 دراسات وبحوث

نظرية سماحة السيد محمد باقر الصدر في المجتمع والتاريخ (ت1980)

abduljabar alobaydiحفِلَ تاريخ العراق بالكثيرمن الآيديولوجيات الفكرية منذ التأسيس في 1921، واخرها آيديولوجية حزب الدعوة العراقي بقيادة مؤسسه سماحة السيد المرحوم محمد باقر الصدر. وبمجيىء هذا الحزب كنا نتأمل ان تقام في العراق دولة القانون لما قرأناه من فكر نير لهذا المفكر الكبير. من هذا المنطلق ضحى الشباب المثقف من اطباء ومهندسين وعمال بارواحهم في سبيله، لكن النتيجة كانت وبالا على المضحين حين تخلى الحزب عن المبادىء بعد استشهاد قائده الكبير على يد رجل مهوس بالسلطة والقوة بلا قانون كصدام حسين، واستلام قيادة الحزب من بعده من قبل خلفائه الأخرين دون علم ومعرفة بالتنظير.لقد أخطأ صدام حسين بقتل هذه العبقرية التي كان بالأمكان الأستفادة منها في التطوير، لكن كل الدكتاتوريين لا يفهمون الا القوة والسيف الناتجة من عقول المتخلفين .

حزب الدعوة الذي جاء بقيادة هذا المفكر الكبيرفي السبعينيات من القرن الماضي، جاء على النقيض من فكر المرجعيات الدينية في العراق السابقة واللاحقة، كان من المؤمنين بحرية الفكر وضرورة التقدم وتحديد سلطة الدولة عن حقوق الناس، لكن مقتله قد أخل بنظرية التقويم، ورغم ان بعض المرجعيات الدينية التي سبقته كانت من الموسرين، فكانوا رغم اخلاصهم للعقيدة الا انهم ينظرون الى الأشياء من شرفة الاغنياء، حيث كانت واردات الخمس تدر عليهم أموالا طائلة لا حصر لها ولا عد وبلا مراقبة وتنظيم، كما كانت مؤسساتهم ولازالت في لندن وكندا وغيرها كثير، وكان المفروض ان تخصص هذه الاموال لبناء مدينتي النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء والارتفاع المعيشي والثقافي بمستوى اهلها، على غرار مدن الفاتيكان التي حولته الى دولة حضارية لا تضاهيها مدن ايطاليا ومدن الأوربيين الاخرين .لكن هذا المرجع الكبير كان ينظر للامور من منظار الدين الحقيقي لا نظريات التغليف التي ابتلى بها رجال الدين من بعده وكل الاخرين .

 لقد كان سماحتة رجلا متواضعا يتكلم بلسان الرجل الفقيرالذي عاش يتيما مكفولا من اخيه، المثقل بالمتاعب، والطامح الى التخلص من الفقر الذي كان يلفه ويلف الناس، لكنه كان وحيدا في جهاده، والمرجعيات مقسمة ومتحاصصة على غرار دولة العراق الحالية، فبقيت لاهية بالمال والتعصب الديني وافكار الميثيولوجيا التي قوقعت الفكر العراقي وجعلته يعيش في سجن حديدي بلا منافذ لشم الهواء العليل. وربما كانت كراهيته للترف نابعة من هذا الوضع الاجتماعي المفروض عليه والناس اجمعين.كان فيلسوفا نابغا يؤمن بالعلم والتقدم كغيره من فلاسفة عصور المتنورين. ومن يطلع على كتابيه فلسفتنا وأقتصادنا يتبين له انه بدأ من نفس النقطة التي بدأ بها غيره من معاصريه، لكنه أنتهى الى نتائج تتناقض وفلسفة الاخرين.

كان يرى ان العدالة الاجتماعية يجب ان تسود الجميع حكاما ومحكومين انطلاقا من نظرية الحق المطلق في القرآن الكريم، وكان منطلقا من سيرة اهل البيت في مقارعة الظلم والظالمين، مقتديا بأجداده العظماء علي والحسين والامام موسى الكاظم (ع)الذين حيروا الامويين والعباسيين .لقد أخطأ صدام خطئا كبيرا بقتل هذا الرجل الذي بقتله قتل العراق من جديد.

ويكفي هذا الرجل ماجاء بطرحه لنظرية منطقة الفراغ، التي اشار اليها بوجود فراغات تركتها الشريعة الاسلامية، كي يملأها الناس حسب الظروف والمعطيات المستجدة في كل زمان ومكان فخالف بها الكثير من الفقهاء ومنظري الدين، وهو على الصحيح .

ويقدم لنا الكاتب المبدع الدكتور علي كريم سعيد بحثا قيما في هذا التوجه الصدري الكبير حين يقول: "ان الامام الصدر قد بين ان المذهب الاقتصادي في الاسلام يشمل على جانبين":

أحدهما: ملىء من قبل الاسلام بصورة منجزة، لا تقبل التغيير والتبديل، ويقصد هنا آيات الاحكام الحدية الملزمة التنفيذ .

والاخر: يشكل منطقة الفراغ في العقيدو وآيديولوجية التنظير حين أقربأن انتخاب ولي الأمريتم مباشرة من الشعب لقيام دولة دستورية اسلامية.اذ ليس في الفكر والتعاليم الاسلامية ما يمنع من قيام انتخابات شعبية للأمام. وهذه الفكرة هي فكرة متطورةلمبدأ الشورى في الاسلام، لان الحرية السياسية لم تكتمل في النظام الاسلامي بعد لأنعدام المعيار المضمون في جماعة انتخابات اهل الحل والعقد وكيفية انتخابهم.

لقد قامت فكرة ملأ الفراغ على اساس ان الاسلام لايقدم مبادئه للحياة الاقتصادية والسياسية بوصفها علاجا مؤقتا او تنظيما مرحليا يجتازه التاريخ بعد فترة زمنية الى شكل اخر من التنظيم.ثم يتحدث سماحته عن ان القيادة الاسلامية الحالية لم تستوعب التنظير في التغيير قبل ان يتفهموا معنى الديمقراطية وحق الشعب في الحياة السياسية بشكل عادل وبالتدريج حتى يتوصلوا الى نظرية متكاملة في التنفيذ. والابتعاد عن كل ما طرحه الفكر الانساني شيء والاسلام شيء اخر.

لذا ومن دراسة النصوص التي تركها هذا المفكر الجليل نرى اننا لم نصل الى تعريف محدد للاسلام وفق نظرية اسلامية المعرفة الانسانية التي اشار اليها، مصاغة صياغة حديثة ومعاصرة، ومستنبطة حصرا من القرآن الكريم.ان غياب هذه النظرية المطروحة منه ادت الى التفكك الفكري والتعصب المذهبي، واللجوء الى مواقف فكرية او سياسية تراثية، مضى عليها الزمن، تقوم على كيل الاتهامات بالكفر والالحاد والزندقة والهرطقة والجبرية والقدرية لهؤلاء وهؤلاء دون تمكنهم من الخروج من المأزق الفكري الذي وقعوا فيه لتحديد العلاقة بين الوجود في الاعيان، وصور الموجودات في الأذهان.

من هذا المنطلق فنحن بحاجة ماسة الى فقه جديد ومعاصر للخلاص من الازمة الفقهية الحالية التي ابتلينا بها وحكمنا رجال الدين ومرجعياتهم في مستقبل اجيالنا الذي ساروا به نحو التدمير, ومع الاسف ان حزب الدعوة الحالي لا يملك المنظرين ابداـبعد ان انغمست قياداته بامور السلطة والمال والجاه وتركت مبادئه وقيمه للاخرين.

فبدون صياغة نظرية جديدة في المعرفة الانسانية (جدل الانسان) لن نستطيع الخروج من المأزق الحالي الذي ابتلينا به منهم، ولكن اين لنا من المنظرين الذين طغى عليهم المال والسلطة واصبحوا معزولين.

ان المنطلق الفلسفي ينتج عنه بالضرورة الحل الفقهي الصحيح. واذا ما ظهر المخلص في النظرية والتطبيق سنتخلص من كل الكتب التراثية التي نطبعها اليوم وتستنزف منا الاموال دون فائدة تذكر، علاوة على تخريب افكار النشأ الجديد.

وللموضوع صلة ...؟

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2527 المصادف: 2013-08-06 01:26:59


Share on Myspace