 دراسات وبحوث

اعادة قراءة سورة التوبة (1) .. الحروب الدينية الى اين؟

ahmad alkinaniالتمعن في قراءة بعض من سور القران والوصول الى نتائج قد تكون مغايرة لاراء المفسرين لا يعني الوقوف بالضد من التوجه الاسلامي ولا يعني التخندق مع اعداء هذا التوجه ما دام الكلام يدور ضمن دائرة ابداء الرأي واعادة مراجعة وتقويم الموروث الديني، وما دامت الغاية منه فهم روح الدين من خلال النصوص الداعية الى سمو الانسان بأنسانيته والدعوة الى التسامح والعيش المشترك، ولنأخذ سورة التوبة مثالا على ذلك لما تشتمل عليه من مساحات واسعة للتوقف والتأمل فيها، فهذه السورة باجمعها وعلى الخصوص الايات المتصدرة لها تمثل تحديا كبيرا فيما نصبوا اليه من استخلاص قيم التسامح في الدين الاسلامي، وقد تعطي انطباعا مقدسا ومتشرعنا لممارسة العنف الديني ضد الاخر لاعلاء كلمة الله، وعند دراسة هذا المفهوم الجهادي المستند الى سورة التوبة ضمن الجو الاسلامي العام ومن خلال قراءة متانية وغير متشنجة للسورة، لا يعني هذا اعطاء الفرصة للاخر في ممارسة حرب دينية مضادة مؤيدة من قبل الرب بل هي هدية الرب كما قيل، وتحت عناوين تصدير الديمقراطية والحرب على الارهاب والمساعدة في البناء والاعمار وما الى ذلك، وانما هي رسالة واحدة مفادها "لا للحروب الدينية "ولا لمتطاء الدين لتمرير مخططات سياسية بغية التسلط على الشعوب واستعبادها، نناقش ذلك ضمن دائرتنا الاسلامية ويناقشونها هم ضمن دوائرهم الاخرى مسيحية او يهودية.

نعم المهمة الصعبة تكمن في سورة التوبة بالذات لانها لا زالت ترفد الفكر الجهادي بزخم هائل من القداسة في ممارسة الحرب الدينية، واقول" لازالت" بناء على بعض التفسيرات او القراءات على ما سيأتي تفصيله في حلقات قادمة، كما ان هذه السورة تعطي المبررات لممارسة حرب دينية مضادة وغير متكافئة، على الاقل في الأليات والاساليب، اسلوب بدائي ومتخلف يعتمد الخطاب المتشنج المستند الى النصوص الدينية وبشكل مباشر في قتال العدو بالتهويل والتهديد والدعوة الى ازهاق الارواح هنا وهناك وبشكل شمولي ومن دون استثناءات .

ويقابله اسلوب مضاد متحضر مدعوم من قبل قوى لا قبل لنا بها تدعو الى الديمقراطية وحقوق الانسان ومساندة الشعوب وحقها في تقرير المصير، لكنها تستبطن حربأ عصرية شرسة ومن دون استثناءات ايضا وعلى كافة الاصعدة، حربا دينية داخلية تعتمد التشرذم الطائفي داخل الامة الواحدة لهدمها بمعاول ابنائها، واعادة تنسيقها على شكل اصطفافات وتكتلات متقابلة متأهبة لابتلاع بعضهم البعض، وحربا اخرى ليست من سنخ الحروب التقليدية، حرب انسانية تفوق التصورات الساذجة التي نتحلها بها، وهذا يدعونا الى ان نرفع من افق تصورنا كشعوب مغلوب على امرها، ونرتقي بها الى المستوى الذي يحصننا على اقل التقادير من تداعياتها، وما الفوضى التي تلف كل ما حولنا ما هي الا نتيجة طبيعية لتلك التداعيات .

الحصانة الفكرية والوعي التام لموقعية الدين في حياتنا احدى اهم تلك الاساليب للوقوف امام الحرب الدينية المضادة والتي تدور رحاها في عقر دارنا هذه الايام، والتي تبقي الابواب مشرعة لمزيد من المأسي والمحن وضمن دائرة مغلقة من المشاكل لا امل في الخلاص منها،لان الدين بكل تعقيداته وتشعباته وتحكمه في جزئيات مجريات الحياة، ظل دائما وابدا الفتيل الذي يتمسك به الشاب المسلم وقد ينفجر بأي لحظة لشرارة بسيطة من رجل دين منتفخ او رجل سياسة متفرعن لتحقيق مصلحة ضيقة لكنها تعود بالنفع الافر لصناع المخططات السياسية الكبرى لنهب ثروات الشعوب اكثر فأكثر ولايجاد الحلول للطاريء من مشاكلهم الاقتصادية وتوفير الفرص لحياة اكثر رخاءا لشعوبهم على حساب حياة اكثر مأساوية لشعوبنا، ويبدو لي ان الفهم الواعي لمفردة الدين سيقطع الطريق امام كل هؤلاء من رجال دين او سياسة .

وقد استوقفتني صورة دعائية انتخبية على الفيسبوك لرجل يعيش التخلف من اوسع ابوابه يبدو انه داخل المعترك السياسي العراقي حديثا وهو جالس في مصلاه ويعلوه الخشوع في مسجد خال من المصلين وفي جنح الظلام والناس نيام كما يقال، ليظهر للناخبين انه رجل المرحلة والمخلًص القادم لمشاكل البلد، مستغلا مفردة الدين ايضا لبناء مستقبل افضل من تحت حطام بلد متهاو مفرغ من كل ما هو جميل سوى الدين وقد تم توضيفه من قبل سماسرة الدين السياسي فأحسنوا توضيفه حتى وصلوا الى ارفع المناصب في العراق الجديد رغم جهلهم وتخلفهم، وقد يشعر المثقف والمتابع العراقي بالغثيان عندما يرى اراذل القوم تتقدم علًيتها وتتحدث باسم العراق وشعبه  .

وعليه فالفهم الحضاري لقيم الدين والتراث فهما حقيقيا، وانتشال تلك القيم مما علق بها من شوائب وادران الماضي السحيق، واخراجها من القوالب المذهبية التي اريد لها ان تدفن فيها ويذهب بريقها، من خلال صياغتها ضمن خطاب عصري وبعيدا عن الترقيع والتبجيل، هذا هو السلاح الامضى في هذه المواجهة .

اعادة قراءة سورة التوبة مفردة من مفردات هذا الخطاب الديني العقلاني، وهي خطوة نحو الاف الاميال ابتدأها المفكرون المسلمون قبل فترة الغيبوبة التي ألَمت بالمسلمين وجعلت منهم فرقأ ومذاهب متناحرة، وجددها المخلصون المحدقون بالاخطار من حولنا، تجديدا يتناسب مع المفاهيم السائدة في عصرنا ضمن مشروع اعادة البنية الفكرية للفرد المسلم، وهذه المفاهيم ليست غريبة عن القيم والمثل الدينية العليا التي ينادي بها الخطاب الديني .

لكن السؤال الملًح هو ان الخطاب الديني التسامحي المستند الى النصوص الدينية بشكل عام قد يتقاطع مع اللهجة الصارمة التي تعلو سورة التوبة ككل في التعامل مع من هو خارج الجماعة المؤمنة يهودية كانت اومشركة او منافقة، والقرارات الحاسمة التي تضمنتها السورة القائمة على التعامل مع الاخر بحد السيف حتى سميت بأيات السيف هي في واقع الحال اللغز الذي حاول ويحاول فكه مفسري القرأن المبدعين وقراًءه المعاصرين

وبالاجمال فأن سورة التوبة تدعو الى العنف نصا او تفسيرا او قراءة، على الاختلاف الكبير الذي اثارته في الفكر الاسلامي اذ ان من المفكرين من جعل النص في التوبة هو الدال على العنف وقتل المشركين وليست دلالة القراءات كما سياتي تفصيله عند قراءة محمد اركون، لكن المفسرين على خلاف ذلك، فهناك من جعلها حلا مقطعيا للواقع الذي عاشه المسلمون في فترة ما بعد فتح مكة كسيد قطب وسأقف طويلا عند هذا الرأي الذي يجعل الاصل في الخطاب الديني يتمثل بالدعوة الى التسامح وايات السيف تشكل استثناءات من القاعدة، وهناك من جعلها احكاما سارية المفعول بتجريدها عن تاريخيتها لتناسب كل الازمنة والامكنة تاركة وراءها احكام المجادلة والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ومبطلة لمفعولها بما يسمونه اصطلاحا بالنسخ، فالقدماء من المفسرين قالوا بأن اية السيف ناسخة للايات المتضمنة لمعنى الاعراض والصفح وترك القتال وهو منهج الاسلام السياسي في التعامل مع الاخر ايًا كان اتجاهه .

من هؤلاء المفسرين ابن جرير الطبري في تفسير الايه 109 من سورة البقرة { ود كثير من اهل الكتاب لو يردونكم من بعد ايمانكم كفارا...فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بامره}... قال الطبري :"فنسخ الله جل ثناؤه العفو عنهم والصفح بفرض قتالهم ... او يؤدوا الجزية عن يد صغارا"(1)

ثم نقل عن ابن عباس وقتادة والربيع بن انس مقولة النسخ هذه .

و بهذا المضمون فسرها ابن كثير ايضا، ونقل عن على بن ابي طلحة عن ابن عباس في قوله {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} نسخ ذلك بقوله{ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} وقوله {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر} الى قوله {وهم صاغرون} فنسخ هذا عفوه عن المشركين. وكذا قال ابو العتاهية والربيع بن انس وقتادة والسدي : انها منسوخة بأية السيف، ويرشد الى ذلك قوله{حتى يأتي الله بأمره} 2

و كذلك القرطبي في كتابه الجامع لاحكام القران في تفسير الاية السابقة (3)

ثم نقل القرطبي كلاما كبيرا عن ابي عبيدة جاء فيه: " كل أية فيها ترك للقتال فهي مكية منسوخة بالقتال ".(4)

واغرب ما يقال في هذا الموضوع هو قول لعبد الحق بن غالب ابن عطية الاندلسي المتوفى سنة 542 للهجرة في كتابه المحرر الوجيز عند تفسيره لاية السيف: "ان هذه الاية نسخت كل موادعة في القران او ما جرى مجرى ذلك وهي على ما ذكر مائة اية واربع عشرة اية"(5) .

ولا ادري ما الذي بقي لدينا من القران ان كانت ايات التسامح وعددها 114 اية منتهية الصلاحية [ Expire ] والايات المتبقية نافذة الصلاحية تدعو الى القتال والعنف ضد الاخر واذلال من يعيش تحت حمايتهم بأعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون، وبشروط مهينة ذكرتها كتب الحديث .

والخلاصة التي يمكن استخراجها من اقوال المفسرين القدامى لسورة التوبه هي ان المسلمين عندما يكونوا في افضل حالتهم فالمنطق الحاكم هو منطق القوة، والفيصل بينهم وبين غيرهم حد السيف، ولا مجال للمجادلة والحوار، والمشهد السياسي في المدينة دال على ذلك، ويستند على مهادنة وعهود مع بقية الاطراف ثم ترتيب البيت الاسلامي من الداخل،و الحصول على مستلزمات القوة، ثم تصعيد اللهجة والتوسل بالسيف لكل من نقض العهود والمواثيق .

وعندما يكونوا في اسوء حالتهم كما كان حالهم في مكة فالمنطق الحاكم هو الحكمة والموعظة الحسنة، ولغة الحوار هي السائدة على الخطاب الاسلامي للقريشيين رغم تعنتهم وجبروتهم، لكن هذه اللغة اندرست والغيت بالانتقال الى المدينة وتشكيل نواة الدولة هناك، وبناء عليه تكون سورة التوبة (وهي اخر ما نزل من القران كسورة مجملة وليست كاية) هي الناسخة للايات المكية الحوارية، وهناك كلام طويل عريض في معنى النسخ عند قدماء المفسرين وفي اصطلاح الاصوليين المحدثين، وانه نسخ للحكم ام نسخ للتلاوة او هو تخصيص للعام او تقييد للاطلاق، وسواء اختلف معنى النسخ قديما وحديثا او لم يختلف سوف لا يؤثر كثيرا على فهم المراد من فحوى كلمات قدامى المفسرين من ان الايات المكية الحوارية قد انتهى امدها او خصصت او قيدت بالايات المدنية التي اعطت الاذن بالقتال والتشديد عليه وذم المتقاعسين عنه .

لكن يبقى السؤال: هل يشكل هذا النحو من التعامل منهجا اسلاميا لازم الاتباع اقتداءا بالسلف الصالح ام ان الظروف المحيطة بالمسلمين ايام الدعوة في مكة وتشكيل الدولة في المدينة فرضت عليهم نوعان من التعامل مع مخالفيهم وقد انقضت وصارت في ذمة التأريخ .

والجواب يرجع الى بداية نشوء فكرة تطبيق نموذج المدينة الذي اقامه النبي (ص) باعتباره النموذج الامثل في العلاقة مع اعداء الاسلام، وكان ذلك في القرن التاسع وعلى يد الامام احمد بن حنبل، وكانت الفكرة تتجدد كلما مرت الامة الاسلامية بمخاضات عسيرة حيث تزداد معها الرغبة في العودة الى منهج السلف، والمجد الذي حققوه في سالف الايام نتيجة تمسكهم بالاسلام، ولابد من التمسك بفروض الاسلام بحذافيرها لعودة تلك الامجاد، وكانت تنظيرات ابن تيمية في كتابه "السياسة الشرعية في اصلاح الراعي والرعية " حاضرة في دعوة ولاة الامر لتطبيق حدود الشريعة الاسلامية بكل دقة، واسماه   الجهاد في سبيل الله وهو اهم الفروض على الاطلاق (6).

وظل منطق ابن تيمية ومن بعده عبد الوهاب مهيمنا على الحركات الجهادية السلفية، وظلت كذلك الدعوات للعودة الى الجهاد المشروع المنقذ لبلاد المسلمين من الاذلال الذي حلً بهم نتيجة تركهم للجهاد ولن تتوقف يوما ما دامت العقلية الاسلامية مهيئة للرفض المطلق مهما كانت النتائج .

والكلام لم ينته بعد في هذه الاعادة لقراءة سورة التوبة .

 

احمد الكناني

11.04.2013

......................

(1) تفسير الطبري 2/503  ط دار المعارف مصر بتحقيق محمود محمد شاكر

(2) تفسير ابن كثير1/383  ط دار طيبة 2002

(3) الجامع لاحكام القران 2/61 ط دار الفكر بيروت

(4) المصدر السابق

(5) تفسير ابن عطية6 /412  ط دار الكتب العلمية،تحقيق عبد السلام عبد الشافي

(6) السياسة الشرعية في اصلاح الراعي والرعية ص97، تحقيق علي بن محمد العمران، ط دارعالم الفوائد.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

كلام في الصميم استاذ. هذا هو اهم وألح موضوع ديني وسياسي واجتماعي نحتاج ان نتكلم فيه بوضوح وجدية في زمننا الحالي.

ابراهيم العبيدلي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ ابراهيم العبيدلي
اسعدني مرورك على مقالتي و تسجيلك تعليقا عليها .
نعم هو كذلك ، و لابد من الوضوح في طرح مثل هذه المواضيع ، و قد اكملت الحلقة الثالثة وهي في طريقها الى النشر ، و ستتبعها حلقات اخرى باذن الله تعالى
دعائي لك بالتوفيق و النجاح

احمد الكناني
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2411 المصادف: 2013-04-12 00:43:57


Share on Myspace