 دراسات وبحوث

نظم العلم والهرمنوطيقا (6)

لا شك ان نظم العلم هي كنظم الفهم؛ فيها ما يدل على الاختلاف تارة، وكذا القطيعة تارة ثانية، وان العلاقة فيما بينها قد جرت طبقاً للمراحل والتطورات – احياناً - مع فوارق بينهما. فالنظم المتقاطعة في الفهم ظلت تدور على نفسها خلافاً للعلم الذي اتخذ مساراً خطياً متقدماً؛ منذ ان تخلى عن النظام القديم، واذا ما كانت هناك بقايا للنظام القديم كما تتمثل بالتنجيم فان هذه البقايا اصبحت خارجة عن اطار ما يسمى بالعلم ولم يعترف بها اطلاقاً رغم عدم دراستها جدياً من الناحية العلمية. وكانت هذه النقطة بالذات موضع انتقاد البعض لطريقة العلماء مثل فيلسوف العلم فيرابند وغيره ممن يمارس وسائل اخرى غير علمية، كالتي نقلها الفيزيائي المعروف ستيفن واينبرغ. فمثلاً عندما كتب فيليب اندرسون باستخفاف عن الاعتقاد باستشفاف الغيب والتحريك عن بعد؛ تعرّض الى نقد لاذع من احد زملائه في برنستون، وهو روبرت جان الذي كان يقوم بتجارب سماها (ظواهر الوعي الشاذة)، فكان جان يتذمر قائلاً: ‹‹رغم ان مكتب اندرسون لا يبعد سوى بضع مئات من الامتار عن مكتبي، فهو لم يزر مختبرنا ولم يناقش معي مباشرة اياً من معتقداته، حتى ليبدو انه لم يقرأ بعناية أياً من مقالاتنا التقنية››. واضاف واينبرغ بانه قال في احدى المقابلات التلفزيونية: ان من يعتقد بالتنجيم عليه ان يدير ظهره للعلم الحديث كله. وبعد هذه المقابلة وصلته رسالة من كيميائي ومهندس تعدين سابق في نيوجرسي يلومه اشد اللوم لكونه لم يتحر شخصياً صحة التنجيم. وقد كان رد واينبرغ على كل ذلك هو قوله: اننا نفهم ما يكفي لمعرفة ان عالمنا ليس فيه مكان للايحاء عن بعد او للتنجيم، اذ ما هي الاشارة الفيزيائية التي يمكن ان تصدر عن ادمغتنا فتحرك اشياء بعيدة ودون ان يكون لها تأثير على اي من اجهزتنا؟

وحقيقة انه اذا كان العلم قد تجاهل التنجيم مثل تجاهله للفلسفة، فانه قد وضع بديلاً لهما هو النظام الثالث التخميني الاسطوري او الميتافيزيائي. فهو في حقيقته لا يختلف عن التنجيم او الفلسفة في انه يرتكز على قضايا غير راجعة للاختبارات العلمية او تأييداتها، وكل ما يختلف فيه هو ان اصحابه قد تشربوا بالممارسة العلمية الفيزيائية وانطلقوا بها الى ابعد مدى ممكن، ولادنى سبب. وسبق ان اعتبرناه بانه يمارس قراءة استبطانية في قبال القراءتين الاستظهارية والتأويلية، كما اعتبرناه شبيهاً بالنظام القديم نسبياً لاشتراكهما في الطابع الميتافيزيقي والتجريدي، وإن اختلفت قيمتهما المعرفية، فالنظام القديم توكيدي دوغمائي خلافاً للنظام الميتافيزيائي الذي يتخذ التخمين شعاراً له. كما ان النظام الاخير ما هو الا تطوير للنظام الثاني، وبالتالي فله جذور علمية حديثة خلافاً للنظام القديم. لكن كل ذلك لا يمنع من ان طريقته قد تصب في مرمى هذا الاخير.

وهنا نتساءل: اذا كان العلم قد تخلص من التنجيم، فهل هناك ما تم التخلص منه في الفهم؟ فالعلم قد استبدل التنجيم، بل والنظام القديم بنظام اخر يضارعه ويناظره وهو النظام الثالث، فهل حصل ما يشابه هذا الحال في الفهم؟

حقيقة اننا لا نجد ما تم التخلص منه في نظم الفهم ومناهجه، فهي قد بقيت على ما هي عليه دون تغيير جذري، وبالتالي اصبحت خاصية الفهم من هذه الناحية خاصية دورانية، فالتطورات التي حصلت فيه لم تلغِ القديم منه غالباً، انما تم الابقاء على القديم رغم الانشقاقات التي ظهرت لدى بعض التيارات المتحولة عنه، واحياناً حصل بعض التطور من مرحلة الى اخرى ضمن ذات الاتجاه دون العودة الى ما كان عليه الاصل، او ان الاصل اصبح مآله الضعف والاضمحلال. ومن ذلك ما ظهر في التطورات الداخلية للمذاهب والمناهج، كتطورات الدائرة البيانية من عدم التنظير الى التنظير. ففي البداية لم يكن لطريقة السلف تنظير ممذهب على صعيد التحليل الإبستيمي المستقل من الناحية الكلية في الأصول والعقائد، وهي بالتالي ليست دائرة منظرة معرفياً كما هي الحال مع دائرة العقل المنافسة، لكنها تحولت فيما بعد الى دائرة منظرة، لا سيما لدى المدرسة التيمية التي سعت الى تأصيل حركة السلف الأولى من جديد، وان بآليات لم تكن مقبولة لدى السلف انفسهم. ومثل ذلك ما حصل من تطور داخل المذهب الاخباري لدى الشيعة، اذ كان القدماء يتبنون هذا المذهب دون تنظير، الا انه وبفعل تطورات الحركة العقلية تحولت الاخبارية الى مذهب منظّر لمقارعة هذه الحركة.

كما ظهرت تطورات عديدة ضمن الدائرة العقلية، ومن بينها انشقاق النزعة الاشعرية عن الاعتزالية، ومن ثم التطور داخل ذات المذهب الاشعري فأخذ يميل الى الاتجاه العقلي اكثر فاكثر مع توالي الزمن باضطراد. فقد نشأ هذا المذهب لغرض الدفاع عن منطق البيان والسلف قبال التشريع العقلي، لكن تطورات المذهب جعلته يعكس المسألة، فاصبح الهدف هو الدفاع عن منطق العقل قبال البيان. على ذلك صار هناك خطان متمايزان للمذهب يتمثل أحدهما بالمتقدمين الذين تأثروا بالإتجاه السلفي، كما هو الحال مع الشيخين الأشعري والباقلاني، ويعود الآخر إلى المتأخرين الذين تأثروا بالتيارات العقلية، كما يظهر عند الجويني وإبن فورك والرازي وغيرهم. وقد اختلف الفريقان حول الكثير من القضايا التي لها علاقة بفهم النص، وأبرزها تلك المتعلقة بالأوصاف والأسماء الإلهية، كما هي مذكورة في القرآن والحديث، من قبيل أن لله عينين ووجهاً ويدين وأصابع وإستواءاً على العرش وما إلى ذلك. فبينما أجرى الفريق الأول تلك الأوصاف على حالها مانعاً بذلك التأويل، اضطر الفريق الثاني إلى تأويلها تماشياً مع نزعته العقلية. فقد اخذ البيان مع المتأخرين يتحول شيئاً فشيئاً إلى ضده، فلم يعد «البيان» بياناً، بل تحول إلى «متشابه» يقتضي التعامل معه وفقاً للحاظ ما يفرزه العقل ويقرره من أحكام قبلية. واستمر هذا الحال بالتطور تدريجياً حتى نهاية تقنين العلاقة بين العقل والنص على يد الفخر الرازي اواخر القرن السادس الهجري.

وهناك تطور اخر ظهر داخل المذهب الاشعري، فمن المعروف أن منشأ التنظير لعلاقة العقل بالنقل وسط الأشاعرة قد بدأ عند الباقلاني الذي يعدّ مؤسساً لطريقة المتقدمين؛ لوضعه بعض الأسس التي تحكم هذه العلاقة. فقد وضع قاعدة (بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول) كمنهج يجعل من الأدلة ذاتها واجبة لا على الصعيد المعرفي فحسب، بل حتى على صعيد المعيار الديني أيضاً، إذ تفرض القاعدة على المستدل أن يذعن وينصاع إلى الأدلة لما تفضي إليه من نتائج محددة، وكتكليف يجب الإعتقاد به مثلما يجب الإعتقاد بالنتائج المتمخضة عنها. لذلك وُضعت المقدمات العقلية الثابتة كأساس لبناء النقل والبيان. فهي مقدمات وإن كانت ذات طابع وجودي غرضها إثبات الخالق تعالى، من قبيل إثبات الجوهر الفرد والخلاء والعرض لا يقوم بالعرض ولا يبقى زمانين متتاليين وما إلى ذلك من الإعتبارات الوجودية، لكنها تنطوي على دوافع معيارية، فهي على قول إبن خلدون موضوعة «تبعاً للعقائد الإيمانية في وجوب إعتقادها»، أو هي موضوعة من أجل تقرير أمور لا يتم الشرع إلا بها، لا سيما في ما يتعلق بإثبات القدرة الإلهية. كما أنها محكومة بمعيار التكليف تبعاً لنهج القاعدة السابقة المطروحة كسلطة لتحديد النتائج الثابتة أو تبريرها. لكن العملية لم تتوقف عند هذا الحد، فقد جاء الغزالي متأثراً باستاذه الإمام الجويني فأسس النهج المسمى بطريقة المتأخرين، حيث أدخل «المنطق» كعنصر هام يقضي به على منهج الباقلاني السابق. إذ بهذه الطريقة الجديدة يصبح من المنطقي خطأ قاعدة إبطال المدلول ببطلان الدليل، أو أن بطلان الدليل لا يؤذن ببطلان المدلول، فمن الممكن إثبات المدلول بدليل آخر غيره، وكذا من الممكن أن يكون المدلول غير خاضع للدليل أصلاً.

ويمكن إعتبار طريقة المتأخرين لحظة عطف جديدة في تاريخ النظام المعياري، فقد تأسست العلاقة الخاصة بين المنطق من جهة، والشريعة والمعيار من جهة ثانية، بعد أن كان المنطق عند الفلاسفة أداةً مكرسة لمعرفة الوجود. فالوضع الجديد وإن لم يفقده مركزه الأول كأداة معرفية للوجود، لكنه أضاف إلى ذلك مباحث أخرى جديدة. وعليه تمّ تصوير المنطق بأنه أداة شكلية تقبل التلبيس بأي مادة، سواء كانت وجوداً أم شريعة أو معياراً. وعُرّف «بأنه قانون ومعيار للأدلة فقط، يسبر به الأدلة منها كما يسبر ما سواها».

وطبقاً للفهم السابق خالف الأشاعرة المتأخرون سلفهم المتقدمين في الكثير من قواعد علم الكلام ومقدماته، وعلى رأسها قاعدة الباقلاني السالفة الذكر. ثم أخذ المتأخرون بعد ذلك يهتمون بكتب الفلسفة ذاتها؛ مما أوقعهم في التأثر بمسائلها، كما حصل مع الغزالي ومن بعده الفخر الرازي، بل تطور الحال بعدهما فاختلطت أمور الفلسفة بالكلام والتبست مسائلهما، كالذي حصل مع البيضاوي في (الطوالع) والأيجي في (المواقف).

لكن كل ذلك لم يحول دون بقاء الافكار النظرية كما هي مثلما كانت واردة قديماً، وان النزاع والصراع الكلامي والعقائدي ظل هو نفسه لم يتغير، فمثلما نجد ان هناك من يدافع عن النزعة البيانية السلفية هناك من يقابلها بالدفاع عن منطق العقل والتأويل. وبالتالي فقد اخذ تطور الفهم في الدوائر منحى وصل فيه الى النهاية والانغلاق.

كذلك فانه على الصعيد الفقهي هناك ركام من الآراء الفقهية المتضاربة ظلت باقية منذ قرون ومازال الاجترار يلوحها حتى يومنا هذا، فهي على تضاربها ظلت كما هي لم يبدُ عليها علائم التغيير الا عند اقتضاء الحاجة الزمنية وضغوطها الفاعلة. وانه في حالات اخرى اتخذ التطور صورة متقدمة كالذي يلاحظ لدى الدائرة الاصولية من الفقه.

وعلى العموم بقيت النظم المعرفية ودوائرها المنهجية هي ذاتها دون تغيير، فلا فرق بين القديم منها والحديث. لذلك يبدو على الفهم حيثية الثبات والدوران على نفسه، فما يظهر من فهم جديد او حديث ليس بامكانه الغاء القديم، وغالباً ما لا يعتد بالمعاصر قدر الاعتداد بالقديم، مما يجعل الفهم ثابتاً ودائراً على نفسه لا سيما وهو يشهد التعارض المستقطب، خاصة لدى مجراه الرئيسي، كالذي يتمثل بالمذهبين المتعارضين للسنة والشيعة في فهمهما للاصول الدينية. ففي الفهم الديني يُعتمد على الفهم القديم كدلالة على الاصالة والقوة المقربة للحقيقة الدينية عادة، في حين يجري العكس – نسبياً - لدى العلم الطبيعي، فلو اننا استثنينا النظام الثالث الميتافيزيائي لقلنا بان كل ما هو جديد في العلم يصبح مورداً للاعتماد مقارنة بالقديم.

ففي الفهم لا مجال للرؤية التاريخانية طالما ان لنظريات الفهم القديمة تأثيرها ومنافستها لكل جديد ومعاصر. وهو ما لا نجده في العلم، فالتطور العلمي لا يعير اهمية للنظريات القديمة، وتبقى فائدتها تاريخية متروكة لاهتمام فلاسفة العلم. وبالتالي فلا دور لها في المنافسة الجادة مع النظريات الجديدة السائدة. لذلك فالمنافسة العلمية تظهر لدى النظريات الحديثة والمعاصرة دون القديمة منها، اذا ما حلت غيرها محلها، فنجد التنافس بين نظرية اينشتاين بعد ان حلت محل نظرية نيوتن وغيرها في قبال نظرية ميكانيكا الكوانتم. في حين لا توجد منافسة بين الاخيرة ونظرية نيوتن، ولا بين هذه ونظرية اينشتاين التي حلت محلها، وان كان من الممكن للنظريات القديمة ان تعود بشكل ما من الاشكال المتطورة.

ولأن العلم يتقدم خطياً لذلك نجد الاهتمام بقياداته الحية اكثر من الاموات، وكشاهد على ذلك ما رآه بعض الفيزيائيين من ان سبب الايمان بالنظرية الموجية دون الجسيمية يعود الى ان الذين يؤمنون بالنظرية الجسيمية قد ماتوا. وهو يذكّر بما سبق اليه ماكس بلانك من تعليق وهو في معرض خلافه مع بولتزمان حول مبدأ تزايد الانتروبيا، اذ قال: ‹‹ان الحقيقة العلمية الجديدة لا تنتصر نتيجة لاقناع خصومها وجعلهم يبصرون نور الحقيقة، بل لأن خصومها يموتون اخيراً ويظهر مكانهم جيل جديد يألف هذه الحقيقة››.

واذا كانت الحقيقة تموت بموت قادتها في العلم؛ فان عكس هذا الحال يجري في الفهم. ففي هذا الاخير يُمجد الاموات على حساب الاحياء، وكثيراً ما يوصف الاموات بانهم يحملون الحقيقة التامة دون غيرهم من الاحياء، وبالتالي فليس لهؤلاء الاخيرين من شرف سوى اتباع ما عليه سلفهم. وكل ذلك يعود الى ان الفهم دوراني بخلاف العلم الذي يتقدم خطياً الى حد كبير.

وقد ينعكس هذا التفسير فتكون علة الفهم الدوراني عائدة الى الإتّباع وتمجيد الموتى وليس العكس، على صيغة الحديث النبوي: (خير القرون قرني، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه)، او بلفظ البخاري ومسلم: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم). وعلى هذه الشاكلة تصبح علة العلم الخطي عائدة الى تمجيد الاحياء والاهتمام بهم دون الموتى. وحقيقة ان العملية لا تخلو من الدور كالبيضة والدجاجة، وان كنّا نعتقد بان الاصل في التفسير هو الاول لا هذا الاخير، لاعتبارات تتعلق بذاتية الفهم والعلم وفقاً لمحدودية انكشاف النص واتساع افاق العلم في الكون.

لا شك ان ما يحصل في الفهم من ثبات الدوائر والمناهج القديمة، او ما نطلق عليه دوران الفهم، لا يلغي ظهور اتجاهات جديدة او حديثة تضاف الى المذاهب والنظريات ومثلها المناهج والنظم القديمة. فقد يكون الغرض من الاتجاهات الجديدة هو ازاحة ما وصلنا من تراث قديم، وهي بذلك تقدم رؤية مختلفة جذرياً عن الرؤى التراثية للفهم، وتظل المنافسة قائمة بين القديم والجديد، او التراث والحداثة. كما قد يكون الغرض هو التجديد وتطوير التراث ليتفق مع مقتضيات الحداثة والحاجات العصرية. واليوم نشهد مساحة واسعة لكلا هذين النوعين من الفهم ازاء ما وصلنا من فهم تراثي ثابت لا يتزحزح.

ومع ان ما يظهر لدى العلم هو الطابع التطوري والتقدم الخطي كما يبدو اثره على مستوى النظريات، فبعضها يسعى لدفع البعض الاخر عند التقاطع بينها، كالاختلاف بين النموذجين الخاصين بالفيزياء النيوتنية والاينشتاينية، الا ان ذلك لا يتنافى مع ما يحصل احياناً من تعارض محايث طويل المدى وكأنه ثابت لا يتغير، كالنموذج الذي نشهده الى اليوم بين النسبية والكوانتم طوال ما يقارب القرن من الزمان.

وقد لا يتميز الحال هنا بين النظم والنظريات العلمية. فالعلماء وان لم يتفقوا على قبول النظم الجديدة، ومن ذلك ان بعضهم لم يتقبل الا النظام الاول الاجرائي، لكن تطورات الامور جعلت الحال يصل الى ما يشبه الاجماع او (الاعتراف الجمعي) بقبول النظام الثاني الافتراضي، لا سيما بعد اضمحلال النظام الاول وانتهائه تقريباً. أما النظام الثالث الميتافيزيائي فما زال الخلاف حوله جار لمعارضته للنظام الثاني رغم تأسسه عليه. ويبدو انه سيلاقي الاعتراف الجمعي بعد ان ينتهي الثاني بمثل ما آل اليه الاول.

كذلك يقال حول النظريات وهي انه على الرغم من حصول تعارضات محايثة بينها الا انها تميل الى الحل والترجيح عند توفر الفرص الداعية لذلك، ومن ثم قد يحصل بالتدريج ما يشبه الاجماع او الاعتراف الجمعي لدى المؤسسة العلمية كتلك التي تناولها فيلسوف العلم توماس كون في (بنية الثورات العلمية). فكل شيء في العلم خاضع لمنطق افق التوقع والانتظار.

ويعد هذا الحال مخالفاً لما عليه الفهم. فمن جانب يظل الفهم بنظر معتنقيه ثابتاً يصعب تحويله وتغييره، باعتباره ينتمي الى المقدس، ومن ثم فهو لا يخضع لافق التوقع والانتظار لديهم. فعادة ما يرى المتنازعون حول الفهم انهم يعكسون الرؤية الدينية كما هي، وهي مقدسة، والمقدس لا يخضع للتجربة والفحص والاختبار، ولا للتوقع والانتظار. فالفهم هنا مأخوذ على نحو المطابقة مع النص المقدس، لذا كان مقدساً مثله، او هو منظور اليه بمثل ما ينظر الى النص ذاته دون فرق وتمايز. لهذا يختلف الفهم عما لدى العلم، لكون الاخير يتعلق بالمدنس لا المقدس، وبالتالي يخضعه اصحابه الى شتى الاختبار والفحص والانتظار.

كما من جانب اخر، ليس في الفهم المختلف حوله ما يمكن ان يتطور الى ما يشبه الاجماع او الاعتراف الجمعي. فالتنازع باق كما هو، بل انه يتوسع باضطراد دون توقف ولا حدود. وحتى القضايا المتفق عليها اخذت اليوم تجد لها صيغاً جديدة من الاختلاف والنزاع.

وبالتالي فسواء من حيث النظم او النظريات الكبرى؛ نجد الفهم يميل – عادة - الى الثبات والدوران على نفسه، مع ابقاء التعارضات كما هي دون تقدم ملحوظ يذكر. فليس في الفهم سلطة للاعتراف الجمعي وتولي افق التوقع والانتظار ذاتياً. فالتعارضات المستقطبة المحايثة مع غياب الاعتراف الجمعي؛ كل ذلك يجعل من الفهم يميل الى الثبات والدوران دون تقدم متميز كالذي يشهده العلم. فما يحصل من تقدم احياناً يتصف بالقلة والضيق، وغالباً ما يكون مرهوناً بضغط الواقع وحاجاته الزمنية.

ان ميزة النظم الدورانية هي ان بعضها ليس بامكانه زحزحة البعض الاخر وإبعاده، فهي باقية ثابتة لا تتبدل عبر الزمن، انما تتعايش فيما بينها رغم تعارضاتها، خلافاً للنظم الخطية المتقدمة، اذ انها اما ان تعمل على ازاحة بعضها للبعض الاخر، او ان بعضها يتقدم في ارتياد مناطق جديدة يتجنبها الاخر فيبدو عليه الاضمحلال حتى الانتهاء. وبالنتيجة يظهر الاثر التطوري لدى هذه النظم. فمثلاً يلاحظ في النظام الاول للعلم انه استطاع ان يقضي على النظام القديم، كما ان النظام الثاني استطاع ان يجد لنفسه موطئ قدم في مواقع لم يرد النظام الاول اقتحامها. يضاف الى ان النظام الثالث قام بتوسيع دائرة المساحة التي لم يرد النظام الثاني ارتيادها، فهو قائم على الافتراضات التخمينية مما لا تقبلها النظم التي سبقته، بل انه حلّ بديلاً جديداً مناقضاً للنظام الاول، وله شيء من الشبه بالنظام القديم. وهو امر لا نجده لدى نظم الفهم، فقد نجد في نظام ما ضعفاً لدى بعض المذاهب او المناطق الجغرافية او اللحظات التاريخية، فهو ضعف نسبي يقابله قوة لدى مذاهب ومناطق ولحظات اخرى. مما يعني ان دوائر النظم والمناهج ظلت ثابتة لم تتغير رغم ما قد اصابها من فتور هنا او هناك، تاريخياً وجغرافياً، كالذي حصل مع المنهج الفلسفي للفهم، فرغم انه قد تقلص كثيراً من بعد الغزالي لدى اماكن عديدة، لكنه كان نشطاً لدى اماكن اخرى، كبلاد فارس.

والنتيجة هي ان للعلم ميلاً للتقدم، وهو اليوم يكسب حظاً من العالمية لا يدانيه غيره من المعارف كالدين والفلسفة والسحر والتنجيم وغيرها. ورغم بعض الانتقادات التي تلوحه مثل تلك التي أقدم عليها فيرابند في كتابه (ضد المنهج) وسائر كتاباته الاخرى الا انه ما زال يمثل سيد المعارف، وانه يكاد يحظى باعتراف جمعي من طرف المشتغلين فيه سوى القليل الذين يبرز لديهم شيء من التحفظ ازاء ما يستجد من مناهج او نظريات علمية مثيرة وغير مألوفة وربما اسطورية. فاي نظرية جديدة يمكن ان تصادف شيئاً من الاعتراف، وربما تتسع دائرة هذا الاعتراف شيئاً فشيئاً حتى يلوح الجميع كلاً او غالباً. لكن يظل هناك شبه اعتراف جمعي بالحد الادنى من النظام والمنهج العلمي على صعيد ما يسمى تخوم العلم لا حوافه، خلافاً لما نجده في الفهم الذي يميل الى الثبات والدوران وعدم وجود ما اسميناه (الاعتراف الجمعي) للحد الأدنى، اذ لا يوجد اجماع بشأن المناهج والنظم التي ينبغي اتباعها او الثقة بها حتى في الاطر الضيقة من المذاهب. وبالتالي فان نظم ومناهج الفهم تبقى تميل الى التعايش دون ازاحة او تبديل. فالنظم التي نراها اليوم هي نفسها التي كانت بالامس، او ان تاريخها لم يطرأ عليه تغيير جذري بعد. وقد يؤثر المستقبل على وجودها، فليس بقاؤها بالامر الحتمي، وان كان حالها يميل الى البقاء بغض النظر عن حجم ما تمتلكه من سيادة وسطوة.

وحديثاً ظهرت مناهج ونظم للفهم عديدة، وهي اتجاهات لم تستطع زحزحة ما ثبت من النظم والمناهج التراثية، لكنها تعد اضافة جديدة لم يعهده تراثنا المعرفي من قبل. وقد يأتي يوم يكون باستطاعتها ان تحقق شيئاً ملحوظاً من الزحزحة الفعلية، او انها تتراجع فتختفي.

مع هذا فنحن لا نتحدث عن نظريات الفهم، فلا شك ان منها ما بقي قروناً دون تغيير حاسم، وابرز النماذج في ذلك ما يتعلق بنظرية الامامة، وهي التي جعلت الفهم الديني ينقسم مذهبياً على نفسه الى فرقتين رئيسيتين هما المذهب السني والشيعي. وفي القبال نجد نظريات للفهم قد ادى بها الامر الى الانتهاء والاندثار من دون عودة. كما ان منها ما ظهر واشتد وجوده بفضل تطورات الواقع وتأثير سنن الفهم على ذلك، وان هناك تطورات طرأت على بعض النظريات كتلك المتعلقة ضمن المذهب الاشعري، ومثلها ضمن المذاهب الفقهية والاصولية. ويمكن ان نقدّر بأن النظريات التي تتعارض مع حقائق الواقع او مصالحه تميل الى الذبول ومآلها الانتهاء والنسيان. ومن ابرز مصاديق هذه السنة ما نشهده حول نظريات فهم النص القديمة المتعلقة بالعلوم الطبيعية، فلم يعد بالحسبان عودتها. مما يعني ان نظريات الفهم تحمل علامات التقدم والتطور، حتى على النحو السلبي، اي ما يتعلق بالكشف الواقعي لخطأ النظرية، كالذي يشير اليه فلاسفة العلم حول اهمية خيبة التوقع والانتظار، حيث تتجلى الفائدة من خلال ترك الفرضيات التي ينكشف بطلانها، ومن ثم متابعة البحث عبر فرضيات اخرى غيرها. لكن يظل الحال ثابتاً على صعيد المجرى الرئيسي لنظريات الفهم المتعارضة دون اي تقدم يذكر. واذا كان هناك شيء من التقدم فهو ينتمي الى بعض مفاصل النسيج الداخلي لهذه النظريات، بمعنى ان كل نظرية كبرى ترد فيها احياناً تطورات داخلية في بعض المواقع، وان بقيت مواقع اخرى ثابتة، كما ان بعضها قد يصيبها الاندثار والموت، سيما عندما تتعارض مع حقائق الواقع او مصالحه؛ اذ يكون مصيرها الموت والنسيان، وكثير ما ينطبق هذا الحال على النظريات الفقهية، كتوزيع غنائم الحرب على المجاهدين وحكم رباط الخيل ومفهوم القوة كما كان يفهم قديماً، ومثل ذلك ما لدى الشيعة من حكم التصرف بدفن سهم الامام من الخمس او التوصية به من ثقة الى اخر حتى ظهور الامام المهدي، ومثله تحليل الانفال على الشيعة...الخ.

لقد سبق ان تساءلنا عما اذا كان العلم الفيزيائي متجهاً نحو الانتهاء، ومثل ذلك يمكن ان نطرح هذا التساؤل حول الفهم؟ فهل تناقص البحث العلمي اليوم، ومثله البحث الفهمي؟ ام هناك تطورات جديدة او اعادة صياغة من جديد؟

نعتقد ان العلم متجه باضطراد نحو الفلسفة، فكلما تناقص كلما وجد له مخارج فلسفية اكثر، وهو ما يجعله غارقاً في الهرمنة يوماً بعد اخر. أما الفهم فطبيعته تميل الى الهرمنة المفتوحة على الدوام بسعة النظريات كلما تقادم الزمن. فالعلم يتقلص بسيره الطولي فيلامس بذلك الفلسفة والميتافيزيقا، فيما يتوسع الفهم بانفتاحه على افق جديدة عبر مسيرة عرضية لا يعرف لها حدود.

لقد سبق للعلماء المسلمين ان ذكروا بان بعض العلوم الاسلامية اصبحت محترقة بعد نضجها واكتمالها، كعلم الفقه والحديث. لكن مع هذا فان علم الفقه المحترق وجد اليوم ابواباً جديدة للبحث وفقاً لمعايير لم يكن الاخذ بها في السابق سهلاً. والاهم من ذلك هو التفسير، فهو يتجدد يوماً بعد اخر، بل حتى الحديث احياناً اخذ يتلبس بلباس التفسير، ويتجدد فهمه وفق المقتضيات العصرية والافاق العلمية.

على هذا فان من مفارقات المقارنة بين العلم والفهم هو ما يلاحظ بان تفاؤل الفيزيائيين بقرب نهاية علم الفيزياء لم يجد افقاً ايجابياً للانتظار بسبب تتابع التطورات الفيزيائية وانفتاحها على افاق هرمنوطيقية جديدة لا تعرف طبيعتها الحدود. ويأتي هذا التفاؤل للفيزيائيين على خلاف ما يجري الان في الفهم الديني، فقد كان التصور القديم يرى أن الفهم قد تشكل ووصل الى النهاية والانسداد، ولا يحق لأي فهم جديد ان يولد. لكن العصر الحديث ابدى تطلعات كبيرة لأفهام جديدة بعد ان تبين بان الافهام القديمة لم تصب كبد الحقيقة، او انها على الاقل اصبحت موضع استفهام كبير. بل يمكن القول ان عصراً جديداً للفهم قد ظهر، وهو يكشف عن بداية للفهم لا يعرف لها نهاية، رغم بقاء الفهم دائرياً دون تقدم ملحوظ سوى الاصطفافات الفسيفسائية. فكل فهم جديد لم يحل محل فهم قديم، بل يصطف معه كمعارض اضافي جديد.

وقد نتساءل عن علة ميل الفهم الى الثبات والدوران دون العلم، فلماذا يميل العلم الى التقدم والتطور، في حين يميل الفهم الى الثبات والدوران؟ هل لان وقائع العلم غير محدودة، في حين ان ألفاظ النص محدودة، ام لسبب اخر يعود الى الفهم؟

وكجواب نعتقد بان الحال يتعلق بالانفتاح والانغلاق على الواقع، فالمنظومات المغلقة تميل الى الثبات والدوران، خلافاً للمنظومات المفتوحة. وحيث ان نظم الفهم، ومنها النظم الفلسفية والكلامية هي نظم مغلقة غير مفتوحة على الواقع في الغالب، لذا فانها تميل الى الثبات والدوران، خلافاً للعلم الذي تتصف نظمه وانساقه النظرية بالانفتاح وكونها تتقبل الاختبار والتحقيق والمراجعة والتطوير غالباً. ومما يزيد في مشكلة الثبات تعقيداً هو ان نظم الفهم باعتبارها مغلقة وكون بعضها يستند الى مصادر مقدسة فانها تكون مسرحاً للتقليد والتوظيف الايديولوجي.

فنظم التراث، ومنها نظم الفلسفة وعلم الكلام وما يعتمد عليها، يغلب عليها الطرح المغلق، وهو ما يجعل الانساق المعرفية المستنبطة منها محكومة بالانغلاق عادة، لهذا يتصف الحوار فيما بينها بالصم، لقيامه على امور مجردة يصعب التحقيق فيها. فلو كان بالامكان التحقيق فيها عبر الواقع مثلاً؛ لكان حالها كحال العلم، ولكان قبولها رهين انسجامها مع الواقع، ورفضها رهين معارضتها له. فلكل من هذه النظم قبلياته الخاصة، وهي قبليات ليست مشتركة ولا منفتحة على الواقع، لذلك فانها تتصف بالثبات والدوران، الا بالقدر الذي يظهر الواقع موت بعض نظرياتها. ومع ذلك فان من الممكن تفكيك المنظومات المغلقة وجعلها مفتوحة ضمن بعض الشروط، كالتي فصلنا الحديث عنها في (منطق فهم النص).

وعموماً يظهر هنا الفارق بين علاقة الفلسفة والكلام بالفهم الديني من جهة، وعلاقة العلوم الطبيعية والانسانية به من جهة ثانية. فمع ان العلاقتين تعبران عن اعتبارين عارضين، لكن بينهما فارقاً شاسعاً، فقضايا الفلسفة والكلام هي قضايا دائرية لانغلاقها، وبالتالي تعاد المسائل وتتكرر من حيث الإجابة دون ان تفضي الى تقدم واضح. فالجديد لا يحل محل القديم الا بالقدر الذي تؤثر فيه الاعتبارات الواقعية، وكل ذلك له انعكاساته على الفهم الديني؛ مما يجعله يراوح محله دون تقدم. وعلى العكس من ذلك قضايا العلم الذي يخضع للتطور والتغيير، مما له انعكاساته على هذا الفهم. وهو ما يعني ان من الممكن ان يتقدم التحقيق في الفهم الديني عبر التطور العلمي، في حين لا يتحقق ذلك في حالة العلاقة مع المنظومات القبلية المجردة كالفلسفة والكلام وغيرهما. وكل ذلك يعود الى ما للواقع من تأثير، فالتطور الحاصل في الفهم يدين الى ما يحدث في الواقع ذاته، وان العلم كاشف عن الاخير، خلافاً للمنظومات المجردة والمغلقة كالفلسفة والكلام. واذا حللنا الامر نجد ان قبليات العلم تختلف عن قبليات هذه المنظومات، فالاولى تمتاز بان منها ما هو مشترك محايد كمبدأ الاستقراء، كما منها ما يعود الى القبليات المفترضة للكشف عن الواقع، وان من مبادئ العلم التحقيق والمراجعة المستمرة، وكل ذلك لا يتوفر لدى المنظومات المشار اليها، وهو ما يجعل العلاقة بينهما وبين الفهم الديني علاقة مختلفة تماماً.

على ذلك نتساءل: هل يمكن خلق حالة من تطور الفهم (التحقيقي) كما يجري في الاطار العلمي، مع التغافل عن مشكلة (الاعتراف الجمعي) الذي يصعب تحقيقه في الفهم، حتى لدى دائرة المذهب الواحد؟

وبعبارة اخرى: هل هناك خطوات عملية يمكنها ان تدفع بالفهم (التحقيقي) نحو التقدم والتطور؟

لا شك ان الاجابة عن هذا السؤال تعتمد على الخيارات النظرية. ونعتقد ان اهم خطوات دفع الفهم نحو التقدم والتطور، هي ان تكون هناك معايير مناسبة نتقبل على ضوئها بعض الاصناف من النظم والمناهج دون البعض الاخر. فلا بد من وجود معيارين هامين، احدهما يكفل الحفاظ على عدم تعدي دائرة الفهم للحدود الدينية اليقينة منطقياً. والاخر معني بالقدرة على التحقيق الخارجي للفهم، اي التحقيق من خلال اجراءات لا علاقة لها بالالفاظ المفصلة للنص، بل يساهم فيها الواقع مع جملة عناصر اخرى مهمة للتحقيق.

وينص المعيار الاول على ان ما يتطلبه الفهم هو الاتساق مع الحقائق الاصلية للخطاب الديني. اذ الصدام مع هذه الحقائق يفضي بالفهم الى المعارضة مع يقين الدائرة الدينية، مما يجعل الفهم مقاطعاً للدين وبديلاً عنه. ولا نقصد باليقين – هنا - المطابقة مع الحقيقة الخارجية، او نفس الامر بحسب تعبير الفلاسفة القدماء، بل ما يؤكده الدين ذاته. وبالتالي فالصدام مع الحقائق الاصلية للدين يؤكد الاسقاطات القسرية على حساب الدلالات المتواترة كما يثبتها النص ذاته. الامر الذي يوجب التحفظ من النظم والمناهج المولدة للانساق غير المتسقة منطقياً مع تلك الحقائق.

اما المعيار الثاني فيتعلق بالقابلية على التحقيق الخارجي مما يجعل الفهم قابلاً للتقدم والتطور. وهو ينص على ضرورة التحفظ من النظم المغلقة المجردة التي لا تقبل التحقيق. اي ضرورة التحفظ من النظم الجاهزة والقائمة على القبليات الخاصة المتصفة بالانغلاق. اذ اي اعتماد على هذه النظم فانه يفضي الى جعل الفهم يدور دوراناً من غير تقدم.

لكن ما هي النظم التي يمكنها توفير هذا النمط من التقدم مع الحفاظ على الحقائق الاصلية للخطاب الديني؟ وما هي غيرها التي تعمل على الاخلال بهما معاً او بواحد منهما فقط؟

نعتقد ان ابرز النظم التي تمتاز بالاخلال بالمعيارين معاً هو النظام الوجودي بفرعيه الفلسفي والعرفاني. في حين نجد لدى بعض دوائر النظام المعياري العقلي ما يحافظ على معيار الحقائق الاصلية، لكنه بعيد عن المعيار الثاني المتعلق بالتحقيق الخارجي، لكونه من النظم المغلقة المجردة. اما المنهج البياني فهو ايضاً يعتبر من النظم المحافظة على تلك الحقائق، كما أن بالامكان ان نفرض عليه التحقيق الخارجي المتعلق بتطوير الفهم. يبقى ان النظام الوحيد الذي ينفتح على المعيارين السابقين ويشجع عليهما هو النظام الواقعي؛ باعتباره يلتزم بالقبليات المشتركة كمعيار أساس للأخذ والرد، ويتقوم بالواقع كأساس اولي للفهم، وهو يقر ان الفهم يتغير بتغير الواقع ذاته.

وعموماً نجد ان اهم النظم المتسقة هي كل من المنهج البياني في النظام المعياري والنظام الواقعي. فالاول يرتكز على الظهور اللفظي، وهو في هذا الدور يناظر ما عليه النظام الاجرائي لدى العلم كما هو معلوم، اما الاخر فيرتكز على القبليات المشتركة مثل قاعدة الاستقراء، كما انه يأخذ بالظهور اللفظي بعد ان يضيف اليه بعض العناصر وعلى رأسها ‹‹الواقع››. وهذا يعني ان اهم النظم التي ينبغي ممارسة البحث فيها، مع التحفظ من غيرها، هو المنهج البياني والنظام الواقعي الذي لا يلغي خصوصية ما يقوم به الاول، بل يضيف اليه ما لم يأخذه بعين الاعتبار. والحق انه يحوّل الدلالة الظاهرة من دلالة مفصلة الى دلالة مجملة تحتاج الى عناصر اخرى كاشفة وعلى رأسها الواقع. فالبيان الذي تتحدث عنه الدائرة البيانية هو بيان مفصل، في حين انه لدى النظام الواقعي بيان مجمل يحتاج الى ما يحوله الى تفصيل. ونعتقد ان خطأ المنهج البياني هو كونه لم يميز في صراعه مع الدوائر الاخرى بين المنظومات العقلية من جهة، والوجدان العقلي من جهة ثانية، وان رفض المنظومات العقلية بما فيها تلك التي تعود الى النظام المعياري لا يعني إبطالاً للوجدان العقلي، كما لا يعني إبطالاً لحاكمية الواقع ودلالاته.

(انتهى البحث)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2509 المصادف: 2013-07-19 01:02:00


Share on Myspace