 دراسات وبحوث

نظم العلم والهرمنوطيقا (1)

في جميع مجالات المعرفة تظهر نظم ومناهج معرفية قد تختلف في نواحي معينة، وقد يصل خلافها الى حد التنافي والقطيعة. ولا يشذ الحقل العلمي عن الوصف المذكور، وهو ان له نظماً وتطورات مختلفة، قد تصل بعض علاقاتها الى حد القطيعة.

بداية هناك من المفكرين من حاول رصد هذه التطورات العلمية وفق مراحل متميزة. فعلى رأي روبير بلانشي ان العلم مر بثلاث مراحل هي: مرحلة العلم بالجوهر، ثم العلية، ثم الدوال الرياضية. وفي سياق اخر اعتبر بلانشي أن تطور العلوم من حيث العمليات الاستدلالية والادراكية قد تمت عبر المرور بمراحل تاريخية أربعة، هي: المرحلة الوصفية فالاستقرائية فالاستنباطية فالاكسيومية. فقد اعتقد بأن المرحلة الاستقرائية للفيزياء قد بدأت منذ بزوغ القرن السابع عشر واستمرت حتى القرن الثامن عشر، وكان أبطالها كل من غاليلو وكبلر وهويجنز ونيوتن واخرين. فجميع هؤلاء قد أخذ بمنهج الاستقراء طبقاً لتحديد فرانسيس بيكون او قريب منه. ثم بعد ذلك بدأت المرحلة الاستنباطية خلال القرن التاسع عشر. والان وصلت اللحظة التي تنطبق عليها الصياغة الاكسيومية.

ولدى باشلار تصور اخر مختلف، فهو قد رسم لنا محطات تاريخية كبرى، تتميز فيها ثلاث مراحل رئيسية متقاطعة، يسمي الاولى منها ما قبل العلمية، وتشمل الازمنة الكلاسيكية القديمة وعصر النهضة، وقد انتهت عند نهاية القرن الثامن عشر. وبعدها بدأت المرحلة الثانية والتي تمثل عنده الحالة العلمية، وتبدأ مع انتهاء المرحلة الاولى، اي منذ أواخر القرن المذكور وحتى مطلع القرن العشرين. اما المرحلة الثالثة والاخيرة وهي ما يطلق عليها عصر العقل العلمي الجديد فتبدأ من سنة 1905، وهي السنة التي دشنها اينشتاين في نظرية النسبية الخاصة وحتى يومنا هذا.

لكن هذا التقسيم لدى باشلار يواجه مشاكل عديدة، منها انه جعل فترة النهضة الحديثة تمثل مرحلة ما قبل العلم، وهو شيء مستغرب، اذ ان بعضاً من التطورات العلمية خلال القرن العشرين كانت تعتمد على شيء من نتائج تلك الحقبة. كذلك يلاحظ ان التطورات العلمية لم تتخذ في مراحلها الرئيسية شكلاً من القطائع المعرفية التامة. وهي وان صادفها احياناً العديد من التصحيحات، لكنها لم تفض الى هجر كل ما بناه السابقون من نظريات. فالنظرية النسبية عولت على فكرة المجال لماكسويل دون ان تتقاطع معها، ومثل ذلك تعويلها على نظرية نيوتن في الجاذبية دون رفضها كلياً، بل جعلت لها حدوداً من التأثير ضمن استيعابها لها. وهي بذلك استهدفت التوفيق بين النظريتين المختلفتين حول الجاذبية لنيوتن والمجال الكهروطيسي لماكسويل. صحيح ان نظرية ماكسويل حول الضوء جاءت مختلفة كلياً عن نظرية نيوتن، فهي تقاطعها من هذه الناحية، لكن المسار العام لما طرحه كل منهما لا يمكن تفسيره ضمن اطار القطيعة العلمية. فمع ان نظرية ماكسويل مختلفة كلياً عن نظرية نيوتن في الجاذبية الا ان الملاحظ هو انهما يدوران في فلكين مختلفين، فاحدهما يعالج الكتل المادية، فيما يعالج الاخر الحقول الكهروطيسية. وكانت نظرية اينشتاين تسعى للتوفيق بين الاثنين ضمن ما يعرف بنظرية المجال الموحد، فكان من بين ما اعتمده عليهما كونه لم يخالف نيوتن في قوله بتأثير الكتل المادية، وان اضاف الى ذلك تأثير المجال الذي اقتبسه من ماكسويل، وان حاول ان يجعلهما ضمن مبدأ موحد تزيل هذه المثنوية ضمن فكرته حول انحناء الزمكان، بيد أنه لم يفلح بذلك. وبقيت الفكرة تعبر عن نوعين نوعين من الجذب، احدهما يعود للكتل المادية، والاخر للمجال، او لنقل ان الجذب لدى اينشتاين هو مجموع الجذب النيوتني والماكسويلي. وكلا الجذبين مرهونين بطبيعة ما عليه انحناء الزمكان المتصل، وهو تفسيره الجديد في الموضوع والذي يختلف فيه عمن سبقه من الفيزيائيين.

كذلك فان علاقة النسبية بالكوانتم هي علاقة تعارض محايث، فاحداهما لم تستطع ازاحة الاخرى، كما ان العلاقة بينهما لم تقم وفقاً لمبدأ القطيعة. بل وان جميع المحاولات التي استهدفت التوفيق بينهما لم تلجأ الى فكرة القطيعة. فالمعول عليه عادة اما تأويل الكوانتم وفقاً لجاذبية النسبية، او القيام بالعكس. واحياناً يعبر عن ذلك بتفسير القوانين للعالم الجسيمي الصغير من خلال قوانين العالم الكبير، او العكس، اي تفسير قوانين العالم الكبير من خلال قوانين عالم الكوانتم الصغير. وبعبارة اخرى ان تفسير العالمين اما ان يكون وفق قوانين الحتمية كما يراهن عليه اينشتاين، او وفق القوانين الاحصائية الاحتمالية كما هو مبتغى نظرية الكوانتم الجسيمية. وفي كلا الحالين لا يبدو في المقام قطيعة.

كما يقدم توماس كون تصوراً مختلفاً لمراحل العلم، وهي انه يمر بعدد من المراحل، فاذا تجاوزنا مرحلة ما قبل العلم، باعتبارها مرحلة غير قابلة للتكرر، فان العلم اول ما يبدأ به هو العلم العادي القياسي والذي يتقوم بما يطلق عليه النموذج الارشادي (بارادايم paradigm) لكنه مع مرور الزمن تظهر عليه المعاناة من عدم قدرته على تفسير ظواهر معينة، وقد يتفاقم الامر فتتحول المسألة الى ازمة قد تتطور شيئاً فشيئاً ولم يعد من الممكن تكييفها مع العلم القياسي المألوف فيفضي الامر الى ثورة علمية بتبني نموذج ارشادي جديد (بارادايم paradigm). وبحسب توماس كون فانه غالباً ما ينبثق النموذج الارشادي الجديد، او يكون على الاقل، في مرحلة جنينية، قبل ان تستفحل الازمة وتتطور بشدة، او قبل الاعتراف بها صراحة. وبعد ذلك يكون النموذج الجديد علماً قياسياً عادياً، ومن ثم يمكن ان يمر بذات المراحل السابقة من ظهور مشاكل معينة تشذ عن تفسيره لها ومن ثم قد تتطور الى ملامح ازمة وبعد ذلك ربما يفضي الامر الى ثورة جديدة وتبني نموذج اخر جديد، وهكذا.. وتحصل هذه المراحل بفضل ما يتحقق من الازمة، وهذه الاخيرة تتحقق عند لحاظ الشذوذ او الوقائع المناقضة التي تبقى عصية عن ان تتكيف مع العلم القياسي العادي. فعند الازمة قد يؤدي الامر الى تبديل النظرية كلياً ان لم تحصل حالة تعديل تعيد النظرية الى مكانتها. فعند الشذوذ او الوقائع المناهضة ينذر الامر بالثورة إن لم يكن هناك حل لتعديل النظرية كي تستوعب هذه الوقائع الشاذة. لذا فالقضية ليست تأويلاً قبال تأويل اخر، بل اخذ بنموذج ارشادي جديد على خلفية اخر قديم. وكما يرى كون فانه في الثورات العلمية ترى الاشياء المألوفة وكأنها غير مألوفة، اذ تتم اعادة صياغة العلم من جديدة بتجاوز ما كان مسطوراً في السابق.

ويلاحظ على هذه الفكرة انها صورية تخلو من المضمون المحدد لتطورات العلم، وهي اشبه بفلسفة التاريخ. كما ان التعويل على النماذج الارشادية لا يفي بواقع التطور العلمي. فمثلاً خلال القرن العشرين والى يومنا هذا تتربع نظريتان هامتان ليس بينهما علاقة من النوع الارشادي الذي يتحدث عنه كون، رغم ان كلاً منهما يشكل ثورة في حد ذاته.

وكان من بين من نقد توماس كون الفيزيائي المعروف رولان أومنيس، وذلك في مسألتين جوهريتين: احداهما قوله بالثورات او القطيعات العلمية، في حين ذهب أومنيس الى التدرج العلمي المتصل. والثانية قوله بالنماذج الارشادية التي تجعل النظريات بعضها يحاكي البعض الاخر ويتأثر به. في حين رأى أومنيس انه لا توجد محاكاة بل تحول من مبادئ علمية الى قوانين بايجاد مبادئ جديدة.

على هذا قام رولان أومنيس بتقسيم نظم العلم الى اربع مراحل متسلسلة: الاولى ملاحظة الوقائع واجراء التجارب، ومنها قواعد كبلر التي هي تلخيص لوقائع ملحوظة. والثانية تحديد المفاهيم او المبادئ، حيث تتحول فيها القواعد الى قوانين مستنبطة من المبادئ، مثل قواعد كبلر المستنبطة من مبدأ الجاذبية لنيوتن، وذلك بعد ان قام نيوتن بتحديد مفاهيم الكتلة والقوة والموضع والسرعة والتعجيل. والثالثة النظام المنطقي، وهي عكس المرحلة الثانية حيث يجرى فيها فحص المبادئ واختبارها، فمثلا ان نيوتن قام باختبار مبادئه على الحركة الكوكبية وعلى الاجسام الساقطة، وغالباً ما يكون الاختبار في الفيزياء متخذاً الصيغ الرياضية. اما المرحلة الاخيرة فهي التحقق والقابلية على التكذيب، طبقاً لتبني نظرية كارل بوبر، وهي المتعلقة باختبار النظرية على مستوى الواقع، كما يحصل في حالة التنبؤات العلمية التي تفترضها النظرية. اما النظريات غير الدقيقة علمياً فهي التي لا تخضع لمثل هذا النوع من القابلية على التفنيد، مثل العلوم الاجتماعية عادة، كما في منهج ستراوس كمثال للانثروبولوجيا، حيث تتصف مثل هذه المناهج بانها تفتقد للمرحلة الاخيرة او القابلية على التكذيب خلافاً للعلوم الدقيقة كالفيزياء.

ونلاحظ من جهة ان اعتباره للمرحلة الاخيرة الرابعة جزءاً متأصلاً في العلوم الدقيقة كالفيزياء هو امر غير دقيق. فهناك من القوانين الفيزيائية ما لا يمكن تعريضها للتحقيق ومن ثم الكشف عن قابليتها للتكذيب، ومنها قانون نيوتن الاول في العطالة او القصور الذاتي، وهو العائد الى غاليلو مع بعض الاختلاف، فهو مفترض ولا يقبل التفنيد ولا التحقيق، اذ لا يوجد شاهد عليه في الطبيعة كما صرح بذلك اينشتاين، اذ ينص مبدأ العطالة بان كل جسم يحافظ على حالة سكونه او على حالة حركته المنتظمة في خط مستقيم ما لم تجبره قوة مؤثرة على تغيير هذه الحالة، وهو يعني ان كل جسم يتحرك بمعزل عن كل احتكاك وتأثير خارجي فانه يستمر في حركته بانتظام في خط مستقيم دون توقف. في حين ان جميع الاجسام يتأثر بعضها بالبعض الاخر، وبالتالي فليس هناك سكون ولا حركة منتظمة. كما ان العلم قائم على التأييد اكثر مما هو على التكذيب والتفنيد.

كذلك فان المرحلة الثانية تحتاج الى تحقيق، فما ذكره رولان أومنيس هو ذاته ما كان يزعمه نيوتن في ان مبدأ الجاذبية مستخلص استقرائياً من خلال قواعد كبلر الناتجة عن تجميع الملاحظات، وقد نقده فيلسوف العلم دوهيم على هذا الزعم في كتابه (هدف النظرية الفيزيائية وبنيتها) موضحاً بان قانون الجاذبية لنيوتن ليس فقط يختلف عن قواعد كبلر في حركة الكواكب، بل ويتناقض معها، بمعنى انه اما ان تكون هذه القواعد صحيحة والجاذبية خاطئة او العكس هو الصحيح. وذلك لان هذه القواعد تجعل من حركة الكواكب حركة اهليليجية منتظمة، في حين انه بحسب الجاذبية فان تأثير الكواكب بعضها على البعض الاخر يجعل الصورة الاهليليجية تتضمن شيئاً من الحركة المضطربة غير المنتظمة. كما نقده ايضا من خلال ان مفاهيم نيوتن في الجاذبية لا تُردّ الى كبلر ولا علاقة لها بمفاهيمه. فمفاهيم كبلر هي المكان والسرعة والمسافة والمجال والوقت.. الخ، لكنها لا تتضمن مفهومي الكتلة والقوة، وبالتالي كيف يمكن استخلاص هذين المفهومين من منظومة لم يرد بشأنها حاجة ولا ذكر كما في قواعد كبلر؟! ويفسر دوهيم علاقة نيوتن بكبلر كما يقول: ‹‹اكتشف نيوتن بجهوده قوانين الحركة الدائرية الاطرادية، وقارن هذه القوانين... بقانون كبلر الثالث، فادرك من هذه المقارنة ان الشمس تجذب كتلاً متساوية من كواكب مختلفة بقوة تتناسب تناسباً عكسياً مع مربع بعد هذه الكواكب عن الشمس››.

ومن وجهة نظرنا فان الخلل في جميع ما ذكرناه من تصورات حول مراحل العلم ومناهجه هو انها لم تتعرض الى المرحلة المعاصرة في اختلاط العلم بالفلسفة او بالنظام الميتافيزيائي. واذا كان بعضها معذوراً لكونها لم تشهد التطورات المعاصرة للفيزياء، الا ان بعضها الاخر قد شهدت هذه التطورات وخبرتها تماماً. كذلك فان التقسيمات الواردة تركز على فكرة المراحل المتتابعة فقط دون المحايثة التي نجدها واردة بين المتقدم والمتأخر. وبالتالي نرى بان مراحل العلم تتضمن نظم معرفية متحايثة، بحيث انها ابقت احياناً على النظم التي سبقتها رغم التطور الحاصل. لذا فمن وجهة نظرنا ان هناك ثلاثة نظم للفكر العلمي الحديث كما يمارسه العلماء اضافة الى النظام القديم، ونطلق عليها: النظام الاجرائي، والنظام الافتراضي، والنظام التخميني الميتافيزيائي. وسنتحدث عنها على التوالي..

النظام الاجرائي

لقد بدأت الحركة العلمية الحديثة منذ ان تم التخلص من النظام القديم شيئاً فشيئاً. فقد اتصف هذا النظام بتعاليه على الواقع والتحقيق والمراجعة، واعتبر انه ولى دون رجعة. ويؤرخ له منذ ارسطو حتى العصر الحديث، رغم ان هذا العصر أخذ يعول على ما قبل ارسطو، لا سيما فيما يخص الاعتماد على الرؤية الرياضية للطبيعة كما يتميز بها فيثاغورس ومن ثم افلاطون، والتي وجدت لها صدى لدى عدد من علماء العصر الحديث مثل غاليلو ونيوتن، وحتى ان بعض الرياضيين المعاصرين ذهبوا الى ابعد من ذلك في وجود عالم رياضي افلاطوني حقيقي خارجي، كالذي يراه جودل وروجر بنروز. واهم ما يمتاز به هذا النظام مضافاً الى التعالي المشار اليه هو أنه يصادر مسلمة التطابق بين العقل والطبيعة كما أدلى بذلك ارسطو. وتقوم هذه المسلمة على مبدأ السنخية التي يعول عليها الفلاسفة القدماء وحتى المحدثين عادة. وهو يعمل وفق ما يسمى مبدأ انقاذ الظواهر عند لحاظ اي تعارض مرصود بين الوقائع الخارجية للطبيعة وبين المسلمات العقلية حولها، ومن ذلك الحركات الفلكية، حيث تبدي البيانات الملحوظة بانها تتحرك حركات غير دائرية بالتمام، في حين ان المسلمة العقلية لدى هذا النظام تعتبر هذه الحركات ينبغي ان تكون دائرية الشكل تماماً باعتبارها أكمل الاشكال.

لذلك لم يلتفت اتباع هذا النظام الى ما قدمه غاليلو ابان النهضة العلمية الحديثة من رؤى حسية تثبت خطأ علم الفلك البطليمي او التقليدي الذي عولوا عليه. فقد استعان غاليلو بمقرابه لتقريب فكرة خطأ التصور الفلكي القديم المنبني على التصورات العقلية وفكرة الكمال والجمال، اذ تبين ان للمشتري اقماراً تدور حوله دون ان يكون لها علاقة بالارض، وانها لم تكن محسوبة ضمن حسابات الفلك القديم. وقد رفض خصومه النظر في تلسكوبه لرؤية هذه الاقمار. ومما قاله غاليلو بهذا الصدد: ‹‹حين رغبت ان أُري النجوم التابعة للمشتري لاساتذة فلورنسا رفضوا ان يراقبوها او ان ينظروا بالتلسكوب. ويعتقد هؤلاء الناس ان ليس من حقيقة في الطبيعة للبحث عنها، وان لا حقيقة سوى ما يمكن مقارنته في الاصول››. وكتب احد الخصوم حول ذلك: ‹‹هناك سبع نوافذ اعطيت للحيوان مركزها في رأسه ومن خلالها ينفذ الهواء للجسد: انفان وعينان واذنان وفم. وفي السماء – وهي تشبه جسداً صغيراً – نجمان مفضلان، ونجمان غير منسقين، ونجمان مضيئان، والمشتري وهو غير مستقر وحيادي. ونستنتج من هذا ومن امور كثيرة مماثلة في الطبيعة كالمعادن السبع.. الخ ان الكواكب يجب ان تكون سبعة بالضرورة. وعلاوة على ذلك فان هذه النجوم التابعة للمشتري لا تبصرها العين المجردة، فهي عديمة التأثير على الارض، واذاً فهي عديمة الفائدة. والنتيجة انها غير موجودة. والان اذا زدنا من عدد الكواكب فان هذا النظام الجميل يقع بكامله مهشماً على الارض››.

على ان اهم ما في هذا النظام هو مبدأ انقاذ الظواهر الذي كان معروفاً منذ القدم، وكان الفلك مقسماً بين ‹‹علم صوري رياضي يراد منه انقاذ الظواهر فقط، وعلم فيزياء يراد منه تفسيرها باسنادها الى اسبابها الفيزيائية››. وقد حضر هذا المبدأ خلال النهضة الحديثة كعذر لتمرير نظرية كوبرنيك بدل نظرية بطليموس. ورغم ان النظام الاجرائي حاول استبعاد هذا المبدأ من خلال الكشف الاستقرائي، الا انه عاد لدى النظام الفاتراضي الذي تلاه بقوة. ومن ذلك ما ظهر في نظرية الكوانتم من ان هناك ظواهر صادمة جرى تأويلها من قبل البعض مثل اينشتاين واتباعه، وهو تأويل قائم بلا شك على مبدأ انقاذ الظواهر لتتسق مع الحس المشترك او الوجدان والمسلمات العقلية.

لقد تميز النظام الاجرائي بانه قائم على التحقيق والمراجعة ضمن الممارسات التجريبية والقرائن الاستقرائية، فهو يعمل على استخلاص النتائج التي تدل عليها المشاهدات والتجارب ومن ثم انتزاعها وتجريدها وبالتالي تعميمها ضمن قوانين عامة، وبعد ذلك يتم اختبارها ليعرف مدى صدقها وكفائتها. وقد تتخذ هذه القوانين صبغة رياضية. ويؤرخ لهذا النظام منذ القرن السابع عشر وحتى بداية القرن العشرين، رغم ان له بوادر متناثرة قبل ذلك بقرون لدى الحضارة الاسلامية، كالذي يبرز جلياً لدى طريقة ابن الهيثم العلمية، بل وقبل ذلك بكثير لدى القليل من رجال العلم القدماء من امثال ارخميدس. وهو النظام الذي عاش بداية امره محنة الصراع مع الكنيسة، سواء الكاثوليكية او البروتستانتية. وتبدأ المخاضات الاولى لوجوده مع كوبرنيك خلال النصف الاول من القرن السادس عشر. فقد عُرف بأنه صاحب ثورة علمية عظيمة قلبت علم الفلك رأساً على عقب، اذ قلب التصور العلمي من كون الشمس تدور حول الارض الى العكس، اما بقية الكواكب فلم يختلف كوبرنيك مع الفلكي الاسكندراني بطليموس وسائر اليونانيين في كونها تدور حول الشمس ضمن مدارات دائرية منتظمة الشكل، رغم ان كوبرنيك كان متأثراً بارسطوخوس خلال القرن الثالث قبل الميلاد حول مركزية الشمس، ومن ثم اعتبار الاصغر هو ما يدور حول الاكبر وليس العكس. ويبدو انه باستثناء عطارد والزهرة، فالموقف بين بطليموس وكوبرنيك مختلف حولهما، فالاول جعل لهما استثناء عن بقية الكواكب في بقائهما قرب الشمس، وهو خلاف ما رآه كوبرنيك الذي ساوى بينهما وغيرهما في الحركة الدائرية.

وقد اظهرت النظرية الجديدة – في البداية - كفرضية منافسة للنظرية البطليمية، فكما ذكر ناشر كتاب كوبرنيك في تصديره له بان نظرية دوران الارض هي مجرد افتراض وغير مؤكد كحقيقة ايجابية. وقد فسر المعاصرون هذا التصدير بانه جاء نتيجة الخوف من سلطة الكنيسة في ذلك الوقت، لا سيما ان كوبرنيك وهو من طبقة الاكليروس، كان يخشى غضب هذه الطبقة مما جعله يعرض بحثه اول الامر على الاصدقاء والزملاء فحسب قبل نشر كتابه في السنة التي توفي فيها (عام 1543)، ولم ير كتابه منشوراً الا يوم توفي فيه وهو يحتضرعلى فراش الموت. ونقل عنه تحفظه من نشر كتابه الذي ظل محتفظاً به مدة من الزمن، فكان يخشى من ان يصاب بالفشل ويكون موضع استهزاء واضحوكة على مسرح التاريخ. فمن العلماء من يتحسس بنظرة المجتمع حوله او فيما يؤول اليه الامر. ومن ذلك ان العالم الفيزيائي ماير كاد ينتحر خلال القرن التاسع عشر نتيجة ازدراء معاصريه له لقوله بان الحرارة نوع من الطاقة، واكتشف بذلك القانون الاول للثرموداينميك.

ورغم بساطة النموذج الذي قدمه كوبرنيك مقارنة بالنموذج البطليمي، وكان يدرك هذه البساطة، فان ذلك لم يمنع من مرور قرن من الزمان كي تمرر نظريته وسط علماء الفلك، فلم يظهر من يهتم بنظريته سوى قلة من المفكرين بفضل ثلاثة من العلماء، هم براهة وكبلر وغاليلو. أما قبل ذلك فانها كانت موضع اعتراض شديد الى درجة ان اتهمه زعيم الاصلاح الديني مارتن لوثر بانه فلكي نصاب، ومما قال في تحقيره: ‹‹يريد هذا الاحمق ان يضع صناعة الفلك كلها بالمقلوب››. كما قال بأن ‹‹هذا المأفون يريد ان يغير وجه علم الفلك تماماً ولكن الكتاب المقدس يخبرنا ان (هوشع) امر الشمس وليس الارض ان تقف في مكانها››. كما نقده كلفن قائلاً: من ذا الذي يجرأ ‹‹على وضع مرجعية كوبرنيك فوق مرجعية الروح القدس››. ومثل ذلك ويسلي الذي مال الى تكفيره بقوله: ‹‹ان المذاهب الجديدة في علم الفلك تميل الى الكفر››. اما الكنيسة الكاثوليكية فقد استمرت في معارضتها لنظرية كوبرنيك على مدار قرنين من الزمان وانها قامت بحضر تدريس دوران الارض حتى عام 1835.

فقد كانت هناك جملة من الحجج ضد نظرية كوبرنيك والتي لم يكن بمستطاعه الجواب عنها، ومن ذلك انه عند اسقاط حجر من صومعة ثابتة فانها ستسقط اسفل هذا المرتفع، فلو ان الارض كانت تتحرك لما كان بوسع الحجر السقوط اسفل المرتفع، فعند حركة الارض ان المرتفع يتحرك معها مخلفاً وراءه الحجر. فهذه الحجة لم يستطع كوبرنيك الجواب عنها وكان من المقدر الانتظار حتى مجيء غاليلو ليجيب عنها عبر تقريره بانه عند اسقاط حجر من اعلى صاري سفينة تتحرك بانتظام فانها ستسقط اسفل الصاري، وهو امر شبيه بما يحصل لحركة الارض، ومثل ذلك عندما تكون هناك حشرات طائرة واشياء تتساقط فانها لا تتأثر بحركة السفينة المنتظمة، وتبدو كأنها ساكنة.

وفي المقابل هناك عيوب في نظرية بطليموس، اذ لها اجراءات متكلفة كتلك المتعلقة بكون عطارد والزهرة يبقيان على حالهما قرب الشمس خلاف بقية الكواكب الاخرى، كذلك فيما يخص الحركات النكوصية للكواكب، حيث يتراجع الكوكب بفواصل زمنية منتظمة، اذ يوقف حركته نحو الغرب في وسط النجوم كما يظهر من الارض، وخلال مدة وجيزة ينكص راجعاً الى الشرق قبل استئناف سيره نحو الغرب. ولهذا الغرض اضاف دوائر محيطية. في حين لم تعد في منظومة كوبرنيك اي حركة من هذا القبيل، كما ان مداري عطارد والزهرة يخضعان الى نفس المدار الذي عليه سائر الكواكب خلافاً للتكلف البطليمي. مع هذا تظل المشكلة لدى كوبرنيك هي ان المدارات الدائرية التي مركزها الشمس ليس بوسعها ان تتوافق مع الملاحظة، وقد شعر كوبرنيك مثل بطليموس قبله بضرورة اضافة دوائر محيطية او ما يسمى افلاك التدوير، وكان عدد هذه الدوائر المحيطية اللازمة لاحداث مدارات متوافقة مع الملاحظات المعروفة واحداً تقريباً في كلا المنظومتين. لكن يبقى ان للبساطة الرياضية دوراً في تسهيل قبول نظرية كوبرنيك ولو بعد حين.

فلو كانت الشمس هي التي تدور حول الارض لاصبحت حركة الكواكب الاخرى معقدة غاية التعقيد، وهو الامر الذي عوّل عليه كوبرنيك مخالفاً التعقيد الذي جاء به بطليموس. وبحسب المثال الذي قدمه برتراند رسل حول حركة القطار الى المدينة التي يسافر اليها، ان من البساطة ان نعتبر بان القطار هو من يسافر الى مدينة معينة وليس العكس ‹‹فنحن نقول ان القطار سافر الى ادنبرة وليس ادنبرة هي التي تسافر الى القطار..››، ورغم ان العكس ليس فيه خطأ منطقي لكنه معقد ومتعسف، حيث ينبغي ان نفترض بان ‹‹كل المدن والحقول التي يمر عليها القطار اخذت فجأة تندفع الى الجنوب. وينطبق هذا على كل شيء على سطح الارض فيما عدا القطار. ونحن نجد نفس هذا التعسف وانتفاء الغاية في الاعتقاد بدوران النجوم اليومي طبقاً لما افترضه وذهب اليه بطليموس››.

أما بعد كوبرنيك فقد اظهر كل من كبلر وغاليلو خلال القرن السابع عشر تأييده للنموذج الجديد، ووافقا على بساطته مقارنة بالنموذج القديم، كما لم يتقبلا تأويل هذا النموذج بانه فرض في قبال فرضية بطليموس، ورأيا ان الارض تدور حقيقة حول نفسها وحول الشمس بمعية بقية الكواكب دون استثناء. وقد ساعد على ذلك – كما يذكر - الدور المتعلق بعبادة الشمس والذي جعل من كبلر يؤمن بنظرية كوبرنيك، وهو مما يقع خارج نطاق العلم. لكن كبلر نحا الى خطوة تبسيطية لنظرية كوبرنيك، اذ رفض الشكل الدائري للافلاك واستبدله بالشكل الهيليليجي، وكان الشكل الاول محل تسليم الفلاسفة القدماء، وهو ما عول عليه بطليموس، كما ابقاه كوبرنيك دون تغيير، الامر الذي جعله يحتفظ ببعض الدوائر المحيطية او ما يسمى بافلاك التدوير الصغرى. لكن بحسب طريقة كبلر الاهليليجية فانه لم يعد يحتاج للاحتفاظ بافلاك التدوير الصغرى التي كان كل من كوبرنيك وبطليموس يعتقدان بانه لا يمكن التغلب عليها، رغم ان كبلر اعتبر مداراته البيضوية عبارة عن فرضية بديلة مؤقتة، فهو لم يخالف في ذلك كوبرنيك ولا بطليموس ولا ارسطو والفلاسفة القدماء من ان الاشكال البيضاوية هي اقل كمالاً من الاشكال الدائرية. وقد صُدم عندما رأى حساباته تنسجم مع فكرة دوران الكواكب في مسارات غير مثالية. ومن ثم كانت نظريته – التي اعتبرها مؤقتة - ابسط من نظرية كوبرنيك، وقد استمر الحفاظ على هذا النموذج للقرون التالية رغم الاحساس بانه لا يفي بالغرض عندما تبين فيما بعد ان بعض الكواكب القريبة من الشمس لا يفسرها هذا النظام ما لم توضع افتراضات اضافية جديدة على النظرية، كتأثير الغبار الكوني او كوكب اخر غير مكتشف او غير ذلك، وقد بقيت المشكلة قائمة حتى ظهرت النسبية العامة ففسرتها وكانت بذلك اكثر بساطة من جميع النظريات التي سبقتها.

تبقى نقطة لا بد من الاشارة اليها، وهي ان كبلر لم يكتف بالنهج الوصفي لحركة الكواكب كما سلكه العلماء قبله منذ كوبرنيك ومن جاء بعده، بل حوّل هذا النهج الوصفي لاول مرة الى نهج تفسيري. فمن الصحيح ان الكواكب تدور حول الشمس كما كان يقول كوبرنيك ومن جاء بعده. لكن هذا الدوران اصبح مفسراً لاول مرة على يد كبلر، فقد حاول تفسير هذه الحركة بقوى فيزيائية، هي القوة المغناطيسية، فرغم انه اخطأ التفسير لكنه لم يكتف العمل بالنهج الوصفي، وبذلك انه سبق نيوتن في هذا الشأن.

اما غاليلو فقد وافق كبلر في نموذجه الجديد، مضيفاً الى ذلك تبرير نظرية كوبرنيك حول عدم الاحساس بحركة الارض طالما ان الحركة منتظمة. وهو ما يعرف بمبدأ النسبية لغاليلو والقائم على مفهوم العطالة او القصور الذاتي.

ومعلوم ان هذه الحجة لا تستدعي في حد ذاتها التأكيد على دوران الارض حول الشمس، ولم يكن لغاليلو ولا لكبلر الدليل القاطع على زعمهما، فطبقاً للحركة النسبية فانه لا يعرف على وجه الحقيقة ان كانت الارض تدور حول الشمس او العكس ما لم يتم النظر اليهما من الخارج. وما زالت المسألة تفسر طبقاً للبساطة فحسب، اي ان حركة الشمس حول الارض تبدي تعقيدات كثيرة كتلك التي اشار اليها كبلر وغاليلو ومن قبلهما كوبرنيك، او بحسب تعبير اينشتاين ان تفضيلها جاء تبعاً لكونها اكثر ملائمة او احسن انطباقاً.

هكذا بدأ العلماء يتابعون بناء العلم بخطوات واضحة التقدم، فقد جاء نيوتن (المتوفى عام 1727) ليتم ما بناه قبله العلماء؛ بدءاً من كوبرنيك وانتهاءاً بغاليلو. والحق ان نيوتن يمثل اخر حلقة كبرى شهدها هذا النظام التقليدي، كما يطلق عليه مقارنة بمستجدات القرن العشرين، فلم يأتِ بعد نيوتن خلال اكثر من قرنين من الزمن من يستطيع اضافة شيء عظيم كالذي فعله هذا العالم الانجليزي. فقد جاء اكتشاف نيوتن العظيم حول الجاذبية وهو في عمر لم يتجاوز سن الثالثة والعشرين كما ذكر ذلك بنفسه، وقد ضمنه في كتابه الشهير (المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية). وبعد مرور اثنين وستين سنة من وفاة نيوتن، اي عام 1789، ظهر اربعون كتاباً باللغة الانجليزية حول كتابه المذكور، يضاف الى كتب اخرى ظهرت حوله لدى مختلف اللغات العالمية. وقد تغنى الكسندر بوب بمديح نيوتن منشداً:

الطبيعة وقوانين الطبيعة كانت مختبئة في الظلام.. قال الله ليكن نيوتن: فأصبح كل شيء نوراً.

وبالفعل تمثل اكتشافات نيوتن مرحلة فاصلة في تاريخ العلم، ويمكن ان نعتبر الاهمية التي حظي بها لجانبين:

اولاً: اذا كان من الصحيح ان كبلر هو اول من حاول تفسير حركة الكواكب وتحويل النهج الوصفي الى نهج تفسيري، عبر التعويل على بعض القوى الفيزيائية، كما عرفنا، لكن يظل هذا التفسير ليس خاطئاً فقط بل ومحدوداً ايضاً. فلقد اعطى نيوتن نظرة شمولية فيما اتخذه من نهج تفسيري، وهو ما لم يسبق له نظير من قبل. فهو لم يكتف بتفسير حركة الكواكب حول الشمس، وانما اضاف لذلك تفسير جميع العلاقات المادية وفقاً لكتلها. فجميع المواد والكتل بما فيها الكواكب، والاشياء التي على ارضنا وحالات السقوط التي نشهدها وعلاقة القمر بالمد والجزر، والعلاقات الاخرى المتعلقة بالنجوم وكل ما هو موجود في الكون من مواد، محكومة جميعاً بنفس التفسير العام المطلق عليه قانون الجاذبية. وقد افضى تفسير نيوتن الالي لعلاقات المواد وفقاً للجاذبية ان يبني تصوراً لحركة الكواكب يختلف بعض الشيء عما قدمه كبلر رغم انه اعتمد عليه في حساباته.

ولشدة التأثير الذي اتى به نيوتن في تفسيره الشمولي لعلاقات الطبيعة المادية، فان سائر العلوم أخذت تسترشد بهذا التفسير الالي، ومن بينها العلوم الاجتماعية التي طبقت قانون التجاذب والفيزياء الرياضية على العلاقات البشرية، لا سيما خلال عصر التنوير. فكما يقول جون هرمان راندال: ‹‹كان نيوتن هو العلم، وكان العلم هو المثل الاعلى للقرن الثامن عشر››. فقد ظهر ما يسمى بعلم الفيزياء الاجتماعية التي نادى به الكثير من المفكرين الوضعيين والتجريبيين. ومن ذلك ان ستيوارت مل اشار في كتابه (اساس الفيزياء الاجتماعية) الى ان دراسة المجتمع تتأسس على ستة ابعاد قياسية هي: المسافة والكتلة والزمن ودرجة الحرارة وعدد الجزيئات والشحنة الكهربائية. فمثلاً انه عبّر عن الرغبة الاجتماعية بمفهوم الشحنة الكهربائية الاجتماعية، وعبر عن درجة التفاعل بين الافراد ودرجة النشاط الاجتماعي بينهم بمفهوم درجة الحرارة الاجتماعية، بينما اراد من مفهوم الكتلة الاجتماعية بانها تمثل كتلة الاجسام البشرية وباقي الحيوانات الاليفة ومساكنهم وادواتهم واطعمتهم وما الى ذلك.

ثانياً: يعد نيوتن اول عالم طبيعي اشار الى اعتماده على نهج الاستقراء في اكتشافه للجاذبية، وهو ما يهمنا في البحث العلمي كنظام. ففي كتابه (المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية) رفض الفروض التي لا تعتمد على التجربة والاستقراء، معتبراً ذلك مما يخرج عن الفلسفة الطبيعية، فاي قضية لا بد من ارجاعها الى الوقائع الخاصة ومن ثم تعميم ذلك عن طريق الاستقراء. وقد يكون نيوتن متأثراً بمنهج فرانسيس بيكون الذي اوصى بان على رجل العلم ان يضع في رجليه نعلين من الرصاص. فقد عرض نيوتن تفسيره للمنهج العلمي ضمن كتابه المذكور، وجاء في احدى قواعده الشهيرة (وهي القاعدة الثالثة) قوله: ‹‹لن نقبل بعد الان عللاً للاشياء الطبيعية الا ما كان منها صحيحاً وكافياً لتفسير ظواهرها. لذلك يجب ان نربط لأبعد حد ممكن ذات النتائج الطبيعية بذات العلل. ان صفات الاجسام التي لا يمكن ان تنقص او ان تزيد، والتي تخص جميع الاجسام التي هي ضمن نطاق تجاربنا، يجب ان تعتبر صفات كلية لجميع الاجسام مهما كانت. لانه لما كانت صفات الاجسام معروفة لدينا بواسطة التجارب فقط، وجب علينا ان نعتبر كلياً كل ما يتفق مع التجارب بصورة كلية››.

وبناء على هذه القاعدة قرر نيوتن النتيجة التالية: ‹‹اذ ظهر كلية من خلال التجارب والملاحظات الفلكية ان كل الاجسام حول الارض تنجذب نحوها، وذلك في تناسب مع كمية المادة الجامدة التي تحتويها هذه الاجسام كل على حدة، فان القمر بالمثل وفقاً لكمية المادة التي يحتويها ينجذب نحو الارض، وانه من ناحية اخرى تنجذب بحارنا نحو القمر، وينجذب كل كوكب تجاه الاخر، وتنجذب المذنبات على نحو مماثل تجاه الشمس، وبناء على هذه القاعدة يجب ان نعتقد تماماً ان كل الاجسام اياً كانت تتمتع بخاصية الجاذبية المتبادلة››.

وفي القاعدة الرابعة صرح نيوتن بالدليل الاستقرائي بجلاء كالتالي: ‹‹ينبغي في الفلسفة التجريبية ان ننظر الى القضايا التي نستدل عليها بواسطة الاستقراء العام من خلال الظواهر بوصفها صحيحة بدقة او تقريباً صحيحة، برغم وجود افتراضات معاكسة يمكن تخيلها، حتى وقت حدوث اي ظواهر اخرى تصبح من خلالها هذه القضايا اكثر دقة او تصبح عرضة للاستثناء››.

لقد اضاف نيوتن بعض الحواشي في الطبعة الثانية لكتابه المبادئ (عام 1713)، وصرح فيها بأن المنهج العلمي الصحيح هو الاستناد الى الاستقراء وعدم اللجوء الى الفروض، سواء كانت ميتافيزيقية او حتى فيزيائية، خلافاً للنهج الذي رسمه معاصره ديكارت، وكما قال: ‹‹لم استطع حتى الان ان اكتشف سبب خواص هذه الجاذبية من خلال الظواهر، وانا لا اضع فروضاً، لان ما يستدل عليه من الظواهر يطلق عليه فرضاً، والفروض سواء كانت ميتافيزيقية او فيزيائية، سواء لها خواص غامضة او ميكانيكية، ليس لها موضع في الفلسفة التجريبية. ففي هذه الفلسفة يستدل على قضايا معينة من الظواهر، وبعد ذلك تعمم هذه القضايا بواسطة الاستقراء. تلك كانت الطريقة التي تم بها... كشف قوانين الحركة والجاذبية››.

لكن رغم ما اتصف به عموم هذا النظام ومنه طريقة نيوتن بانها اجرائية استقرائية، فقد كان يحتضن بعض الفروض الاساسية التي لم تكتسب بالاستقراء، كفرض العطالة او القصور الذاتي، فلدى نيوتن يشكل هذا الفرض القانون الاول من قوانينه الثلاثة، وهو يفترض ان الجسم يبقى على حاله ما لم تكن هناك قوة تؤثر عليه، فاذا كان ساكناً فسيبقى ساكناً، ولو كان متحركاً فسيبقى يسير بحركة مستقيمة منتظمة دون توقف الى الابد. مع انه من حيث الواقع لا تجد شيئاً يتصف بهذا القانون المفترض، فكل الاشياء محكومة بالقوى المؤثرة، وبالتالي فهو فرض ميتافيزيقي طالما انه لا يمكن التحقق منه على الصعيد التجريبي. كذلك فيما يتعلق بفرض نيوتن حول الزمان والمكان، فهو قد صادر التصور القديم في كونهما مستقلين ومطلقين، اذ قال في الجزء الاول من كتابه المبادئ: ‹‹إن طبيعة الزمن الرياضي والحقيقي والمطلق أنه يمضي بثبات دون أن يرتبط بأي عامل خارجي، وطبيعة المكان المطلق أنه يظل دائمًا مستقرٍّا ومتجانسًا دون أن يرتبط بأي عامل خارجي››. وقد اعترف بان الزمن المطلق شيء لا يمكن إدراكه، لذا لجأ الى الاعتماد على وجود لله، فقال: ‹‹الله موجود الى الابد في كل مكان، وبوجوده في كل زمان ومكان، فهو يصنع الزمان والمكان ››. وهو ما جعل ارنست ماخ يعرّض نيوتن الى النقد في اخذه بمثل هذه المطلقات الميتافيزيقية التي لا يمكن اثباتها بالتجربة، معتبراً اياه قد خالف طريقته المعلنة في بحث الظواهر الفيزيائية القابلة للرصد والتحقيق.

ورغم أن نيوتن كان يتجنب الميتافيزيقا من أن تكون ملاذاً للفيزياء الا انه كان يلجأ اليها عند العجز عن التفسير، وهو ما يعرف بالاستعانة بإله الفجوات، ومن ذلك انه حين لاحظ - مثلاً - بأن حركات الكواكب والمذنبات في النظام الشمسي منتظمة من دون إنحراف؛ بخلاف سائر المذنبات التي تدور - خارج هذا النظام - في مدارات منحرفة كثيراً عن المركز، فإنه قد عزى ذلك إلى الفكرة الميتافيزيقية القائلة بـ «التدبير الإلهي» وراء الجمال الذي يتصف به نظامنا الشمسي بكواكبه ومذنباته. كما أنه لاحظ بأن لحركات الكواكب حول الشمس شذوذاً طفيفاً لا يمكن تفسيره عبر قانون الجاذبية، ولو أن هذه الحركات الشاذة تراكمت مع مرور الزمن لأدت إلى إنحرافات عظيمة تقلب ميزان النظام الشمسي كله رأساً على عقب، بحيث إما أن الكواكب تنفلت من السيطرة خارجاً، أو تبتلعها الشمس لجاذبيتها، لكنه حيث لم يجد لذلك تفسيراً علمياً فإنه لجأ إلى التفسير الديني الميتافيزيقي، وهو أن الله يتدخل بين الحين والآخر ليعيد الكواكب الضالة إلى مسارها الطبيعي.

وعلى العموم انه ما زال العلماء يجدون من الصعوبة بمكان ارجاع الاكتشاف العلمي الخالص، ومنه قانون الجاذبية، الى محض الطريقة الاستقرائية. فالجاذبية على حد تعبير البعض «فرضية ميتافيزيقية وليست كيفية فيزيائية». اذ ما زال العلماء لا يعرفون ما العلاقة التي تربط الاشياء ببعضها دون وسيط مكتشف. وبالتالي فالافتراضات العقلية تتداخل مع النهج الاستقرائي. لكن عموم النظام قد تحاشى بالفعل ان يورد افكاراً ليس عليها دليل من الظواهر الطبيعية او التجريبية. وبالتالي فهو اقرب لاستخدام الطريقة المنطقية في انتزاع النتائج عبر الاستقراء، طالما انه لا يفترض شيئاً غير مبرر في المشاهدات والبيانات – الا ما ندر - خلافاً لما سنراه لدى النظام الثاني الافتراضي الذي يغامر في وضع الفروض التي لا تدل عليها المشاهدات الظاهرة المألوفة.

لقد اقترن هذا النظام مع مشكلة النزاع مع الكنيسة. فقد كانت الكنيسة الكاثوليكية تصدر الأوامر إلى الاساتذة الجامعيين الكاثوليكيين تمنعهم فيها من ذكر وجود البقع الشمسية التي اكتشفها غاليلو في مقرابه – التلسكوب -، لكونها تتنافى وتصوراتها لكمال الخلق في عالم السماء. كما انها استمرت في حظرها لتدريس دوران الارض حتى عام 1835. ومثل ذلك استمر حظر تدريس مذهب التطور لدى ولاية تينيسي الامريكية حتى القرن العشرين. ومما يُذكر بهذا الصدد أنه في (عام 1983) دُعي الفيزيائي المعروف ستيفن وينبرغ أمام لجنة من مجلس شيوخ تكساس ليبدي رأيه حول اصدار قانون يحظر فيه تعليم نظرية التطور لدى ثانويات الولاية ما لم تُعرض بالتساوي مع نظرية الخلق، فسأله أحد أعضاء اللجنة كيف يمكن للولاية ان تؤيد تعليم نظرية علمية كنظرية التطور تطعن في العقيدة الدينية؟!. كما كانت الكنيسة تعتبر ان من الكفر البواح الأخذ ببعض القوانين الطبيعية كتلك المتعلقة بالبرق والرعد، بحجة أنها أفعال اختصت بها الذات الالهية. لذلك فقد كانت هناك معارضة مستمرة على استخدام مانعات الصواعق البرقية.

وكثير ما كان يخلط ما بين الديني وغير الديني، كالذي تشير إليه الرسالة التي وجّهها الفيلسوف الفرنسي ديكارت إلى مرسين (عام 1629م) والتي اشتكى فيها من صعوبة طرح أي فلسفة جديدة دون أن تُفسّر بأنها معارضة للدين؛ بسبب الخلط بين الأخير والفلسفة التقليدية، فقال بصدد ذلك: ‹‹لقد أُخضع اللاهوت لفلسفة أرسطو إخضاعاً يكاد يتعذّر معه شرح أي فلسفة أخرى دون أن تبدو أول الأمر مخالفة للدين››.

لكن في القبال فإن هذا النظام لم يتقاطع كلياً مع افكار وبعض طرق النظام القديم. ليس فقط فيما يتعلق احياناً بتصور حركات الافلاك الدائرية الكاملة الاشكال، بل حتى مع بعض الاعتقادات القديمة المتعلقة بطبيعة الكواكب، كالذي يبديه كبلر حول كواكبه الخمسة كمجسمات افلاطون. وينقل انه كانت الكواكب المعروفة في زمنه ستة.

كذلك يلاحظ ان للتنجيم الذي يمارس لدى النظام القديم تأثيره الاخر على جملة من شخصيات هذا النظام البارزة، مثلما هو الحال مع كبلر الذي ابدى اهتماماً بارزاً في هذا المجال. فقد كان كبلر منجماً، وأنه كتب مقالاً يدافع فيه عن التنجيم، كالذي صدر ضمن مجموعة أعماله.

كما اثر التنجيم على فكرة نيوتن في كون المد والجزر ناشئ عبر تأثير القمر، وهو ما كان يقوله المنجمون، بل وقالوا بان متغيرات المد ترجع الى تأثير الشمس، لذلك قال دوهيم بان تاكيد دور الشمس في متغيرات المد يعود فضله الى المنجمين في اعداد المادة التي اعتمدت عليها نظرية نيوتن في المد. في حين ان المدافعين عن المناهج العلمية العقلانية واتباع المنهج الارسطي واتباع كوبرنيك والذريين والديكارتيين كلهم قد حاربوا التنجيم. وقد كان كبلر يذهب الى ان القمر يجذب مياه البحر بواسطة تفاعل مغناطيسي.

ويلاحظ انه عندما حل هذا النظام مكان النظام القديم فان هناك نزاع جرى في التنافس بين مبدئين، احدهما مبدأ انقاذ الظواهر، وهو مبدأ قديم، والاخر هو مبدأ البساطة.

فوفقاً للمبدأ الاول انه عندما طرح كوبرنيك نظريته المشفوعة بمقدمة الناشر الذي اكد على فرضية هذه النظرية دون ان يراد منها الاعتقاد على نحو الحقيقة، فان ذلك لم يصدم الكنيسة الكاثوليكية ولم تفزع الكثلكة من رسالة كوبرنيك ولم ينبس مجمع الثلاثين بكلمة ضد مركزية الشمس. ولقد انخرط العديد من اصدقاء كوبرنيك المنسيين وكثير من علماء الفلك في نظام مركزية الشمس من حيث انها فرضية رياضية تتأسس على النسبية البصرية للحركة. انما بدأ الصدام عندما تحسست الكنيسة من ان هناك من العلماء من لا يكتفي بهذا القدر من الفرضية، بل اراد ان يؤكد بان الارض تدور حول الشمس حقيقة، مثلما هو الحال مع كبلر وغاليلو الذين لم يتقبلا التأويل الذي افاده ناشر كتاب كوبرنيك (اوسياندر)، والذي يُعتقد بأنه فرض رأيه دون اعتقاد صاحب الكتاب لينقذه من ملاحقة الكنيسة. ولقد عبّر الكاردينال بلارمين عن ضرورة اتخاذ مبدأ انقاذ الظواهر للحفاظ على ما يعتقد حقيقة بان الارض ساكنة تماماً. فهو نوع من التأويل للواقع الفلكي، وليس كما صرح به غاليلو وامثاله بان الظواهر حقيقية ولا تحتاج الى تأويل او انقاذ للظواهر، لذلك نقده الكاردينال بلارمين خلال فترة الادانة الاولى عام 1616 في رسالته الى فوسكاريني قائلاً: انه يحسن به وبغاليلو ان ‹‹يتصرفا بحذر مكتفين بالقول في الاشياء على جهة الفرضية لا على جهة الاطلاق... فعندما نقول اننا بافتراض الارض متحركة والشمس ساكنة ننقذ جميع الظواهر انقاذاً افضل مما تتيحه الدوائر الخارجة عن المركز وافلاك التدوير انما نقول قولاً غاية في الحكمة، اذ لا خطر فيه وهو يكفي حاجة الرياضي. اما تأكيد ان الشمس تبقى ساكنة بالفعل في مركز العالم، وانها تدور حول نفسها فحسب من دون ان تجري من الشرق الى الغرب، وان الارض في المنزلة الثالثة من السماء، وانها تدور بسرعة فائقة حول الشمس فذلك قول غاية في الخطورة حيث انه لن يغضب جميع الفلاسفة وجميع اللاهوتيين المدرسانيين فحسب ولكنه ينذر كذلك بافساد الايمان وتسفيه الكتاب المقدس››.

فمن الواضح انه مع بداية النهضة الحديثة نشأ الصراع بين الرؤية الواقعية والرؤية الافتراضية، وقد استنجدت كل منهما بالمبدأ الذي ناسبها، فاتخذت الاولى من مبدأ البساطة قاعدة لها لاثبات واقعية ما تدل عليه النظرية الكوبرنيكية في حركة الارض دون حاجة لتأويلها، كالذي كان يؤكده غاليلو كما في كتابه (حوار حول النظامين الرئيسيين للكون) الذي اعتبر فيه ان البساطة دليل على صحة النظرية وواقعيتها. في حين تمسكت الثانية بمبدأ انقاذ الظواهر لتبرر الدفاع عن الرؤية الافتراضية للنظرية الكوبرنيكية دون منحها الحقيقة الفعلية. مع ان القرن العشرين قد شهد اختلافاً حول مبدأ البساطة ان كان يدل على الحقيقة الواقعية ام لا، لكن غالب العلماء اعتبروا المبدأ لا يدل على الواقع بشيء، بل يُعول عليه في الترجيح لنظرية على اخرى. أما مبدأ انقاذ الظواهر فربما يُظن بانه انتهى من العلم، كما انتهى النظام القديم منه، لكن ذلك غير صحيح وفقاً لما يدل عليه العلم المعاصر بشواهد مختلفة عديدة.

للبحث صلة...

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2483 المصادف: 2013-06-23 07:11:24