 دراسات وبحوث

تفسير سورة البقرة (3): وإذا أظلم عليهم قاموا

abdullah al maliki10018الأمثال في القرآن الكريم تأخذ بعداً واسعاً يتشعب إلى طرق مختلفة تكاد تكون مصاديقها تقترب من الأفهام الساذجة دون عناء يذكر باعتبار أنها تبين ما كانت دلالته المعنوية بعيدة عن الخيال وذلك لتضمنها التشابه الذي يربط بين الأوصاف المؤثرة في القلوب عند انتقال المطلوب من المعاني الخارجية إلى الصور الحسية وصولاً إلى تطابقها مع المكاشفات الناتجة عن المقدمات الحقيقية وتقريبها إلى الناس، والقرآن الكريم لم يأت بالأمثال ابتداءً وإنما أثارها وذلك لتداولها قبل عصر التنزيل أو نستطيع القول إن تلك الأمثال لم تكن من العلوم الحديثة أو الآداب غير المألوفة لديهم وإنما كان اهتمام الناس بها كما هو الحال في الشعر والنثر أو الحكم والقصص وما إلى غير ذلك، إضافة إلى أنها تحمل في طبيعتها مجموعة من الاشتراكات الإرثية التي تظهر من خلالها هوية البيئة التي يخرج منها المثل فضلاً عن سهولة انتشارها وجزالة ألفاظها في آن واحد دون أن تجانب درجات الحكمة التي يمكن تسييرها من مكان إلى آخر، وهذا ما دل عليه معنى الضرب الذي يراد منه السير، كما في قوله تعالى: (وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله) المزمل 20. أي يسيرون في الأرض، ولهذا فقد كثر استعمال الأمثال في الكتب التي أنزلها الله تعالى وذلك لتقريب الغيبيات التي ليس بمقدور الإنسان الاطلاع عليها أو الوصول إلى فهم مراد الله تعالى منها وكذا تعذر الحواس عن إدراك كنهها. ومن هنا تظهر النكتة في قوله تعالى: (مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن) القتال 15. وقريب منه الرعد 35.

وبناءً على ما تقدم نصل إلى أن الأمثال التي ضربها الله تعالى للمنافقين لا يراد منها إلا تقريب ما تكنه صدورهم دون أن يطغى ذلك على أفعالهم ولهذا جعل الله تعالى هذه الطريقة كاشفة لنهجهم الذي يريدون من خلاله خداع النبي (ص) ومن هو على طريقته من المؤمنين فقال سبحانه: (مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون***صم بكم عمي فهم لا يرجعون) البقرة 17-18. أي أن الطريقة التي اتخذوها في إظهار الإيمان وإبطان الكفر لا يمكن لها البقاء لأنها كمثل الذي استوقد ناراً أي طلب إيقاد النار وعندما أضاءت له جميع الجوانب المحيطة به وأخذ يستدل بنورها ذهب الله تعالى بنورهم لسبب من الأسباب الخارجية قبيل الانتفاع بها أو بنورها فأصبحت لم تف بشروط الإضاءة الحقيقية وذلك لعدم مفارقتها للسبل الجائرة التي ابتعدت عن المؤثرات الفاعلة التي تمكنها من البقاء والاستقامة، لأن هذا النور ليس له حقيقةوإنما هو نور مصطنع ومؤقت وزائل بزوال مؤثره وقد لا يثبت كثيراً أمام الدلائل الكاشفة له. وعند البحث عن معاني المثل يظهر أن إذهاب النور يتضمن هتك ستر المنافق وكشف الخفايا التي كان يظن لها الاستمرار والبقاء معتمداً على إظهاره للإيمان وإبطانه للكفر وقد يستفاد هذا من إطلاق لفظ النور لكل من كان يعتقد بصحة أساليب هؤلاء، ولا تزال هذه السنة جارية إلى اليوم ومن هنا ترى الكثير من الناس قد خدعوا بأمثال أولئك ثم تبين لهم العكس ولا يمكن أن ننسب ذلك لملكاتهم وإنما للكشف الذي يقابل نهجهم الذي ساروا عليه، وقد بين الله تعالى هذا المعنى بقوله: (كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله) المائدة 64.

من هنا يمكن أن نفهم السبب في اجتماع النار والنور على الحالة التي سلبت من المنافقين حتى تراهم في بحث مستمر عن النور الذي فقدوه دون أن يحصلوا عليه في الدنيا أو الآخرة وهذا ما يظهر من توسلهم في طلبه من المؤمنين بعد هذه النشأة، وقد بين الله تعالى ذلك في قوله: (يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب) الحديد 13. والآية تجمع بين الحقيقة والتوبيخ كما في قوله تعالى: (ذق إنك أنت العزيز الكريم) الدخان 49.

ثم انتقل القرآن الكريم إلى المثل الثاني الذي بين ما وصلوا إليه بطريقة أخرى فقال: (أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين***يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيءٍ قدير) البقرة 19-20. والمراد من المثلين حالة واحدة تجعل المتلقي يختار ما يتناسب وفهمه أو مدى إدراكه لبيان أوصافهم أو أن الثاني معطوف على الأول وأو هنا بمعنى الواو، كما في قوله تعالى: (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) الصافات 147. وكذا قوله: (فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً) الإنسان 24. وقوله: (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين) النساء 135. وعند اعتماد هذا النهج يكون المثل الثاني قد عطف على الأول ومن هنا يظهر أن حالتهم أو صفتهم كصفة أصحاب صيب، والصيب هو المطر الذي يكون مصاحباً بالظلمات والرعد والبرق ولهذا يجعلون أصابعهم في آذانهم ظناً منهم أن هذه الطريقة قد تبعد عنهم الخطر والموت، ويمكن معرفة ذلك من قوله تعالى: (حذر الموت) وأنت خبير من أن هذا النهج يكون أقرب إلى الأوهام التي اعتادوا عليها وأرادوا من خلالها خداع النبي (ص) ومن اتبعه من المؤمنين كما أسلفنا، ولذا قال تعالى: (والله محيط بالكافرين) أي أنه قادر على أن يرسل عليهم الموت وبمختلف الطرق والأسباب، ثم قال: (يكاد البرق يخطف أبصارهم) لشدة لمعانه التي تؤثر في عين الناظر، وقوله: (كلما أضاء لهم مشوا فيه) فيه إشارة إلى حصولهم المؤقت على بعض ما كانوا يتمنونه، ولهذا عقب تعالى بقوله: (وإذا أظلم عليهم قاموا) وذلك عند تقطع الأسباب بهم دون الوصول إلى مبتغاهم، وهذا تمثيل لما كانوا عليه من الحيرة والتردد وكذا القلق المحيط بهم في تلك الأجواء المصاحبة لهم حتى أصبحوا بين أمرين إما الاستمرار في نهجهم وإما الوقوف في الظلام الذي يقيد حركتهم، ثم قال تعالى: (ولو شاء الله لذهب بسمعهم) فلا يدركون الحوادث التي تحيط بهم من جهة السمع، وقوله: (وأبصارهم) أي لا يمكن لهم أن يبصروا الطريق المؤدي إلى أغراضهم، ثم ختم الله تعالى ما بينه من أمرهم بقوله: (إن الله على كل شيء قدير) أي أن الله تعالى قادر على كشف الطرق الجائرة التي اتبعوها أو إنزال العقوبة السريعة التي تناسب ما هم فيه.

فإن قيل: ما وجه المقابلة بين قوله: (مشوا) وقوله: (قاموا) باعتبار أن القيام يكون مسبوقاً بالجلوس دون المشي؟ أقول: ورد لفظ القيام في المثل الثاني بدلاً من الوقوف وذلك لتضمنه معنى الثبات زائداً الحيرة وهذا المعنى لا يتحقق في الوقوف لعدم تحقق المفاجأة فيه. فإن قيل: كيف يجعلون أصابعهم في آذانهم وهل أن الأصابع على طولها يمكن لها الدخول في الآذان؟ أقول: أطلق الحق سبحانه في هذه الآية الكل وأراد به الجزء.. أي يجعلون أطراف أصابعهم وهذا كثير في القرآن الكريم وقد أشرنا إليه في مناسبات سابقة، ويكون هذا النهج أكثر بياناً في قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا) المائدة

38. ولا يراد من الحكم قطع اليد بكاملها، وقد يطلق القرآن الكريم الجزء ويريد به الكل، كما في قوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً) الإسراء 78. وقرآن الفجر يراد منه صلاة الفجر فأطلق الجزء وأراد الكل.

.................

فلا تجعلوا لله أنداداً

البحث عن حقيقة العبادة لا يمكن أن يجانب الصواب إذا ما وجه بعناية مثلى لا تخرج عن نطاق المفاهيم العامة التي غرست في كيان الإنسان منذ أن وجد على الأرض، إلا أن التركيبة السالبة التي تقابل تلك المفاهيم هي التي تباعد بين الناس وبين الفطرة السليمة التي جبلت عليها النفس البشرية وبناءً على هذا التوجه ظهرت المحدثات التي اتخذت عناويناً لا تتقارب مع النهج الذي فطر عليه الإنسان، ولهذا أصبح الإله المعبود بغير حق يتجسد في عدة مصاديق يأخذ بعضها طابع الأصالة وبعضها يلتزم جانب التقرب للإله الحق، وقد اشار القرآن الكريم إلى هذا التقسيم بقوله تعالى: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون) البقرة 170. وكذا قوله: (ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار) الزمر 3. وهذه الأعذار التي بني عليها اعتقادهم الباطل لا تخرج عن كونها من الوسائل الفاسدة التي ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يقف شركهم عند هذا الحد بل تفرع إلى وسائط أخرى من بينها الملائكة والأنبياء أو غيرهم من الصالحين سواء كان ذلك بعلم من المعبود الذي جُعل وسيلة للتقرب أو بغير علم منه. وعند تأمل هذا الإتجاه في القرآن الكريم يظهر أن هناك مجموعة من الآيات تشير إليه، كما في قوله تعالى: (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب) المائدة 116.

وبناءً على هذا الاختلاف في فهم المعبود فقد افترق الناس إلى ثلاث طوائف اشارت إليهم سورة البقرة في مطلعها، ولكل واحدة من هذه الطوائف ما يميزها عن الأخرى حسب اللوازم الإيمانية المتأصلة في جذورها، ويتضح هذا المعنى من خلال العوامل الثابتة في التقوى التي تقابل الكفر من وجه والنفاق من وجه آخر، وقد علمت من خلال الختم الحقيقي على القلوب من أن الكفار لم ينتفعوا بالإنذار لذا اختصر الحق بيان أمرهم في آيتين فقط وأطنب في تعريف المنافقين وذلك نظراً للتأثير السلبي الذي أحدثه هؤلاء من خلال إظهار الإيمان وإبطان الكفر، ومن هنا فقد أدخل الحق سبحانه جميع هذه الطوائف تحت خطاب واحد وهو خطاب الناس دون أن يفرق بين ميولهم أو اتجاهاتهم وكذا ألوانهم أو انتماءاتهم وصولاً إلى النهج الذي يتصف به كل منهم في طريقته العبادية، ولهذا فقد التزم الصنف الثاني اتخاذ الأنداد مقابل الحق سبحانه، وعند تأمل خطابه تعالى يظهر أن هذا هو دأب القرآن الكريم دون البحث عن التطبيقات الثانوية التي يعتمدها الناس في مسمياتهم. فإن قيل: بناءً على ما قدمت لا يمكن أن نركن إلى تقسيم الناس إلى شعوب وقبائل كما في صريح القرآن الكريم؟ أقول: العلة من التقسيم التي بينها الله تعالى لا تتعدى إلى أكثر من التعارف بين الشعوب والقبائل وإن شئت فقل بين الدول كما في الوقت الحاضر، وأنت خبير من أن هذا التقسيم يقع تحته الكثير من العناوين وأنواع التعايش والتكافل وصولاً إلى التسخير الذي لا يخرج عن الهدف الأسمى لهذا التقسيم الذي بين الله تعالى علته الموجبة دون التخلف عن مقومات العبادة الخالصة، كما في قوله: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) الحجرات 13.

وعند البحث عن مصاديق هذا التقسيم تظهر هناك إشارات واضحة ترتبط جميعها في الغاية نفسها وإن اختلفت المسميات، كما في قوله تعالى: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين***إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) هود 118-119. وكذا قوله: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) الذاريات 56. وعند تأمل هذه الآيات مجتمعة يتحصل أن المصاديق المشتركة بينها تبنى على المفهوم العام للخلق دون الابتعاد عن التوجه الذي لا ينفك عن التقوى التي يمتاز من خلالها الأكرم من الناس فتأمل. وهذا النسق لا يبتعد كثيراً عن آيات البحث التي جعل الله تعالى في سياقها أرقى درجات العبادة التي يصل الإنسان عن طريقها إلى التقوى، فقال جل شأنه: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون) البقرة 21. وكما هو ظاهر فإن هذا الخطاب لم يوجه إلى طائفة دون أخرى من الطوائف التي أشارت إليهم السورة في مطلعها كما قدمنا وذلك لأن التكليف لا يقتصر على المؤمنين بل هو ملزم للجميع وإن اختلفت النوعية الفاعلة في الكيفية التي تقيد جميع من وصل إليهم الخطاب، وهذا بحث فقهي ليس محله التفسير وقد أفاض فيه العلماء كل حسب وجهته التي يعتقد بها وكتب الفقه لا تخلو منه. ولا يخفى على المتأمل من أن الخطاب قد قرع آذان الجميع وذكرهم بعبادة إله واحد لا شريك له، ولا يعتمد هذا الجانب إلا بنبذ الأنداد وكل ما يعبد من دون الله تعالى باعتبار أن هذا الأمر كان ملازماً لكثير من الناس، وهذه هي علة الجملة الاعتراضية التي بينها سبحانه بقوله: (والذين من قبلكم) البقرة 21. وبناءً على هذا السياق يظهر أن التقوى تتعلق بالعبادة دون الخلق فتأمل ذلك. ويمكن تقريب هذا المعنى من خلال المتفرقات الأخرى، كما في قوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون) المؤمنون 23. وقريب منه الأعراف 65. وكذا قوله: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) البقرة 183.

وبعد أن خاطب سبحانه الناس جميعاً بخطاب الفطرة وذكرهم بخلقهم وخلق الذين من قبلهم انتقل إلى بيان أحوالهم المعاشية مشفعاً ذلك بالإنذار، فقال عز من قائل: (الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناءً وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون) البقرة 22. ومفهوم الآية الثانية يتناسب مع منطوق الآية الأولى من حيث دلالته على أن من جعل هذه النعم العظيمة للناس هو الذي يستحق العبادة دون غيره من الأنداد فتأمل. وفي بيان تلك النعم يتضح أن المراد من وصف الأرض بالفراش فيه نوع من الاستعارة اللطيفة التي قابلها سبحانه بتشبيه السماء بالبناء الذي يكون أقرب إلى هيئة القبة المحيطة بالأرض، وقد أجرى الحق هذا الترتيب على ما هو مشاهد بواسطة الإدراكات المجردة دون النظر إلى المفاهيم العلمية أو ما يجري في الأفلاك التي اختلف العلماء في حيثيات مصاديقها، وهذا القدر المشار إليه بهذه الكيفية لا يخرج عن الدلالات الساذجة باعتبار أن ما يثير اهتمام الإنسان هو هذا الجزء المنظور بالنسبة إليه، وفي القرآن الكريم إشارات كثيرة تبنى على هذا الوجه وترتبط جميعها في بيان النوعية المعرفية التي لن تكون بمنأىً عن الآثار الأخرى وهذا النهج قد يظهر في كثير من الآيات، كما في قوله تعالى: (هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب) يونس 5. وكذا قوله: (وعلامات وبالنجم هم يهتدون) النحل 16. وقوله: (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) البقرة 189.

وفي حالة تأمل ما تقدم من الآيات نفهم ان المراد من مصاديقها لا يخرج عن مدى توافق أبعادها المشاهدة التي يحتاجها الإنسان في حياته على هذه الأرض دون الاعتماد على الاسس المعرفية التي لها شأن آخر يعلمه الخاصة من الناس، ومن هنا تظهر النكتة في مجموعة من الآيات، كقوله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدىً للناس وبينات من الهدى والفرقان) البقرة 185. والنكتة ظاهرة في تكرار الهدى فتأمل بلطف. وكذلك قوله: (وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً وهم عن آياتها معرضون) الأنبياء 32. وقوله: (وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون) يوسف 105. من هنا نعلم أن المراد من السماء في موضوع البحث هو ما يعلو الإنسان ولهذا جاء التأكيد على إنزال الماء منه، وقد بين القرآن الكريم هذا المعنى في قوله تعالى: (ألم تر أن الله يزجي سحاباً ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاماً فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار) النور 43. من هنا يظهر أن المقومات العملية بين السماء والأرض هي التي جعلت إخراج الثمرات على هذا الوجه الذي يصل إلى الإنسان والمخلوقات الأخرى من خلال القابل المشترك بينهما علماً أن هناك الكثير من أجزاء الأرض لا تتأثر بالماء النازل من السماء، ومن هنا يمكن أن نصل إلى النتيجة التي يظهر فيها الفرق بين المشيئة وبين الأسباب الطبيعية فتأمل.

................

فأتوا بسورة من مثله

الإعجاز الذي يكون مصاحباً للتحدي من خلال الدلائل والبراهين الحسية لا يمكن أن يصدّق من قبل الآخرين الذين لم يشهدوا الحالات الواقعية، ومن هنا كان لزاماً أن تؤخذ الحجج وتقاس خارج إطار المسلمات المتواترة لكي لا يحتاج الطرف الذي يقع عليه التحدي إلى مشاهد أخرى توحي إلى تكرار العملية الإعجازية دون التحقق من صدق مقاييسها المادية، وبهذا تكون الأحداث الواقعية للمعجزة تجري ضمن المديات الزمانية التي يصعب إلزام جميع الأجيال اللاحقة بتصديقها ما لم يكن هناك اطمئناناً وتسليماً بصدق المدعى وأنت خبير من أن طول المدة لا يتقارب مع جميع المصاديق التي تبنى عليها تلك المعجزات، ومثالاً على ذلك النار التي قال لها الله تعالى كوني برداً وسلاماً على إبراهيم وكذا المعجزات التي جاء بها موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء دون النظر إلى تسلسل الأحداث أو اختلاف الأزمنة التي وقعت فيها تلك المعجزات. ومن هنا فإن أفضل الطرق لإثبات هذه المجريات التأريخية هو تدوينها في كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لأجل أن يكون حافظاً لما خفي على كثير من الناس من جهة ومقيماً الحجة على من لم يشاهد تلك الوقائع من جهة أخرى، وبهذا يكون التصديق بما جاء به الأنبياء داخلاً ضمن العملية الاعتقادية دون أن يبتعد عن التشريعات العبادية التي فرضت على أقوامهم.

وبناءً على ما تقدم يمكن القول: إن النقاش الذي يأخذ طابع الجدال العقيم لا يبرر بالمنزلة السيادية التي تلزم الأطراف المتنازعة على مجاراتها، وذلك لأجل أن يتم اعتماد القياسات العقلية وجعلها خاضعة لتبيان المعارف القرآنية التي تمهد الطريق أمام من يأخذ بالمقدمات حتى يصل إلى النتائج الصحيحة دون تجنب الأمور الجدلية التي لا تخرج عن النصب التي وضعت لها، أما في حالة اعتماد الجانب المخالف لهذا النهج فههنا يكون الإرث المألوف لدى الطرف المقابل غير خارج عن حجية المسلمات التي تدخل بموجبها جميع الأطراف إلى التشريعات المقررة لكل طرف منهم وذلك بسبب النظرة السائدة التي يتمسك بها جمع من الذين يجادلون بغير علم والتي يريدون من خلالها ابعاد القرآن الكريم وما فيه من حجج وبراهين ظاهرة عن ساحة النقاش وبالتالي يجعلون أصحاب الحق يبحثون عن طرق أخرى لإظهار المتطلبات التي يرغبون بها دون القرآن الكريم من أجل أن تصبح حجتهم مدخولة ولا تفي بالغرض الذي يمكن أن يجانب الأخطاء المطروحة على ساحة النقاش، وكما ترى فإن هذه الدعوة باطلة وذلك لأن القرآن الكريم لا يعالج القضايا المتجذرة في عصر دون آخر فضلاً عن تبيانه لكل شيء، أما تمسك الأطراف الجائرة بعدم اتباع النهج السليم في النقاش فهذا مما لا يعتد به وإن كان هناك نوعاً من التسامح من قبل كثير من أصحاب الحق مقابل هذا الأمر، ولأجل الخروج عن هذا النهج يجب عدم إتخاذ الحجج المتفرقة التي يريد الخصم اتباعها.

فإن قيل: بناءً على ما تقدم يمكن أن يكون الدليل متلازماً مع متطلبات الطرف الآخر الذي تمسك بالإرث باعتبار أن ملة الكفر واحدة وعلى هذا يكون القرآن الكريم خارج تلك المتطلبات؟ أقول: إذا أردنا تبيان الدليل نحتاج إلى مجموعة من المصاديق قبل الدخول إلى الإعجاز السائد الذي يلزم الخصم، وأهم هذه المصاديق يتجسد في المغيبات التي أخبر عنها القرآن الكريم قبل وقوعها، كما في قوله تعالى: (غلبت الروم***في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون***في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد

ويومئذ يفرح المؤمنون***بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم) الروم 2-5. وكذا قوله: (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً) الفتح 27. وقوله: (سيهزم الجمع ويولون الدبر) القمر 45. وأقرب من هذا بياناً قوله تعالى: (سنسمه على الخرطوم) القلم 16. وما إلى غير ذلك من الشواهد التأريخية التي ذكرها القرآن الكريم وكذا الشواهد التي ظهرت بعد عصر التنزيل فضلاً عن كشف الأسرار التي تخالج النفس البشرية دون ان يطلع أحد عليها، كما في قوله تعالى: (ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله) المجادلة 8.

من هنا يتحصل ان كشف هذه المغيبات لم يكن جزافاً، وإن شئت فقل ماذا سيحدث عند تخلف أحد هذه المغيبات عن الظهور. وهنالك أدلة ومصاديق أخرى أثارها القرآن الكريم مقابل شخص النبي (ص) ولا يخفى على المتأمل لتأريخ العرب المتأصل في الحمية التي تفترق إلى عدة ابعاد إذا ما أخذنا الجانب الإيجابي في حياة النبي (ص) وكيف كان يلقب بالصادق الأمين وسرعان ما بدلت تلك الألقاب إلى ألقاب أخرى، ومع كل هذا إلا أنه أظهر الآيات التي يصعب عليه سماعهم لها وهذا من أعظم الأدلة على صدق الدعوة التي جاء بها، ومن بين هذه الآيات قوله تعالى: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل***لأخذنا منه باليمين***ثم لقطعنا منه الوتين) الحاقة 44-46. وكذا قوله: (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين) يونس 94. وقوله: (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً***إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً) الإسراء 74-75. وهنالك آيات أخرى لم نذكرها لئلا يطمع الذي في قلبه مرض باتباع المتشابه. وبناءً على هذا الطرح لم يبق للخصم إلا التسليم أما بخلاف ذلك فهو ملزم أن يأتي بسورة من مثل سور القرآن الكريم أو من مثل رجل أمي لا يمكن أن يحيط بجميع هذه الأسرار والمعارف التي ألقيت في روعه.

من هنا يمكن القول إن سورة البقرة عندما تحدثت في مطلعها عن أصناف الناس ودعتهم إلى عبادة إله واحد لا شريك له فمن الطبيعي ان السياق اللاحق لا يشير إلى المتقين باعتبار أن هذا تحصيل للحاصل، وإنما المراد ههنا هو الصنف الثاني بناءً على الريب الظاهر منهم في تصديق من أنزل عليه القرآن الكريم، أما الصنف الثالث الذي أطنبت السورة في بيان صفاتهم فهم وإن كانوا خارج هذه الحسابات إلا أن دخولهم يكون ملازماً للتبعية الفعلية التي أشار إليها الخطاب، ولهذا جعل الحق سبحانه موضوع التحدي آخذاً بالعموم، فقال: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين) البقرة 23. أي إن كنتم في شك من أن هذا القرآن لا يمكن أن يصدر عن هذا النبي (ص) باعتبار بشريته أو منزلته بينكم وكذا أميته (فأتوا بسورة من مثله) البقرة 23. ثم أمرهم أن يدعوا أسيادهم الذين كانوا عوناً لهم على إنكار الرسالة، وقوله: (من دون الله) البقرة 23. فيه استثناء ملازم لإزالة الاحتمال وهذا كثير في حالات كهذه، منها قوله تعالى: (وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله) يونس 37. وكذا قوله: (أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين) يونس 38. وقريب منه هود 13.

وقوله: (إن كنتم صادقين) البقرة 23. أي إن كنتم صادقين في دعواكم فإن الطريق أيسر إلى الإتيان بسورة من مثله لأنكم أهل بلاغة وفصاحة والأمر معد وممهد أمامكم فهلا قبلتم التحدي، وسورة البقرة هي آخر السور التي دعاهم الحق سبحانه فيها إلى التحدي، وقد سبق أن دعاهم في السور المكية، كما في قوله تعالى: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً) الإسراء 88. ثم قلل عدد السور إلى عشر، كما في قوله تعالى: (أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين) هود 13. ثم قلل سبحانه العدد إلى سورة واحدة، كما مر عليك في آية سورة يونس وكذا في موضوع البحث، وهنالك جانب آخر وهو التحدي بحديث واحد، كما في قوله تعالى: (فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين) الطور 34.

قوله تعالى: (فإن لم تفعلوا) البقرة 24. فيه بيان على عجزهم من أن يأتوا بمثل سورة واحدة وإن كانت أقرب إلى أقصر السور، ثم أكد البيان بقوله: (ولن تفعلوا) البقرة 24. وفي هذا الجزء من الآية دليل على عجزهم من أن يأتوا بمثل سورة واحدة على مر الدهر لأن الأمر أكبر من ذلك، وهذا السياق يبين لهم أن الكلام الذي هذا شأنه لا يمكن أن يصدر من رجل أمي وهو النبي محمد (ص) ثم بين لهم ما يجنبهم ذلك في قوله: (فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين) البقرة 24. وقد بان من هذا العناد أن أعذارهم ومبرراتهم لن ترقى إلى مجاراة القرآن الكريم على الرغم من ترك الأبواب مفتحة أمامهم لأجل أن يختاروا أقرب الطرق التي توصلهم إلى النقاش السليم إلا أنهم عجزوا عن مجاراة هذا التحدي الذي لا يزال قائماً إلى اليوم فتأمل. فإن قيل: ما فائدة اقتران الناس بالحجارة في النار؟ أقول: في الآية نوع من استثارة نفوسهم وأفكارهم وذلك عند علمهم من أن مصيرهم سيكون مع الحجارة التي يترفعون عنها وعلى هذا فإن السياق لا يشير إلى جانب التهكم وإنما إلى الحقيقة.. فتأمل.

 

* من كتابنا: القادم على غير مثال

 

عبدالله بدر اسكندر

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2542 المصادف: 2013-08-21 00:27:25