 دراسات وبحوث

اعادة قراءة سورة التوبة (4) .. في ظلال سيد قطب

ahmad alkinaniيصنف سيد قطب في زمرة النافين للنسخ بين ايات الحرب والسلام، بمعنى ان الايات الامرة بقتال المشركين غير ناظرة ولا ناسخة لايات العفو والصفح وكذلك الايات الناهية عن قتال من لم يقاتل، بل والايات الداعية الى السلم بقول مطلق، مع التأكيد على ان ما ورد في سورة التوبة يمثل احكاما نهائية وقطعية لما يسميه سيد قطب " بالمنهج الحركي للاسلام ".

و نفي النسخ الظاهر من كلمات سيد قطب لا يعني ان ايات السلام نافذة المفعول وكذلك ايات الحرب والعمل بكلاهما وفق مقتضيات الحال كما هو الواضح من معنى نفي النسخ، وانما القصد هو حاكمية شريعة الاسلام بكل ما اوتي المسلمون من قوة، لكن هنالك معوقات قد تعرقل تحقيق ذلك القصد لابد فيه من المهادنة والمصالحة الى حين العودة الى الهدف الاسمى .

فهناك ايات تدعو الى السلم لكنها احكاما مقطعية جاءت لتعالج ظرفا معينا .

و هناك ايات تدعو الى الحرب وتحكيم شريعة الله على عموم البشر،و هي احكام نهائية تمثل سياسة الاسلام المعلنة في التعامل مع الغير .

فالاصل في المنهج الاسلامي هو الحرب ولاخيار غيره، السلام والمهادنة  تكتيك مرحلي تفرضه موازين القوة والضعف، ولابد من التعايش معه كمرحلة انتقالية الى ان تزول معها المعوقات .

مع التنبيه على ان الدعوة الى الحرب  في الاسلام ليست استباقية ودفاعية يلجأ اليها المسلمون عندما يداهمهم الخطر في عقر دارهم، وانما هو المنهج الحركي في الاسلام القائم على الدعوة الى تحكيم شريعة الله على الارض .

لكن قد يفهم من كلام سيد قطب انه عبارة منمقة عن النسخ المذكور في كلمات قدماء المفسرين ؛ اذ ان النتيجة واحدة في كلا القولين وهي الغاء ايات السلام وابطال مفعولها والعمل بأيات السيف.

و الفرق بينهما : ان معنى النسخ كما تقدم بيانه في الحلقات السابقة هو ابطال للحكم السابق وانهاء امده بحكم لاحق، ولا يصح الرجوع الى الحكم السابق بأي حال، وهذا المعنى اجمع عليه القدماء من المفسرين،و تقدمت الاشارة الى اقوالهم فيما سبق .

و ابواب الحرب والسلام مشرعة عند سيد قطب، ولا يلغي احدهما الاخر، نعم الحرب هو خيار المسلمين لتحقيق اهدافهم وعندما يكونوا في اوج عظمتهم، كما وصل حالهم عند نزول ايات التوبة وفتح مكة، وكذلك المرحلة  التي تلتها من حكومة الخلافة الراشدة، ولا مانع من الرجوع الى الاحكام المرحلية اذا اقتضت الظروف ذلك .

و فيما يلي مقتطفات من تفسيره "في ظلال القران ":

" ان تلك الاحكام المرحلية ليست منسوخة بحيث لا يجوز العمل بها في اي ظرف من ظروف الامة المسلم وبعد نزول الاحكام الاخيرة في سورة التوبة . ذلك ان الحركة والواقع الذي تواجهه في شتى الظروف والامكنة والازمنة هي التي تحدد ـ عن طريق الاجتهاد المطلق ـاي الاحكام هو الانسب للاخذ به في ظرف من الظروف، في زمان من الازمنة، في مكان من الامكنة! مع عدم نسيان الاحكام الاخيرة التي يجب ان يصار اليها متى اصبحت الامة المسلمة في الحال التي تمكنها  من تنفيذ هذه الاحكام، كما كان حالها عند نزول سورة التوبة، وما بعد ذلك ايام الفتوحات الاسلامية  التي قامت على اساس من هذه الاحكام الاخيرة النهائية سواء في معاملة المشركين او اهل الكتاب "(١) .

اما الايات الداعية الى السلم والتي تمسك بها بعض المفكرين المسلمين وجعلوها الاصل في دعوة الاسلام، تسندها رسائل النبي الى ملوك الامم تدعوهم الى الدخول الى الاسلام بسلام، فتعتبر استثناءات من القاعدة عند سيد قطب .

كما ان هؤلاء المفكرين فسروا الايات الداعية الى الحرب على انها دفاعية وموجهة الى من يقاتلهم " قاتلوا في سبيل الله  الذين يقاتلونكم  ولا تعتدوا "...لكنهم لم يسلموا من تقريع سيد قطب لهم، ووصفهم بالمهزومين امام الواقع البائس، الذين لم يبق لهم من الاسلام الا العنوان.

و لنرجع لعبارته تتمة للموضوع، ولندع السباب والشتائم جانبا :

" ان النصوص التي يلتجئون اليها (يعني النصوص الداعية الى السلم) نصوص مرحلية تواجه واقعا معينا . وهذا الواقع المعين قد يتكرر وقوعه في حياة الامة المسلمة . وفي هذه الحالة تطبق هذه النصوص المرحلية لان واقعها يقرر انها في مثل تلك المرحلة التي واجهتها تلك النصوص بتلك الاحكام، وليس هذا معناه ان هذه هي غاية المنى، وان هذه هي نهاية خطوات الدين .. وانما معناه ان على الامة المسلمة ان تمضي قدما في تحسين ظروفها، وفي ازالة العوائق من طريقها، حتى تتمكن في النهاية من تطبيق الاحكام النهائية الواردة في السورة الاخيرة، والتي كانت تواجه واقعا غير الواقع الذي واجهته النصوص المرحلية ".

وفي خاتمة تفسيره لسورة التوبة، وعند تفسيره لقوله تعالى {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلضة} يقرر سيد قطب الحقيقة التالية وهي اخطر ما الموضوع :

" وهذه لفتة لا بد من الوقوف عندها لفقه منهج هذا الدين في الحركة تجاه اهل الكتاب المنحرفين عن كتابهم، المتحكمين الى شرائع من صنع رجال فيهم ... وهي قاعدة تشمل كل اهل كتاب يتحاكمون ـ راضين ـ الى شرائع من صنع الرجال وفيهم شريعة الله وكتابه، في اي زمان وفي اي مكان " .

حقا هذه لفتة تستحق الوقوف عندها مليا،هذه التعدية للاحكام والتوسع فيها لتشمل كل المصاديق وفي كل زمان ومكان،على الخصوص اذا اتحدوا في العلة التي من اجلها وجد التشريع يعد امر في غاية الخطورة، ويفتح باب التوسع والتمدد في الاحكام على مصراعيه .

وبالفعل فقد فتح الباب من قبل دعاة حاكمية الاسلام من الاحزاب التكفيرية ومن وراءهم علماء السوء ليدخلوا فيه ابناء جلدتهم اولا وقبل غيرهم من اتباع الفرقة غير الناجية .

وببساطة يمكنهم الاستدلال  بأن علة التشريع هنا اهل كتاب يتحاكمون الى شرائع من صنع الرجال، وحينئذ يمكن ان يصدق هذا الكلام على المسلمين ايضا، فكتاب الله بين ايديهم ومع ذلك  يحتكمون الى شرائع من صنع الرجال ايضا، وعليه يصح ان يكونوا موضوعا لنزول اية السيف على رقابهم ايضا.

ومن هنا جاءت ادبيات الاخوان المسلمين داعية الى رفع لواء الجهاد على الحكومات في البلاد الاسلامية التي لم تحكم بما انزل الله، وسايرهم على ذلك  الاحزاب الجهادية برمتها، واعلنوها حربا على الصليب والهلال على حد سواء .

وكان الاولى الاقتصار على مورد النص ومن دون تعديته الى سائر الكفار في كل زمان وفي اي مكان  بحجة المنهج الحركي او الحركية الاسلامية وما الى ذلك، لا سيما ان النص القراني ظاهر .في قتال " من يلونكم" اي الاقرب اليكم، ولا يوجد في الاية اي اطلاق او عموم لمن تقاتلون حتى يقال انها مطلقة او عامة لكل الكفار وفي كل الازمنة والامكنة .

خصوصا ان الروايات المأثورة في شأن نزول الاية تثبت قتال الاقرب فالاقرب، وفسرت بقتال الروم او قتال الديلم على بعض الروايات .

و اليك بعض من تلك الروايات :

روي عن عروة البارقي عن رجل من بني تميم قال سألت ابن عمر عن قتال الديلم، قال عليك بالروم .(٢)

و في رواية عمران قال سألت جعفر بن محمد بن علي بن الحسين فقلت ما ترى في قتال الديلم ؟ فقال قاتلوهم ورابطوهم فانهم من قال الله " قاتلوا الذين يلونكم من الكفار (٣).

و قال قتادة :الاية على العموم في قتال الاقرب فالاقرب، والادنى فالادنى .

قال القرطبي : قول قتادة هو ظاهر الاية .

و اختار ابن العربي ان يبدأ بالروم قبل الديلم على ما قاله ابن عمر لثلاثة اوجه :

١ـ انهم اهل كتاب فالحجة اكثر وأكد.

٢ـ انهم الينا اقرب اعني اهل المدينة .

٣ـ ان بلاد الانبياء في بلادهم اكثر فاستنقاذها منهم اوجب (٤)-.

و الخلاصة :

ان ايات السلم عند سيد قطب تمثل استثناءات من سياسة الاسلام القائمة على قتال العدو حتى تحكيم شريعة الله في الارض، وهذه القاعدة  شاملة للكفار جميعا، ولا يحدها زمان او مكان .

 

................

المصادر

(١) سيد قطب، سورة التوبة، في ظلال القران، منبر التوحيد والجهاد.

(٢) ابن جرير الطبري، جامع البيان، بتحقيق صدقي جميل العطار، ط١٩٩٥، ج١١ ص٩٥ .

(٣)المصدر السابق .

(٤) محمد بن احمد القرطبي، الجامع لاحكام القران، دار الفكر، ج٨  ص ٢١٤ .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2505 المصادف: 2013-07-15 01:27:03


Share on Myspace