 دراسات وبحوث

الكتاب والقرآن للدكتور محمد شحرور (16)

abduljabar alobaydiماذا قصد المؤلف من تأليف الكتاب؟ .. قصد المؤلف من تآليف هذا الكتاب المنهجي ليقول:

هناك دين واحد عندالله هو الأسلام، يقول الحق:(ان الدين عند الله الأسلام ..، آل عمران ( 19 ). بدأ بنوح، وتنامى متطوراً متراكماً على يد النذر والنبوات والرسالات، الى ان خُتم متكاملاً بمحمد (ص). والأسلام هو دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهو منظومة الُمثُل العليا، وهو العروة الوثقى، وهو السراط المستقيم.

قدم المؤلف قراءة معاصرة ونظرة جديدة للاسلام، تنطلق من خصائص اللسان العربي، فالأسلام فطرة، والأيمان تكليف. الأسلام يتقدم على الأيمان اذ لا أيمان بدون أسلام يسبقه ويأتي قبله. المسلمون هم معظم أهل الأرض، أما المؤمنون فهم أتباع محمد (ص). وأبراهيم (ع) ابو المسلمين، يقول الحق:(وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما ولا أنا من المشركين)، ومحمد (ص) ابو المؤمنين، يقول الحق: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الأيمان في قلوبكم.. الحجرات 14).

وهذا أكبر خطأ منهجي وقع فيه المفسرون والفقهاء منذا بداية حركة تفسير النص المقدس، وقراءة السيرة النبوية العطرة. نفهم مما تقدم ان الأسلام شيء والأيمان شيء أخر، وان الأسلام متقدم على الأيمان سابق له، وان المسلمين ليسوا اتباع محمد (ص) حصراً. ونصل أخيرا الى السؤال التالي:

لماذا أقامت الأصول والأدبيات الأسلامية أركاناً للاسلام من عندها، دون الاستناد الى نص قرآني أو حديث نبوي ثبت، وحصرتها في خمس، هي التوحيد والتصديق بالرسالة المحمدية والشعائر، مستبعدة العمل الصالح والأحسان والأخلاق من هذه الأركان، فوقعت في خطأ التقدير؟. ولم نقرأ لهم والى اليوم نظرية في المعرفة الانسانية مصاغة صياغة حديثة معاصرة ومستنبطة حصرا من القرآن الكريم. فسادَت مجتمعاتنا العربية

 

2

الاسلامية نظريات التفكك الفكري، والتعصب المذهبي، واللجوء الى مواقف فكرية تراثية مضى عليها الزمن، تقوم على كيل الاتهامات والكفر والألحاد والزندقة والهرطقة والجبرية والقدرية في مواجهة الفكر المعاصر، وان كل فكر أنتجه الانسان الاخر هو عدو للاسلام بالضرورة، الى ان اوصولنا الى اسلام المذاهب الاجتهادية الجامدة وابعدونا عن الاسلام الصحيح.

ويقول المؤلف الذي تبنى المنهج التاريخي العلمي في الدراسات اللغوية مستنبطا هذه الدراسة من مدرسة ابي علي الفارسي اللغوية، نظرية ابن جني في الخصائص، والجرجاني في دلائل الأعجاز. ان اللغة هي نظام لربط الكلمات لأرتباطها بالفكر وأثبت بموجب تلك النظريات بطلان الترادف في كلمات القرآن الكريم بين القرآن والكتاب والذكر الحكيم، وتوصل في هذا الكتاب الرائع في أربعة ابواب الى:

 

أولا - ان كلمة الذِكر:

 هي الأرضية النظرية الجديدة التي استند اليها في أنكار ظاهرة الترادف اللغوي في القرآن، متابعا في ذلك عددا من كبار علماء اللغة ومنهم ثعلب، وأبن فارس، وابوعلي الفارسي وابن جني والجرجاني، وبهذه الدرسة توصل الى رفض المقولة السائدة التي ترى ان لفظتي الكتاب والقرآن مترادفتان لغةً ومعنىٍ،، بهذا التوجه وصل الى معنى جديد لمعنى الترتيل الذي لا يرتبط من قريب او بعيد بالتأنق في التلاوة أو الثقل في التلفظ والنطق، وانما يقصد به وعورة فهم معنى ما يشتمل عليه القرآن من علم. من هنا قد يصاب القارىء بالصدمة عند وصوله بعدم الترادف في مصطلحات القرآن، لأن النتيجة تهدم التصور السائد في فهم الأسلام القائم على ترادف القرآن والكتاب، والذي لم يدركه الفقهاء في زمنهم المتقدم ولازلنا على نهجهم الخاطىء الى اليوم.

من هذا المنطلق العلمي في هذه الدراسة الرصينة يستوجب على القائمين على الدراسات القرآنية ومجامع البحوث القرآنية، ان يقدموا ردا محكما على هذا الراي وبعكسه لابد من تقديم تصور جديد في فهم الاسلام قائم على تباين القرآن والكتاب، تمهيدا لأدخاله في المنهج الدراسي لأمتصاص الخطأ الذي مضت عليه سنين دون تغيير..

 

ثانيا – في نظرية جدل الكون والانسان:

 عمد الباحث الى جمع الآيات التي أشتملت على موضوعات خلق الكون، وخلق الأنسان، ونشأة الألسن وأستنطقها. فأكدت هذه الآيات ان القرآن يشتمل على قانون الجدل العام (كلُ شييء هالك الا وجَههُ، القصص88). من ناحية، ومن ناحية اخرى يشمل على قانون الجدل الخاص بالأنسان الذي ميزه الله عن الحيوان بنفخة الروح التي مكنته من الأرتقاء عن عالم الحيوان بالعقل، ليصبح خليفة الله في الأرض بواسطة العلم. كما أكدت تلك الآيات أرتباط اللغة والتفكير ووظيفة الأبلاغ منذ بداية نشأة الكلام الأنساني، وان اللغة الأنسانية الأولى كانت منطوقة في نشأتها الأولى، وان مصدر المعرفة الأنسانية هو العالم الخارجي المادي الذي يتعرف الأنسان عليه بواسطة القلم أي بمنهج تمييز صفاته المختلفة.

 3

وقد تطرق في النظرية الجدلية الى ان القرآن الكريم طرح قانون الجدل والمجادلة بأربعة أنواع منها:

الجدلية الثنائية التلازمية، وهي جدلية تناقض الشيئين، التي تؤدي الى هلاك الشيءبأستمرار. وجدلية تقابلية بين الشيئين، تؤدي الى جدل خارجي وهي جدلية تلازم الزوجين في الخلق، لأنتاج شيء مادي أخر.

وجدلية الثنائية التعاقبية، أي جدل تعاقب الضدين كما في الليل والنهار. وثنائية الجدل الفكري الأنساني كما في الحب والكراهية.

وفي موضوع الجدل أفرد الكاتب وصفا رائعا مبنيا على أحدث نظريات العلم الحديث لأثبات جدلية القرآن الكريم قبل ان تظهر نظريات الجدل الفكري الحديث. لكن فقهائنا ومفسرينا لم يكونا بهذا المستوى العلمي الرائع فجاؤونا بنظريات سطحية لم نتوصل فيها الى المعرفة الأنسانية الحديثة. ان ماجاء به العالم الكبير دارون كان مستمدا من نظرية الجدل في القرآن.

 

ثالثا - تحدث عن:

(أم الكتاب والسُنة والفقه). وقد توصل الى مفهوم الرسالة بمفهوم جديد للحدود الواردة في آيات الذكر الحكيم، وقدم رؤية جديدة للصراط المستقيم وللمعروف والمنكر، وطرح مفهوما جديداً للسُنة النبوية، ودعا نتيجة دراسته المعمقة الى فقه جديد ينطلق من مبدأ التلازم بين الأستقامة والحنيفية (التطور)، وقدم نموذجا رائعا في فهم فقه المرأة في الأسلام الذي خلا منه الفقه الاسلامي اليوم.

 

ورابعاً - الشهوات الانسانية والقصص

قدم عرضا مهما عن الشهوات الانسانية والقصص في القرآن وهي نموذجا رائعا للتأويل القرآني. وطرح مفهوم القضاء والقدر والحرية، ومشكلة المعرفة الأنسانية، ونظرية بناء الدولة في الاسلام التي تجاهلها الفقهاء لعدم ادراكهم اليها، ولأن السلطة العليا أبعدتها عن التطبيق خدمة لمصالحها الخاصة، كما تطرق الى مفهوم المجتمع والحقوق والواجبات والديمقراطية وحقوق الحاكم والمواطن بحيث ينتج عنه فكر اسلامي معاصر يحمل كل مقومات المعاصرة شكلا ومضمونا دون الخروج عن المقومات الاساسية للعقيدة الاسلامية في ابسط اشكالها وهي الايمان بالله وكتبه وملائكته واليوم الاخر.

 

كما نبه الكاتب الى اشكاليات الفكر الاسلامي المعاصر:

الذي وصفه بعدم التقيد بالمنهج العلمي الوضوعي. واصدار الاحكام المسبقة على مشاكل المرأة والمجتمع دون البحث السليم لها وخلص الى القول ان مشكلة المرأة في الاسلام لها وضعان، وضع في القرآن منصف وعادل، حيث وصف القرآن بالحقيقة الموضوعية المطلقة خارج خارج الوعي الانساني المدرك ووضع في الفقه وعند رجال الدين مجحف وناقص.

4

وتطرق الى أزمة العقل العربي اليوم حين قال:

 ان القرآن رفع من مكانة العقل الانساني، فلا يوجد تناقض بين الوحي والعقل، ولا بين الوحي والحقيقة الموضوعية. وان كل ما جاء به المفسرون خلاف ذلك فهو لا ينتمي للحقيقة لقصور في الفهم وتفسير النص من قبلهم تفسيرا ًترادفيا خاطئاً.

 وقال ان الفقهاء المسلمين فشلوا في ايجاد نظرية اسلامية في في المعرفة الانسانية مصاغة صياغة حديثة معاصرة ومستنبطة من القرآن الكريم. وعجزوا عن اعطاء تعريف محدد للاسلام. وقال: لم يعطونا بحثاً أصيلاًفي الفروق الجوهرية بين الكتاب والقرآن والفرقان والذكر. ولم يتطرقوا الى قوانين الوجود والتفريق بين الحق والباطل والحلال والحرام. ولم يعترفوا بالتاأويل، واصروا على التفسير اللغوي المترادف الخاطىء. ولم يعطونا تفسيرا لمصطلح الذي بين يديه. ولم يدركوا ثبات النص وحركة المحتوى في القرآن الكريم فأضاعوا علينا حقيقة القصد. وامور اخرى لو احصيناها لوجدنا ان الاسلام اليوم هو غير اسلام محمد (ص). لكنهم أصروا على الخطأ حتى أصبح الخطأ هو الحقيقة بنظر المسلمين، فعانينا الفشل وسنبقى نعاني ماداموا هم المتنفذون.

لقد تبين للمؤلف ان العمود الفقري للعقيدة الاسلامية، هو قانون تغير الصيرورة(نظرية التطور ) حيث تَكمن عقيدة التوحيد، وقانون تغير الأشياء (الجدلية). من هذا المنطلق توصل الباحث الى وضع منهج جديد في اصول التشريع الاسلامي القائم على البينات المادية وأجماع أكثرية الناس، وان حرية التعبير عن الرأي، وحرية الأختيار، هما اساس الحياة الانسانية في الأسلام (لكم دينكم ولي دين)، ونفى ان تكون الجبرية لها أساس في الأسلام.

اذا كان هذا هو الاسلام للمسلمين كلهم دون أستثناء، فعلام العداوة بينهم، ولماذا أختلفت مذاهبهم وأصبحت وسيلة من وسائل فرقتهم وتدميرهم، لقد ترك الاسلام لنا ثلاثة محاور اساسية في الحياة هي:المنطلقات والتوجهات الصحيحة من كلمة السماء الى الأرض بأمر التنفيذ، والقسمات في مشروع الحياة في التطبيق فخالفناها جميعها وحنثنا القسم واليمين فوقعنا في محنة الخطأ الذي لا يرحم وسنبقى فيه ان بقينا مصرين.

وتوصل الباحث الى ان المذاهب الاسىلامية الأجتهادية المعمول بها اليوم هي أساس البلاء في الفُرقة بين المسلمين لأنتهاء زمانها ومفعولها وعدم جدواها. وان الاسىلام من حيث هو توحيد ومثل عليا انسانية، غير قابل للتسييس، وان محاولة البعض تسييس الأسلام، ومحاولة البعض الأخر أسلمة السياسة، أضاعوا علينا السياسة والأسلام معا. وأمور أخرى كثيرة نحن بحاجة الى معرفتها؟

فهل من حاكم واعٍ ينقذنا من هذا المنهج الخاطىء اليوم كما فعل الخليفة المآمون العباسي مع حركة المعتزلة الفكرية الرائعة في القرن الثاني الهجري. لكن فقهاء التزمت واصحاب العقول الجامدة استغلوا العامة بالعاطفة فافشلوا حركته المتطورة الصحيحة، ففوتوا علينا فكرة النقلة الحضارية الكبرى وبقينا مقيدين. بعد ان نقلوه الى مناهجنا الدراسية التي خربت عقول طلبتنا الأعزاء وأبعدتهم عن الأسلام الصحيح؟

 

 5

ملاحظة:

وشكراً للمواقع الألكترونية التي نشرت عرض هذا الكتاب الرائع الذي أوصي طلبة الجامعة بالذات بأقتنائه ودراسته دراسة منهجية بعيدة عن التحزب والعاطفة والمذهبية القاتلة.

 

د. عبد الجبار العبيدي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

قال تعالى:ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا,فأي كتاب من عند غير الله سيكون به أخطاء ,لا كتاب مطلق الصحه سوى كتاب الله,ولن يفسر البشر القرآن التقسير الكامل حتى نصل لنهاية الحياة على الارض,التجدد يجب ان يحدث ,والجمود قاتل,والمذاهب شرك,قال تعالى:منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين ( 31 ) من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون(الروم)waleed.1982@live.co.uk

مؤمن سوري
This comment was minimized by the moderator on the site

لم أفهم ماذا يريد السائل المحترم ؟ نرجو التوضيح لامكانية الرد.

د.عبد الجبار العبيدي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2450 المصادف: 2013-05-21 06:51:55