أن الثقوب السوداء تنتهك هذا المبدأ بابتلاعها لأشياء تحتوي على معلومات ثم تبخرها تدريجيا.

ما يحدث لتلك المعلومات كان موضوع نقاش طويل بين ستيفن هوكينغ والعديد من أقرانه. في النهاية، خسر هوكينغ النقاش، مسلّما بأن المعلومات يتم طبعها على أفق الحدث الذي يمثل حدود الثقب الأسود وتغادره وهو يتبخر. دفع هذا الفيزيائيين النظريين ليونارد سيسكيند وجيرارت هوفت إلى اقتراح أن الكون كله يمكن أن يحتفظ أيضا بمعلومات في حدوده - ما يترتب عنه أن واقعنا يمكن أن يكون إسقاطا لتلك المعلومات في الفضاء داخل حدود الكون. إذا كان هذا التخمين صحيحاً، فإن الواقع هو صورة هولوغرامية مجسمة.

 

هل يمكن أن يكون الكون المرئي حاسوبا كونيا عملاقا؟

هناك فرضية انتشرت مؤخراً تقول أن الكون المرئي مجرد صورة وهمية تجسد معلومة حاسوبية، سابقة لوجوده المادي. علينا أن نعترف أن العالم المحيط بنا بالغ الغموض والتعقيد ومغلف بالأسرار والخفايا والجوانب غير المرئية، خاصة إذا نظرنا إلى ما حولنا وتسائلنا لماذا توجد الأشياء بمظاهرها التي نراها؟ وهل هناك واقع آخر مخفي عن الأنظار لهذه الأشياء لا نعرفه ويستعصي على مداركنا؟ وما السبب الحقيقي وراء اتخاذها هذه الأشكال وليس غيرها؟ ولماذا وكيف صار الكون المرئي، بكل مكوناته، متوازناً ومضبوطاً بإحكام بقوانين جوهرية، في المكان والزمان، تسييره وتقوده نحو مستقبل مجهول؟ وماذا سيحصل لو أن خللاً ما حدث في إحدى تلك القوى الكونية الجوهرية الأربعة التي تنظم الوجود المادي؟. كلنا يعرف أن القوة الكونية الجوهرية هي التي تتحكم وتنظم عمل وسلوك الأشياء وتفاعلاتها، من اللامتناهي في الصغر، أي المكونات ما دون الذرية، إلى اللامتناهي في الكبر، أي الكواكب والنجوم والمجرات والسدم والكوازارات وما فوقها أو يتعداها.

لو افترضنا، لسبب مجهول، أن الثقالة أو الجاذبية gravitation اختفت فجأة أو تعطلت عن وظيفتها، فما هي التبعات المترتبة على ذلك؟ أول شيء سنلاحظه أن كل شيء على الأرض بدأ يطفو ويطير في الهواء من أصغر شيء إلى أكبر شيء، بما في ذلك نحن البشر، مع ما سيترتب على ذلك من فوضى وحوادث وهلع جماعي على سطح الكوكب. إلا أن الكارثة لا تتوقف أو تقتصر على ذلك فقط، بل هناك ما هو أخطر، فبعد بضعة ساعات قليلة ستصاب البشرية بالاختناق من جراء تلاشي الغلاف الجوي، بعد أن تفلت الأرض من جاذبية الشمس وتنطلق تائهة في أعماق الفضاء بلا ضوء شمس ولا تفاعلات كيمائية تقوم بتوليد الأوكسجين بالكميات الضرورية لدورة الحياة البيولوجية الطبيعية، ولو نفذ أو نجى البعض من هذه الكارثة فإنه سيموت متجمداً لأن درجة الحرارة على الأرض ستكون 273 تحت الصفر وهي درجة الحرارة في الفضاء الخارجي المظلم فلم تعد هناك شمس تدفئها بأشعتها وتغذيها بالطاقة. وبغياب الطاقة فإن المجرات نفسها، وليس فقط النجوم في داخلها، سوف تتبعثر بفوضى كونية لا يمكننا تخيلها، وتتصادم فيما بينها بلا هوادة. هذه هي اللوحة المأساوية التي ستحل بالكون المرئي في حالة حدوث عطل ما في إحدى القوة الجوهرية كالجاذبية. ونفس هذا السيناريو، بل وربما أسوء منه بكثير، سيحدث في حالة حدوث أي خلل في القوى الجوهرية الثلاثة الأخرى، أي الكهرومغناطيسية والنووية الضعيفة والنووية القوية أو الشديدة. وكلنا يعرف أن جميع الأشياء في حياتنا اليومية تعتمد على القوة الكهرومغناطيسية، فهي التي تعمل على محافظة الأشياء على اشكالها في المكان والزمان ومنع انصهارها. فبدونها كل شيء سيتفكك إلى ذرات غبار خلال ثواني معدودات. فالكائن البشري مكون بنسبة 70% من الماء أي من ذرتين من الهيدروجين وذرة من الأوكسيجين، ولن تعيش هذه المعادلة الكيمائية ثانية واحدة بدون القوة الكهرومغناطيسية. أي سيضمحل 70% من جسم الإنسان ولن يبقى فيه سوى العناصر الثقيلة كالحديد والكالسيوم التي سرعان ما ستنهار هي الأخرى على الأرض على شكل غبار رمادي يشبه الرماد، هو كل ما يتبقى من الكائن البشري، ونفس الشيء سيحدث مع الحيوانات والنباتات، وستواجه نفس المصير المياه الموجودة في الأنهار والبحار والمحيطات، ليس فقط على الأرض، بل في جميع كواكب الكون المرئي التي تشبه الأرض، حيث ستختفي كافة مظاهر الحياة وأشكالها من على وجه الكون المرئي. ولو اختفت القوة النووية الضعيفة فلن تكون هناك عمليات اندماج نووي كالتي تحدث في الشمس وتولد الحرارة والضوء والطاقة، وكلنا يعرف ماذا يعني خمود الشمس بالنسبة للحياة في أي مجموعة شمسية في الكون المرئي. والحال ذاته مع اختفاء القوة النووية القوية أو الشديدة التي تعمل كمادة لاصقة صمغ أو كالاسمنت الذي يعمل على تماسك النوى الذرية للمواد وبقاء البروتونات والنيوترونات تدور في داخلها. فكل شيء في الكون سيتحول إلى بخار من الكواركات quarks التي تمثل أصغر مكونات البروتونات. ولنتساءل مماذا تتكون تلك القوى الكونية الجوهرية؟ للإجابة على ذلك يتعين علينا أولاً البحث ولو باختصار في موضوع الجسيمات الأولية particules élémentaires في الكون المرئي، وأن نتذكر أن النموذج المعياري modèle standard الذي قدمته فيزياء الجسيمات، يحدثنا عن عائلتين متميزتين من الجسيمات الأولية. العائلة الأولى منها هي” الجسيمات الماديةparticules matérielles”. والتي يمكننا تخيلها بمثابة ذرات رمل أو غبار لكنها غير مرئية لأنها غاية في الصغر كالالكترونات والنيوترونات وغيرها وتسمى في الفيزياء الفيرميونات fermions. وتتفاعل هذه الجسميات ما دون الذرية فيما بينها بواسطة قوى كونية جوهرية ذكرناها أعلاه. ولكن هل تلك القوى ليست سوى تجلي أو مظاهر تمثيل manifestation لجسيمات ما دون ذرية أخرى خفية وغير مرئية بوسائلنا الرصدية أو الكشفية الحالية، والتي يمكن أن تشكل الأدوات الناقلة لتلك القوى. من هنا فكر العلماء بوجود عائلة ثانية من الجسيمات ما دون الذرية هي جسيمات المجال particules de champ وصنفوها تحت تسمية واحدة هي بوزونات السعة أو البوزونات المعيارية Bosons de jauge، وطبقوا عليها نفس ما طبقوه على القوى الجوهرية من أفكار في مجال الكهروديناميكية الكمومية أو الكوانتية électrodynamique quantique، التي أتاحت إمكانية تفسير التفاعلات الكهرومغناطيسية. بمعنى آخر أن الجسيمات المادية تتبادل فيما بينها خلال التفاعلات عدد من البوزونات المعيارية التي تلعب دور الرابط والمرسال أو حامل الرسائل وإن تلك التبادلات هي التي تخلق الواقع الملموس للمجالات. فهل بعد ذلك يمكننا معرفة ما يجري في العالم التحتي للجسيمات ما دون الذرية، وهل هناك قواعد أو شيفرة ما منطوية في نسيج الواقع؟ أجاب العالم الفيزيائي الشهير John Wheeler بمقارنة الكون المرئي بنظام معالجة معلوماتي système de traitement d’informations حيث ينبثق عنها وهم illusion بعالم مادي كما جاء في موضوع الفيلم البديع المصفوفة أو الماتريكس Matrix وإن هذه المعلومة الجوهرية يمكن أن تتواجد في الزمان المتخيل في اللحظة صفر التي سبقت الانفجار العظيم.

فلو تلقينا صورة عبر الانترنيت في الكومبيوتر الشخصي لا أحد يسأل نفسه كيف وصلت هذه الصورة للحاسوب الشخصي وبأي صيرورة وأية تقنية؟ في الحقيقة إن الشخص الذي أرسلها أدخلها أولا عبر السكانرscanner أو الماسح الضوئي وحولها إلى رموز بلغة الحاسوب فأصبحت مجرد سلسلة متتالية من الأصفار والواحد مثل 0110001000110110001110000011 الخ … وعندما وصلت عبر البريد الالكتروني جاءت بهذه الرموز المركبة الثنائية أو المزدوجة وهي اللغة الوحيدة التي يقرأها الحاسوب ويعيد تركيبها كما كانت قبل ترميزها أو تشفيرها ليعيدها كصورة تشبه تماماً الصورة الأصلية التي أرسلت، أي نسخة مطابقة عنها وليست هي نفسها مادياً لأن الصورة الأصلية بقيت مع صاحبها أو مالكها الذي أرسلها. والذي ينطبق على صورة ينطبق على الواقع برمته بل وعلى الكون المرئي بمجمله حيث كان مضغوطاً في النقطة صفر على شكل معلومة حاسوبية تختزن ذاكرة الكون المرئي كله قبل خروجه لدنيا الواقع انطلاقاً من الانفجار العظيم إلى يوم الناس هذا. وهذا يعني أن كل واحد منا حسب منظري الفيزياء الرقمية physique numérique، في المستوى ما دون الذري، سوف يعثر على شيفراته المكونة من أصفار ورقم واحد مكررة إلى ما لا نهاية إذ أنه حتى أصغر الجسيمات المادية وتفاعلاتها تختزل بتشفيرتها الرقمية codage numérique.

بهذه المقاربة نضع اللبنة الأولى لنظرية فيزيائية جديدة تحققت بفضل الكومبيوتر أو الحاسوب وتقنية الذكاء الاصطناعي intelligence artificielle حيث ستقوم هذه الفيزياء الجديدة بتغيير وجه العالم وهذه النظرية معروفة اليوم تحت عنوان ” النظرية المعلوماتية théorie de l’information. كانت نقطة الانطلاق قد تمثلت بجملة العالم ويلير Wheeler الشهيرة it from bit التي ترمز لفكرة أن لكل عنصر في العالم الفيزيائي المادي أساس عميق متصل بمنبع أو مصدر لا مادي source immatérielle. فقد يكون الشكل الأكثر جوهرية للوجود موجود خارج المكان، وربما يكون مستنداً على عدة اشكال من المعلوماتية التي لا تتقبل بسهولة اي تفسير هندسي بسيط interprétation géométrique simple. كما يقول العالم الشاب لوبوس موتل Lubos Motl ولو صحت هذه المقاربة الثورية الجريئة فإن عمق وجوهر الواقع لن يكون مكوناً من الذرات والجسيمات الأولية بل من البايتات والكيوبايتات bits et qubits الحاسوبية. وهناك كوكبة من العلماء الشباب الطموحين لاحتلال الساحة التنظيرية في الفيزياء النظرية المعاصرة من أمثال سيث للويد Seth Lloyd ووستيفن وولفرامStephen Wolfram وشارل بينيتCharles Bennett ودافيد دويتش Davide Deutsch وبيتر شور Peter Shor وغيرهم كثيرون يقودون هذه الثورة الفيزيائية اليوم، وقد سبقهم لايبنز Leibniz بثلاث قرون عندما قال أن العمق الصلد للواقع وخامته الأولى لا تتكون من الجسيمات المادية بل من شيء آخر يمكننا أن نسميه المعلومة. أستاذ الفيزياء في جامعة أكسفورد دافيد دويتش Davide Deutsch، الحاصل على جائزة ديريك Dirak وأول من قدم الألغوريتم algorithme الكامل أي الحساب الخوارزمي للحساب الكمومي أو الكوانتي calcul quantique، والذي يستخدم كأساس للكومبيوتر الكمومي أو الكوانتي، انطلق بدوره من صيغة ويلير Wheeler الذي قال ” it from bit” واستبدلها بصيغة it from qubit، فجوهر الواقع في نظره ليس مادياً بل غمامة من الأعداد المزدوجة أو الثنائية الحاسوبية من صفر وواحد التي تختزن كمية لا محدودة من المعلومات القابلة للرصد والموجودة في أي شيء مادي مهما كبر أو صغر، أي أن العالم مصنوع في أساسه من الكيوبايت Le monde est fait de qubits، ولكن على مستوى الظواهر الكمومية أو الكوانتية مادون الذرية في المستوى اللامتناهي في الصغر.

في نقطة الصفر المفترضة في النموذج المعياري modèle standard سواء الكوانتي أو الكمومي أو النسبوي الآينشتيني،هناك الفرادة التأسيسية الأولية singularité initiale المقترنة بالعالم فريدمان friedmann، تلك النقطة الفريدة من نوعها والغريبة التي لاحجم لها ولا أبعاد، ودمغت الزمان الخيالي أو المتخيل القحtemps imaginaire pur، هي التي اعتبرت أصل كل ما هو موجود في الواقع المادي. وهي ذات صفات وخصائص propriétés مذهلة فبإمكانها تشفير encoder،على شكل رياضياتي، مجموع المعلومات المتعلقة بكوننا المرئي المادي. والحال أن الكم المعلوماتي للكون المرئي ليس لا نهائياً أو غير محدود. ففي القرن السابع عشر حاول السير آرثر إيدنغتون Sir Arthur Eddington حساب بعض الأرقام أو القيم أو الأعداد الكبرى التي توسم واقعنا. وحسب التقدير الذي اقترحه أحد علماء الرياضيات في زمنه من المحيطين به، فإن عدد حبات الرمل في كل سواحل وشواطيء الأرض تساوي 1015 حبة رمل. وقدر بعده بعض العلماء عدد الجسيمات الأولية المادية في كوننا المرئي بـ 1080 ولكن بما أننا أثبتنا مؤخراً المكونات النهائية الأصغر للواقع بأنها ليست جسيمات مادية فماذا يوجد بديلاً عنها؟ إنها الوحدات الكمومية أو الكوانتية unités d’information أو بعبارة أخرى البايتات الحاسوبية des bits informatique وقدرت بـ 10120 من البايتات المعلوماتية أو الحاسوبية وهو رقم صغير جداً رغم كونه الرقم الأكبر الذي له معنى ويمكن تصوره بشرياً من وجهة نظر فيزيائية. لكنه ضئيل جداً وكأنه غير موجود بالمقارنة أو في مواجهة الأرقام التي عددها الرياضيون وهي أرقام تصيب المرء بالذهول وربما بالجنون. وأحدها هو عدد الغوغول googol الذي سمي محرك البحث غوغل Google تيمناً به واستنبط هذا العدد رياضياتياً سنة 1938 وهو يساوي تقريباً 10100 وهو أصغر من عدد البايتات التي حسبها العالم لويد Loyed لأنه التقدم التصاعدي الذي يبدأ من الغوغول googol ويسمى الغوغول المركب أو الغوغول بليكس googolplex حدد بأنه 10 أس غوغول googol 10، أي عشرة أس 10 أس 100 وهو عدد لايمكنكم تخيله فلو كتبناه بسرعة ثلاثة أرقام في الثانية الواحدة فسنحتاج إلى 100 مليار المليار المليار المليار المليار المليار سنة لتدوينه، أي مليارات المليارات المليارات مرة منذ بدء الزمان الذي نعرفه. ولو أردنا أن نخزن العدد داخل حاسوب أو كومبيوتر فإن ذلك سيتطلب كومبيوتر أو حاسوب بحجم الكون المرئي كله. هذه الأعداد هي في الحقيقة أكوان nombres univers، ولو اعتبرنا أن خامة الواقع ذات طبيعة رمزية ديجيتال digitale أي رقمية وليست مادية فعلينا التوسل بكائنات رقمية entités numériques قادرة على استيعاب كل تعقيدات الكون المرئي la complexité de l’univers observable نظرياً على الأقل. وهي أعداد موجودة، رغم غرابة سماتها وخصائصها، لذلك أسماها علماء الرياضيات بالأعداد الأكوان nombres univers وهي مكونة من أرقام حقيقية وواقعية يمكن عمل أي تسلسل رقمي منها بأطوال لا نهائية. إن أبسط هذه الأعداد هو عدد شومبرناونle nombre de Champernowne الذي ابتكره عالم الرياضيات والخبير الاقتصادي الانجليزي الشهير دافيد غوين شومبرناون david Gawen Champernowen الأستاذ في جامعة أكسفورد Oxford وكامبردج Cambridge، لقد ابتكره وهو في عمر الواحد والعشرين عندما كان طالباً في كامبردج وعرف آنذاك بثابت شومبرناون constante de Champernowen. وهو عدد غاية في البساطة ويتكون من صفر وفارزة وبعد الفارزة سلسلة من الأرقام المتتالية من واحد إلى ما لا نهاية، أي 0.1234567891011 الخ.. وهذا العدد هو عدد كون nombres univers، وفي الحقيقة إن هذا النوع من الأعداد يمكن أن تحتوي كل ما هو موجود في الفضاء الكوني المرصود. ولو حاولنا كتابة ثابت شومبرناون باللغة الرياضياتية الثنائية أو المزدوجة en binaire ستكون البداية على النحو التالي 0.1101110010111 الخ.. وبالتالي بإمكاننا من هذه البداية كتابة العدد الكبير الذي أشرنا إليه أي 10120 الذي يتناسب مع عدد البايتات المعلوماتية للكون المرئي، وهذا العدد موجود في مرحلة ما قبل الانفجار العظيم أو الكبير Big Bang وبالتحديد في النقطة صفر من الزمكان l’espace-temps عندما كان الزمان ما يزال خيالياً محض أو متخيل temps imaginaire pur. في المستوى اللامتناهي في الصغر l’infiniment petit، عندما يهمين ميكانيك الكم أو الكوانتا mécanique quantique فإنه في كل المظاهر الوجودية الوليدة، يتم استبدال البايتات les bits التي نعرفها في لغة الحاسوب المعلوماتية بالوحدات المعلوماتية الأصغر التي نسميها الكيوبايتات qubits، بعبارة أخرى، في ما يتعدى جدار بلانكle mur de planck قبل الانفجار الكبير أو العظيم، فإن ما يسبق الكون المادي المرئي pré-Univers، كما يعتقد دافيد دويتش Davide Deutsch، يكون ماهية مكونة من كيوبايتات معلوماتية qubits وهذه الأخيرة هي التي تنظم تقلبات fluctuations الزمان الواقعي temps réel والزمان المتخيل أو الخيالي temps imaginaire، بينما يعتقد الشقيقان التوأمان إيغور وغريشكا بوغدانوف Igor et Grichka Bogdanov، أن هناك ما هو دون أو تحت الكيوبايتات المعلوماتية ألا وهي الكينونات الرياضياتية des entités mathématiques، ومنها النقطة الرياضياتية point mathématique، فلو أمعنا النظر في النقطة صفر للزمكان le point zéro de l’espace-temps فهي تقع في ما تحت مستوى بلانك au-dessous de l’échelle de Planck، والتي توقعها أو تكهن بها النموذج القياسي أو المعياري للبغ بانغ أو الانفجار الكبير le modèle standard du Big Bang، وهي التي عرفت بإسم الفرادة الأساسية أو الأولية التأسيسية la singularité initiale. التي لا يمكن الوصول إليها فهي مجرد كائن رياضياتي ولايمكن اصطيادها إلا نظرياً وحسابياً باستخدام أدوات جبرية instruments algébriques، لأنها لا تحتوي على أي محتوى فيزيائي، فجوهرها تجريدي بحت abstraite. ويمكن مقارنتها بالمعلومة الحاسوبية، أو بنوع من الشفرة الكونية code cosmique، لهذا يعتقد خبراء النظرية المعلوماتية théorie de l’information، أي أولئك الذين يعتقدون أنه يمكن مقارنة الكون المرئي بحاسوب أو كومبيوتر عملاق بحجم الكون المرئي يسمونه البرنامج Le programme، أمثال وولفرام Wolfram أو للويد Lloyd، ويسميه الأخوة بوغدانوف آنستانتون فريدة بحجم صفر instanton singulier de taille 0، أنها ذات صفات وخصائص متميزة أهمها أنها ذات محتوى طوبولوجي لا متغير contenu topologique invariant، أي مجرد معلومة مشفرة تختزن كل ذاكرة الكون السابق للانفجار العظيم أو الكبير، في المتوالية الكونية.

فالشفرة الأصلية التأسيسية أو الأساسية un code initial، بما أن النقطة صفر point zéro ليست شيء فيزيائي objet physique، فهي لا تندرج ضمن الظواهر المحصورة بين المستوى صفر ومستوى بلانكéchelle zéro et échelle de Planck، ولا تخضع لمكرهات وضغوطات كمومية أو كوانتية contraintes quantique، بمعنى آخر إن الفرادة، وبسبب جوهرها الطوبولوجي essence، topologique، هي شيء كلاسيكي. فمن زاوية معلوماتية، تبدو الأمور بسيطة. ففي مستوى الصفر تقاس المعلومة بالبايتات ولكن باستخدام قانون مناسب أو ملائم يمكن للصفر أن يولد كافة الأعداد وكل الأشياء حتى تلك التي لا يمكن تصورها. فانطلاقاً من الصفر يمكننا أن نشهد ولادة انفجار كبير رقمي Big Bang numérique. وقد شرح العالم جون فون نيومان John von Neumann المراحل النظرية لذلك باستخدام نظريته بخصوص المجموع الفارغ l’ensemble Vide الذي لا يحتوي على شيء ويمثل الصفر، ويكون الانطلاق من هناك. وفي المرحلة الثانية نضع هذا الكل الفراغي داخل مجموع فراغي آخر عندها يولد الواحد من الصفر ومن بعده تولد كافة الأعداد الممكنة أي الأعداد التامة nombres entiers والأعداد النسبية nombres relatifs والأعداد الجبرية nombres algébriques والأعداد الاستعلائية أو الرياضيات العليا أو الفائقة nombres transcendants والأعداد الخيالية أو المتخيلة nombres imaginaires الخ.. وبالإمكان تشكيل أماكن متعددة الأبعاد حسب تصور علماء الرياضيات، فلا توجد حدود في النظرية، وهو الأمر الذي أشار إليه العالم الرياضي العربي الخوارزمي واستخدمه الأخوة بوغدانوف في نظريتهم الكونية لوصف المعلومة الأصلية أو الأولية التأسيسية بأنها خوارزمية information algorithmique، اي قانون بسيط للتوليد وذو البنية أو الهيكيلية الرقمية أساساً. إن الفرادة الأولية الأساسية singularité initiale تمتلك شكلاً واحداً للمعلومة وهو “المعلومة الأولية أو التأسيسية l’information initiale”. ولعدم وجود الزمان الحقيقي أو الواقعي temps réel بعد، لا توجد هناك أية صيغة معقدة أو مركبة aucune complexité في اللحظة صفر l’instant zéro، وبالتالي فإن المعلومة النهائية information finale معدومة nulle، من هنا فإن الفرادة الأولية الأساسية singularité initiale، أي النقطة صفر، تعتبر الشيء الأبسط في كوننا المرئي قبل ولادته وتطوره وتعقيده. بتعبير آخر إن المعلومة الأولية أو التأسيسية l’information initiale تنوه بأن الأنثروبي entropie أي اللانظام في مرحلة ما قبل الكون pré-Univers يكون في المستوى صفر ويعتبر معدوم الوجود وبالتالي فإن أي نظام يتسم بانعدام الأنثروبي لا يمكن أن يوجد في الزمن الواقعي temps réel وهذا يدعم فكرة وجود النقطة صفر فقط في الزمان المتخيل أو الخيالي temps imaginaire، ويحق لنا أن نتصور النقطة صفر لانهائية infinie بالضرورة. إذ أنها تتعاطى مع عدد لا نهائي من البايتات أكثر بكثير جداً من 10120 بايت الضرورية التي أشرنا إليها أعلاه، لبناء أو تشكيل الكون المرئي. إنها تصل إلى مصاف ما أسماه العلماء في الفيزياء الرقمية االبرنامج un programme الذكي الخالق مثل البرنامج الذي خلق المصفوفة في فيلم ماتريكس Matrixوالذي هو بمثابة الكود أو الشيفرة الأولية السابقة للوجود المادي الفيزيائي أي شيفرة الأصل code à l’origine التي يقترح التوأمان بوغدانوف وجودها كفرضية مقبولة لكنهم لم يتمكنوا لحد الآن من اكتشاف ماهيتها وطبيعتها. فهي لا تتعدى مجرد بنية رقمية افتراضية structure numérique.

 

هل كان الله مخيراً في خلق أو عدم خلق الكون؟

في صيف سنة 1951 وفي المكتب المتواضع الذي يشغله آينشتين في معهد الدراسات المتقدمة l’Institute des études avancées، كان هذا العالم المهيب منكباً على معادلاته المعقدة في النسبية التي كتبها وأعاد كتابتها مراراً وتكراراً وهو مهموم وغارق في تفكيره بصمت، وفجأة توقف عن العمل والتفت لمساعده العالم الفيزيائي الشاب آنذاك إرنست شتراوس Ernst tStraus موجهاً أنظاره نحو اللامرئي البعيد وسأل مساعده بصوت منخفض:” هل كان لدى الله اختيار في خلق الكون؟” كان السؤال عميقاً ومثيراً للحيرة ويعيدنا إلى ما قبل ربع قرن من ذلك التاريخ عندما أعلن آينشتين: ” على أية حال أنا مقتنع بأن الله لا يرعب النرد”. وهذا يعني أن آينشتين كان مقتنعاً تماماً، وليس لديه أدنى شك بأن الكون المرئي الذي يدرسه لم يلد بمحض الصدفة، وحتى لو أفلت الكون من الصدفة فهل كان بإمكانه أن يكون على خلاف ما هو عليه؟ أي تحكمه قوانين مختلفة عن القوانين التي نعرفها؟ آينشتين واثق من أن القوانين في الكون المرئي هي نفسها ولا يمكن أن تكون مختلفة في لحظة ولادته، بعبارة أخرى لو كان الله هو الخالق للكون فإنه لم يكن يمتلك خياراً آخر في عملية الخلق. وبعد مضي أربعة عقود على ذلك التصريح الآينشتيني طرح العالم الانجليزي المعروف روجر بينروز Roger Penrose في جامعة أكسفورد وشريك ستيفن هوكينغ في الأبحاث الكونية، نفس السؤال الآينشتيني متخيلاً لوحة هائلة بحجم الكون مليئة بمليارت المليارات من النقاط التي تشير كل واحدة منها إلى كون ممكن الوجود وتساءل بينروس عما إذا كان لدى الخالق الحرية في وضع قلمه أو سهمه على أية نقطة على اللاتعيين من تلك النقاط الأكوان في لحظة الانفجار العظيم لكي يخلق كونناً شبيهاً نوعاً ما بكوننا المرئي. وجاء جوابه المطعم بمئات المعادلات والحسابات الرياضية المتينة والصعبة جداً، وكان هو نفس جواب آينشتين، ألا وهو أن الخالق لم يكن يمتلك أي خيار آخر، أي لم يكن حراً في خياراته. فلم تكن هناك على تلك اللوحة سوى نقطة كون point-univers واحدة كان على الخالق أن يضع قلمه عليها أو يؤشر عليها بسهمه من بين مليارات المليارات المليارات المليارات من الإمكانيات المتاحة. ولتوضيح هذه الحالة القسرية في لحظة الولادة الأصل، أظهر بينروس بواسطة الرياضيات المتقدمة الحديثة والتجريبية أن فرصة أن يقع الخالق على النقطة الصحيحة هي بنسبة واحد من 10 أس 10 مضروب بـ x 10123 أس 123 10123 1010 وهو رقم يستحيل تخيله لذلك ومن باب التندر صرح آينشتين في يوم ما:” أن الصدفة هي الله عندما كان يتجول متخفياً” ولو تركنا الواقع العلمي الرصين والبارد في منهجيته وصرامته ودخلنا عالم التكهنات والافتراضات لن يبقى في ايدينا سوى لعبة الفرضيات jeu d’hypothèses من أجل الحصول على أجوبة جديدة ولو تقريبية أو تقديرية أو افتراضية، حيث يكمن الحل في فرضية وجود نمطين من الزمان كانا متواجدين في لحظة الانفجار العظيم وكان أحدهما سابق للآخر قبل الانفجار العظيم. هناك أولاً الزمان الذي نعرفه في كوننا المرئي والذي بدأ في مرحلة ما بعد الانفجار العظيم وهو يجري في مسار أو اتجاه ثابت لحظة بعد أخرى مما يجعل الأمور تسير في سياقها الطبيعي كالأنهار وشروق وغروب الشمس وهو مرتبط عضوياً وجوهرياً بالطاقة وهو الذي نسميه الزمان الواقعي temps réel، وهناك ثانياً الزمن المتخيل أو الخيالي temps imaginaire حيث لا توجد حركة في هذا الزمن وكأنه متجمد حيث لا يسير هذا الزمان بأي اتجاه ولا يمر أو يسري كالزمان الواقعي، ويمكن تشبيهه بقرص كومبيوتر DVD مركون أو موجود خارج جهاز قراءة الأقراص والقصة أو التاريخ المسجل عليه يوجد في حالة تجمد ولا يوجد مكان لشيء إسمه الطاقة ولذا ما هو البديل لذلك؟ هو ما يسميه العلماء بالمعلومة الحاسوبية l’information informatique وهي نظير الطاقة في الزمان الواقعي لكنها معلومة تتواجد فقط في الزمان التخيلي أو الخيالي. لذلك سنستبدل جميع الوحدات الفيزيائية الواقعية les unités physiques réelles وبدون أي استثناء، بوحدات بديلة تسمى بايتات المعلومة les Bits d’information المتداولة بلغة المعلوماتية informatique وعالم الحاسوب أو الكومبيوتر حيث يمكن وصف جميع الأشياء والأجسام بلغة ورموز المعلوماتية الحاسوبية، ولو على الصعيد النظري، اي بصيغة البايتات المعلومة les Bits d’information فكل شيء يحتوي على كمية من هذه البايتات المعلوماتية. ولو استعنا بذلك وعدنا للكون البدئي الأولي Univers primordial فأين سنعثر على هذا الزمان الخيالي أو المتخيل؟ الجواب هو في الموضع الذي يتوقف فيه الزمان الواقعي عن الوجود أي في اللحظة أو النقطة صفر L’instant ou point zéro وهذه اللحظة يقابلها في النموذج القياسي أو المعياري modèle standard ما يمكن أن نسميه الفرادة التأسيسية الأساسية singularité initiale أو الأولية التي توسم الصفر المطلق zéro absolu للزمان والمكان، اي الأصل الحقيقي للكون المرئي. ينبغي التنويه هنا إلى أن ما نتحدث عنه ليس سوى طرح نظري بحت وهذه النقطة هي نقطة رياضياتية قح point mathématique pur لا يمكن الولوج إليها بالحساب الفيزيائي التقليدي. وعلى خلاف كل ما هو موجود في الكون المرئي المادي الملموس، فإن جوهرها العميق تجريدي بحت كلياً totalement abstraite. وعندها لاتوجد مادة ولا طاقة ولا يوجد زمان ولا مكان، يضاف إلى ذلك أنه عند نقطة الصفر الافتراضية هذه فإن أنثروبيا الكون l’entropie de l’univers، أي حالة اللاانتظام فيه، هي معدومة تماماً nulle.وهذه نتيجة طبيعية لمبدأ الترموديناميك الديناميك الحراري principe de la thermodynamique الذي استفاض العلماء والباحثون في شرحه وتوضيحه في بدايات القرن المنصرم 1900 وخاصة على يد العالم العبقري لودفيغ بولتزمان Ludwig Boltzmann. والحال، وبما أن المعلومة الحاسوبية هي النقيض للأنثروبي entropie فإن هذا يعني أن نقطة الصفر المعلوماتية، حيت تتواجد المعلومة الحاسوبية الرياضياتية، تعتبر في قيمتها القصوى، مما يعني أنه في اللحظة صفر لا يوجد غير المعلومة l’information فقط لا غير وهي ليست سوى واقع رقمي réalité numérique يمكنه أن يشفر encoder، على نحو رياضياتي sous forme mathématique مجموع الصفات والخصائص propriétés التي سوف تعمل، بعد الانفجار العظيم، على إيجاد وتطور الكون الفيزيائي المادي. وكما أشار الفيلسوف المتنور لايبنز Leibniz ومن معه في مدرسة غوتنغن école de Gôttingen في الماضي، إلى إمكانية وجود عدد nombre أوسع من الكون. ففي الزمان الخيالي أو المتخيل temps imaginaire حيث تستمد الهارمونية، المقررة سلفاً، مصدرها، أي عدد كون nombre-Univers ذو نقاوة عالية وخارج الزمكان

l’espace-temps حيث يمكنه احتواء أقصى أنواع التعقيد الذي يمكن للنفس البشرية أن تتخيله.

 

الكون المرئي بين الخلق الرباني والخلق الذاتي

يجري تداول نكتة مشهورة بين أوساط العلماء تقول، أن عالم الفيزياء الكوانتية أو الكمومية physique quantique فولفغانغ بولي Wolfgang Pauli، الذي كان مشهورا بدقته وصرامته التدقيقية في الحسابات والمعدلات الرياضياتية، عندما توفي استقبله الله بنفسه تكريما وتقديرا له، وقال له أنت يا بول عالم كبير ومحترم وأريد أن أكافئك على ما قدمته فقل لي مالذي يسعدك معرفته؟ رد بولي على الفور: أريد أن أعرف سر الكون والمعادلة القصوى والنهائية أو الأخيرة équation ultime تلك التي توحد كل القوى في الطبيعة والتي بحثت عنها طيلة حياتي ولم أعثر عليها. فأجابه الله: هذا أمر بسيط وقاده نحو سبورة أو لوحة سوداء وخط عليها الله ثلاث معادلات وقال لبولي هذه هي المعادلات النهائية للكون. تأمل فيها بولي وحك رأسه وقال جملة واحدة: غبية stupide. لهذه المزحة دلالة عميقة إذ أنها تنوه أنه حتى الله نفسه غير قادر على صياغة المعادلة التوحيدية النهائية التي تسيير الكون. كما تساءل أحد الفلاسفة يوما هل بوسع الله خلق حجر ثقيل جداً لن يكون هو نفسه قادراً على حمله، وهذه مفارقة بشأن القدرة الإلهية فهل هو قادر على خلق مثل هذا الحجر ولو خلقه فكيف سيكون عاجزاً عن حمله؟ ولو قلبنا الأدوار يمكننا أن نتساءل ماذا يفكر الله بالتقدم الذي حققه علم الكون أو الكوزمولوجيا وبالمعادلات التي سطرها العلماء والمنظرون الفيزيائيون وخبرا الفيزياء النظرية بهذا الخصوص؟ هل سيسخر منهم أم سيعطف عليهم أم سينزعج منهم لتجاوزهم الحدود المسموح بها؟ وهل سيوحي لهم ببعض النصائح والتوجيهات التي من شأنها أن تساعدهم للخروج من مأزقهم؟

يمكن القول أن محاولات التوحيد موجودة في قلب المساعي العلمية الحثيثة منذ نشأت الفيزياء الحديثة، وكل الأسماء الباهرة والشهيرة في الوسط العلمي تعاطت، بطريقة أو بأخرى، مع مسألة توحيد القوى الجوهرية الأربعة في الكون المرئي، والسعي لإيجاد النظرية الجامعة والموحدة الشاملة، أي نظرية كل شيء. فغاليلو غاليله Galilée وحد عالمي ما فوق وما تحت القمر ونيوتن Newton وصف بنظرية واحدة الحركات الأرضية والسماوية، وماكسويل Maxwell وحد الكهرباء والمغناطيسية بصيغة مشتركة واحدة، وآينشتين Einstein جمع الزمان والمكان في وحدة واحدة سماها الزمكان، وبروجلي Broglie مد الجسر بين الموجة والجسيم الأمر الذي استندت عليه الفيزياء الكمومية أو الكوانتية، وعبد السلام وستيفن وينبيرغ وشيلدون غلاشو Abdus salam، steven Weinberg، Sheldon Glashow وضعوا أسس النموذج المعياري لفيزياء الجسيمات بتوحيدهم التفاعلات الكهرومغناطيسية بالقوى النووية الشديدة والضعيفة. ويحاول العلماء اليوم متابعة تلك الجهود والمساعي والوصول بها إلى أبعد حد ممكن علمياً وتقنياً، لأنها تعتبر واعدة وقد تكون مثمرة في مستقبل قريب رغم الصعوبات، فكان العلماء يسيرون في دروب وعرة ومجهولة من أجل سبر أغوار وكشف أسرار الطبيعة بغية قهر العقبات وتذليلها لا سيما تلك التي تعيقهم عن تحقيق هذا الهدف. فقد أثروا وفككوا فكرة لدى الإنسان حول وجود روابط ممكنة بين الزمان والمكان، وبين الجسيمات والقوى، عبر غابة من المعادلات الكبالية cabalistique أو القبلانية الخفية الميتافيزيقية، بأمل معانقة كلية وشمولية الواقع بغية صياغة جديدة علمية لكلية وشمولية العالم بقوانينه ومحتوياته الأنطولوجية الكاملة من خلال لعبة المعادلات الرياضياتية المعقدة والمتطورة جداً، لكنهم لم يبلغوا هذه الغاية بعد، بيد أن أفقهم الذي يسعون له ويهدفون بلوغه قد مهد له منذ عقود طويلة وأعطوه إسماً هو: " نظرية كل شيء" théorie du tout. فهو حلم يداعب أذهانهم، وفي نفس الوقت طموح معقول وممكن على المستوى النظري على الأقل. فهل يمكن لنظرية كل شيء، لو تحققت فعلاً، أن تجيب على كل شيء؟ هناك عقبات جوهرية صعبة يتعين عليهم التغلب عليها أولا مثل: حل لغز المادة السوداء matière noire، وكذلك تشخيص ومعرفة طبيعة وماهية الطاقة الداكنة أو المعتمةénergie sombre الخفية والغامضة، ومن ثم تزويج الفيزياء الكمومية أو الكوانتية مع النسبية العامة، وهذا وحده يعطي فكرة واضحة عن المسافة الزمنية التي يتوجب على العلماء أن يقطعوها قبل الأمل بإمكانية القول أن الكوزمولوجيا قد أنهت مهمتها.

إلى جانب ذلك يوجد قيد لا يقل أهمية وصرامة وهو ذو طبيعة معرفية. فلكي يتم الإعلان عن هذه النظرية عن كل شيء، وأنها نظرية علمية، يتوجب عليها قبل كل شيء أن تكون واضحة ومفهومة وتقود إلى توقعات وتكهنات أو تنبؤات حاسمة وقاطعة لا تقبل الدحض أو الطعن أو الشك بصلاحيتها وبالإمكان التحقق من صحتها بواسطة الحسابات والقياسات والتجارب والمشاهدات بحيث تكون نتائجها متطابقة وثابتة وإلا فسوف تفقد قيمتها العلمية وتخسر قيمتها وتسقط في الاختبار. هذا لا يعني أن العلماء سلبيين قبل أن يبدأوا بالفعل في صياغتها. ولكن لو افترضنا أننا عثرنا حقاً على هذه النظرية المنشودة وتأكدنا فعلاً أنها نظرية كل شيء، الوحيدة والفريدة من نوعها، من بين كافة النظريات الأخرى التي تنافسها، ولو افترضنا أن كافة تطبيقاتها كانت مقبولة ومفهومة وواضحة وإنها سترسخ أقدامها في الوسط العلمي في أقصر فترة زمنية ممكنة وإنها ستعيش عمراً طويلاً يكفي لتشرح لنا كل شيء، فهل ستكون حقاً قادرة أن تحيط بكل شيء؟ هذا ما يعتقده العلم الفيزيائي ستيفن هوكينغ Stephen Hawking الذي يبدو متفائلاً بهذا الشأن كما أعلن ذلك في كتابه التبسيطي تاريخ موجز للزمن المكتوب لعامة القراء حيث قال: لو توصلنا إلى اكتشاف النظرية الموحدة فإنها ستكون مع الوقت مفهومة من قبل الجميع في خطوطها العريضة وفي مبادئها العامة ن وليس فقط من قبل حفنة من المتخصصين والعلماء، فبوسع الفلاسفة والأشخاص العاديين المشاركة في النقاش حول سبب وجودنا وغاية وجود كوننا المرئي القابل للرصد. ولو وجدنا الجواب القاطع فسيكون ذلك بمثابة انتصار للعقل البشري. ثم أضاف: لو تحقق ذلك فيكون بوسعنا معرفة ما يفكر به الله. " كما لو أن من البديهي أن الله يفكر. ويبدو ان ستيفن هوكينغ غير رأيه هذا في كتابه الأخير المعنون التصميم الكبير وقال أن الكون ليس بحاجة لخالق لكي يظهر إلى الوجود. يتسم هذا الموضوع بحساسية بالغة بالنسبة لكثير من الناس خاصة المتدينين منهم. لذلك أحدث ستيفن هوكينغ ضجة كبيرة عند صدور كتابه التصميم الكبير the grand Design- Le grand dessein أو هل هناك مهندس كبير للكون؟ بعد أن غير موقفه من موضوعة الخلق الرباني المباشر للكون المرئي واستبدله بما معناه أن الكون المرئي ليس بحاجة لخالق من خارجه وهو يكتفي بقوانينه الجوهرية وبالذات قانون الثقالة أو الجاذبية la loi de la gravité وبفضل هذا القانون امكن للكون المرئي أن يخلق نفسه بنفسه انطلاقاً من لا شيء ولم يقل من العدم à partir de rien، فالخلق الذاتي العفوي la création spontanée هو السبب في وجود شيء ما بدلاً من لا شيء، وبالتالي وجود الكون المرئي ووجودنا نحن فيه. هل يقصد ستيفن هوكينغ أن هذا اللاشيء كان يحتوي على قانون الثقالة أو الجاذبية قبل انبثاق الكون المرئي وإن هذه القوة هي التي أوجدت الكون المرئي وأظهرته للوجود المادي؟ اي أن قانون الثقالة أو الجاذبية حسب ستيفن هوكينغ كان موجوداً في اللاشيء حينما لم يكن هناك أي شكل من أشكال المادة موجوداً، في حين أننا نعرف بأن الجاذبية أو الثقالة تحدث وتقوم بفعلها أو وظيفتها بين الأشياء والأجسام المادية مهما صغرت أو كبرت، أو قد تكون الجاذبية حسب هوكينغ، سمة من سمات اللاشيء، عندما يتعرض تناظره للخرق؟. فمالذي يمنع ستيفن هوكبنغ من القول أن الثقالة أو الجاذبية قد تكون هي الله أو تقوم بوظيفة الله؟

في معرض حديثه عن نظرية الأوتار الفائقة أشار ستيفن هوكينغ في كتابه اخير التصميم الكبير إلى أن هذه النظرية توقعت أو تنبأت بوجود الثقالة أو الجاذبية في كل مكان في كوننا المرئي وخارجه في الأكوان الأخرى علما بأن نظرية الأوتار الفائقة لم تعتبر الثقالة أو الجاذبية نقطة انطلاق. لذلك من المثير للدهشة أن تبدو الثقالة أو الجاذبية نقطة الانطلاق لهذا العالم باعتبارها الكينونة الأولى التي تسبق الكون المرئي المادي، بل وتقوم هي بخلقه على حد اعتقاد ستيفن هوكينغ، في حين أن مكانة ودور وموقع الجاذبية أو الثقالة في النظرية الي يستند عليها أي الأوتار الفائقة، بل وحتى النظرية أم يبدو ثانوياً وأهمية الثقالة فيهما ثانوية بالمقارنة بباقي القوى الكونية الجوهرية الثلاثة الأخرى. بمعنى آخر أنها مشتقة من أو ناجمة عن مباديء أكثر جوهرية منها وهذه مفارقة هامة. فالاعتقاد بوجود أو عدم وجود الله لا يمكن إثباته أو دحضه علمياً في الوقت الحاضر ولو أردنا أن نقوم بذلك فسيتعين علينا أولاً وقبل كل شيء، أن نعرف بالضبط وبدقة متناهية من هو هذا الإله الذي نريد إثبات وجوده أو عدم وجوده علمياً وما هي صفاته وهل يمكن وصفه؟ وكيف ندرس كينونة نقول عنها أنها لا وجود لها في واقع حقيقي ملموس؟ فكيف نعرف الله إن لم يكن موجوداً؟. لو قال الله في نصوصه المقدسة مثلاً أنه مقتنع بعدم وجود الذرة أو أنها لا يمكن أن تكون موجودة في الواقع، ثم يأتي العلم ويكتشف وجود الذرة ويثبت ذلك بالتجارب المختبرية والاختبارات العلمية فإن ذلك سوف ينسف وجود هذا الإله والحال إن الله لم يعط فكرة محددة ودقيقة عن هذا الموضوع أو غيره وبالتالي فليس من شأن أي اكتشاف علمي أن يزعزع أي اعتقاد بوجود الله ولا بعكسه ولا يؤثر مثل هذا المسعى العلمي على حقيقة وجوده أو عدم وجوده. فمن غير المجدي، بل ومدعاة للوهم، استخلاص أي معنى حقيقي للعالم من خلال لعبة المعادلات الرياضياتية وحدها. ولكن يبدو أنه شيء أقوى منا ونابع من حبنا للكشف وتوضيح الغموض والفضول المعرفي لأننا بطبيعتنا ودون أن نعلم نطبق مبدأ إمكانية الحدوث واحتمالية الوجود بعد عدم أو جواز حدوث الشيء من لا شيء وبأننا نبحث دائماً عن معنى ما أو عن مشروع أو عن تصميم مسبق. وما أن نقتنع بأننا توصلنا إلى مثل هذا المعنى نتسرع ونعلن عن ذلك من خلال هذه النظرية العلمية أو تلك التي تتلائم مع ذوقنا سواء أثبتنا صلاحيتها علمياً أم لا، وهذا هو الحال مع ستيفن هوكينغ ونظرية كل شيءthéorie du tout، فحتى لو أطلعتنا هذه النظرية على الطريقة التي ظهر بها الكون المرئي للوجود فإنها ستكون بالتأكيد عاجزة عن أن تبين لنا لماذا ظهر الكون بهذه الطريقة، ولن تكون قادرة عن كشف السبب الذي أدى إلى وقوع مثل هذا الحدث. وهكذا يتوجب علينا العثور على عدد من السبل للإجابة على بعض الأسئلة مثل هل هناك سبب أو غاية أو معنى أوهدف لوجود الكون المرئي وما هي ضرورة مثل هذا الوجود للكون المرئي ولماذا يجب أن يأخذ الكون المرئي هذا الشكل أو الهيكيلية وليس هيئة مغايرة وما هو السبب وراء حقيقة وجود عالم مادي ندرسه الآن إلى جانب عدد لا متناهي من العوالم الخفية التي يستحيل علينا دراستها وكشفها وإثبات وجودها أو عدم وجودها؟.

 

الكون المرئي مخلوق أم منبثق من اللاشيء؟

إن معادلة آينشتين الشهيرة، على سبيل المثال لا الحصر، عن علاقة الطاقة بالكتلة والتي تقول أن الطاقة تساوي الكتلة مضروبة بمربع سرعة الضوء E=MC2 لم تصنع القنبلة الذرية، إذا تطلب الأمر تظافر جهود مئات العلماء والمهندسين والتقنيين والصناعيين والعمال والخبراء العسكريين والأجهزة والمعدات الثقيلة والمتطورة والأموال الطائلة من أجل تحقيق ذلك الهدف أي تصنيع القنبلة الذرية، ولكم ما كان يمكن أن يتم ذلك بدون هذه المعادلة. لذلك يحق لنا أن نتساءل كيف يمكن لمباديء ومعادلات، تشكل قوام هذه النظرية أن تخرج أو تولد لنا عالماً فيزيائياً تقوم هي بإدارته وتسييره لأنه عالم خاضع لتلك القوانين؟ فهناك، من جهة، الكون المرئي، ومن جهة أخرى، القوانين الفيزيائية التي تسمح لنا بفهمه ودراسته واستيعابه، ولا يمكن الفصل بينهما، فما هي العلاقة بين الإثنين؟ فالنظرية لن تكون قادرة على كشف كيفية ارتباطها بهذا العالم المادي الفيزيائي ناهيك عن قدرتها على خلقه. وإذا كان هذا الـــ " كل شيء " الذي تدعيه النظرية ناقصاً وغير كامل أو مكتمل فكيف يستحق منحه صفة الشمولية ونسميه بنظرية كل شيء؟ إن علم الكونيات أو الكوزمولوجيا يبدو لنا شموليا وغير كامل في نفس الوقت. فهو شمولي لأنه يطمح لبناء شكلانية وحيدة قادرة على وصف كافة التفاعلات الجوهرية للكون المرئي، وناقص أو غير كامل لأنه سيكون عاجز عن تفسير كل شيء بالمعنى الحرفي للمصطلح وسوف لن يجيب على كل شيء قطعاً. وكمثال على ذلك ما هي الصلة، وما هي طبيعتها، وكيف نتجت، ومتى، وأين، بين القوانين الفيزيائية والقوانين البيولوجية، بين العالم الفيزيائي والعالم البيولوجي، بين المادة الجامدة والمادة الحية العضوية رغم المشتركات الكثيرة الموجودة بينهما؟ لا شيء يشير في الوقت الحاضر إلى حل هذا لإشكال العلمي والإجابة على هذا اتساؤل وهو تحدي علمي ليس في متناول أيدينا حله. فهل سيكون بوسع هذه النظرية الكلية الشمولية أن تجيب عن السبب الذي جعلنا موجودين على هذه الأرض كما على غيرها من الكواكب التي تعد بالمليارات في الكون المرئي؟ وهل ستجيبنا عما سيحل بنا بعد موتنا؟ إن النظريات العلمية البحتة لا تعالج سوى المواضيع العلمية البحتة لذلك فهي بالضرورة ليست كاملة ولا شاملة ولن تكون نظرية لكل شيء إذا ادعت العلمية فليس من شأنها معالجة أو مقاربة موضوعات الحب والكراهية والوعي والحرية والاختيار والعدالة وغيرها من القيم الأخلاقية العامة، والمعنى الحقيقي الذي نضفيه على حيواتنا فالانسان العقلاني الذي يعلم إنه نوع حيواني متطور أو في طور التطور الدائم يعرف ان الكون المرئي الذي يوجد فيه قديم جداً وربما أزلي وأبدي ولايعرف من تاريخه سوى حقبة قدرت بـــ 13.7 مليار سنة وهو قطعاً أقدم بكثير من هذا التاريخ التقديري وهو يختلف عن الإنسان المتدين الذي يعتقد أن هذا الكون المرئي ظهر للوجود هكذا فجأة وبإرادة ربانية خلال ستة أيام في عملية خلق إلهي مباشر كما يعتقد مليارات من البشر على وجه البسيطة، والذين يعتقدون ويصدقون أن هناك كائناً مطلقاً يتمتع بالكمال والقدرة اللانهائية هو الذي خلقهم وخلق كل ما يحيط بهم قبل خمسة آلاف سنة كما ورد في النصوص المقدسة التي آمنوا أنها جائتهم من قبل ذلك الخالق.

لو سألت أي عالم هل تؤمن بأن الله موجود؟ فسيكون الجواب حتماً هو:"إن هذا سؤال خاطئ. لإنه يفترض مسبقا أن الله نوع من الموجودات ومن الممكن أن يوجد أو ألا يوجد. إن الله ليس موجودا على الإطلاق وفق مخيلة الإنسان. فقد يكون الله هو الوجود نفسه، والمقصود بالوجود هو كل الأكوان القائمة بين اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر، ومن ضمنها كوننا المرئي. وهذا سؤال جوابه حَرِج، بمعنى أنه يمس أقدس المبادئ اللاهوتية التي يعتنقها أكثر من ثلاثة أرباع سكان العالم. فهو يتعلق بالآلية التي أوجدت الكون، وهي حسب المعطيات الفيزيائية الكوانتية المتوفرة لدينا الآن والتي تسندها الأبحاث الجديدة، فإن الكون قد نشأ تلقائياً وفقاً للقوانين الطبيعية بدون تدخل إلهـي كما يقول العالم لورنس كراوس Laurence Krauss. وهذا العالم هو صاحب فكرة خلق الكون من اللاشيء، وفق قوانين الفيزياء الكوانتية أو الكمومية. فهو يعتقد بوجود ظاهرة طبيعية تحدث في كل مكان في الكون، تسمى بـ التموجات أو التقلبات الكمومية أو الكوانتية Quantums fluctuations (أو الإهتزازات الكمومية أو الكوانتيةflictuations quantiques ) وتتمثل بظهور جزيئات أو جسيمات في غاية الصغر، لاترى ولايُحس بها، تتكون من نوعين: النوع الأول هو المادة المألوفة التي يتكون كل شيئ حولنا منها، والنوع الثاني هو ما يسمى بالمادة المضادة التي تطابق المادة العادية بالكتلة وتعاكسها بالشحنة الكهربائية، وتظهر من الفراغ، أي من لاشيئ - أكرر هذه العبارة للإهمية: تظهر من الفراغ - لفترة قصيرة جداً ثم يصطدم النوعان ببعضهما ويتلاشيا. (هذه الظاهرة بالمناسبة لاتتعارض مع القانون الأول للديناميكا الحرارية الذي ينص على أن المادة لاتفنى ولاتستحدث من عدم، لأن مبادئ مايسمى بـ مبدأ اللايقين principe d’incertitude أو مبدأ عدم التأكد لهيزنبيرغ Heisenberg Uncertainty Principle لايسمح بهذه الظاهرة فحسب بل يفرضها).

ويوجد تأييد كبير بين علماء الفيزياء الشباب لفكرة أن الكون قد ظهر من خلال هذه التقلبات أو التموجات الكوانتية حين كان في تلك المرحلة الإبتدائية الأصغر حجماً من الذرة بكثير وتوسع إلى حجمه الحالي عبوراً بعدة مراحل أولية أدت إلى تكون المادة كما نعرفها الآن.

وقد تأكدت هذه المعلومة بعد أن تمكنت تلسكوبات فضائية متطورة مثل WIMP ووبلانك وكبلر من تصوير الكون في تلك المرحلة وتسجيل الأشعة الكونية المياكروموجية المتحجرة التي تسجل الخلفية الكونية وتظهر فيها بقع ضوئية إلا أن البقع الظاهرة في الصورة ليست في الحقيقة بقع فعلية موجودة في الكون إنما هي مجرد إنعكاس في الإختلاف الطفيف لدرجة حرارة هذه الإشعاعات المنتشرة في كل مكان تعكس ماحدث خلال تلك اللحظات الأولية لظهور الكون وتشير إلى حدوث تكتلات في توزيع المادة خلال إنتشارها في تلك الحقبة الأولية سببها التموجات والتقلبات الكوانتية الموجود منذ بدأ ذلك الحدث. كما أثبتت الدراسات والتحليلات التي أجريت على تلك الصورة فكرة ظهور الكون من الفراغ دون الحاجة لتواجد عوامل ماورائية غيبية لمبادرة الخلق. فالعوامل التي أدت إلى ظهور الكون، كما تشير إليها الكثير من الأبحاث والإستكشافات الحديثة، هي عوامل آلية تجري ضمن القوى الطبيعية وقوانينها.

ويعتقد عالم الفيزياء لورنس كراوس بأن الطاقة المظلمة énergie sombre أو المعتمة أو الداكنة الخفية المعروفة بالانجليزية بــ dark energy، والتي لايزال أمرها غامضا علينا، قد تكون مفتاح فهم بداية الكون. ويراهن أن فيزياء القرن الحادي والعشرين ستركز اهتمامها للإجابة على ثلاثة أسئلة مثيرة للاهتمام وهي: ماهية طبيعة الطاقة الداكنة أو المعتمة، وكيفية التوفيق بين تلاشي الثقوب السوداء والميكانيك الكمومي أو الكوانتي، وأخيرا الكشف عما إذا كانت هناك أبعاد إضافية في الكون المرئي؟ وهذه الأسئلة يرتبط بعضها ببعض، وهي تتطلب، جميعها، نوعا جديدا من إعمال الفكر في الثقالة الكمومية la gravité quantique، ولكنه يعتقد أنه يتوجب علينا الإتيان بفكرة خلاقة وجديدة تماما. وهو واثق اليوم بأن حل هذه الأسئلة قد يكون نظريا وليس تجريبيا، فمن المرجح أن الأدلة التجريبية المباشرة التي قد ترشدنا إلى المناحي النظرية لهذه المجالات تقع خارج نطاق التجارب المختبرية الجارية، كما يراهن بأن حل هذه الأسئلة لن يشبه أي شيء تحقق حتى الآن، بما في ذلك نظرية الأوتار الفائقة.

وقد صرح لورنس كراوس أن زمن نظرية الأوتار الفائقة قد انقضى. فاليوم ينبثق من نظرية الأوتار الفائقة، ومن نظرية الثقالة الكمومية الحلقية أو العروية théorie de la gravité quantique à boucle- loop quantum gravity، فكرة أساسية تقول أن هناك ثمة مشكلة رياضياتية في نظرية النسبية العامة ينبغي حلها.

والمعضلة أنه كلما حاولنا تفحص الظواهر الفيزيائية عند مقاييس أصغر فأصغر ازدادت صعوبة حساب مفعول الثقالة أو الجاذبية أكثر فأكثر، وفي نهاية المطاف نحصل على لانهايات infinis - infinities. وتحاول معظم الأبحاث التي تسعى إلى الوصول إلى نظرية كمومية للثقالة فهم هذه اللانهايات. وتقوم نظريتا الأوتار والثقالة الكمومية الحلقية أو العروية بالالتفاف حول هذه النهايات وعدم تصغير الأبعاد لأقل من قدر معين، وإلا فستتصرف الأشياء على نحو مختلف. وكلتا النظريتين مبنيتان على أساس أنه لا يمكن أن تصغر أبعاد الجسيمات النقطية pointes particules إلى الصفر. وهذه إحدى طرائق التخلص من اللانهايات الرياضياتية. إذ الفرق بين النظريتين يكمن في كون نظرية الأوتار أكثر غنى من الناحية الفكرية والرياضياتية.

لم تحقق نظرية الأوتار الفائقة الكثير في مجال حل المشكلات الفيزيائية المطروحة، لكنها توصلت إلى اكتشافات رياضياتية عديدة مهمة، ومن هنا ينبع سحرها وأناقتها. أما نظرية الثقالة الكمومية الحلقية أو العروية فلم تحقق ذلك لم تخبرنا أي من نظريتي الأوتار الفائقة أو الثقالة الكمومية الحلقية أو العروية كثيرا عن المشكلات الرئيسية غير المحلولة وأهمها، لماذا يحتوي الكون على طاقة معتمة أو مظلمة مجهولة لا نعرف عن ماهيتها شيئاً؟ وهذا يُعد أهم سؤال في الوقت الحالي. وقد نتجت فكرة الأكوان المتعددة أو الأبعاد الإضافية من نظرية الأوتار، وهذه مبنية على الأبعاد الإضافية التي فرضتها هذه النظرية. فنظرية الأوتار المتساوقة الوحيدة لها في الأصل 26 بُعدا، ثم خُفضت لاحقا إلى 10 أبعاد مكانية زائد بعد زماني. ولكن الكون الذي نعيش فيه رباعي الأبعاد (ثلاثة للمكان إضافة إلى الزمان)، ولذلك تُطرح مناقشات كثيرة لإيضاح كيف أن هذه الأبعاد الإضافية غير مرئية. ومؤخرا حاول بعض الباحثين تحويل ذلك العيب إلى مزية عبر اقتراح إمكان كشف الأبعاد الإضافية. وهذا يجرنا للحديث عن تعدد الأكوان والأكوان المتوازية التي ألف عنها لورنس كراوس كتاباً مستقلاً وكأنها حقيقة قاطعة وموجودة فعلاً رغم عدم إيمانه بذلك، وعند سؤاله عن حقيقة وجود الأكوان المتوازية أجاب: إنه مجال مثير ورائع لطلبة الدراسات العليا. وأحد طلبتي السابقين في الدكتوراه مسؤول عن تزايد الاهتمام بهذه الفكرة مؤخرا. غير أن هذه الأبعاد الإضافية تبدو، في اعتقادي، غير صحيحة؛ إذ يشير ما نتعلمه من فيزياء الجسيمات الأولية عن توحيد مجمل قوى الطبيعة إلى اتجاه مختلف عما تقترحه نماذج الأكوان المتوازية الكبيرة. ورغم جمال وإثارة الأفكار المتعلقة بالأبعاد الإضافية العديدة، فإنه إن قُدِّر لي المراهنة عليها فسأراهن على عدم صحتها، وسيرينا المستقبل ذلك. فالإمكانيات المدهشة موجودة دائماً في الكون الحقيقي المرئي والمرصود. فالعلوم الحقيقية تطرح أفكارا لا يجرؤ أي كاتب خيال علمي على اقتراحها. فإذا فكرنا مثلا في الثقالة الكونية المضادة، وهي ما أعمل عليه في الوقت الحالي، فسنرى أننا لا نفهم سبب احتواء الفضاء الخالي على الطاقة. إنها أغرب فكرة في العالم. فإذا سألتِ أي إنسان عن مقدار الطاقة الموجودة في الفضاء الخالي فسيجيب «لا شيء»، لأن ذلك هو الجواب المعقول. ولكننا تعلَّمنا أن ذلك غير صحيح؛ فمهما تخلصنا من كل شيء، فسيبقى هناك حتما شيء ما. والأسوأ من ذلك أنه عندما نضع كمية قليلة من الطاقة في الفضاء الخالي فكل ما تعلمناه من قوانين الفيزياء يخبرنا أنه سيكون بالإمكان إضافة كمية كبيرة من الطاقة إليه؛ فحالما نفتح الحاجز ونسمح للفضاء الخالي باحتواء طاقة، فسنتساءل عن مقدار الطاقة التي يمكن أن يحتوي عليها بشكل طبيعي؟ وفقا للفهم الحالي للثقالة والميكانيك الكوانتي أو الكمومي يجب أن يحتوي الفضاء الخالي على طاقة تزيد بمقدار 120 مرة على كمية الطاقة التي يحتوي عليها وفقا للقياسات، فكيف ننقص الكمية التي يحتوي عليها بهذا القدر الهائل من دون أن نجعلها تساوي الصفر تماماً، ذلك لغز تام. ويعد الفيزيائيون هذا الأمر أسوأ معضلة في الفهم الدقيق للفيزياء.

 

كون واحد حسب فرضية عالم الفيزياء لورنس كراوس

يمكن ان يفترض المرء ان كوننا نعيش بمجرّة نائية وهادئة في كون يعطي الانطباع بالمحافظة على الرتابة والرصانة ل 14 بليون سنة بعد الانفجار الكبير ليس مصدرا للقلق.

لكن بفضل دعامتَيْ الفيزياء الحديثة (النظرية النسبية، وميكانيك الكم) اصبحنا الان اكثر دراية بحقيقة ان المعلومات التي نحصل عليها عن الكون محدودة بقدراتنا الإدراكية ونتيجة الظروف الخاصة التي تحكم كوننا (اي قوانين الكون)، بمعنى اننا نستطيع (و لو نظريا) توصيف ما يكون، لكن لا يمكننا البت بان ما يكون محدود بما نعرفه او نستطيع ان نعرفه تجريبيا.

فلربما يوجد حدود قصوى لقدراتنا على استكشاف الطبيعة - الشيئ الذي بدا واضحا مع نجاح النظرية الفيزيائية وطريقة التجريب في فهم الكون في ال 50 سنة الماضية - لان هذه القدرات محدودة ومتاثرة كثيرا بالاحتمال وبالظروف المحيطة، الشيئ الذي قد يغير الطريقة التي تتطور بها العلوم الأساسية في المستقبل.

بادئ ذي بدء علينا ان نتذكر ان النظريات الفيزيائية الحديثة تقترح ان كوننا على الاغلب ليس مميزا للغاية عكس الانطباع العام المأخوذ عنه، ولربما تقبع اكوان عديدة في مجال خارج عن نطاق ما يمكننا استكشافه، يمكن ان يكون هنالك عدد لا نهائي من الأكوان وكلّ له قوانينه المختلفة وربما خصائص مختلفة وسلوك مختلف لكل من الزمان والمكان في كلّ منها، هذه ليست مشكلة اذ اننا معنيون الان بفهم هذا الكون وطبيعته.

لكن هذا الكلام مهم اذ يفتح المجال للبصيرة بإدراك ان قوانين الفيزياء هي قوانين يمكن ان تكون احتمالية، بمعنى انه لا يوجد سبب رئيسي وحتمي بكوننا على هذه الشاكلة بهذه الخصائص في هذا الكون، ولكن وكأي عالم أوبئة يدرس حالة اصابة شخص واحد بمرض ما، فان قدرة هذا العالم على توصيف اسباب هذا المرض تكون متواضعة اذ يستحيل معرفة المعافى من المريض بدون وجود حالة معيارية تكون الفرق بين الصحة والمرض، اذ ان اي توصيف مُرْضٍ للمرض يتطلب دراسة حالات عديدة بظروف مختلفة ومقارنة مع الاصحاء ومع مصابين ايضا لتكوين فكرة جيدة عن المرض وهذا بعيد عن المنال ان تناول عالمنا شخصا واحدا فقط، وكذلك نحن بدراستنا كونا واحدا فقط فليس بمقدورنا ان نقول ان القوانين الاساسية التي تحكم كوننا هي معيار ثابت واساسي يحكم كل الاكوان ام هي حالة خاصة بهذا الكون، مع ذلك يمكن بيوم من الايام ان نأتي بنظرية تشرح وتفسر كوننا هذا بكل ابعاده، لكن من غير المقدور علينا (على الاقل حاليا) ان نعمم هذه النظرية لأي ملكوت يكون خارج الكون التي تفسره النظرية.

و الأمر أسوأ من ذلك، إذا علمنا ان سرعة توسع الكون تتزايد مع الوقت، وهذا يؤدي الى تضييق مجال الرؤية على عدستنا الكونية بسبب تباعد المجرات والاجرام عن بعضها فيصبح تلقي الضوء الصادر منها اصعب فاصعب ويمكن ان نحرم من رؤية بعض الحوادث ولا يصلنا منها ضوء اطلاقا. ولكن رغم أنني ناقشت الموضوع أمام الكونغرس، وفشلت في إقناعهم بضرورة الإقبال على علم الفيزياء الفضائية الان قبل غد ونحن ما زلنا نتمتع بفرصة المشاهدة التي سوف تؤول الى زوال مع الوقت، فهذا لا يعني بأن من سيأتون بعدنا من علماء لن يكتشفوا روائع الطبيعة بالعمل والجهد.

حقيقة ان سبب تسارع توسع الكون يمكن ان يكون للأبد عصيا على الفهم. اذا قلنا ان الفضاء الخالي يمتلك او يمثل كمية معينة من الطاقة، فيمكن ان تكون هذه الطاقة المسبب لتسارع التوسع، لكن ما دمنا لا نملك مختبر لاستكشاف هذه الطاقة فالطريقة الوحيدة لفعل ذلك هي مراقبة تسارع التوسع الكوني مع الزمن. طاقة الفضاء الخالي لها اثر على التسارع لكن لا يمكننا الجزم بان التسارع محكوم بفعل هذا الاثر فقط ام يوجد اثار اخرى تتمخض من عوامل اخرى. مرة اخرى نؤكد اننا لا نملك القدرة على المقارنة مع اكوان اخرى وملاحظة الفرق.

على كل بما اننا في حالة قلق فحتى الاكتشافات المذهلة كاكتشاف Higgs Boson يمكن ان يثبط العزيمة، فنحن لم نر سوى بوزون هيغز لحد الآن، بينما النموذج العياري يشمل عددا كبيرا من الجسيمات العجيبة، وهنالك أفكار فيزيائية عديدة تم اقتراحها كتفسير، والعديد من هذه الأفكار تتوقع ظهور فيزياء جديدة من رحم مسارع الهادرونات الكبير LHC. لكن ماذا لو لم نجد شيئا آخر غير الهيغز؟ في هذه الحالة لن نجد مخرجا لتفسير الألغاز التي يطرحها النموذج العياري. وإذا لم تعطف علينا الطبيعة، فقد تكون الحلول على بعد ومستوى طاقي لا نستطيع الوصول إليه، إما بسبب قيود عملية، أو بسبب ضيق أفق بعض السياسيين.

فلربما ينتهي بنا المطاف بالجدل حول ما هو ممكن ان يكون بدلا من اكتشاف ما يكون من ظواهر فيزيائية بالتجربة. على كل يبقى الكون مكانا للغرابة والجمال واثارة التساؤلات ولازال امامنا الكثير من التساؤلات لنحلها، وفي كل مرة فتحنا فيها نافذة كونية، نجد أنفسنا مندهشين، وهنالك نوافذ كثيرة تنتظر أن تفتح. واعتدنا دوما ان تكون عملية فتح النوافذ الفكرية وحل التساؤلات مصدر دهشة وغبطة ومن المؤكد ان القلق يساعد العقل بان يتمتع بالحالة الذهنية لحل تلك المشاكل.

و في الختام، شدد لورنس كراوس على أنه يعتقد أن هذه الحدود الممكنة ستؤدي إلى نهاية العلم أو نهاية الفيزياء، فهنالك ما يكفي من الظواهر المحيرة في الكون لتشغلنا لوقت طويل.

 

كيف تولد الثقوب السوداء؟

 

يولد الثقب الأسود عندما يصبح الجسم غير قادر على تحمل قوة الضغط الناجمة عن ثقالته. العديد من الأجسام (بما فيها أرضنا وشمسنا) لن تصبح أبدا ثقوب سوداء. لأن جاذبيتها ليست مهمة بالقدر الكافي من أجل التغلب على القوى النووية والذرية للقسم الداخلي منها، والذي يبقى مضغوطا. ولكن في الأجسام الأكثر كثافة وكتلة، تربح الجاذبية في النهاية.

الثقوب السوداء نجمية الكتلة تولد من خلال انفجار. وهي تتشكل عندما يستهلك نجم فائق الكتلة جدا (على الأقل أثقل من شمسنا بحوالي 25 مرة) كامل وقوده النووي. بعد ذلك ينفجر النجم في مستعر فائق (سوبرنوفا). ما يتبقى منه هو ثقب أسود، وعادة يكون أثقل بعدة مرات فقط من شمسنا طالما أن الانفجار قام بقذف الكثير من كتلة النجم المنفجر بعيدا.

و نحن نعرف كما من المعلومات أقل عن ولادة الثقوب السوداء فائقة الكتلة، والتي تكون أثقل من تلك النجمية الكتلة وتعيش في مراكز المجرات. أحد الاحتماليات هي أن انفجارات لمستعرات فائقة لنجوم فائقة الكتلة حدثت خلال مراحل مبكرة من عمر الكون، أدت إلى تشكل ثقوب سوداء فائقة الكتلة والتي مع مرور الزمن ومليارات الأعوام نمت لتشكل ثقوب سوداء فائقة الكتلة. ويمكن لثقب أسود نجمي الكتلة أن ينمو بسرعة من خلال استهلاك وابتلاع الغاز والنجوم القريبة، والتي تتواجد بشكل وافر بالقرب من مراكز المجرات. ويمكن للثقوب السوداء أن تنمو أيضا من خلال الاندماج مع ثقوب سوداء أخرى والتي تنجرف في اتجاه مراكز المجرات أثناء التصادم مع مجرات أخرى. ويقوم الفلكيون وبشكل نشيط بالتحقيق والبحث في هذه السيناريوهات وغيرها من السيناريوهات أيضا لفهم الحقيقة الكامنة وراء نشوء الثقوب السوداء فائقة الكتلة، ويعتمدون في ذلك على المراقبات من خلال التلسكوبات وعلى عمليات النمذجة الحاسوبية.

وتتوفر في وكالة الفضاء الأمريكية ناسا صور يتضح لنا من خلالها اندماج لثقبين أسودين فائقي الكتلة في المجرة NGC 6240. هذين الثقبين الأسودين تفصل بينهما مسافة تبلغ 3000 سنة ضوئية، ويبدوان كمصدر قوي للضوء في منتصف الصورة، هذه الصورة مركبة من بيانات تم الحصول عليها من تلسكوبي تشاندرا وهابل الفضائيين والتابعين لوكالة ناسا. ملخص: هذه الدراسة الجديدة التي تعتمد على تلسكوبي نيوتن وNuSTAR تثبت أن التشوهات الحاصلة في ضوء الأشعة اكس ناتجة عن جاذبية الثقب الأسود الهائلة وليس عن سحب الغاز في جواره. تم الاعتماد في هذه الدراسة على دراسة التشوه الحاصل في الأشعة اكس الناتجة عن الحديد الموجود في جوار الثقب الأسود لمجرة NGC 1365، من أجل تحديد معدل دوران الثقب الأسود (سبينه).

باسادينا، كاليفورنيا- قام مرصدي نيوتن التابع لوكالة الفضاء الأوروبية وNuSTAR التابع لوكالة ناسا العاملين بالأشعة اكس بالتعاون من أجل الحصول على قياس نهائي ولأول مرة، لمعدل دوران الثقب الأسود الذي يملك كتلة تبلغ 2 مليون ضعف كتلة الشمس.

هذا الثقب الأسود فائق الكتلة يقع في القلب الغباري والغازي لمجرة تدعى NGC 1365، وسبينها في الغالب سريع بشكل تسمح فيه نظرية آينشتاين في النسبية العامة. إن الاكتشافات التي ظهرت في هذه الدراسة وضعت في مجلة الطبيعة، وقامت هذه الاكتشافات بحل لغز طالما كان موجودا ولفترة طويلة حول قياسات مشابهة في ثقوب سوداء أخرى وسوف يقودنا هذا الكشف إلى فهم أفضل لكيفية تطور الثقوب السوداء والمجرات.

و يقول لاو كاليوتسينسكي وهو عالم في برنامج NuSTAR: " هذا أمر مهم بشكل ضخم بالنسبة لحقل علم الثقب الأسود".

هذه المراقبات أيضا تمثل اختبارا قويا لنظرية اينشتاين في النسبية العامة، والتي تقول أنه يمكن للجاذبية أن تحني الزمكان (المكان-الزمان)، وهو النسيج الذي يشكل كوننا، والذي عبره ينتقل الضوء.

و تقول المؤلفة المساعدة في الدراسة والباحثة الأساسية في برنامج NuSTAR فيونا هاريسون من معهد كاليفورنا ببتكنولوجيا في باسادينا: "يمكننا تعقب المادة أثناء سقوطها الحلزوني في الثقب الأسود بالاعتماد على إصدارات الأشعة اكس من المناطق القريبة جدا من الثقب الأسود". وتتابع قائلة: "إن الإشعاع الذي نراه تم حرفه وتشويهه من قبل حركة الجسيمات ومن خلال جاذبية الثقب الأسود القوية بشكل غريب".

مهمة NuSTAR، هي من صنف مهمات الاستكشاف والتي أطلقت في الشهر السادس من العام 2012، ومصممة من أجل كشف ضوء الأشعة اكس الأعلى طاقة بتفصيل كبير جدا.و هي تكمل التلسكوبات التي تراقب ضوء الأشعة اكس الأقل طاقة مثل تلسكوب نيوتن وتلسكوب تشاندرا. يعتمد العلماء على هذه التلسكوبات وغيرها من أجل تقدير المعدلات التي تدور فيها الثقوب السوداء.

و حتى الآن، فإن هذه القياسات غير محددة أبدا لأن سحب الغاز الموجودة يمكن أن تحجب الثقوب السوداء وتشوش النتائج. ومن خلال مساعدة تلسكوب نيوتن، يمكن لـ NuSTAR أن يرى مجالا واسعا من طاقات الأشعة اكس وأن يبحر بشكل أعمق في المناطق المتواجدة حول الثقب الأسود. وتوضح البيانات الجديدة أن الأشعة اكس لا يتم تشويهها من قبل السحب، وإنما من قبل الجاذبية الضخمة للثقب الأسود. وهذا يثبت أن معدلات الدوران للثقوب السوداء فائقة الكثافة يمكن حسابها بشكل قاطع.

و يقول نوربرت شارتل وهو عالم في مشروع نيوتن من مركز علم الفلك الأوروبي في مدريد: "إذا ما أتيح لي إضافة جهاز إلى تلسكوب نيوتن، سوف يكون هذا الجهاز تلسكوبا مثل NuSTAR". ويتابع قائلا: "تقدم الأشعة اكس عالية الطاقة لغزا أساسي وجزء مفقود من أجل حل هذه المشكلة".

يعتبر قياس سبين spin(معدل الدوران) الثقب الأسود فائق الكتلة أساسيا من أجل فهم تاريخه السابق وتاريخ المجرة المضيفة له.

و يقول غايدو ريسالتي من مركز هارفارد – سميثونيان للفيزياء الفلكية في كامبريدج، ماساشوستس والمعهد الوطني الايطالي للفيزياء الفلكية، وهو قائد الدراسة: "هذه الوحوش التي تملك كتل تتغير من ملايين الأضعاف إلى مليارات الأضعاف من كتلة الشمس، تشكلت كبذرات صغيرة في التاريخ المبكر من كوننا ونمت من خلال ابتلاعها للنجوم والغاز الموجودين في المجرات المضيفة، وتختلط أيضا مع ثقوب سوداء عملاقة أخرى عند حدوث تصادم بين المجرات".

الثقوب السوداء فائقة الكتلة تكون محاطة بأقراص متعاظمة تشبه الفطيرة، وتتشكل مع قيام جاذبية الثقوب السوداء بسحب المادة إلى الداخل. وتتنبأ نظرية اينشتاين في النسبية العامة بأنه كلما كانت سرعة دوران الثقب الأسود أعلى كلما كان قرصه المتعاظم أقرب إليه. وكلما كان القرص المتعاظم أقرب، هذا يعني أن الجاذبية الناتجة عن الثقب الأسود سوف تكون أكبر وتشوه ضوء الأشعة اكس الذي يجري للخاج من القرص.

و يبحث الفلكيون عن تأثيرات التشوه هذه من خلال تحليل الأشعة اكس الصادرة عن الحديد الذي يدور في القرص المتعاظم. وفي الدراسة الجديدة، استخدم كل من تلكسوبي نيوتن وNuSTAR بشكل متزامن لمراقبة الثقب الأسود في المجرة NGC 1365. في حين أن تلسكوب نيوتن قام بكشف الضوء الناتج عن الحديد والذي تم تشويهه وحرفه، يقوم NuSTAR بإثبات أن هذا التشوه نابع من جاذبية الثقب الأسود وليس من سحب الغاز المتواجدة في الجوار.و أثبتت بيانات الأشعة اكس عالية الطاقة المستخلصة من NuSTAR أن الحديد كان قريبا جدا إلى الثقب الأسود بحيث أن جاذبيته هي المسبب لتأثيرات التشوه.

و مع انتفاء احتمالية حجب السحب، يمكن للعلماء الآن، أن يستخدموا التشوهات في الحديد من أجل قياس مدل دوران الثقب الأسود. وهذه الاكتشافات يمكن تطبيقها على العديد من الثقوب السوداء الأخرى، ما يؤدي إلى إزالة عدم التحديد الموجود في المعدلات المقاسة سابقا.

و هناك الكثير من الصور توضح كيف يقيس العلماء معدلات الدوران للثقوب السوداء فائقة الكتلة من خلال انتشار ضوء الأشعة اكس بألوان مختلفة. إن الضوء ناتج عن القرص المتعاظم المحيط بالثقب الأسود والذي يدور حلزونيا حوله، كما هو موضح في اللوحتين الفنيتين المرافقتين. استخدموا تلسكوبات الأشعة السينية من أجل دراسة هذه الألوان، وخصوصا البحث عن "بصمة" الحديد- الذروة الموضحة في كل من المخططين البيانيين، أو الطيف- لرؤية مدى كم هي هذه الذروة حادة. قبل هذه المراقبات من قبل التلسكوب NuSTAR والتلسكوب نيوتن، كان هناك وجود لنماذج متنافسة من أجل شرح السبب الكامن ربما في عدم ظهور هذه الذروة حادة.

النموذج "الدوراني" والموضح في القسم العلوي يرى أن الميزة المتعلقة بالحديد ناجمة عن انتشاره للخارج من خلال تأثيرات التشوه المسببة من قبل الجاذبية الشديدة من قبل الثقب الأسود. وإذا كان هذا النموذج صحيحا، بالتالي فإن كمية التشوه المبينة من أجل الحديد يجب أن تكشف معدل دوران (سبين) الثقب الأسود.

و يرى النموذج البديل أن السحب الحاجبة الموجودة بالقرب من الثقب لأسود تجعل من خط الحديد يبدو مشوه بشكل مصطنع. ولو كان هذا النموذج صحيحا، فغن البيانات لا يمكن استخدامها من أجل قياس معدل دوران الثقب الأسود.

و ساعد NuSTAR على حل هذه المشكلة، من خلال استبعاد نموذج "السحب الحاجبة". إن بياناته الخاصة بالأشعة اكس عالية الطاقة، موضحة بالأعلى باللون الأخضر إلى اليمين من الذروة- ما يدل على أن الميزات الموجودة في طيف الأشعة السينية في الحقيقة هي قادمة من القرص المتعاظم وليس من السحب الحاجبة. والمراصد الفضائية بالإضافة إلى تلسكوب نيوتن قادرة على صنع أول قياس دقيق لمعدل دوران ثقب أسود، وبشكل أكثر عمومية، تؤكد أن نموذج "التشوه الثقالي" دقيق.

  

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2387 المصادف: 2013-03-19 13:24:28


Share on Myspace