 دراسات وبحوث

قواعد الكشف بين العلم والفهم

على الرغم من ان النص يختلف عن الطبيعة، ومن ذلك ان الاول عبارة عن معرفة خلافاً للاخر المعبّر عن كينونة خارجية لها تشكلاتها المادية، وبالتالي فقد يتضمن الاول قراءة الثاني من دون عكس، لكن ذلك لا يؤثر على قبول الشيئين للقراءة والفهم والتفسير. فهذا هو الحد المشترك بينهما، مما يجعل كلاً من الفهم الدين وعلم الطبيعة قابلاً للتأثير على الاخر، كما يجعل الكثير من القواعد التي تصاغ لمعرفة موضوع احدهما قابلة للكشف عن موضوع الثاني، ومن ثم كان من الممكن اقتباس عدد من المفاهيم والقواعد التي يعمل على توظيفها الاخر. مع الاخذ بعين الاعتبار ان اشكالية احدهما تختلف بعض الشيء عن اشكالية الثاني في تعامله مع الموضوع الخاص به، كالذي طرقناه في دراسة مستقلة.

فقد بات من المسلم به ان الطريقة العلمية قائمة على مبدأ الاستقراء والتجربة، ولو عبر اشكال مختلفة، وان هذه الطريقة مستخدمة في بعض كيفياتها في الفهم الديني. بل يمكن ان نزعم بأن هذا الفهم لا يمكنه تجاوز هذا المبدأ كلياً، مثلما لا يمكن للطريقة العلمية تجاوزه تماماً. فكلاهما يقومان عليه، وان التخلي عنه كلياً يعني التخلي عن العلم والفهم على السواء، وهو ما لا يمكن حدوثه أبداً، رغم كثرة التجاوزات التي نصادفها في العلم والفهم الديني عادة.

والمقصود بالاستقراء هو الوصول الى نتيجة عامة من خلال لحاظ جزئيات كثيرة دالة عليها. او اثبات جزئية من خلال قرائن مختلفة دالة عليها. وقد تتنوع الادلة وتختلط المفاهيم بهذا الشأن مما يجعل الاستقراء حاملاً لأشكال مختلفة من الادلة، لذلك تظهر الحاجة الى تحديد المفاهيم بدقة كي لا تختلط الامور. ويعتمد الاستقراء على الاعتبارت الاحتمالية. والاحتمالات على نوعين تماثلية وتباينية، ومعنى الاحتمالات التماثلية هو انها قيم متساوية تبررها وجود القرائن المتماثلة، لذلك فانها تخضع للعد الحسابي دون اشكال، وكثيراً ما يستفاد منها في الاحتمالات المتعلقة بألعاب الحظ، عندما تكون الوجوه فيها متماثلة كوجوه قطعة زهرة النرد والعملية النقدية وما اليها. اما معنى الاحتمالات التباينية فهي قيم احتمالية غير متساوية تبررها وجود القرائن المختلفة الدالة على محور معين مشترك، وهي تستخدم في مجال تكوين الفروض والنظريات العلمية التي تعمل على تفسير الظواهر الطبيعية. كذلك تستخدم في اثبات الاشياء وتعليلها. كما انها تمثل العنصر الأساس لبناء الدليل الاستقرائي منطقياً. وطبيعة هذه الاحتمالات هو انها لا تقبل العد الحسابي، طبقاً للاختلاف النوعي للقرائن التي تبرر عدم التسوية الاحتمالية.

والذي ينفع في البحث العلمي، وكذا الفهم الديني، هو الاحتمالات التباينية رغم انها غير قابلة للحساب الرياضي الدقيق.

وهناك اربع قضايا مختلفة لها علاقة بالدليل الاستقرائي، وهي تستخدم في كل من الفهم الديني والتفسير العلمي، وذلك كالتالي:

 

1 ـ الدليل التعميمي:

وفيه ان الدليل يتضمن مشكلة التعميم، وهو المطلق عليه المشكلة الاستقرائية منذ ديفيد هيوم، وسار على نهجه الفلاسفة من بعده، حتى اصبح الدليل الاستقرائي لا يعني عندهم - احياناً - غير ذلك الذي يواجه تلك المشكلة، حيث فيه ينتقل الذهن مما هو خاص الى ما هو عام. ويضم الى ذلك - احياناً اخرى - الاستقراء التمثيلي كما سنرى. واكثر ما يستخدم العلم هذا الدليل كمصادرة مفترضة حول تعميمات القوانين الطبيعية وما يعرف بقانون الاضطراد.

ويقابل ذلك في الفهم الديني مشكلة التعميم الخاصة بالفهم القصدي لدى التعبديات، حيث كيف يمكن تعميم هذا الفهم على جميع ما يعرف من تعبديات؟ وبعبارة اخرى: كيف يمكن تحويل التعبديات الى قصديات او مصالح قصدية؟ كما قد يستخدم هذا الدليل في قضايا المعاملات وردها الى المصالح قاطبة.

 

2 ـ الدليل التمثيلي:

وفيه ان الدليل ينتقل من حالات جزئية محدودة الى حالات اخرى مثلها. او انه يقوم بالاستدلال على الحالات التنبؤية الجزئية من خلال لحاظ مثيلاتها من الحالات. وهو كثير الاستخدام في حياتنا اليومية، ومن ذلك الاستدلال على الترجيحات الخاصة بالطقس ليوم غد، وان البجع الذي سأصادفه سيكون ابيض اللون، وتتابع الليل والنهار في الايام القريبة القادمة، وغير ذلك من التنبؤات القائمة على التماثلات المحدودة. كما يستخدم هذا الدليل لدى شركات التأمين عبر الاحصاءات المختلفة. يضاف الى انه مستخدم بكثرة في الدوائر العلمية، فقد اعتمد عليه في العديد من الاكتشافات والنظريات، ومن بينها توحيد القوتين الكهروطيسية والنووية الضعيفة، ومن ثم التنبؤ بوجود جسيمين مراسلين، واعتمد عليه ايضاً في افتراض جسيم بوزون هيجز ضمن مجال هيجز تشبهاً بالمجال الكهروطيسي للفوتون. كما ان افتراض وجود ابعاد فضائية خفية كان مديناً لهذا القياس التمثيلي، وذلك تشبهاً بعلاقة الجاذبية بالابعاد الزمكانية، فمثلما ان هذه الابعاد مسؤولة عن الثقالة كما يراها اينشتاين، فكذلك يمكن افتراض ان القوة الكهروطيسية مدينة في وجودها لابعاد اخرى خفية، وهو دليل استقرائي قائم على التمثيل القياسي. كما ان فكرة الاكوان المتعددة المتوازية جاءت على خلفية مشكلة قطة شرودنجر الكمومية وفقاً للقياس التمثيلي. وفي الفهم الديني ينطبق هذا النوع من الاستقراء على القياسات الفقهية، حيث يُستدل بشواهد محدودة من الدلالات اللفظية لبعض الاحكام على حالات جديدة مشابهة. لهذا عرفت أحكام هذه القياسات بالظنية.

 

3 ـ الدليل التفسيري:

وفيه ان الدليل يتضمن البحث عن اثبات الحالات الخاصة وتفسيرها. ويلاحظ ان هذا الدليل لا ينتهي الى ما هو عام كما في الحالة الاولى، ولا يواجه مشكلة التنبؤ بالحوادث المستقبلية المتماثلة كما في الحالة الثانية، بل ينتهي الى تقرير معني باثبات حالة خاصة او تفسير وجودها. وهو كثير الاستخدام في العلم، ومن ذلك تفسير القوى المتعلقة بالكتل الطبيعية وفقاً للجاذبية مثلاً. اما في الفهم فقد كانت هذه الطريقة القائمة على الاستقراء فاعلة لدى عدد من المفكرين الاسلاميين في توظيفها للكشف عن القضايا الدينية ومنها المقاصد الكلية كالتي دشنها الشاطبي في كتابه (الموافقات). ومن الامثلة الاخرى ما طرقناه في تفسير بعض العقائد كعصمة الانبياء وفقاً لهذا الدليل. لذا فالتفسير وفقاً للطريقة الاستقرائية شائع الاستخدام لدى كل من المجالين العلمي والديني.

 

4 ـ الدليل الحدسي:

وفيه ان الدليل يتضمن التسليم بفرض معين ينشأ على نحو لا تقتضيه كامل ما سبق من العملية الاستقرائية، أي انه يقفز الى الذهن دفعة واحدة كإلهام، نتيجة وجود قرائن قليلة محدودة، وقد تكون مدعومة بتصورات رياضية او خيالية، كما قد تكون غامضة غير واضحة. وعادة ما يشترط في هذا الفرض كسائر ما سبقه هو ان تكون نتائجه قابلة للاختبار لتتحدد مدى قوته في التأييد والتكذيب او الاستبعاد. وهو يعد موضع اهتمام المنهج العلمي في الغرب حالياً، وقد يختلط امره بالادلة السابقة، فقد يتضمن الصورة التعميمية كما في الشكل الأول، أو يتضمن البحث عن الحالة الخاصة من الكشف كما في الشكل الثاني، أو التفسير كما في الشكل الثالث. ويقابله في الفهم الديني ما اطلقنا عليه في دراسة مستقلة القصد المغامر للبحث الاجتهادي، ومن نماذجه تفسير السيد محمد رشيد رضا للوضوء.

***

وفي العلم ان الانماط السابقة ليست معنية بالبحث حول التطابق مع الواقع بالضرورة، بل كل ما يهتم به هو ان يحظى الفرض بتفسير مقبول ومفضل قياساً بغيره من التفسيرات، لوجود ما يؤيده من الشواهد وغياب المكذب. وهو خلاف ما يهتم به الفهم الديني من اشكالية التطابق والكشف المقارب لمعنى النص.

فالفارق بين الاشكالية العلمية والاشكالية الدينية، هو ان الاخيرة معنية بالتطابق، سواء من خلال الرؤية الظاهرة كما لدى الدائرة البيانية، او من خلال الرؤية التأويلية، كما لدى غيرها من الدوائر، خلافاً للنظرة العلمية التي تهتم – في رؤيتها الشمولية - بمعايير خاصة كمعيار البساطة والتكافؤ وما الى ذلك.

وبعبارة اخرى يتحرى الفهم الديني الكشف عن حقيقة ما يتضمنه النص، في حين يبحث العلم عن النظريات التي تعود اليه بالفائدة البراجماتية، فيرجح بعضها على البعض الاخر، لا من حيث المطابقة مع الواقع، اذ يدرك ان ذلك عسير المنال في القضايا ذات التعميم العالي، ولكن من حيث بساطة النظرية وفائدتها التفسيرية. وهو لأجل ذلك كثيراً ما يعتمد على الشواهد المؤيدة. ومع ان كلاً من العلم والفهم يستعين بالشواهد المؤيدة، لكن الامر لدى العلم مختلف عنه في الفهم. فالعلم يعتمد على الشواهد كحقائق مسلم بها وثابتة، في حين ان الفهم لا يعتمد على هذه الحقائق فقط، بل غالباً ما يضيف الى ذلك الشواهد غير الثابتة، كإن يعتمد على رواية لم يتم التأكد من صحتها، ومع ذلك تذكر كشاهد ان كان لها محل من الاعتبار والصحة بالمعنى الاصولي، واحياناً حتى لو لم يكن لها هذه الصحة او الاعتبار.

الاهداف العامة للعلم والفهم

يتمثل هدف العلم تارة بتفسير الطبيعة، وثانية باكتشاف الحقائق، وثالثة بالتنبؤ بما هو جديد. كما تتمثل غاية الفهم في تحقيق هذه المطالب الثلاثة او اغلبها. ويمكن تسليط الضوء على الاهداف العلمية المشار اليها ومن بعدها المطالب الدينية كالتالي:

نبدأ اولاً بالاهداف العلمية كما يلي:

 

1ـ التفسير العلمي:

وفيه يتم البحث عن القوانين والاسباب الخاصة التي يمكن من خلالها تفسير الظواهر الكونية، وابرز الامثلة عليها قانون الجاذبية الذي وضع لتفسير الحركات الفلكية وسقوط الاشياء. ويعتمد التفسير العلمي على مبدأ السببية طبقاً لعدد من القواعد؛ كالتأييد والاستبعاد والبساطة او الجمال وما اليها.

فهناك نوعان من التأييد للنظرية العلمية، احدهما عندما تقوم الفرضية بتفسير ما هو مشاهد، فتكون المشاهدات مؤيدة للفرض المعطى. كما هناك نوع اخر من التأييد المختلف، اذ يعطي للفرضية امتيازاً وقوة، وهو يعتمد على التنبؤ حين تصادف الفرضية أنواعاً جديدة من الظواهر لم تكن ملحوظة عند طرحها اول الامر، ففيها تصبح الفرضية قوية الاعتبار.

وبحسب ستيفن وينبرغ بانه على الرغم من ان الناس يلحون في ترجيح التنبؤات على التفسير لقلة الثقة بالنظريين، وبالتالي يخافون من ان يعمد اصحاب النظريات الى تدبير نظرياتهم بما تلائم ما عليه الوقائع التجريبية المعروفة سلفاً، الا انه يرى بان النبوءات الناجحة هي ما ينبغي ان يشك فيها غالباً. فمثلاً يعتقد بان تفسير اينشتاين لشذوذ حركة عطارد اوثق من تنبؤه بانعطاف الضوء بفعل الشمس الذي تم التحقق منه اثناء كسوفها (عام 1919)، او في سائر الكسوفات اللاحقة. وقد حصل شيء من التشكيك في نتائج هذا الكشف، اذ بينت بعض الكسوفات التي لحقت (عام 1919) بانه لم يتم اكتشاف الدقة فيما قاله اينشتاين بهذا الصدد، لذلك كان فلكيو بعثة الكسوف لذلك العام متهمين بشيء من الشطط، الا انه بعد الحرب العالمية الثانية بينت التقنيات الجديدة حول هذه الظاهرة وظواهر اخرى ان ما رآه ايثنشتاين كان دقيقاً بالفعل.

 

2ـ الاكتشاف العلمي:

وفيه يتم اكتشاف حقائق موضوعية لم تعرف من قبل، كاكتشاف العناصر الكيمياوية مثلاً.

 

3ـ التنبؤ العلمي:

وفيه يتم وضع فرضية ما ليستهدى بها للتنبؤ ببعض ظواهر الطبيعة. وهو يعتمد على التفسير، اذ لا يمكن التنبؤ بشيء إن لم تسبقه فرضية ما للتفسير. فمثلاً فيما يتعلق بتفسير ظاهرة المذنبات كانت نظرية كبلر ترى انها اجسام تتحرك باتجاهات مستقيمة، و«قبال هذه النظرية كانت هناك نظرية دينية شائعة حول تفسير حركة المذنبات، حيث تعتبرها علامة تنبئ بغضب الله وانه سيجلب الخراب والدمار». لكن طبقاً لنظرية نيوتن في الجاذبية التي نشرها عام 1686م فإن بعض المذنبات يتحرك بشكل اهليليجي، والبعض الاخر بشكل مخروطي دون عودة. وقد كان العالم الفلكي هالي Halley يعمل ضمن البرنامج النيوتني فأراد حساب امتداد مرور احد المذنبات من الصنف الاهليليجي طبقاً للمشاهدة، فرأى انه سيعود بعد 72 سنة من الزمن، وحدد نقطة رؤيته التي سيعود فيها. وبالفعل حصل هذا التنبؤ بعد أن كان هالي ونيوتن ميتين. وهو ما يدعم نظرية نيوتن في الجاذبية.

فأصل التنبؤ كما في الاطار العلمي يعتمد على حيوية الفرضيات التي نطرحها، وهي قد تصيب او تخيب. وكما قال نوفاليس: ‹‹الفرضيات شِباك من يرمي بها يجني ثمارها››.

ويمكن ان يقال بان الطريقة العلمية تتبع نظام الفروض (المؤقتة) في التفسير والتنبؤ، وهي القفزة الذهنية التي يطلق عليها الحدس العلمي والتي يتم اخضاعها من جديد تحت الاختبار للحاظ ما يمكن ان تكسبه من قوة تأييد او استبعاد .

وكثيراً ما تتخذ الطريقة العلمية المنهج المغامر في التنبؤ او وضع الفروض، وعادة ما تمارس نوعاً من الاستدلال لا يعد مقبولاً من الناحية المنطقية، باعتباره يقفز من ملاحظات محدودة لينتهي الى نتيجة لا تبررها تلك الملاحظات منطقياً، او ان هذه الملاحظات قابلة لاكثر من تفسير واحتمال. ومن ذلك ما يتعلق بنظرية الانفجار العظيم والتمدد الكوني.

 

اما في الفهم الديني فيمكن لحاظ المطالب والاهداف التالية:

1ـ التفسير الديني:

وفيه يتم تحديد معنى النص الديني وقصده. فاذا كان التفسير العلمي معنياً بالسبب والقانون فان التفسير الديني معني بالقصد والمعنى، اذ تلعب العلة الغائية الدور المقابل لما تلعبه السببية في التفسير العلمي.

على ان الفهم الديني قائم على مسار التفسير، فاغلب ما يمتاز به هو التفاسير والافهام المتجددة او التأويلات المفتوحة. والفهم من دونها ينتهي كفهم، او انه لا يعود هناك فهم سوى فهم واحد ‹‹مطابق›› لا غير، الا ان حركة الفهم تتجلى بكثرة الافهام وتجددها. وقد يتخذ طابع التجديد مورداً للنموذج المثالي كأفضل حالات الفهم. فمثلاً ان من الاعمال التي عُدت نموذجية كأفضل حالات الفهم الدائرة في مجال التفسير القرآني لدى الشيعة هو كتاب (الميزان في تفسير القرآن) للمرحوم محمد حسين الطباطبائي، اذ يكاد يجمع الشيعة الاصوليون اليوم على كونه افضل كتاب في التفسير، باعتباره يتميز بالطابع العقلاني والعصري بعيداً عن الخرافة والباطنية والتأويل التي امتلأت بها كتب التفسير الشيعية السابقة، سيما القديمة منها. وعلى ما يبدو انه لا يوجد في قباله كتاب في التفسير او الفهم متفق على نموذجيته لدى السنة، بل هناك كتب متعددة مختلفة الاتجاهات.

 

2ـ الاكتشاف الديني:

وفيه يتم اكتشاف بعض الحقائق التي لم تكن معروفة من قبل. مع ضرورة التمييز بين الاكتشاف والتفسير. ففي حالات كثيرة تحصل تفاسير جديدة للنص وهي ليست مكتشفات. لذا فما يتميز به الاكتشاف الجديد هو ان تكون هناك قرائن احتمالية واحصائية تدل على المعنى المراد بما لا يقبل الشك. فمثلاً ان رشيد رضا وحسين النائيني اعتبرا القرآن الكريم يحمل القضايا الدستورية، وان لم تتبين لدى القدماء. فهنا ان ما ادعاه هذان العالمان اما ان يكون اكتشافاً جديداً لم يتهيء للقدماء اكتشافه رغم ظهوره، او انه تفسير للقرآن ارادا ان يظهراه مظهر الاكتشاف. لكن من حيث التحقيق يتبين بأنه تفسير لا اكتشاف. كذلك فهناك محاولات للاكتشاف تبرز لدى المهتمين بقضايا الاعجاز العددي وبالتجديد المفارق للتراث، لكن هذه المحاولات مازالت لم تصل الى الغاية المرجوة، فكثيراً ما يبدو فيها الادعاء او ضعف الحس الاحصائي والاستقرائي. ومن ذلك محاولة الاستاذ محمد شحرور في ان يجد فارقاً غير ملتفت اليه في القرآن بين الصلاة والصلوة، او بين النبوة والرسالة، او المحكم والمتشابه. وتعد الفوارق بين هذه الثنائيات الزوجية من صنف الاكتشاف إن تبين الاحصاء الكامل للأزواج المذكورة بانها تثبت ما ذكره، لكن حقيقة الامر غير ذلك.

وعموماً ليس الاكتشاف بالامر الهين لدى الفهم الديني مقارنة بالعلم، اذ المسار العلمي قائم باستمرار على الاكتشاف، ولولاه ما كان للعلم دور، ولكان حاله حال الفلسفة دون اختلاف. خلافاً للفهم فانه لا يقوم على الاكتشاف من حيث الاصل والاساس، بمعنى انه حتى ولو لم يكتشف اي شيء جديد فذلك لا يدعو الى الغائه، فما يلغيه هو انعدام التفسير والتأويل.

 

3ـ التنبؤ الديني:

اذا كان التفسير العلمي يقابل التفسير الديني، وان الاكتشافات التي ترد في العلم هي كالحقائق التي تكتشف في الدين بما لم يعرف من قبل، فان ما يتبقى من مشكل هو ذلك المتعلق بالتقابل بين التنبؤ العلمي والديني. فمن مهام العلم التنبؤ ومعرفة ما اذا كان صحيحاً ام لا، وان العلماء يمارسون هذا الدور بنوع من المغامرة، كالذي اشار اليه بعض فلاسفة العلم، واعتبر العملية لا تخلو من المغالطة المنطقية.. لكن يبقى السؤال متعلقاً بالتنبؤ الديني، فهل يمكن ان نجعل من مهام فهم الدين العمل بالتنبؤات وفقاً للمعايير والقواعد المطلوبة، ام ان ذلك غير ممكن؟

فمن المعلوم ان المهمات التي يقوم بها (علم الطريقة) عديدة، مثل ايضاح كيفية الفهم ومزاولته عبر ابراز القواعد الاجرائية والدوائر المعرفية المعمول بها مع نقدها، كذلك الكشف عن القوانين والسنن المتحكمة في الفهم، ومثلها البحث في تحديد الأنواع المختلفة من مستنبطات الفهم ومحاولة الترجيح بين مضامينها وقواعدها النظرية، ووضع المعايير التي يرجع اليها في النقد والترجيح. يضاف الى ان له مهمة اخرى، هي تقديم المقترحات الخاصة بالقواعد المناسبة للفهم، ممن لها القدرة والكفاءة العالية في الكشف عن مضامين النص الديني باتساق. لذا فإن لهذا العلم اربع مهام طرقناها في كتاب (منطق فهم النص) ونجملها كالتالي:

1ـ ابراز القواعد والمناهج النظرية المعمول بها في الفهم.

2ـ الكشف عن السنن والقوانين التي تتحكم فيه.

3ـ الاقتراحات الاجرائية.

4ـ التقويم والترجيح وفقاً للمعايير الموضوعة.

وتعتمد هذه المباني بعضها على البعض الاخر، وقد تتحد فيما بينها احياناً.

لكن هل لعلم الطريقة علاقة بالتنبؤ؟ فهل يمكن لبعض القواعد الاجرائية التنبؤ عن شيء ما، ومن ثم التحقق ان كان له مصداقية ما؟

وعموماً هل يمكن التنبؤ بقضايا دينية قابلة للاختبار اعتماداً على التفسير الديني، كالذي يجري في العلم، وإن كان في اطار اضيق منه؟

لا شك ان الاختلاف بين العلم والفهم – هنا - يتعلق بعنصر الزمن. اذ يشترط في التنبؤ العلمي وجود فاصل زمني بين النظرية والمتنبأ به. فهو ادعاء يتحدث عن شيء مستقبلي او حتى ماض لا ترد دلالة ظاهرة عليه. فهو يختلف مثلاً عمن يقول ستشرق الشمس غداً، فهذا القول لا يعد تنبؤاً بالمعنى العلمي، لأنه متوقع الحدوث. ومثاله ما يتعلق بنظرية اينشتاين حول انحراف الاشعة الضوئية للنجوم عند اقترابها من الشمس، وقد تأكد هذا التنبؤ كما سبق ان اشرنا.

أما في الفهم فليس هناك فاصل زمني كما في العلم، اذ ليس فيه حوادث مستقبلية لكونه يعتمد على الفاظ وكلمات هي بمثابة الحوادث، لكنها حاضرة على الدوام وليس فيها ماض ولا مستقبل، خلافاً لوقائع الطبيعة، وبالتالي ليس هناك ما يمكن ان نطلق عليه تنبؤ بالمعنى المشابه للعلم. رغم ان التطورات الاخيرة للعلم جعلت بعض الاتجاهات العلمية ترى تفسيرها لبعض الظواهر العلمية هي نوع من التنبؤ المتأخر، مثل ما تدعيه نظرية الاوتار من انها اكتشفت الجاذبية رغم ان الاخيرة معروفة منذ نيوتن خلال القرن السابع عشر، وحتى قبل ذلك لكن من غير دقة رياضية. فقد قال ابرز اعظم رجال هذه النظرية ادوارد ويتن: ‹‹ان واحدة من اعظم الحقائق على الاطلاق هي ان الجاذبية تنبع من نظرية الاوتار››. او ان ‹‹لنظرية الاوتار خاصية واضحة في التنبؤ بالجاذبية››، وعلق عليه برايان غرين بأن هذا التنبؤ هو تنبؤ ما بعد الحدث. واشار ويتن بان اكتشاف الفيزياء للجاذبية خلال القرن السابع عشر كان مجرد صدفة تاريخية على الارض، وان من المحتمل في حضارات اخرى متقدمة في الكون ان تكون نظرية الاوتار قد اكتشفت اولاً، ومن ثم جاء اكتشاف الجاذبية بعدها نتيجة تنبؤ الاولى. ومثل ذلك اعتبرت رؤى اينشتاين في الثقالة بانها مثبتة من خلال رصدين مذهلين، احدهما تنبؤ لاحق والاخر تنبؤ سابق، كالذي يقوله الفيزيائي ماكيويجو. بمعنى ان تفسير اينشتاين الدقيق لشذوذ حركة عطارد بانه نوع من التنبؤ اللاحق في قبال التنبؤ السابق والمتمثل في انعطاف اشعة الضوء عند اقترابها من الكتل والطاقات ذات الجاذبية الضخمة كالشمس مثلاً.

مع هذا هناك نوع من التنبؤ في الفهم، وهو الكشف عن قضايا لها علاقة في الواقع لم تكن معروفة، او هي خلاف المتصور. ومثال ذلك ما قد يُذكر من ان تحريم لحم الخنزير قد جرى لوجود اقوام تستخدمه لاغراض طقوسية خاصة، فهو افتراض يثار كقضية تقبل الاختبار، ليعرف ما اذا كان الفرض يحقق نجاحاً ام لا؟

لكن ترد حول ذلك عدد من المشاكل، اهمها ما يلي:

1ـ انه حتى مع نجاح الفرض السابق؛ فان ذلك قد لا يكشف عن العلة الحقيقية للحكم، اذ قد يكون للحكم ارتباط بسبب اخر، او ان له علة اخرى مشاركة.

2ـ ما الذي يؤكد لنا الحقيقة التاريخية وهي منقولة بالرواية؟ اذ ليس كل رواية منقولة صحيحة او معتبرة، فلأجل الاطمئنان من صدق النقل التاريخي لا بد من ان يكون هناك تواتر على مستوى النقل، وعلى الاقل ان يكون مقنعاً وفي غاية الاعتبار، وهو من الحالات القليلة، الامر الذي يختلف فيه الحال لدى اختبار التنبؤ العلمي.

3ـ ان دعوى التنبؤ على فرض صدقه قد يشكك بها، فمن الممكن تماماً ان يعلم الباحث سلفاً بالنتيجة التي يراد اختبارها، فتكون النتيجة تحصيل حاصل، خلافاً للحالة العلمية التي تبقى مجهولة حتى تتم فرصة الكشف عنها. مع ذلك فالمهم هو قبول الفرض للاختبار، سواء جرى عندما لم يتم الكشف عن العلة المدعاة، او جرى بالتفسير عند العلم بالعلة المدعاة سلفاً. ففي جميع الاحوال انه كلما نجح الاختبار كلما زادت قوة احتماله وتأييده.

 

أبعاد العلاقة بين العلوم مطلقاً

بادئ ذي بدء تتركب العلوم باطلاق بعضها على البعض الاخر، مباشرة وغير مباشرة. فأي علم يجد عناصره في علوم اخرى مختلفة، حتى ينتهي الامر الى العلم المتعلق بالبديهات والضرورات الأولية، والتي يهتم بها علم الفلسفة والمنطق. وقديماً كان الفلاسفة والمناطقة واعين لهذا البناء والتكامل بين العلوم المختلفة. ومن حيث التفصيل فانه يمكن تحديد علاقة العلوم ببعضها حسب المستويات التالية:

 

1ـ التوازي

وفيها ان العلوم بعضها يكافئ البعض الاخر، بغض النظر عن قابلية التأثر والتأثير فيما بينها. ومن ذلك التوازي الحاصل بين العلوم الانسانية والعلوم الطبيعية. ومن حيث التحليل فإن هذه العلاقة يمكن ارجاعها الى غيرها من العلاقات كما يلي..

 

2ـ الاعتماد

وفيها تتحدد العلاقة لدى جملة من العلوم وفقاً لاعتماد بعضها على البعض الاخر مباشرة دون عكس، فلولا العلوم المعتمد عليها ما كان للعلوم الاخرى ان تقوم لها قائمة. ومن ذلك ان علم البايولوجيا قائم على الكيمياء والفيزياء، اذ ان الكثير من المشاكل البايولوجية لا تحل الا عبر هذين العلمين. ومثل ذلك فان الفقه قائم على علوم القرآن والحديث والرجال واللغة من النحو والصرف وما الى ذلك. وهذا الاعتماد لا يمنع من تأثير العلوم المعتمِدة على تلك التي اعتمدت عليها. ومن حيث الدقة ان الاعتماد يجري من حيث العلم كذات وهوية، فمن هذه الناحية تحتاج بعض العلوم الى غيرها في التأسيس ذاتاً دون عكس. اما من حيث العلم المحقق فان التأثير فيه قد يكون متبادلاً، وهو ان تتأثر العلوم المعتمد عليها بتلك القائمة عليها. ومثال ذلك ان هناك نظريات فيزيائية اعتمدت على الشفرات والطفرات الوراثية لتفسر بها التوالد المختلف بين الاكوان المتعددة، كالذي ذهب اليه الفيزيائي ليند ضمن نظريته في التضخم الكوني.

 

3ـ الاختزال

هناك من يبالغ في الامر ويذهب ضمن النظرية الاختزالية، في رد وتفسير ما يرد في علم ضمن علم اخر، ومن ذلك اعتبار البايولوجيا فرعاً من فروع الفيزياء كالذي يذهب اليه العديد من العلماء، ومنهم الرياضي البريطاني روجر بنروز.

 

3ـ التأثير الخطي

وفيها ان جملة من العلوم تؤثر على غيرها، وان كان الغير غير قائم عليها كلياً. ومن ذلك علوم الرياضيات في علاقتها بالفيزياء والكيمياء، فهي مؤثرة عليها تأثيراً كبيراً، لكن يمكن للفيزياء والكيمياء أن يعيشا ولو بشكل ناقص من غير تأثير للافتراضات الرياضية. ونحن هنا ننظر الى الفيزياء والكيمياء كهوية ذاتية بغض النظر عما هو متحقق. وكذا هو الحال في تأثير علم الكلام والعلوم الحديثة على علم الفقه.

 

4ـ التأثير المتبادل

وفيها ان جملة من العلوم بعضها يؤثر على البعض الاخر، وبالعكس. فمثلاً أن كلاً من علمي الفيزياء والكيمياء يؤثر على الاخر. لذلك امكن انشاء علم جامع مشترك هو علم الكيمياء الفيزيائية. وكذا الحال مع العلوم الانسانية، فعلم السياسة يؤثر على علم الاقتصاد، والعكس صحيح. وبالتالي فهناك علم الاقتصاد السياسي. وتعد مثل هذه العلوم من العلوم المتوازية او المتكافئة.

 

5- التفسير

وفيها ان بعض العلوم يمكنها تفسير غيرها وليس فقط التأثير عليه. فمثلاُ ان الفيزياء والكيمياء رغم انهما يؤثران على علم الحياة البايولوجيا لكنهما لا يفسرانها، في حين ان الرياضيات تفسر الفيزياء وليس فقط تؤثر عليها، اذ يمكن تحويل القوانين الفيزيائية الى قوانين رياضية لتفسير مطالب الاولى. فمثلاً ان علاقة التحويل بين الطاقة والكتلة يمكن تفسيرها وفقاً لمعادلة رياضية كالتي جاء بها اينشتاين وغيره. فالرياضيات هنا وبحسب تعبير ادوارد ويتن هي وعاء مثالي للمفاهيم الفيزيائية.

 

6ـ  التباعد

وفيها انه لا علاقة للعلوم بعضها بالبعض الاخر مباشرة، كعلاقة علم الرياضيات بعلم النحو او الكلام مثلاً.

***

ويلاحظ انه باستثناء العلوم المتباعدة والمتوازية، فان اي تطور في بقية العلوم سوف يؤدي الى تطور العلوم الاخرى المتأثرة بها او المعتمدة عليها.

لكن السؤال الذي يرد بهذا الصدد: اي علاقة تجمع بين الفهم الديني وعلم الطبيعة بشكل عام؟

وقد يعود بنا هذا الامر الى تحديد طبيعة كل من العلم والفهم كما هو في ذاته وكما هو متحقق لنعرف طبيعة ما يرتبطان من علاقة..

 

أبعاد العلاقة بين العلم والفهم

ليس لحديثنا هذا شأن بما يناقش حول علاقة العلم بالدين إن كانت علاقة تأييد او تعارض. فما يذكر حول الدين لا يتعدى الفهم، ما لم يكن الاخير معبراً عن الدين ذاته من دون احتمالات اخرى قائمة. وبالتالي فما يهمنا هو الفهم والنظرية لكل منهما.

ويمكن تحديد أبعاد العلاقة بين العلم والفهم بنوعين من العلاقة، تارة على مستوى المضامين، واخرى على مستوى القواعد الاجرائية. وعلى صعيد المضامين هناك اربع مسارات للعلاقة بين العلم والفهم كالتالي:

 

1ـ المسار المختلف:

وما يعنيه هذا المسار ان لكل من العلم والفهم قضايا ليس لها علاقة مباشرة بالاخر. اي ان لكل منهما نتائجه المستقلة دون ادنى علاقة. فقد نتصور مثلاً ان الكثير من الاحكام الفقهية والعقائدية في الفهم الديني معزولة عن التخصصات العلمية الصرفة. وهو لا يمنع من ان تكون غيرها لها علاقة بالعلم، مثل علاقة علم الفلك بالاستهلال، والكحول بنوعيه الاثيلي والمثيلي بالخمر.

 

2ـ المسار التأييدي:

وفيه يكون العلم او الفهم مؤيداً ما لدى الاخر. وقد يكون العلم ومثله الفهم مورداً للاختلاف والنظريات، وقد ينشأ من ذلك التأييد النسبي لبعضها ازاء البعض الاخر. او يحصل التأييد بين الشائع او المتحقق لأحدهما او لكلاهما مع الاخر. فمثلاً ان الشائع لدى العلم هو القول بحدوث الكون دون قدمه، وهو ذاته الشائع لدى الفهم الديني، فأحدهما يؤيد ما لدى الاخر بغض النظر عن التفصيل.

 

3ـ المسار التعارضي:

وفيه يعبر المسار عن وجود تعارض بين الفهم والعلم. بغض النظر عما اذا كان احدهما او كلاهما شائعين او محققين او غير ذلك. ومن ذلك التعارض المتعلق بهيئة الارض ان كانت متحركة او ساكنة. فالقدماء وبعض المعاصرين من المسلمين يعتقدون وفقاً للفهم الدين بان الارض ساكنة ثابتة، حتى ظهر عدد من الكتب التي تؤكد هذا المعنى، مثل كتاب (الصواعق الشديدة في الرد على أصحاب الهيئة الجديدة) لحمود التويجري، وكتاب (هداية الحيران في مسألة الدوران) لعبد الكريم الحميد، وكتاب (نقض النظريات الكونية) لمحمد بن عبد الله الإمام، وكتاب (ثبات الأرض وجريان الشمس) لمحمد بن عمر الغريَّاني الطويرقي، اضافة إلى العديد من المقالات المستندة إلى الفهم القائم على القرآن الكريم والحديث النبوي واعتقادات العلماء القدماء، ومن ذلك ما قاله عبد القاهر البغدادي في (الفرق بين الفِرق) بأن  العلماء أجمعوا على الاعتقاد بسكون الأرض وثباتها. ومثل ذلك التعارض المتعلق بالمدة التي استغرق فيها خلق السماوات والارض وما تبقى من مدة، فكما ذكر ابن كثير في (البداية والنهاية) بأن للمفسرين قولين في معنى الايام الستة التي خلق الله فيهما السماوات والأرض كما في قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) الاعراف\ 54، فبعضهم ذهب إلى ان المقصود فيها كايامنا هذه، وهو رأي الجمهور، في حين ذهب بعض آخر إلى ان كل يوم بألف سنة استناداً إلى قوله تعالى: (وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) الحج/47، فالمجموع هو ستة آلاف سنة لا غير، وهو ما جاء عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وكعب الاحبار وابن حنبل وابن جرير وطائفة من المتأخرين. كما اعتقد البعض اننا في الألف السابعة الأخيرة التي سيتحتم بها يوم القيامة استناداً إلى الحديث النبوي: ‹‹ان استقامت امتي فلها يوم، وان لم تستقم فلها نصف يوم››. لكننا حالياً وصلنا إلى قريب من منتصف الألف الثامنة أو منتصف اليوم الثامن. وكل هذه التصورات والافهام مما يعارض العلم والحقائق البينة.

 

4ـ التأثير:

في قديم الزمان كان تأثير الفهم الديني على العلم ساحقاً، بل لم يكن للعلم وجود من غير هذا الفهم، واذا ما سلمنا بمراحل اوجست كونت التاريخية، فان المرحلة الدينية هي الاولى، وقد كانت تحتضن كلا المرحلتين التاليتين في جوفها، بمعنى انها تحتضن بذور التفكير الفلسفي او التساؤلات الفلسفية، كما تحتضن بذور التفكير العلمي بشكله البسيط الساذج. فكان تأثير الدين، وبالاحرى الفهم، على العلم شاملاً ومطلقاً، ومع مرور الزمن اخذ العلم ينفصل شيئاً فشيئاً حتى تحول من لباس الدين الى عبائة الفلسفة، فاصبحت الاخيرة الحاضنة له منذ فترة الاغريق، بل انها اعادت ولادته بشكل اخر يتفق وطريقة تفكيرها، واستمرت هذه الفترة مدة طويلة حتى بدأ العلم يأخذ انفصاله شيئاً فآخر بالتدريج. ومع ان الفلسفة كانت الراعية للعلم منذ اليونان، لكن التأثير الديني لم ينقطع كلياً، فاخذ هذا التأثير تارة بمعزل عن الفلسفة، واخرى بالامتزاج معها. ففي الغرب كانت الكنيسة هي الراعية للعلم والفلسفة معاً، فافكار ارسطو كانت تصنف ضمن المنظار الديني ايضاً.

هكذا فان العلوم الطبيعية قد تأثرت بالفهم الديني، مثلما حصل العكس فيما بعد.

 واليوم نرى ان تأثير العلم على الفهم الديني قوياً وهو ينعكس بدرجات مختلفة ندرجها كالتالي:

1- لقد اصبح من المسلم به لدى الغالبية الدينية ان ما جاء به العلم صحيح على خلاف ما كان يعتقد به من قبل، مثل حركة الارض حول الشمس، خلافاً للمعتقدات القديمة.

2- هناك امور علمية ظل يشوبها الشك لدى الغالبية الدينية، من قبيل نظرية داروين.

3- هناك امور علمية مازالت تمثل امراً مقبولاً نظرياً لدى الاوساط الدينية بقدر ما يراهن عليها العلم دون ان تصل الى مستوى القطع، مثل نظرية الانفجار العظيم.

4- هناك امور يدّعى فيها السبق الديني على العلم، وانه ما من شيء يصل اليه العلم الا ونجد للدين فيه السبق، ومن ذلك ما يظهر لدى ما يعرف بالتفاسير العلمية والاعجاز الديني او القرآني او حتى اعجاز الحديث، ومثل ذلك يقال في الكتب المقدسة لغير المسلمين.

فجميع هذه الصور هي نتاج التأثير العلمي على الفهم كما نشهده اليوم. لكن في القبال نسأل: هل يمكن للفهم ان يؤثر على العلم؟ او على الاقل: هل قام بفعل ذلك حديثاً؟

فمن المؤكد اليوم ان للفلسفة تأثيراً على تقدم العلم او التأثير عليه، كما يتجلى الحال في تأثير ذرة ديمقريطس على الكيمياء، ومن بعدها الفيزياء، وكذلك تأثير مبدأ الحتمية لاينشتاين في رفضه للنتائج الكوانتية، او حتى العكس الذي لجأت اليه نظرية الكوانتم في فهمها للقوانين الطبيعية. فهذه نتائج واضحة للتأثير الفلسفي. وسؤالنا هو: هل للفهم الديني من تأثير مشابه؟

بطبيعة الحال سوف لا نعير اهمية للاتهامات غير الموثوقة التي تم توجيهها احياناً ضد بعض العلماء بأن نظرياتهم هي نتاج للتأثير الديني، ومن ذلك ما اتهم به اينشتاين من ان علمه في النسبية هو علم يهودي، رغم اننا لا نجد اي شبه بين الحالين. لكن للتأثير الديني اثر محسوس على العلم، يظهر تارة ويختفي اخرى، وهو على شاكلة اثر التنجيم على العلم خلال النهضة العلمية الحديثة، ومن ذلك كان نيوتن يستعين احياناً بالتفسير الديني عند عجزه من تطبيق نظريته على بعض الظواهر الكونية. فقد لاحظ بأن لحركات الكواكب حول الشمس شذوذاً طفيفاً لا يمكن تفسيره عبر قانون الجاذبية، ولو أن هذه الحركات الشاذة تراكمت مع مرور الزمن لأدت إلى إنحرافات عظيمة تقلب ميزان النظام الشمسي كله رأساً على عقب، بحيث إما أن الكواكب تنفلت من السيطرة خارجاً، أو تبتلعها الشمس لجاذبيتها، لكنه حيث لم يجد لذلك تفسيراً علمياً فإنه لجأ إلى التفسير الديني الميتافيزيقي، وهو أن الله يتدخل بين الحين والآخر ليعيد الكواكب الضالة إلى مسارها الطبيعي.

ان من الاعتقادات الراسخة في الغرب اليوم هو ان الدين يظهر عندما تكون هناك ثغرات لم يتمكن العلم من ردمها او تفسيرها، وبالتالي فكلما تقلصت الثغرات تقلص الدين، والعكس بالعكس. وقد دعا العالم الفيزيائي كولسن بعدم توفير فرصة لأن يكون هناك إله للثغرات. ومع ان فعل هذا الإله اخذ يتقلص منذ النهضة العلمية الحديثة، لكن من الصعب اعتباره قد انتهى كلياً. بل اكثر من ذلك نجد ان التصورات الحديثة للعلم اخذت تمتلئ بالمفاهيم الاسطورية بما لا يختلف عما قدمته الاساطير اللاهوتية والمفاهيم الدينية، وقد تكون نظرية الاوتار الفائقة ونظريات الاكوان المتعددة بارعة بهذا النمط من الاساطير. حتى ان منها ما يقترح إجابة شبيهة جداً بالطرح الديني، ولا يستبعد تأثرها به، وهي ان الكون قبل حدوث الانفجار العظيم كان في فوضى دون ابعاد محددة من المكان والزمان او غيرهما، وهو امر يشابه ما يفيده الطرح الديني كما في العهد القديم، او حتى لدى الفهم الاسلامي طبقاً لبعض الروايات.

لكن اذا كان للعلم فراغات كثيراً ما يملأها الدين او الفلسفة، فان العكس صحيح ايضاً، وهو ان هناك فجوات في الدين يعمل العلم على تسديدها، بل قد يستبدل ما يمكن ارجاعه الى الدين، وكذا الفلسفة، بالعلم. وبالتالي فهناك تأثير متبادل بين العلم والفهم الديني، فاحدهما يؤثر على الاخر، فالتفاسير العلمية القديمة مليئة بالتفاسير الدينية والفلسفية، ومن ثم تحول الأمر حديثاً فاصبح التأثير العلمي على الفهم الديني بيّن للغاية، كالذي يحفل به التفسير القرآني لقضايا الطبيعة وفقاً للنظريات والنتائج العلمية الحديثة، سواء كان ذلك وفقاً لقلب الفهم التراثي، او باعتبار التعمق وتفصيل الفهم. ومثلما كان من الصعب على العلم ان يؤثر في الفهم قديماً، فانه قد انعكس الحال فاصبح من الصعب ان يكون الفهم مؤثراً في العلم حديثاً. وكأن التأثير خطي باتجاه احدهما للاخر من غير تبادل.

***

كانت تلك هي أبعاد العلاقة بين العلم والفهم على مستوى المضامين. اما على مستوى القواعد الاجرائية، فيمكن ان نتساءل عما اذا كان بين الفهم والعلم نوع من التقارب والتأثير، ام ان لكل طريقته الخاصة المستقلة؟ وهو سؤال يتطلب التفكير في امرين، احدهما يتعلق بالكشف عن الارتباطات والتأثيرات التي تنتابهما مما هو جار في واقع التفكيرين. اما الاخر فيرتبط بمد الجسور في الربط بين التفكيرين من خلال استعارة بعض القواعد والمفاهيم من احدهما الى الاخر. فالعنصر المشترك بينهما هو استخدام الادلة الممكنة للكشف عن الموضوع الواقع تحت البحث، فهو الكون لدى العلم، والفهم لدى النص. لذلك ستتنوع العلاقة بين العلم والفهم على مستوى القواعد الاجرائية للكشف وفقاً للامرين السابقين كالتالي:

 

1ـ الاشتراك في القواعد والمفاهيم

هناك قواعد مشتركة قد تم تحديدها وتطبيقها في الغرب ضمن العلوم الطبيعية، وانها ايضا كانت محددة قبل ذلك لدى المسلمين وطبقوها على النص بما يعرف لدى الأصوليين بمسالك القياس، ومن ذلك السبر والتقسيم والطرد والدوران وتخريج المناط... الخ. فمن الناحية المنهجية كان الاصوليون القدماء يطبقون حالات الكشف في القياس هي ذاتها قد استخدمت للكشف في المجال العلمي. وان ما جاء به الكثير من الفلاسفة المحدثين والعلماء المتأثرين بهم كان قد تم على وفاق من البحوث الاصولية المختصة بالقياس ومسالكه. كذلك فان اولى القواعد المستخدمة في المنهج العلمي والفهم الديني هي قاعدة الاستقراء. وقد كان الشاطبي من القلائل القدماء الذين اشادوا بالعمل بهذه القاعدة، وهي من القواعد المنطقية المعروفة لدى الفلاسفة القدماء.

 

2ـ امكانية الاقتباس

نرى ان قواعد ومفاهيم مثل الفرض والبساطة والاقتصاد والنماذج الارشادية والاختبارات الشاقة وغيرها مما يعول عليها في العلم، تصلح للاقتباس والتوظيف في الفهم الديني.

لكن هل يمكن فعل العكس، وهو اقتراح قواعد ومفاهيم مستخدمة في الفهم لتشكل ادوات صالحة للتوظيف في العلم؟

هذا هو السؤال الصعب.. ونتركه للقارئ ليفكر فيه بجدية!

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2474 المصادف: 2013-06-14 01:51:23


Share on Myspace