 دراسات وبحوث

هرمنوطيقا العلم وحيله الرياضية والخيالية

للرياضيات اشكال مختلفة للاستخدام الفيزيائي، تارة على نحو التسجيل الدقيق للظواهر والقوانين الطبيعية كما هو حال ما يفعله النظام الاول الاجرائي، وثانية كاجراء للتعبير عن الفرضية التأويلية او الخيالية للواقع، وهي التي اهتم بها اينشتاين في بنائه للنسبية الخاصة والعامة، وثالثة انها تشكل مصدراً للالهام والاكتشاف، وهي في هذه الحالة تعبر عن المعنى الخيالي او التأويلي للواقع الفيزيائي، وقد يعبر عنها بالشكلية الرياضية نسبياً، تمييزاً لها عن الشكليات المحضة، ومن ذلك ما اهتم به اينشتاين خلال العقود الثلاثة الاخيرة من عمره حول البحث عن نظرية مجال موحدة من خلال الشكليات الرياضية، وهي قفزة من المنهج الخيالي الى المنهج الرياضي رغم العلاقة المتداخلة بينهما.

كذلك قد تكون الرياضيات وسيلة للعب المشعوذ، فهناك من العلماء من كان يبحث حول الذرات فقط ليستنتج بانه لم يكن يبحث في الفيزياء، بل كان يشعوذ في الارقام. كما قد تكون الرياضيات حيلة مصرح بها للوصول الى حل مناسب في التعبير عن هذه الظواهر، وما اكثر ما يقره الفيزيائيون من حيل رياضية او نماذج لعب مصطنعة. وقد يشك فيما اذا كان للرياضيات معنى فيزيائياً ام انها مجرد معادلات لا علاقة لها بالواقع، او هي مجرد حيلة لتكوين نظرية عن الواقع الفيزيائي، فمثلاً كان احد طلاب اينشتاين القدامى يقول بان الاخير ‹‹كان يرى في كل معادلة مضموناً فيزيائياً، في حين ان هذه المعادلات من وجهة نظرنا لم تزد عن كونها مجرد معادلات››. وقد توصل بلانك الى مفهوم الكمات التي اعتبرها في الاساس اختراعاً لحيلة رياضية، لكنها دفعت اينشتاين الى ان يعتقد بان لها حقيقة فيزيائية.

وما يهمنا هنا من هذه الاشكال الرياضية هو الرياضيات المصطنعة التي تتضمن الحيل ونماذج اللعب دون ان تربطها بالحقيقة الفيزيائية معنى حقيقي بل معاكس، ومن ذلك ما اظهرته بعض الرياضيات من سيناريو كون يتمدد بسرعة هائلة حتى التمزق. فكما ذكر ديفيز بانه اكتشف مع جون بارو خلال الثمانينيات من القرن المنصرم وفقاً للرياضيات بان مستقبل الكون يؤول الى التمدد اللامتناهي بحيث ان كل شيء يأخذ بالتمدد ومن ثم التمزق والتفجر من المجرات شيئاً فشيئاً حتى يصل الامر الى الذرات وما فيها من جسيمات، فينتهي المكان والزمان عند الوصول الى مرحلة المفردة الزمكانية. مع ذلك فان هذين الفيزيائيين لم يتخذا السيناريو السابق على محمل الجد كثيراً باعتباره مبنياً على نموذج رياضي مصطنع. الا ان الفكرة الرئيسية للموضوع اعيد اكتشافها وطرحها من جديد على يد روبرت كالدويل منذ سنوات قليلة واعطيت الاسم المثير (التمزق الكبير)، رغم ان هذه الطريقة ما تزال غير محتملة لنهاية الكون.

ومعروف ان هناك حيلاً رياضية يشير اليها العلماء احياناً. وعادة ما تعرف بانها رياضيات يراد منها الضبط النظري للتاويل دون ان يعترف لها بالحقيقة الواقعية او الفيزيائية. وقد يطلق عليها ايضاً نماذج اللعب، اذ تتميز بكونها لا تصف الواقع الفيزيائي بالتمام، او تصف جزءاً منه دون الاجزاء الاخرى المهمة، فتكون بذلك سهلة الاختبار رياضياً. فمثلاً قد يكون من الممكن التعامل مع نظرية اينشتاين الكونية وفق صيغتها الاصلية السكونية التي تفترض الثابت الكوني في قبال التصور الكوني المتمدد. فهي صيغة وان كانت لا تعبر عن الواقع لكنها متسقة في تأويلها له، مثلما كان اقتراح التمدد الكوني يمكنه ان يفي بصيغة اينشتاين دون حاجة للثابت الكوني كالذي تنبأ به فريدمان ابتداءاً، ووضع لاجل ذلك سيناريوهات في المسار الكوني. وقد كان اينشتاين يعي عندما عرضت عليه نظرية فريدمان فأقر بان نتائجها الرياضية صحيحة بعد شيء من المماطلة، لكنه اعتبرها تبدي حلولاً تتناول تفاوت الزمن بالاضافة الى الحل السكوني الذي كان اينشتاين متمسكاً به بشدة. بمعنى ان هناك اكثر من حل للقضية وفقاً لحيل المعادلات الرياضية وتاويلاتها. اما واقع الكون فهو امر اخر لم يدر حوله البحث إن كان يخضع للمعنى السكوني ام التوسعي.

وعلى هذه الشاكلة ذكر الفيزيائي ديفيز من انه اصطنع نموذجاً رياضياً جيداً لحل مشكلة المكان ببعد واحد فقط وليس ثلاثة كما هو الواقع المألوف، وذكر بانه جرب ذلك خلال السبعينات من القرن المنصرم عندما كان مهتماً بحقول كمومية تنتشر في زمكان منحن. وبالتالي اعتبر طريقته سليمة في كونها تصف عوالم ممكنة وان كان ذلك لا ينطبق على واقعنا الفيزيائي.

ومثل ذلك رغم ان نظرية الاوتار ابدت في البداية انها تكون متسقة عندما يفترض ان يكون هناك ستة وعشرون بعداً، ثم ظهر انها يمكن ان تتسق ايضاً في افتراض ان يكون هناك عشرة ابعاد، لكن ظهرت صور اخرى متسقة لا تعبر عن الواقع تماماً، فهي ممكن ان تكون متسقة كذلك في حالة بعدين، بل وحتى في بعدين دون الصفر.

وبحسب غرين فهو يرى ان الكلام عن نظرية تعمل في عشرة ابعاد او اربعة ابعاد هو كلام تقريبي في واقع بنية عدد ابعادها لا نهائي.

وكثيراً ما تمارس نظرية الاوتار الفائقة مثل هذا الدور المصطنع للحيل الرياضية او نماذج اللعب في الاشكال الهندسية لما يعرف باشكال (كالابي – ياو) في رسم الصورة الكلية للكون رغم ان اصحابها قد يتصورون الامر بجدية حقيقية. ويقدر البعض عدد الاكوان الممكنة حسب الاشكال الهندسية منخفضة الطاقة بعدد ضخم لا يمكن تصوره وهو اكثر من (10 500)، فيمكن تصور فقاعات او جيوب كونية بعدد قليل او كثير من الابعاد مع عدد من الجسيمات والقوى ومن ثم ضغطها لتكون كوناً خاصاً، وهو يختلف عن كون اخر له ابعاد او جسيمات او قوى مختلفة.. وهكذا، فوفقاً لهذا التشكل الخيالي فانه يعطينا عدد الامكانات باعظم من ذلك الرقم الخيالي، في حين ان عدد الذرات في الكون كله لا يزيد على (10 60)، وان عدد فوتونات الكون كله يقدر بـ (10 87). مع ذلك فان هذه الفكرة من الكون التعددي قد لقيت اعتراضات عديدة حتى من قبل بعض المنظرين لنظرية الاوتار.

كذلك فمن المعروف ان نظريات الكم مصابة بداء ما يعرف بمشكلة اللانهائيات، فهي مشكلة ثابتة لدى الكوانتم كما في معادلة شرودنجر، فعند البدء بهذه المعادلة تبدأ اللانهائيات في الكتلة والطاقة والشحنة، وكل ما امكن فعله هو محاولة تطبيعها عبر حيلة رياضية دون القدرة على القضاء عليها، وبالتالي ليس لهذه المعادلة حلول بسبب هذه المشكلة، وهو الحال ذاته فيما يتعلق بنظريات الكوانتم عموماً. ومن ذلك ما لاحظه اوبنهايمر (عام 1930) بان نظرية الفوتونات والالكترونات المستعملة في الالكتروداينميك الكمومي قد قادت الى نتيجة منافية للعقل، وهي ان اصدار الفوتونات من الكترونات الذرة وامتصاصها ثانية يمنح الذرة طاقة لا حدود لها. وقد ازعجت هذه اللانهائيات النظريين طوال ثلاثينات واربعينات القرن الماضي واضطرتهم الى افتراض ان الالكتروديناميك الكمومي يصبح غير قابل للتطبيق على الالكترونات والبروتونات في الطاقات العالية جداً. كذلك انه في الحالة التي توصف بها القوة الكهربائية بانها تتناسب مع الواحد مقسوماً على مربع المسافة من الالكترون، فاذا كان الالكترون نقطة بلا حجم فان المسافة يمكن ان تنخفض حتى الصفر. والقسمة على صفر تعطينا نتيجة لا نهائية، وقد تم التحايل على ذلك باستخدام ما يسمى اعادة التطبيع (renormaliztion)، وفيها يحدث ان نقسم اساساً احدى اللانهائيات على الاخرى لنحصل على اجابة معقولة، كما في النموذج المعياري والديناميكا اللونية الكمومية. لكن نظرية الاوتار تغلبت على المشكلة باستبعاد الجسيمة النقطة واستبدالها بالوتر دون حاجة لتلك الحيلة المفتعلة. وهي ترى انه عندما يكون البحث على مستوى الطاقة المنخفضة كما في المسافات الكبيرة فانه يمكن استخدام منطق الجسيمة النقطة، بتقريب الوتر وكأنه نقطة. لكن عند المسافات القصيرة جداً او ذات الطاقة العالية فانه لا يمكن الاستعانة بالجسيمة النقطة باعتبار ان الطبيعة الممتدة للوتر هي امر حتمي لمقدرته على حل التناقض بين النسبية العامة والكوانتم الذي لا تقدر عليه نظرية الجسيمة النقطة، وفقاً لبعض الافتراضات غير المنطقية كما اشرنا اليها في دراسة مستقلة.

هذا ما يتعلق بالحيل الرياضية كما يشير اليها الفيزيائيون بوعي وادراك، وان اختلفوا احياناً حول الكثير من القضايا التطبيقية ان كانت مصابة بداء هذه الحيل ام ان لها دلالة فيزيائية بالمعنى الحقيقي.

لكن سؤالنا هذه المرة: هل هناك ما يقابل الحيل الرياضية او نماذج اللعب المصطنعة تتعلق بالخيال؟

وبعبارة اخرى: هل هناك حيل ونماذج لعب خيالية؟

صحيح ان الحيل الرياضية والخيالية بعضها يدعو الى البعض الاخر ضمن الطرح (الخيالي-الرياضي والرياضي-الخيالي)، وهي في مجملها تعد نماذج تأويل هرمنوطيقي. لكن سؤالنا يتعلق ببدء النظرية العلمية ان كانت قائمة على الحيل الخيالية ام الرياضية؟

فللخيال افاق عظيمة في القدرة على الاصطناع والتلاعب لا ينافسه في ذلك شيء اخر كالرياضيات والتصورات العقلية والمنطقية. وهو ما ينعكس على النظريات الفيزيائية التي تغرق احياناً بمثل هذه الحيل ونماذج اللعب. فمن بين الحيل الخيالية ما يتعلق بتأويل علة ثبات سرعة الضوء في تجربة مايكلسون ومورلي كالتي عرضها الفيزيائيان الهولندي لورنتز والايرلندي فيتزجيرالد، ويستند التأويل إلى اعتبار المادة المتحركة تتقلص باتجاه حركتها، وقد كان لورنتز يرى بان الالكترون عند حركته يتفلطح باتجاه هذه الحركة، وكلما زادت حركة الجسم فانه يزداد تقلصاً وانكماشاً، فمثلاً يتقلص طول العصا عند سرعة 90% من سرعة الضوء إلى النصف، وقد طبّق لورنتز تحليله هذا على مسار الضوء (عام 1895)، فحيث انه يتحرك بموازاة حركة الأرض باتجاه الأثير فان تياره يتقلص باتجاه هذه الحركة بقدر يساوي تماماً ما يتسبب له من إبطاء نتيجة فعل الأثير المعاكس للتيار. وهو ما يجعل سرعة الضوء ثابتة لم تتغير. لكن هذا التفسير وهذه الصدفة التي تفترض التساوي بين تقلص الضوء وإبطاء الأثير لم ترضِ قناعة الفيزيائيين. فهو نوع من الحيلة الخيالية التي اضفي عليها الشكلية الرياضية لتكون النتائج متساوية صدفة دون فارق.

كما يمكن اعتبار ان نشأة ميكانيكا الكم خلال العشرينات من القرن الماضي كانت قائمة على نوع من الحيل الخيالية كالتي فكر بها هايزنبرغ، ومن ثم جاءت ردة فعل شرودنجر عليها بحيلة مضادة. فقد كان هايزنبرغ يعي ان مدارات ذرة نيلز بور لا تفسر حقيقة ما يجري، وكان من ضمن نقاط ضعفها انها تتجاهل المناطق ما بين المدارات والتي لا يظهر الالكترون سائراً فيها، فكان ذلك من ضمن النقاط التي افترض فيها ان يكون للالكترون قفزات تخلو من التواصل.. وقد شكلت هذه النقطة من ضمن نقاط اخرى جعلت اينشتاين لا يعتبر الكوانتم تعبر عن حقيقة الواقع بل هي خدعة او حيلة لانقاذ الموقف. وكان هناك تصور بان الرياضيات الجبرية الموضوعة ‹‹لمشاهدات هايزنبرغ والمتعلقة بتحولات الطاقة الذرية كانت مجرد برنامج بديل مؤقت على الطريق الى نظرية اعمق. وحتى البروفسور ماكس بورن الذي سبقه في وضع البداية الى الصيغة الحسابية للنظرية اعتقد ان الكم الميكانيكي لهايزنبرغ كان سيتلاشى بسرعة››. الا ان الحال لم يتغير وظلت تعبر وكأنها حيلة مطلية بالرياضيات. وذات الشيء يصدق مع موجة شرودنجر التي جاءت كبديل مصور لما يجري في العالم المجهري. وقد وصفها اينشتاين ايضاً بالخدعة بما لا يختلف عن التصور الذي كرسته مدرسة كوبنهاكن بزعامة نيلز بور. لذلك كتب اينشتاين الى شرودنجر عام 1926 عبر فيه عن خدعة وحيلة ما قام به كلا الطرفين شرودنجر ومدرسة كوبنهاكن في فهم ما يجري في عالم الكوانتم، فقال: ‹‹انني مقتنع انك قد اقمت دليلاً خادعاً بمعادلتك عن حالة الكم، مثل قناعتي بان هايزنبرغ – بور››.

وكثيراً ما تحصل افاعيل الحيل الخيالية عند معالجة القضايا الكونية بداية التوسع الكوني او الانفجار العظيم. ومن ابرز هذه الحيل تلك المتعلقة بتوسع الفضاء، فقد اخذ الكثير من الفيزيائيين يعتبرون الفضاء الكوني هو المتوسع وليس المجرات والنجوم وفقاً للحيلة التي يراد منها التخلص من مشكلة وجود فضاء سابق كوعاء تجري فيه الكتل المادية استناداً الى نسبية اينشتاين العامة. بمعنى ان ما نتوهم به من تباعد الاجرام وحركة المواد ما هو الا اثر من اثار الهندسة الفضائية التي تتوسع باضطراد. وقد اعتبر ستيفن واينبرغ ان هذه الفكرة المتبناة هي فكرة مضللة.

ومن ذلك ايضاً ان العلاقة بين الزمان والمكان قد تبدي هذه الناحية من الحيل الخيالية، بحيث يتحول الزمان الى مكان او بالعكس. فبحسب النسبية العامة انه لدى الثقالة الضخمة وفي السرعات الكبيرة يكون فيها الزمن متمدداً في حين يتقلص المكان، وهنا تبدأ الحيلة لدى الاتصال الزمكاني، حيث يزداد التقلص المكاني عند زيادة الثقالة اكثر فيتمدد الزمن اكثر في الوقت ذاته، ووفقاً للحيلة الخيالية ان من الممكن بحسب هذه المعادلة ان يتحول المكان في حالة زيادة تقلصه الى زمان متمدد. كما يحصل العكس ايضاً وهو ان يتحول الزمان الى مكان وفقاً لذات الحيلة، او انه لا يكون هناك تمايز بين البعدين الزماني والمكاني ليستفاد منها في التخلص من المشكلة الميتافيزيقية المتعلقة ببداية الانفجار العظيم.

فقد طرح جيمس هارتل وستيفن هوكنج نظريتهما التي حاولا فيها التخلص من هذه العقدة التي عان منها الفلاسفة قروناً طويلة دون حل، وكان حلهما لا يخلو من الحيلة الخيالية التي اسبغا عليها طابعاً رياضياً وفقاً لمنطق الميكانيك الكمومي، وقد وصفا عملهما بانه ذو اناقة رياضية، بل ان هوكنج اعترف بان فكرته هذه ‹‹هي مجرد افتراض، فهي لا يمكن استنباطها من مبدأ اخر. ومثل اي نظرية علمية اخرى فانها يمكن طرحها ابتداءاً لاسباب جمالية او ميتافيزيقية، ولكن الاختبار الحقيقي لها هو ما اذا كانت تؤدي الى تنبؤات تتفق مع المشاهدة››. ووفقاً لاطروحة (هارتل - هوكنج) فان الكون في الاصل كان عبارة عن اربعة ابعاد للمكان، ثم تحول احد الابعاد الى زمان بطريقة تدريجية ناعمة غير لحظية؛ رغم انها بمقاييسنا تعد ذات سرعة خارقة، اذ كانت المدة التي استغرقت هذه العملية لا تتجاوز زمن بلانك، وهو اقصر مدة يعتمدها الفيزيائيون على الاطلاق، وتقدر بـ (10-43 ثانية)، فقبل هذا الزمان لم تكن هناك بداية محددة، اذ تكونت البداية فيما بعد ان صح هذا التعبير، وانه لا توجد مفردة وحيدة لانبثاق الزمان منها فجأة، بل هناك مفردات غير قابلة للتحديد وفقاً لاحتمالات الكوانتم. وبالتالي فبدل ان يصور الكون في بدايته وفقاً لمخروط يكون له رأس مدبب يمثل اساس المخروط المعبر عنه بالمفردة فان الشكل المصور يكون على شاكلة كأس له قاعدة ممتدة على نقاط عديدة تمثل المكان الرباعي قبل نشأة الزمان، ففي هذه القاعدة لا يسأل عما ورائها اذ لا يوجد شيء، كما لا يسأل عن منطقة محددة تشكل البداية الفعلية للمكان، ومثل ذلك لا يسأل عن زمن الحدوث، فالزمن جاء متأخراً، اذ سبقه المكان في رباعيته المدعاة، كذلك فان الزمن الحادث او ما يعبر عنه بالزمان التخيلي هو ايضاً يخضع للمنطق الكمومي، فلا توجد لحظة زمنية تتحدد فيها البداية.

ورغم ان هذه النظرية تتحدث عن زمن محدد للتحول هو زمن بلانك فان من الممكن ان يقال بحسب منطقها ان هذا الزمن غير محدد على نحو التاكيد، فليس هناك زمن محدد للتحول من المكان الى الزمان مهما بلغت العملية نعومتها وتدرجها الناعم. ففي الزمان التخيلي يختفي التمييز بين الزمان والمكان، حيث يقاس الزمان بارقام تخيلية غير حقيقية، فللزمان اتجاهان للذهاب والاياب بما لا يختلف عن المكان. وفي الزمان التخيلي لا توجد مفردات في تاريخ الكون، فالكون يمكن ان يكون متناهياً في الزمان التخيلي ولكنه بلا حدود او مفردات، مما يعني وبحسب اعتراف هوكنج فانه قد ابطل نظريته السابقة حول المفردات. وبحسب هذه النظرية يكون الزمان التخيلي هو الحقيقي، وان الزمان الحقيقي المألوف هو التخيلي او الوهمي الذي نتخيله في حياتنا اليومية. واذا كان الزمان المألوف الذي نتصوره حقيقياً له بداية ونهاية عند مفردات تشكل حداً للمكان الزماني الا انه بحسب الزمان التخيلي ليس هناك مفردات وحدود، وهو ما يفضي الى ان يكون الزمان التخيلي هو الجوهري، وهو زمان الكوانتم في قبال زمان اينشتاين الظاهر المالوف نسبياً.

ومع ذلك يعترف هوكنج بان نموذجه الرياضي بهذا الشأن مفترض من الناحية العقلية لتوصيف مشاهداتنا، بل ويعترف بان الامر يتضمن الحيلة الرياضية، وفي جميع الاحوال يعترف بانه ‹‹لا معنى ان نسأل ايهما الحقيقي الزمان الحقيقي او التخيلي، فالامر ببساطة هو ايهما التوصيف الاكثر فائدة››. فهذه هي براجماتية العلم واصطلاحيته كما سبق اليها بوانكاريه.

والغرض من هذه النظرية هو تبيان كون الكون نشأ من لا شيء على الاطلاق. فليست هناك بداية محددة ولا زمن كي يقال من هنا بدأ تأثير العامل الخارجي كما يتمثل في الخالق مثلاً. فالحوادث الكمومية هي حوادث لا تعلل باسباب خارجية، مثلها في ذلك مثل تحلل ذرات العناصر المشعة غير المستقرة حيث يحدث ذلك الياً بلا سبب. وكذا حال الكون في نشأته فهو لا يمتد الى ماض غير منته او ازلي، ورغم انه حادث الا انه لا يمتلك لحظة ولا مفردة محددة للنشوء كي يقال في هذه الحظة بدأ النفخ في النار، او من هنا بدأ الكون. لذلك لا معنى للكلام عن اي شيء قبل الانفجار العظيم، لا زمان ولا مكان ولا كائن ما كان، مثلما لا معنى للحديث عن نقطة محددة بدأ منها هذا الكون وفقاً للمنطق الكمومي.

وبعبارة اخرى ان نظرية (هارتل – هوكنج) تتقوم بحسب تصورها الرياضي وفقاً للخيال المنبعث من مبدأ عدم اليقين والتحديد في تطبيقه على اصل نشاة الكون، فقد نفيا ان يكون للكون بداية محددة، بل هناك مجموعة من اللحظات او النقاط المتساوية الاحتمال والتي نشأ فيها الكون بطريقة تلقائية عبر التذبذب الكمومي غير المحدد شبيه بما يحصل لتحلل المواد المشعة، وبالتالي سوف لا تكون هناك حاجة لاسباب خارجية وفقاً لهذا التذبذب. فطبيعة الكوانتم لا تتطلب الحاجة الى مثل هذه الاسباب القبلية، بل البداية منبسطة وسط مجموعة من النقاط المتساوية بلا مركزية محددة او لحظة محددة بعينها، او طرف محدد ليقال انه يحتاج فيها الى المؤثر الخارجي او النفخ في النار.

فبحسب نظرية (هارتل – هوكنج) ووفقاً للكوانتم ان من الممكن التراقص حول نقاط مختلفة دون تحديد نقطة معينة بالدقة وفقاً لمبدأ هايزنبرغ، وفيها تكون البداية الزمانية غير محددة وسط مجموعة نقاط مختلفة ومحتملة تبعاً للشكلانية الرياضية. لا سيما وان هذه النظرية تعتبر انه عند العودة الى زمن بلانك او المفردة البدئية للانفجار العظيم فان الاحتمال الاقوى وفق تلك الظروف هو ان يكون الزمن متحولاً الى مكان، فتصبح علاقة الزمان بالمكان عبارة عن علاقة مكان بمكان رباعي الابعاد.

وهذا يعني ان المفاهيم الزمانية والمكانية لم تعد متمايزة، فالزمان مكان، والمكان زمان، ولا شك ان الرياضيات تتقبل اللعب بمثل هذا الدور المصطنع، لكنها لا تعني شيئاً امام حقيقتهما المختلفة كلياً.

لقد نقدت هذه النظرية في انها تتجاهل النظام الدقيق، اذ كيف يمكن لحدث الانفجار العظيم، وهو واحد غير متكرر بحسب هذه النظرية واغلب ما يسلم به الفيزيائيون، ان يصنع النظام الدقيق للكون؟ هكذا بمحض الصدفة. فهذه النظرية لا تقول شيئاً سوى انها تدفن رأسها في التراب – كالنعامة - ظناً بأنها لا ترى.

كذلك هناك حيلة خيالية اخرى للتخلص من فكرة المصمم الذي يفسر النظام الدقيق للكون عبر القول بوجود اكوان متعددة لا نهائية، وهي نظرية مستندة الى منطق ميكانيكا الكوانتم ايضاً، ولها صيغ كثيرة جداً، حتى ان بعضها قائم على الطفرات الوراثية، كما يستند بعضها الى اكوان تمثيلية او حاسوبية ملفقة بصيغ كثيرة هي الاخرى، وكلها تعد من الحيل الخيالية التي يراد لها نسف مبان ميتافيزيقية عادة، وتحظى بقبول عدد كبير من الفيزيائيين فضلاً عن غيرهم، رغم انه لا دليل عليها، خاصة مع كثرة النماذج المطروحة بحسب التأويل والحيل الخيالية.

كما ان من الحيل الخيالية ما ظهر بعنوان التضخم الكوني والانفجاري، وتعود اصل الفكرة في ذلك الى العالم الفيزيائي جوث (Guth) خلال منتصف الثمانينات من القرن المنصرم قبل ان تتعدد النظريات التفصيلية بهذا الصدد الى عدد كبير يقدرها جواو ماكيويجو بمئات النماذج او النظريات، وأصل الحيلة الخيالية في هذا الصدد هو الالتفاف على كيفية ان يكون هناك تطور منتظم لافت ومستقر للكون عبر مروره بمراحل عديدة في نشأته الاولى دون ان يقع في العشوائية نتيجة هذه المراحل البطيئة، ومن هذه المشاكل حل مشكلة الانبساط او التسطح الكوني دون تقلص انسحاقي، ولا انفتاح تمزقي، لذا كانت الحيلة هي القول بان هناك انتفاخاً مفاجئاً ضخماً حصل في مدة زمنية في غاية الضآلة قبل ان يتباطئ في التمدد، وقد اختلف الفيزيائيون في تقدير هذه الفترة وفقاً لنظرية جوث، فبعضهم قدّرها من بداية نشأة الكون وحتى (10-32 ثانية)، وبعض اخر قدرها بـ (10-30 من الثانية) حيث تضاعف الكون بحوالي (10 30 مرة)، كما هناك تقدير اخر وهو خلال فترة ضيقة بين (10-36 الى 10-34 ثانية)، حيث تمدد الكون خلالها بمعدل هائل وبنسبة مئوية اكبر مما تم خلال 15 مليار سنة منذ تلك اللحظة. وكأن هذا الانتفاخ المفاجئ الضخم - الحاصل بفعل الحرارة الضخمة التي جعلت الكون يستثار بشكل غير مستقر - سوف يطوي المراحل الكثيرة دفعة واحدة فلا يظهر في الافق عشوائية، وانه يفترض عليه ان لا يتجاوز حداً معيناً في غاية الضآلة، وهو المعبر عنه بعدد اوميكا ‹‹ويمثل على وجه التقريب النسبة بين الطاقة التثاقلية للكون والطاقة التي تحتوي عليها حركته نحو الخارج. ولما كان للكون المسطح مقداران متساويان من كلتيهما في كل الاوقات كانت قيمة اوميكا مساوية للواحد، في حين ان قيمة اوميكا في النموذج المغلق اكبر من الواحد لان طاقته التثاقلية اكبر من طاقته الحركية، وقيمتها في النموذج المفتوح اصغر من الواحد.. ولا عجب في ان اوميكا قد يكتب على انه النسبة بين الكثافة الكونية الفعلية والكثافة الحرجة››. فاذا كان التسطح تاماً فان مقدار اوميكا سيساوي واحداً، واي زيادة او نقصان طفيفة عن هذا العدد فانه يفضي الى مشكلة كبيرة تجعل الكون سائراً نحو الخراب. لذلك كان لا بد من ان تكون البداية محافظة على التقريب المساوي للواحد ليبرر بذلك تسطح الكون كما نعيشه دون مشاكل ظاهرة. وفي محاضرة استثنائية للفيزيائي الذائع الصيت روبرت ديك فاجأ فيها مستمعيه بأن حدد قيمة اوميكا عندما كان عمر الكون ثانية واحدة فحسب، فاعتبر هذه القيمة تترواح بين عددين في غاية القرب الى الواحد الصحيح، وهما (0,99999999999999999) و(1,00000000000000000)، ففي اي من العددين هناك سبعة عشر رقم بعد الفاصل. وتشير هذه القيمة الحدية المتناهية الضآلة الى ان اي زيادة عليها او نقصان تفضي الى خراب الكون بالتقلص والانسحاق، او الى عكسه من التمزق الكبير، اذ يشير احد الرقمين الى حالة التقلص الدقيق للغاية بفعل التثاقل والكثافة الكونية، في حين يشير العدد الاخر الى عكس ذلك، وهو التمدد والانشراح الدقيق للغاية بفعل ضعف التثاقل والكثافة الكونية قبال الاندفاع للخارج، وبين هذين العددين الدقيقين يقع الواحد الصحيح الذي يمثل حالة التسطح المطلق او التام.

وقد استوقفت هذه المحاضرة جوث عندما كان يستمع اليها، مما جعله يبدي اهتماماً بدراسة نظرية التشكل الكوني، فانشأ وفقاً لذلك نظريته في التضخم لتعبر من الممر الضيق كما حدده روبرت ديك، ومن ثم أنشأ نظريته التضخمية للكون. وكانت النتيجة اعظم مما طرقه ديك في تحديد مدى ضآلة التفاوت في التسطح بين التقلص والتمدد، فوفقاً لمعادلاته الرياضية تبين انه منذ زمن بلانك كان الفارق بين العددين في غاية الضآلة مما سجلناه انفاً، حيث ان عدد التسعات يبلغ (64) بعد الفاصلة الصفرية قبال (63) من الاصفار مع رقم (ا) وكلها على اليمين بعد فاصلة الواحد على اليسار. لذلك كان ينبغي ان تكون هناك سرعة مذهلة لتجاوز هذا الممر الضيق بسلام، وتجعل من الكون متضخماً بشكل مذهل كي لا يتأثر بتقلبات عدد اوميكا. ومن هنا افترض جوث ذلك التضخم الهائل خلال فترة دقيقة للغاية كما اشرنا الى ارقامها بما سبق.

لقد ظهرت هناك الكثير من النظريات التضخمية على اعقاب الصيغة الاصلية لنموذج جوث، لكن سواء هذا النموذج او ما نتج عنها من نظريات كثيرة يلاحظ انها جميعاً تتجاهل سبب التحول المفاجئ للتباطؤ الحاصل للكون بعد انتفاضته العظمى من التضخم والانتفاخ، كذلك فانها لا تفسر كيف ان الكون اخذ يتسارع من جديد بعد تباطؤه المفترض. لذلك طرح فكرة بديلة لتنقذ تبرير التسطح والانبساط، وهي لا تخلو من الحيلة الخيالية كسابقتها، فكما وصفها ماكيويجو بانها هبطت عليه كإلهام لعلاج مسألة الافق والتجانس الكوني عوضاً عن نظرية الانتفاخ الكوني او الانفجاري واعتماداً على افتراض السرعة المتغيرة للضوء، او ان الضوء يمكن ان يتخذ مساراً ضمن ظروف يكون اسرع مما هو عليه بكثير، وقد قدرها بداية نشاة الكون بـ (300000 × 10 32  كم في الثانية) ثم اخذت بعد ذلك تنخفض شيئاً فشيئاً. وقد طرح ماكيويجو مع آندي فكرة تسطح الكون وفق تولد الطاقة او تبخرها، ففي جميع الاحوال ان الكون يفضي الى التسطح، فلو ان الكون كان متقوساً بفعل الجاذبية فان الطاقة ستتبخر من الكون مما يضعف الجذب بفعل نقصان الطاقة وفق علاقة الاخيرة بالكتلة حسب قانون اينشتاين، مما يجعله يميل للتسطح، وكذا العكس فيما لو كان الكون منفتحاً فان الفراغ الكبير سيولد طاقة تفضي في النتيجة الى تقلصه وتقوسه وفقاً لذات قانون اينشتاين؛ حيث المزيد من الطاقة او الكتلة التي تبعث على الجذب والتقلص، فيؤدي الامر الى التسطح ايضاً. فكل هذه التأويلات الخيالية وما تتضمنها من حيل جاءت قبل تأطيرها بالشكلية الرياضية.

وقبل هذه الحيلة الخيالية الملهمة حاول ماكيويجو ان يبرر كون الضوء يمكن ان يسير بسرعة اكبر من سرعته المفترضة، والتي تعد ثابتاً من ثوابت النسبية ان لم تعتبر ثابتاً كونياً، فلجأ طبقاً لهذا التبرير الى حيلة مستمدة من تصور (كالوزا – كلاين) في البعد الدائري الخفي والمضاف الى الابعاد المكانية الثلاثة، خاصة وان نظرية (كالوزا – كلاين) تعتبر ثوابت الطبيعة من قبيل شحنة الالكترون وثابت الجاذبية وما اليها تختلف عما عليه عند النظر في الابعاد المكانية الاكثر شمولاً، اي في حالة وجود اربعة ابعاد بدل الثلاثة. فعلى هذا الاعتبار حاول هذا الفيزيائي أن يبني تصوراً لحيلة خيالية يفترض فيها ان للضوء مساراً حلزونياً في البعد الاسطواني لتصور (كالوزا – كلاين) دون ان يمر بخط مستقيم كما نراه وفقاً لابعادنا المكانية الثلاثة المألوفة، وهو ما يجعله متغير السرعة، او ان سرعته خلال السلك الحلزوني الخفي اكبر بكثير من سرعته المستقيمة المالوفة.

وعلى الرغم من ان الفيزيائي المشار اليه وجد مشاكل تلوح مثل هذا التصور المنبني على نظريات (كالوزا – كلاين) بحيث لا يمكن الاستناد اليها ومن ثم التخلي عنها، الا ان المحاولة قد مثلت نوعاً من الحيل الخيالية لتبرير الوصول الى سرعة اكبر للضوء من السرعة المألوفة بغية حل مشكلات الغاز الانفجار العظيم ومن بينها مشكلة الافق والانسجام والتسطح، وذلك كبديل لما طرحه جوث من نموذج التضخم الكوني خلال الثمانينيات من القرن المنصرم، ومع ذلك انتهى الى وجود نموذحين رياضيين يتعلقان بالسرعة المتغيرة للضوء. فالبحث في الاساس كان يدور حول ايجاد نوع من الحيلة الخيالية التي يمكن ان يوفر لها - فيما بعد - مسوغ رياضي. وهناك نظريات كثيرة ممكنة للسرعة المتغيرة للضوء، اعتماداً على اختلاف اللون والتردد او الحرارة او الجاذبية وانحناء الزمكان او غير ذلك، وجميعها  يتجاوز ما تؤكده النسبية لاينشتاين، سواء الخاصة او العامة.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2477 المصادف: 2013-06-17 00:49:01


Share on Myspace