 دراسات وبحوث

واستوت على الجودي

abdullah al maliki10018لا يراعى الترتيب الزمني في مسيرة الأنبياء بقدر ما تراعى النتائج المستمدة من القانون الإلهي الذي بني عليه النظام التكويني أو ما لحق به من النظم التشريعية المتفرعة على اللوازم الإيمانية التي يمكن الوصول من خلالها إلى معرفة الأحداث التأريخية التي كانت سبباً في معرفة ما جرى للأنبياء مع أقوامهم وكذا الحال في فهم النوعية التي يتم بواسطتها تكليم أولئك الأنبياء، وقد بين الحق سبحانه هذه التفاصيل وذكر جميع المصاعب التي مرت عليهم دون أن يغفل حياتهم الشخصية أو طرق الوحي التي تلقاها كل واحد منهم، كما ورد بيان ذلك في قوله تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات) البقرة 253. وكذا قوله: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم) الشورى 51. وعند تأمل هذه الأحداث نرى أن مصاديقها لا تخرج عن الشواهد المتفرقة في رحلة الأنبياء التي أشار إليها تعالى بقوله: (ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون) غافر 78. 

وهذا البيان يجعلنا نقف أمام التفاصيل العصيبة التي مر بها الأنبياء وأنت خبير من أن لتلك التفاصيل مجموعة من الأهداف التي يمكن أن تأخذ بها البشرية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وبهذا تصلح الدعوة التي يراد منها حفظ تلك الملاحم في ذاكرة التأريخ دون الابتعاد عن مصاديقها التي بينها القرآن الكريم أو ما ذكر منها في الكتب السماوية قبل التحريف، أما بعد التحريف فقد دخلت الكثير من الأساطير التي اعتمدها المفسرون دون تكذيب ما ورد فيها من أخبار متناقضة لا يمكن أن تجعل الأنبياء في المنزلة التي بينها القرآن الكريم، ولو تأمل هؤلاء حقيقة الأمر لوجدوا أن المساحة التي استغلت أحداثها لا تتناسب مع واقع القصص التي تتضح آثارها لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وهكذا أصبح العامل المشترك بين الكتب المحرفة وبين أتباع الباطل لا يتعدى إلى أكثر من الحجج المأخوذة من المفسرين الذين كان لهم الدور الأكبر في طمس الحقائق التأريخية، ومن هنا نجد أن قصة يوسف "عليه السلام" كانت المدخل الذي تمسك به أعداء الإنسانية الذين اعتمدوا على ما ورد في كتب التفسير المتناقضة التي تجانب الواقع فضلاً عن الأحداث الأخرى التي اشترك فيها جمع من أصحاب الشرائع الذين أخذوا بتوجيه تهمة البغاء إلى مريم "عليها السلام" وما جرى من قصتها، وقد بين الله تعالى هذا الأمر في قوله: (فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً***يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوءٍ وما كانت أمك بغياً) مريم 27- 28. هذا بالإضافة إلى الافتراءات الموجهة إلى داود وسليمان وغيرهما من الأنبياء، وكذا الحال في نسبة الأخطاء إلى جم غفير من أنبياء بني إسرائيل.

وبناءً على ما تقدم يمكن القول إن ما نسب إلى قصة الطوفان وأحداثها العجيبة لا يختلف مقداراً عن الاتهامات التي وجهت إلى الأنبياء أو إلى مريم، ولهذا رتبت أحداث تلك الواقعة على نسق بليغ لا يمكن أن يحرف أو يبدل، وذلك لأن الكتاب الذي حفظ ذلك الأمر لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولهذا كان التفصيل آخذاً بالمراحل بعضها إثر بعض دون التفريط بصفات النبي نوح البشرية، ولهذا أخذت الأحداث جانباً مهماً من الرعاية الإلهية، كما بين تعالى ذلك بقوله: (فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كلٍ زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون) المؤمنون 27. ثم أشار تعالى إلى المرحلة التي شرع فيها النبي نوح بصناعة الفلك وما لحق ذلك من سخرية قومه، وقد ذكر هذا الأمر في قوله تعالى: (ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون) هود 38. وهكذا تظهر الأحداث يتلو بعضها بعضاً بأحسن المعاني وأجزل الألفاظ التي تمتد إلى نهاية الحدث العظيم الذي أشار إليه تعالى بقوله: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين) هود 44. هذا ما لدينا وللمفسرين في الآية آراء:               

الرأي الأول: قال الزمخشري في الكشاف: نداء الأرض والسماء بما ينادي به الحيوان المميز على لفظ التخصيص والإقبال عليهما بالخطاب من بين سائر المخلوقات وهو قوله: يا أرض ويا سماء ثم أمرهما بما يؤمر به أهل التمييز والعقل من قوله: ابلعي ماءك و أقلعي من الدلالة على الاقتدار العظيم، وأن السماوات والأرض وهذه الأجرام العظام منقادة لتكوينه فيها ما يشاء غير ممتنعة عليه، كأنها عقلاء مميزون قد عرفوا عظمته وجلالته وثوابه وعقابه وقدرته على كل مقدور، وتبينوا تحتم طاعته عليهم وانقيادهم له، وهم يهابونه ويفزعون من التوقف دون الامتثال له والنزول على مشيئته على الفور من غير ريث، فكما يرد عليهم أمره كان المأمور به مفعولاً لا حبس ولا إبطاء. والبلع: عبارة عن النشف. والإقلاع: الإمساك. يقال: أقلع المطر وأقلعت الحمى  وغيض الماء من غاضه إذا نقصه وقضي الأمر وأنجز ما وعد الله نوحاً من هلاك قومه واستوت واستقرت السفينة على الجودي وهو جبل بالموصل وقيل بعداً  يقال بعد بعدا وبعدا، إذا أرادوا البعد البعيد من حيث الهلاك والموت ونحو ذلك، ولذلك اختص بدعاء السوء ومجيء أخباره على الفعل المبني للمفعول للدلالة على الجلال والكبرياء، وأنّ تلك الأمور العظام لا تكون إلا بفعل فاعل قادر، وتكوين مكون قاهر، وأن فاعلها فاعل واحد لا يشارك في أفعاله، فلا يذهب الوهم إلى أن يقول غيره: يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي، ولا أن يقضي ذلك الأمر الهائل غيره، ولا أن تستوي السفينة على متن الجودي وتستقر عليه إلا بتسويته وإقراره. انتهى موضع الحاجة من كلامه.

الرأي الثاني: يقول الالوسي في روح المعاني: (وقيل يا أرض ابلعي) أي انشفي استعير من ازدراد الحيوان ما يأكله للدلالة على أن ذلك ليس كالنشف المعتاد التدريجي، وتخصيص البلع بما يؤكل هو المشهور عن اللغويين، وقال الليث: يقال: بلع الماء إذا شربه وهو ظاهر في أنه غير خاص بالمأكول، وذكر السيد أن ذلك مجاز، وأخرج ابن المنذر وغيره عن وهب بن منبه أن البلع بمعنى الازدراد لغة حبشية، وأخرج أبو الشيخ عن جعفر بن محمد عن أبيه أنه بمعنى الشرب لغة هندية (ماءك) أي ما على وجهك من ماء الطوفان وعبر عنه بالماء بعد ما عبر عنه فيما سلف بأمر الله تعالى لأن المقام مقام النقص والتقليل لا مقام التفخيم والتهويل (ويا سماء أقلعي) أي أمسكي عن إرسال المطر يقال: أقلعت السماء إذا انقطع مطرها، وأقلعت الحمى إذا كفت، والظاهر أن المطر لم ينقطع حتى قيل للسماء ما قيل، وهل فوران الماء كان مستمراً حتى قيل للأرض ما قيل أم لا؟ لم أر فيه شيئاً، والآية ليست نصاً في أحد الأمرين (وغيض الماء) أي نقص يقال: غاضه إذا نقصه وجميع معانيه راجعة إليه. وقول الجوهري: غاض الماء إذا قل ونضب، وغيض الماء فعل به ذلك لا يخالفه فإن القلة عين النقصان، وتفسير ذلك بالنقص مروي عن مجاهد (وقضي الأمر) أي أنجز ما وعد الله تعالى نوحاً عليه السلام من إهلاك كفار قومه وإنجائه بأهله المؤمنين، وجوز أن يكون المعنى أتم الأمر. (واستوت) استقرت يقال: استوى على السرير إذا استقر عليه (على الجودي) بتشديد الياء، وقرأ الأعمش وابن أبـي عبلة بتخفيفها وهما لغتان كما قال ابن عطية وهو جبل بالموصل أو بالشام أو بآمل. انتهى.. وهناك شبه إجماع بين المفسرين على أن الجبل يقع في الموصل أما من قال إنه يقع في الفرات الأوسط فهذا لا يعتد برأيه.

الرأي الثالث: قال ابن عاشور في التحرير والتنوير: والبلع حقيقته اجتياز الطعام والشراب إلى الحلق بدون استقرار في الفم. وهو هنا استعارة لإدخال الشيء في باطن شيء بسرعة، ومعنى بلع الأرض ماءها: دخوله في باطنها بسرعة كسرعة ازدراد البالع بحيث لم يكن جفاف الأرض بحرارة شمس أو رياح بل كان بعمل أرضي عاجل. وقد يكون ذلك بإحداث الله زلازل وخسفاً انشقت به طبقة الأرض في مواضع كثيرة حتى غارت المياه التي كانت على سطح الأرض. وإضافة (الماء) إلى (الأرض) لأدنى ملابسة لكونه في وجهها وإقلاع السماء مستعار لكف نزول المطر منها لأنه إذا كف نزول المطر لم يُخلف الماء الذي غار في الأرض، ولذلك قدم الأمر بالبلع لأنه السبب الأعظم لغيض الماء. وفي قران الأرض والسماء محسّن الطباق، وفي مقابلة (ابلعي) بـ (أقلعي) محسّن الجناس. و (غيض الماء) مغن عن التعرض إلى كون السماء أقلعت والأرض بلعت، وبني فعل (غيض الماء) للنائب لمثل ما بني فعل (وقيل) باعتبار سبب الغيض، أو لأنه لا فاعل له حقيقة لأن حصوله حصول مسبب عن سبب والغيض: نضوبه في الأرض. والمراد: الماء الذي نشأ بالطوفان زائداً على بحار الأرض وأوديتها. وقضاء الأمر: إتمامه. وبناء الفعل للنائب للعلم بأن فاعله ليس غير الله تعالى. والاستواء: الاستقرار والجودي: اسم جبل بين العراق وأرمينا، يقال له اليوم (أراراط). وحكمة إرسائها على جبل أن جانب الجبل أمكن لاستقرار السفينة عند نزول الراكبين لأنها تخف عندما ينزل معظمهم فإذا مالت استندت إلى جانب الجبل. انتهى باختصار منا.. فإن قيل: أشرت من خلال البحث إلى قوله تعالى: (منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك) غافر 78. من هم أولئك الأنبياء الذين لم يرد ذكرهم في القرآن الكريم؟ أقول: طالما أن الله تعالى لم يذكر قصصهم فلا يمكن الوصول إلى تفاصيل ما جرى لهم، والغريب في هذا الأمر ما ذكره الطبرسي في المجمع منسوباً إلى الإمام علي من أن أحد أولئك الأنبياء كان من أصحاب البشرة السوداء ولذلك لم يتعرض القرآن الكريم إلى ذكره، وأنت خبير من أن هذه الروايات لا يمكن تصديقها أو نسبتها إلى سيد البلغاء والمتكلمين.. كرم الله وجهه.

 

                    عبدالله بدر اسكندر  

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2611 المصادف: 2013-10-28 23:49:30


Share on Myspace