 دراسات وبحوث

الطلاق والخلع .. احكام فقهية جائرة

ahmad alkinaniذكر الفقهاء في مدوناتهم الفقهية جملة من احكام الاحوال الشخصية كالزواج والطلاق والخلع في باب العقود والايقاعات، لاعتبارات فقهية صرفة تتعلق بالطريقة الاجرائية لكل من الزواج و الطلاق، ومن الواضح ان طريقة اجراء الزواج تختلف عن الطلاق في اشراك كلا الزوجين في امضاء الزواج، بينما في الطلاق فيتحقق بأمضاء الزوج فقط .

وبناء على هذا التصنيف ادخل الزواج في جملة العقود، واما الطلاق فصار في عداد الايقاعات، على اعتبار ان الزواج عقد مبرم بين طرفين، و يحتاج انشاءه الى الايجاب و القبول، اما الطلاق فهو ايقاع من طرف الزوج و لا يحتاج الى القبول من طرف الزوجة، بل يحصل بمجرد الانشاء من طرف الزوج فقط .

ولا يخفى ان هذه الطريقة من التصنيف اثرت في سير الابحاث الفقهية، وجعلت الفقهاء يكثرون من التفريعات في الزواج على اعتباره عقد كبقية العقود كالبيع و الاجارة، و كذلك الطلاق كأيقاع ضمن بقية الايقاعات كالخلع و الاقرار و النذر و ما الى ذلك، و بنوا احكامهم على ضوء القوالب الفقهية التي تحكم العقود، وكانت النتيجة قراءات خاطئة للنصوص القرانية على ما سيأتي بيانه .

فهذه اثارة لقضية الطلاق وفق منهج الفقهاء و طريقة استدلالهم، يظهر من خلالها مدى الضرر الذي لحق بالمرأة جراء اجتهادات لا تمت الى الواقع المعاش بصلة .

و قبل ذلك لابد من التوضيح  في مجال التفرقة بين العقود و الايقاعات، ذكره الفقهاء المعاصرون : وهو ان الاتفاق اذا كان متقوم و حاصل من الطرفين صار عقدا، اما لو كان حصوله من طرف واحد و لا مدخلية للطرف الاخر به صار ايقاعا،

يقول السيد الحكيم في كتابه المستمسك :

" و لا يخفى ان الفرق بين الايقاع والعقد : ان الاول يكفي في  حصوله اعمال سلطنة سلطان واحد و الثاني يتوقف حصوله على اعمال سلطنة سلطانين، و لا يكفي في حصوله اعمال سلطنة واحدة، فاذا قال الانسان لزوجته طلقتك ثم قال تزوجتك فالطلاق ايقاع، لانه يكفي في حصوله اعمال سلطنة الزوج . و التزويج عقد لانه يتوقف حصوله على اعمال سلطنة الزوج و الزوجة معا، فالطلاق وان كان تصرفا في الزوجة كالتزويج الا ان الاول لما جعله الشارع الاقدس تحت سلطان الزوج فقط كان ايقاعا، و التزويج لما جعله الشارع تحت سلطان الزوجين معا كان عقدا "(1)

لكن الاشكالية تأتي من قياس الزواج على بقية العقود من حيث المكونات، وهي طرفي العقد و موضوع المعاوضة .

و بنوا تفريعاتهم على اساس من المعاوضة و المبادلة بين طرفي العقد و هما الزوج و الزوجة، و ما وقعت عليه المعاوضة في عقد الزواج هو بضع المرأة اي فرجها في مقابل المال و الصداق الذي يبذله الزوج .

ومن تلك الفروع عن هذا الاصل وهو " المعاوضة على البضع " :

* مسألة حرمة امتناع الزوجة من تمكين زوجها منها متى ما شأء، لانه تصرف في ملكه و من حقه ان يتصرف فيه كيفما شاء.

* قضية الخلع، بأن ترجع اليه ماله و صداقه في مقابل فك ملكيته عن فرجها  .

وهناك سيل من التفريعات مبثوثة في كتب الفقه قد تسيء الى طرفي العلاقة من الرجل و المراة كلها مبتنية على مبدأ المعاوضة على البضع، و قد يصبح من المعيب جدا وجود تلك الاحكام و بهذه الصياغات كقوانين تنظم الحالة الشخصية للانسان المسلم في عالم تتطلع فيه الانسانية الى احكام عادلة تحفظ لهم كرامتهم .

وقد اشرت الى هذه المفارقة في مقال سابق تحت عنوان " اشكالية العلاقة الزوجية في شريعة الفقهاء" . و هنا سأكمل ما ابتدأته في ذلك المقال في بيان مفارقة اخرى ترتبط  بالطلاق، تشابه الى حد كبير ما اثبتوه في الزواج من المعاوضة على البضع، لكنها في الطلاق جاءت في كناية جديدة و هي " الطلاق لمن اخذ بالساق ".

فمن اخذ بساقي المرأة يحق له وحده ان يطلقها، وهو  حق ثابت للرجل دون المرأة، و لا يحق له التنازل عن حقه مطلقا لان المشرع اثبته له . ولا مدخلية للمرأة في الطلاق بأي حال من الاحوال .

لكن طرف المعاوضة الثاني وهي الزوجة فما هو الحق الثابت لها في حالة انهاء العلقة الزوجية بينهما ؟

والجواب على ذلك احد امرين لا ثالث لهما .

لان انهاء العلاقة الزوجية يتم اما بالطلاق او الخلع .

اما الطلاق فهو بيد من اخذ بالساق، و ما عليها الا الخضوع للآخذ بساقيها ان شاء طلق وان لم يشأ لم يطلق .

يبقى الخلع فهو حقها في انهاء العلاقة الزوجية في حال فشلها، بأن تعطيه مقدار من المال في مقابل حريتها .

هكذا قال الفقهاء : ان الطلاق حق الزوج و الخلع حق الزوجة ، و بهذا تتحقق العدالة بين طرفي العقد .

و يروون قصة جميلة بنت عبد الله بن ابي سلول زوجة ثابت بن قيس بن شماس المروية عن ابن عباس، و هذا نصها :

" جاءت امرأة ثابت  بن قيس الى رسول الله (ص) فقالت يا رسول الله اني لا اعيب على ثابت في خلق و لا دين، و لكني اكره الكفر في الاسلام .

فقال رسول الله (ص): فتردين عليه حديقته ؟

قالت: نعم .

فقال (ص): اقبل الحديقة و طلقها تطليقة .

فردت عليه وامره ففارقها "(2).

ومعنى قول جميلة " اكره الكفر في الاسلام " : اهدار الحقوق الزوجية، و ليس الكفر في مقابل الايمان، لانها تقر بخلقه و دينه .

في بعض النصوص :" اتردين عليه حديقته التي اعطاك ؟ قالت نعم، و زيادة . فقال (ص) : خذ ما اعطيتها  و لا تزد "

والرواية جاءت بطرق مختلفة، و اختلاف في طريقة رواية القصة ايضا (3)

لكن الشئ المعتمد هو هذه الرواية عن ابن عباس و بهذه الالفاظ . رغم ما اثير و يثار عليها من الاشكاليات، لانها تخالف في بعض مضامينها القوالب الفقهية المقررة عندهم .

لكنهم اعتبروها اول عملية خلع و قعت في التاريخ الاسلامي يثبت بها النبي الحق للزوجة في فك العلقة الزوجية فيما لو كرهت الزوجة معاشرة زوجها حتى لو كان متدينا و خلوقا كما هو واضح في كلام جميلة بنت عبد الله .

واعيد هنا ما قرره الفقهاء " الطلاق حق الزوج و الخلع حق الزوجة "

لكني اتسأئل : ان اقرار الفقهاء هذا اذا ثبت من دون قيد او شرط لكلا طرفي العقد فحينئذ تتحقق العدالة، اما اذا ثبت للزوجة بشروط و يثبت للزوج من دون تلك الشروط  فلا عدالة في البين و انما هو الظلم بعينه .

فلو سألنا الفقية " اعلى الله مقامه "  افتونا مأجورين  :

1- هل يشترط اخذ اذن الزوجة في الطلاق ؟

2- هل يشترط اخذ اذن الزوج في الخلع ؟

والجواب :لا يشترط اذن الزوجة في الطلاق .  نعم يشترط اذن الزوج في الخلع، وهو المشهور بين الفقهاء .

وهذا معناه : ان الحق المدعى للزوجة منتف اساسا، لانه منوط بأذن الزوج ورضاه، فأن شاء امضاه وان لم يشأ لم يمضه .

اذن اين العدالة الاجتماعية التي تملا خطاباتهم التبجيلية عن فتاواهم الناطقة باسم الاله، وهل هذه الاحكام الظالمة يصح نسبتها الى الله ام هي نتاج لقراءات خاطئة للنصوص الدينية.

و يؤيد هذه الظلامة استفتاء موجه الى مؤسسة الامام الخوئي، و هذا  نصه :

" انا متزوجة منذ 14 سنة و زوجي كان يضربني و يظلمني كثيرا و لي منه طفلين قد نال الاكبر منهما حصته من الضرب و الظلم، سؤالي : هل لي الحق بخلعه بواسطة الوكالة حيث اني في بلد و هو في بلد اخر و هو يرفض تطليقي لان بقائي على ذمته لا يمنعه من الزواج في حين انه بعيد عني منذ 3 سنوات علما انه يريد الالتحاق بي و انا ارفض استقباله لاني اكرهه جدا و لا اطيق سماع صوته و اكره معاشرته و امرض عندما اتذكر اني لا ازال على ذمته ؟

الجواب : الطلاق بيد من اخذ بالساق و هو الزوج، و الخلع قسم من اقسام الطلاق لا يتم الا بأذن الزوج و رضاه .(4)

هكذا حلت المؤسسة المؤقرة مشكلة هذه المرأة و بالنشيد الوطني " الطلاق بيد من اخذ بالساق "

ثم ان شماعة الساق هذه التي يعلقون عليها كل حقوق الزوج و ينفونها عن الزوجة، جاءت ضمن قصة رجل مملوك زوجه سيده من امته، ثم اراد ان يفرق بينهما، فشكى حالته الى النبي (ص)، فصعد المنبر و نادى بالناس " ما بال احدكم يزوج عبده امته ثم يريد ان يفرق بينهما، انما الطلاق لمن اخذ بالساق " (5)

وهذا الحديث ينفي ولاية السيد على عبده في طلاق امرأته التي هي بدورها مملوكة للسيد ذاته، و مع ذلك يكون الطلاق من حق الزوج وحده وهوالمملوك،ولا حق السيد في الطلاق .

والحديث غير ناظر الى الزوجة اصلا حتى يفهم منه نفي حقها في الطلاق، و انما الكلام في المملوك و سيده و ايهما يحق له الطلاق، و حديث النبي (ص) جاء ليؤكد احقية الزوج المملوك في الطلاق، و لا مدخلية للسيد في الموضوع .

ومن دون ملاحظة الادلة الاخرى التي تحصر احقية الرجل في الطلاق، و الكلام في رواية الساق هذه حصرا،فحديث الساق لا توجد فيه و لو على نحو الاشارة ما يدل على نفي حق المرأة في الطلاق ولو في بعض الموارد النادرة .

اما اقتطاع فقرة من الحديث وهي " الطلاق لمن اخذ بالساق "، و التي جاءت في مورد معين ينتمي الى حقبة عبودية البشر و قد تجاوزه العقل البشري الى حيث لا رجعة، ثم تعميمه على كل الحالات و اينما وجدت و في كل زمان و مكان، ما هو الا ترسيخ لمفهوم بدوي يقوم على سلطة الرجل المطلقة .

ثم ما الداعي للتمسك بهذه الاطلاقات مع وجود نص قراني غاية في الوضوح يثبت الحق لكل الزوجين في حال فشل العلاقة و هي الاية 21  من سورة الروم {و لا يحل لكم ان تأخذوا مما آتيتموهن شيئا الا ان يخافا الا يقيما حدود الله فأن خفتم الا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به}

ومع ذلك تجد من الفقهاء من ينفي حكم الخلع من اساسه، طبقا للقوالب الفقهية والتي على اساسها تفسر الاية .

وعليه لابد من صياغات جديدة للاحكام ضمن الاطر العامة للنصوص من خلال الفهم الواعي للنصوص الدينية وفقا لمقتضيات العصر و حاجاته، ومن دون الجمود على القوالب الفقهية المستوحاة من الاحاديث، لانها جاءت لتعالج اوضاعا فرضتها الظروف الزمانية لبيئة الجزيرة العربية، و من غير المعقول ان تكون ذات القوالب صالحة و نافذة المفعول لكل العصور و الازمان ...

 

...............

المصادر

(1) محسن الحكيم، مستمسك العروة الوثقى ج13ص380 .

(2) البخاري،الطلاق باب الخلع و كيف الطلاق فيه،ح 5276

(3) راجع ابحاث هيئة كبار العلماء، اصدار سنة 2004، ج 1 ص 615

(4) الموقع الرسمي لمؤسسة الامام الخوئي .

(5) ابن ماجة، كتاب الطلاق،باب طلاق العبد، ح2072 .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2550 المصادف: 2013-08-29 12:36:12


Share on Myspace