 دراسات وبحوث

أساليب التوالد المعرفي .. قراءة نقدية لما جاء في الاسس المنطقية للاستقراء

كلمة حول المقال: كانت الفكرة الاولية لكتابة هذا المقال ليست بعنوان قراءة نقدية لما جاء في الاسس المنطقية للاستقراء حول اساليب التوالد المعرفي، بل بعنوان (محور بحث لتطوير المذهب الذاتي) لاستاذنا ومفكرنا الكبير محمد باقر الصدر. ففي البداية وقبل البدء بالبحث ظننت بان من الممكن اضافة شيء جديد لما قدمه هذا المفكر دون المساس ببعض الاسس التي قام عليها كتابه المذكور، وهو ما يتعلق بالافتراضات العلمية، لكن عندما بدأت بدراسة الموضوع بدا لي ان المسألة اعمق مما اشرت اليه، فقد ظهر لي بان هناك رؤية نقدية مخالفة لما جاء في هذا الكتاب القيم، بل وهناك عدد من الاضافات في الموضوع، لذلك غيّرت العنوان الفرعي للمقال من بحث التطوير الى القراءة النقدية..

 

تعريف بالمذهب الذاتي للمفكر الصدر

ورد التعريف بالمذهب الذاتي لدى مفكرنا الصدر في مطلع القسم الثالث من كتابه (الاسس المنطقية للاستقراء)، وذلك تحت عنوان (التعريف بالمذهب الذاتي)[1]، وهو مذهب جديد يقف في قبال المذهبين الفلسفيين التقليديين: العقلي والتجريبي.

ففي نظرية المعرفة (الابستمولوجيا) يُبحث عادة في مصدرها الاساسي، وفي كيفية نموها وتوالدها. فهما شيئان مختلفان. وللمذهب الذاتي موقف محدد لكل منهما، الا ان ما يمتاز به هو موقفه من المسألة الثانية المتعلقة بنمو المعرفة وتوالدها. اما موقفه من المصدر الاساسي للمعرفة فهو انه يتفق مع المذهب العقلي قبال المذهب التجريبي في الاعتقاد بوجود قضايا عقلية اولية سابقة على الحس والتجربة، كما يتمثل بالمنطق الارسطي. اي انه ينحاز الى المنطق العقلي الذي يسلّم بوجود معارف عقلية اولية قبلية مستقلة عن الحس والتجربة، وهي اساس المعارف قاطبة، وبدونها لا يمكن للمعرفة ان تقام لها قائمة. ففي مثل هذه المعارف الاساسية يلتقي المذهب الذاتي مع المذهب العقلي، ومنه المنطق الارسطي، وان اختلف معه في التفصيل.

أما المحور الثاني فهو ما تميز به المذهب الذاتي، وهو العائد الى تفسير نمو المعرفة وتوالدها، اذ كيف يمكن ان تنشأ معارف جديدة طبقاً للمعارف الاساسية الاولية؟ ففي هذه الناحية يختلف المذهب الذاتي مع المذهب العقلي اختلافاً كبيراً. فالاخير لا يعتقد الا بطريقة واحدة للتوالد المعرفي، وهي ما يسميها المفكر الصدر (التوالد الموضوعي) لقضايا المعرفة، وتنشأ باللزوم عبر القياس المنطقي. ولا يعارض المذهب الذاتي هذا الاسلوب واللزوم للمعرفة، لكنه يضيف اليه لزوماً اخر تتولد من خلاله اغلب معارفنا، ويطلق عليه (التوالد الذاتي). ويختلف الاخير عن اللزوم الموضوعي في كونه لا ينشأ عن ارتباط القضايا، بل ينشأ عن ذات المعرفة او مضمونها.

وفي النتيجة يرى المذهب الذاتي ان الطريقة الصحيحة للتوالد المعرفي لا تتجاوز هذين التوالدين، وكل منهما يتضمن شكل اللزوم او التلازم المعرفي، لذا ساطلق عليهما كلاً من اللزوم الموضوعي واللزوم الذاتي.

وسوف نقوم بتحليل كل نوع من هذين التوالدين او اللزومين على التوالي، وبعدها نعالج قضايا علوم الطبيعة لنرى اين يمكن تصنيفها، فهل تخضع للزوم الموضوعي ام الذاتي ام غيرهما؟

فلدينا – اذاً - ثلاثة محاور سنعالجها على التوالي: الاول يخص اللزوم الموضوعي، والثاني يخص اللزوم الذاتي، ثم سنتطرق الى طبيعة التوالد في القضايا العلمية..

فلنبدأ بمحور اللزوم الموضوعي كما يلي:

 

1- محور اللزوم الموضوعي

لقد عرّف المفكر الصدر التوالد الموضوعي بأنه معرفة ناشئة عن تلازم للقضايا قائم على القياس المنطقي الارسطي. بمعنى ان المعرفة تتولد منطقياً بالقياس، فهو يشمل كل القضايا الثانوية المستنتجة، فلو استثنينا المعارف العقلية الاولية التي لا يمكن ردها الى ما قبلها من معارف، فان غيرها ستشكل قضايا ثانوية مترتبة عليها، فهي مستنتجة منها، مباشرة وغير مباشرة، عبر سلسلة من القياسات المنطقية. ولا يختلف المفكر الصدر في هذا المحور مع المنطق الارسطي، والذي ضمنه عدداً من الامثلة كما يتضح مما قاله بهذا الصدد:

‹‹إن في كل معرفة جانباً ذاتياً وجانباً موضوعياً. فنحن حين نعرف: أن الشمس طالعة، أو أن المساوي لأحد المتساويين مساو للآخر أيضاً، نميز بين عنصرين: أحدهما: الإدراك، وهو الجانب الذاتي من المعرفة، والآخر: القضية التي أدركناها، ولها - بحكم تصديقنا بها - واقع ثابت بصورة مستقلة عن الإدراك، وهذا هو الجانب الموضوعي من المعرفة. والتوالد الموضوعي يعني: أنه متى ما وجد تلازم بين قضية أو مجموعة من القضايا وقضية أخرى، فبالإمكان أن تنشأ معرفتنا بتلك القضية من معرفتنا بالقضايا التي تستلزمها، فمعرفتنا بـ "أن خالداً إنسان، وأن كل إنسان فان" تتوالد منها معرفة بـ "أن خالداً فان". وهذا التوالد موضوعي، لأنه نابع عن التلازم بين الجانب الموضوعي من المعرفة المولدة والجانب الموضوعي من المعرفة المتولدة. وهذا التوالد الموضوعي هو الأساس في كل استنتاج يقوم على القياس الأرسطي، لأن النتيجة في القياس دائماً ملازمة للمقومات التي يتكون منها القياس، فتنشأ معرفتنا بالنتيجة من معرفتنا بالمقدمات على أساس التوالد الموضوعي، والتلازم بين القضايا المستدل ببعضها على البعض الآخر بصورة قياسية››[2].

وربما يحتاج هذا النص الى شيء من الايضاح عبر النقاط الثلاث التالية:

أولاً: لقد جاء في النص جملة من الامثلة المتعلقة بالقضايا المنطقية، وهي بلا شك تتضمن التوالد المنطقي، لكن المفكر الصدر استخدم اصطلاح (التوالد الموضوعي)، وقد يتبادر الى الذهن ان هذا الاصطلاح جاء ليشمل القضايا التي لها علاقة بالواقع الموضوعي، ومن ذلك مثاله حول (الشمس طالعة) اذ وصفه بانه يمتلك جانباً موضوعياً وذاتياً للمعرفة بحيث لا يختلف عن المثال المنطقي السابق. فقد يوحي هذا الوصف بانه لا يختلف عنه في تضمنه للتوالد الموضوعي او المنطقي. وفي هذه الحالة قد يتبادر الى الذهن كيف يمكن لهذا المثال ان يتضمن لزوماً كالبقية المذكورة؟ وهي مثال: ان المساوي لأحد المتساويين مساو للآخر، كذلك القياس المنطقي المتعلق بفناء خالد. فمثال (الشمس طالعة) ليس فيه لزوم منطقي، اذ يعود الى صنف القضايا الاخبارية الواقعية التي لا تتضمن هذه الصرامة من اللزوم حتى وان كانت صادقة. فالشمس وان كانت طالعة لكن طلوعها ليس امراً ضرورياً، وهي من هذه الناحية ليست لزومية. بمعنى ان القضية الخارجية للشمس يمكن ان تكون طالعة او غائبة خلافاً للزوم المنطقي، وعندما نتأكد من كونها طالعة بالفعل فان معرفتنا سوف تتضمن هذا (الامكان) رغم التأكد من ان الشمس طالعة بالحس، لكن يمكن ان نفترض باننا نتوهم كونها طالعة مثلاً. وقد يُناقش ان كان لهذا المثال لزوم من نوع اخر كاللزوم الواقعي المتعلق بالقضايا السببية، لا سيما ان مفكرنا ذهب الى هذا النوع من اللزوم السببي في (الاسس المنطقية للاستقراء)، وعليه بنى مذهبه في النتائج الاستقرائية.

ثانياً: سوف لا نتوقف عند المثال المذكور، فوجهة نظر استاذنا الكبير واضحة فيما كشف عنه فيما بعد، فابتداءاً انه يسلم بوجود معارف ثانوية مستنتجة من ‹‹معارف اولية تشكل الجزء العقلي القبلي من المعرفة، وهو الأساس للمعرفة البشرية على العموم››. وهذه المعارف الثانوية هي ذاتها نتاج التوالد الموضوعي، ودلل عليها بمثال مستمد من القضايا المنطقية، وهي نظريات الهندسة الاقليدية المستنتجة من جملة من البديهيات بطريقة التوالد الموضوعي. لكنه ذكر فيما بعد بان ‹‹كل معرفة ثانوية يحصل عليها العقل على أساس التوالد الذاتي تمر بمرحلتين، إذ تبدأ أولاً مرحلة التوالد الموضوعي، وفي هذه المرحلة تبدأ المعرفة احتمالية، وينمو الاحتمال باستمرار، ويسير نمو الاحتمال في هذه المرحلة بطريقة التوالد الموضوعي حتى تحظى المعرفة بدرجة كبيرة جداً من الاحتمال، غير أن طريقة التوالد الموضوعي تعجز عن تصعيد المعرفة إلى درجة اليقين، وحينئذ تبدأ مرحلة التوالد الذاتي لكي تنجز ذلك وترتفع بالمعرفة إلى مستوى اليقين››[3].

مما يعني ان القضايا الواقعية التي يستند اليها الدليل الاستقرائي تتضمن التوالد الموضوعي عند المرحلة الاحتمالية.

ثالثاً: يمكن ان نستنتج - طبقاً لما سبق - ان القضايا الموضوعية الثانوية لدى مفكرنا الصدر هي على صنفين: احداهما القضايا المنطقية المعروفة دون ان يكون لها علاقة بالاستنتاجات الاستقرائية، كقضايا الهندسة الاقليدية والرياضية. أما الثانية فلها علاقة بالدليل الاستقرائي، اذ تتوالد عبر بديهيات الاحتمال ومصادراته، مما يجعل القضية الاستقرائية المحتملة تتصف بالمنطقية، اي ان الدرجة الاحتمالية المعطاة لها هي درجة مبنية على القياس المنطقي وفقاً لحسابات الاحتمال. وهذا ما يمكن ان نأوّل فيه المثال الملتبس الذي ذكره مفكرنا ضمن التوالد الموضوعي، اي مثال (الشمس طالعة). فلولا ذلك لكنّا اعتقدنا بانه يصنف اللزوم في التوالد الموضوعي الى نوعين: احدهما منطقي قائم على مبدأ عدم التناقض، والاخر اخباري واقعي قائم على مبدأ السببية اللزومية، وهما يندرجان وفق ما سماه التوالد الموضوعي من دون تمييز. فكلاهما قائم على اللزوم، فالقضية المنطقية يبررها مبدأ عدم التناقض، في حين ان القضية الواقعية او الاستقرائية يبررها مبدأ السببية اللزومية لا عدم التناقض، وفقاً لما ذهب اليه في (الاسس المنطقية للاستقراء).. فلولا تحليلنا السابق لكنا نرى بان هذه الرؤية هي ما تناسب مذهب مفكرنا في هذا الكتاب. لكن ما طرحه فيما بعد ينفي مثل هذا الاحتمال والتوجه. اذ قصد بالتوالد الموضوعي نفس التوالد واللزوم المنطقي دون ادنى اختلاف، وان ذكره لمثال (الشمس طالعة) هو ما يثير التوهم واللبس المشار اليه.. فمسألة اللزوم الموضوعي الخاصة بالقضايا الواقعية مرتبطة بحسابات نظرية الاحتمال وفقاً لبديهياتها. فدرجات احتمال القضية الواقعية هي ما تتضمن اللزوم وليس القضية الواقعية ذاتها. لذلك اشار الى ان مذهبه لا يختلف عن المنطق العقلي الارسطي في كون التوالد في مثل هذه القضايا محكوماً بالقياس المنطقي، وان اختلفا من حيث مصاديق القضايا الكبرى التي تتحكم في القياس.

***

تبقى ملاحظاتنا النقدية في هذا المجال، ويمكن تجسيدها في النقطتيين التاليتين:

1- نرى أن هناك مسافة بين اللزوم الاحتمالي للقضية الواقعية، وبين الاعتقاد المرجح لهذه القضية كواقع. فدرجات الاحتمال تظل منطقية، لكنها بعيدة عن ان تحدد لنا واقع القضية الخارجية باللزوم. فهناك مسافة بين المنطق والرياضيات من جهة، وبين الواقع من جهة ثانية، الامر الذي أكد عليه عدد من العلماء وفلاسفة العلم، وعلى رأسهم اينشتاين الذي يقول: ‹‹على قدر تعلق قوانين الرياضة بالواقع فانها لا تكون مؤكدة، وعلى قدر تأكدها فإنها لا تكون متعلقة بالواقع››[4]. وبعبارة فيلسوف الوضعية المنطقية كارناب فان النظريات الرياضية التي تتحدث عن الواقع لا تكون قطعية، لكن عندما لا تتحدث عن الواقع فانها تكون قطعية[5].

وبطبيعة الحال انه لا يوجد لدينا في الخارج احتمال للقضية، فهي اما ان تكون موجودة او معدومة، ولا وسط بين الطرفين، اي ليس بينهما شيء اخر كالاحتمال وما اليه، ولسنا هنا بصدد مناقشة اصحاب نظرية الكوانتم التي تفترض وجود الاحتمال كخاصية للعالم الجسيمي والتي عارضهم فيها اينشتاين، كما فصلنا ذلك في دراسة مستقلة.

وبالتالي ما نقصده هو ان كل درجة من درجات احتمال القضية الواقعية تحمل حيثيتين مختلفتين، فهناك ما يتعلق بحسابات كل منها حسب القرائن التي توصلنا اليها، فهي مستندة الى الحسابات نفسها وليس لها علاقة بالقضية الواقعية مباشرة. فمثلاً قد نتوصل في هذه الحسابات الى درجة احتمال صدق القضية الواقعية بـ (60%)، فهذه الدرجة مرهونة بالقرائن التي توفرت لنا، وهي من حيث ارتباطها بالقرائن تعتبر منطقية، وان اي خطأ او تصعيد للنسبة بعد اكتشافنا لقرائن اخرى اضافية سوف لا يلغي منطقية تلك الدرجة وفقاً لحساباتها، فهي من هذه الناحية تتضمن اللزوم المنطقي، لكن التغيرات التي تحصل في النسبة صعوداً او نزولاً يكشف بان تلك الدرجة غير مرهونة بذات القضية الواقعية وانما بحساباتنا نحن لها، وبالتالي فان التغير في هذه الحسابات يعني ان اي درجة احتمال نفرضها على واقع القضية هي درجة غير لزومية. فدرجات اللزوم المنطقية مربوطة بمعرفتنا دون الواقع، وعندما نجعلها مربوطة بالواقع حسب الحيثية الثانية فانها ستخسر صفة اللزوم والمنطقية، فيظهر فيها الاعتقاد متغيراً من حال الى اخر.

2- مازلنا لحد الان وسط الترجيحات ولم نصل الى مرحلة اليقين. لكن سؤالنا هو كيف نحوّل مسألتنا المنطقية المتعلقة بدرجة الاحتمال الى الواقع الموضوعي؟ فلا شك ان هذا الامر يتطلب قفزة لا تبررها سوى مصادرة (التقدير)، اذ نحول ما هو منطقي الى اعتقاد بالواقع، وبالتالي فانه يتخذ صفة التغير كلما استجد لنا شيء من الحساب او الخطأ في استنتاجنا المنطقي.

فنحن في هذه الحالة نفترض ‹‹مصادرة تقرر صدق هذه النسبة في حدود ما اتيح لنا من البحث والفحص؛ مادامت هناك إمكانية كبيرة لتعديل النسبة طبقاً لما تكشف عنه الإختبارات اللاحقة››[6]. كما نحتاج الى مصادرة اخرى تتعلق بكل ما هو قابل للتنبؤ والتعميم بشكل مؤقت لنضفي على احتمال الحوادث المستقبلية بالقدر الذي وسعنا الحصول عليه من خلال الاختبارات التي اقمناها. وبالتالي فنحن نتعامل مع قضايا الواقع بمنظارين احدهما الجانب المنطقي الذي افضى بنا الى درجة احتمال معينة، وهي درجة منطقية، اما المنظار الثاني فهو تنزيل هذه القيمة وتقديرها من المستوى المنطقي الى المستوى الواقعي عبر افتراض التقدير المكافئ، وهو امر يخلو من اللزوم المنطقي، لكنه توالد معرفي مبرر وفقاً لنظرية الاحتمال.

هكذا يتبين لنا اخيراً ان هناك نوعاً من التوالد ليس فيه لزوم منطقي او اي شكل اخر من اشكال اللزوم، ولنطلق عليه (التوالد المقدّر).

والان يمكننا الانتقال الى تعريف المفكر الصدر للزوم الذاتي وتفريقه له عن اللزوم الموضوعي الانف الذكر، وهو ما يشكل المحور الثاني كما يلي:

 

2- محور اللزوم الذاتي

لقد عرّف مفكرنا الصدر التوالد الذاتي بقوله:

‹‹والتوالد الذاتي يعني: أن بالإمكان أن تنشأ معرفة ويولد علم على أساس معرفة أخرى، دون أي تلازم بين موضوعي المعرفتين، وإنما يقوم التوالد على أساس التلازم بين نفس المعرفتين. فبينما كان المبرر لنشوء معرفة من معرفة أخرى في حالات التوالد الموضوعي هو التلازم بين الجانبين الموضوعيين للمعرفة، وكان التلازم بين الجانبين الذاتيين للمعرفة تابعا للتلازم بين الجانبين الموضوعيين، نجد في حالات التوالد الذاتي: أن المبرر لنشوء معرفة من معرفة أخرى هو التلازم بين الجانبين الذاتيين للمعرفة، وأن هذا التلازم ليس تابعا للتلازم بين الجانبين الموضوعيين››. لذلك فان هذه الطريقة تعد لدى المذهب الارسطي خطأً منطقياً ‹‹لأنها تحاول استنتاج قضية من قضية أخرى دون أي تلازم بين القضيتين››.كما قال ايضاً: ‹‹والتعميمات الاستقرائية كلها تمر بهاتين المرحلتين، ففي المرحلة الأولى - أي مرحلة التوالد الموضوعي - يتخذ الدليل الاستقرائي مناهج الاستنباط العقلي، وينمي باستمرار درجة احتمال القضية الاستقرائية على أساس موضوعي. وفي المرحلة الثانية يتخلى الدليل الاستقرائي عن منهجه الاستنباطي وطريقته في التوالد الموضوعي، ويصطنع طريقة التوالد الذاتي لتصعيد المعرفة الاستقرائية إلى درجة اليقين››[7].

هذا هو خلاصة ما يريده استاذنا الصدر من التوالد الذاتي. ومن حيث النقد نثير هاتين النقطتين:

1ـ لا شك ان للتوالد الذاتي علاقة بمسألة اليقين الموضوعي او الاستقرائي فضلاً عن التعميم، فهذا اليقين مبرر – فعلاً - وفقاً للتقديرات الاحتمالية الكبيرة ضمن المرحلة الاستنباطية، وهو ما عبّر عنه الصدر بالتلازم بين الجانبين الذاتيين للمعرفة. لكن من وجهة نظرنا ان اضفاء صفة التلازم او اللزوم عليه يحمل فيه مسامحة، فهو ليس كاللزوم المنطقي الذي لا يتقبل امكانية تغاير النتيجة استناداً الى مبدأ عدم التناقض، كما انه ليس كاللزوم الواقعي – على فرض وجوده – والذي لا يتقبل ان تكون علاقات الواقع بغير ما هي عليه، فالنار حارة لصفة التلازم التي تربط النار بالحرارة، فمن حيث الامكان المنطقي يمكن ان تكون النار غير حارة، اذ لا تمثل هذه النتيجة المغايرة للواقع الموضوعي خرقاً لمبدأ عدم التناقض، لكنها من حيث الواقع واللزوم السببي فالنار لا تكون الا حارة، كالذي يراه المنطق الارسطي وما تبناه مفكرنا في (الاسس المنطقية للاستقراء) قبل ان يتراجع عنه فيما بعد. أما اللزوم الذاتي فهو امر اخر لعلاقته بالجانب الذاتي للانسان، فالذات البشرية هي التي تصنع الطفرة من الاحتمال الى اليقين تلقائياً، فلضآلة الاحتمال المضاد فانه يُهمل بحسب الآلية التي يعمل بها الذهن البشري. لكن من حيث الدقة الرياضية فان مثل هذا الاحتمال لا يُنفى وهو ينافي اللزوم. فهو على شاكلة ما يتحدث عنه الفيزيائيون من القيمة المعتبرة للاحتمالات الضئيلة للغاية الى درجة النفي قبال القائلين بالحتمية، رغم ان واقع الامور هي هي، لكون القضايا الواقعية المختلف حولها هي قضايا ثابتة لا أحد يدعي انها تتغير. لكن هناك فرقاً بين من يقول بثباتها وفقاً لحتميتها، ومن يقول بذلك وفقاً لضآلة احتمال تغيرها. وهو الخلاف الذي نشب حول مبدأ تزايد الانتروبيا بين بولتزمان القائل بالاحتمالية الاحصائية، وماكس بلانك – مؤسس نظرية الكوانتم - القائل بالحتمية.

فمثلاً لو فتحنا قارورة عطر في غرفة مغلقة فمن الطبيعي ان يتسرب كل ما فيها من جزيئات الى ارجاء الغرفة. وسؤالنا هو: هل من الممكن ان تعود كل هذه الجزيئات الى القارورة المفتوحة تلقائياً؟ فالجواب لدى ماكس بلانك هو الاستحالة، في حين انه لدى بولتزمان ممكن دون استحالة لكنه ضعيف للغاية. ومثل ذلك لو خلطنا انائين من الماء احدهما بدرجة 90 مئوية، والاخر بدرجة 10مئوية، فالملاحظ ان الماء الثاني لا يفقد درجة حرارته للأول ليكون متجمداً عند الصفر، كما لا يكسبها الاخر فيتحول الى الغليان في حالة الضغط الجوي الطبيعي، وبحسب بلانك ان هذا القانون حتمي وفقاً لاستقلالية القانون الثاني للثرموداينميك، في حين انه بحسب بولتزمان احتمالي احصائي غير حتمي وهو يخضع لمبدأ الانتروبيا، بمعنى انه يشكل حالة من حالات المبدأ المشار اليه من دون استقلال. ومثل ذلك فانه عند اصدام كرة بحاجز فانها تتوقف عن الحركة بعد ان تولد شيئاً من الحرارة، لكن تسخين هذه الكرة لا يفضي الى تحريكها مثلما كانت، ويبقى التعليل مرهوناً بواحد من التفسيرين السابقين.

وقد تجدد مثل هذا الخلاف بين بعض المتبنين لميكانيكا الكوانتم واينشتاين. فقد رأى البعض ان الواقع الموضوعي للعالم الجسمي الكبير يخضع مثل العالم الجسيمي الصغير الى القفزات العشوائية الكمومية من دون سبب خارجي، لكن درجة احتمال تغيره في العالم الكبير هي في غاية الضآلة، بحيث لا يلتفت اليها اطلاقاً، ومن ذلك ان عالم الفيزياء (أومنيس) اراد ان يطبق نظرية الكوانتم على العالم الماكروفيزيائي، ليفسّر الشكل الثابت او المألوف لوضع الأشياء. مع ان الثبات الذي يرمي اليه هو ثبات نسبي، اذ اعتقد بأن ميكانيكا الكوانتم تسمح بوجود تأثيرات (نفقية) يغيّر فيها الجسم حالته بسبب قفزة كوانتية، الأمر الذي يطبق حتى على الأجسام الكبيرة، فمثلاً يمكن للأرض أن تتعرض الى التأثير النفقي فتجد نفسها فجأة تدور حول نجم آخر غير الشمس. فمن حيث المبدأ أن هذه النظرية تسمح بمثل هذا التأثير الصدفوي المحض، لكن إحتمال حدوثه بالنسبة للأجسام الكبيرة هو إحتمال ضئيل للغاية، بل ويفوق الخيال والتصور، فهو من رتبة (10-200)[8]. وبحسب وجهة النظر هذه تصبح جميع قوانين الطبيعة احتمالية لكنها تتفاوت في درجاتها الاحتمالية. ويضيف بعض الفيزيائيين تفسيراً لكيفية ظهور القوانين التي نفترضها حتمية في واقعنا المألوف، كالخطية والموضعية، استناداً الى تبعيتها للحالة الكمومية التي نشأ فيها الكون، فهي أثر من بقايا الانفجار العظيم، كالذي يتبناه كل من هارتل وجيل مان[9]. في حين رأى اينشتاين ان العالم يسير بطريق حتمي لا يخضع للقفزات العشوائية واحتمالاتها، ليس فقط في العالم الجسمي الكبير، بل حتى في العالم الجسيمي ايضاً، خاصة فيما يرتبط بالخطية والموضعية، وله حول ذلك نقاشات عديدة مع مدرسة كوبنهاكن الكوانتية بزعامة نيلز بور[10].

وغرضنا من هذا العرض السريع للخلاف بين الفيزيائيين هو الكشف عن الفارق بين الرؤية اللزومية والرؤية الاحتمالية - مهما كان الاحتمال ضئيلاً ومهمشاً - في تفسير القضايا الموضوعية التي نألف ثباتها. فلو صحت الرؤية الاحتمالية كالتي يقول بها بولتزمان وميكانيكا الكم لما جاز الحديث عن القضايا الموضوعية بصيغة اللزوم؛ معرفياً وواقعياً. وهو الحال ذاته يصدق على التوالد الذاتي طالما انه يتضمن شيئاً من الاحتمال المضاد مهما كان ضئيلاً.

هكذا فالتوالد الذاتي يخلو من اللزوم، لاختلافه الجذري عن اللزومين المنطقي والواقعي. فهو توالد من صنف آخر، وله مبرره في كونه يعتمد على المعرفة الموضوعية التي تسبقه.

 2ـ ان اليقين الاستقرائي المتوالد وفقاً لمبررات نظرية الاحتمال يعمل بدوره على توليد يقين اخر سايكولوجي هو اليقين العملي، وهذا التوليد لا يحصل من غير مصادرة (التقدير)، بمعنى انه مثلما يتوالد اليقين الاستقرائي عبر مبررات نظرية الاحتمال، فانه يتوالد من خلاله يقين من نوع آخر هو اليقين السايكولوجي المرتبط بالواقع الخارجي مباشرة. او يمكن ان نقول بأن لليقين الاستقرائي حيثيتين مختلفتين، فمن جهة ان هذا اليقين مرتبط بمبرراته الموضوعية عبر نظرية الاحتمال، وهو ما اكد عليه المذهب الذاتي، ونطلق عليه سمة اليقين النظري، لكنه من جهة اخرى مرتبط بواقع القضية الاستقرائية خارجاً، وهو من هذه الناحية يعبر عن يقين عملي سايكولوجي، وقيمته تنبع من الثقة باليقين النظري، ولولاه ما كان له قيمة، كالذي كشفنا عنه في (الاستقراء والمنطق الذاتي)، فقلنا بهذا الصدد: ‹‹ان اليقين الموضوعي (الإستقرائي) لما كان متوقفاً على القيم المتجمعة باتجاه محور محدد؛ فإن ظهور أي خطأ في تجمع هذه القيم، أو أي زوال لبعضها، سيفضي بالنتيجة إلى زوال ذلك اليقين كالذي اكد عليه المذهب الذاتي. مما يعني ان لهذا اليقين إعتبارين مختلفين، فهو من حيث المنظومة ذاتها يكون يقيناً ذا صبغة منطقية لارتباطه بالمبررات الموضوعية، لذلك نطلق عليه اليقين النظري، لكنه من حيث الواقع عبارة عن يقين عملي تتجلى فيه الصبغة السايكولوجية. ولا شك ان هذا الاختلاف بين الحالين يقتضي وجود مصادرة تعمل على انزال اليقين الموضوعي من رتبته النظرية إلى الصورة العملية. فهما مختلفان، واذا ما حصل خطأ في الأول المعتمد على المبررات الموضوعية، وكان هذا الخطأ غير ملحوظ، فإنه سوف لا يفضي إلى زوال الثاني، حيث زواله مرتهن بحالة كشف الخطأ في الأول. مما يعني ان قيمة اليقين الثاني نابعة من الثقة بالاول، ولو زالت هذه الثقة لاي خطأ ممكن، فإنها ستفضي إلى زوال الآخر، فاليقين العملي لا قيمة له من حيث ذاته، وانه لا يدل على الأول. لذلك فالمصادرة المطلوبة تنص على لزوم ان يكون صدق اليقين العملي قائماً على التقدير؛ استناداً إلى إفتراض كون اليقين النظري صادقاً››[11].

وبالتالي فاليقين العملي او السايكولوجي هو نوع من التوالد المعرفي المضاف الى التوالد الذاتي.

وبذلك يبقى معنا المحور الثالث والاخير، وهو محور قضايا علوم الطبيعة، والذي سنبحثه كما يلي..

 

3- محور قضايا علوم الطبيعة

بادئ ذي بدء نتساءل: تحت اي توالد يخضع هذا المحور؟

لقد حاول المفكر الصدر ان يجعل من علوم الطبيعة تطبيقاً لنظرية الاحتمال، بمعنى انها لا تختلف عن قضايا التوالد الموضوعي وفقاً لتقديرات الحسابات الاحتمالية ولزوماتها المنطقية، وقد تصل الى مرحلة القطع واليقين وفق التوالد الذاتي. لذلك جعل البحث فيها ضمن القسم الاخير الخاص بتطبيق نظريته على مختلف انواع المعرفة البشرية ومنها العلوم الطبيعية، فلم يُطل التوقف عندها، اذ عرضها تحت عنوان فرعي سماه (قضايا العلوم الطبيعية)، وجاء تحت هذا العنوان ما يقارب الصفحة الواحدة، وكان محور ما ورد فيها هو مناقشة المذهب التجريبي لعجزه عن تفسير القضايا العلمية باعتبارها قائمة على نظرية الاحتمال، وهي تتضمن الاسس القبلية الثابتة والمستقلة عن الاستقراء، مما يجعل التفسير منسجماً مع المذهب العقلي دون المذهب التجريبي.

وعموماً ان كل ما قاله فيما يتعلق بقضيتنا هو التالي:  ‹‹إن قضايا العلوم الطبيعية تحظى لدى العقليين بدرجة من التصديق عالية، تبلغ في بعض الأحيان إلى اليقين... فقد عرفنا أن هذه الدرجة من التصديق لا يمكن أن تفسر إلا على أساس نظرية الاحتمال وتطبيقها في المجال الاستقرائي، وللنظرية بديهياتها التي تتوقف عليها. وهذه البديهيات بعضها ذو طابع رياضي بحت وبعضها غير رياضي، وما لم يُسلّم بتلك البديهيات لا يتاح تطبيق نظرية الاحتمال لتنمية احتمال القضية العلمية››[12].

***

ويمكن ان نناقش النص السابق مع تبيان الاختلاف بين الافتراض العلمي والتوالدين الموضوعي والذاتي، وذلك بحسب النقاط التالية:

1- بداية ان الاحتجاج بنظرية الاحتمال لتأييد النظريات العلمية المتنافسة كان من الحالات الشاذة، وليس كما افاده النص السابق. فما تتطلبه النظرية العلمية هو الفائدة التفسيرية لأكبر عدد ممكن من الظواهر دون الحديث عن احتمالات مطابقتها للواقع الموضوعي، او تحديد درجة هذه الاحتمالات، لا سيما انه لا يسع تطبيق الجوانب الرياضية ودرجات الاحتمال على النظريات، كالبديهيات الرياضية وما ينبني عليها، طالما ان الاحتمالات المتعلقة بها هي احتمالات تباينية وليست تماثلية. فمثلاً رغم ان نظرية توماس بايس في الاحتمال العكسي قد طُرحت للكشف عن تقدير إحتمالات الفروض العلمية، الا انها كانت محل اعتراض لكونها عاجزة عن التقدير الحسابي للنظريات العلمية، وهو الامر الذي يمكن ان يثار ضد بديهتي الاتصال والانفصال وما يترتب عليهما من حسابات رياضية، كالذي بيناه في (الاستقراء والمنطق الذاتي)[13]. فكل ما يمكن قوله في هذا المجال هو ان النظرية العلمية لا تستغني عن وجود قرائن المشاهدات التي تؤيدها، دون الاهتمام بالقرائن الشاذة او المناقضة عادة. فالنظرية التي تتناقض مع حقيقة تجريبية قد تبقى صامدة دون ان تفقد شيئاً من اعتبارها، ما لم تفسح المجال لاحلال غيرها من النظريات المنافسة عندما تغطي اكبر عدد ممكن من القرائن والشواهد الدالة عليها، دون ربط ذلك بالاحتمالات وترجيحاتها ازاء الواقع الموضوعي.

ومن حيث التفصيل ينقسم الموقف العلمي المعاصر من النظريات الى نزعتين براجماتية اداتية وواقعية وضعية، وكلاهما لا يعولان على نظرية الاحتمال، لا سيما بالصيغة الرياضية كما يطرحها النص السابق. فالنزعة الاولى تؤكد بأن النظريات العلمية تتحدث عن امور لا علاقة لها بالواقع الفعلي، او انها ليست بصدد تقرير حقائق الواقع فيما يخص الظواهر غير المباشرة. واعتماداً على هذه النزعة فانه لا يوجد دليل يمكن تبريره للكشف عن الاشياء غير المشاهدة، كالدليل على وجود قطة خلف هذا الجدار مثلاً. واقوى تطبيق لهذه النظرية ما يتعلق بالجسيمات غير المرئية كالالكترونات وما اليها. فالرصد يكون في مثل هذه الحالات رصداً غير مباشر، مثل رؤية نقطة سوداء على لوح فوتوغرافي، او سماع قعقعة صوتية لعداد جيجر. ويطلق على المذهب الذي يتبنى هذه النظرية بالـ (Reductionism)، ويسمي تلك الاشياء غير المرئية بالتركيبات المنطقية او الكيانات النظرية (theoretical entities)، فليس ثمة دليل على وجودها، وانما هي اختراعات وتمثلات ذهنية فحسب. ومن امثلة من يتبنى هذه الرؤية برتراند رسل في كتابه (مقدمة الى فلسفة الرياضيات) ووليم نيل في كتابه (الاحتمال والاستقراء)[14]. وبالتالي فلا علاقة لهذا النزعة بنظرية الاحتمال في كشفها عن الواقع الموضوعي.

ويخالف هذه النزعة من يرى ان العلم يتحدث عن اشياء واقعية حقيقية وان لم تثبتها التجربة والمشاهدة. ومن ذلك النزعة الوضعية التي ترى ان العلم يتحدث عن كيانات موجودة يمكن اثباتها عندما تحين الادوات المناسبة، مثلما اثبت اشياء عديدة كانت تعز على الرؤية والمشاهدة، كالخلية والفيروس والجزيء والذرة وما الى ذلك، لدرجة ان ارنست ماخ كان يعارض التفكير في الجزيء او الذرة بوصفه شيئاً موجوداً، واعلن ذات مرة انه ‹‹محض خيال لا قيمة له››، في حين انه اليوم امكن تصويره فوتوغرافياً، ويمكن ان ينطبق الامر على كل اكتشاف جديد لجسيم مجهري او كيان فلكي[15]. فهذا حال النزعة الواقعية كما تتمثل لدى الوضعية، الا انه حتى في مثل هذه الحال فان هذه النزعة لا تستعين بنظرية الاحتمالات الرياضية في الكشف العلمي، لكونها لا تنفع الا في الموارد البسيطة والاحصاءات. ومع ذلك فالمسار الذي شهده العلم خلال القرن العشرين اثبت ان النزعة البراجماتية والتمثلية للعلم كان لها السيادة التامة اذا ما قورنت بالنزعة الوضعية والواقعية.

 2- ان الاعتماد على التوالدين الموضوعي والذاتي، فيما يتعلق بالواقع الموضوعي، يتضمن القضايا البسيطة. فاللزوم الموضوعي المحض عبر القياس لا يفيد شيئاً في الكشف عن هذا الواقع. كما ان التوالد الذاتي لا يتجاوز الكشف عن القضايا البسيطة، فهو لا يبرر لنا النجاح الحاصل في العلوم الطبيعية القائمة على الافتراضات العامة. وكل ذلك يعود الى كون ما عالجه المذهب الذاتي في هذا المجال هو مما يقع ضمن دائرة القضايا التماثلية المرتبطة بالماهيات او الهويات المشتركة او الوحدة المفهومية. فالفارق بين اللزوم الذاتي والافتراضات العلمية هو ان الاول ينطبق على القضايا التماثلية او النوعية في الغالب. اما الثانية فهي لا تنطبق على مثل هذه القضايا، بل ميدانها القضايا التباينية من الانواع المختلفة. واذا كان ميدان الاولى هو المنطق، فان ميدان الثانية هو العلم. ففي المنطق تطرح القضايا البسيطة للتعرف ان كان يمكن للتوليد ان يكون سليماً وصحيحاً وفقاً للدليل الاستقرائي ام لا. اما ما يطرح في العلم فلا علاقة له بهذه القضايا، طالما انها ليست محلاً لجني الثمار العلمية، وبالتالي كان لا بد من طرح القضايا المعقدة ذات العلاقات المختلفة.

 3- لا تشكل الافتراضات العلمية اي نوع من اللزوم، سواء الموضوعي منه او الذاتي. فمثلاً ان نظريات نيوتن واينشتاين والكوانتم وغيرها لا تحمل افتراضات لزومية، كما انها ليست احتمالات لها قيم محددة، بل انها افتراضات مقبولة وقابلة للزوال، وبالتالي فانها تخلو من اللزوم، لكنها مثمرة بنتائجها وفوائدها النفعية. فهي لا تتخذ منهجاً محدداً بل تُختلق عبر الخيال العلمي، وكما يقول كارل بوبر: ليس للاكتشاف العلمي منطق محدد، بل المنطق للاختبار. وكان الرياضي الفرنسي بوانكاريه يؤكد بأن لكل من المنطق والحدس الوجداني دوراً ضرورياً لا غنى عنه، فالمنطق هو وحده من يقدم اليقين، لذلك هو أداة البرهان، أما الحدس الوجداني فهو أداة الاختراع[16]. وعلى رأي فيلسوف العلم المعاصر (فيليب فرانك) أنه إذا درسنا بدقة كيف نعثر على مبادئ جديدة في العلم، يتضح لنا أن مبدءاً مثل قانون القصور الذاتي، أو مبدأ النسبية، لا يمكن اختراعهما بأي طريقة نظامية (إستدلالية أو إستقرائية)، وإنما يتم ذلك فقط بإستخدام القدرة الذاتية الاختراعية، وهي ما تسمى أيضاً الخيال وأحياناً الحدس، كالذي أكد عليه أينشتاين في إحدى محاضراته[17]. وقد قال الأخير مرة: ‹‹إن الخيال أهم من المعرفة››[18]. ولهذا كان فيلسوف العلم فيرابند يحمل مبدأ: كل شيء في العلم قابل للتمرير، بلا منهج محدد. إلا أن ذلك لا يلغي دعم الشواهد والقرائن الاستقرائية ضمن عملية ذهنية بالغة التعقيد.

 4- طبقاً للمفهوم الذي ادلى به مفكرنا الصدر فان الافتراضات التي تخلو من اللزوم تقع في لائحة الخطأ البشري. فاذا لم تكن النتائج قائمة على نوع من اللزوم، سواء الذاتي او الموضوعي، فانها تعتبر خطأً فكرياً غير مقبول، وكما قال: ان ‹‹تورط الفكر البشري في الخطأ له شكلان رئيسيان، أحدهما: استعماله لطريقة التوالد الذاتي، أي استنتاج نتيجة من مقدمات صادقة لا تستلزم تلك النتيجة. والشكل الآخر: استعماله لطريقة التوالد الموضوعي باستنتاج نتيجة من مقدمات تستلزم تلك النتيجة، ولكن المقدمات كاذبة››[19].

وينطبق الخطأ المذكور في التوالد الذاتي ضمن النص السابق على الاسلوب العلمي المتبع حالياً، فهذا الاسلوب يمتلك مقدمات صادقة لكنها لا تستلزم النتيجة. فبحسب الافتراض العلمي انه لا تلازم بين المقدمات والنتائج، فالتعميم مفترض، ولا احد يدعي بان مقدماته قد وفرت الشرط الكافي لاستنتاج مثل هذا التعميم. لكن مثل هذا التعميم مقبول لدى العلم، ولولاه ما كان للعلم ان يتقدم خطوة نحو الامام. فكل نتائجه قائمة على التوقعات والتنبؤات والتعميمات المفترضة دون حتم ولزوم.

لهذا لا ينكر فلاسفة العلم كون الافتراضات العلمية تتجاوز اللزوم المنطقي او اي لزوم اخر، وبعضهم يعبر عن ذلك بان هذه الافتراضات تعد خاطئة وتحمل مغالطة من وجهة نظر منطقية صرفة، وهو ما لا يرد في اللزومين الذاتي والموضوعي. ويمثلون على ذلك ببعض الامثلة، كالقول:

ان الكلب حيوان لبون.وان هذا الذي أمامي حيوان لبون.إذاً ان هذا الحيوان هو كلب.

فرغم ان هذا المثال يتضمن المغالطة المنطقية، لكنه يعبر عن جوهر ما تقوم عليه الافتراضات والنظريات العلمية[20]. وهي مع ذلك مثمرة ومفيدة. بمعنى ان للعلم طريقته المخالفة للطريقة المنطقية، ففي العلم تجاوز للمنطق، وهو يمارس اشبه ما يكون بلعبة المراهنة والقمار، استناداً الى نزعته البراجماتية الواضحة. فالتعميمات العلمية تشكل صلب نسيج العلم الحديث، رغم الاعتقاد السائد بان التعميم لا يجد له تبريراً على الصعيد المنطقي، لا سيما بعد ان كشف ديفيد هيوم عن الثغرة التي يتضمنها خلال القرن الثامن عشر، وبعد ان تبنت الوضعية المنطقية الموقف السلبي منه خلال القرن العشرين، فالتعميمات لديها غير مقبولة، الى درجة ان البعض يراها قضايا لا معنى لها. لكن مع ذلك اصرّ العلم على ضرورة الاخذ بها لاهميتها، حتى وان ظهرت شواهد تكذبها او تتنافى معها. كما سيتبين خلال النقطة التالية..

 5- تعتبر كل مخالفة في النتائج لدى التلازم الذاتي امراً لا يغتفر. اذ هكذا نتائج تناقض الادعاء باللزوم. فالخطأ غير وارد اطلاقاً وهو اعظم جرماً من ايجاد نتائج غير لزومية عبر مقدمات صادقة. في حين لدى الافتراض العلمي ان للخطأ فوائده المقررة، كالذي يتحدث عنه فلاسفة العلم، ومنهم كارل بوبر بعنوان خيبة التوقع والانتظار، فذات الخطأ في الفرضيات المطروحة يعمل على التقدم العلمي والحياة، وكما يشير ايضاً الفيزيائي ريتشارد موريس الى ان تبيان الخطأ في النظرية العلمية قد يكون في كثير من الاحيان مهماً جداً، فالتحقق من ان النظرية خاطئة يمد بالحافز على البحث عن نظريات جديدة، وفيه يتحقق التقدم[21]. لكن خطأ التجربة – وما أكثرها - قد يكون بالنسبة لصاحب النظرية كارثة، كالذي عبّر عنه الفيزيائي الاديب (رولان أومنيس) في اسلوبه الشعري بقوله: ‹‹لا شيء مثير للرعب أكثر من الاغتيال السافل الحقير لنظرية جميلة بفعل وقائع ملعونة››[22]. وقد وُصفت التجربة بأنها بمنزلة إلقاء للنرد، وفي كل يوم يكون للعلم مواجهة مع الواقع بهذا الإلقاء[23]، ولا شك أن نسبة الاخطاء تفوق الاصابة بكثير، وقد وصف أومنيس الحال بمقبرة كبيرة تضم رفات الأفكار[24]، لكن الاخطاء مع ذلك مفيدة في العلم رغم خيبة التوقع.

 6- لدى الافتراض العلمي ان خطأ التعميم، او حالة ما يطلق عليه الشذوذ، يعتبر مقبولاً لا اشكال فيه؛ اذا ما توفرت فيه بعض الشروط. فالعلم يتخذ من التعميمات ما هو شبيه بالتعميم القائل: كل غراب اسود، حتى لو شوهد غراب ابيض. فهذا التعميم الخاطئ مقبول ومرحب به تماماً، ويبقى الادعاء ثابتاً بان كل الغربان سود، وكأنه لا وجود لغراب ابيض. فهذا ما يستند اليه العلم، وهو ان النظرية تبقى متخذة ومعترف بها رغم علمنا بانها لا تتلائم مع بعض النتائج.

فلقد اظهر العلم انه يغض الطرف عن الشواهد السلبية للتعميمات، ويعتبرها وكأنها غير موجودة، او لا تعنيه، ما لم تكن هناك نظرية تعميمية افضل. وكل ذلك يفرض الجانب البراجماتي على العلم حتى في مسلكه الوضعي او الواقعي الذي ساد منذ النهضة العلمية وحتى بداية القرن العشرين، كالذي تدل عليه شواهد الشذوذ التي ألِفها العلم دون ان يضطره الامر الى تكذيب النظرية، اي خلاف ما كان يتبناه كارل بوبر في نزعته التكذيبية المعروفة. وكل ذلك يعد خرقاً للنتائج المنطقية واللزومية التي استند اليها المذهب الذاتي.

فمن ذلك ان نظرية نيوتن كانت موضع اعتماد رغم الاعتقاد بان بعض الظواهر تتضارب معها او تشذ عنها. وقد لا يعتبر هذا التضارب او الشذوذ دليل الخطأ في النظرية، اذ هناك ولو احتمال قليل في قدرة النظرية على ان تعيد اعتبارها عبر بعض الافتراضات الثانوية لتتفق مع الظواهر الشاذة، وعلى رأي فيرابند فان من الممكن اعادة الروح للنظريات القديمة المتروكة. وكل ذلك مما لا يتناسب مع اللزوم الذاتي فضلاً عن الموضوعي.

وبالتالي فالاعتبارات التي تعطى للافتراض العلمي قد تتجاوز مرتبة صدق النظرية وكذبها، فهناك عوامل هامة للعلم يتخذها في قبول النظرية وترجيحها على غيرها، كالبساطة والجمال والاتساق وما اليها، وكل ذلك ما يعد خرقاً للزوم في ثوبه الذاتي والموضوعي او المنطقي.

 7- قد يحصل في كثير من الحالات ان العلماء يتغاظون عن التجارب التي تناقض نظرياتهم، بافتراض ان منشأ الخطأ كائن في التجربة لا النظرية، وذلك عندما تتصف الاخيرة بالاناقة والبساطة والاتساق والجمال. فهناك جملة من العلماء حافظوا على نظرياتهم ورجحوها على البيانات التجريبية المخالفة لها. فمثلاً قدّم الفيزيائيان ريتشارد فينمان وماري جيل مان (عام 1958) نظرية جديدة لتفسير التفاعلات الضعيفة، وكانت النظرية تناقض بشكل صارخ عدداً من التجارب، اما الجانب الرئيسي الجذاب فيها فكان الجمال، ومما قاله هذان الفيزيائيان: ‹‹انها نظرية عالمية ومتناسقة وهي ابسط الامكانات، مما يدل على ان التجارب غير صحيحة››. كما علق جيل مان على ذلك بقوله: ‹‹غالباً ما يطرح العالم النظري مقداراً كبيراً من البيانات على اساس انها اذا كانت لا تنسجم مع خطة انيقة فهي غير صحيحة. وقد حدث هذا معي مرات عديدة، كما في نظرية التفاعلات الضعيفة. لقد كانت هناك تسع تجارب تناقض النظرية وكلها بلا استثناء غير صحيحة. فاذا كانت لديك نظرية بسيطة تتفق مع سائر قوانين الفيزياء، ويبدو انها تفسر فعلاً ما يحدث، فلا عليك ان وجدت كمية قليلة من البيانات التجريبية التي لا تؤيدها. فمن المؤكد تقريباً ان تكون هذه البيانات غير صحيحة››[25]. وهناك مقولة مأثورة منسوبة الى ايدنجتون: ‹‹على المرء ان لا يصدق بأي تجربة الى ان تأتي نظرية تؤكدها››[26]. وكل ذلك لا يتسق مع اللزوم في المذهب الذاتي.

 8- يعتبر الاختبار في حالة اللزوم الذاتي مهمة صعبة للغاية إن لم يكن عبثياً، خلافاً للافتراض العلمي. فمثلاً لو انهما تحولا الى تعميم شامل، فسيلاحظ ان التوالد الذاتي يحمل قضايا بسيطة ومشروطة باثبات السببية، وبالتالي يصبح من الصعب التحقق ان كان التعميم صائباً ام غير صائب، فمثلاً كيف يتأتى لنا اختبار التعميم القائل (كل حديد يتمدد بالحرارة)، ونحن لم نختبر الا القليل منه؟ فكل ما سنأتي بقطعة جديدة من الحديد سنفترض بحسب التوالد الذاتي انه يخضع وفق ما يحمله من تلازم الى ذات النتيجة، مما يعني اننا لا نشك في النتيجة اطلاقاً وفقاً للزوم ذاته، وان الاختبار يعد شيئاً من العبث.

لكن في حالة الافتراض العلمي فانه على عكس ما سبق، قلما يكون التعميم مما يصعب فيه الاختبار. فمثلاً ان التعميم الذي اتى به نيوتن في نظريته حول الجاذبية ظل يخضع للاختبارات باستمرار، وقد لوحظ بان هذه النظرية لا تنطبق على بعض الظواهر كحركة كوكب عطارد. في حين نجحت نظرية اينشتاين وفقاً للنسبية في تجاوز ما لم تستطع نظرية نيوتن تجاوزه. لكن التعميم في نظرية اينشتاين هو ايضاً كان موضع اختبار، بل وعدم قبول في بعض المجالات، فهو يفشل في تفسير جملة من القضايا، وعلى رأسها العالم الجسيمي، كذلك بداية الانفجار العظيم وما يحصل في الثقوب السوداء وما الى ذلك، مما عالجناه في بعض الدراسات المستقلة.

لهذا اعتبر كارل بوبر بان المعرفة العلمية تعمل على التصحيح لا الاثبات، فلا يوجد شيء يمكن اثباته على الدوام، فالخطأ وارد باستمرار، وهذا ما دفعه الى الغلو في نزعته التكذيبية خلاف المسار العلمي.

لكن في جميع الاحوال ان من السهل اختبار الفرض العلمي عادة – اذا ما استثنينا النظام التخميني الجديد في الفيزياء[27]- خلافاً للزوم الذاتي، والسبب هو ان الاخير يعمل على معالجة القضية منطقياً لا علمياً، على عكس الفرض العلمي الذي يسير بالاتجاه المعاكس.

 9- ان التعميم في اللزوم الذاتي قابل لان يتضمن شكل الاستنباط القياسي في اللزوم المنطقي، وهو انه يتصف بخاصية لزوم انطباق الكبرى على الصغرى. فعندما نتوصل الى التعميم في اللزوم الذاتي عبر الانتقال من الخاص الى العام، فان من الممكن بعد ذلك عكس المسألة، وهو القيام بالاستدلال من العام على الخاص، اذ يصبح التعميم قاعدة كبرى للاستنباط والانطباق على الجزئيات، فمثلاً لو توصلنا عبر الاستقراء الى التعميم القائل (كل حديد يتمدد بالحرارة) فاننا بعد ذلك يمكننا ان نجعل من هذا التعميم قاعدة كبرى للاستدلال فيما يخص قطع الحديد غير المختبرة، فاذا ما وجدنا قطعة جديدة لم تختبر بعد فاننا نطبق عليها ذات اللزوم الموضوعي دون فرق، فكلاهما يصبح حاملاً للزوم الموضوعي او المنطقي. بل ان اللزوم الموضوعي لقضايا الواقع الخارجي كلها لا تجد لها تبريراً الا بمرورها اولاً عبر اللزوم الذاتي من التعميم الاستقرائي، فبعد ذلك تتحول الى قواعد كبرى تنطبق على جزئياتها وفقاً للزوم الموضوعي او القياس المنطقي. وبالتالي فاننا في هذه المرحلة التي انتهينا فيها من التعميم لا يكون لدينا الا لزوم واحد فقط هو اللزوم الموضوعي او المنطقي من دون اثر للزوم الذاتي.

أما في حالة الافتراض العلمي فان عملية الاستنباط لا تخضع للزوم المنطقي اطلاقاً، فهي متحررة من كل انواع اللزوم، وهنا حيويتها لكونها قائمة على التوقعات دون البت في النتيجة، فالاختبار يبقى قائماً دون انقطاع، مما يجعل النظريات العلمية مفتوحة على الدوام، وهو مصدر حيويتها. الامر الذي لا يتفق مع اللزوم الاستنباطي او القياسي، باعتبار ان البت فيه قائم دون احتمال نتائج مخالفة، وبالتالي لا معنى للاختبار.

 10- ان التعميم لدى المذهب الذاتي مرهون باثبات السببية اللزومية موضوعياً. أما في حالة الافتراض العلمي فالتعميم غير معتمد عليها اطلاقاً. ونعتقد انه لو ثبتت السببية اللزومية فان التعميم سوف يلقى شيئاً من التبرير. وهو امر صعب ومعقد، باعتباره مرهوناً بتعيين السببية اولاً ثم بعد ذلك يلاحظ ان كان امرها يدل على اللزوم ام لا. فالافتراض العلمي يواجه قبل كل شيء مشكلة تعيين السببية للظواهر الطبيعية، ومن ذلك ان نظرية نيوتن قد فسرت حالات الجذب الكونية وفقاً للكتل المادية كسبب محدد. في حين عارضتها نظرية اينشتاين التي اسندت تعليل الجذب الى طبيعة الزمكان المنحني والمجال الذي يحتويه. وفي كلا الحالين ليس هناك ما يثبت تحديد كنه هذه السببية، ويمكن ان تكون كلا النظريتين خاطئتين رغم انهما معممتان الى اقصى حالات التعميم، لا سيما بالنسبة لنظرية اينشتاين. لكن حتى لو تم تحديد السببية واقعاً وبدقة تامة فذلك لا يثبت اللزوم من الناحية المنطقية، بل يشكل هذا الحال دعماً قوياً للتعميم العلمي وفقاً لبعض القواعد القبلية المفترضة. والغريب ان علماء الفيزياء يطرحون اليوم نظريات تخرق مبدأ السببية جملة وتفصيلاً، كالذي يغلب على ميكانيكا الكوانتم في دراستها للعالم الجسيمي، ومن ذلك ما يتحدثون به حول اهمية الفراغ في تكوين الجسيمات الدقيقة من دون سبب، وهو ما عالجناه في دراسة ستنشر قريباً[28]..

 

نتائج البحث

من هنا اصبح لدينا عدد من التوالدات المختلفة، فلدينا توالد اللزوم المنطقي، كما لدينا التوالد الذاتي والذي عرفنا ان حقيقته تخلو من اللزوم، وهما ما توقف عندهما مفكرنا الصدر. وهناك اللزوم الواقعي المفترض، وهو محل خلاف ان كان له حقيقة ام لا؟ كما هناك التوالد المقدّر للواقع. ويضاف اليه توالد اليقين العملي السايكولوجي، وهو المتعلق بالوقائع المباشرة والذي يعتمد على التوالد الذاتي المناط بالتبريرات الاحتمالية. هذا بالاضافة الى توالد الافتراض العلمي كما ممارس في علوم الطبيعة وعلى رأسها الفيزياء، وهو لا علاقة له باي نحو من انحاء اللزوم، كما لا علاقة له بالتوالد الذاتي.

وللاجمال يمكن تصنيف هذه التوالدات بحسب النقاط التالية:

1-توالد اللزوم المنطقي، ويتمثل بالقياسات المنطقية.

2- توالد اللزوم الواقعي، وهو يعتمد على اعتقاد المفسر ان كان يرى الواقع يتضمن علاقات حتمية أم لا؟ فقد كان مذهب ارسطو قائماً على هذا الاعتقاد، واستدل عليه مفكرنا الصدر في (الاسس المنطقية للاستقراء)، ومن ثم مال الى التراجع عن ذلك في كتيب (بحث حول المهدي)[29].

3-  التوالد المقدّر للواقع، ويتمثل بتنزيل القيمة الاحتمالية من المستوى المنطقي الصرف الى واقع القضية.

4- التوالد الذاتي والذي يخلو من اللزوم، ويتمثل باليقين الاستقرائي القائم على مبررات الحسابات الاحتمالية العالية جداً.

5- توالد اليقين العملي السايكولوجي، وهو قائم على اليقين الاستقرائي السابق وفق مصادرة التقدير.

6- توالد الافتراض العلمي، ويتمثل بنظريات وافتراضات العلوم، وعلى رأسها العلوم الطبيعية كالفيزياء.

ويتبين انه ليس بين الاصناف الستة من التوالدات ما يحمل الصرامة اللزومية غير التوالد المنطقي، بالاضافة الى التوالد الواقعي الذي يحمل شيئاً من الشك والجدل، لكن لو ثبت ان في هذا التوالد لزوماً لكانت لزوميته أقل درجة من تلك التي للزوم المنطقي. أما بقية التوالدات فلا تحمل مثل هذه الصرامة اللزومية. وبخصوص التوالد الذاتي فقد عرفنا ان طبيعته تخلو من اللزوم لارتباطها بالجانب الذاتي للانسان، فهو من الناحية الرياضية او المنطقية الصرفة لا يمتلك اللزوم والصرامة، ومثله التوالد النفسي القائم عليه. أما التوالد المقدّر فواضح انه لا يحمل هو الاخر أي معنى للزوم. يبقى توالد الافتراض العلمي، وتنبع اهميته البالغة في كونه يُستخدم في العلم منذ مدة غير قصيرة، ويتصف هذا النوع من التوالد بانه يخلو كلياً من اللزوم، سواء الواقعي منه او المنطقي، كما انه يختلف عن التوالد الذاتي.

أما أساليب الاستدلال المبررة فهي ثلاثة كالتالي:

1ـ اسلوب التوالد المنطقي.

2ـ اسلوب التوالد الذاتي.

3ـ اسلوب الافتراض العلمي.

***

هذا ودعواتي ان يتقبل الله تعالى هذا الجهد المتواضع ويجعل ثوابه خالصاً الى روح استاذنا الكبير الصدر الذي تعلمنا منه الكثير وما زلنا نتعلم منه دون انقطاع..

 



[1] محمد باقر الصدر: الاسس المنطقية للاستقراء، دار التعارف، بيروت، الطبعة الرابعة، ص133 وما بعدها. كذلك: الاسس المنطقية للاستقراء، تعليقات يحيى محمد، دار العارف، بيروت، 2008م، ص115 وما بعدها.

[2] لاحظ، ص135ـ136.

[3] لاحظ، ص141ـ142.

[4] ألبرت أينشتاين: الهندسة والتجربة، خطاب ملقى سنة 1921 في برلين، ضمن: أينشتاين: أفكار وآراء..

[5] رودلف كارناب: الأسس الفلسفية للفيزياء..

[6] انظر كتابنا: الاستقراء والمنطق الذاتي..

[7] لاحظ، ص136ـ143.

[8]رولان أومنيس: فلسفة الكوانتم..

[9]بول ديفيز: التدبير الالهي..

[10]لقد طرحنا تفاصيل هذا الموضوع في كتاب: هرمنوطيقا الفيزياء.

[11] الاستقراء والمنطق الذاتي.

[12] لاحظ، ص483.

[13] الاستقراء والمنطق الذاتي.

[14] انظر:

Barker, S. F. Induction and Hypothesis, Cornell University Press, First Published 1975, Third Printing 1967, New York, p. 129. And: Hempel, Philosophy of Natural Science, current printing 1987, USA.

[15] الاسس الفلسفية للفيزياء..

[16]بنروبي: مصادر وتيارات الفلسفة المعاصرة في فرنسا..

[17] فيليب فرانك: فلسفة العلم..

[18] والتر إيزاكسون: أينشتاين حياته وعالمه..

[19] لاحظ، ص136ـ137.

[20] انظر:

 John Hospers , An Introduction to Philosophical Analysis . 3rd ed. London..

[21] ريتشارد موريس: حافة العلم..

[22] رولان أومنيس: فلسفة الكوانتم.

[23] فلسفة الكوانتم..

[24] فلسفة الكوانتم..

[25] روبرت م. أغروس وجورج ن. ستانسيو: العلم في منظوره الجديد..

[26] ستيفن وانبرغ: أحلام الفيزيائيين..

[27] النظام التخميني هو ثالث نظام حسب تقسيمنا لنظم العلم الحديث ضمن دراستنا (هرمنوطيقا الفيزياء)، اولها النظام الاجرائي، فالافتراضي، ثم اخيراً التخميني.

[28] نقصد بذلك كتاب: هرمنوطيقا الفيزياء. كما لاحظ المقالة التي نشرناها في مجلة المنهاج، وهي بعنوان: الافتراض الآخر.

[29] انظر: المهمل والمجهول في فكر السيد الصدر، قضايا اسلامية معاصرة، قضايا اسلامية معاصرة، عدد (11ـ12)، 2000م. كذلك: الاستقراء والمنطق الذاتي. والاسس المنطقية للاستقراء بحث وتعليق.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2478 المصادف: 2013-06-18 05:07:09


Share on Myspace